|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#281
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 211 الى صـــ 230 الحلقة (281) ١٣٩٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ. قَالَ: مَا لَهُ؟ مَا لَهُ؟ وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَرَبٌ مَالَهُ، تَعْبُدُ اللهَ، وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ». وَقَالَ بَهْزٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْن عَبْدِ اللهِ أنَهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أيُّوبَ بهذا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ إِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو. [٥٩٨٢، ٥٩٨٣ - مسلم: ١٣ - فتح: ٣/ ٢٦١] ١٣٩٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمِ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنهأَنَّ أعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلِ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الَجنَّةَ. قَالَ: «تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ المَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ». قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هذا. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَي هذا». حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بهذا. [مسلم: ١٤ - فتح: ٣/ ٢٦١] ١٣٩٨ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا الحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ، قَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلَسْنَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذُهُ عَنْكَ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. قَالَ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الإِيمَانِ بِاللهِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ -وَعَقَدَ بِيَدِهِ هَكَذَا - وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالمُزَفَّتِ». وَقَالَ سُلَيْمَانُ وَأَبُو النُّعْمَانِ، عَنْ حَمَّادٍ: «الإِيمَانِ بِاللهِ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ». [انظر: ٥٣ - مسلم: ١٧ - فتح: ٣/ ٢٦١] ١٣٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه -، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ؟» [٦٩٢٤، ٧٢٨٤ - مسلم: ٢٠ - فتح: ٣/ ٢٦٢] ١٤٠٠ - فَقَالَ: وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَي رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنه -، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ. [١٤٥٦، ١٤٥٧، ٦٩٢٥، ٧٢٨٥ - مسلم: ٢٠ - فتح: ٣/ ٢٦٢] ثمَّ ذَكَرَ حديثَ ابن عباسٍ في بعثِهِ معاذًا إلى اليمن، إلى أنْ قال: «.. فَأعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ». وحديث أبي أيوب: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ. وفيه: «وَتُؤْتي الزَّكاةَ». ذكره من حديثِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ (أبي) (١) عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أيوبَ. وَقَالَ: قال بَهْزٌ: ثنَا شُعْبَةُ، ثنَا محمدُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وأَخْشَى أنْ يَكُونَ محمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ إِنَّمَا هُوَ عَمْروٌ. وحديث أبي هريرة، وفيه: «وتؤدي الزَّكاةَ المفْرُوضة». وحديث ابن عباس: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ .. الحديث، وفيه: «وَإيتَاءِ الزَّكاةِ». -------------- (١) كذا بالأصل، وفي اليونينية (ابن) وفي نسخة: (محمد بن) وسيأتي تعليق المصنف على هذا الاختلاف. وحديث أبي هريرة: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، وفيه: والله لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فرق بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ .. الحديث. الشرح: الزكاةُ في اللغة: النَّماء والتطهير، وإن كان في الظاهر قد تنقص. وحديث ابن عباس الأول سلف مسندًا في أول الكتاب وغيره (١). وحديثه الثاني أخرجه مسلم، والأربعة (٢)، وسيأتي في مواضع من الكتاب (٣). وعند مسلم عن أبي معبد، عن ابن عباس، عن معاذ قَالَ: بعثني رسول الله - ﷺ -. جعله من مسند معاذ (٤). وفي «الإكليل» للحاكم أن بعثه وبعث أبي موسى عند انصرافه من تبوك سنة تسع، وفي «الطبقات» مثله، وأنه في ربيع الآخر (٥). وزعم ابن الحذاء أن هذا كان في هذا الشهر سنة عشر. وقدم في خلافة أبي بكر في الحجة التي حج فيها عمر، وكذا ذكره سيف في «الردة»، وبعثه قاضيًا كما قَالَ أبو عمر (٦). وقال العسكري: واليًا. -------------- (١) سلف برقم (٧) كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -. (٢) «صحيح مسلم» برقم ١٩/ ٣١ كتاب: الإيمان، باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، وأبو داود (١٥٨٤)، والترمذي (٦٢٥)، والنسائي ٥/ ٢ - ٤، وابن ماجه (١٧٨٣). (٣) سيأتي برقم (١٤٥٨) باب: لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، (١٤٩٦) باب: أخذ الصدقة من الأغنياء، (٢٤٤٨) كتاب: المظالم، باب: الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم، و(٤٣٤٧) كتاب: المغازي، باب: بعث أبي موسى، و(٧٣٧١ - ٧٣٧٢) كتاب: التوحيد، باب: ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى. (٤) «صحيح مسلم» ١٩/ ٢٩. (٥) «الطبقات» ٣/ ٥٨٤. (٦) «الاستيعاب» ٣/ ٤٦٠. وكان قسم اليمن على خمسة: خالد بن سعيد على صنعاء، والمهاجر بن أبي أمية على لبدة، وزياد بن أبيه (١) على حضرموت، ومعاذ على الجنَد، وأبي موسى على زَبيد وعدن والساحل. وحديث أبي أيوب أخرجه البخاري في موضع آخر بلفظ: عرض له في سفر. وفي آخره: دع الناقة (٢). قَالَ الدارقطني: يقال: إن شعبة وهم في اسم ابن عثمان بن موهب فسماه محمدًا، وإنما هو عمرو بن عثمان، والحديث محفوظ عنه، حدث به عن يحيى القطان وأحمد بن عبيد وجماعات عن عمرو بن عثمان (٣). وقال الكلاباذي، والجياني (٤)، وغيرهما: هو مما عد على شعبة أنه وَهِمَ فيه. وقد خرجه مسلم عن محمد بن نمير، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، ونبه عليه في كتابه «شيوخ شعبة». وقال البخاري في كتاب الأدب: حَدَّثَني عبد الرحمن، ثنا بهز، عن شعبة، عن ابن عثمان (٥)، وهو أقرب إلى الصواب. وعند مسلم عن محمد بن حاتم، وعبد الرحمن بن بشر، ثنا بهز، أنا شعبة، ثنا محمد بن عثمان وأبوه عثمان (٦). ------------- (١) في هامش الأصل: صوابه كبير. (٢) هذِه الرواية لم أقف عليها عند البخاري وإنما هي في «صحيح مسلم» برقم (١٣) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان الذي يُدخل به الجنة، وكذا عزاه ابن حجر إلى مسلم كما في «الفتح» ٣/ ٢٦٤، وعزاه أيضًا العيني إلى مسلم في «عمدة القاري» ٧/ ١٦٧. (٣) «علل الدارقطني» ٦/ ١١٢ - ١١٣. (٤) «تقييد المهمل» للجياني ٢/ ٦٠٥. (٥) سيأتي برقم (٥٩٨٣) باب: فضل صلة الرحم. (٦) «صحيح مسلم» (١٣) كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة. وفي الأول من حديث بدل بن المحبر، أنبأنا شعبة، عن محمد بن عثمان: سمعت موسى، فذكره. ثم قَالَ: قَالَ أبو يحيى: هذا حديث صحيح سمعه شعبة من عثمان بن عبد الله، ومن ابنه محمد بن عثمان، وسمعه محمد، وأبوه عثمان، وأخوه عمرو بن موسى عن أيوب. وفيه: رد لقول الدارقطني: الحديث محفوظ عن عمرو. وأخرجه النسائي من حديث بهز، عن شعبة، عن محمد بن عثمان، وأبيه عثمان، وكذا رواه أحمد، عن بهز (١). وقال الإسماعيلي: جوده بهز فقال: حَدَّثَنَا شعبة، ثنا محمد بن عثمان، وأبوه عثمان. قَالَ: وانفرد ابن أبي عدي بالرواية، عن محمد، عن أبيه، عن موسى. وحديث أبي هريرة قَالَ البخاري في آخره: حَدَّثَنَا مسدد .. إلى أن قَالَ: حَدَّثَنِي (أبو زرعة) (٢) عن النبي - ﷺ - بهذا، كذا هو ثابت في النسخ، وكذا ذكره صاحبا المستخرجين، والحميدي في «جمعه» (٣)، وفي أصل العز الحراني، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة. وزعم الجياني (٤) أنه وقع تخليط وَوَهمٌ في رواية أبي أحمد كان عنده، من طريق عفان، عن يحيى بن سعيد بن حيان، أو عن يحيى بن سعيد؛ عن أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة. وهو خطأ، إنما الحديث عن وهيب، عن أبي حيان يحيى بن سعيد بن حيان، عن أبي زرعة على ما رواه ابن السكن، وأبو زيد، وسائر الرواة، عن الفربري (٥). ------------ (١) «سنن النسائي» ١/ ٢٣٤ كتاب: الصلاة، ثواب من أقام الصلاة، وأحمد ٥/ ٤١٨. (٢) ورد في الأصل فوق هذِه الكلمة كلمة: تابعي. (٣) انظر: «الجمع بين الصحيحين» ٣/ ١٦٨ - ١٦٩. (٤) «تقييد المهمل» ٢/ ٦٠٤. (٥) انتهى كلام الجياني. وهذا الأعرابي هو سعد كما قَالَ ابن الأثير. وفي الطبراني من حديث المغيرة بن سعد بن الأخرم، عن عمه أنه شاك (١). وحديث ابن عباس سلف في الإيمان (٢). وحديث أبي هريرة الأخير فيه هنا: عناقًا، وفي موضع آخر: عقالًا (٣)، وذكره في مسند الصديق، ويدخل في مسند عمر أيضًا لقوله: إن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «أمرتُ أنْ أقاتِلَ النَّاَس» وذكره خلف في مسنديهما، وابن عساكر ذكره في مسند عمر. قَالَ الترمذي: ورواه عمران القطان، عن معمر، عن الزهري، عن أنس، عن أبي بكر، وهو خطأ. وقد خولف عمران في روايته عن معمر (٤). وقال النسائي: المحفوظ حديث الزهري عن عبيد الله (٥). إذا تقرر ذلك؛ فالزكاة فرض بنص الكتاب والسنة -وقد ذكر جملة منها في الباب- وإجماع الأمة، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام الخمس في الحديث الصحيح: «بُنِي الإسلامُ عَلَى خَمْسٍ» (٦) وهي دعائمه وقواعده لا يتم إسلام من جحد واحدًا منها، ألا ترى فهم الصديق لهذا المعنى. ------------- (١) «المعجم الكبير» ٦/ ٤٩ - ٥٠ (٥٤٧٨). (٢) سلف برقم (٥٣) باب: أداء الخمس من الإيمان. (٣) سيأتي برقم (٧٢٨٥) كتاب: الاعتصام، باب: الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -. (٤) «سنن الترمذي» بعد حديث (٢٦٠٧) كتاب: الإيمان، باب: عن رسول الله ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. (٥) «السنن الكبرى» ٣/ ٦ كتاب: الجهاد، باب: وجوب الجهاد. (٦) سلف برقم (٨) كتاب: الإيمان، باب: ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾ إيمانكم لقوله -عز وجل-: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ ورواه مسلم (١٦) كتاب: الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام. وقوله: (والله لأُقَاتِلَن مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ) وقام الإجماع على أن جاحدها كافر، فإن منعها بخلًا أخذت قهرًا وعُزِّر، وإن نصب الحرب دونها قوتل اقتداءً بالصديق في أهل الردة (١). وكانت الردة أنواعًا: قوم ارتدوا على ما كانوا عليه من عبادة الأوثان، وقوم آمنوا بمسيلمة، وهم أهل اليمامة، وطائفة منعوا الزكاة وقالوا: ما رجعنا عن ديننا ولكن شححنا على أموالنا، فرأى الصديق قتال الجميع، ووافقه جميع الصحابة بعد أن خالفه عمر في ذلك، ثم بان له صواب قوله، فرجع إليه، فسبى الصديق نساءهم وأموالهم، اجتهادًا منه. فلما ولي عمر بعده رأى أن يرد ذراريهم ونساءهم إلى عشائرهم، وفداهم وأطلق سبيلهم، وذلك أيضًا بمحضر الصحابة من غير نكير. والذين رد منهم عمر لم يأبَ أحد منهم الإسلام. وعذر أبا بكر في اجتهاده، وصوب رأيه. وقال بعضهم: حكم أبو بكر في أهل الردة بالسبي وأخذ الأموال، وجعلهم كالناقضين. وحكم فيهم عمر بحكم المرتدين، فرد النساء والصغار من الرق إلى عشائرهم كذرية من ارتد فله حكم الإسلام، إلا من تمادى بعد بلوغه. وعلى هذا الفقهاء، وبه قَالَ ربيعة، وابن الماجشون، وابن القاسم. وذهب أصبغ إلى فعل أبي بكر أنهم كانوا كالناقضين (٢). -------------- (١) انظر: «الإقناع في مسائل الإجماع» ٢/ ٦١٥ - ٦١٨. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١٤/ ٤٩٦، ٤٩٧. وتأويل أبي بكر مستنبط من قوله -عز وجل- في الكفار: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فجعل من لم يلتزم ذلك كله كافرًا يحل دمه وماله وأهله، ولذلك قَالَ: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. وقَالَ الداودي: قَالَ أبو هريرة: والله الذي لا إله إلا هو لولا أبو بكر ما عبد الله. قيل له: اتق الله يا أبا هريرة. فكرر اليمين، وقال: لما توفي رسول الله - ﷺ - ارتدت العرب، وكثرت أطماع الناس في المدينة، وإرادته الصحابة على إمساكه لجيش أسامة والكف عمن منع الزكاة، فقال: والله لو لم يتبعني أحد لجاهدتهم بنفسي حَتَّى يعز الله دينه أو تنفرد سالفتي، فاشتد عزم الصحابة حينئذٍ، وقمع الله أهل الباطل بما أرادوه. وهذا كله يشهد لتقدم الصديق في العلم ورسوخه فيه، وأن مكانه من العلم ونصرة الإسلام لا يوازيه فيه أحد. ألا ترى رجوع جماعة الصحابة إلى رأيه في قتال أهل الردة، ولا يجوز عليهم اتباعه تقليدًا له دون تبين الحق لهم، وذلك بأنه احتج عليهم أن الزكاة قرينة الصلاة، وأنها حق المال، وأن من جحد فريضة فقد كفر ولم يعصم دمه ولا ماله، وأنه لا يعصم ذلك إلا بالوفاء بشرائع الإسلام، ولذلك قَالَ عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق بما بينه أبو بكر من استدلاله على ذلك، فبان لعمر وللجماعة الحق في قوله: فلذلك اتبعوه. وفي الآية التي ذكرها البخاري دليلان على الوجوب: أحدهما: أنه أمر بإتيانها، والأمر للوجوب. الثاني: أنه قرنها بالصلاة وهي الركن الثاني فاقتضى التساوي. وبهذه الطريقة احتج الصديق على من ناظره كما أسلفناه. وإنما أمر في حديث معاذ بالدعاء بالشهادة من لم يكن أسلم من أهل الكتاب، وسيأتي هذا مبينًا في حديث معاذ في باب لا تؤخذ الكرائم: «إِنَّكَ تأتي أَهْلَ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» (١). ومعنى حديث معاذ في ترتيب ما يدعوهم إليه أنهم إن جحدوا واحدة من ذلك لم يكونوا مؤمنين، ولم يبين إن امتنعوا ما يكون حكمهم. والحكم أنهم إذا امتنعوا بعد الإقرار بالشهادتين من شيء من ذلك ما سلف. وقال بعضهم: إن حكمهم حكم المرتد. والمعروف من مذهب مالك أنه يقتل (٢) في ذلك، إلا أن يصلي صلاة واحدة (٣)، ولم يذكر الحج ولا الصيام. قَالَ ابن التين: ولعل ذلك قبل نزول فرضهما. قلتُ: هذا غلط؛ فإن بعثه كان في السنة التاسعة أو العاشرة كما سلف، وفُرِضا قبل (٤). والجواب أنه اقتصر على الثلاثة؛ لتأكدها في ذلك الوقت. ------------- (١) يأتي برقم (١٤٥٨). (٢) في الأصل: يقال، والصواب ما أثبتناه. (٣) انظر: «الكافي» ص ٥٨٦. (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ: وقع في كلام القرطبي أن الحج فرض في السنة الثانية، وهو غريب انتهى. لعلها الثامنة، فإن الماوردي ذكره كذلك في «الأحكام السلطانية». وفيه: قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به (١)، لكن أبو موسى كان معه. وفيه: أنه لا يحكم لإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين، وإنما بدأ في المطالبة بهما؛ لأنهما أصله لا يصح شيء من فروعه إلا به، فمن كان منهم غير موحد على التحقيق، كالنصراني فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين. وأما اليهود فبالجمع بين ما أقر به من التوحيد والإقرار بالرسالة، وأهل اليمن كانوا (يهود) (٢)؛ لأن ابن إسحاق وغيره ذكروا أن تبعًا تَهوَّد وتبعه على ذلك قومه فاعلمه (٣). ونبه - ﷺ - على أنهم أهل كتاب لكثرة حججهم، وأنهم ليسوا كجهال الأعراب. وفي قوله: «افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» دلالة أن الوتر ليس بفرض، وهو ظاهر لا إيراد عليه، ومن ناقش فيه فقد غلط. وطاعتهم بالصلاة تحتمل وجهين: أحدهما: الإقرار بوجوبها. والثاني: الطاعة بفعلها. والأول أرجح؛ لأن المذكور في الحديث هو الإخبار بالفرضية. ويترجح الثاني بأن الامتثال كاف. ------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ولا يخرج بذلك عن خبر الواحد. (٢) كذا بالأصل، والجادة أن يقول (يهودًا) لأنه لم يرد بها العلمية وإنما أراد الجمع والله أعلم. (٣) «سيرة ابن إسحاق» ٢٩ - ٣٣. وفيه: أنه ليس في المالِ حقٌّ سِوى الزَّكاة وقد أخرجه مرفوعًا ابن ماجه كذلك، وفي إسناده ضعف (١)، وهّاه البيهقي (٢). وفي الترمذي: «إن في المال حقًّا سوى الزكاة» وقال: إسناده ليس بذاك (٣). وذهب جمع منهم مجاهد أنه إذا حصد ألقى لهم من السنبل، وإذا جدوا النخل ألقى لهم من الشماريخ، فإذا كاله زكاه (٤). وفي «تفسير الفلاس» من حديث أبي العالية قال: كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة ثم يسرفوا، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤٦] (٥). ومن حديث محمد بن كعب في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤١]. قَالَ: ما قل منه أو كثر (٦). ومن حديث جعفر بن محمد، عن أبيه ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ قَالَ: شيء سوى الحق الواجب (٧). وعن عطاء: القبضة من الطعام (٨). ثم ذكر عن يزيد بن الأصم، وإبراهيم نحوه (٩). -------------- (١) «سنن ابن ماجه» (١٧٨٩) كتاب: الزكاة، باب: ما أدي زكاته ليس بكنز، وقال الألباني: ضعيف منكر. (٢) «السنن الكبرى» ٤/ ٨٤ - ٨٥ كتاب: الزكاة، باب: الدليل على من أدى فرض الله في الزكاة فليس عليه أكثر منه، وقال: فهذا حديث يعرف بأبي حمزة ميمون الأعور كوفي، وقد جرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين فمن بعدهما من حفاظ الحديث، والذي يرويه أصحابنا في التعاليق: (ليس في المال حق سوى الزكاة) فلست أحفظ فيه إسنادًا، والذي رويت في معناه ما قدمت ذكره والله أعلم أهـ. (٣) «سنن الترمذي» (٦٥٩) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء أن في المال حقًّا سوى الزكاة، وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي». (٤) رواه الطبري في «تفسيره» ٥/ ٣٦٥ (١٣٩٩٨). (٥) رواه الطبري في «تفسيره» ٥/ ٣٧٠ عن أبي العالية. (٦) رواه الطبري ٥/ ٣٦٧ (١٤٠٢١) عن محمد بن كعب. (٧) الطبري ٥/ ٣٦٤ (١٣٩٨٨). (٨) الطبري ٥/ ٣٦٤ (١٣٩٨٩). (٩) الطبري ٥/ ٣٦٦ (١٤٠٠٧ - ١٤٠٠٨). وروى أبو جعفر النحاس عن أبي سعيد مرفوعًا: «ما سقط من السنبل» (١) قَالَ: وقد روي وصح عن علي بن حسين، وهو قول عطية، وأبي عبيد. واحتج بحديث النهي عن حصاد الليل. وحكاه ابن التين عن الشعبي. وحكى الأدفوي أقوالًا في الآية: منهم من قَالَ: إنها منسوخة بالزكاة المفروضة. قاله سعيد بن جبير وغيره. ثانيها: أنه الزكاة المفروضة. قاله أنس وغيره (٢)، وعزي إلى الشافعي، وفيهما نظر. ومنهم من قَالَ: إنها على الندب. وانفرد داود (٣) فأوجب الزكاة في كل الثمر وكل ما أنبتت الأرض، وهو قول مجاهد، وحماد بن أبي سليمان، وعمر بن عبد العزيز، وإبراهيم النخعي. قَالَ ابن حزم: والسند إليهم في غاية الصحة (٤). وقال أبو حنيفة: في كل هذا الزكاة إلا في الحطب والقضب والحشيش (٥). وقوله: («تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ») استدل به بعضهم على الصرف لأحد الأصناف الثمانية خلافًا للشافعي، وأن الزكاة لا تنقل من موضعها، وبه قَالَ مالك والشافعي (٦)، وعن مالك الجواز، وهو قول أبي حنيفة (٧). -------------- (١) «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٣٣٣ (٤٨٠). (٢) الطبري ٥/ ٣٦٢ (١٣٩٦٦). (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني من أصحاب المذاهب المتبوعة فإن أراد التفرد الملطق فلا يصح. (٤) «المحلى» ٥/ ٢١٢. (٥) انظر: «البناية» ٣/ ٤٩٢. (٦) انظر: «البيان» ٣/ ٤٣١، «المعونة» ١/ ٢٧١. (٧) انظر: «المدونة» ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦، «البناية» ٣/ ٥٦٤ - ٥٦٥. ومنع أحمد في مسافة القصر (١). وعن الحسن، والنخعي أنهما كرها نقلها إلا لذي قرابة (٢)، وبه أخذ ابن حبيب. قَالَ: ويكرى على ذلك منها إن شح على دوابه، فإن منعنا النقل لم يقع الموقع عندنا على الأصح. والخلاف للمالكية أيضًا بين سحنون المانع، وابن اللباد المجيز (٣)، وعليهما ينبني الضمان إذا تلف. ويدخل في عموم ذلك الطفل والمجنون، وبه قَالَ مالك، والشافعي، وخالف أبو حنيفة (٤). وقال الأوزاعي: في ماله الزكاة غير أن الولي يحصيه، فإذا بلغ أعلمه؛ ليزكي عن نفسه. وقال الثوري: إن شاء اليتيم حينئذٍ زكَّاه (٥). وقال الحسن وابن سيرين: لا زكاة في ماله إلا في زرع أو ضرع. وقال أهل العراق: عليه في الأرض والفطر. وقد أفردت المسألة بالتصنيف وذكرت فيها مذاهب عديدة وأدلتها. وفيه: أن الزكاة تدفع للمسلمين؛ خلافًا لأبي حنيفة (٦). -------------- (١) انظر: «المغني» ٤/ ١٣١. (٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٣٩٣ (١٠٣٠٧) كتاب: الزكاة، في الصدقة يخرج بها من بلد إلى بلد من كرهه؛ بلفظ: أنهما كانا يكرهان أن يخرج الزكاة من بلد إلى بلد. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩١. (٤) انظر: «الهداية» ١/ ١٠٣، «المدونة» ١/ ٢١٣، «البيان» ٣/ ١٣٥. (٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٢٧. (٦) هذا القول فيه نظر، فقد اتفق الفقهاء كما قال ابن هبيرة: على أنه لا يجوز إخراج الزكاة إلى الكافر، وقال الجوهري: وأجمعوا أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال، ولا من عشور الأرضين، وإن لم يوجد مسلم، إلا أن أبا حنيفة ذهب إلى = وفيه: أن المديان لا زكاة عليه؛ لأنه قسمهم قسمين. وهو قول أبي حنيفة خلافًا للشافعي في أظهر قوليه (١). وفيه: أن حد ما بين الغني والفقير ما يجب فيه الزكاة. وقال بعضهم: في ألفين، وقال المغيرة، وأهل الكوفة: من له عشرون دينارًا لا يأخذ الزكاة (٢). وكذلك قَالَ مالك: لا يعطى أكثر من نصاب. وعنه: لا حد في ذلك، إنما هو على اجتهاد المتولي (٣). والصحيح جواز دفعها لمن له نصاب لا كفاية فيه. وقوله: (أخبرني بعمل يدخلني الجنة) يريد ما افترض عليه. قاله ابن التين. ويجوز أن يكون أعم. وقوله: «ما له؟ ما له؟» كأنه استعظم سؤاله؛ لأن الأعمال كثيرة. وقوله: (قَالَ النبي - ﷺ -: «أرَبٌ ماله؟») قَالَ صاحب «المطالع»: يروى «أرِبٌ ماله» على أنه اسم فاعل مثل حذر. ورواه بعضهم بفتح الراء أي: وضم الباء منونة، وبعضهم بفتح الباء أيضًا. فمن كسر الراء جعله فعلًا بمعنى احتاج فسأل عن حاجته، وقد يكون بمعنى يفطن لما سأله عنه فقال: أرب إذا عقل. وقيل معناه: رجل حاذق سأل عما يعنيه. وقيل: تعجب من حرصه، ومعناه: لله دره، أي: فَعَل فِعْل العقلاء في سؤاله عما جهله. وقيل: هو دعاء عليه، أي: سقطت ------------- = أنه يجوز أن يدفع إلى الذمي ما سوى ذلك من الصدقة، كزكاة الفطر والنذور والكفارات، وروي عن أبي يوسف أنه لا يعطى الذمي صدقة واجبة، انظر: «الإفصاح» ٣/ ٧٥، و«نوادر الفقهاء» ص ٤٨، «البناية» ٣/ ٥٤٢، «الفتاوى الهندية» ١٨٨١، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٨٣. (١) انظر: «البناية» ٣/ ٣٥٤، «روضة الطالبين» ٢/ ١٩٧. (٢) انظر: «البناية» ٣/ ٥٤٦، «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٨٧. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٨٦، ٢٨٧. آرابه، وهي أعضاؤه على عادة العرب كعقرى حلقى ونحوه، من غير قصد لوقوعه. ومن قَالَ أرب فمعناه: حاجة به، وتكون ما زائدة، وفي سائر الوجوه استفهامية. ولا وجه لقول أبي ذر: أرب. وفسر ابن قتيبة أرِبَ بكسر الراء وفتح الباء بأنه من الآراب مأخوذٌ، أي: الأعضاء، واحدها أرب، ومنه قيل: قطعت أربًا أربًا. أي عضوًا عضوًا (١). وجاء في رواية: «أرب ما جاء به؟» وإنما كرر قوله «ما له»؛ لحبسه زمام ناقته، أو غير ذلك فعله. وفسر الطبري قوله: «أرَبٌ ما جاء به؟» وقال: معناه: لحاجة ما جاءت به، الإرب: الحاجة. و(ما) التي في قوله: «ما جاء به» صلة (٢) في الكلام، كما قَالَ تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] والمعنى: أرب جاء به. قَالَ ابن بطال: وعلى هذا التقرير تكون (ما) في الحديث زائدة، كأنه قَالَ: أرب له. وهو أحسن من قول ابن قتيبة، والمراد: له حاجة مهمة مفيدة جاءت به، وإلا فسؤاله قال أن له حاجة (٣). وقوله: «تعبد الله ..» إلى آخره؛ لم يذكر الحج والصوم. وفيه ما تقدم في حديث معاذ، ولم يذكر الجهاد؛ لأنه ليس بفرض على الأعراب. ذكره الداودي. ولم يذكر لهم التطوع؛ لأنهم كانوا حديثي عهد بإسلام، فاكتفي بالواجب تخفيفًا؛ ولئلا يعتقدوا أن التطوعات واجبة، فتركهم إلى أن تنشرح صدورهم لها فيسهل الأمر. وذكر فيه صلة الرحم لحاجة السائل إليه، وذكر في حديث أبي هريرة زيادة الصوم. -------------- (١) «غريب الحديث» ١/ ٤٥٧. (٢) ورد في الأصل تحت هذِه الكلمة: أي زائدة. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٩٨. ويجوز أن يكون السائل فيه هو السائل في حديث أبي أيوب، فإن يكنه فقد عرفت اسمه فيما مضى؛ وقيد فيه الزكاة بالمفروضة؛ وقد وصفها بذلك في قوله: «هذِه فريضة الصدقة» (١) كما ستعلمه. وقوله: (لا أزيد على هذا) أي من الفرائض أو أكتفي به عن النوافل. ويجوز أن يكون المراد: لا أزيد على ما سمعت منك في أدائي لقومي، لأنه وافدهم، وهو لائح. وقوله: في حديث ابن عباس: («وشَهَادَةِ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ») أي: وأن محمدًا رسول الله ولم يذكر فيه الصيام. وفيه ما سلف، وزاد فيه: «وأداء خُمُس المغنم». وقوله: (وعقد بيده هكذا) قَالَ الداودي جعل ذلك مثلًا للعقد والعهد الذي أخذه الله على عباده في الإسلام، وعلى العروة التي لا انفصام لها. والعَناق -بفتح العين-: الأنثى من ولد المعز ما دون الحول. وقيل عن أهل اللغة: إنها إذا أتى عليها أربعة أشهر، وفصل عن أمه، وقوي على الرعي فهو جدي. والأنثى عناق، حكاه ابن بطال (٢)، وابن التين. وقال الداودي: هي الأنثى من المعز الحديثة قاربت أن تلد أو حملت ولم تضع بعد، أو عند وضعها. والمعروف أن العناق: جذعة. والجذعة لا تحمل، إنما تحمل الثنية فاعلمه. والعقال: صدقة عام، أو الحبل الذي يعقل به البعير قولان، وذُكر --------------- (١) سيأتي برقم (١٤٥٤) كتاب: الزكاة، باب: زكاة الغنم. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٩٣ - ٣٩٤. ذلك على التقليل؛ لأن العناق لا يؤخذ في الصدقة عند أكثر أهل العلم، ولو كانت عناقًا كلها (١). والجديد عندنا أن في الصغار صغير (٢). وبه قَالَ أحمد، ومالك وأبو يوسف وزفر. إلا أن مالكًا وزفر يقولان: لا يجب فيما كبر من جنسها (٣). وقال ابن التين: بالوجوب قَالَ الفقهاء، خلا محمد بن الحسن فقال: لا شيء فيه (٤). وكان الواقدي يزعم أن التأويل الثاني رأي مالك، وابن أبي ذئب. قَالَ أبو عبيد: والأول أشبه عندي. وروى ابن وهب، عن مالك أن العقال: الفريضة من الإبل. وقال الخطابي: خُولف أبو عبيد في هذا التفسير، وذهب غير واحد من العلماء إلى أنه ضرب مثل بالقلة كقوله: لا أعطيك ولا درهمًا؛ وليس بسائغ في كلامهم أنه صدقة عام، وأيضًا فإنها منعت مطلقًا. وهم كانوا يتأولون أنهم كانوا مأمورين بدفعها إلى الشارع دون القائم بعده. وقيل: إنه كل ما أخذ من الأصناف من نعم وحب. وقيل: أن يأخذ عين الواجب لا الثمن. وفي رواية لابن الأعرابى: والله لو منعوني جديًا أدوط. قَالَ: والأدوط: الصغير الفك والذقن. --------------- (١) انظر: «الاستذكار» ٩/ ٢٢٨. (٢) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ١٦٧. (٣) ذكر المصنف رحمه الله مالكًا وزفر معهم، باعتبار أنهما يقولان: إن في الصغار زكاة، إلا أنهما كما يقولان: إن في الصغار صغيرة، فإنهما يقولان: إنه لا يؤخذ من الصغار شيئًا، بل يؤخذ مما كبر من جنسها، كما ذكر «المصنف» انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤١٩، «تحفة الفقهاء» ١/ ٢٨٨، «الكافي» ص ١٠٧، «المنتقى» ٢/ ١٤٣، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٠٢، «المغني» ٤/ ٤٧، «المحلى» ٥/ ٢٧٥. (٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤١٩، «تحفة الفقهاء» ١/ ٢٨٨. وقال الخطابي في قصة أبي بكر: هذا حديث مشكل لاختصاره في هذِه الرواية، وقد تعلق به الروافض. وقالوا: فيه تناقض، أخبر في أوله بكفر من كفر من العرب، وفي أثنائه: (لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة). وهذا يوجب كونهم ثابتين على الدين، وزعموا أن عمر وافقه على الحرب تقليدًا، وكيف استجاز قتلهم، وسبي ذراريهم إن كانوا مسلمين، وإن كانوا مرتدين فكيف تعلق بالفرق بين الصلاة والزكاة، ثم زعموا أن القوم تأولوا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] أنها خصوص بالشارع لم يؤمر بأخذها أحد غيره، فإن صلاته (كانت) (١) سكنًا وتطهيرًا. وقال شاعرهم وهو الحطيئة -فيما ذكره المبرد- من أبيات، وعزاها غيره لغيره: أطعنا رسول الله ما دام بيننا … فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر أيورثها بكرًا إذا مات بعده … وتلك لعمرُ الله قاصمة الظهر ونحن نبين ذلك فنقول: روايات أبي هريرة مختصرة إلا رواية سعيد، عن أبيه كثير، عن أبي هريرة مرفوعًا: «أمرتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ ..» الحديث (٢)، وفيه: «ثم حرمت عَلَيّ دماؤهُم وأموالهم». ------------ (١) من (م). (٢) أخرجه أحمد ٢/ ٣٤٥، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٥ - ٣٦، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥ (٢٧٢)، وابن خزيمة في «صحيحه» ٤/ ٨ (٢٢٤٨) كتاب: الزكاة، باب: الدليل على أن دم المرء وماله إنما يحرمان، والدارقطني في «سننه» ١/ ٢٣١ - ٢٣٢ كتاب: الصلاة، باب: تحريم دمائهم وأموالهم إذا يشهدوا بالشهادتين ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. وابن عدي في «الكامل» ٥/ ٣٧٧، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ٩٢ (٨)، والحاكم ١/ ٣٨٧ كتاب: الزكاة. و(كثير) هذا هو ابن عبيد مولى أبي هريرة، أدخله ابن خزيمة في «صحيحه» (١). ووافقه ابن عمر وأنس من طرق صحاح أن الزكاة كانت شرطًا لحقن الدماء، فثبت أن أبا بكر قاتلهم بالنص لا بالاجتهاد الذي جرى في خبر عبيد الله في البخاري، عن أبي هريرة. ويشبه أن يكون ما ذكره على سبيل الاستظهار في المناظرة بالترجيح. وفي هذا سقوط جميع ما أورده الروافض. والمرتدة صنفان: صنف كفروا وهم أصحاب مسيلمة، ومن نحا نحوهم من إنكار نبوة نبينا، وإياهم عني بقوله: (وكفر من كفر). وصنف أنكروا الزكاة، وقالوا: ما رجعنا عن ديننا، ولكن شححنا على أموالنا، وهم في الحقيقة أهل بغي، ودخلوا في غمار الأولين فأضيف الاسم في الجملة إلى الردة، إذ كانت أعلى الأمرين خطبًا، وصار مبدأ قتال أهل البغي مؤرخًا بأيام علي، إذ كانوا منفردين في عصره لم يخلطوا بأهل شرك. ولا شك أن من أنكر الزكاة الآن فهو كافر بالإجماع. وهذِه الفرقة عذروا لقرب العهد بالزمان الذي غُيرت فيه الأحكام، ووقوع الفترة، وجهلهم أيضًا. وما جرى من السبي فهو راجع إلى الاجتهاد. واستولد علي جارية من سبي بني حنيفة، وولدت له محمدًا الذي يدعى ابن الحنفية، ثم لم ينقرض العصر حَتَّى رأوا خلافه. واتفقوا على أن المرتد لا يسبى. وهذا مذهب أصبغ أن من ارتد كمن نقض العهد، وهو تأويل الصديق وجماعة العلماء على ما حكم -------------- (١) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٨ (٢٢٤٨). به عمر أنهم كالمرتدين، وذلك أن عمر رد النساء والصغار من الرق إلى عشائرهم كذرية من ارتد، إلا من تمادى بعد بلوغه. وإنما أوردوا الخلاف في أولاد المرتدين. وقد قيل: لم يسب أحد من رجالهم. وقد جيء بالأشعث بن قيس، وعيينة بن حصن فأطلقهما، ولم يسترقهما. وقيل: كانت الردة على ثلاثة أنواع. وقد سلفت. وأوضح ذلك الواقدي في «الردة» تأليفه فقال: لما توفي رسول الله - ﷺ - ارتدت العرب، وارتد من جماعة الناس: أسد، وغطفان إلا بني عبس؛ فأما بنو عامر فتربصت مع قادتها، وكانت فزارة قد ارتدت، وبنو حنيفة باليمامة، وارتد أهل البحرين، وبكر بن وائل، وأهل دباء، وأزد عمان، والنمر بن قاسط، وكلب، ومن قاربهم من قضاعة. وارتدت عامة بني تميم، وارتدت من بني سُليم عُصية، وعُميرة، وخُفاف، وبنو عمرو بن امرئ القيس، وذكوان، وحارثة. وثبت على الإسلام أسلم، وغفار، وجهينة، ومزينة، وأشجع، وكعب بن عمرو من خزاعة، وثقيف، وهذيل، والديل، وكنانة، وأهل السراة، وبجيلة، وخثعم، وطيء، ومن قارب تهامة من هوازن، وجشم، وسعد بن بكر، وعبد القيس، وتجيب، ومذحج إلا بني زبيد، وثبتت هَمْدَان، وأهل صنعاء. ثم أسند من حديث أبي هريرة قَالَ: لم يرجع رجل من دوس، ولا من أهل السراة كلها. ومن حديث مروان التجيبي قَالَ: لم يرجع رجل واحد من تجيب ولا من همدان، ولا من الأنباء بصنعاء. وقال موسى بن عقبة: لما مات رسول الله - ﷺ - رجع عِلْية العرب عن دينهم: أهل اليمن، وعامة أهل المشرق، وغطفان، وأسد، وبنو عامر، وأشجع. ومسكت طيء بالإسلام. ![]()
__________________
|
|
#282
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 231 الى صـــ 250 الحلقة (282) وقال سيف في «الردة» عن فيروز الديلمي: أول ردة كانت باليمن على عهد رسول الله - ﷺ - على يدي ذي الخمار عبد الله بن كعب وهو الأسود العنسي. وعن عروة: لم يبقَ حي من العرب إلا ارتد ما خلا أهل مكة، والطائف، والقبائل التي أجابت النبي - ﷺ - عام الحديبية ممن حول مكة، والقبائل التي عاتت الله يوم الحديبية. ورابَ عبد القيس وحضرموت بعض الريب، وحسن بلاؤهم واستقاموا. وقال قتادة فيما رواه الحاكم في الردة قَالَ: لما توفي رسول الله - ﷺ - ارتدت العرب كلها إلا ثلاثة مساجد: مكة، والمدينة، والبحرين. وأما قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فلا شك أن الخطاب على أنحاء: عام: كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وخاص: كقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، و﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. ومواجهة له - ﷺ -، وهو والأمة فيه سواء كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨]، ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، و﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التو بة: ١٠٣]. والفائدة في مواجهته في هذا الخطاب أنه هو الداعي إلى الله، والمبين عنه معنى ما أراد، فقدم اسمه في الخطاب؛ ليكون سلوك الأمة في الشرائع على حسب ما بينه لهم. وعلى هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فافتتح الخطاب بالنبوة، ثم خاطب أمته بالحكم عمومًا، وربما كان الخطاب له والمراد غيره. وأما التطهير والتزكية والدعاء من الإمام لصاحب الصدقة فباقٍ غير منقطع، يستحب للإمام والعامل الدعاء للمتصدق بالنماء والبركة في ماله. وقوله: (من فرق) هو بتخفيف الراء وتشديدها. وفيه: من الفقه -غير ما تقدم-: أخذ الصغائر من الصغائر، وهذا قد سلف، ونحا إليه ابن عبد الحكم، وقال: لولا خلاف قول مالك وأصحابنا لكان بينًا أن يأخذ واحدًا من أوساطها (١). وقال مالك: فيها ثنية (٢)، وكذا ذكره الداودي والخطابي عنه. قَالَ ابن التين: والمعروف عن مالك أن جذع المعز يجزئ (خلاف) (٣) الضحايا. وإنما منع من ذلك ابن حبيب. وأجاب القاضي عبد الوهاب عن هذا الإلزام بأن قَالَ: المراد به عناقًا جذعة. وفيه: دليل على أن حول النتاج حول الأمهات، ولو كان يفرد لها بحول لما يوجد السبيل إلى أخذ العناق، وإيجاب الزكاة فيها مطلقًا. وعند أبي حنيفة والشافعي بشرط أن تكون الأمهات نصابًا. وفيه: أن الردة لا تسقط عن المرتد الزكاة إذا وجبت في ماله. وقوله: «وحسابُهُ على الله» أي فيما يسره دون الظاهر من أمره. --------------- (١) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٠٢. (٢) انظر: «التفريع» ١/ ٢٨٣، «عيون المجالس» ٢/ ٤٨٠. (٣) في الأصل: خلافًا. وفوقها كلمة: كذا. وفيه: قبول توبة المرتد، وهو قول أكثر العلماء. وذكر عن مالك: لا تقبل توبة المستتر بكفره. وذكر عن أحمد نحوه (١). وقوله: (فعرفت أنه الحق). دال على أن عمر لم يرجع إلى أبي بكر تقليدًا. ------------ (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١٤/ ٥١٨ - ٥١٩، «المعونة» ٢/ ٢٩٦، «المغني» ١٢/ ٢٦٩. ٢ - باب البَيْعَةِ عَلَى إِيتَاءِ الزَّكَاةِ ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ٥] ١٤٠١ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. [انظر: ٥٨ - مسلم: ٥٦ - فتح: ٣/ ٢٦٧] وذكر فيه عن جَرِير بْن عَبْدِ اللهِ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَاِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. هذا الحديث أخرجه البخاري قبيل كتاب العلم (١) كما سلف واضحًا، وهذا الباب في معنى الباب الذي قبله. وقد أخبر الله تعالى في هذِه الآية أن الأخوة في الدين إنما تستحق بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. ودل ذلك أنه من لم يقمها فليس بأخ في الدين. وفيها حجة للصديق في قتاله لأهل الردة حين منعوا الزكاة. وقد قام الإجماع في الرجل يقضي عليه القاضي بحقٍ لغيره فيمتنع من أدائه: أن واجبًا على القاضي أن يأخذه من ماله، فإن نصب الحرب دونه وامتنع قاتَلَهُ حَتَّى يأخذه منه، وإن أتى القتال على نفسه فشر قتيل. فحق الله الذي أوجبه للمساكين أولى بذلك. وذكر النصح لكل مسلم في البيعة مع الصلاة والزكاة يدل (على) (٢) حاجة جرير وقومه إلى ذلك. وكان جرير رئيس قومه. وقيل: كان جرير ------------- (١) سلف برقم (٥٧) كتاب: الإيمان، باب: قول النبي - ﷺ -: «الدين النصيحة». (٢) من (م). إذا بايع أحدًا يقول له: الذي أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناك. ويخبره الحديث (١) (٢). ------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر ٤ من ٤ من تجزئة المصنف. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الحادي عشر كتبه مؤلفه غفر الله له. ٣ - باب إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥] ١٤٠٢ - حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَأْتِي الإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَأْتِي الغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا». وَقَالَ: «وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى المَاءِ». قَالَ: «وَلَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ. فَأَقُول: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ. وَلَا يَأْتِي بِبَعِيرٍ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ. فَأَقُول: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ». [٢٣٧١، ٢٣٧٨، ٣٠٧٣، ٦٩٥٨ - مسلم: ٩٨٧ - فتح: ٣/ ٢٦٧] ١٤٠٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَيْهِ -يَعْنِي: شِدْقَيْهِ- ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ» ثُمَّ تَلَا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] الآيَةَ. [٢٣٧١، ٤٥٦٥، ٤٦٥٩، ٦٩٥٧ - مسلم: ٩٨٧ - فتح: ٣/ ٣٦٨] ذكر فيه حديث أبي هريرة قال النبي - ﷺ -: «تَأْتِي الإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيرِ مَا كَانَتْ، إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا ..». وعنه أيضًا: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ ماله يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ ..». الشرح: جعل أبو العباس الطرقي هذين الحديثين حديثًا واحدًا. ورواه مالك في «موطئه» موقوفًا على أبي هريرة (١). قَالَ أبو عمر: ورواه عبد العزيز ابن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا -وهذا في النسائي- قَالَ: وهو عندي خطأ، والمحفوظ حديث أبي هريرة، وحديث عبد العزيز خطأ بيّن في الإسناد، ورواية مالك وعبد الرحمن التي في البخاري هي الصحيحة، وهو مرفوع صحيح (٢). أما الآية فقال أبو زكريا يحيى بن زياد النحوي في «معانيه»: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾: إن شئت وجهت الذهب والفضة إلى الكنوز. وقيل المراد بالإنفاق: الزكاة، ويجوز أن يكون محمولًا على الأموال، ويجوز أن نعيده على الفضة، وحذف الذهب؛ لأنه داخل فيها. وهذِه الآية قَالَ الأكثرون: إنها في أهل الكتاب. وقيل: عامة. وقيل: خاصة في من لم يؤد زكاته من المسلمين، وعامة في المشركين، وهو تأويل البخاري بعد هذا. وقيل: إنها منسوخة بقوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾؛ لأن جمع المال كان محرمًا في أول الإسلام، فلما فرضت الزكاة جاز جمعه. وقد وقع في «الصحيح» عن ابن عمر -وقد سُئل عن هذِه الآية- قَالَ: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة (٣). ------------- (١) «الموطأ» ص ١٧٤ كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في الكنز. (٢) «الاستذكار» ٩/ ١٣١. (٣) سيأتي برقم (١٤٠٤) كتاب: الزكاة، باب: ما أدي زكاته فليس بكنز، وبرقم (٤٦٦١) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾. وفي أبي داود -بإسناد جيد- عن ابن عباس: لما نزلت هذِه الآية كبر ذلك على المسلمين، فسأل عمر رسول الله - ﷺ - فقال. «إن الله تعالى لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم» (١). واستدل بهذِه الآية البخاري على إثم مانعي الزكاة. ومن أداها ليس بداخل فيها. واستدل بها أيضًا على إيجاب الزكاة في سائر الذهب والفضة المطبوع وغيره؛ لعموم اللفظ، وعلى ضم الذهب إلى الفضة، وهو قول الحنفية، فيضم بالقيمة كالعروض. وعند صاحبيه بالأجزاء (٢). والكنز أصله الضم والجمع، ولا يختص ذلك بالنقدين ألا ترى إلى قوله - ﷺ -: «ألا أخبركم بخيرِ ما يكنزه المرءُ: المرأة الصالِحة» (٣) أي: يضمه لنفسه ويجمعه. وقال صاحب «المحكم»: هو اسم للمال ولما يحرز فيه، وجمعه: كنوز (٤). وقال في «المغيث»: هو اسم للمال المدفون. وقيل: هو الذي لا يدرى مَن كنزه. وسيأتي في الباب بعده زيادة على ذلك؛ وعن علي: ------------------- (١) «سنن أبي داود» (١٦٦٤) كتاب: الزكاة، باب: في حقوق المال. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» ١٠/ ١٢٨ - ١٢٩ (٢٩٣). (٢) انظر: «الهداية» ١/ ١١٣. (٣) رواه أبو داود (١٦٦٤) كتاب: الزكاة، باب: في حقوق المال، وأبو يعلى في «مسنده» ٤/ ٣٧٨ (٢٤٩٩)، والحاكم ٢/ ٣٣٣ كتاب: التفسير وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٨٣ كتاب: الزكاة، باب: تفسير الكنز الذي ورد الوعيد فيه، وفي «شعب الإيمان» ٣/ ١٩٤ (٣٣٠٧)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٩/ ١٦٨ مختصرًا، والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» ١٠/ ١٢٨ - ١٢٩ (٢٩٣). (٤) «المحكم» ٦/ ٤٦٠. أربعة آلاف فما دونها نفقة، فإن زادت فهي كنز أديت زكاة أو لم تؤدِ. وظاهره منع آدخار كثير المال؛ وعن أبي أمامة: من خلف بيضاء أو صفراء، كوي بها مغفورًا له أو غير مغفور (١). حكاه ابن التين. وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] أي: اجعل لهم موضع البشارة، عذابًا أليمًا، أي: مؤلمًا. وقوله: («على خير ما كانت») يعني في القوة والسمن، يكون أشد لثقلها وأنكى. وقوله: («تطَؤُهُ بِأخْفَافِها») سقطت الواو من «تطَؤُة» عند بعض النحويين؛ لشذوذ هذا القول من بين نظائره في التعدي، وكذلك وسِّع؛ لأن الفعل إذا كان فاؤه واوًا وكان على فَعِل بكسر العين، كان غير متعد غير هذين الحرفين، فلما شذَّا دون نظائرهما أعطيا هذا الحكم. وقيل: إن أصله يوطئ بكسر الطاء فسقطت لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم فتحت الطاء لأجل الهمزة. وقوله: («وتَنْطحُه») هو بكسر الطاء. وحكى المطرز في «شرح الفصيح» فتحها (٢)، وماضيه مخفف. وقد شُدد. ولا يختص بالكبش كما ادعاه ابن صاف، بل يستعمل في الثور، وغيره. وقوله: («وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى المَاءِ») وجهه نيل المنتاب إلى الماء من الفقراء حسوة من لبنها، وكذلك ابن السبيل والمارة. وقد عاب الله قومًا أخفوا جدادهم (٣) في قوله: ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] أرادوا -------------- (١) «تفسير القرطبي» ٨/ ١٣١. (٢) ورد بهامش الأصل: الفتح والكسر في «الصحاح». (٣) ضبطها الناسخ بكسر الجيم وفتحها ثم كتب فوقها معًا. أن لا يصيب المساكين منها شيئًا. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] نحو من هذا. وقيل: كان هذا قبل فرض الزكاة. ويحتمل أن يكون باقيًا معها وأنه مثلها، قاله الشعبي، والحسن، وعطاء، وطاوس. وقال أبو هريرة: حق الإبل أن تنحر السمينة، وتمنح الغزيرة، ويفقر الظهر، ويطرق الفحل، ويسقى اللبن (١). وتأول قائله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] فقالوا: مثل فك العاني، وإطعام الجائع الذي يخاف ذهاب نفسه، والمواساة في المسغبة والعسرة. وتأول مسروق في قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] قَالَ: هو الرجل يرزقه الله المال فيمنع قرابته صلته فيجعل حية يطوقها (٢). ومذهب أكثر العلماء أن هذا على الندب، أي: أن هذا حق الكرم والمواساة وشريف الأخلاق. وقد بين الشارع أن قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ في مانع الزكاة، وقد انتزعها ابن مسعود في مانعها أيضًا (٣). وقال إسماعيل القاضي: الحق المفترض هو الموصوف المحدود، وقد تحدث أمور لا تحد ولا يُحد لها وقت فيجب فيها المواساة للضرورة التي تنزل من ضيف مضطر، أو جائع، أو عارٍ، أو ميت ليس له من ---------------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٣١ (٦٨٦٩) كتاب: الزكاة، باب: ما تجب في الإبل والبقر والغنم. (٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤٢٨ (١٠٧٠٢) كتاب: الزكاة، ما ذكر في الكنز والبخل بالحق في المال. (٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٥٣٣ (٨٢٨٩). يواريه، فيجب حينئذ على من يمكنه المواساة التي تزول بها هذِه الضرورات. قلتُ: وكان من عادة العرب التصدق باللبن علي الماء، وكان الضعفاء يرصدون ذلك منهم. وفي كتاب الشرب من البخاري من روى: تجلب، بالجيم، أراد تجلب لموضع سقيها، فيأتيها المصدق. ولو كان كما قَالَ لقال: أن تجلب إلى الماء دون (على الماء). ولعل البخاري يرى رأي الكوفيين أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض. وقوله: («يُعار») هو بياء مثناة تحت مضمومة ثم عين مهملة، كذا هنا. وروي بالمثلثة. وروي: (ثُعار أو يعار) على الشك. وروي بالغين المعجمة. وفي باب الغلول: «شاة لها ثغاء أو يعار» (١) والثغاء للضأن، واليعار للمعز. وقال ابن سيده: اليعار: صوت الغنم، أو قيل: المعز. وقيل: هو الشديد من أصوات الشاء. وقال الفراء: الثغار ليس بشيء، إنما هو الثغاء وهو صوت الشاة فيجوز أن يكون كتب الحرف بالهمزة أمام الألف، فظنت راء. وقال صاحب «الأفعال»: الثغور: الشاة التي تبول على حالها وتتغير فيفسد اللبن. وقوله: («ببعيرٍ له رُغَاءٌ») هو صوت البعير. وقوله: («مثل له ماله») أي جعل مثله. يريد أنه يجعل له ماله الذي كان لم يؤدِّ زكاته، أو الزكاة لم يؤدها. والأول أشبه بلفظ الحديث كما قاله ابن الأثير في «شرح المسند». قَالَ: ومثلت يتعدى إلى مفعولين، تقول: مثلت الشمع فرسًا. فإذا بُني لما لم يسم فاعله تعدى إلى ------------ (١) سيأتي برقم (٣٠٧٣) كتاب: الجهاد والسير. مفعول واحد، فلهذا قَالَ: «مُثَّل له ماله شجاعًا أقرع» (١). وفي رواية الشافعي: شجاع بالرفع (٢)؛ لأنه الذي أقيم مقام الفاعل الأول لمثِّل لأنه أخلاه من الضمير، وجعل له مفعولًا واحدًا. ولا يكون الشجاع كناية عن المال الذي لم تؤدَّ زكاته. وإنما هو حقيقة حية تخلق له، تفعل به ذلك. يعضد ذلك أنه لم يذكر في رواية الشافعي ماله بخلاف رواية البخاري. وقوله: «يطوقه» وفي رواية: «وحتى يطوقه» (٣) فالواو مفتوحة أي: حَتَّى يطوقه الله في عنقه، أي: يجعل له طوقًا. والهاء فيها كالأول، وهي المفعول الثاني لطوق، والمفعول الأول مضمر فيه، وهو كناية عن الشجاع، أي: يصير له طوقًا. فالهاء عائدة على الطوق؛ لأن الطوق الحية. والأقرع إنما يتمعط شعر رأسه لجمعه السم فيه. وقال أبو سعيد النيسابوري: هو الذي ذهب لحم رأسه ولصق جلدته. وإنما يكون أقرع إذا كان مرة أشعر فقرع بعد. وقال الأزهري: الشجاع: الحية الذكر، وسمي أقرع؛ لأنه يقري السم ويجمعه في رأسه حَتَّى تتمعط منه فروة رأسه. وقال القزاز في «جامعه»: ليس على رءوس الحيات شعر، ولكن لعله يذهب جلد رأسه. وحكى اللحياني فتح الشين وضمها. قَالَ ابن دريد: الكسر (٤) أكثر في ---------------- (١) «الشافي شرح مسند الشافعي» ٣/ ٦١. ط. (٢) «الأم» ٢/ ٥٧ باب: غلول الصدقة. (٣) رواها البيهقي في «السنن الكبرى» ٤/ ٨١ كتاب: الزكاة، باب: ما ورد في الوعيد فيمن كنز مال الزكاة ولم يؤد زكاته. (٤) بهامش الأصل: الذي قاله ابن دريد في «الجمهرة» وإنما هو في الجمع، لكن في «المطالع» الكسر في المفرد، ولفظه وقد تكسر السين، وحكي الضم والكسر في الجمع أيضًا، وفي «الصحاح» الضم والكسر في المفرد والجمع والله أعلم. الجمع (١). وقال شمِرُ في كتابه «الحيات»: هو ضرب من الحيات لطيف رقيق، وهو -زعموا- أجرؤها (٢). وقال في «الاستذكار»: قيل: إنه الثعبان. وقيل: الحية. وقيل: هو الذي يواثب الفارس والراجل، ويقوم على ذنبه. وربما (بلغ) (٣) وجه الفارس. ويكون في الصحاري. قَالَ: والأقرع الذي برأسه بياض. وقيل: كلما كثر سمه أبيض رأسه (٤). قَالَ ابن خالويه: وليس في كلام العرب اسم الحيات وصفاتها إلا ما كتبته في هذا الباب، فذكر أربعة وثمانين اسمًا. وجزم ابن بطال (٥)، وابن التين بأنه الحية الذي يقوم على ذنبه، وربما بلغ رأس الفارس. وجزم ابن التين بأن الأقرع الذي لا شعر على رأسه لكثرة سمه ينحسر عنه الشعر، وهو أشد أذى. والزبيبتان: نقطتان منتفختان في شدقيه كالرغوة، يقال: إنهما يبرزان حين يهيج ويغضب. وقيل: إنهما نقطتان سوداوان على عينيه، وهي علامة الذكر المؤذي (٦). وسئل مالك عنهما -فيما حكاه ابن العربي- فقال: أراهما شيئين يكونان على رأسه مثل الفرس. وقال الداودي: هما نابان يخرجان من فيها. وأنكره بعضهم وقال: إنه لا يوجد. وقيل: يخرجان على شدقيه من الرغوة كالزبيبتين. ------------ (١) «جمهرة اللغة» لابن دريد ١/ ٤٧٧. (٢) انظر: «تاج العروس» ١١/ ٢٣٤. (٣) زيادة ليست بالأصل. (٤) انظر «الاستذكار» ٩/ ١٣٤، ١٣٥. (٥) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٠٢. (٦) انظر: «الاستذكار» ٩/ ١٣٥، وقال: نقطتان مُسلحتان بدلا من منتفختان. وقوله: «بلهزمتيه» يعني: شِدقيه، هي بكسر اللام، وقريب من هذا التفسير أن اللهزمة، اللحي، وما يتصل به من الحنك. وحكى ابن سيده فيه خلافًا. وهو راجع إلى هذا، وعبارة ابن العربي: هما الماصعتان اللتان بين الأذن والفم. قَالَ ابن دريد: لهزمه إذا ضرب لهزمته (١). وتلاوته - ﷺ - الآية تدل على أنها نزلت في مانعي الزكاة. وقيل: إن المراد بها اليهود؛ لأنهم بخلوا بصفة النبي - ﷺ -. فالمعنى: سيطوقون الإثم. وتأول مسروق أنها نزلت في من له مال فيمنع قرابته صلته، فيطوق حية كما سلف. وأكثر العلماء على أن ذلك في الزكاة المفروضة كما سلف. وادعى المهلب أن في الآية السالفة فرض زكاة الذهب، قال: ولم ينقل عن الشارع زكاة الذهب من طريق الخبر، كما نقل عنه زكاة الفضة. قلتُ: بلى، صح من حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده عن النبي - ﷺ - أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات مطولًا، وفيه: «وفي كل أربعين دينارًا دينار» رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما، ثم قَالَ: ونص الحديث في الفضة؛ وفي الرقة ربع العشر (٢). قلتُ: قد قيل: إنها (٣) تشمل الذهب أيضًا. قَالَ: إلا أن قوله: «من آتاه الله مالًا فلم يؤدِّ زكاته» يدخل في عمومه الذهب والفضة. قَالَ: وإنما لم يروا زكاة الذهب من طريق النص عن رسول الله - ﷺ - والله أعلم؛ -------------- (١) «الجمهرة» ٢/ ٨٢٧. (٢) «صحيح ابن حبان» ١٤/ ٥٠١ (٦٥٥٩) كتاب: التاريخ، باب: كتب النبي - ﷺ -، «المستدرك» ١/ ٣٩٥ - ٣٩٧ كتاب: الزكاة. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: الضمير في (إنها) يعود على الرقة وهي أقرب مذكور. لكثرة الدراهم بأيديهم، وبها كان تجرهم؛ ولقلة الذهب عندهم. وكان صرف الدنانير حينئذٍ عشرة دراهم، فعدل المسلمون بخمس أواقٍ من الفضة عشرين مثقالًا وجعلوه نصاب زكاة الذهب وتواتر العمل به، وعليه جماعة العلماء أن الذهب إذا كان عشرين مثقالًا وقيمتها مائتا درهم فيها نصف دينار، إلا ما اختلف فيه عن الحسن أنه ليس فيما دون أربعين دينارًا زكاة، وهو شاذ لا يعرج عليه. وذهبت طائفة إلى أن الذهب إذا بلغت قيمته مائتي درهم ففيه زكاة، وإن كان أقل من عشرين مثقالًا، وهو قول عطاء، وطاوس، والزهري، فجعلوا الفضة أصلًا في الزكاة. ٤ - باب مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ». ١٤٠٤ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: أَخْبِرْنِي قَوْلَ اللهِ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] قَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللهُ طُهْرًا لِلأَمْوَالِ. [٤٦٦١ - فتح: ٣/ ٢٧١] ١٤٠٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الحَسَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» [١٤٤٧، ١٤٥٩، ١٤٨٤ - مسلم: ٩٧٩ - فتح: ٣/ ٢٧١] ١٤٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، سَمِعَ هُشَيْمًا، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ - رضي الله عنه - فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هَذَا؟ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي الذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ. قَالَ مُعَاوِيَةُ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الكِتَابِ. فَقُلْتُ: نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ. فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ، وَكَتَبَ إِلَي عُثْمَانَ - رضي الله عنه - يَشْكُونِي، فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ أَنِ اقْدَمِ المَدِينَةَ. فَقَدِمْتُهَا فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ، فَقَالَ لِي: إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا. فَذَاكَ الذِي أَنْزَلَنِي هَذَا المَنْزِلَ، وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ. [٤٦٦٠ - فتح: ٣/ ٢٧١] ١٤٠٧ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي العَلَاءِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: جَلَسْتُ. وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو العَلَاءِ بْنُ الشِّخِّيرِ، أَنَّ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَلإٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالهَيْئَةِ، حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْىِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ، ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَا لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ فَقُلْتُ لَهُ: لَا أُرَى القَوْمَ إِلاَّ قَدْ كَرِهُوا الذِي قُلْتَ. قَالَ: إِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا. [مسلم: ٩٩٢ - فتح: ٣/ ٢٧١] ١٤٠٨ - قَالَ لِي خَلِيلِى -قَالَ: قُلْتُ: مَنْ خَلِيلُكَ؟ قَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَتُبْصِرُ أُحُدًا؟». قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَي الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ، وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلاَّ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ». وَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ، إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا. لَا والله لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا، وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْقَى اللهَ. [انظر: ١٢٣٧ - مسلم: ٩٤، ٩٩٢ - فتح: ٣/ ٢٧٢] وقال أحمد بن شبيب بن سعيد .. فذكره بإسناده إلى ابن عمر قال: من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تُنزل الزكاة فلما أنزلت جعلها الله طهرًا للأموال. ثم ذكر حديث أبي سعيد: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، ولا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، ولا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ». ثم ذكر اختلاف أبي ذرٍّ وَمُعَاوِيَة هل نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ الآية. فِي أَهْلِ الكِتَابِ. وقال أبو ذرٍّ: فِينَا وَفِيهِمْ. ثم ذكر عن الأَحْنَفَ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى ملأٍ مِنْ قُرَيْشٍ، .. الحديث بطوله. الشرح: هذِه الترجمة كذا رواها أبو ذر، ولأبي الحسن: (مَنْ) بدل (ما)، أي: فليس بذي كنز، وهذِه الترجمة طبق حديث أخرجه الحاكم على شرط البخاري عن أم سلمة مرفوعًا: «ما بَلَغَ أنْ تُؤدى زَكَاتُهُ فزكي فَلَيْسَ بكَنْزٍ» (١) ورجحه ابن القطان، وعاب على من ضعفه (٢). وفي «مسند أَحمد» بإسناد ضعيف من حديث جابر مرفوعًا: «أيما مال أديت زكاته فليس بكنز» لكنه ليس على شرطه، فلذا لم يخرجه. نعم للحاكم أيضًا، وقال: على شرطهما، من حديث أبي ذر مرفوعًا: «من رفع دنانير أو دراهم أو تبرًا أو فضة، لا يعدها لغريم، ولا ينفقها في سبيل الله، فهو كنز» (٣). وقال الإسماعيلي: إن كانت الترجمة صحيحة لما ذكره فالمعنى من هذا الوجه ليس بصحيح، وأحسبه: وقال النبي كذا، أو يقول كذا. قلتُ: بل المعنى صحيح؛ لأنه يريد أن ما دون خمس أواق ليس بكنز؛ لأنه لا صدقة فيه. فإذا زاد شيئًا عليها ولم تؤد زكاته فهو كنز. وهذا التعليق ذكره بعدُ مسندًا. وأثر ابن عمر أخرجه البيهقي، عن الحاكم، عن دعلج، عن أبي عبد الله محمد بن علي الصايغ، عن أحمد بن شبيب، به. وفي آخره -------------- (١) «المستدرك» ١/ ٣٩٠ ورواه أبو داود (١٥٦٤) بنحوه. (٢) ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٣٦٢ - ٣٦٣ (٢٥٣٥) والذي عاب عليه ابن القطان في تضعيفه، هو عبد الحق في «الأحكام الوسطي» ٢/ ١٦٩. والحديث حسنه الألباني في «صحيح أبي دواد» (١٣٩٧) بشاهد له ذكره في «صحيحته» (٥٥٩) فلينظر غير مأمور. (٣) «المستدرك» ١/ ٣٨٨. قَالَ خالد بن شبيب: ثم التفت إلي فقال: ما أبالي لو كان مثل أحد ذهبًا أعلم عدده أزكيه وأعمل بطاعة الله (١). ورواه النسائي من حديث عقيل، عن ابن شهاب، عن خالد. قَالَ الحميدي: وليس لخالد في «الصحيح» غيره (٢). وحديث أبي سعيد أخرجه مسلم، والأربعة (٣)، ويأتي في زكاة الورق وغيره (٤). وقوله: (وحَدَّثَني علي، سمع هشيمًا) اختلف فيه على أقوال: فقيل: هو ابن أبي هاشم عبيد الله بن الطبراخ البغدادي. قَالَ الجياني: نسبه أبو ذر عن المستملي (٥). ولم يذكر الكلاباذي أن البخاري روى عنه هنا. قَالَ: وروى عنه في النكاح. وقيل: هو أبو الحسن علي بن مسلم ابن سعيد الطوسي نزيل بغداد. قاله الكلاباذي وابن طاهر. وقيل: هو ابن المديني (٦). ذكره الطرقي. وأثر الأحنف زاد فيه مسلم قَالَ: قلتُ: مالكَ ولإخوانك من قريش لا تعتريهم، وتصيب منهم؟ قَالَ: لا وربك. أما حكم الباب: فالكنز في كلام العرب كما قَالَ الطبري: كل شيء مجموع بعضه إلى بعض في بطن الأرض كان أو على ظهرها. وكذلك -------------- (١) «السنن الكبرى» ٤/ ٨٢ كتاب: الزكاة، باب: تفسير الكنز الذي ورد الوعيد فيه. (٢) «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٩٤. (٣) «صحيح مسلم» (٩٧٩) كتاب: الزكاة. (٤) سيأتي برقم (١٤٤٧)، و(١٤٥٩) باب: ليس فيما دون خمس ذود صدقة، و(١٤٨٤) باب: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة. (٥) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٠٠. (٦) ورد بهامش الأصل: وكل منهم روى عنه البخاري في «الصحيح». تقول العرب للشيء المجتمع مكتنز لانضمام بعضه إلى بعض (١). واختلف السلف في معنى الكنز فقال بعضهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤد زكاته. وقالوا: معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ﴾ لا يؤدون زكاتها. وهذا قول الفاروق (٢)، وابنه (٣)، وابن عباس (٤)، وعبيد بن عمير (٥)، وجماعة. وقال آخرون: الكنز: ما زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز، وإن أديت زكاته. وسلف عن علي (٦). وقال آخرون: الكنز ما فضل عن حاجة صاحبه إليه. وهذا مذهب أبي ذر. روي أن نَصْل سيف أبي هريرة كان من فضة فنهاه عنه أبو ذر وقال: إن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ تَرَكَ صفراءَ أو بيضاءَ كُوي بِها» (٧). واتفق أئمة الفقهاء على قول الفاروق ومن تبعه، واحتج له بنحو ما شرع له البخاري فقال: الدليل أن كل ما أديت زكاته فليس بكنز إيجاب الله على لسان رسوله - ﷺ - في كل خمس أواقٍ ربع عشرها. ---------------- (١) «تفسير الطبري» ٦/ ٣٦١. (٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٠٨ (٧١٤٦) كتاب: الزكاة، باب: إذا أديت زكاته فليس بكنز، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤١١ (١٠٥١٦) كتاب: الزكاة، ما قالوا في المال الذي تؤدى زكاته فليس بكنز. (٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٠٦ - ١٠٧ (٧١٤٠ - ٧١٤٢)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤١١ (١٠٥١٩)، الطبري في «تفسيره» ٦/ ٣٥٧، ٣٥٨ (١٦٦٦٤ - ١٦٦٦٨). (٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤١١ (١٠٥٢٠). (٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٠٧ (٧١٤٣). (٦) رواه الطبري في «تفسييره» ٦/ ٣٥٨ (١٦٦٧٤)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٦/ ١٧٨٨ (١٠٠٨٢). (٧) رواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٣٥٩ (١٦٦٧٥). ![]()
__________________
|
|
#283
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 251 الى صـــ 270 الحلقة (283) فإذا كان ذلك فرض الله على لسان رسوله - ﷺ - فمعلوم أن الكنز من المال -وإن بلغ الوفاء- إذا أديت زكاته فليس بكنز، ولا يحرم على صاحبه اكتنازه؛ لأنه لم يتوعد الله تعالى عليه بالعقاب، وإنما توعد على كل ما لم يؤد زكاته، وليس في القرآن بيان كم ذلك القدر من الذهب والفضة إذا جمع بعضه إلى بعض استحق جامعه الوعيد. فكان معلومًا أن بيان ذلك إنما يؤخذ من وقف رسول الله - ﷺ -، وهو ما بيناه أنه المال الذي لم يؤد حق الله منه من الزكاة دون غيره من المال. وإنما كتب معاوية إلى عثمان يشكو أبا ذر؛ لأنه كان كثير الاعتراض عليه والمنازعة له، فوقع في جيشه تشتيت من ميل بعضهم إلى قول أبي ذر فلذلك أقدمه عثمان إلى المدينة إذ خشي الفتنة في الشام ببقائه؛ لأنه كان رجلًا شديدًا لا يخاف في الله لومة لائم. وكان هذا توقيرًا من معاوية لأبي ذر. كتب إلى عثمان لا على أن يستجليه، وصانه معاوية من أن يخرجه فيكون عليه وصمة، وذكر الطبري أنه حين كثر الناس عليه بالمدينة يسألونه عن سبب خروجه من الشام خشي عثمان من التشتيت بالمدينة ما خشيه معاوية بالشام، فقال له: تنح قريبًا. قَالَ له: إني والله لن أدع ما كنت أقوله (١). ففيه من الفقه: أنه جائز للإنسان الأخذ بالشدة في الأمر بالمعروف وإن أدى ذلك إلى فراق وطنه. وفيه: أنه جائز للإمام أن يخرج من توقع ببقائه فتنة بين الناس. وفيه: ترك الخروج على الأئمة والانقياد لهم، وإن كان الصواب في خلافهم. -------------- (١) «تاريخ الطبري» ٢/ ٦١٥. وفيه: جواز الاختلاف والاجتهاد في الآراء، ألا ترى أن عثمان ومن كان بحضرته من الصحابة لم يرد أبا ذر عن مذهبه، ولا قالوا: إنه لا يجوز لك اعتقاد قولك؛ لأن أبا ذر نزع بحديث رسول الله - ﷺ - واستشهد به، وذلك قوله - ﷺ -: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلَّا ثَلَاَثةَ دَنَانِيرَ». وذلك حين أنكر على أبي هريرة نصل سيفه استشهد على ذلك بقوله - ﷺ -: «مَنْ ترَكَ صفراءَ أو بَيْضاءَ كوِيَ بِها» (١). وهذا حجة في أن الاختلاف في العلم باق إلى يوم القيامة لا يرتفع إلا بالإجماع، وقد روى ابن أبي شيبة من حديث الأحنف بن قيس قَالَ: كنت جالسًا في مسجد المدينة فأقبل رجل لا تراه حَلْقَةٌ إلا فروا منه، حَتَّى انتهى إلى الحلقة التي كنت فيها فثبت وفروا، فقلت: علام يفر الناس منك؟ قَالَ: إني أنهاهم عن الكنوز قلتُ: إن أُعطياتنا قد ارتفعت وكثرت فتخاف علينا منها؟ قَالَ: أما اليوم فلا، ولكنها توشك أن تكون أثمان دينكم، فدعوهم وإياها (٢). والربذة: على ثلاث مراحل من المدينة، حمى عمر كما ستعلمه، والربذة أيضًا: موضع بين بغداد ومكة (٣)، قاله (الرشاطي) (٤). وأما حديث أبي سعيد فلنقدم الكلام فيه هنا استباقًا للخيرات وإن قلنا فيما مضى: إنه يأتي. فنقول: الأواق جمع أوقية، وهي ما كان ---------------- (١) «تفسير الطبري» ٦/ ٣٥٩ (١٦٦٧٥). (٢) «المصنف» ٢/ ٤٢٧ (١٠٦٩٥) كتاب: الزكاة، ما ذكر في الكنز والبخل بالحق في المال، و٧/ ١٤١ (٣٤٦٨٠) كتاب: الزهد، كلام أبي ذر - رضي الله عنه -، و٧/ ٤٦٩ (٣٧٢٨٩) كتاب: الفتن، من كره الخروج في الفتنة وتعوذ منها. (٣) «معجم ما استعجم» ٢/ ٦٣٣ - ٦٣٤، و«معجم البلدان» ٣/ ٢٤ - ٢٥. (٤) في (م): الدمياطي. يوزن بها الفضة، وزنتها أربعون درهمًا، ومن ادَّعى أنها لم تكن معلومة إلى أيام عبد الملك فهو غلط، فكيف يوجب الشارع الزكاة في أعداد منها، وتقع بها البياعات والأنكحة، وجمعها: أواقي. بتشديد الياء وتخفيفها، وقال ابن التين: بدون الياء مع التخفيف، كما يقال: أضحية وأضاح. ورواه البخاري في باب: ليس فيما دون خمس ذود صدقة، بلفظ: «ولَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ من الورقِ صَدَقَةٌ» (١)، والورق -بفتح الواو وكسرها مع إسكان الراء، وفتح الواو وكسر الراء-: الدراهم. وربما سميت: ورقة. والرقة: الفضة والمال، عن ابن الأعرابي، وقيل: الفضة والذهب عن ثعلب، حكاه ابن سيده (٢). وإنكار (النووي) (٣) على صاحب «البيان» في قوله: الرقة: الذهب والفضة. ليس بجيد. وفي «الذخيرة» للقرافي أن الدرهم المصري أربعة وستون حبة، وهو أكثر من درهم الزكاة، فإذا أسقطت الزيادة كان النصاب من دراهم مصر مائة وثمانين درهمًا وحبتين (٤). وفي «فتاوى الفضل»: دراهم كل بلد ودنانيرهم. قلتُ: وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، هذا هو المستقر عليه، ولا شيء في المغشوش عندنا حَتَّى يبلغ خالصه نصابًا (٥). وعند أبي حنيفة: إذا كان الغالب الغش فهي كالعروض والقيمة، وفيما زاد على النصاب بحسابه، وفاقًا للشافعي وأحمد ومالك --------- (١) سيأتي برقم (١٤٥٩). (٢) «المحكم» ٦/ ٣٤٤. (٣) في (م): الثوري، وهو خطأ بين. (٤) «الذخيرة» ٣/ ١٠. (٥) انظر: «حلية العلماء» ٣/ ٧٩. والصاحبين وجماعات (١)، وقال أبو حنيفة: لا شيء في الزيادة، حَتَّى تبلغ أربعين، فربع العشر، وهو درهم (٢)، وهو قول الأوزاعي وجماعات. وسيأتي الكلام واضحًا عليه في بابه. وقوله: («ولا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ») المشهور إضافة خمس إلى ذود، وروي بتنوين خمس؛ وتكون ذود بدلًا منها؛ والمعروف الأول، والذود من الثلاثة إلى العشرة من الإبل، لا واحد له من لفظه على الأصح، والواحد: بعير. وقال أبو عبيد: هو ما بين ثلاث إلى تسع. قَالَ: وهو مختص بالإناث. وقال شمر فيما حكاه ابن الجوزي في «غريبه»: ما بين ثنتين إلى التسع. وقدمه ابن الأثير على الثلاث إلى العشر. قَالَ: والحديث عام في المذكور والإناث (٣). وقيل: من ثلاث إلى خمس عشرة. وقيل: إلى عشرين. حكاهما ابن سيده (٤)، وأنكر ابن قتيبة أنه لا يقال: خمس ذود. كما لا يقال: خمس ثوب. وغلطوه فيه، وليس جمعًا لمفرد، وروي: خمسة ذودٍ. في «صحيح مسلم» (٥)، وهو صحيح؛ لانطلاقه على المذكر والمؤنث. و«دُونَ» معناه: أقل. وأبعد من قَالَ: إنها بمعنى: غير. -------- (١) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٧، «الذخيرة» ٣/ ١٣، «حلية العلماء» ٣/ ٧٩، «المغني» ٤/ ٢١٣. (٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٧. (٣) «النهاية» ٢/ ١٧١. (٤) «المحكم» ١٠/ ١١٩. (٥) قال النووي: قد ضبطه الجمهور خمس ذود، ورواه بعضهم خمسة ذود، وكلاهما لرواة كتاب مسلم والأول أشهر. «مسلم بشرح النووي» ٧/ ٥١. والأوسق: جمع وسق، بفتح الواو وكسرها، أشهرهما الفتح، ولم يذكر الجوهري سوى (الفتح) (١) (٢). قَالَ شمر: كل شيء وسقته إذا حملته. وقال غيره: الضم، وهو ستون صاعًا، والصاع: أربعة أمداد، والمد: رطل وثلث بالبغدادي، وهو مائة وثلاثون على ما صححه الرافعي، وذكر ابن المنذر أن علماء الأمصار زعموا أن الزكاة ليست واجبة فيما دون خمسة أوسق، إلا أبا حنيفة وحده قَالَ: تجب في كل ما أخرجته الأرض من قليل أو كثير إلا الحطب والقضب والحشيش والشجر الذي ليس له ثمر. والحديث دال على عدم وجوب الزكاة فيما كان دون هذا المقدار، ووجوبها في هذا المقدار فما فوقه. والمراد بالصدقة: الزكاة. وقد سمى الله تعالى الزكاة صدقة فقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وقام الإجماع على أن ما دون خمس ذود من الإبل لا صدقة فيه كما ستعلمه في بابه. والأحنف لقب، واسمه فيما ذكره المرزباني: صخر. قال: وهو المثبت. ويقال: الضحاك. ويقال: الحارث بن قيس بن معاوية. ووقع لابن دحية في «مستوفاه» أن اسمه: قيس. وإنما قيس والده كان أحنف برجليه جميعًا، قاله الجاحظ في «العرجان»، والهيثم وغيره في «العوران». قَالَ الجاحظ: ولم يكن له إلا بيضة واحدة. قَالَ: وقال أبو الحسن: ولد مرتتق خثار الاست حَتَّى شق وعولج. وقال أبو يوسف في «لطائف المعارف»: كان أصلع، متراكب الأسنان، مائل ------------- (١) في الأصل: (الكسر) وهو خطأ. (٢) «الصحاح» ٢/ ٤٧١. الذقن. وقال المنتجالي في «تاريخه»: كان دميمًا قصيرًا كوسجًا. وقوله فيه: (ملأ مِنْ قُرَيْشٍ) يعني: الأشراف منهم. وحسن الشعر بالحاء المهملة، وروي بالخاء المعجمة من الخشونة، وهو اللائق بزي أبي ذر وطريقته وتواضعه. ولمسلم: أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه (١). بخاء وستين معجمتين، وهي رواية الأكثرين. ولابن الحذاء في الآخر خاصة بالحاء المهملة من الحسن، ولا شك أن من تأهب للمقام بين يدي الرب فليحسن حاله من غير إسراف. وقوله: (بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضْفٍ) أي: اجعل لهم -يعني: الجماعين- مكان البشارة. والرضف -بالضاد المعجمة- وهي: الحجارة المحماة بالنار. قَالَ الهروي: وفي حديث أبي ذر: (بشر الكنازين برضفة من الناغض). أي: بحجر يحمى فيوضع على ناغضه. وفي الأصل هنا: الكانزين. وللطبري وغيره بالثاء المثلثة، وراء مهملة من الكثرة، والمعروف خلافه. والصحيح كما قَالَ القاضي: أن إنكار أبي ذر كان على السلاطين الذين يأخذون المال من بيته لأنفسهم ولا ينفقونه في وجهه (٢). وأبطله النووي بأن السلاطين في زمنه لم تكن هذِه صفتهم (٣). والحلمة: ما نشز من الثدي وطال، ويقال لها: قراد الصدر. وفيه: استعمال الثدي للرجل، وإن كان الفصيح خلافه، وأنه لا يقال: ثدي إلا للمرأة، ويقال للرجل: ثندوة (٤). -------- (١) «صحيح مسلم» (٩٩٢) كتاب: الزكاة، باب: في الكنازين للأموال والتغليظ عليهم. (٢) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٠٧. (٣) «مسلم بشرح النووي» ٧/ ٧٧. (٤) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: بفتح الثاء بلا همز وبضمها مع الهمز، أما = والنُغض -بضم النون، وحكى ابن التين عن عبد الملك فتحها، ثم غين معجمة-: الغضروف من الكتف. وقال الخطابي: الشاخص منه. سمي به؛ لأنه يتحرك من الإنسان في مشيه، ومنه ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١]. وقوله: (يتزلزل). أي: يتحرك، قال عياض: والصواب أن الحركة والتزلزل إنما هو للرضف من نغض كتفه حَتَّى يخرج من حلمة ثديه (١). ووقع في بعض النسخ: (حَتَّى يخرج من حلمة ثدييه): بإفراد الثدي في الأول وتثنيته في الثاني. والدنانير الثلاثة المؤخرة في الحديث: واحد لأهله، وآخر لعتق رقبة، وآخر لدين. ذكره القرطبي (٢). وفي قوله: (بَشِّرِ الكَانِزِينَ) بكذا؛. وجوب مبا درة إخراج الزكاة عند حولها، والتحذير من تأخيرها. وقوله: (ما أُرى القَوْمَ إِلَّا قَدْ كَرِهُوا الذِي قُلْتَ) إنما أراد أن يستخرج ما عنده. وقوله: (قَالَ خليلي) لا تنافي بينه وبين قوله: «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا» (٣) كما في قول أبي هريرة وغيره: سمعت خليلي. ------------ = الجوهري فإنه قال: الثدي للرجل والمرأة، وأما ابن فارس فأشار إلى تخصيص المرأة به، وقد ثبت في الحديث أن رجلًا وضع سنيه بين ثدييه وكذلك هذا الحديث أيضًا. (١) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٠٦. (٢) «المفهم» ٣/ ٣٤. (٣) سلف برقم (٤٦٦ - ٤٦٧) كتاب: الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد، وأخرجه مسلم برقم (٢٣٨٢) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: من فضائل أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -. وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] أي: إنه خليل الله فقط، فاعلمه. وقوله: («يا أبا ذر، أتبصرُ أحدًا؟») فيه تكنية الشارع لأصحابه، والذر: جمع ذرة، وهي: النملة الصغيرة. ذكر أن أبا ذر لما أتى النبي - ﷺ - فأسلم ثم انصرف إلى قومه، فأتاه بعد مدة، فتوهم اسمه فقال: «أنتَ أبو نَمْلة» قَالَ أبو ذر: يا رسول الله، بل أبو ذر (١). واسمه: جندب بن جنادة. وقوله: «أتبصرُ أحدًا؟» قَالَ: فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار. إنما نظر لها؛ لأنها تعلوه عند الغروب، وهو مثل لتعجيل الزكاة. يقول: ما أحب أن أحبس ما أوجبه الله بقدر ما بقي من النهار. وقوله: (وأنا أُرى أن رسول الله - ﷺ - يرسلني). أُرى -بضم الهمزة وفتح الراء- أي: أظن. وفيه أنه كان يرسل فاضل أصحابه، يفضلهم بذلك لأنه يصير رسول رسول الله - ﷺ -. وقيل في قوله: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] إنهم رسل بعض رسل الله. وقوله: («مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلا ثَلَاَدةَ دَنَانِيرَ»). في بعض الروايات: «أُنفقُهُ في سبيل الله» (٢) يقول: ما أحب أن يكون لي وأنفق منه ثلاثة دنانير بعد أن أنفقه. ---------- (١) رواه ابن عبد البر في «الاستيعاب» ٤/ ٢١٧ - ٢١٨. (٢) رواه أحمد ٥/ ١٤٩، والبزار في «مسنده» ٩/ ٣٤٢ (٣٨٩٩)، والطبراني في «الأوسط» ٣/ ٢٨٤ (٣١٥٩)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ١٢٠، رواه أحمد، وفيه: سالم بن أبي حفصة، وفيه كلام. وصححه الألباني كما في «الصحيحة» ٧/ ١٤٣٩ (٣٤٩١). وفي أخرى: «تمر عليَّ ثلاث وعندي منه شيء إلا شيئًا أرصده لدين» (١). وقول أبي ذر: (إن هؤلاء لا يعقلون). أي: لم يعتبروا زوال الدنيا فيزهدوا. وقوله: (لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا) يقول: ما لي لا أعظهم وأنصح لهم، ولست أسالهم دنيا، فأخاف منعهم. وقوله: (وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ) يعني: القوم الذين قام عنهم؛ لأنهم لم ينظروا لأنفسهم فيتركوا الدنيا، فكيف يستفتيهم غيرهم ويهتدي بهم في دينهم؟ فائدة: قَالَ سحنون: ترك الدنيا زهدًا أفضل من كسبها من الحلال وإنفاقها في السبيل. قَالَ بعضهم: وهذا الحديث يشهد له. فرع: لا يضم الذهب إلى الفضة عندنا (٢)، وخالف أبو حنيفة ومالك فيه (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٤] ولم يخص كما لو كان معه مائة درهم وعرض يساوي مائة، أما إذا كان مديرًا قَالَ مالك: فيعدل المثقال بعشرة دراهم، فإذا كانت معه مائة درهم وعشرة دنانير ضما، وإن كانت تسعة دنانير تساوي مائة فلا (٤). واعتبر أبو حنيفة القيمة كمن له مائة درهم وخمسة دنانير تساوي مائة ضُمَّا (٥). --------- (١) سيأتي برقم (٦٤٤٥) كتاب: الرقاق، باب: قول النبي - ﷺ -: «ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهب». (٢) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ٢٥٧. (٣) انظر: «الهداية» ١/ ١١٣، «عيون المجالس» ٢/ ٥٢٤. (٤) انظر: «المعونة» ١/ ٢١٠. (٥) انظر: «الهداية» ١/ ١١٣. ٥ - باب إِنْفَاقِ المَالِ فِي حَقِّهِ ١٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». [انظر: ٧٣ - مسلم: ٨١٦ - فتح: ٣/ ٢٧٦] ذكر فيه حديث ابن مسعود: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللهُ مَالًا ..». وقد سلف في كتاب العلم واضحًا (١)، وأن المراد بالحسد هنا: شِدَّة الحرص والرغبة، وسماه البخاري الاغتباط، كما سلف، من غير أن تتمنى زوالها عن غيرك، ففيه المنافسة في الخير والحض عليه وفضل الصدقة والكفاف وفضل العلم وفضل تعلمه وفضل القول بالحق. وقسم بعضهم إنفاق المال في حقه ثلاثة أقسام: إنفاقه على نفسه وكل من تلزمه نفقته غير مسرف ولا مقتر لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] الآية، وهذِه أفضل النفقات لقوله - ﷺ -: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيّ امْرَأَتِكَ» (٢). ثانيها: أداء الزكاة، وقد جاء أن من أدى زكاة ماله فليس ببخيل. وصلة البعيد من الأهل، وصدقة التطوع، ومواساة الصديق، وإطعام ------------- (١) سلف برقم (٧٣) باب: الاغتباط في العلم والحكمة. (٢) سلف برقم (٥٦) كتاب: الإيمان، باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى، ورواه مسلم برقم (١٦٢٨) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث. الجائع. قَالَ - ﷺ -: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَاليتيم كَالمُجَاهِدِ فِي سبِيلِ اللهِ» (١)؛ فمن أنفق في هذِه الوجوه الثلاثة فقد وضع المال موضعه وأنفقه في حقه، وكذلك من آتاه الله حكمًا وعلمًا فهو وارث منزلة النبوة؛ لأنه يموت وأجر (علمه) (٢) ومن عمل بعلمه باق إلى يوم القيامة. فينبغي لكل مؤمن أن يحسد من هذا حاله، ولله الفضل. --------- (١) سيأتي برقم (٥٣٥٣) كتاب: النفقات، باب: فضل النفقة على الأهل، وفيه (المسكين) بدلا من (اليتيم) وأخرجه مسلم برقم (٢٩٨٢) كتاب: الزهد والرقائق، باب: الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم. (٢) في الأصل: (عمله) والمثبت من (م). ٦ - باب الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ لِقَوْلِهِ جل وعز: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ﴾. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿صَلْدًا﴾: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وَابِلٌ﴾ مَطَرٌ شَدِيدٌ، وَالطَّلُّ: النَّدَى. [فتح ٣/ ٢٧٧] الشرح: قوله: ﴿بِالمَنِّ﴾ أي: لا تمنوا بما أعطيتم ﴿وَالأَذَى﴾ أن يوبخ المعطى. فهذان يبطلان الصدقة، كما تبطل نفقة المنافق الذي يعطي رياء ليوهم أنه مؤمن، وروى الطبري عن عمرو بن حريث قَالَ: إن الرجل يغزو ولا يزني ولا يسرق ولا يغل، لا يرجع بالكفاف. فقيل له: لماذا؟ قَالَ: إن الرجل ليخرج، فإذا أصابه من بلاءً الله الذي قد حكم عليه سب ولعن إمامه ولعن ساعة غزا، وقال: لا أعود لغزوة معه أبدًا. فهذا عليه وليس له مثل النفقة في سبيل الله يتبعها منٌ وأذى، فقد ضرب الله مثلها في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٤] حَتَّى ختم الآية (١). وقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أي: فمثل نفقته كمثل صفوان، وهو الحجر الأملس. وحكى قطرب: صفوان- بكسر الصاد، والمعنى: لم يقدروا على كسبهم وقت حاجتهم ومحق مما ذهب كما محق المطر التراب عن الصفا، ولم يوافق في الصفا منبتا. وما ذكره عن ابن عباس في تفسير ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤] أخرجه ابن جرير عن محمد بن سعد حَدَّثَني أبي قَالَ: حَدَّثَني عمي قَالَ: ------------ (١) «تفسير الطبري» ٣/ ٦٥ (٦٠٣٩). حَدَّثَني أبي عن ابن عباس. فذكره (١)، ومن وجهين آخرين عنه كذلك (٢)، وفي رواية: تركها نقية ليس عليها شيء (٣). وأخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» من حديث الضحاك عنه بقوله: فتركه يابسًا خاسئًا لا ينبت شيئًا (٤). وما ذكره عن عكرمة في ﴿وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أخرجه عبد بن حميد في «تفسيره»، عن روح، عن عثمان بن غياث عنه، به سواء (٥)، وقال غيره: الطل: مطر صغير القطر يدوم. وقال مجاهد فيما حكاه ابن أبي حاتم: الطل: الندى. قَالَ: وروي عن جماعات نحوه (٦). أما فقه الباب: فالرياء يبطل الصدقة وجميع الأعمال؛ لأن المرائي إنما يفعل ذلك من أجل الناس ليحمدوه على عمله، فلم يحمده الله تعالى حين رضي بحمد الناس عوضًا (من) (٧) حمد الله وثوابه، وراقب الناس دون ربه، قَالَ عليه أفضل الصلاة والسلام: «من عمل عملًا أشرك فيه غيري فهو له، وأنا أغنى الشركاء عن الشرك» (٨)؛ وجاء في الحديث أن الرياء: الشرك الأصغر (٩)، وكذلك السنن والأذى يبطلان الصدقة؛ ------------- (١) «تفسير الطبري» ٣/ ٦٧ (٦٠٤٤). (٢) «تفسير الطبري» ٣/ ٦٨ (٦٠٥٩، ٦٠٦٢). (٣) «تفسير الطبري» ٣/ ٦٨ (٦٠٥٨). (٤) «تفسير القرآن العظيم» ٢/ ٥١٨ (٢٧٤٩). (٥) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٦٠٠ وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم. (٦) «تفسير القرآن العظيم» ٢/ ٥٢١ (٢٧٦٦). (٧) كذا في الأصل، ولعلها (عن). (٨) رواه مسلم برقم (٢٩٨٥) كتاب: الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير الله. (٩) رواه أحمد ٥/ ٤٢٨، والطبراني ٤/ ٢٥٣ (٤٣٠١)، والبغوي في «شرح السنة» ١٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤ (٤١٣٠) كتاب: الرقاق، باب: الرياء والسمعة، وذكره الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٠٢ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح وصححه الألباني في «الصحيحة» ٢/ ٦٣٤ (٩٥١). لأن المنان بها لم ينو الله فيها ولا أخلصها لوجهه تعالى، ولا ينفع عمل بغير نية لقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل أمرئ ما نوى» (١)، وكذلك المؤذي لمن يصدق عليه، يبطل إثم الأذكر أجر الصدقة. وقد نهى الله تعالى عن انتهار السائل، فما فوق ذلك من الأذى أدخل في النهي، وكان ينبغي للبخاري أن يخرج في الباب حديث: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها ..» (٢) الحديث. فهو يشبه التبويب؛ لأن من ابتغى وجه الله سلم من الرياء، وابتغاء غير وجه الله هو عين الرياء. ------------- (١) سلف برقم (١) كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، وأخرجه مسلم برقم (١٩٠٧) كتاب: الإمارة، باب: قوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات». (٢) سبق تخريجه. ٧ - باب لَا يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ، وَلَا يَقْبَلُ إِلاَّ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦٣] [البقرة: ٢٦٣]. [فتح ٣/ ٢٧٧] ٨ - باب الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾ الآية (١) إِلَى ﴿يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٦، ٢٧٧] ١٤١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ: ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ -وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ- وَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ». تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ. وَقَالَ وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَسُهَيْلٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٧٤٣٠ - مسلم: ١٠١٤ - فتح: ٣/ ٢٧٨] ثم ذكر حديث أبي هريرة: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ ..» تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ، عَنِ ابن دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ وَرْقَاءُ: عَنِ ابن دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَزيدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَسُهَيْلٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، به. وله في التوحيد، ولم يصله: «وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ إِلَّا الطَّيِّبُ» (٢). الشرح: في بعض النسخ حذف قوله: «وَلَا يَقْبَلُ اللهُ ..» إلى آخره، ولم يذكر --------------- (١) ورد في الأصل فوق هذِه الكلمة: ساقها البخاري. (٢) سيأتي برقم (٧٤٣٠) باب: قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾. فيه شيئًا، وهذِه الترجمة هي حديثٌ ذكر المصنف بعضه في الطهارة فقال: باب: لا يقبل الله صلاة بغير طهور. وهذا آخره: «ولا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ». وقد تكلمنا عليه هناك (١). واعترض الداودي فقال: لو نزع هذا بقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقال في الذي قبله: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] فقد قَالَ كذلك. وقال ابن المنير: إن قَلتَ: ما وجه الجمع بين الترجمة والآية؟ وهلا ذكر قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قلتُ: جرى على عادته في إيثار الاستنباط الخفي والاتكال في الاستدلال الجلي على سبق الأفهام له. ووجه الاستنباط يحتمل أن الآية فيها إثبات الصدقة، غير أن الصدقة لما تبعها سيئة الأذى بطلت، فالغلول: غصب إذًا فيقارن الصدقة فتبطل بطريق الأولى، أو لأنه جعل المعصية اللاحقة للطاعة بعد تقررها، وهي الأذى تبطل الطاعة، فكيف إذا كانت الصدقة عين المعصية؛ لأن الغال في دفعه المال للفقير غاصب يتصرف في ملك الغير، فكيف تقع المعصية من أول أمرها طاعة معتبرة، وقد أبطلت المعصية المحققة من أول أمرها في الصدقة المتيقنة بالأذى، وهذا من لطيف الاستنباط (٢). وقوله تعالى: (﴿وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾) [البقرة: ٢٦٣] قَالَ الضحاك: يقول: إن تمسك مالك خير من أن تنفقه ثم تتبعه منًّا وأذى (٣) ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ أي: غني عن خلقه في سلطانه، حليم عن سيئ فعالهم. ------------- (١) راجع شرح حديث (١٣٥). (٢) «المتواري» ص ١٢٣ - ١٢٤. (٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٦٤ (٦٠٣٧). وقوله: (﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾) [البقرة: ٢٧٦] أي: كفار بقليل الحلال لا يقنع، وأثيم في أخذ الحرام، والغلول: الخيانة. قَالَ ابن سيده: غل يغل غلولًا، وأغل: خان. قال: وخص بعضهم الخون في الفيء، والإغلال: السرقة (١). قَالَ ابن السكيت: لم يسمع في المغنم إلا غل غلولًا (٢). وقال الجوهري: يقال من الخيانة: أغل يُغِل، ومن الحقد: غل الغل، ومن الغلول: غل يغُل (٣). واستدل البخاري في الباب الأول بقوله: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] لما كان حرمان السائل وقول المعروف والاستغفار خير من صدقة يتبعها أذى، وثبت أن الصدقة إذا كانت من غلول غير متقبلة؛ لأن الأذى في الغلول للمسلمين أشد من أذى المتصدق عليه وحده، وأولى من الاستدلال بها قوله تعالى ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ وحديث أبي هريرة مطابق للتبويبين. ومتابعة سليمان -وهو ابن بلال- أخرجها في التوحيد بلفظ: وقال خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار (٤). وقد أسندها مسلم عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد بن مخلد به (٥). وتعليق ورقاء، عن سعيد بن يسار أخرجه الترمذي (٦) لكن من ------ (١) «المحكم» ٥/ ٢٢١. (٢) «إصلاح المنطق» ص ٢٦٦. (٣) «الصحاح» ٥/ ١٧٨٤. (٤) سيأتي برقم (٧٤٣٠). (٥) «صحيح مسلم» (١٠١٤/ ٦٤) كتاب: الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها. (٦) بهامش الأصل بخط سبط: (بل أخرجه مسلم [١٠١٤]، والترمذي [٦٦١]، والنسائي [٥/ ٥٧] وابن ماجه [١٨٤٢] أعني حديث سعيد بن يسار لكن ليس من رواية عبد الله بن دينار عنه. [قلت: رواية ورقاء عند أحمد ٢/ ٣٣١]. حديث سعيد المقبري ويحيى بن سعيد وابن عجلان، عن سعيد بن يسار به، ثم قَالَ: حسن صحيح (١). وقال الداودي: تتابع الرواة عن أبي صالح، عن أبي هريرة دال على أن ورقاء أوهم به في قوله: عن سعيد بن يسار. ولفظ ابن خزيمة: «مهره أو فصيله» زاد: «وإن الرَّجلَ ليتصدقُ باللقمةِ فتَربو في كفِّ الله -عز وجل- حَتَّى تكون مثل الجبل، فتصدَّقوا» (٢) وفي رواية له: «فلوه أو قلوصه» وفي أخرى: «فلوة: قلوصه أو فصيله» (٣) وهي في مسلم: «فلوه أو قلوصه» ورواية سهيل (٤) أخرجها البزار من حديث خالد بن عبد الله الواسطي، عنه، عن أبيه، عن أبي هريرة. وفي «علل ابن أبي حاتم» رواه موسى بن عبيدة، عن عبد الله ابن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا، وهو خطأ، إنما هو عن ابن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فمنهم من يوقفه ومنهم من يسنده، ويحتمل صحة رفعه (٥). ------ (١) «سنن الترمذي» (٦٦١) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في فضل الصدقة وصححه الألباني. (٢) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٩٣ (٢٤٢٦). (٣) المصدر السابق برقم (٢٤٢٥). (٤) بهامش الأصل: حاشية: رواية سهيل أخرجها مسلم في الزكاة عن أمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن سهيل، به. وأخرجها أيضًا فيه عن أحمد بن عثمان بن هيثم، عن خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن سهيل، به. [«صحيح مسلم» ١٠١٤/ ٦٤ كتاب: الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها]. (٥) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢١٦ (٦٢٨). وفي «الرقائق» لعبد الله بن المبارك من حديث ابن مسعود قَالَ: «ما تصدَّق رجلٌ بصدقةٍ إلا وقعت في يدِ الرَّبِّ قبل أنْ تقعَ في يدِ السائل، وهو يضعها في يدِ السائل» قَالَ: وهو في القرآن العظيم. فقرأ: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤] (١). وقوله: («مَنْ تَصَدَّق بعِدل تمرةٍ») أي: بقيمتها. وذلك أن جماعات من أهل اللغة كما نقله عنهم ابن التين قالوا: العدل، بفتح العين: المثل. قَالَ تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] وبكسرها: الحمل. وهذا عكس قول ثعلب. وقال الكسائي: هما بمعنى واحد. وقال القزاز: عدل الشيء: مثله من غير جنسه، وبالكسر: مثله من جنسه. وأنكرها البصريون وقالوا: هما المثل مطلقًا، كما أن المثل لا يختلف. وقيل: بالفتح: مثله من القيمة. وبالكسر: مثله في المنظر. وهذا مثل قول الفراء. وقال ابن قتيبة: هو بالكسر: القيمة (٢). وعبارة «المحكم»: العَدل والعديل، والعدل: النظير والمثل. وقيل: هو المثل وليس بالنظير عينه. وقوله: («مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ») أي: من حلال. وإنما لا يقبل الله غيره؛ لأنه غير مملوك للمتصدق؛ لأنه ممنوع من التصرف فيه، فلو قبلت لزم أن يكون مأمورًا به منهيًّا عنه من وجه واحد، وهو محال. وقوله: («بيمينه») ذكر اليمين هنا قيل: يراد بها سرعة القبول، وهو مجاز. وقيل: حسن القبول. وهو متقارب مع الأول؛ لأن عرف الناس أن أيمانهم مرصدة لما عز وشمائلهم لما هان، والجارحة على الرب ﷻ محالة تقدس عنها، ولما كانت الشمائل عادة تنقص عن اليمين --------------- (١) «الزهد والرقائق» ص ٢٢٧ - ٢٢٨ (٦٥٠) باب: الصدقة. (٢) «غريب الحديث» ٢/ ٤٠. بطشًا وقوة عرفنا الشارع بقوله: «وكِلتا يديه يَمين» (١) فانتفي النقص تعالى عنه. والفَلو: هو المهر. كما سلف عن رواية ابن خزيمة، وهو ولد الفرس. وولد الحمار: جحش وعفر. وكذلك البغل الصغير، وهو بفتح الفاء وتشديد الواو، والأنثى فلوة مثال عدوة، والجمع: أفلاء مثال أعداء، وسمي بذلك؛ لأنه يفتلى. أي: يفطم. وقال الداودي: يقال للمُهر: فلو. وللجحش -ولد الحمار- فِلوة بكسر الفاء. ويقال بفتحها والتشديد، وأنكر بعضهم كسر الفاء. وقال الجوهري عن أبي زيد: إذا فتحت الفاء شددت الواو، وإذا كسرت خففت، فقلت: فِلو مثل جرو (٢). وقال في «المخصص»: إذا بلغ سنة -يعني: ولد الحِجْر- فهو فلو. وقال أبو حاتم: في «فرقة» لا يقال فلو ولا فلوه كما تقول العامة. وقوله: «حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» قَالَ الداودي: أي: كمن تصدق بمثل الجبل. ومعنى: «يربيها لصاحبها» أي ينميها فإن أريد به الزيادة في كمية عينها لتثقل في الميزان لم ينكر ذلك في معنى مقدور أو حكم معقول، وقيل: ينميها: يضاعف الأجر عليها. وهما متقاربان. --------- (١) هو قطعة من حديث رواه مسلم (١٨٢٧) كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائز، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم، والنسائي ٨/ ٢٢١ كتاب: آداب القضاة، فضل الحاكم العادل في حكمه، وأحمد ٢/ ١٦٠، وابن حبان في «صحيحه» ١٠/ ٣٣٦ (٤٤٨٤) كتاب: السير، باب: الخلافة والإمارة. (٢) «الصحاح» ٦/ ٢٤٥٦. ![]()
__________________
|
|
#284
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 271 الى صـــ 290 الحلقة (284) وقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي: يضاعف أجرها لربها وينميها. ولما كان الربا قد أخبر تعالى أنه يمحقه؛ لأنه حرام، دلت الآية أن الصدقة التي تربو وتتقبل لا تكون إلا من غير جنس الممحوق، وذلك الحلال، وقد بين ذلك الشارع بقوله: «لَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ» والحديث دال على مضاعفة الثواب، والمثل في التشبيه بتربية الفلو؛ لأن الولد لا يخلق كبيرًا، ولكن ينمى بتعهد الأم له بالرضاع والقيام بمصالحه، وكذلك صاحب الصدقة إن أتبعها بأمثالها وصانها عن آفاتها نمت، وإن أعرض عنها بقيت وحيدة، فإن منَّ أو آذى بطل الثواب. وفقنا الله للصواب. ٩ - باب الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّدِّ ١٤١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ، فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا، فَأَمَّا اليَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا». [١٤٢٤، ٧١٢٠ - مسلم: ١٠١١ - فتح: ٣/ ١٢٨] ١٤١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي». [٨٥ - مسلم: ١٥٧ - فتح: ٣/ ٢٨١] ١٤١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، أَخْبَرَنَا سَعْدَانُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُجَاهِدٍ، حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ الطَّائِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَجَاءَهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَشْكُو العَيْلَةَ، وَالآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ إِلاَّ قَلِيلٌ حَتَّى تَخْرُجَ العِيرُ إِلَي مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ، وَأَمَّا العَيْلَةُ فَإِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ، ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تُرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى. ثُمَّ لَيَقُولَنَّ: أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى. فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلاَّ النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلاَّ النَّارَ، فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ». [١٤١٧، ٣٥٩٥، ٦٠٢٣، ٦٥٣٩، ٦٥٤٠، ٦٥٦٣، ٧٤٤٣، ٧٥١٢ - مسلم: ١٠١٦ - فتح: ٣/ ٢٨١] ١٤١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً، يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ» [مسلم: ١٠١٢ - فتح: ٣/ ٢٨١] ذَكَرَ فيه حَدِيثَ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ: «تَصَدَّقُوا، فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَان ..» الحديث. وحَدِيثَ أبي هُريرة: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ فَيَفِيضَ ..» الحديث. وحَدِيثَ عدي مطولًا، وفي آخره: «.. فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ». وحديث أبي موسى: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ ..» إلى آخره. الشرح: فيه الحث على الصدقة والترغيب ما وجد أهلها المستحقون لها؛ خشية أن يأتي الزمن الذي لا يوجد فيه من يأخذها، وهو زمان كثرة المال وفيضه قرب الساعة. وفي قوله: («وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ») حض على القليل من الصدقة، وهو بكسر الشين. أي: نصفها. وقوله: («فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ») حض أيضًا على أن لا يحقر شيئًا من المعروف قولًا وفعلًا وإن قل، فالكلمة الطيبة يتقي بها النار، كما أن الكلمة الخبيثة يستوجبها بها. وقوله: «وَيُرى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً يَلُذْنَ بِهِ» أي: يحطن به «مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ» فهذا والله أعلم يكون عند ظهور الفتن وكثرة القتل في الناس. قَالَ الداودي: ليس لَهُنَّ قَيَّمٌ غيره. وهذا يحتمل أن يكن نساءه وجواريه وذوات محارمه وقراباته، وهذا كله من أشراط الساعة، ففيه الإعلام بما يكون بعده، وكثرة المال حَتَّى لا يجد من يقبله، وأن ذلك بعد قتل عيسى - عليه السلام - الدجالَ والكفار، فلم يبق بأرض الإسلام كافر، وتنزل إذ ذاك بركات السماء إلى الأرض، والناس إذ ذاك قليلون لا يدخرون شيئًا؛ لعلمهم بقرب الساعة، وتري الأرض إذ ذاك بركاتها حَتَّى تشبع الرمانة السكن -وهم أهل البيت- وتلقي الأرض أفلاذ كبدها -وهو ما دفنته ملوك العجم، كسرى وغيره- ويكثر المال حَتَّى لا يتنافس فيه الناس. وقوله في حديث عدي: («ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَي اللهِ -عز وجل- لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تُرْجُمَان») هو على جهة التمثيل ليفهم الخطاب؛ لأن الله تعالى لا يحيط به شيء ولا يحجبه حجاب، وإنما يستتر تعالى عن أبصارنا بما وضع فيها من الحجب والضعف عن الإدراك في الدنيا، فإذا كان في الآخرة وكشف تلك الحجب عن أبصارنا وقوَّاها حَتَّى تدرك معاينة ذاته كما يرى القمر ليلة البدر، كما ثبت في الأحاديث الصحاح الآتية في موضعها. وقوله: («حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ (١) المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ») هو بضم الياء وكسر الهاء، هذا هو المشهور، وقيل: بفتح الياء وضم الهاء ورفع «رب المال» وتقديره: يهمه من يقبل صدقته. أي يقصده. وقال صاحب «العين»: أهمني الأمر مثل: غمني، وهمني همًّا: آذاني (٢). -------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: بنصب (رب) في الرواية الأولى. (٢) «العين» ٣/ ٣٥٧. وقوله: («بغير خفير») أي: مجير. الخفير: المجير. والخفارة: الذمة. والخفير: من يصحب القوم؛ لئلا يعرض لهم أحد، واشتقاقه من الخفر، يصحبهم فلا تخفر ذمته. وقوله: («لا أرب لي فيه»): لا حاجة. وفيه أنهم كانوا يشكون إلى الشارع من عيلة وقطع طريق وغيره؛ لما يرجون عنده من الفرج. والعيلة: الفقر. وقوله: («فلا يرى إلا النَّارَ») يقال: أي يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام فتقرب من الناس (١)، فحينئذ يقول الرسل: ربِّ سلِّم سلِّم (٢). فاجتهدوا فيما يقيكم منها، ولا تحقروا شيئًا من المعروف ولو شق تمرة (٣). ----------- (١) رواه مسلم برقم (٢٨٤٢) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها، والترمذي برقم (٢٥٧٣) كتاب: صفة جهنم، باب: ما جاء في صفة النار، وأبن أبي شيبة في «المصنف» ٧/ ٧٧ (٣٤١٥٥) كتاب: ذكر النار، باب: ما ذكر فيما أعد لأهل النار وشدته، والبيهقي في «الشعب» ٦/ ٣٥٢ (٨٤٧٨) باب: في حسن الخلق. (٢) سيأتي برقم (٧٤٣٧) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ ورواه مسلم برقم (١٨٢) كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية. (٣) ورد في هامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثاني عشر، كتبه مؤلفه. ١٠ - باب اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ وَالقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ﴾ وَإِلَى قَوْلِهِ ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٦٥، ٢٦٦] ١٤١٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الحَكَمُ -هُوَ: ابْنُ عَبْدِ اللهِ البَصْرِيُّ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ فَقَالُوا: مُرَائِي. وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا. فَنَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾. [التوبة: ٧٩] الآيَةَ. [١٤١٦، ٢٢٧٣، ٤٦٦٨، ٤٦٦٩ - مسلم: ١٠١٨ - فتح: ٣/ ٢٨٢] ١٤١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَتَحَامَلَ، فَيُصِيبُ المُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ اليَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ. [انظر: ١٤١٥ - مسلم: ١٠١٨ - فتح: ٣/ ٢٨٣] ١٤١٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». [انظر: ١٤١٣ - مسلم: ١٠١٦ - فتح: ٣/ ٢٨٣] ١٤١٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ». [٥٩٩٥ - مسلم: ٢٦٢٩ - فتح: ٣/ ٢٨٣] ذكر فيه أربعة أحاديث: حديث أبي مسعود: لَمَّا نَزَلَتْ (آيَةُ) (١) الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقَالُوا: مُرَائِي. وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هذا. فَنَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ .. الآية. وحديث أبي مسعود الأنصاري قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ .. الحديث. وحديث عدي بن حاتم: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرةٍ». وحديث عائشة في التمْرَةِ. الشرح: معنى ﴿وَتَثْبِيتًا﴾ [البقرة: ٢٦٥]: تصديقًا ويقينًا. قاله الشعبي (٢). وهو حث أي: على إنفاقها في الطاعة، ووعد الله على ذلك بالإثابة. وقال قتادة: احتسابًا (٣). وكان الحسن إذا أراد أن ينفق تثبت فإن كان لله أمضى وإلا أمسك (٤). والجنة: البستان. والربوة: الأرض المرتفعة المستوية. كما قاله مجاهد (٥)، أضعفت في ثمرها، وهو مثل ضربه الله لفضل المؤمن، يقول: ليس لخيره خلفٌ، كما أنه ليس لخير الجنة خلف على أي حال، أصابها مطر شديد أو طل. ------------- (١) من (م). (٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٦٩ (٦٠٦٣). (٣) المصدر السابق برقم (٦٠٧٢). (٤) المصدر السابق برقم (٦٠٧١). (٥) المصدر السابق ٣/ ٧١ - ٧٢ (٦٠٧٣ - ٦٠٧٤). وقوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٦] هو ضرب مثل للعمل كان طائعًا فعصى فاحترقت أعماله، كما قاله عمر وابن عباس (١)، فتبطل أحوج ما كانوا إليها، كمثل رجل كانت له جنة وكنز، وله أطفال لا ينفعونه، فأصاب الجنة إعصار ريح عاصف كالزوبعة، فيها سَموم شديد فاحترقت. وحديث أبي مسعود، أخرجه في التفسير من حديث غندر عن شعبة، وفيه هنا: بصاع (٢). وأخرجه مسلم من حديث جماعة عن شعبة (٣). ومعنى (نحامل): نحمل للغير بالأجرة لنتصدق بها، ونحامل وزنه نفاعل، والمفاعلة لا تكون إلا من اثنين غالبا كالمبايعة والمعاملة، ألا ترى أنه حين نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: ١٢] شق عليهم العمل بها، فنسخت عنهم بقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] وقال علي: لم يعمل بها غيري لا قبلي ولا أحد بعدي، كان لي دينار فصرفته، فكنت إذا ناجيت الرسول تصدقت بدرهم حَتَّى نفذ ثم نسخت. ولما ذكر شيخنا علاء الدين في «شرحه»: (نحامل)، نقل عن ابن سيده أنه قَالَ: تحامل في الأمر وتكلفه على مشقة وإعياء، وتحامل عليه: كلفه ما لا يطيق؛ وهذا ليس من معنى مادة ما نحن فيه. وقوله: (فَتَصَدَّقَ بِشَيءٍ كَثِيرٍ) هو عبد الرحمن بن عوف، تصدق بنصف ماله، وكان ماله ثمانية آلاف دينار. ذكره ابن التين، فقالوا: ---------- (١) المصدر السابق ٣/ ٧٥ - ٧٦ (٦٠٩٣ - ٦٠٩٥). (٢) سيأتي برقم (٤٦٦٨) باب: قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾. (٣) «صحيح مسلم» برقم (١٠١٨) كتاب: الزكاة، باب: الحمل بأجرة يتصدق بها، والنهي الشديد عن تنقيص المتصدق بقليل. مرائى. وسيأتي في التفسير: أربعة آلاف درهم. أو: أربعمائة دينار. وفي «أسباب النزول» للواحدي أنه - ﷺ - حث على الصدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، شطر ماله يومئذٍ، وتصدق يومئذ عاصم بن عدي بن عجلان بمائة وسق تمر، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر، فلمزهم المنافقون (١)، فنزلت هذِه الآية (٢). وقوله: (وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ) وفي أخرى سلفت: بنصف صاع. وفي أخرى: بنصف صبرة تمر. هو أبو عقيل كما جاء في البخاري في موضع آخر (٣)، وفي «صحيح مسلم» في قصة كعب بن مالك (٤). وقوله - ﷺ -: «كُنْ أبا خَيْثمة» فإذا هو أبو خيثمة- يعني: عبد الرحمن بن نيحاز الأنصاري الذي تصدق بتمر فلمزه المنافقون (٥). وقال السهيلي في «تعريفه»: أبو عقيل اسمه حثجاث، أحد بني أنيف. وقيل: الملموز رفاعة بن سهل (٦). ------------ (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في «التجريد»: أبو عقيل صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون، قال قتادة: اسمه حثجاث. (٢) «أسباب النزول» ص ٢٦٠ (٥١٩). (٣) سيأتي برقم (٤٦٦٨) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾. (٤) «صحيح مسلم» (٢٧٦٩) كتاب: التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه. (٥) المصدر السابق. (٦) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في «التجريد»: سهل بن رافع بن خديج البلوي، حليف الأنصار، قيل: هو صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون، وقيل: هو الذي بعده. ثم قال سهل بن رافع بن أبي عمرو بن عبيد، شهد أحدا، وتوفي في خلافة عمر، روت عنه بنته عميرة، ولها صحبة، كذا أخرجه ابن منده، وأما أبو عمرو فنسبه إلى بني النجار، وقال: له أخ يسمى سهيل، وهما التيميان صاحبا المربد. انتهى. ولم أر في «التجريد» من اسمه رفاعة بن سهل في الأسماء، اللهم إلا أن يكون مشهورا بالكنية، فيكون قد ذكره في الكنى، والله أعلم. وفي «المعاني» للفراء: حث النبي - ﷺ - على الصدقة، فجاء عمر بصدقة، وعثمان بصدقة عظيمة، وجاء أبو عقيل. الحديث (١). وفي «تفسير الثعلبي» عن أبي السليل قَالَ: وقف رجل على الحي فقال: حَدَّثَني أبي أو عمي أنه شهد النبي - ﷺ - يقول: «مَنْ يتصدَّق اليوم بصدقة أَشهدُ له بها» فجاء رجل ما بالبقيع أقصر قامة منه، يقول ناقة لا أرى بالبقيع أحسن منها فقال: هي وذو بطنها صدقة يا رسول الله. قَالَ: فلمزه رجل وقال: إنه يتصدق بها وهي خير منه. فقال - ﷺ -: «بل هو خيرٌ منكَ ومنها» يقولها ثلاثًا. فنزلت الآية. ويلمزون: يعيبون. يقال: لمزه، يَلْمِزُهُ وَيَلْمُزُهُ إذا عابه. وكذلك همزه، يهمزه. والجَهد والجُهد بمعنى واحد عند البصريين. وقال بعض الكوفيين: هو بالفتح: المشقة، وبالضم الطاقة. وقال الشعبي: بالضم في الفتنة يعني: المشقة. وبالفتح في العمل. وذكر القزاز نحوه قَالَ: الجَهْد: ما يجهد المؤمن من مرض وغيره. والجُهْد: شيء قليل يعيش به المقل. والذي ذكره ابن فارس وغيره مثل قول الكوفيين. واحتج ابن فارس بهذِه الآية أي: لا يجدون إلا طاقتهم (٢). وقال الجوهري: الجَهد والجُهد: الطاقة (٣)، وقرئ بهما الآية. وقال ابن عيينة في «تفسيره» الجَهد: جهد الإنسان، والجُهد في ذات اليد. وحكى الزجاج يَلْمزُون بكسر الميم وضمها، وقد تقدم. وكانوا عابوا الصحابة في صدقات أتوا بها رسول الله - ﷺ -. ----------- (١) «معاني القرآن» ١/ ٤٤٧. (٢) «مجمل اللغة» ١/ ٢٠٠. (٣) «الصحاح» ٢/ ٤٦٠. يروى أن ابن عوف أتى بصُرَّةٍ تملأ الكف، وأن أبا عقيل .. الحديث. ومحل ﴿لَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ [التوبة: ٧٩] نصب بالذم، أو رفع على الذم، أو جر بدلًا من الضمير في ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨] والمطوعين: المتطوعين المتبرعين. وزعم أبو إسحاق أن الرواية عن ثعلب بتخفيف الطاء وتشديد الواو. وقال: وهو غير جيد. والصحيح تشديدهما. وأنكر ذلك ثعلب عليه، وقال: إنما هو بالتشديد. وقال التدميري في «شرحه»: هم الذين يخرجون إلى الغزو بنفقات أنفسهم من غير استعانة منهم برزق وسلطان وغيرهم. قَالَ: ووزنهم المفعلة من الطوع. يقال: طاع له كذا وكذا أي: أتاه طوعًا. ولساني لا يتطوع أي: لا ينقاد. وقد طوعوا يطوعون. وهم المطوعة من ذلك. وقوله: (إِنَّ لِبَعْضِهِمُ اليَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ) قَالَ شقيق -أحد رواته- فرأيت أنه يعني نفسه. كذا في «صحيح الإسماعيلي». وقوله: مائة ألف. كذا هو في البخاري. وكذا شرحه ابن التين، وذكره ابن بطال أيضًا (١). وأما شيخنا علاء الدين فكتب بخطه في الأصل: وإن لبعضهم اليوم ثمانية آلاف. ثم قَالَ: وفي «فضل الصدقة» لابن أبي الدنيا مائة ألف. فأبعد النجعة، وصحف ما في البخاري فاحذره. ومعنى (وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ اليَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ) أنهم كانوا يتصدقون بما يجدون، وهؤلاء يكنزون المال، ولا يتصدقون. وفيه: ما كان عليه السلف من التواضع، والحرص على الخير، واستعمالهم أنفسهم في المهن والخدمة، رغبة منهم في الوقوف عند حدود الله، والاقتداء بكتابه، وكانوا لا يتعلمون شيئًا من القرآن ------------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤١٦. إلا للعمل به، وكانوا يحملون على ظهورهم للناس، ويتصدقون بالثمن لعدم المال عندهم ذلك الوقت. وحديث: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» سلف في الباب قبله (١). وأخرجه ابن خزيمة من حديث أنس بلفظ: «افتدوا مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تمرَةٍ» (٢) ومن حديث ابن عباس بلفظ: «اتقوا» (٣) وأخرجه ابن أبي الدنيا في «فضل الصدقة» من حديث أبي هريرة أيضًا. وفيه: حض على الصدقة بالقليل، كما سلف. وإعطاء عائشة التمرة؛ لئلا ترد السائل خائبًا وهي تجد شيئًا. وروي أنها أعطت سائلًا حبة عنب، فجعل يتعجب، فقالت: كم ترى فيها من مثقال ذرة (٤). ومثله قوله - ﷺ - لأبي تميمة الهجيمي: «لا تحقرن شيئًا من المعروف، ولو أن تضع من دلوك في إناء المستقي» (٥)، وقسم المرأة التمرة بين ابنتيها لما جعل الله في قلوب الأمهات من الرحمة. وفيه: أن النفقة على البنات والسعي عليهن من أفضل أعمال البر المجنبة من النار. وكانت عائشة من أجود الناس، أعطت بني أخويها ----------------- (١) سلف برقم (١٤١٣). (٢) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٩٤ (٢٤٣٠) كتاب: الزكاة، باب: الأمر باتقاء النار -نعوذ بالله منها- بالصدقة وإن قلت. (٣) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٩٤ (٢٤٢٩). (٤) رواه مالك في «الموطأ» ص ٦١٦ كتاب: الصدقة، باب: الترغيب في الصدقة- بلاغًا، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٥٤ (٣٤٦٦)، وقال الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٥١٥): ضعيف موقوف. (٥) هذا الحديث مرسل؛ لأن أبا تميمة تابعي، والصواب حديث أبي تميمة الهجيمي عن جابر بن سليم قال: أتيت رسول الله .. الحديث، كما في «المسند» ٥/ ٦٣ - ٦٤، للاستزادة انظر: «الصحيحة» ٢/ ٣٩٩ (٧٧٠) و٣/ ٣٣٧ (١٣٥٢). ريعًا، أعطيت به مائة ألف درهم. وأعتقت في كفارة يمين أربعين رقبة (١). وقيل: فعلت ذلك في نذر مبهم، وكانت ترى أنها لم توف بما يلزمها. وأعانت المنكدر في كتابته بعشرة آلاف درهم (٢). وقوله: («مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هذِه البَنَاتِ بِشَيْءٍ») سماه ابتلاء لموضع الكراهة لهن كما أخبر ربنا ﷻ. --------------- (١) سيأتي برقم (٣٥٠٥) كتاب: المناقب، باب: مناقب قريش، و(٦٠٧٣) كتاب: الأدب، باب: الهجرة. (٢) رواه ابن الجعد في «مسنده» ص ٢٥٣ (١٦٧٣)، وابن سعد في «الطبقات» ٥/ ٢٨، والحاكم في «المستدرك» ٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧ كتاب: معرفة الصحابة. ١١ - باب أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفضَلُ؟ وَصَدَقَةُ الصَّحِيحِ الشَّحِيحِ كذا في أصل الدمياطي ومقابله باب فضل صدقة الصحيح الشحيح (١) وعلَّم عليه صح. وهو ما في شروحه ابن بطَّال (٢) وابن التين وغيرهما. ثم قال: لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] إلى خاتمتها. وَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] الآيَةَ. ١٤١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ». [٢٧٤٨ - مسلم: ١٠٣٢ - فتح: ٣/ ٢٨٤] ثم ذكر حديث أبي هريرة: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ». الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٣). --------------- (١) ورد بهامش الأصل: وكذا في نسختي، لكن فيها تقدم الشحيح على الصحيح. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤١٧. (٣) «صحيح مسلم» (١٠٣٢) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح. وسيأتي في الوصايا بزيادة: «وأنت صحيح حريص» (١) والخلة: الصداقة. وهذا اليوم هو يوم القيامة ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠]: فأزكى، ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]: أحج، قاله ابن عباس (٢). والشح مثلث الشين: البخل. قاله ابن سيده، قَالَ: والضم أعلى. وقال صاحب «الجامع»: أرى أن يكون الفتح في المصدر، والضم في الاسم. وفي «المنتهى» لأبي المعالي: وليس في الكلام فُعل بالضم وفِعل إلا هذا الحرف، وأحرف أُخر غيره. وقال الحربي: الشح ثلاثة وجوه: أحدها: أن تأخذ مال أخيك بغير حقه. قَالَ رجل لابن مسعود: ما أعطي ما أقدر على منعه. قَالَ: ذاك البخل، والشح: أن تأخذ مال أخيك بغير حقه (٣). وقَالَ رجل لابن عمر: إني شحيح. فقال: إن كان شحك لا يحملك على أن تأخذ ما ليس لك، فليس بشحك بأس. ثانيها: ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قَالَ: الشح: منع الزكاة وادخار الحرام. ثالثها: ما روي في هذا الحديث. ---------------- (١) سيأتي برقم (٢٧٤٨) باب: الصدقة عند الموت. (٢) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ١١٠ (٣٤١٨١). (٣) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٤١ - ٤٢ (٣٣٨٨٠)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ١/ ٣٣٤٦ - ٣٣٤٧ (١٨٨٥٥)، والطبراني ٩/ ٢١٨ (٩٠٦٠)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٤٩٠ كتاب: التفسير وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٧/ ٤٢٦ - ٤٢٧ (١٠٨٤١). قَالَ: والذي يبرِّئ من الوجوه الثلاثة ما روي: «برئ من الشح، من أدى الزكاة، وقرى الضيف، وأعطى في النائبة» (١). وقال في «المغيث»: الشح أبلغ في المنع من البخل، والبخل في أفراد الأمور وخواص الأشياء، والشح عام، وهو كالوصف اللازم من قبل الطبع والجبلة وقيل: البخل بالمال، والشح بالماء والمعروف. وقيل: الشحيح: البخيل مع التحرص. وفي «مجمع الغرائب»: الشح المطاع: هو البخل الشديد الذي يملك صاحبه بحيث لا يمكنه أن يخالف نفسه فيه. فقوله: («وأنت صحيح شحيح») أي؛ لأن أكثر الأصحاء يشحون ببعض ما في أيديهم من الفقر، ويأملون من الغنى. ففيه: أن أعمال البر كلها إذا صعبت كان أجرها أعظم؛ لأن الشحيح الصحيح إذا خشي الفقر وأمل الغنى صعبت عليه الصدقة، وسول له الشيطان طول العمر وحلول الفقر به. فمن تصدق في هذِه الحال فهو مؤثر ثواب الرب تعالى على هوى نفسه. وأما إذا تصدق عند خروج نفسه فيخشى عليه الفرار بميراثه، والجور في فعله. ولذلك قَالَ ميمون بن مهران حين قيل له: إن رقية امرأة هشام ماتت وأعتقت كل مملوك لها. فقال ميمون: يعصون الله في أموالهم مرتين. يبخلون بها وهي في أيديهم، فإذا صارت لغيرهم أسرفوا فيها (٢). -------------- (١) رواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢١٦١)، والطبراني (٤٠٩٦)، (٤٠٩٧)، كلاهما من طريق مجمع بن جارية، عن عمه خالد بن زيد مرسلًا. ووصله البيهقي في «الشعب» (١٠٨٤٢) من طريق مجمع، عن عمه، عن أنس بن مالك مرفوعًا. وانظر «السلسلة الضعيفة» (١٧٠٩). (٢) ذكره المزي في «تهذبب الكمال» ٢٩/ ٢٢٣، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٧٦. وقوله: («وتأمل الغنى») هو بضم الميم أي: تطمع. و(«تمهل») يجوز فيه ثلاثة أوجه: الفتح، والضم، والإسكان. وقوله: («حَتَّى إذا بلغت الحلقوم») أي: قاربت بلوغه. إذ لو بلغت حقيقة لم تصح وصية ولا شيء من تصرفاته بالاتفاق. وليس للروح ذكر ها هنا، لكن دل عليها الحال لقوله تعالى ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ (٨٣)﴾ يعني الحلق. قَالَ أبو عبيدة -كما نقله في «المخصص»: هو مجرى النفس والسعال من الجوف، ومنه مخرج البصاق والصوت (١). وفي «المحكم»: الحلقوم كالحلق، فعلوم عند الخليل، وفعلول عند غيره (٢). واحتج به من قَالَ: إن النفس جسد. وقد تقدم. وقوله: («وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ»): يريد به الوارث؛ لأنه لو شاء لم تجز الوصية. قاله الخطابي. يريد: (كان) بمعنى (صار). ولعله يريد: إذا جاوزت الثلث، أو كانت لوارث. وقيل: سبق القضاء به للموصى له. ويحتمل أن يكون المعنى أنه خرج عن تصرفه، وكمال ملكه، واستقلاله بما شاء من تصرفه. وليس له في الوصية كبير ثواب بالنسبة إلى صدقة الصحيح. ففي الحديث: «مثل الذي يعتق عند الموت، كالذي يهدي إذا شبع» (٣). --------------- (١) رواه أبو داود (٣٩٦٨) كتاب: العتق، باب: في فضل العتق في الصحة، والترمذي (٢١٢٣) كتاب: الوصايا، باب: ما جاء في الرجل يتصدق أو يعتق عند الموت، وأحمد ٥/ ١٩٧، وعبد الرزاق في «المصنف» ٩/ ١٥٧ (١٦٧٤٠) كتاب: المدبر، باب: العتق عند الموت. والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٢١٣ كتاب: العتق، والبيهقي في «سننه» ٤/ ١٩٠ كتاب: الزكاة، باب: فضل صدقة الصحيح الشحيح. و١٠/ ٢٧٣ كتاب: العتق، باب: فضل العتق في الصحة، والحديث ضعفه الألباني كما في «الضعيفة» (١٣٢٢). (٢) انظر «المحكم» ٤/ ٣٤. (٣) «المحكم» ٣/ ٣. - باب ١٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - قُلْنَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: «أَطْوَلُكُنَّ يَدًا». فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ. [مسلم: ٢٤٥٢ - فتح: ٣/ ٢٨٥] ذكر فيه حديث مسروق عن عائشة: أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاج النَّبِيِّ - ﷺ - أو أزواج النبي - ﷺ - قُلْنَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: «أَطوَلُكُنَّ يَدًا». فَأخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُول يَدِهَا بالصَّدَقَة، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ. الشرح: كذا هو ثابت في كل النسخ باب بغير ترجمة، وكذا هو في الشروح، وهو داخل في الباب الأول. وزعم ابن أبي أحد عشر أنه ذكره في باب فضل زينب وسودة. والمشهور أن أسرعهن لحوقًا به زينب بنت جحش، وكانت كثيرة الصدقة. قَالَ محمد بن عمر: هذا الحديث وهل في سودة، وإنما هو في زينب، وهي كانت أول نسائه لحوقًا به، وتوفيت في خلافة عمر (١)، وبقيت سودة إلى شوال سنة أربع وخمسين بالمدينة في خلافة معاوية (٢). --------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: سنة عشرين، وقال خليفة سنة ٢١، قاله النووي وغيره. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في «الكاشف»: توفيت في آخر خلافة عمر. قال النووي في «التهذيب»: وهذا قول الأكثرين، قال: وذكر محمد بن سعد عن الواقدي أنها توفيت في شوال سنة ٤٣ هـ خلافة معاوية بالمدينة، قال الواقدي: وهذا الثبت عندنا. وهو المثبت عندنا. وقد رواه مسلم على الصواب من حديث طلحة بن يحيى بن طلحة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة خالتها (١). وذكرت أنها زينب بنت جحش، وسبب طول يدها؛ أنها كانت تعمل وتتصدق. وقال ابن بطال: سقط من الحديث ذكر زينب؛ لأنه لا خلاف بين أهل الأثر والسير أن زينب أول من مات من زوجاته (٢). قَالَ عبد الرحمن بن أبزى: صليت مع عمر على زينب بنت جحش أم المؤمنين (٣). قلتُ: فهو إذًا غلط من بعض الرواة. والعجب أن البخاري لم ينبه عليه ولا من بعده، حَتَّى أن بعضهم فسَّره بأن لحوق سودة من أعلامِ النبوة. ويجوز أن يكون خطابه لمن كان حاضرًا عنده إذ ذاك من الزوجات، وأن سودة وعائشة كانتا ثم دون زينب. وفيه: الإنعام والإفضال، وأن الحكم للمعاني لا للألفاظ، -بخلاف أهل الظاهر- ألا ترى أن أزواجه سبق إليهن أنه أراد طول اليد التي هي الجارحة، فلما لم تتوف سودة التي كانت أطولهن يد الجارحة وتوفيت زينب قبلهن، علمن أنه لم يرد طول العضو وإنما أراد بذلك كثرة ----------------- (١) «صحيح مسلم» (٢٤٥٢) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: من فضائل زينب أم المؤمنين رضي الله عنها. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤١٨. (٣) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٨/ ١١٢، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٧/ ٢٤٩ (٣٥٧٥٣) كتاب: الأوائل، باب: أول ما فعل ومن فعله، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٩٩، والدارقطني في «العلل» ٢/ ١٧٨، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٣٧ كتاب: الجنائز، باب: ما يستدل به على أن أكثر الصحابة اجتمعوا على أربع ورأى بعضهم الزيادة منسوخة، وقال الألباني: في «أحكام الجنائز» ص ١٨٧: سنده صحيح. ![]()
__________________
|
|
#285
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 291 الى صـــ 310 الحلقة (285) الصدقة؛ لأن زينب هي التي كانت تحب الصدقة. واليد ها هنا: يدها للعطاء. وهو من مجاز الكلام. ومثله قول اليهود: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]. ١٢ - باب صَدَقَةِ العَلَانِيَةِ وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ إِلَي: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] [فتح ٣/ ٢٨٨]. اختلف في سبب نزول هذِه الآية: فروى مجاهد عن ابن عباس: أنها نزلت في علي بن أبي طالب، كان معه أربعة دراهم فأنفق بالليل درهمًا، وبالنهار درهمًا، وسرًا درهمًا، وعلانية درهمًا (١). وقال الأوزاعي: نزلت في الذين يرتبطون الخيل خاصة في سبيل الله ينفقون عليها بالليل والنهار (٢). وقال قتادة: نزلت في من أنقق ماله في سبيل الله؛ لقوله - ﷺ -: «إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يوم القيامة، إِلَّا مَنْ قَالَ بِالمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا -عن يمينه وعن شماله- وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» (٣) هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله الذي آفترض وارتضى في غير سرف ولا إملاق ولا تبذير ولا فساد (٤). ونقل الواحدي قول الأوزاعي عن جماعة غيره: أبي أمامة وأبي الدرداء ومكحول. قَالَ: والأوزاعي، عن رباح (٥). ورواه ابن غريب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا (٦)، ووافق مجاهد والكلبي الأول، زاد ------------ (١) رواه الواحدي في «أسباب نزول القرآن» ص ٩٤ - ٩٥ (١٨٠، ١٨١). (٢) المصدر السابق ص ٩٣ (١٧٥). (٣) سيأتي برقم (٦٦٣٨) كتاب: الإيمان والنذور، باب: كيف يمين النبي - ﷺ -، ورواه مسلم برقم (٩٩٠) كتاب: الزكاة، باب: تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة. (٤) رواه ابن جرير في «تفسيره» ٣/ ١٠١ (٦٣٣١). (٥) «أسباب النزول» ص ٩٣. (٦) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٧/ ٤٣٣، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٥/ = الكلبي: فقال له رسول الله - ﷺ -: «ما حملك على هذا؟» قَالَ: حملني أن أستوجب على الله الذي وعدني. فقال له: «ألا إن ذلك لك» فأنزل الله هذِه الآية (١). وفي «الكشاف»: نزلت في أبي بكر إذ أنفق أربعين ألف دينار عشرة آلاف سرًا، ومثلها جهرًا، ومثلها ليلًا، ومثلها نهارًا (٢). وقال الطبري عن آخرين: عني بها قوم أنفقوا في سبيل الله في غير إسراف ولا تقتير (٣). وهذا سلف. فروي عن ابن عباس أن قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] إلى قوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] كان هذا يعمل به قبل أن تنزل براءة، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات انتهت الصدقات إليها (٤). وقال قتادة: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ [البقرة: ٢٧١] كل مقبول إذا كانت النية صادقة، وصدقة السر أفضل. وذكر لنا أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وقاله أيضًا الربيع (٥). وعن ابن عباس: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، يقال: بسبعين ضعفًا. وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها، يقال: بخمسة وعشرين ضعفًا. وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها (٦). -------- = ١٥٨ (٢٦٩٦)، والطبراني ١٧/ ١٨٨ (٥٠٤)، والواحدي في «أسباب نزول القرآن» ص ٩٢ (١٧٥)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ٢٧، وقال: رواه الطبراني، وفيه مجاهيل. وقال الألباني: موضوع، وهذا إسناد هالك. انظر: «الضعيفة» ٧/ ٤٧٢ - ٤٧٣ (٣٤٧٥). (١) انظر: «أسباب نزول القرآن» ص ٩٥ (١٨٢). (٢) «الكشاف» ١/ ٢٨٣. (٣) «تفسير الطبري» ٣/ ١٠١ (٦٢٣١). (٤) «تفسير الطبري» (٦٢٣٢). (٥) «تفسير الطبري» ٣/ ٩٢ (٦١٩٣، ٦١٩٤). (٦) «تفسير الطبري» ٣/ ٩٣ (٦١٩٥). وقال سفيان: سوى الزكاة (١). وهذا قول كالإجماع. وقال آخرون: إنما عني بـ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ يعني: على أهل الكتابين من اليهود والنصارى ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾» قالوا: فأما من أعطى فقراء المسلمين من زكاة وصدقة وتطوع فإخفاؤه أفضل، ذكر ذلك يزيد بن أبي حبيب وقال: إنما أنزلت فيهم (٢). قَالَ الطبري: لم يخص الله صدقة دون صدقة، وذلك على العموم إلا ما كان من زكاة واجبة، فإن الواجب من الفرائض قد أجمع الجميع على أن الفضل في إعلانه، وإظهار سوى الزكاة التي ذكرنا اختلاف المختلفين فيها مع إجماع جميعهم على أنها واجبة، فحكمها في أن الفضل في أدائها علانية حكم سائر الفرائض غيرها (٣). وقال الحسن: إظهار الزكاة أفضل، وإخفاء التطوع أفضل. وعند الزجاج: كانت صدقة الزكاة سرًّا أيام رسول الله - ﷺ -، فأما اليوم فالظن يساء بمن لم يظهرها. وروى أبو الفضل الجوزي من حديث القاسم، عن أبي أمامة أن أبا ذر سأل رسول الله - ﷺ -: أي الصدقة أفضل؟ قَالَ: «سر إلى فقير أو جهد من مقل» (٤) ثم تلا: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾. ----------- (١) «تفسير الطبري» (٦١٩٦). (٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٩٣ (٦١٩٧). (٣) المرجع السابق. (٤) رواه أحمد ٥/ ٢٦٥ - ٢٦٦ مطولًا، والطبراني ٨/ ٢١٧ (٧٨٧١)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ١١٥، وقال: فيه علي بن يزيد، وفيه كلام. وضعفه الألباني كما في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٥٣١). وعن الشعبي: لما نزلت: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ جاء عمر بنصف ماله يحمله على رءوس الناس، وجاء أبو بكر بجميع ماله يكاد أن يخفيه من نفسه، فقال - ﷺ -: «ما تركت لأهلك؟» قَالَ: عدة الله وعدة رسوله (١). واعلم أن البخاري لم يذكر في الباب حديثًا، وكأنه -والله أعلم- اكتفي بما أسلفه في الصلاة من الأمر بالصدقة والمبادرة إليها. --------- (١) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٥٣٦ (٢٨٤٨). ١٣ - باب صَدَقَةِ السِّرِّ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ». وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. [فتح ٣/ ٢٨٨] الشرح: أما الآية الكريمة فقد سلف الكلام فيها في الباب قبله واضحًا، ومعنى أولها: ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ أي: إن تظهروا. وفي: ﴿نِعِمَّا﴾ قراءات، ليس هذا موضعها، ومعنى الإخفاء: السر. وأما هذا التعليق فقد أسنده فيما مضى في باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة (١). ويأتي قريبًا أيضًا (٢)، وتأولوا الإخفاء فيه على صدقة التطوع، وهو ضرب مثل في المبالغة في الإخفاء؛ لقرب الشمال من اليمين، وإنما أراد بذلك أن لو أراد أن لا يعلم من يكون على شماله من الناس ما تتصدق به يمينه لشدة استتاره، وهذا على المجاز كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ (٣) [يوسف: ٨٢]؛ لأن الشمال لا توصف بالعلم. وكافة العلماء على الإسرار في التطوع دون الفرض (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: في صدقاتكم من إخفائها وإعلانها، وفي غير ذلك من أموركم، ذو خبرة ---------- (١) سلف برقم (٦٦٠) كتاب: الأذان. (٢) سيأتي برقم (١٤٢٣) باب: الصدقة باليمين. (٣) سيأتي الكلام عن نفي المجاز عن القرآن في كتابه: التفسير. (٤) انظر: «المجموع» ٦/ ٢٣٦. وعلم لا يخفي عليه شيء، فهو محيط به محصٍ له حَتَّى يجازيهم بالقليل والكثير. فإن قلت (١): بداءة المصنف بالحديث ثم بالآية وكان الأولى عكسه. قلتُ: كأن -والله أعلم- أن الآية في الباب قبله نص فيه، فأشار إليها ثم أردفه بالأخرى. ---------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: لما كانت الآية في الباب قبله صريحة فيه وفي هذا الباب فكأنها مذكررة هنا لقوة الصراحة، وإذا كانت مُنزَّلة مَنْزِلة المذكورة فقد قدمها على الحديث، لكن يبقى عليه أن يقال: فلم قدم الحديث على الآية الأخرى، والحديث والآية متساويان في الدلالة؟. ١٤ - باب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ١٤٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَىْ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ. فَأُتِيَ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ». [مسلم: ١٠٢٢ - فتح: ٣/ ٢٩٠] ذكر فيه حديث أبي هريرة في الصدقةِ على السَّارِق والزانية والغنيِّ، بطوله. وقد أخرجه مسلم بزيادة: فقيل له: «أما صدقتَكَ فقد قُبِلَت» (١). وهو ظاهر في الحض على الاغتباط بالصدقات، وكان هذا الرجل فيمن كان قبلنا فجازاه بها وقبل ذلك منه كما سلف، نبه عليه ابن التين قَالَ: وقوله: «فأتي فقيل له». يحتمل أن يكون أخبره بذلك نبي، أو أخبر في نوم. قلتُ: قد جاء مصرحًا بالثاني. ففي «مستخرج أبي نعيم»: «فأتي في منامه فقِيْلَ له: إن الله -عز وجل- قد قَبل صَدَقَتَكَ». وجزم به المهلب فقال: يعني: أنه أُري في المنام، والرؤيا حق. ---------- (١) «صحيح مسلم» (١٠٢٢) كتاب: الزكاة، باب: أجر المتصدق وإن وقعت الصدقة في يد غير أهلها. وقوله: «فلعله أن يستعفف عن سرقته». (العل) من الله تعالى على معنى القطع والحتم. ودل ذلك أن صدقة الرجل على السارق والزانية والغني قد يقبلها الله تعالى، وقد صرح به كما سلف، لا سيما إذا كانت سببًا إلى ما يرضي الرب تعالى، فلا شك في فضلها وقبولها. وقوله: «فعلَّها أنْ تَسْتَعِفَّ عن زناها». قَالَ ابن التين: رويناه بالمد. وعند أبي ذر بالقصر، وهي لغة أهل الحجاز، والمد لأهل نجد. واختلف العلماء في الذي يعطي الفقير من الزكاة على ظاهر فقره ثم يتبين غناه، فقال الحسن البصري: إنها تجزئه. وهو قول أبي حنيفة ومحمد (١)، وقبلهما إبراهيم. قالوا: لأنه قد اجتهد وأعطى فقيرا عنده، وليس عليه غير الاجتهاد، وأيضًا فإن الصدقة إذا خرجت من مال المتصدق على نية الصدقة أنها جازئة عنه حيث وقعت ممن بسط إليها يدًا إذا كان مسلمًا بهذا الحديث، وقال أبو يوسف والثوري والحسن بن حي والشافعي: لا يجزئه؛ لأنه لم يضع الصدقة موضعها، وقد أخطأ في اجتهاده، كما لو نسي الماء في رحله وتيمم لصلاة لم تجزئه صلاته (٢). واختلف قول ابن القاسم: هل تجزئه أم لا (٣)؟ قَالَ ابن القصار: وقول مالك يدل على هذا؛ لأنه نص في كفارة اليمين: إن أطعم الأغنياء فإنه لا يجزئه، وإن كان قد اجتهد فالزكاة أولى. فأما الصدقةُ على السارِقِ والزَّانيةِ فإنَّ العلماءَ مُتفقون أنَّهما إذا كانا فقيرين فهما ممن تجوز له الزكاة. ----------- (١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٥٣. (٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ٥٠، «روضة الطالبين» ٢/ ٣٣٨، «المغني» ٤/ ١٢٧. (٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٥١، «عيون المجالس» ٢/ ٥٩٩. وفيه: وجوب الاعتبار والمنافسة في الخير كما سلف، وزعم بعضهم أن هذا كان في صدقة التطوع. وقوله: (تُصدق) روي بضم التاء وفتحها. ١٥ - باب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ ١٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا أَبُو الجُوَيْرِيَةِ، أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي، وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: وَاللهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ. فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ». [فتح: ٣/ ٢٩١] ذكر فيه حديث أبي الجويرية (خ، د، س) -بالجيم- حِطَّان بن خفاف الجرمي الكوفي أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ (خ، د) -وهو ابن الأخنس- حَدَّثَهُ وهما من أفراد البخاري (١) قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي، وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: والله مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ. فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ». الشرح: هذا الحديث من أفراده، وَمْعن هذا أدرك إمرة مروان. وهو ووالده وجده الأخْنس بدريون من الأفراد، فيما قاله يزيد بن أبي حبيب. وأما الصحابة فبيت الصديق فيه أربعة في نسق، وهو من الأفراد أيضًا. وقوله: (وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي) يريد: رسول الله - ﷺ -، وهذِه فضيلة، واتفق العلماء على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى الأبن ولا إلى ------------- (١) في هامش الأصل: أي عن مسلم. الأب إذا كانا ممن تلزم المزكي نفقتهما (١)؛ لأنها وقاية لماله، ولم يختلفوا أنه يجوز له أن يعطيهما ما شاء من صدقة تطوع أو غيرها. قالوا؛ وهذا الحديث في التطوع. وعن الشافعي: أنه يجوز للوالد الإعطاء إذا كان الولد غارمًا أو غازيًا، ويحمل حديث الباب عليه، وإذا كانا فقيرين وقلنا بعدم وجوب النفقة فلهما تناولها كالأجنبي. واختلفوا في دفع الزكاة إلى سائر الأقارب المحتاجين الذين لا تلزم نفقتهم، فروي عن ابن عباس أنه يجزئه، وهو قول عطاء والقاسم وسعيد بن المسيب وأبي حنيفة والثوري والشافعي وأحمد (٢)، وقالوا: هي لهم صدقة وصلة. وقال ابن المسيب: أولى الناس بزكاة مالي يتيم ومن كان مني (٣). وروى مطرف، عن مالك: أنه لا بأس أن يعطي قرابته من زكاته إذا لم يعط من يعول، وقال: رأيت مالكًا يعطي قرابته من زكاته. وهو قول أشهب (٤). وقال الحسن البصري وطاوس: لا يعطي قرابته من الزكاة شيئًا. وذكر ابن المواز عن مالك أنه كره أن يخص قرابته بزكاته وإن لم تلزمه نفقتهم (٥). ------------- (١) انظر: «الإجماع» لابن المنذر ص ١٤٢. (٢) انظر: «الأصل» ٢/ ١٤٨، «مختصر المزني» ١/ ٢٥٦، «المغني» ٤/ ٩٩. (٣) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٤١٢ (١٠٥٣٢). (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٤، ٢٩٥. (٥) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٤. وفيه: أن الابن يخاصم أباه، وليس بعقوق إذا كان ذلك في حق، على أن مالك قد كره ذلك ولم يجعله من باب البر. وفيه: أن ما خرج إلى الابن من مال الأب على وجه الصدقة أو الصلة أو الهبة لله تعالى وحازه الابن أنه لا رجوع للأب فيه، بخلاف الهبة التي للأب أن يقتصرها. أي: يرجع فيها. ولم يكن له أن يقتصر الصدقة، وكل هبة وعطية لله فليس له أن يقتصرها؛ لقوله - ﷺ -: «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» (١) وهذا مذهب مالك (٢)، وسيأتي مذهبنا في الرجوع في كتاب الهبة إن شاء الله. وقال ابن التين: يجوز دفع الفرض إليه بشرطين: أحدهما: أن يتولن غيره صرفها إليه. الثاني: أن لا يكون في عياله، فإن كان في عياله وقصد إعطاءه فروى مطرف عن مالك: لا ينبغي له أن يفعل، فإن فعل أساء ولا يضمن إن لم يقطع عن نفسه إنفاقه عليهم. قَالَ ابن حبيب: فإن قطع الإنفاق عن نفسه بذلك لم يجزئه، فإن لم يكن في عياله وتولى هو صرفها إليه. فاختلف قوله على ثلاث روايات: روى عنه ابن القاسم كراهية ذلك، وروى عنه مطرف جوازه، وروى عنه الواقدي: إن أفضل من وضعت فيه زكاتك أهل رحمك الذين لا تعول (٣). ------------- (١) سيأتي برقم (٢٥٨٩) كتاب: الهبة، باب: هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها. (٢) انظر: «المعونة» ٢/ ٥٠٣. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦. وقد قَالَ بعض أهل العلم: إن نفقة الولد الكبير تلزم أباه وإن بلغ صحيحًا. واحتج بظاهر حديث هند: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (١) فعلى قوله لا يجوز دفعها للولد على كل حال؛ لأن النفقة له لازمة بالشرع، وفي الحديث: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات» (٢) وصح: «الصَّدقة على غير ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَة» (٣) وممن قَالَ بإعطاء الأقارب ما لم يكونوا في عياله ابن عباس وابن المسيب وابن مسعود وسعيد بن جبير وإبراهيم والحسن وعطاء والضحاك وطاوس ومجاهد، حكاه في «المصنف» عنهم (٤)، وفي «مسند الدارمي» من حديث حكيم مرفوعًا: «أفْضل الصَّدقة على ذي الَرَّحمِ الكاشح» (٥). ------------- (١) سيأتي برقم (٢٢١١) كتاب: البيوع، باب: من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم … (٢) سبق برقم (١) كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -. (٣) رواه الترمذي (٦٥٨) مطولًا، كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في الصدقة على ذي القربى، وقال أبو عيسى: حديث سلمان حسن، والنسائي ٥/ ٩٢ كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على الأقارب، وابن ماجه (١٨٤٤) كتاب: الزكاة، باب: فضل الصدقة، وأحمد ٤/ ١٨، والدارمي ٢/ ١٠٤٦ (٧٢٢ - ١٧٢٣) كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على القرابة، والبيهقي ٤/ ١٧٤ كتاب: الزكاة، باب: الاختيار في أن يؤثر بزكاة فطره وزكاة ماله ذوي رحمه … وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٥٣١) و«ابن ماجه» (١٤٩٤). (٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٤١٢، ٤١٣ (١٠٥٣١ - ١٠٥٤٢). (٥) «مسند الدارمي» ٢/ ١٠٤٥ (١٧٢١) كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على القرابة. ١٦ - باب الصَّدَقَةِ بِاليَمِينِ ١٤٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». [انظر: ٦٦٠ - مسلم: ١٠٣١ - فتح: ٣/ ٢٩٢] ١٤٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الخُزَاعِىَّ - رضي الله عنه - يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا، فَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا مِنْكَ، فَأَمَّا اليَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا». [انظر: ١٤١١ - مسلم: ١٠١١ - فتح: ٣/ ٢٩٣] ذكر فيه حديث أبي هريرة: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ …» وقد سلف (١). وحديث حارثة بن وهب: «تصدقوا ..» السالف في باب الصدقة قبل الرد (٢). ولم يظهر لي وجه إيراده في الصدقة باليمين إلا أن يقال: إن قوله: «تصدقوا» يحمل على ما مدح فيه في الحديث الأول، وهو اليمين. ------------ (١) برقم (٦٦٠) كتاب: الأذان، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد. (٢) برقم (١٤١١) كتاب: الزكاة. قَالَ ابن التين هنا: وقوله: «يُظِلّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ» جاء في [الأثر] (١): أن الشمس تقرب من الخلائق يوم القيامة حَتَّى يبلغ الكافر في رشحه إلى أنصاف أذنيه، فيظل الله من يشاء في ظله. وقد سلف ما في ذلك مستوفي. وبدأ بالإمام العادل؛ لأن الله تعالى يصلح به أمر العباد في [نفي] (٢) الظلم، وإصلاح السبل، ودفع العدو، وغير ذلك. ويقال: للإمام مثل أجر من عمل بأمره وانتهى بنهيه ووعظه مع أجره، وليس أحد أقرب من الله منزلة منه بعد الأنبياء. وقال عثمان: الذي يزع بالإمام (٣) أكثر مما يزع يالقرآن. يعني: يكف. وإنما خص اليمين لأن الصدقة لما كانت لله استعمل فيها أشرف الأعضاء وأفضل الجوارح. وقد سلف أن إخفاء النوافل والتستر بها أفضل عند الله من إظهارها، بخلاف الفرائض. وهذا مثل ضربه - ﷺ - لإخفاء الصدقة لقرب الشمال من اليمين. وإنما أراد بذلك أن لو قدر على أن لا يعلم من يكون على شماله من الناس ما تصدقت به يمينه لشدة استتاره. وهذا على المجاز إذ لا يوصف بالعلم. وهذا قد سلف أيضًا. ----------- (١) في الأصل: الآية وهو خطأ. (٢) ساقطة من الأصل. (٣) وقع قبلها في الأصل: الإمام، وبيض مكانها في (م). ١٧ - باب مَنْ أَمَرَ خَادِمَهُ بِالصَّدَقَةِ وَلَمْ يُنَاوِلْ بِنَفْسِهِ وَقَالَ أَبُو مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «هُوَ أَحَدُ المُتَصَدِّقِينَ». [١٤٣٨] ١٤٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا». [١٤٣٧، ١٤٣٩، ١٤٤٠، ١٤٤١، ٢٠٦٥ - مسلم: ١٠٢٤ - فتح: ٣/ ٢١٣] ذكر فيه عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا». أما التعليق فيأتي مسندًا قريبًا (١). وحديث عائشة أخرجه مسلم (٢)، والأربعة (٣). ولما رواه الترمذي من حديث أبي وائل عن عائشة، وحسنه قَالَ: حديث أبي وائل عن مسروق أصح، فإنه لا يذكر في حديثه عن مسروق (٤). وقال الدارقطني: روي من حديث أبي وائل الأسود، وهو وهم، والصحيح عن أبي وائل عن عائشة. إذا تقرر ذلك، فكأن البخاري أراد بالترجمة معارضة ما روى ابن أبي ----------- (١) برقم (١٤٣٨) كتاب: الزكاة، باب: أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد. (٢) «صحيح مسلم» (١٠٢٤) كتاب: الزكاة، باب: أجر الخازن الأمين، والمرأة إذا تصدقت من بيت زوجها … (٣) أبو داود (١٦٨٥)، الترمذي (٦٧٢)، النسائي ٥/ ٦٥، ابن ماجه (٢٢٩٤). (٤) «سنن الترمذي» (٦٧١) كتاب: الزكاة، باب: في نفقة المرأة من بيت زوجها. شيبة، عن وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن عباس بن عبد الرحمن المدني قَالَ: خصلتان لم يكن النبي - ﷺ - يكلهما إلى أحد من أهله: كان يناول المسكين بيده، ويضع الطهور لنفسه (١). وكان الحسين يفعله (٢). وروى الجُوزي من حديث ابن عباس: كان النبي - ﷺ - لا يكل طهوره ولا صدقته التي يتصدق بها إلى أحد، يكون هو الذي يتولاهما بنفسه (٣). وفيه: كان ابن مكتوم إذا تصدق قام بنفسه. والترجمة تتخذ من قوله في الحديث: «وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ» والمراد: الخادم كما ستعلمه؛ لأن الخادم لا يجوز أن يتصدق من مال مولاه إلا بإذنه. وقوله: «أَحَدُ المُتَصَدَّقَيْنِ» هو بالتثنية. ذكر القرطبي أنه لم يُروَ إلا بالتثنية. ومعناه أنه بما فعل متصدق، والذي أخرج الصدقة بما أخرج متصدق آخر، فهما متصدقان. ويصح أن يقال على الجمع، ويكون معناه أنه متصدق من جملة المتصدقين (٤). وبنحوه ذكره ابن التين وغيره. وفي الباب أحاديث في إنفاق المرأة والمملوك: منها حديث أبي هريرة الآتي في البيوع «إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأةُ مِنْ كسْبِ زَوْجِهَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ» (٥). ----------- (١) «المصنف» ١/ ١٧٨ (٢٠٤٥) كتاب: الطهارات، باب: من كان يحب أن يلي طهوره بنفسه. (٢) رواه أحمد بن حنبل في «الزهد» ١/ ١٦٦. (٣) رواه ابن ماجه (٣٦٢) قال الألباني في «الضعيفة» (٤٢٥٠): ضعيف جدًا. (٤) «المفهم» ٣/ ٦٨. (٥) برقم (٢٠٦٦) باب: قول الله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. وفي أبي داود -بإسناد جيد- من حديث سعد: لَمَّا بَايَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النِّسَاءَ قَالت امْرَأَةٌ: يارسُولَ اللهِ إِنَّا كَلٌّ عَلَى آبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا وأزواجنا فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ. فَقَالَ: «الرَّطْبُ تَأكلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الرَّطْبُ: الخُبْزُ وَالبَقْلُ وَالرُّطَبُ. (١). قَالَ ابن المديني: سعد ليس بابن أبي وقاص، فهو مرسل. قلتُ: بل هو كما ذكره البزار وغيره. وفي مسلم من حديث عمير مولى آبي اللحم: أتصدق يا رسول الله من مال مولاي؟ قَالَ: «نعم، والأجرُ بينكُما نِصْفان» (٢). وللترمذي من حديث أبي أمامة الباهلي قَالَ: سمعت رسول الله - ﷺ - في خطبته عام حجة الوداع: «لا تنفق امرأةٌ شيئًا من بيت زوجها» قيل: يا رسول الله ولا الطعام؟ قال: «ذلك أفضل أموالنا» (٣) ولأبي داود من حديث أبي هريرة في المرأة تصدق من بيت زوجها (٤) قَالَ: لا إلا من قوتها ثم قَالَ: هذا يضعف رواية أبي هريرة (٥). ------------ (١) «سنن أبي داود» (١٦٨٦) كتاب: الزكاة، باب: المرأة تتصدق من بيت زوجها، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٣٠١) قائلًا: ضعيف لانقطاعه بين زياد وسعد وهو: ابن أبي وقاص. (٢) «صحيح مسلم» (١٠٢٥) كتاب: الزكاة، باب: ما أنفق العبد من مال مولاه. (٣) «سنن الترمذي» (٦٧٠) كتاب: الزكاة، باب: في نفقة المرأة من بيت زوجها، وقال: هذا حديث حسن. (٤) «سنن أبي داود» (١٦٨٨) كتاب: الزكاة، باب: المرأة تتصدق من بيت زوجها، قال أبو داود: هذا يضعف حديث همام، وصححه الألبانى في «صحيح أبي داود» برقم (١٤٨١) قائلًا: إسناده صحيح موقوف، وهو تفسير للمرفوع الذي قبله. (٥) يعني حديث «إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره» وسيأتي برقم (٢٠٦٦). وقال الشعبي لمملوك سأله؛ يكتسب ويتصدق: الأجر لمواليك (١). وقَالَ إبراهيم: لا بأس أن يتصدق العبد من الفضل. وقال الحسن: يتصدق من قوته بالشيء الذي لا يضر به. وقَالَ ابن جبير: يتصدق بثلاثة دراهم أو أربعة. وقال ابن المسيب: يتصدق من ماله بالصاع وشبهه (٢). وقال إبراهيم: بما دون الدرهم. وقال عمر وعلي: بالدرهم. زاد عمر: والرغيف. وعن الشعبي وخيثمة: لا يتصدق بما فوق الدرهم (٣). واختلف الناس في تأويل هذا الحديث على قولين كما قَالَ ابن العربي: فمنهم من قَالَ: إنه في اليسير الذي لا يؤبه إلى نقصانه، ولا يظهر. ومنهم من قَالَ: إذا أذن فيه الزوج، وهو اختيار البخاري. قَالَ: ويحتمل أن يكون محمولًا على العادة يوضحه قوله: «بطيب نفس» و«غَيْرَ مُفْسِدَةٍ»، وهو محمول على اليسير الذي لا يجحف به (٤)، فإن زاد على المتعارف لم يجز. وذكر الإطعام؛ لأنه يسمح به في العادة، بخلاف الدراهم والدنانير في حق أكثر الناس. وزعم بعضهم أن المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال، وغلمانه، ومصالحه، وكذا صدقتهم المأذون فيها عرفًا أو تصريحًا. وقال بعضهم: هذا على طريقة أهل الحجاز --------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٩١ (١٠٢٨١) كتاب: الزكاة، باب: من كره للعبد أن يتصدق بغير إذن مولاه. (٢) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ٢/ ٣٩٠ (١٠٢٦٥ - ١٠٢٦٨) كتاب: الزكاة، باب: في العبد يتصدق من رخص أن يفعل. (٣) السابق ٢/ ٣٩١ (١٠٢٧٠)، (١٠٢٧٢)، (١٠٢٧٥). (٤) «عارضة الأحوذي» ٣/ ١٧٧ - ١٧٨. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 15 ( الأعضاء 0 والزوار 15) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |