شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         أعراض أنيميا الفول: دليلك الشامل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          علاج الفواق: أفضل الطرق والأدوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          الرياضة أثناء الدورة الشهرية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          طرق علاج السكري الكاذب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          ما يجب أن تحتوي عليه صيدلية المنزل ونصائح مهمة بخصوصها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          علاج جدري القرود: دليلك الشامل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          ما هي حساسية السمسم؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          خزعة عنق الرحم: معلومات قد تهمك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          أنواع الهرمونات الأنثوية ودور كل منها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          أسباب نزول الدم بعد الجماع ودلالاته (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 27-01-2026, 07:50 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,938
الدولة : Egypt
افتراضي شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم



شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بَيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ


  • حكم البيع هو ثبوتُ المِلْك للمُشْتري في المَبِيع وللبَائع في الثّمَن إذا كان تاما وعند الإجازة إذا كان مَوقُوفا
  • بُعِثَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم والناسُ يتعاملُون بالبيع والشّراء فأقرّهم عليه وبيّن لهم كثيراً مِنْ أحْكامه
  • مذهبُ الجُمهور أنّ الحِنْطة والشّعير صِنفان يجوزُ التفاضلُ بينهما كالحِنْطة مع الأرُز
لمّا فرغ الإمام مسلم -رحمه الله- مِنْ أحاديث الحَجّ والعُمْرة، جاء بأحاديث النّكاح، نظراً إلى أنّ النّكاحَ مُشتملٌ على المَصَالح الدّينية والدُّنيويّة، وهو أفضلُ مِنَ التخلّي للنّوافل، ثمّ جاء بأحاديث البُيوع، وبعضُ أهل الحديث قدّم البُيُوع على النّكاح؛ نظراً إلى أنّ احْتياجَ الناس إلى البَيع، أكثر مِنْ احتياجهم إلى النّكاح؛ فكان أولى بالتّقديم.
لفظ «الكتاب» مشتملٌ على الأبواب، وهي كثيرة في أنْواع البُيوع، وجَمَعَ البَيع لاختلاف أنواعه، والصّرْف إنْ كان بيع الثَّمن بالثمن، والمُرابحة إنْ كان بالثّمن مع زيادة، والتّوْلية إنْ لمْ يكنْ مع زِيادة، والوَضِيعة إنْ كان بالنُّقصان، واللازم إنْ كان تامّاً، وغير اللازم إنْ كان بالخيار، والصّحيح والباطل والفاسد والمكروه، وغيرها.
أركان البيع وشروطه
ثم للبيع تفسير لغة وشرعا، وركنٌ وشَرْطٌ ومَحلّ، وحُكمٌ وحِكْمة.
  • أمّا تفسيره لغة: فمُطْلق المُبادلة، وهو ضدُّ الشّرَاء، والبيع الشّراء أيْضاً، باعه الشيء، وباعه منه جميعاً فيهما، وابتاع الشيء: اشْتراه، وأباعه: عَرَضه للبيع، وبايعه مبايعةً وبياعاً، عارضه للبيع، والبيِّعان: هما البائع والمشتري، وجمعه باعة، والبَيْع: اسم المَبِيع، والجَمْع بُيُوع، والبياعات: الأشياء المتبايعة للتّجارة، ورجلٌ بَيُوع: جيّد البَيع، وبَيّاع: كثير البيع، ذكره سيبويه فيما قاله ابنُ سيده، وفي الجامع: أبَعْته أبيعه إباعةً: إذا عَرَضته للبيع، ويقال: بعتُه وأبعته بمعنى واحد، والشّيءُ مبيع ومبيوع، والبياعة السلعة، وقال ابن قتيبة: بعتُ الشّيء: بمعنى بعته، وبمعنى اشتريته، وشريتُ الشيء: اشْتريته وبمعنى بعته، ويقال: اسْتبعته أي: سألته البيع.
وقيل: سمي البيع بيعًا: لأنّ البائع يَمدُّ باعه إلى المُشْتري حال العَقد غَالباً، وردّ هذا بأنّه غلط؛ لأنّ الباع مِنْ ذَواتِ الواو، والبيع مِنْ ذوات الياء.
  • وأمّا تفسيرُه شَرعاً: فهو مبادلة المال بالمال، على سبيل التراضي.
وأمّا رُكْنُه: فالإيجابُ والقبول. وأمّا شَرْطُه: فأهليّة المتعاقدين. وأما محله: فهو المال، لأنه ينبئ عنه شَرْعاً. وأمّا حُكْمُه: فهو ثبوتُ المِلْك للمُشْتري في المَبِيع، وللبَائع في الثّمَن، إذا كان تاما، وعند الإجازة إذا كان مَوقُوفا. وأمّا حِكَمُ البَيع والشراء: فهي كثيرة، منْها: اتساعُ أمُور المَعَاش للناس والبَقاء. ومنْها: إطفاءُ نارِ المُنازعات، والنَّهْبِ والسّرِقة، والخِيانات والحِيل المَكروهة. ومنها: بقاء نظام المَعَاش، وبقاء العالم؛ لأنّ المُحْتاج يَميل إلى ما في يد غيره، فبغيرِ المُعاملة بالبيع والشّراء، يُفضي إلى التّقاتل والتّنازع، وفناء العالم، واختلال نظام الحياة، وغير ذلك مِنَ الحِكم. وأمّا ثبوته بالكتاب: فلقوله -تعالى-: {وأحلّ الله البيع وحرم الرّبا} (البقرة: 275). وفي السنة النّبوية: أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ والناسُ يتعاملُون بالبيع والشّراء فأقرّهم عليه، وبيّن لهم كثيراً مِنْ أحْكامه، والإجماع منعقدٌ على شَرْعيّته. والآن إلى أحاديث كتاب البُيوع:
باب: بَيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ
عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عبداللَّهِ - رضي الله عنه -: أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلَامَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ، فَقَالَ: بِعْهُ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ شَعِيراً، فَذَهَبَ الْغُلَامُ فَأَخَذَ صَاعاً وَزِيَادَةَ بَعْضِ صَاعٍ، فَلَمَّا جَاءَ مَعْمَراً أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ انْطَلِقْ فَرُدَّهُ، وَلَا تَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَإِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» قَال: وكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ. قِيلَ لَهُ: فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ، قَال: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ» الحديث رواه مسلم في المساقاة (3/1214) باب: بيع الطعام مثلاً بمثل.
صحابي الحديث
صحابي الحديث هو معمر بن عبدالله بن نافع بن نضلة بن عوف، وهو معمر بن أبي معمر القرشي العدوي، أسلم قديماً وتأخرت هجرته إلى المدينة، لأنّه كان هاجر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة، وعاش عُمراً طويلاً، وعداده في أهل المدينة.
  • قوله: إنّ مَعمر بن عبدالله - رضي الله عنه - أرسلَ غُلامَه بِصَاع قَمحٍ ليَبيعه ويَشتري بثَمَنه شَعيراً، فبَاعه بِصاعٍ وزِيادة، فقال له معمر: رُدّه ولا تأخذه إلا مثلاً بمثل. واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الطعامُ بالطعام، مِثْلاً بمثل» أي: بيعُ الطّعام بالطعام، «مثلًا بمثل» أي: يجبُ أنْ يَتماثلا، ويَحرُمُ أنْ يَتفاضلا.
وكانَ طعامنا يومئذ الشّعير
  • قوله: «وكانَ طعامنا يومئذ الشّعير» يفيد أنّ المراد بالطّعام هنا هو الشّعير، وكأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: الشعير بالشعير، ولا نزاعَ عند أهلِ العِلْم في أنّ الشّعيرَ لا يُباعُ بالشّعير، إلا مِثلاً بمثل، غير أنّ معمر بن عبدالله - رضي الله عنه - كان يَخْشى أنّ هذا اللفظ النبوي، ربّما يشملُ بَيع البُرّ بالشّعير، وأنّه تَجبُ فيهما المُماثلة، وهو اجْتهادٌ منه - رضي الله عنه -.
ولمّا قيل له: فإنّه ليسَ بمثله، قال: إنّي أخَافُ أنْ يُضارع، والذي فهمه عامّةُ أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنّ المُراد مِنَ الطعامين، ما يكونُ مِنْ جِنسٍ واحدٍ، كالبُرّ بالبُرّ، والشّعير بالشّعير، أمّا الشّعيرُ مع البُرّ، فهما جنسان، لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الذّهبُ بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير...»، فإنّه ينصّ على أنّ جنسَ البُر، غير جِنْس الشّعير، كما إنّ جنس الذهب غير جنس الفضة، وقد قال في آخره: «فإذا اختلفتْ هذه الأصناف، فبيعُوا كيفَ شِئْتم، إذا كان يداً بيد».
الحِنْطة والشّعير صِنْف واحد
قال النووي: «واحتجّ مالكٌ بهذا الحديث، في كون الحِنْطة والشّعير صِنْفاً واحداً، لا يجوزُ بيعُ أحدهما بالآخر مُتفاضلاً، ومذهبُنا ومذهبُ الجُمهور: أنّهما صِنفان، يجوزُ التفاضلُ بينهما، كالحِنْطة مع الأرُز، ودليلنا ما سبق عند قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإذَا اخْتلفتْ هذه الأجْنَاس، فبِيعُوا كيفَ شِئتم». مع ما رواه أبو داود والنسائي: في حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا بأسَ ببيع البُرّ بالشّعِير، والشّعير أكَثَرهُما، يَداً بيدٍ»، وأمّا حديثُ معمر هذا، فلا حُجّةَ فيه؛ لأنّه لمْ يُصرّح بأنّهما جِنسٌ واحد، وإنّما خافَ مِنْ ذلك، فتورّعَ عنه احْتياطاً». انتهى.


اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 30-01-2026, 03:52 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,938
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم – باب: النَّهْيُ عن بَيْعِ الطَّعَامِ قبل أنْ يُسْتَوْفَى


  • بيَّن رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ مَنِ اشتَرَى طَعامًا وأرَادَ أن يَبِيعَه فلا يَبِعْه حتَّى يَأخُذَه بالكَيْلِ والمِيزانِ وهو كِنايةٌ عن قَبْضِه لَه وأنَّه أصبَحَ في حَوْزةِ المُشْتَرِي
  • نظَّمَ الشَّرعُ الإسلاميُّ الحَنيفُ أُمورَ التَّعامُلِ بيْن النَّاسِ في البَيعِ والشِّراءِ وأَوضَحَ أُموراً لا بدَّ منها حتى لا يَتنازَعَ النَّاسُ فيما بيْنهم
  • شرَعَ اللهُ سُبحانَه وتعالَى في البَيْعِ ما يَحفَظُ حُقوقَ النَّاسِ ويُجنِّبُهمُ التَّنازُعَ والخِصامَ ويَدفَعُ عنهمُ الضَّرَرَ
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «وأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ»، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الرِّبَا؟! فَقَالَ مَرْوَانُ: مَا فَعَلْتُ؛ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى. قَالَ فَخَطَبَ مَرْوَانُ النَّاسَ؛ فَنَهَى عَنْ بَيْعِها، قَال سُلَيْمَانُ: فَنَظَرْتُ إِلَى حَرَسٍ يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ.
  • في الباب حديثان: الأول: أخرجه مسلم في البيوع (2/1159) باب: بُطلان بيع المبيع قبل القبض، وأخرجه البخاري في البيوع (2135) باب: بيع الطعام قبل أنْ يُقبض، وبيع ما ليسَ عندك، قد رواه البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-، كما روى البخاري (2137) ومسلم (2/1162) من حديثه قال: «رأيتُ الذين يَشْترُون الطّعام مَجَازفة، يُضرَبُون على عَهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَبيِعُوه حتّى يُؤْوه إلى رحالهم».
من اشترى شيئًا مما يؤكل
  • قَولُهُ: «مَنْ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» يُبيِّنُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم - أنَّ مَن اشترَى شَيئًا ممَّا يُؤكَلُ، فلا يَبِعه حتَّى يَستوفيَه، وفي لفظ: «حتَّى يَقْبِضَهُ» أي: فلا يتَّخِذْ أيَّ تَصرُّفٍ بالبيعِ مرَّةً أخرى، إلَّا إذا قَبَضَه وافياً؛ بأنْ يَأخُذَ ما اشتراهُ أولًا، ويُصبِحَ في حَوزتِه، فهنا يُمكِنُه أنْ يُعيدَ بيعَه, وفي روايةٍ لمسلم (2/1160): سأَلَ طَاوُسُ بنُ كَيْسانَ- مِنَ التَّابِعينَ- ابنَ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: لِمَ؟» أي: لِمَ شرَطَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - هذا الشَّرْطَ؟ فقال ابنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: «ألَا تَراهم يتَبايَعونَ بالذَّهَبِ، والطَّعامُ مُرْجَأٌ؟» أي: أنَّ البَائعَ كان يَقبِضُ الثَّمَنَ بدَنانيرِ الذَّهبِ، ثمَّ يُؤجِّلُ تَسليمَ الطَّعامِ للمُشتَرِي، فشَرَطَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم - على المُشترِي ألَّا يَبيعَه حتَّى يَقبِضَه، ويكونَ في حوْزَتِه.
وقدْ أوضَحَ حَديث ابن عمر -رضي الله عنهما- في الصَّحيحَينِ: أنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ علَى عَهْدِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم -، فَيَبْعَثُ عليهم مَن يَمْنَعُهُمْ أنْ يَبِيعُوهُ حَيْثُ اشْتَرَوْهُ، حتَّى يَنْقُلُوهُ حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ.
أي: إنَّه أرادَ بذلك أنْ يَقبِضوه أولاً؛ لأنَّ القَبضَ شَرْطٌ، ثمّ أنْ يَنقُلَ الطَّعامَ إلى مَكانٍ آخَرَ، أو إلى الأَسْواقِ الَّتي يُباعُ فيها، حتَّى لا يُحتكَرَ أو يُتلاعَبَ بسِعْرِه، وبالنَّقلِ المذكورِ يَحصُلُ القبْضُ.
فالنَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهى أنْ يُباعَ الطَّعامُ إذا اشْتراهُ المشتري حتَّى يَستوفِيَه، أي: فلا يَتَّخِذُ أيَّ إجراءٍ أو تَصرُّفٍ بالبيعِ مرَّةً أُخرى، إلَّا إذا أخَذَ ما اشْتراهُ أوَّلًا، وأصبَحَ في. حَوْزتِه، وأنَّه يَعلَمُ مِقْدارَه عِلماً نافياً للجَهالةِ، وهذا يكونُ فيما بِيعَ بكَيْلٍ؛ فإنَّه لا بُدَّ أنْ يَكِيلَه أوَّلًا حتَّى يَستَوفِيَه تامّاً، ثُمَّ يَبِيعَه بعدَ ذلك، ولا يَحِلُّ له أنْ يَبِيعَه قبْلَ أنْ يَكْتَالَه؛ لأنَّه رُبَّما تَقَعُ فيه زِيادةٌ أو نُقصانٌ، ويكونُ في هذا غَبْنٌ وضَرَرٌ إمَّا على البائِعِ أو المُشتَرِي. فبعد أنْ يقبضه؛ هنا يُمكِنُه أنْ يُعيدَ بَيعَه، وفي هذا منعٌ لما قد يَضُرُّ بالبائعِ أوِ المُشتَري، أو أهْلِ البَلدِ، فيقَعُ الخِلافُ والتَّشاحُنُ بينَ النَّاسِ، ويقَعُ عليهمُ الضَّررُ.
القبضُ يتفاوتُ بتفاوت المَبيع
والقبضُ يتفاوتُ بتفاوت المَبيع: فما يتناولُ باليد كالدّراهم والدّنانير ونحوهما، فقبضه بالتّناول، وما لا يُنقل كالعَقار، والثّمَر على الشّجر، فقبضه بالتَّخْلية، وما ينقل في العادة؛ كالأخْشاب والحُبوب والحيوان، فقبضه بالنّقل إلى مكان لا اختصاصَ للبائع به، وما يُشترى كيلاً لا يُباع إلا بالكيل، وما يشترى وزْناً لا يُباع إلا بالوَزن، وأنّه لا يجوز أنْ يكتفي فيه بالكيل الأول، ولا بالوزن الأول، وقد انعقد إجْماع عُلماء هذه الأمة على جواز بيع الصّبرة جُزافاً؛ أي بلا كيلٍ ولا وزن.
قال ابن قدامة في (المغني): «ومَنْ اشْتَرى ما يَحتاجُ إلى القَبْض؛ لمْ يَجُز بيعه حتّى يَقبضه، ولا أرى بين أهل العلم فيه خلافاً؛ إلا ما حُكي عن عثمان البتي، وأمّا غير ذلك؛ فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر الروايتين- أي عن أحمد- ونحوه قول مالك بن المنذر. اهـ, وقال عطاء بن أبي رباح والثوري وابن عيينة وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، والشافعي في الجديد، ومالك في رواية، وأحمد في رواية، وأبو ثور وداود: النهي الذي وَرَد في البيع قبل القبض؛ قد وقع على الطّعام وغيره، وهو مذهب ابن عباس أيضاً، ولكن أبا حنيفة قال: لا بأسَ ببيع الدُّور والأرْضين قبل القَبْض؛ لأنّها لا تُنْقل ولا تُحوّل. لكن الشافعي وموافقيه يقولون: إنّ قبضَ كلّ شيءٍ بحَسْبه.
من فوائد الحديث:
  • الحثُّ على إتمامِ الصَّفقاتِ، وحِيازةِ البائعِ لِمَا اشتراهُ حتى يَتصرَّفَ فيه كَيْفما شاء.
  • وفي هذا الحَدِيثِ يُرشدُنا رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ مَنِ اشتَرَى طَعامًا وأرَادَ أن يَبِيعَه، فلا يَبِعْه حتَّى يَأخُذَه بالكَيْلِ والمِيزانِ، وهو كِنايةٌ عن قَبْضِه لَه وأنَّه أصبَحَ في حَوْزةِ المُشْتَرِي.
  • وأنَّ الإمامَ ووَلِيَّ الأمرِ يُرشِدُ النَّاسَ في أعمالِ بُيوعِهم وشِرائِهِم.
  • بَيانُ حِرصِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على كلِّ ما هو خيرٌ لأُمَّتِه، ورِفقِهِ بها، حتَّى في المصالحِ الدُّنيويَّةِ.
  • وأنّ اللهُ -سُبحانَه- وتعالَى شرَعَ في البَيْعِ ما يَحفَظُ حُقوقَ النَّاسِ، ويُجنِّبُهمُ التَّنازُعَ والخِصامَ، ويَدفَعُ عنهمُ الضَّرَرَ.
  • وفيه: النَّهيُ عنِ اتِّباعِ طُرقِ البَيعِ والشِّراءِ الَّتي تُؤدِّي إلى احْتكارِ السِّلعِ، وغَلاءِ الأسْعارِ، أو تؤدِّي إلى وُقوعِ الضَّررِ بينَ أطْرافِ البَيعِ.
  • وأنّ الشَّرع الإسلاميّ الحَنيف نظَّمَ أُمورَ التَّعامُلِ بيْن النَّاسِ في البَيعِ والشِّراءِ، وأَوضَحَ أُموراً لا بدَّ منها؛ حتى لا يَتنازَعَ النَّاسُ فيما بيْنهم، وحتى تَتِمَّ الصَّفقاتُ بيْنهم وهي خاليةٌ مِن المُشكِلاتِ أو الحُرْمةِ.
الحديث الثاني
  • قَولُهُ: قَال أَبُو هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - لِمَرْوَانَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكَ، وقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حتَّى يُسْتَوْفَى. والصِّكَاكُ: جَمْعُ صَكٍّ، وهُوَ الوَرَقَةُ المَكْتُوبَةُ بِدَيْنٍ، ويُجْمَعُ أَيْضاً عَلَى صُكُوكٍ، والمُرَادُ هُنَا الوَرَقَةُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ بِالرِّزْقِ لِمُسْتَحِقِّهِ، بِأَنْ يَكْتُبَ فِيها لِلْإِنْسَانِ كَذَا وكَذَا مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَيَبِيعُ صَاحِبُهَا ذَلِكَ لِإِنْسَانٍ قبلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، واستدلّ بهذه الرواية على مَنع بيع الصُّكوك.
قال النووي: «وقد اختلفَ العُلماء في ذلك، والأصحّ عند أصحابنا وغيرهم: جوازُ بيعها، والثاني: مَنْعها، فمَنْ أخذ بظاهر قول أبي هُريرة وبحُجّته مَنَعها، ومَنْ أجازها تأوّل قضية أبي هريرة على أنّ المُشْتري، ممّن خَرَج له الصّك؛ باعه لثالث قبل أنْ يقبضه المُشْتري، فكان النّهي عن البيع الثاني، لا عن الأول، لأنّ الذي خَرَجتْ له؛ مالكٌ لذلك مُلْكاً مُسْتقراً، وليس هو بمُشترٍ، فلا يمنع بيعه قبل القَبْض، كما لا يَمتنع بيعه ما وَرثه قبل قبضه.
قال القاضي عياض- بعد أنْ تأوّله على هذا النحو- وكانوا يَتَبايعونها، ثمَّ يَبيعها المشترون قبل قبضها، فنُهوا عن ذلك، قال: فبلغ ذلك عُمر بن الخطاب، فردّه عليه، وقال: لا تَبِع طَعاماً ابتعته حتّى تستوفيه. اهـ.
قال النووي: وكذا جاء الحديث مفسّراً في الموطأ: أنّ صُكوكاً خَرَجت للناس في زمن مروان بطَعام، فتبايع الناس تلك الصّكوك قبل أنْ يَسْتوفوها. وكَذَا جاءَ الحدِيثُ مُفَسَّراً في المُوطَّأ: أَنَّ صُكُوكًا خَرَجَتْ لِلنَّاسِ في زَمَنِ مَرْوانَ بِطَعَامٍ، فَتَبَايَعَ النَّاسُ تِلْكَ الصُّكُوكَ؛ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفُوهَا.
وفِي المُوَطَّأِ: ما هُوَ أَبَيْنُ مِنْ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ حَكِيمَ بنَ حِزَامٍ ابْتَاعَ طَعَاماً أَمَرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -]-، فَبَاعَ حَكِيمٌ الطَّعَامَ الَّذِي اشْتَرَاهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
من فوائد الحديث:
  • وجُوبُ النّصيحة لأئمة المسلمين: فالنَّصِيحةُ لوُلاة الأمْر مِنْ أعظم القُرُبات، وهي مِنْ صِفات المُؤمنين الصالحين، وكان أبو هريرة - رضي الله عنه - قُدْوة في ذلك، حيث نصح مروان وهو والٍ، ولم يَسْكُت عن المُنْكر.
  • قَبُول الحقّ والاسْتجابة له؛ فمروان -رحمه الله مع كونه والياً- قَبِلَ النّصيحة مِنْ أبي هريرة، وتراجع عمّا كان عليه، وهذا مِنْ علامة قوّة الإيمان، وحُبّ الخير.
  • الحِكْمة في الدّعوة والنّصيحة: حيثُ اسْتعمل أبو هريرة الأسْلُوب الحكيم في النّصيحة، فبدأ بإثارة الانتباه بقوله: «أحْلَلّت بيع الرّبا؟»، ثمّ بيَّن له الحُكْم بالدليل منْ سُنّة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
  • مسؤولية الولاة في تطبيق شرع الله: فمَروان بعدما عَرَف الحُكم، لمْ يَتردّد في تطبيقه، ومَنَع الناس مِنْ هذا البيع، بل أرسْل حُرّاسه ليمنعوه بالقُوّة إذا لزم الأمر.
  • وفيه: تحريم بيوع الرّبا، والبُيوع التي تؤدّي إليه: ومنه: بيع «الصِّكاك» التي لمْ يُقبض بعد، هو مِنَ البُيوع التي تؤدي إلى الرّبا، فيجب منعها.
  • وفيه إقامة الإمام على الناس مَنْ يُراعي أحوالهم في ذلك.
  • قوله: «كانوا يضربون» أنّ ولي الأمر له أنْ يُعزّرَ مَنْ تَعَاطى بيعاً فاسداً، بالضرب وغيره ممّا يراه من العقوبات في البدن والمال، على ما تقرّر في الشرع.
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 08-02-2026, 04:40 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,938
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: نَقْلُ الطّعامِ إذا بِيعَ جُزَافاً

نظَّمَ الإسْلامُ المُعاملاتِ بين النَّاسِ ولاسيما في الأمْوالِ فنَهى عن أنْواع الغَررِ والجَهالةِ في البُيوعِ نَهَى النبي صلى الله عليه وسلم عن بَيعِ الثَّمرِ في رُؤوسِ النَّخلِ والشَّجرِ وعن بَيعِ الزُّروعِ جُزافاً قبْلَ أنْ تنضُجَ دونَ كَيلٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ اشْتَرَى طَعَاماً، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»، قَالَ: وكُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنْ الرُّكْبَانِ جزَافًا، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ، الحديث رواه مسلم في البيوع (2/1161) باب: بُطلانُ بيع المَبيع قبل القبض، وأخرجه البخاري في البيوع (2136) باب: بيع الطعام قبل أنْ يُقبض، وبيع ما ليس عندك. قوله: «مَنْ اشْتَرَى طَعَاماً، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» يُبيِّنُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ مَن اشترَى شَيئًا ممَّا يُؤكَلُ، فلا يَبِعه حتَّى يَستوفيَه، وفي لفظ: «حتَّى يَقْبِضَهُ» أي: فلا يتَّخِذْ أيَّ تَصرُّفٍ بالبيعِ مرَّةً أخرى، إلَّا إذا قَبَضَه وافياً، بأنْ يَأخُذَ ما اشتراهُ أولاً، ويُصبِحَ في حَوزتِه، فهنا يُمكِنُه أنْ يُعيدَ بيعَه. ظاهر هذا الحديث قال الحافظ ابن عبدالبر: «وظاهر هذا الحديث: يَحظُرُ ما وقع عليه اسمُ طعام، إذا اشْتُرِيَ حتّى يُسْتوفى، واسْتيفاؤه قَبْضه، على حسْبِ ما جَرَت العادة فيه، مِنْ كيلٍ أو وَزْن، قال الله -عزوجل-: {أوفُوا الكيلَ ولا تكونُوا مِنَ المُخسِرين} (الشعراء: 181). وقال: {فأوْفِ لنا الكيلَ وتَصَدّقْ عَلينا} (يوسف: 88). وقال: {وإذا كالُوهُم أو وزَنُوهُم يُخْسِرون} (المطففين: 3). قال: وأمّا اختلافُ العلماء في معنى هذا الحديث: فإنّ مَالكًا قال: مَنْ ابْتاعَ طَعامًا أو شَيئًا مِنْ جميع المَأكول أو المَشْروب ممّا يُدّخر، وممّا لا يذخر، ما كان منه أصلُ معاشٍ أو لمْ يكنْ، حاشا الماء وَحْده، فلا يجوزُ بيعُه قبل القَبْض، لا مِنَ البائع، ولا مِنْ غيره، سواءً كان بعينه أو بغير عينه، إلا أنْ يكونَ الطّعامُ ابتاعه جُزَافاً، صُبْرةً أو ما أشْبه ذلك، فلا بأسَ ببيعه قبلَ القَبْض؛ لأنّه إذا ابتيع جُزَافاً، كان كالعُرُوض التي يجوز بيعها قبل القَبض، هذا هو المشْهور مِنْ مذهب مالك، وبه قال الأوزاعي. ما لا يجوزُ أنْ يُباع قبلَ القَبض قال: وما لا يجوزُ أنْ يُباع قبلَ القَبض عند مالك، وأصحابه فلا يَجوزُ أنْ يُمْهر، ولا يُسْتأجر به، ولا يُؤخذ عليه بَدَل، ولا خلافَ عن مالك أنّ ما عَدَا المَأكول، والمَشْروب مِنَ الثياب والعُرُوض والعقار، وكلّ ما يكالَ ويُوزن إذا لمْ يكنْ مأكولاً، ولا مشروباً منْ جميع الأشياء كلّها غير المَأكول، والمَشْروب، أنّه لا بأس لمَنْ ابتاعه أنْ يبيعه قبل قَبْضه واسْتيفائه، وحُجّته فيما ذهب إليه ممّا وصفنا عنه: قوله - صلى الله عليه وسلم - «من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه، ولا يبعه حتى يستوفيه». ففي هذا الحَديث خُصُوص الطّعام بالذّكْر، فوجبَ أنْ يكونَ ما عَدَاه بخلافه، وفيه: مَنْ ابْتاعَ طَعاماً فوجب أنْ يكون المقروض، وغير المشترى بخلافه، استدلالاً ونظراً». انتهى. فوائد الحديث الحثُّ على إتمامِ الصَّفقاتِ، وحِيازةِ البائعِ لِمَا اشتراهُ، حتى يَتصرَّفَ فيه كَيْفما شاء، وليس فيه ارْتباطاتٌ لأحدٍ غيرِه. وفيه: أنَّ الإمامَ ووَلِيَّ الأمرِ يُرشِدُ النَّاسَ في أعمالِ بُيوعِهم وشِرائِهِم. أنّ الشَّرع الإسلاميّ الحَنيف، نظَّمَ أُمورَ التَّعامُلِ بيْن النَّاسِ في البَيعِ والشِّراءِ، وأَوضَحَ أُموراً لابدَّ منْها، حتّى لا يَتنازَعَ النَّاسُ فيما بيْنهم، وحتى تَتِمَّ الصَّفقاتُ بيْنهم وهي خاليةٌ مِن المُشكِلاتِ أو الحُرْمةِ. باب: بيعُ الطّعَامِ المَكِيل بالجِزاف عَنْ عبداللَّهِ بن عمر -رضي الله عنهما- قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ المُزَابَنَةِ، أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَتْ نَخْلًا، بِتَمْرٍ كَيْلاً، وإِنْ كَانَ كَرْماً، أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلاً، وإِنْ كَانَ زَرْعاً، أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ»، الحديث أخرجه مسلم في البيوع (2/1174) باب: النّهي عن المُحاقلة والمزابنة. أخرجه البخاري في البيوع (2205) باب: بيع الزّرعِ بالطّعام كيلاً. وفي هذا الحديثِ يقولُ عبداللهِ بنُ عمرَ -رضي الله عنهما-: «نَهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُزابَنةِ، أنْ يَبيعَ ثمَرَ حائطِه»، أي: ثَمَرَ بُستانِه أو مَزرعتِه، «إنْ كان نخْلاً بتمْرٍ كَيلاً» أي: إنْ كانت ثمرةَ نخْلٍ، وهو الرُّطَبُ على رُؤوسِ النَّخلِ، فلا يَبِيعُه بتمْرٍ يابسٍ كَيلاً، أي: بكذا وسْقًا من تمْرٍ. قوله: «وإنْ كان كرْماً» أي: عِنَباً، «أنْ يَبيعَه بزَبيبٍ كَيلًا» أي: يأخُذَ زَبيباً بكيلٍ مُحدَّدٍ مُقابلَ العِنبِ غيرِ النَّاضجِ، وغيرِ المَعْروفِ مِقدارُه، والزَّبيبُ: هو العِنبُ المُجفَّفُ. قوله: «وإنْ كان زَرْعاً، أنْ يَبيعَه بكَيلِ طعامٍ» أي: وكذلك لا يَبيعُ الزَّرعِ في سُنبلِه بحِنْطةٍ صافيةٍ كَيلاً. قوله: «نَهى عن ذلك كلِّه» أي المَقصودُ: أنَّه نَهَى عن بَيعِ الثَّمرِ في رُؤوسِ النَّخلِ والشَّجرِ، وعن بَيعِ الزُّروعِ جُزافاً قبْلَ أنْ تنضُجَ دونَ كَيلٍ، وأنْ يأخُذَ مُقابلَ ثمَرِه غيرِ النَّاضجِ قدْراً معلوماً مِنَ الثِّمارِ القديمةِ المَخْزونةِ، ولكنْ عليه أنْ ينتظِرَ حتَّى ينضُجَ الثَّمرُ، ويجمَعَه ويَكيلَه، ويعرِفَ مِقدارَه، ثمَّ يَبيعَه كيف شاء، بما أحَلَّ اللهُ مِنَ البُيوعِ، حتَّى لا يقَعَ في الغَررِ والجَهالةِ، فربَّما فسَدَ أو تلِفَ، وربَّما زاد قدْرُه أو نقَصَ، عمَّا تَمَّ الاتِّفاقُ عليه. الترخيص في بيع العاريّة وفي الصَّحيحَينِ: «أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ في بَيعِ العَرايا»، والعَرايا جمْع عَريَّة، وهي النَّخلةُ، هو نَوعٌ من أنواعِ البُيوعِ، ومعناه: أنْ يَبيعَ الرُّطبَ على النَّخلِ بتمر على الأرضِ، أو العِنبَ على الشَّجرِ بخَرْصِه- أي: بمِقدارِه - مِن الزَّبيبِ، على أنْ يكونَ ذلك خَمسةَ أَوسقٍ فما دُونَ ذلك، وسُمِّيَ ببيعِ العرايا، لأنَّ النخلةَ يَعرُوها- أي: يُعطيها- مالكُها لرَجُلٍ مُحتاجٍ إلى أكْلِ ثَمرتِها مُدَّةً معيِّنةً، وقيل: لأنَّ هذِه النخلةَ عَرِيتْ عن حُكمِ باقي البُستانِ، حيثُ تَخلَّى صاحبُها عنها من بَينِ سائرِ نخْلِه، وهذا البيعُ مُستثنًى مِن بَيعِ المزابنةِ المنهيِّ عنه، وسيأتي الكلام عليه، قال الحافظ ابن عبدالبر: «وكلُّ ما لا يجوزُ فيه التّفاضل، لمْ يَجزْ بيعُ بعضِه ببعضِه جُزَافاً بكيل، ولا جُزَافاً بجُزافٍ، لعَدم المُماثلة المأمور بها في ذلك، ولمُواقعة القِمَار، وهو الزَّبْن. مَنْ زادَ أو ازداد فقد أرْبى قال: ألا تَرَى أنّ كلّ ما وَرَد في الشّرع: أنْ لا يُباعَ إلا مثلاً بمثل، إذا بيعَ منه مَجهولٌ بمجهُول، أو معلومٌ بمَجهول، أو رَطبٌ بيابس، فقد دخل في ذلك التفاضل، وجُهِل المُماثلة، وما جُهِلتْ حقيقة المماثلة فيه، لمْ يُؤمن فيه التفاضل، فدخل في ذلك الرّبا، لأنَّ الحديث وَرَد في مثل ذلك، أنّ مَنْ زادَ أو ازداد، فقد أرْبى، وفي ذلك قمارٌ، وخَطرٌ أيضًا، وهذا كله تقتضيه معنى المُزابنة. فإنْ وقَعَ البيع في شيءٍ مِنَ المُزابنة، فُسخَ إنْ أُدْرك قبلَ القَبضِ وبعده، فإنْ قُبضَ وفاتَ، رجعَ صاحبُ الثّمرة بمَكيلةِ ثَمَرِه، على صاحب الرُّطَب، ورجع صاحبُ الرُّطب بقيمةِ رُطبه على صاحب الثمر يومَ قَبْضه، بالغاً ما بلغ، وما كان منْه قبل قبضه، فمصيبتُه مِنْ صاحبه. قال أبو عمر: هذا أصلُ هذا الباب، وهو يقتضي المُماثلة في الجِنْس الواحد، ويَحْرمُ الازْدياد فيه، وأمّا النسيئة في بيع الطّعام بالطعام جملة، فذلك غير جائز عند جمهور العلماء، لقوله عليه السلام: «البُرّ بالبُرّ رباً، إلا ها وها». فالجنس الواحد من المأكولات، يدخله الربا مِنْ وجْهين: الزّيادة والنّسيئة، والجنسان يدخلهما الربا منْ وجْهٍ واحد، وهو النسيئة». انتهى. فوائد الحديث النَّهيُ عن البُيوعِ الَّتي فيها جَهالةٌ وغَررٌ، كالمزابنةِ وما شابَهها مِن البُيوعِ، لِمَا يُورِثُ ذلِك من الشَّحناءِ والبَغضاءِ، والحِقدِ والحسدِ. لا يجوزُ بيعُ الرّطب خَرْصاً بتمرٍ كيلاً، إلا في العَرايا. ولا يجوزُ بيع العِنَب خَرْصاً، بزبيبٍ كيلًا. ولا يجوزُ كذلك بيعُ ثمرةِ الزّرع خَرْصاً، بجِنْسها كيلاً. وفيه: أنّ الإسْلامُ جاء فنظَّمَ المُعاملاتِ بين النَّاسِ، وخاصَّةً في الأمْوالِ، حتَّى يَنزِعَ أسبابَ الشِّقاقِ والاختلافِ، فنَهى عن أنْواع الغَررِ والجَهالةِ في البُيوعِ.



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم يوم أمس, 11:16 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,938
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم

شرح كتاب البيوع من صحيح مسلم .. باب: بيعُ التّمرِ مِثْلاً بمِثْل


  • في الحديث النَّهيُ عن الزِّيادةِ في كَيلٍ أو وَزْنٍ في الجنسِ الواحد على وجْه التَّفاضلِ والزِّيادةِ والنصّ على تحريم ربا الفَضْل
  • أحَلَّ اللهُ لعِبادِه التَّكسُّبَ بالبَيعِ وحرَّمَ الرِّبا ولذا فقدْ نَهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَعضِ المُعامَلاتِ حتَّى لا يَقَعَ الإنسانُ في الرِّبا
عنَّ أَبي هُرَيْرَةَ وأَبي سَعِيدٍ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ، فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنْ الْجَمْعِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَفْعَلُوا، ولَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا، واشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وكَذَلِكَ الْمِيزَانُ». الحديث رواه مسلم في المساقاة (2/1215) باب: بيع الطّعام مثلاً بمثل، ورواه البخاري في البيوع (2201) باب: إذا أرادَ بيع تمرٍ بتمرٍ خيرٍ منه، ومواضع أخرى.
في هذا الحديثِ يَرْوي أبو سَعيدٍ الخُدْريُّ وأبو هُريرةَ -رضي الله عنهما- أنَّ رَسولَ اللهِ -[- اتَّخَذَ عاملاً، واسم هذا العامل: سَواد بن غزية بن وهب البَدْري البلوي، حليف الأنصار، وقيل: مالك بن صَعْصعة الخزرجي، ذكره الخطيب، وجزم ابن بشْكوال بالأول.
قوله: «فاسْتَعْملَه على خَيبَرَ»
«خَيبَرَ» مَنطقةٌ شَمالَ المَدينةِ النبويةِ، كان بها حُصونٌ لليَهودِ، وفُتِحَت بعْدَ صُلْحِ الحُدَيبيةِ، في أوَّلِ المُحرَّمِ سَنةَ سَبْعٍ مِن الهِجرةِ، وقوله: «فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ» أي: أَتَى سَوَادٌ - رضي الله عنه - إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «بتَمرٍ جَنيبٍ» وهو نَوعٌ جيِّدٌ مِنْ أنواعِ التَّمرِ، وقيل: الصُّلْبُ منه، فسَأَلَه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أكُلُّ تَمْرِ خَيْبرَ هكذا؟». فقال الرجُلُ: «لا واللهِ يا رَسولَ الله، إنَّا لنَأخُذُ الصَّاعَ» أي: مِن الجَنيب، بالصَّاعين، «منَ الجَمْع» أي: مِنَ التَّمرِ الرَّديءِ، وهو كلُّ نوعٍ مِنَ التّمر لا يُعرف اسمه، أو تمر مُختلط منْ أنواعٍ متفرّقة، وليس مرغوبًا فيه وما يخلط إلا رداءته، وفسّره في المصباح: بالدقل، وهو أرْدأ أنواعِ التّمْر، وفسَّره في القاموس: بالنّخل الذي يَخرجُ مِنَ النّوى لا يُعرف اسْمه. وفي رواية: «والصَّاعينِ مِن الجَنيبِ بالثَّلاثةِ» وقع في بعض الروايات بـ«الثلاث» بغير هاء. والصّاع يذكّر ويؤنّث.
لَا تَفْعَلُوا، ولَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ
قوله: «لَا تَفْعَلُوا، ولَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ» أي: فنَهاهُ - صلى الله عليه وسلم - عن أنْ يَفعَلَ هذا، وفي رواية له وللبخاري: «أوّه أوّه، عَينُ الرّبا» مرّتين، وقوله: «أَوْ بِيعُوا هَذَا، واشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وكَذَلِكَ الْمِيزَانُ» أي: وَجَّهَه لأنْ يَبِيعَ التَّمرَ الرَّديءَ بالدَّراهمِ، ثمَّ يَشْتريَ بالدَّراهمِ تَمْراً جَنيباً؛ ليَكونَا صَفقتَينِ؛ وذلك حتَّى لا يَقَعَ في رِبا الفضْلِ، وهو: بَيعُ النُّقودِ بالنُّقودِ متفاضلاً، أي: مع الزِّيادةِ، أو الطَّعامِ بالطَّعامِ مع الزِّيادةِ، وهو ربا مُحرَّمٌ، وقد نصَّ الشَّرعُ على تَحريمِه في سِتَّةِ أشياءَ: ففي صَحيحِ مُسلمٍ: قال رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم -: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مِثلًا بمِثلٍ، سَواءً بسَواءٍ، يدًا بيَدٍ، فإذا اختَلَفَت هذه الأصنافُ فَبِيعوا كيف شِئتُم إذا كان يَدًا بيَدٍ».
تحريم التّفاضلُ في الجِنْس الواحد
قوله: «وكَذَلِكَ المِيزَانُ» أي: يَحْرمُ التّفاضلُ فيه أيضًا في الجِنْس الواحد، قال ابن عبد البر: المِيزانُ، وإنْ لمْ يذكره مالك فهو أمرٌ مُجمعٌ عليه، لا خلاف بين أهل العلم فيه، كلّ يقوله على أصله، إنّ ما داخله في الجنس الواحد من جهة التفاضل والزيادة؛ لمْ تَجزْ فيه الزيادة والتفاضل، لا في كيلٍ ولا في وَزْن، والوزنُ والكيلُ عندهم في ذلك سَواء، إلا ما كانَ أصْلُه الكيل؛ لا يُباعُ إلا كيلاً، وما كان أصْلُه الوَزْن؛ لا يُباعُ إلا وَزْناً، وما كانَ أصْلُه الكيلُ فبيعَ وَزْناً؛ فهو عندهم مُمَاثلة، وإنْ كرِهُوا ذلك، وما كان موزوناً؛ فلا يجوز أنْ يُباع كيلاً عند جميعهم، لأنّ المماثلة لا تُدْرك بالكيل، إلا فيما كان كيلاً لا وزناً، اتباعاً للسُّنّة، وأجْمعوا أنّ الذّهبَ والوَرِق والنُّحاس وما أشبه، لا يجوزُ شيءٌ مِنْ هذا كلّه كيلاً بكيل، بوجهٍ مِنَ الوجُوه، والتمرُ كلّه على اختلاف أنواعه جنسٌ واحد، لا يجوز فيه التفاضلُ في البيع والمُعَاوضة، وكذلك البُر والزّبيب، وكلّ طعامٍ مَكيل، هذا حُكمُ الطّعام المُقْتَات عند مالك، وعند الشافعي: الطعام كلّه مُقْتات، أو غير مُقْتات، وعند الكوفيين: الطّعام المكيل والموزون دون غيره. انتهى.
مَنْ لمْ يقلْ بسدّ الذّرائع
قال القرطبي: استدلّ بهذا الحديث مَنْ لمْ يقلْ بسدّ الذّرائع؛ لأنّ بعض صور هذا البيع يُؤدّي إلى بيع التّمر بالتمر متفاضلاً، ويكون الثمن لغزاً، قال: ولا حُجّة في هذا الحديث؛ لأنّه لمْ ينص على جواز شِراء التمر الثاني ممّن باعه التّمر الأول، ولا يتناوله ظاهر السياق بعُمومه بل بإطلاقه، والمُطْلق يحتمل التقييد إجْمالاً، فوجبَ الاسْتِفسار، وإذا كان كذلك فتقييده بأدنى دليلٍ كاف، وقد دلّ الدليل على سدّ الذرائع؛ فلتكنْ هذه الصّورة ممنُوعة. واستدلّ بعضهم على الجواز: بما أخرجه سعيد بن منصور: من طريق ابن سيرين: «أن عُمر خَطبَ فقال: إنّ الدّرهم بالدّرهم سواءً بسواء، يداً بيد»، فقال له ابن عوف: فنُعطي الجَنيب ونأخذ غيره؟ قال لا، ولكن ابتع بهذا عرضاً، فإذا قبضته وكان له فيه نية؛ فاهْضِم ما شئت، وخُذْ أيّ نقدٍ شئت». واستدلّ أيضاً: بالاتفاق على أنّ مَنْ باع السّلْعة التي اشْتراها ممّن اشتراها منه بعد مدة؛ فالبيع صحيح، فلا فرق بين التعجيل في ذلك والتأجيل، فدلّ على أن المعتبر في ذلك: وجود الشرط في أصل العقد وعدمه؟ فإنْ تشارطا على ذلك في نفْسِ العقد؛ فهو باطل، أو قبله ثمّ وقع العقد بغير شرطٍ؛ فهو صحيح، ولا يخفى الورع. وقال بعضُهم: ولا يضرّ إرادة الشّراء إذا كان بغير شَرْط، وهو كمَنْ أرادَ أنْ يَزْني بامرأةٍ ثمّ عدل عن ذلك، فخَطَبها وتزوجها، فإنّه عَدَلَ عن الحَرَام إلى الحلال؛ بكلمة الله التي أباحها، وكذلك البيع، والله أعلم.
من فوائد الحديث:
  • النَّهيُ عن الزِّيادةِ في كَيلٍ أو في وَزْنٍ، في الجنسِ الواحد على وجْه التَّفاضلِ والزِّيادةِ، والنصّ على تحريم ربا الفَضْل.
  • وفيه: أنَّه كان مِن عَادةِ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نَهى عن شَيءٍ له بَديلٌ مِن المُباحِ؛ أنْ يَذكُرَ هذا البديلَ، وهو مِنْ رفقه - صلى الله عليه وسلم - بالأمة.
  • وفيه: أنَّ مَن لم يَعلَمْ بتَحريمِ الشَّيءِ؛ فلا حرَجَ عليه حتَّى يَعلَمَه، قال تعالى: {وما كنّا مُعذّبينَ حتّى نَبْعثَ رَسُولا} (الإسراء: 15).
  • قام الإجماع على أنّ البيع إذا وقع مُحرّماً؛ فهو مفسوخٌ مَرْدُودٌ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليه أمْرُنا؛ فهُو رَدٌّ». وفي (صحيح مسلم): «فردُّوه».
  • أحَلَّ اللهُ لعِبادِه التَّكسُّبَ بالبَيعِ، وحرَّمَ الرِّبا، ومِنْ ثَمَّ فقدْ نَهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَعضِ المُعامَلاتِ التِّجاريةِ؛ حتَّى لا يَقَعَ الإنسانُ في الرِّبا صَراحةً أو ضِمناً.
  • وفيه: اختيار طيّب الطعام.
  • جواز الوَكالة في البيع وغيره.
  • وفيه أنّ البُيوع الفاسدة تُردّ.
  • بُطلان عقود بيع الرّبا.
  • الحِرْصُ على تعليم الناس أمُور الدّين لمَنْ يجهلها.
  • عنايةُ وليّ أمْر المسلمين بشؤونِ دينهم، وتعليمهم ما يَجهلونه من ذلك.



اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 94.37 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 91.31 كيلو بايت... تم توفير 3.06 كيلو بايت...بمعدل (3.24%)]