تأملات في بعض الآيات - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الإسلام... حضارة العدل المشرق وسمو التعامل مع الإنسان أيا كان دينه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          الملامح التربوية والدعوية في سيرة عثمان وعلي رضي الله عنهما (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          علو الله على خلقه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          تحريم القول بأن القرآن أساطير الأولين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          الفقه والقانون (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          فضل العلم والعلماء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          شعبان يا أهل الإيمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          (حصائد اللسان) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          الغافلون عن الموت (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          إطلالة على مشارف السبع المثاني (4) {مالك يوم الدين} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12-11-2025, 07:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,729
الدولة : Egypt
افتراضي تأملات في بعض الآيات

تأملات في بعض الآيات (1)

"بنات العمِّ والعمَّات، والخال والخالات"

حكم بن عادل زمو النويري العقيلي

الحمد لله الذي خلق الإنسان من آدمَ وحواءَ ابتداءً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الإنسان في أحسن تقويم، فأبدع صنعًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله تزوَّج، فكان له ولد ونسلٌ، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين أصلًا وفرعًا؛ أما بعد:
فلنتأمل في أصناف النساء التي أُحلَّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم الزواج منهن، واللاتي ذُكرن مفصلاتٍ في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 50]، وتحديدًا فيما ورد في تخصيص بنات الأقارب من أعمام وعمات، وأخوال وخالات.

والسؤال الذي قد يتبادر إلى الأذهان: لماذا وردت كلمتا العمِّ والخال بصيغة الإفراد، بينما كلمتا العمات والخالات قد وردتا بصيغة الجمع؟!

وللإجابة على هذا التساؤل، سنستعرض - أولًا - ما أوردته أمهات التفاسير في تفسير هذا الجزء من الآية الكريمة؛ وهو قوله تعالى: ﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ ﴾ [الأحزاب: 50]؛ كما يلي:
ذكــر الإمام البـغـوي في تفسيره: "﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ ﴾ [الأحزاب: 50]؛ يعـني: نسـاء قـريش، ﴿ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ ﴾ [الأحزاب: 50]؛ يعني: نساء بني زهرة".

وأورد الإمام ابــن كثـير في تفسـيره: "فوحَّد لفـظ الذَّكَـر لشـرفه، وجمـع الإنـاث لنقصهن؛ كـقـوله تعـالى: ﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ﴾ [النحل: 48]، وقوله تعالى: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [البقرة: 257]، وقوله: ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾ [الأنعام: 1]، وله نظائر كثيرة"[1].

أما الإمام ابن عاشور ذكر في تفسيره (التحرير والتنوير): "فأما لفظ (العمة)، فإنه لا يُراد به الجنس في كلامهم، فإذا قالوا: هؤلاء بنو عمة، أرادوا أنهم بنو عمة معينة، فجيء في الآية: ﴿ عَمَّاتِكَ ﴾ جمعًا؛ لئلا يُفهم منه بنات عمة معينة، وكذلك القـول في إفـراد لفـظ (الخال) من قـوله تعـالى: ﴿ بَنَاتِ خَالِكَ ﴾، وجمع الخالة في قـوله تعـالى: ﴿ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ ﴾".

وذكر الإمام ابن العربي في أحكام القرآن والحكمة: "أن ‌العم ‌والخال في الإطلاق اسم جنس، كالشاعر والراجز، وليس كذلك في العمة والخالة، وهذا عُرف لغويٌّ، فجاء الكلام عليه، بغاية البيان، لرفع الإشكال، وهذا دقيق، فتأملوه"، وهذا ما ذكره القرطبي في تفسيره أيضًا.

أما الإمام السعدي أورد في تفسيره: "قوله ﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ ﴾ [الأحزاب: 50]، شمل العم والعمة، والخال والخالة، القريبين والبعيدين، وهذا حصر المحللات".

وذكر الشيخ الطنطاوي في تفسيره الوسيط في قوله تعالى: ﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ ﴾ [الأحزاب: 50]، "وأحللنا لك - أيضًا - الزواج بالنساء اللائي تربطك بهن قرابة من جهة الأب، أو قرابة من جهة الأم".

ثانيًا: بعد التأمل أجد أن الله هداني إلى حكمة في ذلك، ولله الحمد والمنة؛ وهي أن الأعمام أصلهم واحد من جهة الوالد والعائلة والقبيلة، وهذا يسري على ذريتهم من بنات، وعليه جُمع لفظ البنات لتنوعهن، وأُفرد لفظ الأعمام لوحدة أصلهم؛ في قوله تعالى: ﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ ﴾ [الأحزاب: 50]، وأما العمات وإن كان أصلهن واحدًا مثل الأعمام، لكن هذا لا ينطبق على نسلهن من البنات؛ لأن البنت تتبع أصل أبيها لا أمها، وهنا جاء التنوع، وعليه تم ذكرهن بصيغة الجمع لتنوعهن، واختلاف أصولهن؛ في قوله تعالى: ﴿ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ ﴾ [الأحزاب: 50]، وهذا الحال ينطبق كذلك على بنات الأخوال والخالات؛ لذا تم ذكرهن في الآية بنفس النسق: ﴿ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ ﴾ [الأحزاب: 50]، وهذا التأمل والاستنتاج متسق كذلك مع قوله تعالى: ﴿ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ ﴾ [النور: 61]؛ إذ إن تلك البيوت مختلف بعضها عن بعض في الصفة والكيفية والمكان، ومختلفة كذلك من جهة الملَّاك، بغض النظر عن كون الملاك من أصل واحد، وعليه وجب جمع اللفظ للبيوت والملاك معًا، هذا والله أعلم.

وفيما تقدم من قول وتأويل أجل الحكم من جهة البلاغة وملاءمة الحال، وعموم تطبيق الحكم على الأمة كافةً في كل زمان ومكان.

أسأل الله أن يُفقِّهنا في دينه، وأن يمُنَّ علينا بحسن التدبر والفهم عنه، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.

آمــــــــــين.

[1]قد يكون فيما أورده المفسر غفر الله له خروجًا بالمعنى لغير ما قُصِد منه؛ حيث أورد المفسر ثلاث آيات على سبيـل المثال: أولهن قــوله تعالى: ﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ﴾ [النحل: 48]، وهنا طريق اليمين هو طريق الحق والإيمان، طريقه واحد لا يتعدد، أما طرق الشمائل فهي طرق الغواية والضلال، وهي طرق شتى؛ لذا أورد اليمين مفردًا والشمائل بصيغة الجمع، وثانيهن قوله تعالى: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [البقرة: 257]، كذلك الظلمات والغوايات متعددة، أما نور الحق وبلجته فهو واحد، وثالثهن قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾ [الأنعام: 1]، فإن الظلمات متعددة من ظلمة الليل والبحر، وغيرها من الظلمات الحسية، أما النور (نور الشمس) فيأتي كفلق الصبح يعُم الدنيا بضيائه ونفعه، كما أنه عز وجل ذكر في كتابه في أكثر من موضع المؤمنين والمؤمنات، وكذلك المسلمين والمسلمات، وغيرها من صفاتهم بصيغ الجمع لكلا الجنسين على التساوي، ولم يَعُدَّ نقص جنس عن الآخر معيارًا في التفضيل، هذا والله أعلم.
* ذكره الدكتور فاضل السامرائي ضمن برنامج "روائع البيان القرآني".





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 31-01-2026, 12:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,729
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تأملات في بعض الآيات

تأملات في بعض الآيات (2)

حكم بن عادل زمو النويري العقيلي

﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ




الحمد لله الذي عمنا بالنعم منه عطاءً وفضلًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وجب له على نعمائه حمدًا وشكرًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أكمل الناس ثناءً على ربه جزلًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الحامدين الشاكرين لله قولًا وفعلًا؛ أما بعد:
فقد قال تعالى في محكم التنزيل: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأحقاف: 15]؛ حيث أوصانا الله عز وجل بوالدينا حسنًا وإحسانًا، وذكر سبحانه في مستهل ذلك على سبيل المثال لمحة عابرة عما عانته الأم الرؤوم من آلام الحمل والوضع، ثم متاعب الرعاية والرضاعة والتربية، أوصانا بهما إحسانًا بالمعاشرة والطاعة بالمعروف ما لم يأمرونا بمعصية أو كفر؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [لقمان: 15]، وإحسانًا لهـما بالبر وخـفض جـناح الذل مـن الرحمة؛ قـال تعـالى: ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ [الإسراء: 24]، وأعقبه الأمر بالدعاء لهما أن يرحمهما جزاء رعايتهما لنا وتربيتهما إيانا حال الصغر والعجز؛ قال تعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 24]، وأعقب الوصية الأمر منه سبحانه أن نطلب منه إعانتنا على شكر نعمه وآلائه علينا، وخاصة حين اكتمال النضج والعقل والقوة والاستواء حين بلوغنا الأربعين مع العمر؛ حيث قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ [الأحقاف: 15]، وسن الأربعين حين تكاملت حجة الله على العبد، وسير عنه جهالة شبابه وعرفه الواجب عليه لله من طاعة وعبادة، ولوالديه من الحق والبر والإحسان، ولذريته من التربية والرعاية والإرشاد والإصلاح، وأمره جزاء لوالديه بإشراكهما بالدعاء معه، برًّا بهما واعترافًا بفضلهما عليه وطاعة لمولاه؛ قال تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأحقاف: 15]، وثنى بالطلب أن يلهمه مولاه العمل الصالح المتقبل وفق منهاج الشرع وعلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أن يقر عينه بصلاح ذريته من بعده، والالتجاء لله بالتوبة النصوح عما سلف وما سيأتي من تقصير أو خطأ أو جهالة في حق خالقه ومولاه، وأخيرًا إقرار من العبد بأنه من المسلمين لله، المستسلمين له بالطاعة والعبودية، والانقياد والتسليم لشرعه وأقداره.

ولكن لمَ خص الدعاء بطلب الإعانة على شكر نعمة الله على العبد وعلى والديه فقط؟ ولم يذكر نعمته على ذريته كذلك؟ مع أن النعم تشمل كافة الخلق من أباء وأبناء وأحفاد، والعلم في ذلك عند الله بعد توفيقه سبحانه، أن نعمة الله على الوالدين حاصلة وسابقة، ومنها رزقه لهما من الخيرات والذرية التي من ضمنها العبد نفسه، فوجوده بحد ذاته نعمة عظيمة على والديه وعلى نفسه وجب شكرها، ومن نعم الله على العبد كذلك الرزق والصحة ووجود الذرية، ومن المعلوم أن ذرية الرجل امتداد له وبقاء لصالح عمله؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، وذكر منهم أو ولد صالح يدعو له))[1] ، وكسب ذرية العبد من كسبه كذلك؛ حيث جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: ((يا رسول الله إن لي مالًا وولدًا وإن والدي يجتاح مالي، قال: أنت ومالك لأبيك، إن أولادكم من كسبكم فكلوا من كسب أولادكم))[2]، وعلى ذلك فكل نعمة تكون للعبد أو لأحد من ذريته فهي له وعليه، لذا فهي واقعة ضمن سؤال العبد ربه أن يعينه على شكرها ابتداءً، وبذا تكون سلسلة الشكر لله ممتدة عبر الأجيال، تنتقل من جيل بعد جيل، من جيل الأجداد إلى الآباء والأحفاد، سلسلة لا تنقطع ولا تنقضي إلى يوم الدين، بفضل الله وتوفيقه للعبد المؤمن الصالح التقي النقي، وكماله واستمرار ثمرته الدعاء بصلاح الأبناء والذرية، فهو دعاء صادق ممتد من عبر الأجيال، فكل جيل يدعو لمن يليه من أبنائه وذريته، دعاءً صادقًا متقبلًا إن شاء الله.

أسأل الله أن يوزعنا جميعًا شكر نعمه علينا وعلى والدينا، وأن يصلح نياتنا وأعمالنا وذرياتنا إنه جواد كريم، وصلِّ اللهم وسلم على عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم.

آمـــــــين.

[1] رواه مسلم في الوصايا (1631)، أبو داود فيه (2880)، الترمذي في الأحكام (1376) والنسائي في الوصايا (3651).

[2] صحيح، رواه أبو داود في البيوع (3530) واللفظ له، وأحمد (2 /214)، وابن الجارود في المنتقى (1 /249) باختلاف يسير.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم يوم أمس, 03:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,729
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تأملات في بعض الآيات

تأملات في بعض الآيات (3)

حكم بن عادل زمو النويري العقيلي




"مراتب القدر"




الحمد لله الذي قدَّر الأقدار على خلقه أزلًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أوجب علينا الإيمان بها خيرًا وشرًّا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ما علم الغيب ولو علمه لاختار الخير وما مسه السوء أبدًا[1]، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، اتخذوا دومًا التدبير والسببا؛ أما بعد:

فإن القدر من الأمور الغيبية التي اختص الله عز وجل نفسه بمعرفتها وتقديرها على عباده، وعلى المؤمن الإيمان بها كما هي، خيرها وشرها، عُلم الحكمة من ورائها أم لم يعلم؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وتؤمن بالقدر خيره وشره))[2] ، ولتقريب فهمنا للقدر في الدنيا، جاء القرآن لبسط ذلك وتجسيده من خلال قصة سيدنا موسى مع الخضر[3]عليهما السلام، والمتأمل لمجريات القصة يجد أنه من الممكن تقسيم إدراكنا للقدر على ثلاثة أضرب وأحوال، لتكون عبرة ودرسًا وتذكرةً للمؤمنين وللناس كافة إلى يوم الدين؛ وهي كما يلي:
معرفة السبب وأثره في الدنيا، والمتمثل بقصة ركوب السفينة.
جهل السبب وأثره في الدنيا، والمتمثل بقصة قتل الغلام.
جهل السبب ومعرفة أثره في الدنيا، والمتمثل بقصة بناء جدار اليتيمين.

وفي مستهل حديثنا لعلنا نعرج على تركيبة وحيثيات القصة واللقاء منذ البداية، كليم الرحمن النبي الكريم يرتحل مع غلامه بأمر الله، للقاء عبدٍ صالحٍ من عباد الله، آتاه الله من لدنه رحمةً وعلمًا، المكان والزمان مجهولان، لديه فقط أداة وعلامة ووجهة مقصودة، كل هذا لتسرد لنا أروع وأغرب قصص في تاريخ البشرية، قصص تخالف نواميس البشر[4]، إنه لقاء الإنسان بنواميس القدر يا سادة.

والآن لنبدأ بالحالة الأولى وهي: "معرفة السبب وأثره في الدنيا"، فبعدما ركب موسى والخضر عليهما السلام سفينة المساكين، قام الخضر عليه السلام بإحداث خرق فيها؛ كما قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ﴾ [الكهف: 71]، وظن موسى عليه السلام وأهل السفينة أنها ستغرق، فتعجب موسى عليه السلام من هذا الفعل المستهجن وقال متسائلًا: ﴿ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ﴾ [الكهف: 71]، ولكن ما إن غادراها وبعد برهة من الزمن، أدرك أصحابها عاقبة ذلك الفعل الذي ظنوه للوهلة الأولى وبالًا عليهم، حين أوقفهم جند ملك يصادر كل سفينة صالحة لنفسه، وحين عاين الجند السفينة وتبين لهم عيبها بسبب الخرق تركوها لأصحابها، فعلم أصحابها حينها حكمة الله تعالى في تقديره وأن الخير هو في ذلك القدر؛ قال تعالى: ﴿ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴾ [الكهف: 79]، ومثل هذا الصنف يتكرر في حياتنا مرارًا وتكرارًا، فلربما تريد اللحاق برحلة بالحافلة للمدينة المجاورة، وفي الطريق تتأخر بسبب حادث وقع لسيارتك وتحزن على ما أصابها من ضرر، ويتسبب ذلك بعدم لحاقك بموعد الرحلة، لينجيك الله من حادث سيقع للحافلة على الطريق بعد ساعة من انطلاقها، وينتج عنه بعض الوفيات والإصابات البليغة، فتحمد الله من صميم قلبك على قدره ومشيئته وحسن تدبيره.

وأمـا الحــالة الثـانية وهـي: "جـهـل السبب وأثـــره في الدنيا"، فتتمثـل في قـتـل الخـضر عـليه الســـلام للغـــلام؛ قـــال تـعـالى: ﴿ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ ﴾ [الكهف: 74]، وعللها الخضر لموسى عليهما السلام فيما بعد؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ﴾ [الكهف: 80، 81]، فوالدا الغلام لم يعلما لماذا قتل ولدهما، ومن الذي قتله، وما الحكمة في قتله، ولم يكونا يعلمان أنه لو عاش فسيكون كافرًا جاحدًا طاغيًا، ولم يعلما أن الغلام الذي رُزقا به فيما بعد هو عوض من الله عما فقداه، وأنه سيكون مؤمنًا برًّا رحيمًا بهما، وظلا طوال حياتهما في حزن وألم لفقد ولدهما الأول، ويدعوان له بالرحمة والمغفرة، وهذه الحالة تتكرر مرارًا كذلك، فقد تكون في عمل وأنت مرتاح فيه، ثم يتم طردك منه من غير سبب أو تقصير منك، وتحزن على ذلك، وبعدها بفترة يعوضك الله بعمل آخر أو تفتح مشروعًا يدر عليك أضعاف ما كنت تتقاضاه في عملك السابق، إنه تدبير الله اللطيف العليم الخبير، فأنت طوال عمرك قد تظل جاهلًا السبب الحقيقي لطردك من عملك، ولم تعلم أن ما تجنيه الآن من مالٍ ورزق هو عوض من الله لك.

وأما الحالة الثالثة فهي: "جهل السبب ومعرفة أثره في الدنيا" وتتمثل في بناء جدار اليتيمين في المدينة من قِبل الخضر عليه السلام؛ قال تعالى: ﴿ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ﴾ [الكهف: 77]، واستفادة الغلامين من هذا الفعل في المستقبل عندما كبرا واستخرجا كنزهما؛ قال تعالى: ﴿ فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا ﴾ [الكهف: 82]، وهذه الحالة تتكرر مرارًا كذلك ولله الحمد، فلربما يضع أحدهم لوحة بداية الطريق لتحذير المارة من حفرة قد يقعون بها، ثم تتجنب بعد توفيق الله الوقوع في الحفرة بسببها، فأنت تجهل من وضعها ولكنك أدركت النتيجة وتجنبت الخطر، والحمد لله.

وفي نهاية اللقاء يبين لنا الخضر عليه السلام أن جميع أفعاله المستغربة والخارجة عن نواميس الفهم البشري، إنما هي بأمر الله وتدبيره وقدره، وإنما هو مجسد لحكمة الله وقدره في خلقه؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ﴾ [الكهف: 82].

اللهم اقدر لنا الخير دومًا، وجنبنا الشر بفضلك وحكمتك ومنتك علينا، وصلِّ اللهم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
آمــــــــــــــــــين.


[1] قال تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾ [الأعراف: 188].

[2] رواه مسلم في الإيمان (8).

[3] ذكره غير واحدٍ من المفسرين أمثال الطبري، والقرطبي، وابن كثير، والسعدي رحمة الله عليهم جميعًا.

[4] قال تعالى على لسان نبيه موسى عليه السلام مستنكرًا أفعال الخضر عليه السلام: ﴿ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ﴾ [الكهف: 71]، ﴿ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ﴾ [الكهف: 74]، ﴿ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾ [الكهف: 77].

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 72.35 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 69.76 كيلو بايت... تم توفير 2.59 كيلو بايت...بمعدل (3.58%)]