|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 91 الى صـــ 110 الحلقة (275) وقول عمر: (دعني أضرب عنقه). يعني: لما ادعى وظن أنه يجب عليه. وقوله - ﷺ -: («إِنْ يَكُنْ هُو»). هو الصحيح وفي رواية: «يَكُنْهُ». وهذا الضمير في «يكنه» هو خبرها، وقد وضع موضع المنفصل واسمها مستتر فيها. والمعنى: إن يكن هو الدجال الذي يقول: إنه رب فلن تسلط عليه؛ لأن له مدة سيبلغها، وإنما يقتله عيسى، ولابد أن ينفذ فيه القضاء. («وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُو فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ») يعني: لصغره، وهذا يدل على أنه - ﷺ - لم يتضح له شيء من أمره هل هو الدجال أم لا؟ ولعل الله تعالى قد علم في إخفائه مصلحة فأخفاه، وأوجب الإيمان بخروج الدجال الكذاب، وفي هذا دلالة على التئبت في أمر التهم، وأن لا تستباح الدماء إلا بيقين، ولا شك في أن ابن صياد من الدجاجلة، وأما احتجاجه بأنه مسلم والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال وقد ولد له، وبأن الدجال لا يدخل الحرمين وقد دخلهما، فغير واضح، وإن كان محمد بن جرير وغيره ذكروه في جملة الصحابة؛ لأنه - ﷺ - إنما أخبر عن صفات الدجال وقت فتنته وخروجه. ويؤكد أنه هو، أو دجال من الدجاجلة: قوله لرسول الله - ﷺ -: أتشهد أني رسول الله، وأنه يأتيه صادق وكاذب، وأنه يرى عرشًا، وأنه لا يكره أن يكون الدجال، وأنه يعرف موضعه الآن، ولا شك أن من رضي لنفسه دعوى الإلهية وحالة الدجال فهو كافر، وقد صرح به القرطبي (١).(١) «المفهم» ٧/ ٢٧٠. وقال الخطابي: اختلف السلف في أمره بعد كبره أي: هل هو الدجال أم لا؟ فروي عنه أنه تاب من ذلك القول، ومات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حَتَّى رآه الناس، وقيل لهم أشهدوا (١). وكان ابن عمر (٢) وجابر (٣) يحلفان أنه الدجال، وكذا أبو ذر (٤). فقيل لجابر: إنه أسلم قَالَ: وإن أسلم. فقيل: إنه دخل مكة وكان بالمدينة فقال: وإن دخل. قيل له: فإنه قد مات. قَالَ: وإن مات (٥). لكن في أبي داود عن جابر قَالَ: فقدنا ابن صياد يوم الحرة (٦)، وهو رد لمن قَالَ مات بالمدينة. وفي «مسلم»: حلف عمر عند رسول الله - ﷺ - أنه الدجال، فلم ينكره (٧). ------------- (١) «أعلام الحديث» ١/ ٧١٠ - ٧١١. (٢) رواه أبو داود (٤٣٣٠) كتاب: الملاحم، باب: في خبر ابن صائد. وأبو عوانة ١/ ١٣٠ (٣٨٧) كتاب: الإيمان، باب: إثبات خازن النار. وأبو نعيم في «المستخرج» ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨ (٤٢٩) كتاب: الإيمان، باب: ذكر ما أُري من صفات الأنبياء ونعوتهم. (٣) سيأتي برقم (٧٣٥٥) كتاب: الاعتصام، باب: من رأى ترك النكير من النبي - ﷺ - حجة لا من غير الرسول. (٤) أخرجه أحمد ٥/ ١٤٨، وابن شَبَّة في «أخبار المدينة» ٢/ ٤٠١ - ٤٠٢، والبزار ٩/ ٣٩٥ - ٣٩٦ (٣٩٨٣)، والطبراني في «الأوسط» ٨/ ٢٤٢ (٨٥٢٠)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٨/ ٢: رواه أحمد والبزار والطبراني في «الأوسط» ورجال أحمد رجال الصحيح غير الحارث بن حصيرة وهو ثقة. (٥) هو جزء من حديث رواه أبو داود (٤٣٢٨) باب خبر الجساسة. وضعف الألباني إسناده. (٦) «سنن أبي داود» (٤٣٣٢)، باب: في خبر ابن الصائد، وقال الألباني في «صحيح أبي داود»: صحيح الإسناد. (٧) «صحيح مسلم» (٢٩٢٩) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر ابن الصياد. وفي «الفتوح» لسيف: لما نزل النعمان على السوس أعياهم حصارها فقال لهم القسيسون: يا معشر العرب، إن مما عهد علماؤنا وأوائلنا أن لا يفتح السوس إلا الدجال، فإن كان فيكم فستفتحونها وإن لم يكن فيكم فلا قَالَ: وَصَافَّ ابن صياد في جند النعمان، فأتى باب السوس غضبانًا فدقه برجله. وقال: انفتح فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق وانفتح الباب فدخل الناس. قَالَ ابن التين: والأصح أنه ليس هو؛ لأن عينه لم تكن ممسوحة ولا عينه طافية، ولا وجدت فيه علامة. وقوله: (يختل أن يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه ابن صياد). أي: يطلب أن يأتيه من حيث لا يعلم فيسمع ما يقول في خلوته، وبهذه اللفظة ساغ للبخاري إدخال هذا الحديث في باب: شهادة المختبئ من الشهادات (١) -وهي بكسر التاء- أي: مستغفلا ليسمع من كلامه شيئًا ليعلم به حاله أهو كاهن أو ساحر، وهي في مذهب مالك جائزة إذا لم يكن المقر خائفًا ولا ضعيفًا ولا مختدعًا. وقوله: (وهو مضطجع في قطيفة). هي: كساء له خمل، والجمع قطائف، وقطف (٢). وفعله ذلك يحتمل أن يكون حين يأتيه شيطانه، وأن يفعله احتيالًا وكذبًا وتشبهًا مما فعله الشارع حين أتاه الوحي. وقوله: (له فيها رمزة أو زمرة. وقال شعيب في حديثه: فرضَّه رمرمة أو زمزمة (٣) وقال إسحاق وعقيل: رمرمة. وقال معمر: رمزة). وهذا ------------ (١) سيأتي برقم (٢٦٣٨) كتاب: الشهادات. (٢) انظر: «الصحاح» ٤/ ١٤١٧، «لسان العرب» ٦/ ٣٦٨١. (٣) سيأتي موصولًا برقم (٦١٧٣ - ٦١٧٤) كتاب: الأدب، باب: قول الرجل للرجل اخسأ. اختلاف وشك في ضبط ذلك. قَالَ صاحب «المطالع»: رمرمة أو رمزة كذا للبخاري. وعند أبي ذر زمرة. وقال شعيب: رمزة، وهذا خلاف ما أسلفناه عن البخاري. وعند بعض رواة مسلم: زمرة، وفي رواية شعيب: رمرمة أو زمزمة، وكذا هو في البخاري كما سلف، وكذا للنسفي قَالَ: ومعنى هذِه الألفاظ كلها متقارب. قَالَ الخطابي: الرمرمة: تحريك الشفتين بالكلام. قَالَ: فالمرمة: الشفة (١). وقال غيره: هو كلام العلوج، وهو صوت من الخياشم والحلق لا يتحرك فيه اللسان والشفتان. والرمزة: صوت خفي، كلام لا يفهم، وقد يقال له: الهينمة. وأما الزمرة -بتقديم الزاي- فمن داخل الفم. وقال صاحب «العين»: الزمزمة: أصوات العلوج عند الأكل (٢)، والزمزمة من الرعد ما لم يفصح، ولم يذكر ابن بطال سواه (٣). وقال عياض: جمهور رواة مسلم بالمعجمتين، وأنه في بعضها براء أولًا وزاي آخرًا وحذف الميم الثانية، وهو: صوت خفي لا يكاد يفهم أو لا يفهم (٤). وقوله: (فثار ابن صياد). أي: رجع عما كان متماديًا على قوله، كذا هو بخط الدمياطي فثار، وشرحه ابن التين على أنه فثاب بالباء، ثم قَالَ: وفي رواية أبي ذر: فثار، أي: وثب. وقوله: («لو تركته بيَّن») يقول لو وقف عليه من يتفهم كلامه لتبين من قوله ذلك الزمزمة، فيعرف ما يدعي من الكذب، إن كان الذي يقول في وقته ذلك هو الذي أظهر من دعواه أنه رسول الله. ------------ (١) «أعلام الحديث» ١/ ٧٠٨. (٢) «العين» ٧/ ٣٥٤. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٤٣. (٤) «إكمال المعلم» ٨/ ٤٦٨ - ٤٦٩. فصل: وأما حديث أنس في الغلام اليهودِي (١) فيأتي في الطب (٢)، وفيه عرض الإسلام على الصبي، كما ترجم له، وإنما دعاه إليه بحضرة أبيه؛ لأن الله تعالى أخذ عليه فرض التبليغ لعباده ولا يخافُ في الله لومة لائم، وتعذيب من لم يسلم إذا عقل الكفر، لقوله: («الحَمْدُ لله الذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ»). وأثر ابن عباس بعده فيه عبيد الله الراوي، عن ابن عباس، وهو ابن أبي يزيد. فصل: وأما قوله: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ ابن شِهَاب: يُصَلَّى عَلَى كُل مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى وإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ .. إلى قوله: وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَقْطٌ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ النبي - ﷺ -: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ ..» الحديث، وهذا منقطع؛ لأن الزهري لم يسمع من أبي هريرة شيئًا ولا أدركه، والبخاري لم يذكره للاحتجاج، إنما ذكر الزهري مسندًا بعلو، واعتماده على سنده الثاني عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وإن كان نازلًا فهو متصل بذلك، وكذا ذكره في ذكر أولاد المشركين، وفي سورة الروم من التفسير (٣). ----------- (١) بهامش الأصل: واسم الغلام عبد القدوس كذا أوله ابن بشكوال في «مبهماته». (٢) سيأتي برقم (٥٦٥٧) باب: عيادة المشرك. (٣) سيأتي قريبًا برقم (١٣٨٥) باب: ذكر أولاد المشركين، وبرقم (٤٧٧٥) باب: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. قَالَ أبو عمر: وروي من وجوهٍ صحاح ثابتة من حديث أبي هريرة وغيره (١). وقول ابن شهاب: (وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ). يريد لزنا، وهو قول جميع الفقهاء إلا قتادة فانفرد فقال: لا يصلى عليه (٢). وقوله: (يَدَّعِي أَبَوَاهُ الإِسْلَامَ أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً) وهو قول مالك وغيره أنه إن أسلم أبوه تبعه (٣). وقوله: (إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّيَ عَلَيْهِ) الاستهلال: الصياح والبكاء. وإذا استهل صلِّي عليه عندنا (٤) لحديث ابن عباس مرفوعًا: «إذا استهل السقط صلِّي عليه وورث» (٥). ورواه الترمذي من حديث جابر، وصوب وقفه (٦). ونقل ابن المنذر الإجماع على وجوب الصلاة على السقط (٧). وحكي عن سعيد بن جبير: لا يصلى عليه ما لم يبلغ (٨). ------------ (١) «التمهيد» ٦/ ٣٤٩. (٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٥٣٤ (٦٦١٣) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على ولد الزنا والمرجوم. (٣) انظر: «الاستذكار» ٨/ ٤٠٦. (٤) انظر: «البيان» ٣/ ٧٧. (٥) حديث ابن عباس رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٤٠٣، وابن عدي في «الكامل» ٥/ ٢٠، وذكره ابن حجر في «التلخيص الحبير» ٢/ ١١٤، وقال: وقواه ابن طاهر في «الذخيرة»، وذكره أيضًا في «الدراية» ١/ ٢٣٥، وقال: وإسناده حسن. أهـ، وللحديث شواهد عن جابر وأبي هريرة. (٦) «سنن الترمذي» (١٠٣٢) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في ترك الصلاة على الجنين حتى يستهل. (٧) انظر: «الأوسط» ٥/ ٤٠٣. (٨) روى ذلك ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٣/ ١١ (١١٥٩٨) كتاب: الجنائز، باب: من قال: لا يصلى على السقط حتى يستهل صارخًا. قَالَ ابن حزم: ورويناه أيضًا عن سويد بن غفلة (١). وعند المالكية لا يصلى عليه ما لم تعلم حياته بعد انفصاله بالصراخ وفي العطاس والحركة الكثيرة والرضاع اليسير، قولان للمالكية (٢). أما الرضاع المتحقق والحياة المعلومة بطول المكث فكالصراخ. وعن الليث وابن وهب وأبي حنيفة والشافعي: أن الحركة والرضاع والعطاس استهلال (٣). وعن بعض المالكية: أن البول والحدث حياة. وفي شرح «الهداية»: إذا استهل المولود سمي وغسل وصُلَّي عليه، وكذا إذا استهل ثم مات لحينه، فإن لم يستهل لا يغسل ولا يرث ولا يورث ولا يسمى. وعند الطحاوي: أن الجنين الميت يغسل ولم يحك خلافًا. وعن محمد في سقط استبان خلقه: يغسل ويكفن ويحنط ولا يصلى عليه. وقال أبو حنيفة: إذا خرج أكثر الولد صُلّي عليه، وإن خرج أقله لم يُصَلْ عليه. وعن ابن عمر، أنه يصلى عليه، وإن لم يستهل، وبه قَالَ ابن سيرين وابن المسيب (٤) وأحمد وإسحاق. وقال العبدري: إن كان له دون أربعة أشهر لم يُصَلْ عليه بلا خلاف، يعني بالإجماع، وإن كان له أربعة أشهر ولم يتحرك لم يصل عليه عند جمهور العلماء. ------------ (١) «المحلى» ٥/ ١٦٠. (٢) انظر: «مواهب الجليل» ٣/ ٧١. (٣) انظر: «بداع الصنائع» ١/ ٣١١، «النوادر والزيادات» ١/ ٥٩٧، «روضة الطالبين» ٢/ ١١٧. (٤) روى هذِه الآثار عبد الرزاق ٣/ ٥٣١ (٦٦٠٠ - ٦٦٠١) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الصغير والسقط وميراثه، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ١٠ - ١١ (١١٥٨٤، ١١٥٩١، ١١٥٩٤ - ١١٥٩٥) كتاب الجنائز، باب: من قال: يُصلى على السقط، وابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٤٠٣ - ٤٠٦. وقال أحمد وداود: يُصلَّى عليه (١). وقال ابن بطال: اتفق جمهور الفقهاء على أنه لا يُصَلّى عليه حَتَّى يستهل، قَالَ: وهو قول مالك والكوفيين والأوزاعي والشافعي، وهو الصواب؛ لأن من لم يَسْتهل لم تصح له حياة، ولا يقال فيه إنه ولد على الفطرة، وإنما سن الشارع الصلاة على من مات ممن تقدمت له حياة، لا من لم تصح له حياة (٢). فصل: وقولى: (»مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ .. «) الحديث. الفطرة في كلام العرب تنصرف على وجوه: منها: الجبلة، وزكاة الفطر، والخلقة يقال: فطر الله الخلق أي: خلقهم. وقيل: ابتداء الخلق المراد بالحديث. وهي في الشرع: الحالة التي خلقوا عليها من الإيمان. فالمعنى: على الفطرة التي خلق عليها من الإيمان. وقال الأوزاعي وغيره: تفسيره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قَالَ ابن المبارك: هذا لمن يكون مسلمًا يذهب إلى أنه مخصوص، فمعنى الحديث على هذا: يولد على العهد الذي أخذه عليه. وقيل: معناه يولد على الفطرة السلمية والطبع المتهيئ لقبول الدين لو تُرك. وقيل: على فطرة الله. وقال محمد بن الحسن: كان هذا في أول الإسلام قبل نزول الفرائض وأمر المسلمين بالجهاد (٣). قَالَ أبو عبيد: كأنه يذهب إلى أنه لو كان يولد على الفطرة ثم مات ---------------- (١) انظر:»المغني«٣/ ٤٥٨. (٢)»شرح ابن بطال«٣/ ٣٤٢. (٣) نقله عنه أبو عبيد في»غريب الحديث" ١/ ٢٢١. قبل أن يهوده أبواه لم يتوارثا؛ لأنه مسلم وهذا كافر (١)، وهذا ليس ببين لأن بنفس تمام الولادة يسري إليه هذا الحكم، ويرد عليه أيضًا أنه لا يجوز أن يكون منسوخًا؛ لأنه خبر ولا يكون كما قَالَ ابن المبارك، وإنما أشكل معنى الحديث؛ لأنهم تأولوا الفطرة بالإسلام، وإنما هي ابتداء الخلق. وقيل: نسخه قوله: «الله أعلمُ مما كانُوا عامِلين» (٢) وقيل: نسخه سبيهم مع آبائهم. وقال ابن عبد البر: اختلفوا في معناه، فقالت طائفة: ليس عامًا، ومعناه: إن كل من ولد على الفطرة، وكان له أبوان على غير الإسلام هوَّداه أو نصراه. قالوا: وليس المعنى أن جميع المولودين من بني آدم أجمعين مولودون على الفطرة بين الأبوين الكافرين، وكذلك من لم يولد عليها وكان أبواه مؤمنين حكم له بحكمهما في صغره، وإن كانا يهوديين فهو يهودي ويرثهما ويرثانه، وكذلك إن كانا نصرانيين أو مجوسيين حَتَّى يعبر عنه لسانه ويبلغ الحنث، فيكون له حكم نفسه حينئذ لا حكم أبويه، واحتج القائلون بهذِه المقالة بحديث أُبي بن كعب، قَالَ النبي - ﷺ -: «الغلام الذي قتله الخِضر طبعه الله يوم طبعه كافرًا» (٣). -----------(١) المصدر السابق. (٢) سيأتي برقم (١٣٨٤): باب: ما قيل في أولاد المشركين. (٣) رواه مسلم (٢٦٦١) كتاب: القدر، باب: معنى كل مولد يولد على الفطرة، وأبو داود (٤٧٠٥) كتاب: السنة، باب: في القدر، والطيالسي ١/ ٤٣٥ (٥٤٠)، وابن أبي عاصم في «السنة» ١/ ٨٥ - ٨٦، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٨/ ٤١٩ (٦٠٩٦) كتاب: التفسير، بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - مما قد اختلف القراءة فيه، والشاشي في «مسنده» ٣/ ٣٠٩ - ٣١٠ (١٤١٢ - ١٤١٣)، وابن حبان ١٤/ ١٠٨ (٦٢٢١): كتاب: التاريخ، باب: بدء الخلق، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» ٤/ ٦٦٥ (١٠٧٥). وبحديث أبي سعيد مرفوعًا: «ألا إن بني آدم خلقوا طبقات، فمنهم من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا ..» (١) إلى آخر الحديث بالقسمة الرباعية، ففيه وفي غلام الخضر ما يدل على أن قوله: «كل مولود» ليس على العموم، وأن المعنى فيه، أن كل مولود يولد على الفطرة وأبواه (يهوديان أو نصرانيان) (٢)، فإنهما يهودانه أو ينصرانه، ثم يصير عند بلوغه إلى ما يحكم به عليه، ودفعوا رواية من روى: «كل بني آدم يولد على الفطرة». قالوا: ولو صح هذا اللفظ ما كان فيه حجة؛ لأن الخصوص جائز دخوله على لفظة «كل» قَالَ تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ولم تدمر السماء والأرض وقال ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] ولم يفتح عليهم أبواب الرحمة. وذكروا في ذلك رواية الأوزاعي، عن الزهري، عن حميد، عن أبي هريرة: «كل مولودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ --------------- (١) حديث أبي سعيد جزء من حديث طويل رواه الترمذي (٢١٩١) كتاب: الفتن، باب: ما جاء ما أخبر النبي - ﷺ - أصحابه مما هو كائن إلى يوم القيامة، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحميدي ٢/ ١٧ (٧٦٩)، وأحمد ٣/ ١٩، وأبو يعلى ٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣ (١١٠١)، والحاكم ٤/ ٥٠٥ - ٥٠٦ وقال: تفرد بهذِه السياقة علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة، والشيخان لم يحتجا بعلي بن زيد وقال الذهبي: ابن جدعان صالح الحديث. اهـ. والحديث رواه أيضًا البيهقي في»الشعب«٦/ ٣٠٩ - ٣١٠ (٨٢٨٩) باب: في حسن الخلق، والبغوي في»شرح السنة«١٤/ ٢٣٩ - ٢٤٢ (٤٠٣٩) باب: في التجافي عن الدنيا، وقال: هذا حديث حسن، وقال الألباني: إسناده ضعيف.»مشكاة المصابيح«٣/ ١٤٢٤ (٥١٤٥)، وقال أيضًا في»ضعيف الترمذي«: ضعيف لكن بعض فقراته صحيح، وانظر»الضعيفة" (٢٩٢٧). (٢) في الأصل: (يهودان أو ينصران)، والمثبت هو الموافق للسياق. أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» (١). قَالَ الأوزاعي: وذلك بقضاء. وفي حديث معمر: «كما تنتج البهيمةُ بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها مِنْ جدعاء». يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٢) [الروم: ٣٠] ولم يختلف في هذا اللفظ عن معمر، وكذا حديث سمرة في الرؤيا عن النبي - ﷺ -: «كلُّ مَوْلودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ» هذا لفظه. وفي حديث أبي رجاء، عن سمرة: «وأمَّا الرجلُ الطويل الذي في الرَّوضةِ فإنَّه إبراهيم، وأمَّا الوِلدَان الذين حوله فكل مَوْلودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» (٣). وقال آخرون: المعنى في كل ذلك: كل مولود من بني آدم، فهو يولد على الفطرة أبدًا، وأبواه يحكم له بحكمهما، وإن كان ولد على الفطرة حَتَّى يكون ممن يعبر عنه لسانه، يدل على ذلك رواية من روى: «كلُّ بني آدمَ يُولد على الفطرةِ». وحق الكلام أن يحمل على عمومه، وحديث أبي هريرة مرفوعًا: «الله أعلمُ مما كانوا عامِلين» وروى أبو سلمة عنه مرفوعًا: «ما من مَوْلودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» ثم قرأ: الآية ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ الآية [الروم: ٣٠] وبنحوه رواه الليث عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة. وذكر حديث إبراهيم والوِلْدَان من حوله: أولاد الناس، قالوا: --------- (١) رواها ابن حبان ١/ ٣٣٦ (١٢٨) كتاب: الإيمان، باب: الفطرة، والبيهقي ٦/ ٢٠٣ كتاب: اللقطة، باب: الولد يتبع أبويه في الكفر، والذهلي في «الزهريات» كما ذكره ابن حجر في «الفتح» ٣/ ٢٤٨. (٢) رواه مسلم (٢٦٥٨) كتاب: القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة، وأحمد ٢/ ٢٧٥، وعبد الرزاق ١١/ ١١٩ - ١٢٠ (٢٠٠٨٧) كتاب: الجامع، باب: القدر، وابن حبان ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩ (١٣٠) كتاب: الإيمان، باب: الفطرة. (٣) سيأتي برقم (٧٠٤٧) كتاب: التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح. فهذِه الأحاديث تدل ألفاظها على أن المعنى: الجميع يولدون على الفطرة (١). انتهى. أما حديث أبي سعيد: ففيه ابن جدعان، وهو ضعيف ثم لا معارضة بينه وبين من قَالَ بالعموم؛ لأنه من ولد مؤمنًا وعاش عليه ومات عليه، وكذا عكسه وما أشبهه كله راجع إلى علم الله تعالى، فإنه قد يولد الولد بين مؤمنين، والعياذ بالله يكون سبق في علم الله تعالى غير ذلك، وكذا من ولد بين كافرين، وإلى هذا أيضًا يرجع غلام الخضر. قَالَ أبو عمر: وقد اختلف العلماء في هذِه الفطرة، فذكر أبو عبيد أنه سأل محمد بن الحسن عن معنى هذا الحديث، فما أجابه بأكثر من أن قَالَ: هذا القول من رسول الله - ﷺ -، قبل أن يؤمر الناس بالجهاد. كأنه حاد عن الجواب إما لإشكاله أو لكراهة الخوض فيه. وقوله: قبل أن يؤمر الناس بالجهاد غير جيد؛ لأن في حديث الحسن عن الأسود بن سريع بيان أن ذلك كان بعد الجهاد وهو قوله: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «ما بال قوم بلغوا في القتل إلى الذرية، إنه ليس من مولود إلا وهو يولد على الفطرة فيعبر عنه لسانه» (٢) وهو حديث بصري صحيح (٣). ------------ (١) «التمهيد» ٦/ ٣٥٠ - ٣٥٣. (٢) رواه النسائي في «الكبرى» ٥/ ١٨٤ (٨٦١٦) كتاب: السير، باب: النهي عن قتل ذراري المشركين، وأحمد ٣/ ٤٣٥، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٢/ ٣٧٥ (١١٦٠)، والطبراني في «الكبير» ١/ ٢٨٤ (٨٢٩، ٨٣٢)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ١٢٣ كتاب: الجهاد، والبيهقي في «السنن» ٩/ ٧٧ كتاب: السير، باب: النهي عن قصد النساء والولدان بالقتل، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٥/ ٣١٦: رواه أحمد والطبراني، وبعض أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح. (٣) «التمهيد» ٦/ ٣٥٣ - ٣٥٥. وقال أبو نعيم: مشهور ثابت (١). قلتُ: فيه نظر؛ لأن ابن معين وجماعة أنكروا سماع الحسن من الأسود. وأخرجه ابن حبان في «صحيحه»: «ما مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا عَلَى فِطْرَةِ الإسلام حتى يعرب» (٢). وقال أبو حاتم: يريد الفطرة التي يعهدها أهل الإسلام، حيث أخرج الخلق من صلب آدم، فأقروا له بتلك الفطرة من الإسلام، فنسبت الفطرة إلى الإسلام عند الاعتقاد، على سبيل المجاورة (٣). وروى عوف الأعرابي، عن أبي رجاء عن سمرة عن النبي - ﷺ -: «كلّ مَوْلودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» فناداه الناس يا رسول الله وأولاد المشركين فقال رسول الله - ﷺ -: «وأولاد المشركين». وقال ابن المبارك: تفسيره: «الله أعلم مما كانوا عاملين». وقالت جماعة: الفطرة هنا: الخلقة التي يخلق عليها المولود من المعرفة، فكأنه قَالَ كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه جَلَّ وعَزَّ إذا كبر وبلغ المعرفة، يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك. قَالَ: وأنكروا أن يكون المولود يُفْطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار وإنما يولد على السلامة في الأغلب خلقة وطبعًا، وبنية ليس فيها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة، ثم يعتقدون الإيمان أو غيره إذا ميزوا. واحتجوا بقوله: «كمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ» يعني: سالمة. ------------ (١) «حلية الأولياء» ٨/ ٢٦٣. (٢) «صحيح ابن حبان» ١/ ٣٤١ (١٣٢) كتاب: الإيمان، باب: الفطرة. (٣) «صحيح ابن حبان» ١/ ٣٤٢. «هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ». يعني: مقطوعة الأذن. فمثَّل قلوب بني آدم بالبهائم؛ لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقص ثم تجدع، فكذا يكون الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر حينئذ ولا إيمان ولا معرفة ولا إنكار مثل البهائم السالمة، فلما بلغوا استهواهم الشيطان فكفر أكثرهم إلا من عصم الله. قالوا: ولو كان الأطفال قد فطروا على الكفر أو الإيمان في أول أمرهم فما انقلبوا عنه أبدًا، وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون، ويستحيل أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل شيئًا؛ لأن الله تعالى أخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئًا، فمن لا يعلم شيئًا استحال منه كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار. قَالَ أبو عمر: وهذا القول أصح ما قيل في معنى الفطرة هنا، وذلك أن الفطرة: السلامة والاستقامة بدليل حديث عياض بن حمار، قَالَ رسول الله - ﷺ -: «قَالَ الله تبارك وتعالى: إني خلقت عبادي حنفاء» (١) أي: على استقامة وسلامة، والحنيف في كلام العرب: المستقيم السالم (٢). وذكر الباقلاني في نقض كتاب «العمد» للجاحظ، أن المراد: أن كل مولود يولد في دار الإسلام فحكمه حكم الدار، وأنه لاحق بكونه مولودًا موجودًا بأحكام المسلمين في تولي أمره ووجوب الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين، ومنعه من اعتقاد غير ---------------- (١) رواه مسلم (٢٨٦٥) كتاب: الجنة والنار، باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، وأحمد ٤/ ١٦٢، الطبراني في «الكبير» ١٧/ ٣٦١ - ٣٦٢ (٩٩٥)، وفي «الأوسط» ٣/ ٢٠٦ (٢٩٣٣)، البيهقي ٩/ ٢٠ كتاب: السير، باب: أصل فرض الجهاد. (٢) انظر: «التمهيد» ٦/ ٣٥٤ - ٣٥٦. الإسلام إذا بلغ. وقال آخرون: الفطرة هنا: الإسلام، وهو المعروف عند السلف من أهل العلم بالتأويل، فإنهم أجمعوا في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]. قالوا: هي دين الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة اقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ الآية. وبحديث عياض السالف. وبقوله - ﷺ -: «خمس من الفطرة» فذكر قص الشارب والاختتان وذلك من سنن الإسلام، وإليه ذهب أبو هريرة وعكرمة والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة والزهري، وعلى هذا معنى قوله: «بهيمة جمعاء» يقول: خلق الطفل سليمًا من الكفر مؤمنًا مسلمًا على الميثاق الذي أخذ على الذرية ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قَالَ: ويستحيل أن يكون على الفطرة هنا الإسلام؛ لأن الإسلام والإيمان: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وهذا معدوم في الطفل. وقال آخرون: معنى الفطرة هنا: البداءة التي ابتدأهم عليها أي: على ما فطر الله تعالى عليه خلقه من أنه ابتدأهم للمحيا والموت والسعادة والشقاوة، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من [ميولهم عن] (١) آبائهم واعتقادهم، وذلك ما فطرهم عليه مما لا بد من مصيرهم إليه، وكأنه قَالَ: كل مولود يولد على ما ابتدأه الله عليه. واحتجوا بما رواه مجاهد، عن ابن عباس قَالَ: لم أدر ما ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ١] حَتَّى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، فقَالَ: أحدهما أنا فطرتها أي: ابتدأتها (٢). --------------------- (١) زيادة يقتضيها السياق، أثبتناها من «التمهيد» ٦/ ٣٦٠. (٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٥/ ١٥٨ (١٣١١٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٢/ ٢٥٨ (١٦٨٢) باب: في طلب العلم، وابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٣٦٠. وقال محمد بن نصر المروزي، وهذا المذهب شبيه بما حكاه أبو عبيد، عن ابن المبارك قَالَ: وقد كان أحمد يذهب إلى هذا القول ثم تركه، ومذهب مالك نحو هذا. وقال آخرون: معناه أن الله فطرهم على الإنكار والمعرفة وعلى الكفر والإيمان، فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ قالوا جميعًا: ﴿بَلَى﴾. وأما أهل السعادة فقالوا جميعًا: بلى على معرفة له طوعًا من قلوبهم، وأما أهل الشقاوة فقالوا: بلى، كرهًا لا طوعًا. تصديق ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] وكذا قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩، ٣٠]. قَالَ المروزي: وسمعت ابن راهويه يذهب إلى هذا، واستدل بقول أبي هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣] الآية. قَالَ إسحاق: لا تبديل لخلقته التي جبل عليها بني آدم كلهم من الكفر والإيمان والمعرفة والإنكار. واحتج أيضًا بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية. قَالَ إسحاق: أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد. واحتج بحديث أبي بن كعب يرفعه في غلام الخضر فكان الظاهر ما قَالَ موسى: (أقتلت نفسًا زاكية) (١) [الكهف: ٧٤]، فأعلم الله الخضر ما كان الغلام عليه من الفطرة التي فطره عليها وهي الكفر. وكان ابن عباس يقرأ. (وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين) [الكهف: ٨٠]. ---------- (١) قراءة: أبي جعفر، ونافع، ورويس عن يعقوب، وأبي عمرو. «الكوكب الدري» ص ٤٨١. قَالَ إسحاق: فلو ترك الشارع ولم يبين لهم حكم الأطفال، لم يعرفوا المؤمن منهم من الكافر؛ لأنهم لا يدرون ما جبل كل واحد منهم عليه حين أخرج من ظهر آدم، فبين لهم حكم الطفل في الدنيا فقال: «أبواه يهودانه أو ينصرانه» يقول: إنهم لا يعرفون ما طبع عليه في الفطرة الأولى، ولكن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه، فأعرفوا ذلك بالأبوين، فمن كان صغيرًا بين أبوين مسلمين التحق بحكمهما. واحتج أيضًا بحديث عائشة حين مات صبي من الأنصار بين أبوين مسلمين فقالت عائشة: طوبى له عصفور من عصافير الجنة. فرد عليها رسول الله - ﷺ - فقال: «مه يا عائشة، وما يدريك؟ إن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وخلق النار وخلق لها أهلًا» (١). قَالَ إسحاق: فهذا الأصل الذي نعتمده ويعتمد عليه أهل العلم. قَالَ أبو عمر: وقول إسحاق: إن الفطرة المعرفة (٢)، فلا يخلو من أن يكون أراد بقوله أن الله تعالى خلق الأطفال وأخرجهم من بطون أمهاتهم؛ ليعرف منهم العارف ويعترف فيؤمن، وينكر منهم المنكر ما يعرف فيكفر، وذلك كله قد سبق به لهم قضاء الله وتقدم فيه علمه، ثم يصيرون إليه، فتصح منهم المعرفة والإيمان والكفر والجحود، وذلك عند التمييز والإدراك. فذلك ما قلنا، أو أراد أن الطفل يولد عارفًا مقرًا مؤمنًا أو عارفًا جاحدًا منكرًا كافرًا في حين ولادته، فهذا ما يكذبه العيان والعقل، ولا أعلم أصح من الذي بدأنا به. ------------- (١) رواه مسلم (٢٦٦٢) كتاب: القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة، وأبو داود (٤٧١٣) كتاب: السنة، باب: في ذراري المشركين، والنسائي ٤/ ٥٧ كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الصبيان، وابن ماجة (٨٢) في المقدمة، باب: في القدر، وأحمد ٦/ ٢٠٨. (٢) كذا بالأصل، وتتمة قول إسحاق: والإنكار والكفر والإيمان، «التمهيد» ٦/ ٣٦٥. وقول إسحاق في هذا الباب لا يرضاه حذاق الفقهاء من أهل السنة، وإنما هو قول المجبرة. وقال آخرون: معناها ما أخذه الله تعالى من الميثاق على الذرية، فأقروا جميعًا له بالربوبية عن معرفة منهم به، ثم أخرجهم من أصلاب آبائهم مطبوعين على تلك المعرفة وذلك الإقرار، قالوا: وليست تلك المعرفة والإقرار بإيمان، ولكنه إقرار من الطبيعة للرب فطرة ألزمها قلوبهم، ثم أرسل إليهم الرسل فدعوهم إلى الاعتراف له بالربوبية والخشوع تصديقًا لما جاءت به الرسل، فمنهم من أنكر وجحد بعد المعرفة وهو به عارف؛ لأنه لم يكن الله ليدعو خلقه إلى الإيمان بما لا يعرفون، وتصديق ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. وقال آخرون: الفطرة: ما يقلِّب الله قلوب الخلق إليه بما يريد ويشاء، واحتجوا بحديث أبي سعيد السالف: «إن بني آدم خلقوا على طبقات»، فالفطرة عند هؤلاء ما قضاه الله وقدره لعباده من أول أحوالهم إلى آخرها، كل ذلك عندهم فطرة. قَالَ أبو عمر: وهذا القول وإن كان صحيحًا في الأصل، فإنه أضعف الأقاويل من جهة اللغة في معنى الفطرة (١). فصل: وقوله: («فَأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ويُنصَّرَانِهِ ويُمَجَّسَانِهِ»). يريد أنهما يعلمانه ما هما عليه ويصرفانه عن الفطرة، ويحتمل أن يكون المراد: يرغبانه في ذلك، أو أن كونه تبعًا لهما في الدين بولادته على فراشهما، يوجب أن --------------- (١) «التمهيد» ٦/ ٣٥٧ - ٣٦٠، ٣٦٢ - ٣٦٨. يكون حكمه حكمهما ويستن بسنتهما، ويعقدان له الذمة بعقدهما، ولم يرد أنهما يجعلانه ذلك، وظاهر الحديث: كونه تبعًا لهما، وإن اختلفت أديانهما. وقوله: («كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ»). يريد سالمة من العيوب، ونصب بهيمة على المعنى؛ لأن المعنى: تنتج البهيمة بهيمة أي: تلد بهيمة فهي مفعولة لتلد. يقال: نُتجت الناقة بضم النون ونتجها أهلها. وقوله: («هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ»). «تُحِسُّونَ» -بضم التاء من الإحساس- وهو العلم بالشيء. وقوله: («مِنْ جَدْعَاءَ»). يريد لا جدع فيها من أصل الخلقة، إنما يجدعها أهلها بعد ذلك، أي: يسمونها في الآذان أو غيرها، كذلك المولود يولد على الفطرة ثم يغيره أبواه فيهودانه وينصرانه وذلك كله بقدر الله. فصل: وفي حديث ابن صياد من الفقه: جواز التجسس على من يخشى منه فساد الدين والدنيا، وهذا الحديث يبين أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢]، ليس على العموم، وإنما المراد به عن التجسس على من لم يخش القدح في الدين، ولم يضمر الغل للمسلمين واستتر بقبائحه، فهذا الذي ترجى له التوبة والإنابة، وأما من خشي منه مثل ما خشي من ابن صياد ومن كعب بن الأشرف وأشباههما ممن كان يضمر الفتك لأهل الإسلام فجائز التجسس عليه، وإعمال الحيلة في أمره إذا خشي. وقد ترجم له في الجهاد باب ما يجوز من الاحتيال والحذر على من تخشى معرته. كما سلف. وفيه: أيضًا أن للإمام أو الرئيس أن يعمل نفسه في أمور الدين ومصالح المسلمين، وإن كان له من يقوم في ذلك مقامه. وفيه: أن للإمام أن يهتم بصغار الأمور ويبحث عنها خشية ما يئول منها من الفساد. وفيه: أنه يجب التثبت في أهل التهم، وأن لا تستباح الدماء إلا بيقين لقوله: «وإنْ لم يكن هُو فلا خيرَ لكَ في قتلِهِ». وفيه: أن للإمام أن يصبر ويعفو إذا خفي عليه أو قوبل بما لا ينبغي لقول ابن صياد لنبينا - ﷺ -: (أشهد أنك نبي الأميين). ولم يعاقبه. وفيه: أن للعالم والرئيس أن يكلم الكاهن والمنجم على سبيل الاختبار لما عندهم والعيب لما يدعونه والإبطال لما ينتحلونه. ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 6 ( الأعضاء 0 والزوار 6) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |