|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#61
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة… فضل ترديد الأذان
تمرّ على الإنسان نفحاتٌ ربانية عظيمة دون أن يشعر بقيمتها، أو يدرك ما أودع الله فيها من الأجور والكرامات، ومن أعظم هذه النفحات نداءٌ يتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، تسمعه الآذان، وتغفل عنه القلوب إلا من رحم الله، نداءٌ لو أدرك المسلم معناه، وقام بحقه، لكان له بابًا واسعًا للمغفرة، وسببًا لنيل الشفاعة، ومفتاحًا لإجابة الدعاء، وطريقًا موصلًا إلى جنات النعيم، إنه الأذان؛ ذلك النداء المبارك الذي تتنزل معه الرحمات، وتُفتح به أبواب الخير لمن أحسن الاستجابة. إنه عملٌ واحدٌ يسيرٌ في ظاهره، عظيمٌ في أثره، من أدركه وقام بحقه نال به أربع كرامات جليلة:
اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#62
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة ..الغيرة على التوحيد لا مقامَ في قلب المؤمن أعظم ولا أقدس من مقام الله -سبحانه وتعالى-؛ فهو أصل الإيمان، ومحور الولاء والبراء، وميزان الصدق مع الله -تعالى- ومن تعظيم هذا المقام أن تغار له القلوب، وأن تتحرك الجوارح إذا مُسَّ جناب التوحيد بشرك أو افتراء؛ فالمؤمن الصادق يغضب لانتهاك حق الله غضبًا يفوق غضبه لنفسه وأهله؛ إذ كيف يطمئن قلبٌ يُسبّ فيه ربُّه ولا يتحرك؟! وإن ضعف الغيرة على التوحيد دليل خلل في الإيمان، ونقص في تعظيم الله -تعالى-. وقد جسّد الصحابة -رضي الله عنهم- أسمى صور التعظيم لله، فكانوا يتلقون القرآن بقلوب واعية، ويتدبرون آياته، ويقفون عند معانيه وقوف الخائف المتأمل، ومن ذلك ما رُوي عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، حين بكى عند تلاوته آيات أصحاب السبت، {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} (الأعراف)، متأثرًا بذكر نجاة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وخشيته من حال من سكت واكتفى بنفسه، وهذا يدل على شدة خوفهم من التفريط في واجب الإنكار، وحرصهم على سلامة مواقفهم أمام الله. فإذا كان هذا حالهم مع آياتٍ تُتلى، فكيف بحالنا اليوم، وقد ظهرت مقالات الشرك علنًا، وتداولت وسائل الإعلام ومواقع التواصل أقوالًا تُنسب إلى الله -تعالى- زورًا وبهتانًا؟! وقد نزّه الله نفسه عن ذلك بأوضح بيان في سورة الإخلاص، فقال: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}، ومع هذا البيان الجلي، تتكرر الدعاوى الباطلة التي تهتز لها السماوات والأرض، كما قال -تعالى-: {لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا}. وأمام هذا الواقع، فإن أدنى مراتب الإيمان الإنكار بالقلب، ثم يأتي بعد ذلك البراءة من الباطل، وإظهار التوحيد، ونشر الحق بالحكمة والثبات، وردّ الشبهات بالبيان، ولا ينبغي للمؤمن أن يملّ من الإنكار ما دام حيًّا، بل عليه أن يُظهر ولاءه لله -تعالى-، وأن تكون غيرته على التوحيد أعظم من غيرته على نفسه وأهله. وقد علّمنا النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك عمليًا؛ ففي يوم أُحد، حين صاح المشركون: «اعلُ هُبل»، أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يردوا قائلين: «الله أعلى وأجل»، رغم الجراح والهزيمة، ليبقى التوحيد عاليًا لا يُسكت عنه في حال قوة ولا ضعف. فالتوحيد هو حصن الأمة، وسرّ أمنها وثباتها، وبه يتحقق وعد الله بالأمن والهداية، كما قال -تعالى-: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ}. والحرب على التوحيد قديمة مستمرة، ولن تنتهي إلا بثبات أهل الإيمان على توحيد ربهم، وصدقهم في نصرته، قولًا وعملًا. اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#63
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة .. التوسّط والاعتدال
التوسّط في كل شيء هو عينُ الاعتدال، وهو العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، وهو المنهج الذي ارتضاه الله لعباده في شؤون دينهم ودنياهم؛ ولذا جاءت الشريعة الإسلامية قائمةً على هذا الأصل العظيم، لا غلوَّ فيها ولا تفريط، ولا تشديدَ يُفضي إلى العنت، ولا تسيُّبَ يُفضي إلى الضياع، وقد قرر القرآن الكريم هذا المبدأ تقريرًا واضحًا، فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} (البقرة: 143)، فكانت وسطية الأمة سِمَةً جامعة، تشمل الاعتقاد، والعبادة، والسلوك، والمعاملة. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُجسِّد هذا المعنى عمليًا في سنته، ويغرسه في نفوس أصحابه، حتى في أبواب العبادة والطاعة؛ فعندما رأى حبلًا ممدودًا في المسجد، فقيل له: إنه لزينب -رضي الله عنها-، إذا فترت أو كسلت تعلقت به، قال -صلى الله عليه وسلم -: «حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ»، فدلّ ذلك على أن العبادة ليست تعذيبًا للجسد، ولا تحميلًا للنفس ما لا تطيق، وإنما هي قربٌ من الله يُؤدَّى بحضور قلب وخشوع. العِبرة ليست بكثرة العمل وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»؛ فالعبرة ليست بكثرة العمل ولا بالمغالاة فيه، وإنما بالإخلاص والاستمرار والاعتدال؛ فالصلاة القليلة مع النشاط والخشوع، أزكى وأقرب إلى القبول من صلاةٍ طويلةٍ مع التكلف وغلبة النعاس، ومن رحمته -صلى الله عليه وسلم - أنه راعى أحوال الناس وقدراتهم، فجاءه عمران بن حصين - رضي الله عنه - يشكو المرض، فقال له: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»؛ فالمقصود إقامة أمر الله على الوجه الذي يقدر عليه العبد، دون مشقةٍ خارجة عن الطاقة، ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة مع غلبة النعاس، فقال: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرْقُدْ، فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ»؛ وذلك لأن العبادة بغير وعي قد تفضي إلى الخطأ، وتُفقد مقصودها الأعظم. الأخلاق والمشاعر ولا يقف مبدأ التوسّط والاعتدال عند حدود العبادة، بل يمتد ليشمل الأخلاق والمشاعر والعلاقات الإنسانية؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا»، حتى في المشاعر، يدعونا الإسلام إلى الاتزان؛ فلا إفراط في الحب يُورث التعلّق المُهلِك، ولا مبالغة في الكُره تُغلق أبواب العدل والإنصاف؛ فالمغالاة في التعلّق بالأشخاص -ولو كانوا أقرب الناس- قد تجعل الفقد سببًا لانهيار النفس وتوقف الحياة، مع إن الإنسان خُلق لغاية أعظم، قال -تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)، وكذلك في الإنفاق والمعاش، جاءت الشريعة وسطًا بين الإسراف والتقتير، قال -تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} (الفرقان: 67)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ»، وقال الله -سبحانه-: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} (الإسراء: 29)، فالله -تعالى- يحب الاعتدال حتى في الصدقة، فلا يُطلب من المسلم أن يُضيّع نفسه أو أهله، بل جعل النفقة على الأهل من أعظم أبواب الأجر. دينُ الوسطيةٍ والعدل وخلاصة الأمر: أن الإسلام في باب المعاملات، والسلوك، والأخلاق، والعبادات، دينُ وسطيةٍ وعدل، يُعلِّمنا أن نسلك طريق الاتزان، فلا إفراط يُهلك، ولا تفريط يُضيع، وإنما نلتزم بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، قال -تعالى-: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ} (الحشر: 7)؛ فالاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في وسطِيَّته واعتداله هو السبيل إلى حياةٍ مطمئنة، وعبادةٍ صحيحة، وسلوكٍ قويم. ![]() الآثار الحسنة للوسطية بما أنَّ الوسطية منهج ربَّاني، فلا ريب في تكامله واتِّزانه وشموله لجميع النواحي: العقائدية، والعبادية، والأخلاقية في حياة الفرد المسلم، وسيكون له آثاره الحميدة والحسنة، التي تعود على المسلم بنفع عظيم في الدنيا والآخرة، ومن أهم هذه الآثار ما يلي:
اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#64
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة .. من مظاهر الشرك القولية: الحلف بغير الله
أُمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بدعوة الناس إلى توحيد الله -عزوجل-، وبإنكار الكفر والشرك وسائر أنواع الانحراف اعتقادًا وقولًا وعملًا؛ إذ التوحيد أصل الدين وميزان القبول، وبه تستقيم العقائد والسلوكيات، ومن المنكرات القولية التي حاربها -صلى الله عليه وسلم -، وكانت شائعة في زمنه ومتجددة عبر العصور، الحلف بغير الله، وهو مظهر من مظاهر الخلل في باب التعظيم، يتجدد حيثما غاب بيان التوحيد وتصحيح المعتقد. جاء في السنة النبوية إنكار هذا المسلك إنكارًا شديدًا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت»، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»، وقد بيّن أهل العلم معنى هذا الحديث، وقرروا أن الحلف بغير الله لا يخرج عن حالين:- إما أن يكون كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وذلك إذا عظّم الحالفُ المحلوفَ به تعظيمًا يساوي أو يفوق تعظيم الله -عز وجل والعياذ بالله - معتقدًا فيه ما لا يكون إلا لله. - وإما أن يكون شركًا أصغر لا يخرج من الملة، لكنه من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر؛ لما فيه من صرف نوع من التعظيم لغير الله، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن باز، والإمام الألباني -رحمهم الله تعالى- في شروحهم لهذه النصوص. ولذلك شدد النبي - صلى الله عليه وسلم - في النهي عن هذا الباب، فكان -صلى الله عليه وسلم - مأمورًا من ربه أن يصحح هذا المعتقد، وأن يقرر في النفوس أنه لا يجوز تعظيم أحد - كائنًا من كان - تعظيمًا يضاهي تعظيم الله -عز وجل-؛ لأن هذا المسلك خطر على أصل الإيمان، وقد يكون سببًا في خروج العبد من دائرة الإسلام. وإذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر، رأينا من انتصارات دعوة التوحيد بفضل الله -عزوجل- ما يُثلج الصدر، فقد كان شائعًا في فترات سابقة في مجتمعنا ألفاظ من صيغ الحلف بغير الله؛ حيث كان الناس يؤكدون صدق كلامهم بهذه الألفاظ دون استشعار لخطورتها العقدية، حتى قيّض الله -عزوجل- دعاةً للتوحيد، حملوا لواء السلفية الصافية، وتعلموا العقيدة الصحيحة، ووقفوا على خطورة هذه الظاهرة؛ لما فيها من تعظيم المخلوق بما لا يليق إلا بالخالق. فانتشر دعاة التوحيد في المساجد، والمنابر، والدروس، والخطب، والدواوين، والبيوت، وربّوا أبناءهم على العقيدة الصحيحة، فصار هؤلاء الأبناء دعاةً في مدارسهم وكلياتهم ومجتمعاتهم، يقومون بواجب البيان والإنكار، حتى أخذت هذه الظاهرة في التلاشي شيئًا فشيئًا - ولله الحمد - ولم يبق منها إلا ما يَرِد أحيانًا من خارج المجتمع، فيُنبَّه عليه ويُصحَّح في حينه، بل بلغ الأمر أن صار عامة الناس يُنكر بعضهم على بعض، ويصححون هذه الأخطاء العقدية فيما بينهم، وهي مرحلة مباركة لم تأتِ من فراغ، وإنما كانت ثمرة جهد دؤوب لدعاة مخلصين، حملوا همَّ تصحيح عقيدة المسلمين، اقتداءً برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ومن هنا، فإن قضايا التوحيد والعقيدة ليست قضايا ثانوية أو هامشية، بل هي من أعظم أبواب الدعوة، وأولى ما تُبذل فيه الجهود، وتُفنى فيه الأعمار، وقد أحسنت وزارة الأوقاف الكويتية - جزاهم الله خيرًا - حين ركزت في خطبها الأخيرة على تعظيم مقام التوحيد، وبيان مكانته عند الله -عزوجل-، فهذا الباب لا يضيّق الدعوة، بل هو الذي تتسع به الدعوات، وتُبارك به الجهود، ويُحفظ به دين الناس وعقائدهم. اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#65
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة .. تأثير دعاة التوحيد في ألفاظ العامة
يمثّل الحديث عن تأثير دعاة التوحيد في ألفاظ المجتمع، إشارةً عميقة إلى أحد أوجه الإصلاح الدعوي التي قد تبدو خفيّة في ظاهرها، لكنها عظيمة الأثر في حقيقتها؛ فالتوحيد - كما يُراد له شرعًا - لا يقتصر على بيان ما بين العبد وربه من إخلاص العبادة، بل يتجاوز ذلك ليشمل توحيد الاتباع للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وتوحيد المصدر بردّ التشريع والاحتكام إلى الكتاب والسُنَّة في شؤون الحياة كلها. وقد يستهين الناس ببعض الألفاظ والعبارات، ويعدّونها أمورًا صغيرة لا وزن لها، غير إنها عند الله عظيمة؛ لما تحمله من معانٍ عقدية، وتصورات إيمانية، وانعكاسات سلوكية، ومن هنا كان التأثير اللفظي في المجتمعات أحد مؤشرات النجاح الحقيقي لأي مشروع إصلاحي أو دعوي. شيوع الألفاظ في المجتمعات إن شيوع الألفاظ في المجتمعات لا يأتي عفوًا ولا اعتباطًا؛ بل هو ثمرة ضبطٍ ثقافي وإعلامي، وأقلامٍ تكتب، ومناهج تُدرَّس، وتدريبٍ ممنهج يستهدف ترسيخ مفردات بعينها في الوعي العام؛ ولذا عُدّ الإعلام - ولا سيما الإعلان - من أقوى وسائل التأثير في الناس، حتى إن الملتزم في بيته لا ينفك عن التأثر بالبيئة المحيطة به؛ فأبناؤه يذهبون إلى المدارس والجامعات، ويعودون بألفاظ جديدة، كثيرٌ منها دخيل، صاغته عقول لا تنطلق من مرجعية تربوية أو قيمية، لكنها تملك أدوات التأثير وصناعة الذوق العام. قوة المجتمعات ولهذا تُقاس قوة المجتمعات - بل والحركات الفكرية - بمدى تأثيرها: في الألفاظ، والسلوكيات، والأعمال، وحتى في الاقتصاد؛ ليُعرف مقدار نجاحها في تحقيق مقاصدها، وكذلك هو الشأن في باب الدعوة إلى الله -عزوجل-؛ فقد استطاع دعاة التوحيد - عبر سنوات طويلة من البيان والتعليم - أن يُشيعوا ألفاظًا شرعية على ألسنة الناس، حتى غدت مألوفة في الخطابات العامة؛ بل والرسمية. والمتأمل اليوم يلحظ أن هذه الألفاظ لم تعد حبيسة الدروس والمحاضرات، بل تسربت إلى اللقاءات العفوية بين عامة الناس؛ مما يدل على ترسّخها في الوعي الجمعي، وإدراك المجتمع لكونها الحق الموافق للشرع، ومن الأمثلة الدالة على ذلك: عبارة «جزاك الله خيرًا»؛ إذ كان يُنظر إليها في زمنٍ مضى على أنها شعار خاص بالمتدينين؛ بل وربما استُهزئ بقائلها، فيقال: «هذا من جماعة جزاك الله خيرًا»، بينما كانت العبارات السائدة: «مشكور، يعطيك العافية، ما قصّرت»، وغيرها من هذه العبارات -وهي عبارات لا حرج فيها من الناحية الشرعية-، أما اليوم، فقد أصبحت هذه الكلمة تتردد على ألسنة الجميع، من: الصالح والطالح، والرجل والمرأة، والعامي والمثقف. وهنا يبرز السؤال: كيف سادت هذه الكلمات، وصارت تصدر بتلقائية من مختلف فئات المجتمع؟ إنها لم تنتشر إلا بعد جهدٍ طويل من التعليم والبيان، عبر الدروس والمحاضرات والكتابات، حتى صارت جزءًا من الثقافة اليومية، مستندةً إلى توجيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «مَنْ صَنَعَ لَكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَقُولُوا لَهُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، من قال: جزاك الله خيرًا فقد بالغ في الثناء». مراعاة الألفاظ المتصلة بالعقيدة وكذلك الأمر في مراعاة الألفاظ المتصلة بالعقيدة، كالتفريق بين الواو وثمّ، في مثل قول: لولا الله وفلان، وهي عبارة محرّمة؛ لما فيها من التسوية، والصواب أن يقال: لولا الله ثم فلان، وقد كانت العبارة الأولى شائعة، أما اليوم فنسمع - حتى في الخطابات الرسمية - قولهم: لولا الله ثم هذه الجهود المباركة…، وهو تحول لافت يدل على وعي عقدي متنامٍ. عملٌ دعويٌّ أصيل إن مراعاة الألفاظ عملٌ دعويٌّ أصيل، ونشاط إصلاحي مؤثر، فإذا استقامت الكلمة استقام المعنى، وإذا صحّ اللفظ صحّ التصور، وقد أثمر هذا الجهد أن تحولت ألفاظ كانت موضع سخرية إلى كلمات رائدة، وأن انتقلت عبارات من الشرك إلى التوحيد، ومن الانحراف إلى الاستقامة، وما كان ذلك ليكون لولا فضل الله، ثم جهود دعاة التوحيد الذين أدّوا دورًا عظيمًا في إخراج الناس من حضيض الألفاظ إلى تقويم العبارات، وهو في حقيقته إصلاح عميق لبنية المجتمع ووعيه. لماذا الالتزام بالألفاظ الشرعية؟ ليست الألفاظ في الإسلام مجرد أدوات للتخاطب؛ بل هي أوعية للمعاني، ومفاتيح للتصورات، ودلالات على ما استقر في القلوب من عقائد ومفاهيم، ومن هنا جاء اهتمام الشريعة بضبط اللسان، وتوجيه الكلمة، وربط اللفظ بالميزان الشرعي؛ لأن الكلمة قد تبني إيمانًا، كما قد تهدم أصلًا من أصوله.
اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
|
#66
|
||||
|
||||
|
خواطر الكلمة الطيبة .. بين إحياءِ السُّنَّةِ وإماتةِ البدعة إن من أعظم ميادين الصراع عبر التاريخ صراعُ التوحيد مع البدع، وصراعُ السُّنَّة مع المحدثات، وقد شهدت الكويت -كسائر بلاد المسلمين- فتراتٍ انتشرت فيها بعض الطقوس والمظاهر التي نُسبت إلى الدين، وهي في حقيقتها دخيلة عليه، ومن ذلك ما عُرف بإقامة الموالد، والحضرات، وبعض التواشيح الدينية المصاحبة لمناسباتٍ مختلفة، حتى وصلت بعض هذه المظاهر إلى مناسبات الأفراح، فيما عُرف عند بعض الناس بـ«اليلوة» -أي الجلوة-؛ حيث تُجعل فقرات ذات طابع ديني في ليلة الزفاف بزعم التعبّد. وقد تسربت هذه الممارسات عبر التأثيرات الصوفية التي انتقلت إلى عدد من بلاد المسلمين، حتى أصبح العالم الإسلامي - في فترات معينة - ساحةً خصبةً لانتشار هذه المفاهيم، التي خالطها الغلو، والاستغاثة بغير الله، والتوسل البدعي، وإدخال المعازف والموسيقى في سياقات تُنسب إلى التعبّد. جهود العلماء في مواجهة البدع غير أن الله -تعالى- يقيّض لدينه في كل زمان من يجدد أمره، ويحفظ صفاء عقيدته، كما في الحديث: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها»، وقد كان لعلماء الدعوة السلفية في الكويت جهودٌ بارزة في بيان الحق، وإنكار المنكر، وإحياء السُّنَّة، ومن هؤلاء: عبد العزيز الرشيد، والشيخ: يوسف بن عيسى القناعي، وغيرهم، فقد تصدّوا لهذه المظاهر بالخطابة، والتعليم، والكتابة، والنقاش العلمي الهادئ، وبيان الأدلة من الكتاب والسنة، متمثلين قول الله -تعالى-: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل:125) ومن أعظم ما أثمرته تلك الجهود: انتقال الوعي من المنبر إلى البيت، فكان الشاب يحضر درسًا في مسألة البدع، فيحمل ما سمعه من أدلة إلى أسرته، ويناقش إمام مسجده بالحكمة والرفق، مستنيرًا بقول الله -تعالى-: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (الزمر)، وهكذا تحوّل الإصلاح من جهدٍ فردي إلى تيارٍ علميٍّ مجتمعي، قائمٍ على الدليل، لا على الخصومة، وعلى البيان لا على الصدام. أثر التأليف العلمي وكان من الكتب المؤثرة التي تداولها الشباب في هذا الباب كتاب الدر النثير في تفسير القرآن للدكتور موسى نصر - رحمه الله - حيث تناول في بعض مسائله ما يتعلق بالموالد وبدعها، وناقشها مناقشةً علميةً موثّقة بالأدلة، كما كان للشيخ عبد الرحمن عبد الصمد مؤلفاتٌ قيّمة ناقشت القضايا العقدية التي طال حولها الجدل، وأسهمت في ترسيخ المنهج السلفي في التعامل مع هذه المسائل بالحجة والبرهان. انحسار البدعة وإحياء السُنَّة لقد كان ما تحقق - بعد سنواتٍ من البيان والتعليم - ثمرةً صادقة لجهود العلماء والدعاة وطلبة العلم. فانحسرت الموالد، وخفت صوت الحضرات، وتوقفت التغطيات الإعلامية، ولم تعد تلك المظاهر كما كانت في السابق. وليس ذلك انتصارًا لأشخاص، بل هو انتصارٌ لمنهجٍ، وصدقٌ لوعد الله -تعالى-: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} (الأنبياء: 18)، وهو مصداق قوله -سبحانه-: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (التوبة: 32). البدع لا تصمد أمام نور العلم إن تاريخ الدعوة في الكويت - كما في غيرها - شاهدٌ على أن البدع مهما انتشرت، فإنها لا تصمد أمام نور العلم، وأن التوحيد إذا قام له رجالٌ صادقون أحيا الله به القلوب، ونقّى به المجتمعات؛ فالواجب اليوم أن نستحضر هذه التجارب، لا بروح التشفي أو الخصومة، بل بروح الشكر لله، وحفظ الجميل لأهل الفضل، ومواصلة السير على درب البيان بالحكمة والرفق، حتى يبقى الدين كما أنزله الله، صافياً من شوائب الغلو والبدع، {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} (آل عمران: 8). اعداد: د. خالد سلطان السلطان
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |