|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بَيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ
لمّا فرغ الإمام مسلم -رحمه الله- مِنْ أحاديث الحَجّ والعُمْرة، جاء بأحاديث النّكاح، نظراً إلى أنّ النّكاحَ مُشتملٌ على المَصَالح الدّينية والدُّنيويّة، وهو أفضلُ مِنَ التخلّي للنّوافل، ثمّ جاء بأحاديث البُيوع، وبعضُ أهل الحديث قدّم البُيُوع على النّكاح؛ نظراً إلى أنّ احْتياجَ الناس إلى البَيع، أكثر مِنْ احتياجهم إلى النّكاح؛ فكان أولى بالتّقديم. لفظ «الكتاب» مشتملٌ على الأبواب، وهي كثيرة في أنْواع البُيوع، وجَمَعَ البَيع لاختلاف أنواعه، والصّرْف إنْ كان بيع الثَّمن بالثمن، والمُرابحة إنْ كان بالثّمن مع زيادة، والتّوْلية إنْ لمْ يكنْ مع زِيادة، والوَضِيعة إنْ كان بالنُّقصان، واللازم إنْ كان تامّاً، وغير اللازم إنْ كان بالخيار، والصّحيح والباطل والفاسد والمكروه، وغيرها. أركان البيع وشروطه ثم للبيع تفسير لغة وشرعا، وركنٌ وشَرْطٌ ومَحلّ، وحُكمٌ وحِكْمة.
باب: بَيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عبداللَّهِ - رضي الله عنه -: أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلَامَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ، فَقَالَ: بِعْهُ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ شَعِيراً، فَذَهَبَ الْغُلَامُ فَأَخَذَ صَاعاً وَزِيَادَةَ بَعْضِ صَاعٍ، فَلَمَّا جَاءَ مَعْمَراً أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ انْطَلِقْ فَرُدَّهُ، وَلَا تَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَإِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» قَال: وكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ. قِيلَ لَهُ: فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ، قَال: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ» الحديث رواه مسلم في المساقاة (3/1214) باب: بيع الطعام مثلاً بمثل. صحابي الحديث صحابي الحديث هو معمر بن عبدالله بن نافع بن نضلة بن عوف، وهو معمر بن أبي معمر القرشي العدوي، أسلم قديماً وتأخرت هجرته إلى المدينة، لأنّه كان هاجر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة، وعاش عُمراً طويلاً، وعداده في أهل المدينة.
وكانَ طعامنا يومئذ الشّعير
الحِنْطة والشّعير صِنْف واحد قال النووي: «واحتجّ مالكٌ بهذا الحديث، في كون الحِنْطة والشّعير صِنْفاً واحداً، لا يجوزُ بيعُ أحدهما بالآخر مُتفاضلاً، ومذهبُنا ومذهبُ الجُمهور: أنّهما صِنفان، يجوزُ التفاضلُ بينهما، كالحِنْطة مع الأرُز، ودليلنا ما سبق عند قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإذَا اخْتلفتْ هذه الأجْنَاس، فبِيعُوا كيفَ شِئتم». مع ما رواه أبو داود والنسائي: في حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا بأسَ ببيع البُرّ بالشّعِير، والشّعير أكَثَرهُما، يَداً بيدٍ»، وأمّا حديثُ معمر هذا، فلا حُجّةَ فيه؛ لأنّه لمْ يُصرّح بأنّهما جِنسٌ واحد، وإنّما خافَ مِنْ ذلك، فتورّعَ عنه احْتياطاً». انتهى. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم – باب: النَّهْيُ عن بَيْعِ الطَّعَامِ قبل أنْ يُسْتَوْفَى
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ»، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الرِّبَا؟! فَقَالَ مَرْوَانُ: مَا فَعَلْتُ؛ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى. قَالَ فَخَطَبَ مَرْوَانُ النَّاسَ؛ فَنَهَى عَنْ بَيْعِها، قَال سُلَيْمَانُ: فَنَظَرْتُ إِلَى حَرَسٍ يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ.
من اشترى شيئًا مما يؤكل
أي: إنَّه أرادَ بذلك أنْ يَقبِضوه أولاً؛ لأنَّ القَبضَ شَرْطٌ، ثمّ أنْ يَنقُلَ الطَّعامَ إلى مَكانٍ آخَرَ، أو إلى الأَسْواقِ الَّتي يُباعُ فيها، حتَّى لا يُحتكَرَ أو يُتلاعَبَ بسِعْرِه، وبالنَّقلِ المذكورِ يَحصُلُ القبْضُ. فالنَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهى أنْ يُباعَ الطَّعامُ إذا اشْتراهُ المشتري حتَّى يَستوفِيَه، أي: فلا يَتَّخِذُ أيَّ إجراءٍ أو تَصرُّفٍ بالبيعِ مرَّةً أُخرى، إلَّا إذا أخَذَ ما اشْتراهُ أوَّلًا، وأصبَحَ في. حَوْزتِه، وأنَّه يَعلَمُ مِقْدارَه عِلماً نافياً للجَهالةِ، وهذا يكونُ فيما بِيعَ بكَيْلٍ؛ فإنَّه لا بُدَّ أنْ يَكِيلَه أوَّلًا حتَّى يَستَوفِيَه تامّاً، ثُمَّ يَبِيعَه بعدَ ذلك، ولا يَحِلُّ له أنْ يَبِيعَه قبْلَ أنْ يَكْتَالَه؛ لأنَّه رُبَّما تَقَعُ فيه زِيادةٌ أو نُقصانٌ، ويكونُ في هذا غَبْنٌ وضَرَرٌ إمَّا على البائِعِ أو المُشتَرِي. فبعد أنْ يقبضه؛ هنا يُمكِنُه أنْ يُعيدَ بَيعَه، وفي هذا منعٌ لما قد يَضُرُّ بالبائعِ أوِ المُشتَري، أو أهْلِ البَلدِ، فيقَعُ الخِلافُ والتَّشاحُنُ بينَ النَّاسِ، ويقَعُ عليهمُ الضَّررُ. القبضُ يتفاوتُ بتفاوت المَبيع والقبضُ يتفاوتُ بتفاوت المَبيع: فما يتناولُ باليد كالدّراهم والدّنانير ونحوهما، فقبضه بالتّناول، وما لا يُنقل كالعَقار، والثّمَر على الشّجر، فقبضه بالتَّخْلية، وما ينقل في العادة؛ كالأخْشاب والحُبوب والحيوان، فقبضه بالنّقل إلى مكان لا اختصاصَ للبائع به، وما يُشترى كيلاً لا يُباع إلا بالكيل، وما يشترى وزْناً لا يُباع إلا بالوَزن، وأنّه لا يجوز أنْ يكتفي فيه بالكيل الأول، ولا بالوزن الأول، وقد انعقد إجْماع عُلماء هذه الأمة على جواز بيع الصّبرة جُزافاً؛ أي بلا كيلٍ ولا وزن.قال ابن قدامة في (المغني): «ومَنْ اشْتَرى ما يَحتاجُ إلى القَبْض؛ لمْ يَجُز بيعه حتّى يَقبضه، ولا أرى بين أهل العلم فيه خلافاً؛ إلا ما حُكي عن عثمان البتي، وأمّا غير ذلك؛ فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر الروايتين- أي عن أحمد- ونحوه قول مالك بن المنذر. اهـ, وقال عطاء بن أبي رباح والثوري وابن عيينة وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، والشافعي في الجديد، ومالك في رواية، وأحمد في رواية، وأبو ثور وداود: النهي الذي وَرَد في البيع قبل القبض؛ قد وقع على الطّعام وغيره، وهو مذهب ابن عباس أيضاً، ولكن أبا حنيفة قال: لا بأسَ ببيع الدُّور والأرْضين قبل القَبْض؛ لأنّها لا تُنْقل ولا تُحوّل. لكن الشافعي وموافقيه يقولون: إنّ قبضَ كلّ شيءٍ بحَسْبه. من فوائد الحديث:
الحديث الثاني
قال القاضي عياض- بعد أنْ تأوّله على هذا النحو- وكانوا يَتَبايعونها، ثمَّ يَبيعها المشترون قبل قبضها، فنُهوا عن ذلك، قال: فبلغ ذلك عُمر بن الخطاب، فردّه عليه، وقال: لا تَبِع طَعاماً ابتعته حتّى تستوفيه. اهـ. قال النووي: وكذا جاء الحديث مفسّراً في الموطأ: أنّ صُكوكاً خَرَجت للناس في زمن مروان بطَعام، فتبايع الناس تلك الصّكوك قبل أنْ يَسْتوفوها. وكَذَا جاءَ الحدِيثُ مُفَسَّراً في المُوطَّأ: أَنَّ صُكُوكًا خَرَجَتْ لِلنَّاسِ في زَمَنِ مَرْوانَ بِطَعَامٍ، فَتَبَايَعَ النَّاسُ تِلْكَ الصُّكُوكَ؛ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفُوهَا. وفِي المُوَطَّأِ: ما هُوَ أَبَيْنُ مِنْ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ حَكِيمَ بنَ حِزَامٍ ابْتَاعَ طَعَاماً أَمَرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -]-، فَبَاعَ حَكِيمٌ الطَّعَامَ الَّذِي اشْتَرَاهُ قَبْلَ قَبْضِهِ. من فوائد الحديث:
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: نَقْلُ الطّعامِ إذا بِيعَ جُزَافاً نظَّمَ الإسْلامُ المُعاملاتِ بين النَّاسِ ولاسيما في الأمْوالِ فنَهى عن أنْواع الغَررِ والجَهالةِ في البُيوعِ نَهَى النبي صلى الله عليه وسلم عن بَيعِ الثَّمرِ في رُؤوسِ النَّخلِ والشَّجرِ وعن بَيعِ الزُّروعِ جُزافاً قبْلَ أنْ تنضُجَ دونَ كَيلٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ اشْتَرَى طَعَاماً، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»، قَالَ: وكُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنْ الرُّكْبَانِ جزَافًا، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ، الحديث رواه مسلم في البيوع (2/1161) باب: بُطلانُ بيع المَبيع قبل القبض، وأخرجه البخاري في البيوع (2136) باب: بيع الطعام قبل أنْ يُقبض، وبيع ما ليس عندك. قوله: «مَنْ اشْتَرَى طَعَاماً، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» يُبيِّنُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ مَن اشترَى شَيئًا ممَّا يُؤكَلُ، فلا يَبِعه حتَّى يَستوفيَه، وفي لفظ: «حتَّى يَقْبِضَهُ» أي: فلا يتَّخِذْ أيَّ تَصرُّفٍ بالبيعِ مرَّةً أخرى، إلَّا إذا قَبَضَه وافياً، بأنْ يَأخُذَ ما اشتراهُ أولاً، ويُصبِحَ في حَوزتِه، فهنا يُمكِنُه أنْ يُعيدَ بيعَه. ظاهر هذا الحديث قال الحافظ ابن عبدالبر: «وظاهر هذا الحديث: يَحظُرُ ما وقع عليه اسمُ طعام، إذا اشْتُرِيَ حتّى يُسْتوفى، واسْتيفاؤه قَبْضه، على حسْبِ ما جَرَت العادة فيه، مِنْ كيلٍ أو وَزْن، قال الله -عزوجل-: {أوفُوا الكيلَ ولا تكونُوا مِنَ المُخسِرين} (الشعراء: 181). وقال: {فأوْفِ لنا الكيلَ وتَصَدّقْ عَلينا} (يوسف: 88). وقال: {وإذا كالُوهُم أو وزَنُوهُم يُخْسِرون} (المطففين: 3). قال: وأمّا اختلافُ العلماء في معنى هذا الحديث: فإنّ مَالكًا قال: مَنْ ابْتاعَ طَعامًا أو شَيئًا مِنْ جميع المَأكول أو المَشْروب ممّا يُدّخر، وممّا لا يذخر، ما كان منه أصلُ معاشٍ أو لمْ يكنْ، حاشا الماء وَحْده، فلا يجوزُ بيعُه قبل القَبْض، لا مِنَ البائع، ولا مِنْ غيره، سواءً كان بعينه أو بغير عينه، إلا أنْ يكونَ الطّعامُ ابتاعه جُزَافاً، صُبْرةً أو ما أشْبه ذلك، فلا بأسَ ببيعه قبلَ القَبْض؛ لأنّه إذا ابتيع جُزَافاً، كان كالعُرُوض التي يجوز بيعها قبل القَبض، هذا هو المشْهور مِنْ مذهب مالك، وبه قال الأوزاعي. ما لا يجوزُ أنْ يُباع قبلَ القَبض قال: وما لا يجوزُ أنْ يُباع قبلَ القَبض عند مالك، وأصحابه فلا يَجوزُ أنْ يُمْهر، ولا يُسْتأجر به، ولا يُؤخذ عليه بَدَل، ولا خلافَ عن مالك أنّ ما عَدَا المَأكول، والمَشْروب مِنَ الثياب والعُرُوض والعقار، وكلّ ما يكالَ ويُوزن إذا لمْ يكنْ مأكولاً، ولا مشروباً منْ جميع الأشياء كلّها غير المَأكول، والمَشْروب، أنّه لا بأس لمَنْ ابتاعه أنْ يبيعه قبل قَبْضه واسْتيفائه، وحُجّته فيما ذهب إليه ممّا وصفنا عنه: قوله - صلى الله عليه وسلم - «من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه، ولا يبعه حتى يستوفيه». ففي هذا الحَديث خُصُوص الطّعام بالذّكْر، فوجبَ أنْ يكونَ ما عَدَاه بخلافه، وفيه: مَنْ ابْتاعَ طَعاماً فوجب أنْ يكون المقروض، وغير المشترى بخلافه، استدلالاً ونظراً». انتهى. فوائد الحديث الحثُّ على إتمامِ الصَّفقاتِ، وحِيازةِ البائعِ لِمَا اشتراهُ، حتى يَتصرَّفَ فيه كَيْفما شاء، وليس فيه ارْتباطاتٌ لأحدٍ غيرِه. وفيه: أنَّ الإمامَ ووَلِيَّ الأمرِ يُرشِدُ النَّاسَ في أعمالِ بُيوعِهم وشِرائِهِم. أنّ الشَّرع الإسلاميّ الحَنيف، نظَّمَ أُمورَ التَّعامُلِ بيْن النَّاسِ في البَيعِ والشِّراءِ، وأَوضَحَ أُموراً لابدَّ منْها، حتّى لا يَتنازَعَ النَّاسُ فيما بيْنهم، وحتى تَتِمَّ الصَّفقاتُ بيْنهم وهي خاليةٌ مِن المُشكِلاتِ أو الحُرْمةِ. باب: بيعُ الطّعَامِ المَكِيل بالجِزاف عَنْ عبداللَّهِ بن عمر -رضي الله عنهما- قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ المُزَابَنَةِ، أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَتْ نَخْلًا، بِتَمْرٍ كَيْلاً، وإِنْ كَانَ كَرْماً، أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلاً، وإِنْ كَانَ زَرْعاً، أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ»، الحديث أخرجه مسلم في البيوع (2/1174) باب: النّهي عن المُحاقلة والمزابنة. أخرجه البخاري في البيوع (2205) باب: بيع الزّرعِ بالطّعام كيلاً. وفي هذا الحديثِ يقولُ عبداللهِ بنُ عمرَ -رضي الله عنهما-: «نَهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُزابَنةِ، أنْ يَبيعَ ثمَرَ حائطِه»، أي: ثَمَرَ بُستانِه أو مَزرعتِه، «إنْ كان نخْلاً بتمْرٍ كَيلاً» أي: إنْ كانت ثمرةَ نخْلٍ، وهو الرُّطَبُ على رُؤوسِ النَّخلِ، فلا يَبِيعُه بتمْرٍ يابسٍ كَيلاً، أي: بكذا وسْقًا من تمْرٍ. قوله: «وإنْ كان كرْماً» أي: عِنَباً، «أنْ يَبيعَه بزَبيبٍ كَيلًا» أي: يأخُذَ زَبيباً بكيلٍ مُحدَّدٍ مُقابلَ العِنبِ غيرِ النَّاضجِ، وغيرِ المَعْروفِ مِقدارُه، والزَّبيبُ: هو العِنبُ المُجفَّفُ. قوله: «وإنْ كان زَرْعاً، أنْ يَبيعَه بكَيلِ طعامٍ» أي: وكذلك لا يَبيعُ الزَّرعِ في سُنبلِه بحِنْطةٍ صافيةٍ كَيلاً. قوله: «نَهى عن ذلك كلِّه» أي المَقصودُ: أنَّه نَهَى عن بَيعِ الثَّمرِ في رُؤوسِ النَّخلِ والشَّجرِ، وعن بَيعِ الزُّروعِ جُزافاً قبْلَ أنْ تنضُجَ دونَ كَيلٍ، وأنْ يأخُذَ مُقابلَ ثمَرِه غيرِ النَّاضجِ قدْراً معلوماً مِنَ الثِّمارِ القديمةِ المَخْزونةِ، ولكنْ عليه أنْ ينتظِرَ حتَّى ينضُجَ الثَّمرُ، ويجمَعَه ويَكيلَه، ويعرِفَ مِقدارَه، ثمَّ يَبيعَه كيف شاء، بما أحَلَّ اللهُ مِنَ البُيوعِ، حتَّى لا يقَعَ في الغَررِ والجَهالةِ، فربَّما فسَدَ أو تلِفَ، وربَّما زاد قدْرُه أو نقَصَ، عمَّا تَمَّ الاتِّفاقُ عليه. الترخيص في بيع العاريّة وفي الصَّحيحَينِ: «أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ في بَيعِ العَرايا»، والعَرايا جمْع عَريَّة، وهي النَّخلةُ، هو نَوعٌ من أنواعِ البُيوعِ، ومعناه: أنْ يَبيعَ الرُّطبَ على النَّخلِ بتمر على الأرضِ، أو العِنبَ على الشَّجرِ بخَرْصِه- أي: بمِقدارِه - مِن الزَّبيبِ، على أنْ يكونَ ذلك خَمسةَ أَوسقٍ فما دُونَ ذلك، وسُمِّيَ ببيعِ العرايا، لأنَّ النخلةَ يَعرُوها- أي: يُعطيها- مالكُها لرَجُلٍ مُحتاجٍ إلى أكْلِ ثَمرتِها مُدَّةً معيِّنةً، وقيل: لأنَّ هذِه النخلةَ عَرِيتْ عن حُكمِ باقي البُستانِ، حيثُ تَخلَّى صاحبُها عنها من بَينِ سائرِ نخْلِه، وهذا البيعُ مُستثنًى مِن بَيعِ المزابنةِ المنهيِّ عنه، وسيأتي الكلام عليه، قال الحافظ ابن عبدالبر: «وكلُّ ما لا يجوزُ فيه التّفاضل، لمْ يَجزْ بيعُ بعضِه ببعضِه جُزَافاً بكيل، ولا جُزَافاً بجُزافٍ، لعَدم المُماثلة المأمور بها في ذلك، ولمُواقعة القِمَار، وهو الزَّبْن. مَنْ زادَ أو ازداد فقد أرْبى قال: ألا تَرَى أنّ كلّ ما وَرَد في الشّرع: أنْ لا يُباعَ إلا مثلاً بمثل، إذا بيعَ منه مَجهولٌ بمجهُول، أو معلومٌ بمَجهول، أو رَطبٌ بيابس، فقد دخل في ذلك التفاضل، وجُهِل المُماثلة، وما جُهِلتْ حقيقة المماثلة فيه، لمْ يُؤمن فيه التفاضل، فدخل في ذلك الرّبا، لأنَّ الحديث وَرَد في مثل ذلك، أنّ مَنْ زادَ أو ازداد، فقد أرْبى، وفي ذلك قمارٌ، وخَطرٌ أيضًا، وهذا كله تقتضيه معنى المُزابنة. فإنْ وقَعَ البيع في شيءٍ مِنَ المُزابنة، فُسخَ إنْ أُدْرك قبلَ القَبضِ وبعده، فإنْ قُبضَ وفاتَ، رجعَ صاحبُ الثّمرة بمَكيلةِ ثَمَرِه، على صاحب الرُّطَب، ورجع صاحبُ الرُّطب بقيمةِ رُطبه على صاحب الثمر يومَ قَبْضه، بالغاً ما بلغ، وما كان منْه قبل قبضه، فمصيبتُه مِنْ صاحبه. قال أبو عمر: هذا أصلُ هذا الباب، وهو يقتضي المُماثلة في الجِنْس الواحد، ويَحْرمُ الازْدياد فيه، وأمّا النسيئة في بيع الطّعام بالطعام جملة، فذلك غير جائز عند جمهور العلماء، لقوله عليه السلام: «البُرّ بالبُرّ رباً، إلا ها وها». فالجنس الواحد من المأكولات، يدخله الربا مِنْ وجْهين: الزّيادة والنّسيئة، والجنسان يدخلهما الربا منْ وجْهٍ واحد، وهو النسيئة». انتهى. فوائد الحديث النَّهيُ عن البُيوعِ الَّتي فيها جَهالةٌ وغَررٌ، كالمزابنةِ وما شابَهها مِن البُيوعِ، لِمَا يُورِثُ ذلِك من الشَّحناءِ والبَغضاءِ، والحِقدِ والحسدِ. لا يجوزُ بيعُ الرّطب خَرْصاً بتمرٍ كيلاً، إلا في العَرايا. ولا يجوزُ بيع العِنَب خَرْصاً، بزبيبٍ كيلًا. ولا يجوزُ كذلك بيعُ ثمرةِ الزّرع خَرْصاً، بجِنْسها كيلاً. وفيه: أنّ الإسْلامُ جاء فنظَّمَ المُعاملاتِ بين النَّاسِ، وخاصَّةً في الأمْوالِ، حتَّى يَنزِعَ أسبابَ الشِّقاقِ والاختلافِ، فنَهى عن أنْواع الغَررِ والجَهالةِ في البُيوعِ. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بيعُ التّمرِ مِثْلاً بمِثْل
عنَّ أَبي هُرَيْرَةَ وأَبي سَعِيدٍ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ، فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنْ الْجَمْعِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَفْعَلُوا، ولَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا، واشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وكَذَلِكَ الْمِيزَانُ». الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1215) باب: بيع الطّعام مثلاً بمثل، ورواه البخاري في البيوع (2201) باب: إذا أرادَ بيع تمرٍ بتمرٍ خيرٍ منه، ومواضع أخرى. في هذا الحديثِ يَرْوي أبو سَعيدٍ الخُدْريُّ وأبو هُريرةَ -رضي الله عنهما- أنَّ رَسولَ اللهِ -[- اتَّخَذَ عاملاً، واسم هذا العامل: سَواد بن غزية بن وهب البَدْري البلوي، حليف الأنصار، وقيل: مالك بن صَعْصعة الخزرجي، ذكره الخطيب، وجزم ابن بشْكوال بالأول. قوله: «فاسْتَعْملَه على خَيبَرَ» «خَيبَرَ» مَنطقةٌ شَمالَ المَدينةِ النبويةِ، كان بها حُصونٌ لليَهودِ، وفُتِحَت بعْدَ صُلْحِ الحُدَيبيةِ، في أوَّلِ المُحرَّمِ سَنةَ سَبْعٍ مِن الهِجرةِ، وقوله: «فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ» أي: أَتَى سَوَادٌ - رضي الله عنه - إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «بتَمرٍ جَنيبٍ» وهو نَوعٌ جيِّدٌ مِنْ أنواعِ التَّمرِ، وقيل: الصُّلْبُ منه، فسَأَلَه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أكُلُّ تَمْرِ خَيْبرَ هكذا؟». فقال الرجُلُ: «لا واللهِ يا رَسولَ الله، إنَّا لنَأخُذُ الصَّاعَ» أي: مِن الجَنيب، بالصَّاعين، «منَ الجَمْع» أي: مِنَ التَّمرِ الرَّديءِ، وهو كلُّ نوعٍ مِنَ التّمر لا يُعرف اسمه، أو تمر مُختلط منْ أنواعٍ متفرّقة، وليس مرغوبًا فيه وما يخلط إلا رداءته، وفسّره في المصباح: بالدقل، وهو أرْدأ أنواعِ التّمْر، وفسَّره في القاموس: بالنّخل الذي يَخرجُ مِنَ النّوى لا يُعرف اسْمه. وفي رواية: «والصَّاعينِ مِن الجَنيبِ بالثَّلاثةِ» وقع في بعض الروايات بـ«الثلاث» بغير هاء. والصّاع يذكّر ويؤنّث. لَا تَفْعَلُوا، ولَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ قوله: «لَا تَفْعَلُوا، ولَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ» أي: فنَهاهُ - صلى الله عليه وسلم - عن أنْ يَفعَلَ هذا، وفي رواية له وللبخاري: «أوّه أوّه، عَينُ الرّبا» مرّتين، وقوله: «أَوْ بِيعُوا هَذَا، واشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وكَذَلِكَ الْمِيزَانُ» أي: وَجَّهَه لأنْ يَبِيعَ التَّمرَ الرَّديءَ بالدَّراهمِ، ثمَّ يَشْتريَ بالدَّراهمِ تَمْراً جَنيباً؛ ليَكونَا صَفقتَينِ؛ وذلك حتَّى لا يَقَعَ في رِبا الفضْلِ، وهو: بَيعُ النُّقودِ بالنُّقودِ متفاضلاً، أي: مع الزِّيادةِ، أو الطَّعامِ بالطَّعامِ مع الزِّيادةِ، وهو ربا مُحرَّمٌ، وقد نصَّ الشَّرعُ على تَحريمِه في سِتَّةِ أشياءَ: ففي صَحيحِ مُسلمٍ: قال رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم -: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مِثلًا بمِثلٍ، سَواءً بسَواءٍ، يدًا بيَدٍ، فإذا اختَلَفَت هذه الأصنافُ فَبِيعوا كيف شِئتُم إذا كان يَدًا بيَدٍ». تحريم التّفاضلُ في الجِنْس الواحد قوله: «وكَذَلِكَ المِيزَانُ» أي: يَحْرمُ التّفاضلُ فيه أيضًا في الجِنْس الواحد، قال ابن عبد البر: المِيزانُ، وإنْ لمْ يذكره مالك فهو أمرٌ مُجمعٌ عليه، لا خلاف بين أهل العلم فيه، كلّ يقوله على أصله، إنّ ما داخله في الجنس الواحد من جهة التفاضل والزيادة؛ لمْ تَجزْ فيه الزيادة والتفاضل، لا في كيلٍ ولا في وَزْن، والوزنُ والكيلُ عندهم في ذلك سَواء، إلا ما كانَ أصْلُه الكيل؛ لا يُباعُ إلا كيلاً، وما كان أصْلُه الوَزْن؛ لا يُباعُ إلا وَزْناً، وما كانَ أصْلُه الكيلُ فبيعَ وَزْناً؛ فهو عندهم مُمَاثلة، وإنْ كرِهُوا ذلك، وما كان موزوناً؛ فلا يجوز أنْ يُباع كيلاً عند جميعهم، لأنّ المماثلة لا تُدْرك بالكيل، إلا فيما كان كيلاً لا وزناً، اتباعاً للسُّنّة، وأجْمعوا أنّ الذّهبَ والوَرِق والنُّحاس وما أشبه، لا يجوزُ شيءٌ مِنْ هذا كلّه كيلاً بكيل، بوجهٍ مِنَ الوجُوه، والتمرُ كلّه على اختلاف أنواعه جنسٌ واحد، لا يجوز فيه التفاضلُ في البيع والمُعَاوضة، وكذلك البُر والزّبيب، وكلّ طعامٍ مَكيل، هذا حُكمُ الطّعام المُقْتَات عند مالك، وعند الشافعي: الطعام كلّه مُقْتات، أو غير مُقْتات، وعند الكوفيين: الطّعام المكيل والموزون دون غيره. انتهى. ![]() مَنْ لمْ يقلْ بسدّ الذّرائع قال القرطبي: استدلّ بهذا الحديث مَنْ لمْ يقلْ بسدّ الذّرائع؛ لأنّ بعض صور هذا البيع يُؤدّي إلى بيع التّمر بالتمر متفاضلاً، ويكون الثمن لغزاً، قال: ولا حُجّة في هذا الحديث؛ لأنّه لمْ ينص على جواز شِراء التمر الثاني ممّن باعه التّمر الأول، ولا يتناوله ظاهر السياق بعُمومه بل بإطلاقه، والمُطْلق يحتمل التقييد إجْمالاً، فوجبَ الاسْتِفسار، وإذا كان كذلك فتقييده بأدنى دليلٍ كاف، وقد دلّ الدليل على سدّ الذرائع؛ فلتكنْ هذه الصّورة ممنُوعة. واستدلّ بعضهم على الجواز: بما أخرجه سعيد بن منصور: من طريق ابن سيرين: «أن عُمر خَطبَ فقال: إنّ الدّرهم بالدّرهم سواءً بسواء، يداً بيد»، فقال له ابن عوف: فنُعطي الجَنيب ونأخذ غيره؟ قال لا، ولكن ابتع بهذا عرضاً، فإذا قبضته وكان له فيه نية؛ فاهْضِم ما شئت، وخُذْ أيّ نقدٍ شئت». واستدلّ أيضاً: بالاتفاق على أنّ مَنْ باع السّلْعة التي اشْتراها ممّن اشتراها منه بعد مدة؛ فالبيع صحيح، فلا فرق بين التعجيل في ذلك والتأجيل، فدلّ على أن المعتبر في ذلك: وجود الشرط في أصل العقد وعدمه؟ فإنْ تشارطا على ذلك في نفْسِ العقد؛ فهو باطل، أو قبله ثمّ وقع العقد بغير شرطٍ؛ فهو صحيح، ولا يخفى الورع. وقال بعضُهم: ولا يضرّ إرادة الشّراء إذا كان بغير شَرْط، وهو كمَنْ أرادَ أنْ يَزْني بامرأةٍ ثمّ عدل عن ذلك، فخَطَبها وتزوجها، فإنّه عَدَلَ عن الحَرَام إلى الحلال؛ بكلمة الله التي أباحها، وكذلك البيع، والله أعلم. من فوائد الحديث:
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: النَهي عَنْ بَيْعِ الثَّمَر حتّى يَبدُو صَلاحُه
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم-: «نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ، وَعَنْ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ، وَيَأْمَنَ العَاهَةَ، نَهَى البَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ»، الحديث رواه مسلم في البيوع (2/1165) باب: النَهي عَنْ بَيْعِ الثَّمَار قبل بدُو صَلاحُها بغير شَرط القَطع. قوله: «نهى عنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ» يَزهو: أي يَظهر فيه الزَهو، وهو الاحْمِرار أو الاصْفرار الذي يدُلُّ على بداية نضج الثمرة، وفي لفظ للبخاري ومسلم: من حديث أنس - رضي الله عنه -: أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن بيع ثَمَر التَّمْر حتّى تَزْهُو، فقلنا لأنس: ما زَهْوها؟ قال: تَحْمَرَ وتَصْفرّ، أرأيتَ إنْ مَنَعَ الله الثَّمَرةَ؛ بِمَ تسْتحل مَالَ أخيك؟». قوله: «وَعَنْ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ» والسُّنبل: هو ما عليه الحبّ مِنَ الزّرع، كالقمح والشعير، ويبيض: أي يُصبح لُونه أبيض، وهو علامةُ نضجه، قوله: «ويأمنَ العَاهة» أي: يخلو مِنَ الآفات والأمْراض التي قد تُفسده، وفي لفظ للبخاري ومسلم: عن جابر - رضي الله عنه - قال: نَهى رسُول الله - صلى الله عليه وسلم- عن بَيع الثّمرِ حتّى يطيب، وفي لفظ: عن أنس - رضي الله عنه -: أنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أنْ تُباعَ ثَمرةَ النّخل حتّى تَزْهو. قال أبو عبدالله: يعني حتّى تَحْمرّ، وفي لفظ: عن أنس - رضي الله عنه -: عن النّبي - صلى الله عليه وسلم- أنّه نَهى عن بيع الثَّمرة حتّى يَبْدُو صَلاحها، وعن النَّخْل حتّى يَزْهُو. قيل: وما يزْهُو؟ قال: «يحْمارّ أو يصفار». نَهَى النبي - صلى الله عليه وسلم- عن بيع الثمار حتّى تَزهى وفي لفظ: عن أنس - رضي الله عنه -: أنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن بيع الثمار حتّى تَزهى، فقيل له: وما تزهى؟ قال: حتى تحْمّر، فقال: أريتَ إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدُكم مال أخيه؟ وفي لفظ للبخاري ومسلم: من حديث جابر - رضي الله عنه - قال: نهى النّبيّ - صلى الله عليه وسلم- أنْ تُباع الثّمرة حتّى تَشْقح، فقيل: ما تَشْقح؟ قال: «تحمارّ وتصفارّ، ويُؤكل منْها». وقد أخرج مسلم: عن ابن عمر - رضي الله عنه -: أن رسُول الله - صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن بيع النَّخْل حتّى يَزْهُو، وعن السُّنْبل حتّى يَبْيض، ويَأمن العاهة، نهى البائع والمُشْترى، وفي لفظ عنه - رضي الله عنه -: لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة، قال: يبدو صلاحه حمرته وصفرته. النهي عن بَيْعِ الثِّمارِ الَّتي على الشَّجرِ ففي هذه الأحاديثِ: نَهَى - صلى الله عليه وسلم - عن بَيْعِ الثِّمارِ الَّتي على الشَّجرِ، أو على رُؤوسِ النَّخلِ مُنفرِدةً وحْدَها، حتَّى تَنضَجَ، ويَظهَرَ صَلاحُها، بظُهورِ مَبادئِ الحَلاوةِ؛ بأنْ يَتلوَّنَ ويَلِينَ أو نحْوِ ذلك؛ لأنَّه إذا احمَرَّتْ أو اصفَرَّتْ كان ذلك عَلامةً على تَمامِ نُضوجِها؛ فإنَّه حينئذٍ يَأمَنُ مِن العاهةِ، التي هي الآفةُ التي قدْ تُذهِبُ بالثَّمَرِ أو تُقلِّلُه. قوله: «نَهَى البَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ» أي: البائع والمُشْتري، كلاهما منْهيٌّ عن ذلك. الفائدةُ مِنَ النَّهْيِ عن هذا البَيْعِ فالفائدةُ مِنَ النَّهْيِ عن هذا البَيْعِ، تَعُودُ على البائعِ والمُشترِي معًا؛ فأمَّا البائعُ فلِأَنَّ ثَمَنَ الثَّمَرةِ قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ قَلِيلٌ، فإذا تَرَكَها حتى يَظْهَرَ صَلاحُها زاد ثَمنُها، وفي تَعجُّلِه القليلَ نَوْعُ تَضيِيعٍ للمالِ، وكذا قدْ يَتلَفُ الثَّمَرُ قبْلَ أنْ يَنضَجَ، فيكونُ قد أكَلَ مالَ أخيه المسلمِ بغيرِ حقٍّ، وأمَّا المُشترِي فإنَّه إذا اشترَى الثَّمَرَ قبْلَ نُضْجِه؛ فإنَّه قد يَفقِدُ مالَه إذا لم يَخرُجِ الثَّمَرَ على النَّحْوِ المَطلوبِ، فيكونُ قد خاطَرَ بمالِه، بالإضافةِ إلى فائدةٍ أُخرى تَعودُ على الطَّرَفينِ، وهي: إنَّ النَّهيَ عن هذا البَيْعِ؛ يَقْطَعُ التَّشاحُنَ والتّخاصم، والإثمَ الَّذي قد يَقَعُ بيْنهما عندَ فَسادِ الثَّمَرةِ. فوائد الحديث
العقل نعمة الفِكر والتدَّبُر جعل الله تعالى العقل مناط التكليف، وبه يميز الإنسان الصحيح من الخطأ والنافع من الضار، فمن استخدم عقله لنيل رضى الله نال مبتغاه وسلم من مهاوي الردى، ومن استخدمه لغير ذلك ندم حيث لا ينفع الندم، فمن المعلوم أنّ العقل هو آلة الإدراك والتمييز عند بني البشر، وبهذه الآلة فضّله الله تعالى على كثير ممّن خلق، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) الإسراء / 70. ولقد وجّهنا الله تعالى إلى توظيف نعمة العقل في التأمّل والتفكّر والتدبّر والنظر في السماوات والأرض وما فيهما، قال تعالى: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) يونس / 101. وقال أفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج / 46. وقد ذمّ الله تعالى الّذين عطلوا عقولهم عن التفكّر والتدبّر، فلم يعتبروا بمخلوقات الله تعالى الدالّة على عظمته وإبداعه، فقال سبحانه: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) يوسف/105. والآيات الدالّة على الله ووحدانيته وقدرته كثيرة مبثوثة في تضاعيف الكون، معروضة للأبصار والبصائر، في السماوات والأرض، يمرون عليها صباح مساء، آناء الليل وأطراف النهار، وهي ناطقة تكاد تدعو الناس إليها، بارزة تواجه العيون والمشاعر، موحية تخايل للقلوب والعقول، ولكنهم لا يرونها ولا يسمعون دعاءها ولا يحسّون إيقاعها العميق. ومن هنا فإن العقل لا ينفع صاحبه إن لم يُطِع الله، وينعَم بفضله في الحياة الدنيا، فالذين لم يعبُدوا الله عبادة حقيقية بعيدة عن الشرك وأوثان الهوى والبدع، فهؤلاء لا تنفعُهم عقولهم في تحقيق السعادة في الدنيا، والنجاة من عذاب الله في الآخرة، على الرغم من كونهم أصحاب ذكاءٌ وفطنة، فهذا الذكاء وتلك الفطنة لا توجِب السعادة والنجاة من العذاب إلا بعبادة الله وحده لا شريك له، والإيمان برسله وكتبه واليوم الآخر. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بيع الْمُزَابَنَةِ
عن بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ: أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ حَدَّثَاهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ المُزَابَنَةِ؛ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، إِلَّا أَصْحَابَ العَرَايَا؛ فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ»، الحديث رواه مسلم في البيوع (2/1170-1171) باب: تحريم بيع الرُّطب بالتّمر إلا في العَرايا، ورواه البخاري بنحوه عن ابن عمر -رضي الله عنهما- في البيوع (2185) باب: بيع المزابنة. بُشَيْرِ بن يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ، الأنْصاري مولاهم المَدني، وكنيته يسار أبو كيسان، تابعيٌ ثقة. قال محمد بن سعد: كان شيخاً كبيراً فقيهاً، وكان قد أدْرك عامّة أصحاب رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان قليل الحديث، ورَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ هو الحارثي الأنْصاري، صحابي جليل. وسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ، هو الأنصاري الخَزْرجي، صحابيٌ صغير. النهي عَنْ المُزَابَنَةِ قولهما: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ المُزَابَنَةِ، الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ» أي: نَهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن أنْ يَبيعَ الرجل ثمَرَ حائطِه، أي: ثَمَرَ بُستانِه أو مَزرعتِه، بتمرٍ كيلاً. وفي حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «نهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُزابَنَةِ، والمُزابَنَةُ بيعُ ثمرَ النّخل بالتمرٍ كيلاً، وبيعُ الزّبيبِ بالعِنَب كيلاً، وعن كلّ ثَمَرٍ بخَرْصِه». متفق عليه. أي: إنْ كان نخْلاً؛ أنْ يبيع ثمرةَ النخْلٍ، وهو الرُّطبُ على رُؤوسِ النَّخلِ، أنْ يَبِيعُه بتمْرٍ يابسٍ كَيلاً، أي: بكذا وسْقٍ من تمْرٍ، وإنْ كان عِنباً، أنْ يَبيعَه بزَبيبٍ كَيلًا، أي: يأخُذَ زَبيباً بكيلٍ مُحدَّدٍ مُقابلَ العنبِ غيرِ النَّاضجِ وغيرِ المعروفِ مِقدارُه، والزَّبيبُ: هو العِنبُ المُجفَّفُ، وفي لفظٍ: «وإنْ كان زرعاً؛ أنْ يَبيعَه بكَيلِ طعامٍ»، أي: وكذلك لا يَبيعُ الزَّرعِ في سُنبلِه، بحِنْطةٍ صافيةٍ كَيلاً؛ قال: «نَهى عن ذلك كلِّه». النهى عن بَيعِ الثَّمرِ في رُؤوسِ النَّخلِ والشَّجرِ والمَقصودُ: أنَّه نهى عن بَيعِ الثَّمرِ أيّاً كان في رُؤوسِ النَّخلِ والشَّجرِ، وعن بَيعِ الزُّروعِ جُزافاً قبْلَ أنْ تنضُجَ دونَ كَيلٍ، وأنْ يأخُذَ مُقابلَ ثمَرِه غيرِ النَّاضجِ قدْرًا معلوماً مِنَ الثِّمارِ القديمةِ المَخزُونةِ، ولكنْ عليه أنْ ينتظِرَ حتَّى ينضُجَ الثَّمرُ، ويجمَعَه ويَكيلَه، ويعرِفَ مِقدارَه، ثمَّ يَبيعَه كيف شاء، بما أحَلَّ اللهُ من البُيوعِ؛ حتَّى لا يقَعَ في الغَررِ والجَهالةِ، فربَّما فسَدَ أو تلِفَ، وربَّما زاد قدْرُه أو نقَصَ عمَّا تَمَّ الاتِّفاقُ عليه. قال ابنُ عبدالبر: «ولا خلافَ في أنّ بيعَ الرُّطَب على النّخلِ بالتَّمْر كيلاً، وبيع العِنَب على الكرم بالزبيب كيلاً مُزابنة، والخلاف بين العلماء في إلحاق غيرهما مِنَ الثمار بهما، فقيل: تختصُّ المزابنة بهما، والجُمهور على الإلْحاق، أمّا الشافعي فيلحق بذلك كلّ بيع مجهولٍ بمَجهول، وكل بيع مجهولٍ بمَعْلوم؛ مِنْ جِنسٍ يجري الرّبا في نقده. سبب النهي قال: وسببُ النّهْي عنده ما يدخله مِنَ القمار والغَرَر، فنظر مالك إلى معنى المُزابنة لغة، وهي المُدافعة، ويدخل فيها القِمَار والمُخَاطرة، وكلّ ما يُباع مثلاً بمثل؛ لا يجوز فيه كيلٌ بجُزَاف، ولا جُزَاف بجُزَاف. مسائل متفرعة وتفرع عن هذه المسألة مسائل: منْها بيعُ الرُّطب على رُؤوس النّخل؛ برطبٍ على الأرض، أو على رُؤوس نخلٍ أخرى، فأجازه ابن خيران من الشافعية، ومنعه الاصْطرخي، وصحّحه جماعة، وقيل: إن كانا نوعاً واحداً لمْ يجز، إذْ لا حاجة إليه، وإن كانا نوعين جاز، وهو رأي أبي إسحاق. ومنها: بيع العِنب على الكرم خرصاً، بالتّمر على الأرض كيلاً، وهو جائز. وبيع الرطب والعنب على أصولهما خرصاً؛ بالدَّرهم والدينار، وهو جائز أيضاً. انتهى. فوائد الحديث
باب: بَيْع العَرَايَا بِخَرْصِهَا عن زَيْد بْن ثَابِتٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ، يَأْخُذُهَا أَهْلُ البَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْراً، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا، الحديث رواه مسلم في الباب السابق. وكذا البخاري. سبق في الحَديثِ الماضي أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بَيعِ الثَّمرِ في رُؤوسِ النَّخلِ قبْلَ جَنْيِه؛ تَقديراً بالتَّمْرِ على الأرْضِ، وهو المَعروفُ: ببَيعِ المُزابَنةِ، لكن قد اسَتْثنى - صلى الله عليه وسلم - مِن ذلك العَرِيَّةَ، وهي: أنْ يُشتَرى الرُّطَبُ بعْدَ بُدوِّ صَلاحِهِ على النَّخلِ؛ بتمرٍ على الأرْض، فيُعطِي ثَمرةَ النَّخلةِ للمُحتاجِ ليَأكُلَ مِن ثَمَرِها وَقْتَما يَشاءُ، ويُقدِّرَ ما على النَّخْلِ، ويَأخُذَ بدَلاً منه تَمْرًا؛ وذلك لأنَّ بعضَ النَّاسِ كانوا يُدرِكون مَوْسِمَ الرُّطَبِ، وهم لا يَملِكون نَخْلاً أو مالاً، ويُريدون أنْ يُطعِموا عِيالَهم من الرُّطب، فأراد النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الإرفاقَ بهم، فرخَّص في هذا النَّوعِ مِن البَيْعِ، إذا كان دُونَ خَمْسةِ أوْسُقٍ، كما سيأتي مِن حَديثِ أبي هُريرةَ - رضي الله عنه -، والوَسْقُ: وِعاءٌ يَسَعُ سِتِّينَ صاعًا.
باب: في قَدْر ما يجوزُ بَيْعه مِنَ العَرَايا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا بِخَرْصِهَا؛ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ، يَشُكُّ دَاوُدُ قَالَ: خَمْسَةٌ أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ، الحديث رواه مسلم في الباب السابق، وفي لفظٍ للصَّحيحَينِ: «أنَّ رسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ في بَيعِ العَرايا»، والعَرايا كما سبق جمْع عَريَّة، وهي النَّخلةُ، ومعناه: أنْ يَبيعَ الرُّطبَ على النَّخلِ بتَمرٍ على الأرْضِ، أو العِنبَ على الشَّجرِ بخَرْصِه- أي: بمِقدارِه - مِن الزَّبيبِ، على أنْ يكونَ ذلك خَمسةَ أَوسقٍ فما دُونَ ذلك. قوله: «فيما دُون خَمْسة أوْسق، أو في خَمسة» شكٌ من الراوي. قوله: «أوْسُق» جمع وَسق بفتح الواو وضمها، ويقال بكسرها، والفتح أفصح، ويقال في الجمع أيضاً: أوسَاق ووسوق، والوسق في الأصل: ضَمّ الشيء بعضه إلى بعض، وقدْره سُتّونَ صاعاً، وكان كيلاً معروفاً، ووزنه يختلفُ منْ مَكيلٍ إلى مكيل مِنَ الحُبُوب والثمار، وكان كيل الصاع نحو أربع حَفنات، بحفنات رجلٍ معتدل. وهذا البيعُ مُستثنًى مِن بَيعِ المزابنةِ المنهيِّ عنه، رخّص به للحاجة، كما سبق.اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: في قَدْر ما يجوزُ بَيْعه مِنَ العَرَايا
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا بِخَرْصِهَا؛ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ، (يَشُكُّ دَاوُدُ قَالَ: خَمْسَةٌ أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ)، الحديث رواه مسلم في الباب السابق، وأخرجه البخاري في البيوع (2190) باب: بيع الثّمر على رؤوس النخل بالذهب أو الفضة. وفي لفظٍ للصَّحيحَينِ: «أنَّ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ في بَيعِ العَرايا»، والعَرايا كما سبق جمْع عَريَّة، وهي النَّخلةُ، ومعناه: أنْ يَبيعَ الرُّطبَ على النَّخلِ بتَمرٍ على الأرْضِ، أو العِنبَ على الشَّجرِ بخَرْصِه- أي: بمِقدارِه- مِن الزَّبيبِ، على أنْ يكونَ ذلك خَمسةَ أَوسقٍ فما دُونَ ذلك.
جواز بَيعِ العَرايا في هذا الحَديثِ يُخبِرُ أبو هُرَيرةَ - رضي الله عنه - أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «رخَّصَ» أي: أَجازَ وأباحَ، «في بَيعِ العَرايا» وصُورتُه: أنْ يَشتريَ الرُّطَبُ بعْدَ بُدوِّ صَلاحِهِ على النَّخلِ؛ بتَمْرٍ على الأرضِ، فيُعطِيَ ثَمرةَ النَّخلةِ للمُحتاجِ ليَأكُلَ مِن ثَمَرِها وَقْتَما يَشاءُ، ويُقدِّرَ ما على النَّخْلِ ويَأخُذَ بدَلًا منه تَمْراً. وسُمِّيَ ببَيعِ العَرايا؛ لأنَّ النَّخلةَ يُعطيها مالِكُها لرجلٍ مُحتاجٍ، أي: يَعْرُوها لهُ. ولكنِ اشتَرَط الشَّرعُ أنْ يكونَ ذلك «بخَرْصِها» أي: بِنَفسِ مِقدارِ ثَمرِ النَّخلِ تمْراً؛ وذلك لأنَّ بعضَ النَّاسِ كانوا يُدرِكون مَوْسِمَ الرُّطَبِ، وهمْ لا يَملِكون نَخْلًا أو مالًا، ويُريدون أنْ يُطعِموا عِيالَهم منها، فأراد النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الإرفاقَ بهم، فأباح لهم ذلك، واشتَرَط أنْ يكونَ ذلك في مِكيالٍ أو وزْنٍ أقلَّ مِن «خَمسةِ أوسُقٍ» والوَسْقُ: مِكيالٌ يَسعُ ستِّينَ صاعاً. والمعنى: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رخَّصَ لهم في هذا النَّوعِ مِن البَيعِ؛ بهذا المِقدارِ فقطْ؛ لأنَّه قدْ يُتوهَّمُ فيه أنَّه رِباً؛ حيثُ إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهى عن بَيعِ الثِّمارِ بالثِّمارِ مِنْ نوعٍ واحدٍ، ويُسمَّى هذا البيعُ بَيعَ المُزابَنةِ، فكأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - استَثنى لهم بيعَ العَرايا مِن المُزابَنةِ، وحدَّده بمِقدارِ خَمسةِ أوسُقٍ؛ حتَّى لا يقَعَ في شُبهةِ الرِّبا.
فوائد الحديث 1- بَيانُ التَّرخيصِ في نوعٍ مِن أنواعِ البيوعِ تَخفيفاً وتَيسيراً على الأُمَّةِ. 2- وفيه: بيانُ مِقدارِ المُعاملاتِ في بَيعِ العَرَايا تَحديداً بخمسةِ أوسُقٍ. باب: الجَائِحَة في بَيْع الثَّمَر عن جَابِر بْن عبداللَّهِ -رضي الله عنهما- قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَراً، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ؛ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟»، الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1190) باب: وضْع الجوائح. قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو بعتَ مِنْ أخيك ثمراً فأصَابته جائحة، فلا يحل لك أنْ تأخذَ منه شيئاً، بم تأخذ مالَ أخيك بغيرِ حقّ؟». وفي رواية عن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بيعِ النَّخْل حتّى تَزْهُو». فقلنا لأنس: ما زَهْوها؟ قال: «تَحْمّر وتَصْفّر، أرأيتك إنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمرة؛ بِمَ تَستحلّ مالَ أخيك؟»، وفي رواية عن أنس: أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنْ لمْ يُثْمِرْها اللهُ، فبمَ يَسْتحلّ أحدُكمْ مالَ أخِيه؟». ففي هذه الأحَاديثِ يُبيِّنُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه لوِ اشْتَرى أحدُ النَّاسِ ثَمراً مِن أخيهِ المسلِمِ، بأنْ يَشتريَ الثَّمرَ وهو على الشَّجرِ، أو أنَّه لم يَزَلْ في قَبضةِ البائعِ ولم يَستَلِمْه المُشْتَري، ثمَّ أصابَتِ الثَّمرَ جائحةٌ، وهي مُصيبةٌ، أو آفةٌ تَجتاحُ الثَّمرَ وتُهلِكُه وتُفسِدُه، فلا يَحِلُّ للبائعِ صاحبِ الثَّمرِ أنْ يَأخُذَ شيئاً مِنَ المُشتَري، فبأيِّ حقٍّ يَأخُذُ مالَ أخيهِ، وقدْ فسَدَ الثَّمرُ وأصابَتْه آفةٌ أو جائحةٌ تمنَعُ مِنَ الِانتِفاعِ به؟! وفي هذه الحال لا يَجوز له أنْ يأخُذَ أحدٌ مالَ أخيهِ باطلًا؛ لأنَّه إذا تلِفَتِ الثَّمرةُ؛ لا يَبْقى للمُشتَري في مُقابَلةِ ما دفَعَه شيءٌ، ولهذا نَهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - -كما في الصَّحيحَينِ- عن بَيعِ الثَّمرِ قبلَ أنْ يَبدوَ صَلاحُه ويَنضَجَ، وهذا من إجْراءِ الحُكمِ على الغالِبِ. وفي رِوايةِ الصَّحيحَينِ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئلَ: «ما صَلاحُه؟ قال: «حتَّى تَذهَبَ عاهَتُه». أي: بأنْ يَصيرَ على الصِّفةِ المَطلوبةِ، من ظُهورِ النُّضْجِ فيه؛ فإنَّه حِينَئذٍ يَأمَنَ مِنَ العاهةِ، الَّتي هي الآفةُ. واختلف العلماء: في الثَّمَرة إذا بيعتْ بعد بُدو الصّلاح، وسلمها البائع إلى المشتري بالتخلية بينه وبينها، ثمّ تلفت قبل أوان الجذاذ بآفةٍ سماوية، هل تكون منْ ضمان البائع أو المشتري؟ فقال الشافعي في أصح قوليه، وأبو حنيفة والليث بن سعد وآخرون: هي في ضَمان المشتري، ولا يجبُ وضع الجائحة، لكن يستحب. وقال الشافعي في القديم وطائفة: هي في ضمان البائع، ويجب وضع الجائحة. وقال مالك: إنْ كانت دون الثلث لم يجبْ وضعها، وإنْ كانت الثلث فأكثر؛ وجب وضعها وكانت منْ ضمان البائع، واحتجّ القائلون بوضعها بقوله: «أمرَ بِوضْع الجَوائح». وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئاً». ولأنّها في معنى الباقية في يد البائع من حيثُ إنه يلزمه سقيها، فكأنّها تلفت قبل القبض فكانت من ضمان البائع. ![]() باب: أَخْذُ الغرماء ما بقي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «تَصَدَّقُوا عَلَيْه» فَتَصَدَّقَ النَّاسُ علَيْه، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِغُرَمَائِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، ولَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ»، الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1191) باب: استحباب الوَضْع منَ الدَّين. في هذا الحديثِ يُخبِرُ أبو سَعيدٍ الخُدْريُّ - رضي الله عنه - أنَّ رجلًا في عَهدِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أصابَتْ ثِمارَه آفَةٌ أدَّتْ إلى إتْلافِ ثِمارِه الَّتي اشْتراها ولم يَدفَعْ ثَمنَها، فازدادتْ عليه الدُّيونُ بسَببِ ذلك، فأمَرَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ أنْ يَتصدَّقوا عليه؛ حتَّى يَتمكَّن مِن سَدادِ الدَّينِ الَّذي عليه، فاستجاب الصَّحابةُ -رَضِي اللهُ عنهم- لأمرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وتَصدَّقوا عليه، فلم يَستوْفِ ما جَمَعه مِن النَّاسِ مَجموعَ دَينِه لكثْرتِه، وبَقِي عليه جزءٌ منه، فأمَرَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الغُرَماءَ -وهم أصْحابُ الدَّيْنِ عليه- أنْ يَأخُذوا ما وَجدوا عِندَه ممَّا بَقِيَ ويُنتفَعُ به مِن الثِّمارِ، وما حَصَلَ عليه مِن الصَّدَقةِ.
فوائد الحديث
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: مَنْ بَاعَ نَخْلًا فيها ثَمَر
عَنْ عبداللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ؛ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ، ومَنْ ابْتَاعَ عَبْداً؛ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ»، الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1173) باب: من باع نخلاً عليها ثمر، وأخرجه البخاري في: (2204). في هذا الحديثِ يُبيِّنُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ مَن اشْتَرى نَخلاً بعْدَ أنْ تُؤبَّرَ، يعني: بعد أنْ تُلقَّحَ، فثَمَرتُها للبائعِ؛ ولذا فله حَقُّ الدُّخولِ للنَّخلِ، لسَقْيِها وإصْلاحِها واقتطافِها، ولَيس للمُشتري أنْ يَمنَعَه مِن الدُّخولِ إليها؛ لأنَّ له حقًّا لا يَصِلُ إليه إلَّا به. قوله: «إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ» إلَّا أنْ يَشترِطَ المُشتري أنْ تكونَ الثَّمرةُ له، ويُوافِقَه البائعُ على ذلك، فتكونُ للمُشْتري، وليس للبائعِ فيها حقٌّ. قوله: «ومَنْ ابْتَاعَ عَبْداً؛ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ» أي: وكذلك مَن اشْتَرى عبْداً، وللعبدِ مالٌ، فمالُه للذي باعَهُ؛ لأنَّ العبدَ لا يَملِكُ شَيئاً أصلًا؛ لأنَّه مَملوكٌ، فلا يَصح أنْ يكونَ مالِكاً، إلَّا أنْ يَشترِطَ المُشتري كونَ المالِ له، جَميعِه أو جُزءٍ مُعيَّنٍ منه. ![]() فوائد الحديث
باب: بَيعُ المُخَابَرَةِ والمُحَاقَلَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ المَكِّيُّ وهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ المُحَاقَلَةِ، والمُزَابَنَةِ، والمُخَابَرَةِ، وأَنْ تُشْتَرَى النَّخْلُ حَتَّى تُشْقِهَ، (والْإِشْقَاهُ: أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ، أَوْ يُؤْكَلَ مِنْهُ شَيْءٌ)، والمُحَاقَلَةُ: أَنْ يُبَاعَ الحَقْلُ بِكَيْلٍ مِنْ الطَّعَامِ مَعْلُومٍ، والْمُزَابَنَةُ: أَنْ يُبَاعَ النَّخْلُ بِأَوْسَاقٍ مِنْ التَّمْرِ، وَالمُخَابَرَةُ: الثُّلُثُ والرُّبُعُ وأَشْبَاهُ ذَلِكَ، قَالَ زَيْدٌ قُلْتُ: لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عبداللَّهِ يَذْكُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: نَعَمْ، الحديث رواه مسلم في البيوع (3/1175) باب: النّهي عن المُحاقلة والمُزابنة وعن المُخابرة، وبيع الثّمرة قبل بدو إصلاحها. يقولُ جابرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما-: «نَهى رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُحاقَلةِ»: مأخوذة من «الحقل» وهو الزَّرع وموضعه، وهي بيعُ الحَبِّ في سَنابِلِه بحَبٍّ صافٍ، وهذا فيه جَهالةُ ما في السَّنابلِ. نَهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المُزَابنة «والمُزابَنةِ»: أي: ونَهى - صلى الله عليه وسلم - عن المُزَابنة، وهي: بيعُ التَّمْرِ على رُؤوسِ النَّخْلِ بالتَّمْرِ الرُّطَبِ، أو ثِمارِ العِنَبِ وهي على الشَّجَرِ بالزَّبيبِ، وهذا فيه جَهالةٌ بكَيلِ الثِّمارِ ووزنِها، وقد رَخَّصَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في العَرايا، بِشَرطِ ألَّا تزيدَ على خَمْسةِ أَوْسُقٍ، مع التَّقابُضِ في مَجْلِسِ العَقْدِ؛ كما سبق بيانه. «والمُخابَرةِ»: مأخوذة من «الخبار» وهي الأرْض اللّيّنة القابلة للزّرع، أو من «الخبير» وهو مَنْ يُحْسنُ حَرْث الأرض. وهي: العملُ في الأرْض مُقابل جزءٍ معين ممّا يَخرُجُ منها مِنَ الزّرع، مثل ما يَخْرج مِنْ شمال المَزْرعة مثلاً، وهذا فيه جَهالةٌ بما لَمْ يحصلُ بَعدُ. قوله: «وأَنْ تُشْتَرَى النَّخْلُ حَتَّى تُشْقِهَ، (والْإِشْقَاهُ: أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ، أَوْ يُؤْكَلَ مِنْهُ شَيْءٌ» وفيه النَّهيُّ عن بيع الثَّمر قبل بُدُو صَلاحه، بأنْ يحمرّ أو يصفر، لعَدم أمْنِ العاهة. قَالَ زَيْدٌ قُلْتُ: لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عبداللَّهِ يَذْكُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: نَعَمْ. فيه: التثبّت مِنَ الراوي في نقل الحديث النبوي، لئلا يَخْتلط بأقوالِ الصحابة وفتاويهم. من فوائد الحديث
من فقه البيوع وآدابه كان من هدي النبي أن يعلِّم أصحابه فقه البيوع وآدابه، ومن ذلك الأمانة في البيع والشراء، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مرَّ على صُبْرة من طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا، فقال: يا صاحب الطعام، ما هذا؟ قال: أصابته السماء، يا رسول الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أفلا جعلتَه فوق الطعام حتى يراه الناس، ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: من غشَّنا فليس منَّا، والمكر والخديعة في النار»، قال الصنعاني: والحديث دليل على تحريم الغشِّ، وهو مجمعٌ على تحريمه شرعًا، ومذموم فاعله عقلًا. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: إنَّ الغشَّ حرام. وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا فيه عيب إلا بيَّنه له»، وعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإنْ صدقا وبيَّنا بُورك لهما في بيعهما، وإنْ كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما. وعن بردة بن نيار - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفضل الكسب بيعٌ مبرور، وعمل الرجل بيده»، وكما علَّمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمانة بقوله، أيضًا علَّمهم إياها بفعله، ويدل على ذلك حديث العدَّاء بن خالد - رضي الله عنه - قال: «كتب لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابًا قال فيه: هذا ما اشترى العدَّاء بن خالد من محمَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، لَا دَاءَ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَةَ، بَيْعَ المُسْلِمِ المسلمَ». اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |