|
|||||||
| ملتقى الأمومة والطفل يختص بكل ما يفيد الطفل وبتوعية الام وتثقيفها صحياً وتعليمياً ودينياً |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
مرتكزات البناء الأسري في التربية النبوية الحلقة الأولى الخبير التربوي والأسري د. صالح السعيد: التربية الرقمية إحدى الأدوات المهمة في التعامل مع الواقع المتسارع من أجل إعداد المواطن الصالح
في زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات الاجتماعية والتقنية، وتتشابك المؤثرات الفكرية والتربوية، تقف الأسرة في قلب معركة الوعي والبناء القيمي؛ فهي الحصن الأول للإنسان، واللبنة الأساس لاستقرار المجتمع، وأي خللٍ فيها ينعكس بالضرورة على الفرد والواقع من حوله، ومن هذا المنطلق، يأتي هذا الحوار مع الخبير التربوي والأسري د. صالح السعيد، ليتناول جملة من القضايا الجوهرية المرتبطة بالعلاقات الأسرية، في ظل عالمٍ رقميٍّ ضاغط، ومفاهيم دخيلة تسعى لإعادة تشكيل الأسرة وأدوارها؛ حوارٌ يتجاوز توصيف المشكلات إلى تفكيك أسبابها، ويوازن بين عمق التشخيص وواقعية الطرح التربوي، المستند إلى القيم الإسلامية، والهدي النبوي، والخبرة التربوية، والفهم الواعي لمتغيرات العصر. - في هذه الحلقة نتناول، أثر التحولات التقنية، وأبرز الأخطاء التربوية، وأسس الحوار داخل البيت، والتوازن الدقيق بين الحزم والاحتواء؛ وصولًا إلى رؤية تربوية تحمي الأسرة، وتعيد لها دورها الطبيعي في بناء الإنسان السوي.مكانة العلاقات الأسرية
تسليع المجتمعات لعل من أخطر التحولات التي تستهدف المجتمعات الرشيدة، وكل مشروع إصلاحي جادّ، ما يمكن تسميته: (بـتسليع المجتمعات)؛ حيث يُعاد تعريف كل ما يتصل بالأسرة، والشباب، والمرأة، والقِوامة، ومفاهيم الشرف والأمانة، بوصفها «سِلعًا» قابلة للتداول والتقييم المادي، ومن رحم هذا التحوّل تنشأ مفاهيم دخيلة، كالجندرة، والِمثلية الجنسية، وغيرها من التصورات التي باتت تضرب في عمق البنية القيمية لمجتمعاتنا، وتُستخدم هذه الأذرع مجتمعةً لهدم الأسرة؛ لأن الأسرة إذا هُدمت، سهل التحكم في الأم، والأب، والأبناء، وسقط مفهوم القِوامة، وتفككت أول لبنة من لبنات الاستقرار المجتمعي، وعندها يصبح المجتمع، منساقًا وراء من يروّج لهذه «السلع» القيمية المشوَّهة.![]() التقنية المتسارعة عامل ضغط لاشك أن التقنية المتسارعة عامل ضغط شديد على كل مربٍّ يسعى لتنشئة أبنائه تنشئةً واعية؛ إذ تتسلل عبرها معارف جديدة، وممارسات دخيلة - لا يصح تسميتها قيمًا - قد تضرّ بالمجتمع في دينه ودنياه، والتقنية هنا ليست محايدة دائمًا، بل تُعدّ أحد أبرز الأذرع المستخدمة في هذا المسار، فإن لم نُحسن التعامل معها، ولم نطوّر آلياتنا التربوية، ولم نكن السبّاقين إلى أبنائنا عبر هذه الوسائل نفسها، فإننا نخاطر بفقدانهم لا محالة، إما بانحرافٍ يفضي إلى التفلت الأخلاقي، والقطيعة مع الدين، والعادات، والهوية، والوطن، وتغليب المصلحة الشخصية على كل اعتبار، أو بانحرافٍ يقود إلى الغلوّ والتطرف في فهم الدين وممارسته.أخطر أدوات تجنيد الأبناء وقد أثبت الواقع أنّ الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص، تعد من أخطر أدوات تجنيد الأبناء؛ إذ تشير اعترافات عديدة إلى أن بعض منصات التواصل الاجتماعي كانت مدخلًا رئيسًا لاستقطاب الشباب، ثم انفتح في الآونة الأخيرة مسار أخطر عبر الألعاب الإلكترونية، وذلك عبر المحادثات الجانبية، التي تُستغل في التأثير على الأبناء، وتوجيههم، وتسليطهم على مجتمعاتهم من حيث لا يشعرون!.أبرز الأخطاء التربوية
الانكفاء على وسائل قديمة لم تعد صالحة لهذا العصر؛ فترى بعض الآباء أو المربين لا يكلّفون أنفسهم عناء تعلّم المناهج التربوية الجديدة أو الاستفادة من الخبرات الأكاديمية، بل يلجؤون إلى أساليب قاسية؛ كالإفراط في الضرب، أو المبالغة في التوجيه الزجري، أو القطيعة العاطفية عند أول خطأ، وقد يصل الأمر ببعضهم - هداهم الله - إلى قطع التواصل مع الابن، فلا نُصح، ولا توجيه، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، بل يُوسم الابن منذ أول زلّة بأنه عاقّ، أو فاشل، أو عديم الجدوى، فيُترك مهملًا تربويًا ونفسيًا!. ويبرز هذا الخلل بوضوح في التعامل مع قضايا العبادات، وعلى رأسها الصلاة؛ إذ يتذرّع بعض الآباء بما يمكن تسميته «معذرة إلى ربكم»، فيكتفي بالأمر اللفظي الجاف، أو بالعقاب الفظّ، ظنًا منه أنه أدّى ما عليه، غير مدرك أن هذا الأسلوب قد يكون سببًا في نفور الابن من الصلاة، بل من الدين وأهله؛ لأن القسوة هنا لا تُصلح، بل تُفسد من حيث لا يشعر صاحبها، وقد دلّنا القرآن على المنهج الصحيح حين قال -تعالى-: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}، فالآية لا تشير إلى أمرٍ عابر، بل إلى مسارٍ طويل يحتاج صبرًا، ومثابرة، وحكمة، وتوازنًا بين اللّين والشدة، وبين الترغيب والترهيب، مع تقديم القدوة الصالحة قبل كل شيء. (2) التمييز بين الأبناء ومن الأخطاء التربوية الخطيرة التي تُضعف الحوار وتهدّد تماسك الأسرة: التمييز بين الأبناء، سواء بتفضيل الذكور على الإناث، أو تفضيل بعض الأبناء على بعض، فهذا التمييز يهدم العدالة داخل الأسرة، ويخلّف جروحًا نفسية عميقة، ولا سيما لدى البنات، وقد يكون من أسباب الانحرافات الفكرية أو التطرّف في بعض الاتجاهات؛ نتيجة شعور طويل بالظلم والتهميش. (3) غياب المعروف بين الزوجين كما إن العلاقة بين الزوجين تُعدّ حجر الأساس في استقرار الأسرة، فكلما كانت قائمة على المودّة والرحمة، والإمساك بالمعروف، انعكس ذلك إيجابًا على الأبناء، وحتى عند تعذّر الاستمرار، أما غياب المعروف والإحسان بين الزوجين، فإنه يترك آثارًا نفسية بالغة على الأبناء، تظهر في سلوكياتهم وانفعالاتهم وانحرافاتهم. (4) عدم فهم أسس الحوار أما فيما يتعلّق بالحوار داخل الأسرة، فرغم كثرة الحديث عن أهميته، إلا إن القليل فقط يُحسن فهمه وممارسته؛ فالحوار ليس جدلًا ولا فرض آراء، بل له أصوله وآدابه ونظرياته، ويحتاج إلى اختيار الوقت المناسب، وطرح الأسئلة المفتوحة، وإدارته بروح المودة والرحمة، مع التركيز على النتائج لا على الانتصار في النقاش. وقد يستفزّ الأب أحيانًا بما يطرحه الأبناء من آراء أو تساؤلات، لكن استحضار ثمرات الحوار الإيجابي يعين على الصبر، ويحول التوتر إلى فرصة للفهم والتقارب. ومن المهم أن يسأل المربي نفسه: هل أمتلك المعرفة الكافية بموضوع الحوار، أم أنني أغلق النقاش كلما وصل إلى نقطة لا أُحسن التعامل معها؟
![]() التوازن بين الحزم والاحتواء
بين الحزم والاحتواء ولابد أن ندرك أن الحزم بلا احتواء يُنتج خوفًا وعنادًا وكذبًا، والاحتواء بلا حزم يُفضي إلى فوضى، وضعف في تحمل المسؤولية؛ لذلك فالتوازن بين الحزم والاحتواء هو أساس التربية السليمة.
٢- الثبات لا التقلب: على الأب أن يكون ثابتًا في مواقفه، لا يعاقب اليوم ويتساهل غدًا على الخطأ نفسه، فالتقلب يُربك الابن، ويدفعه لاختبار الحدود، ويجعله يعيش توترًا دائمًا، ينعكس عليه وعلى الأسرة، والثبات - خلاف ما يظنه بعضهم - يمنح الأبناء أمانًا لا خوفًا؛ فالأب الحازم الثابت هو مصدر طمأنينة، لا مصدر رهبة. ٣- الحزم الهادئ لا المنفعل: الحازم الحقيقي هو الهادئ، لا الصارخ ولا المنفعل، فالصراخ لا يربي، والغضب لا يصنع وعيًا، وإنما يزرع الخوف، والخوف يزول بزوال مصدره. ٤- الحوار بعد الهدوء: من القواعد المهمة أنه لا حوار وقت الغضب، لكن بعد أن تهدأ النفوس، يأتي دور الحوار الهادئ، بسؤال بسيط وعميق: لماذا فعلت ذلك؟ وما الحل الأفضل لو تكرر الموقف مرة أخرى؟ فالسلوك الخطأ غالبًا نابع من فهم خطأ أو معلومات غير صحيحة، ومعاقبة السلوك دون تصحيح الفهم تؤدي إلى تكرار الخطأ، والأب الذي يصحح التفكير، ويهذب الفهم، يصنع لابنه مركز أمان معرفي ونفسي. ٥- استخدام العواقب الطبيعية دون إهانة: لا تُهِن الابن، ولا تنعته بصفات جارحة، بل صِف السلوك وحدد عاقبته المرتبطة به، فبدل أن تقول: أنت مُهمل، قل: بسبب هذا الإهمال، لن تلعب اليوم، أو لن تذهب معنا، أو لن تأخذ مصروفك، العقوبة هنا واضحة، مرتبطة بالسلوك، وتحفظ كرامة الابن، ومن العبارات التربوية المؤثرة: «أنا زعلان من تصرّفك، لكن حبّي لك لا يتغير»، وهي جملة يحتاج الأبناء إلى سماعها من آبائهم؛ لأن بعض الآباء يبخلون في %D اعداد: وائل رمضان
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
تراجع الـقيم يهدد تماسك الأسرة والمجتمع – الحلقة الثانية – الخبير التربوي والأسري د. صالح السعيد: تعليم الأبناء أدب الاختلاف واحترام الآخر وضبط الغضب يعد صِمَام أمان يحول دون التفكك والصراعات المزمنة
في زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات الاجتماعية، وتتبدّل فيه أنماط التواصل، وتزداد فيه التحديات التي تواجه الأسرة والعلاقات الإنسانية، باتت الخلافات الأسرية، وضعف الروابط الاجتماعية من أبرز القضايا التي تشغل بال الأسر والمربين وصنّاع الوعي، ومع تصاعد أثر العالم الرقمي، وتراجع الحوار الهادئ، وتداخل القيم مع المهارات، أصبح السؤال عن كيف نختلف دون أن نتخاصم؟ وكيف نتحاور دون أن نتصادم؟ سؤالًا ملحًّا لا يمكن تجاهله، في هذا السياق، تأتي حلقتنا الثانية في حوارنا مع الخبير التربوي والأسري د. صالح السعيد، الذي يقدّم قراءة متأنية لواقع العلاقات الأسرية والاجتماعية، مستندًا إلى رؤية تربوية واعية، تجمع بين القيم الأصيلة، والفهم النفسي، في محاولة للإجابة عن أسئلة شائكة تتعلق بإدارة الخلاف، وبناء الاحترام، وفهم أسباب أزمة العلاقات في مجتمعاتنا، وأثر وسائل التواصل الاجتماعي على الأسرة والمجتمع. بسؤال الشيخ عن كيفية إدارة الخلافات الأسرية بطريقة تربوية قال: الخلافات داخل الأسرة أمرٌ طبيعيٌّ ومتوقَّع، لا تخلو منه أي أسرة، سواء في بدايات التكوين، أو في منتصف مسيرتها، أو حتى في مراحلها المتقدمة بعد كِبر الأبناء والآباء؛ فالأسرة السويّة ليست تلك التي تخلو من الخلاف، وإنما تلك التي تحسن إدارة الخلاف، ولا تسمح له أن يتحول إلى صراع، ولا تتركه يتراكم حتى يُمزِّق الروابط ويُفسد القلوب؛ لذلك لابد أن يكون لدينا الوعي الكافي بكيفية منع تحوّل الخلاف إلى صراع. العدل منذ اللحظة الأولى منذ اللحظات الأولى لتكوين الأسرة، تقع على عاتق الوالدين مسؤولية غرس العدل بين الأبناء، والمبادرة إلى حل الخلافات التي تنشأ بينهم، دون محاباة أو تفضيل؛ فلا يُقدَّم ابن لكِبر سنه، ولا يُفضَّل ذكر على أنثى، ولا يُميَّز صاحب شهادة أو منصب على غيره؛ لأن التمييز يولّد الغِلّ، ويزرع بذور الصراع في النفوس، والعدل بين الأبناء أصلٌ شرعي وتربوي، وهو من أعظم أسباب دوام الألفة وسلامة الصدور. ![]() ترسيخ قيم الرحمة وصلة الرحم من المهم تذكير الأبناء دائمًا بقيم الرحمة، وصلة الرحم، وأن الإخوة من أقرب الأرحام، جمعهم دم واحد، وربطتهم رحم واحدة، فلا يليق أن تتحول الخلافات بينهم إلى قطيعة أو عداوة، ويُذكَّرون بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه»؛ لتظل هذه المعاني حاضرة في وجدانهم عند كل خلاف. المبادرة إلى حل الخلاف ومن أعظم ما يُغرس في نفوس الأبناء ما يمكن تسميته بـ(الخلطة التربوية السحرية)، ورأسها: المبادرة إلى حل الخلاف، وعدم تركه يتفاقم، ويُعلَّمون أن الشريعة نهت عن الهجران، حتى بين المسلمين غير المتقاربين، فكيف بالإخوة؟ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث»؛ فالمبادرة إلى الإصلاح ليست ضعفًا، بل قوة، وهي باب لإغلاق مداخل الشيطان قبل أن يُؤجّج النزاع. التربية على إدارة الخلاف لا إنكاره الخلاف لا يُلغى، ولا يُنكر، لكنه يُدار بحكمة، ويُضبط بضوابط شرعية وأخلاقية، فتعليم الأبناء كيفية التعبير عن الاختلاف، وضبط الغضب، واحترام الآخر، والعودة إلى الحق، هو صمام أمان يحفظ الأسرة من الانزلاق إلى صراعات مزمنة. وعن دور الأسرة في تكوين قدرة الفرد على التعامل مع الاختلاف واحترام الآخرين قال السعيد: تؤدي التنشئة الأسرية دورًا جوهريا في بناء شخصية الفرد، وصياغة نظرته للخلاف، وتحديد أنماط تعامله مع الآخرين؛ إذ تمثّل الأسرة البيئة الأولى التي يتكون فيها الوعي، وتُغرس فيها القيم، وتُمارَس فيها أساليب الحوار أو الإقصاء؛ فالفرد الذي ينشأ في أسرة يسودها الاحترام المتبادل، ويُدار فيها الخلاف بهدوء وحكمة، يكون أقدر على تقبّل التنوع، واحترام الرأي الآخر، والتعايش مع المخالف بوعيٍ ونضج. وقد قرّر القرآن الكريم أصل الاختلاف بوصفه سنّة كونية، فقال -تعالى-: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (هود: 118)؛ ما يرسّخ في الوعي أن الاختلاف في ذاته ليس شرًّا، وإنما المذموم هو سوء إدارته وتحويله إلى خصومة وعداء. الأسرة الواعية فالأسرة الواعية التي تدرك طبيعة الاختلاف بين البشر، سواء بين الزوجين، أو الإخوة، أو الآباء والأبناء، وتربي في أبنائها أن الخلاف لا يعني القطيعة، ولا يسوغ الإساءة، ولا يُحوّل تعدّد الآراء إلى معركة لإقصاء الآخر أو إسقاطه، وحين تُغرس في البيت قيم المعاملة الحسنة، وأدب الحوار، والأصول الإسلامية في إدارة الخلاف، يتعلّم الأبناء عمليا آداب الخلاف، فتتكوّن لديهم شخصية متّزنة، تحترم التنوع، وتُحسن التعبير، وتعرف حدود الخلاف وضوابطه الشرعية، وقد جسّد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المنهج في تعامله، فكان مثالًا أعلى في الرفق والحلم، حتى قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه، ولا نُزع من شيءٍ إلا شانه»، وقال أيضًا: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله». ![]() الأسرة التي يسودها العنف في المقابل، يصعب أن يُنتظر من أبناء نشؤوا في أسرة يسودها القمع، أو تُدار خلافاتها بالعنف، أو بالسباب والإهانة، أن يُحسنوا احترام الرأي الآخر؛ فالأسرة التي لا تعترف بالخلاف أصلاً، ولا ترى إلا رأيًا واحدًا مفروضًا بالقوة، ولا سيما إذا كان ربّ الأسرة سلطويا، يعتمد الضرب والإذلال وسيلةً للتربية، تُخرّج أفرادًا لا يؤمنون بالحوار، ولا يُجيدون إدارة الاختلاف، بل يميلون إلى العنف اللفظي أو الجسدي، وتسفيه الآخرين، وإقصائهم، وهذا يتعارض صراحةً مع الهدي النبوي؛ إذ لم يكن رسول الله -[- فاحشًا ولا متفحّشًا، بل قال: «ليس المؤمن بالطعّان، ولا اللعّان، ولا الفاحش، ولا البذيء». أزمة العلاقات الاجتماعية وعن أسباب أزمة العلاقات الاجتماعية اليوم قال السعيد: أزمة العلاقات الاجتماعية المعاصرة لا تعود إلى سبب واحد، بل هي نتاج تداخل عاملين رئيسين: ضعف القيم من جهة، وغياب مهارات التواصل من جهة أخرى؛ فكلاهما يسهم - بدرجات متفاوتة - في إضعاف النسيج الاجتماعي وتشويه العلاقات الإنسانية، فضعف القيم يسهم بطريقة أساسية في أزمة العلاقات الاجتماعية؛ حيث يشهد الواقع تراجعًا في جملة من القيم الأساسية التي تقوم عليها العلاقات السليمة، مثل الصدق، والوفاء، والصبر، والتسامح، واحترام الآخر، وتغليب المصلحة العامة على الأنانية الفردية، وحين تختل هذه القيم، تختل معها البوصلة الأخلاقية التي تضبط السلوك الإنساني؛ فالقيم هي الإطار الناظم لأي تواصل، وإذا غابت، تحوّل التواصل - مهما بلغت مهاراته - إلى أداة للسيطرة، أو المجاملة الزائفة، أو الجدل العقيم، بدل أن يكون وسيلة للتقارب وبناء الثقة. كما إنَّ غياب مهارات التواصل يُعد من أبرز أسباب التوتر وسوء الفهم بين الناس، كثيرًا ما يُراد معنى، ويُفهم على غير وجهه، أو يصدر سلوك بلا شرح، فيُحمَّل نياتٍ لم تُقصَد، فتُبنى عليه ردود أفعال خطأ، وسلوكيات متشنجة، سواء كان ذلك في التواصل اللفظي، أو الكتابي، أو حتى غير اللفظي، وكثير من الناس نياتهم طيبة، لكنهم لا يُحسنون التعبير عن هذه النية، أو لا يعرفون كيف يستمعون، أو متى يتحدثون، فيقعون في أخطاء تواصلية تفسد علاقاتهم، رغم سلامة مقاصدهم.
آفة المقارنات وظهرت إلى جانب ذلك آفة جديدة، هي المقارنات عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث يقارن الإنسان حياته الواقعية بما يُعرض من صور منتقاة وجزئيات مقتطعة من حياة الآخرين؛ ما يولد عدم الرضا، والقلق، والتوتر داخل الأسرة: الابن لا يرضى عن والديه، والزوجة لا ترضى عن زوجها، والزوج لا يرضى عن زوجته؛ لأن الصورة المعروضة ليست حقيقة كاملة، بل مشاهد مختارة ومجمّلة. التربية المعاصرة ويُضاف إلى ذلك أن التربية المعاصرة ركّزت على الإنجاز والكفاءة الإنتاجية أكثر من تركيزها على الذكاء الاجتماعي وإدارة العواطف؛ فصار الإنسان ناجحًا مهنيًا أو علميا، لكنه ضعيف في إدارة علاقاته، عاجز عن التواصل الصحي؛ ما يفاقم الأزمات الاجتماعية. وسائل التواصل وأثرها على العلاقات
![]() على المستوى الفكري والعقدي فعلى المستوى الفكري والعقدي، أسهمت وسائل التواصل في تسلل أفكار دخيلة على مجتمعاتنا، مثل بعض الطروحات الفكرية المنحرفة، التي تُقدَّم في صورة جذابة، وتصل إلى داخل البيوت دون حواجز أو رقابة واعية. على المستوى الصحي والنفسي وعلى المستوى الصحي والنفسي، أثبت الواقع -بل والمصطلحات الطبية والنفسية الحديثة- أن الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، يرتبط بظهور مشكلات صحية ونفسية متعددة، من: اضطرابات النوم، والقلق، والإدمان الرقمي، إلى مشكلات جسدية كآلام الرقبة وإجهاد العينين. ومن أبرز هذه الظواهر ما يُعرف بـ الخوف من الانقطاع، حيث يعيش الإنسان في قلق دائم من فقدان الاتصال أو تفويت ما يحدث، فيبقى ملتصقًا بهاتفه على حساب راحته واستقراره. على المستوى الاقتصادي أما اقتصاديا، فقد أسهمت وسائل التواصل في ترسيخ ثقافة الاستهلاك والمقارنات؛ إذ ينجرف كثير من الأفراد - ومنهم الأبناء - وراء الموضات والمشاهير؛ فينفقون أموالًا طائلة على تجارب أو منتجات لا تناسب ذائقتهم ولا احتياجاته؛ ما يُرهق ميزانيات الأسر، ويزيد من الضغوط المادية والنفسية، ويضاف إلى ذلك أن المقارنة المستمرة بين الحياة الواقعية وما يُعرض في وسائل التواصل تولّد شعورًا دائمًا بعدم الرضا، وتغذّي القلق والتوتر داخل الأسرة؛ ما ينعكس سلبًا على استقرارها، ويؤثر في تماسك المجتمع. وسائل التواصل سيف ذو حدّين وسائل التواصل الاجتماعي- رغم ما تحمله من فوائد- أصبحت سيفًا ذا حدين؛ فإن غاب الوعي، وضعفت القيم، وساءت مهارات التواصل، تحولت من أداة للتقارب إلى عامل تفكك، ومن وسيلة معرفة إلى مصدر اضطراب، لتترك أثرها العميق على استقرار الأسرة، وصحة العلاقات الإنسانية، وتوازن المجتمع بأسره. أهم مقومات الأسرة السويَّة التربية القائمة على الحكمة، والرحمة، والقيم الراسخة، والمعرفة الواعية، هي التي تُثمر أفرادًا قادرين على التفاعل الإيجابي مع المتغيرات الاجتماعية، والتعامل مع الاختلاف بوعيٍ واحترام، دون تنازل عن المبادئ، أو تفريط في الثوابت، فيجمعون بين سعة الصدر، وثبات المبدأ. الأسرة هي المدرسة الأولى الأسرة هي المدرسة الأولى لاحترام الاختلاف؛ فإن نجحت في غرسه قولًا وممارسة، خرج إلى المجتمع أفراد أسوياء، يُحسنون الحوار، ويتقبّلون التنوع، ويختلفون دون صراع، ويعارضون دون إساءة، وإن فشلت، حمل الأبناء ما تعلّموه داخل البيت إلى فضاء المجتمع، فتحوّل الاختلاف في سلوكهم من مساحة وعيٍ وبناء، إلى ساحة صدامٍ وإقصاء. الخلافات الأسرية.. أمر طبيعي الخلافات الأسرية أمرٌ متوقَّع وطبيعي، تقع في كل الأسر- المتديّنة وغير المتديّنة، والغنية والفقيرة-، أما غير الطبيعي، فهو أن تتحول هذه الخلافات إلى صراعات دائمة، وعداوات مستحكمة، وقطيعة بين الإخوة داخل البيت الواحد، والطريق إلى الوقاية من ذلك هو: العدل، وغرس الرحمة، وتعليم المبادرة إلى الإصلاح، والتربية على هدي النبوة في إدارة الخلافات؛ لتبقى الأسرة ساحة مودة، لا ميدان صراع. اعداد: وائل رمضان
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |