التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         خطبة العيد 1434 هـ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          أول جمعة من شوال 1447هـ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 29 - عددالزوار : 2973 )           »          حياة القلوب - قلوب الصائمين انموذجا**** يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 29 - عددالزوار : 2555 )           »          تأملات في العيد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          حديث: لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          التكبير ليلة عيد الفطر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          نعمة الأم والأب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          فرحة عيد الفطر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          سِيَرِ أعلام المحدثين من الصحابة والتابعين .....يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 29 - عددالزوار : 4161 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 24-01-2026, 05:01 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,630
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (5)
من صـــ 7 الى صـــ 26
الحلقة (117)






وقال ابن رشد في «قواعده»: لما وقع الإجماع أن مجاوزة الختانين يوجب الحد، وجب أن يكون هو الموجب للطهر (١). وحكوا أن هذا القياس مأخوذ من الخلفاء الأربعة.
وروى البيهقي بإسناده إلى علي رضي الله عنه أنه كان يقول: ما أوجب الحد أوجب الغسل (٢).
وروى ابن بطال عن أُبي رجوعه عنه قبل موته (٣).

----------------
(١) «بداية المجتهد» ١/ ٩٨.
(٢) «السنن الكبرى» ١/ ١٦٦.
(٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٠٥.

انتهى المجلد الرابع


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٦ - كِتابُ الحَيْضِ
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ الآية [البقرة: ٢٢٢].
الحيض: أصله السيلان. يقال: حاض الوادي: إذا سال. وقال ثعلب: من الحوض لاجتماعه، فأبدلت واوه ياء؛ كقولهم في حثوة: حثية، وله عدة أسماء ذكرتها في شرح كتب الفروع، واستفتحه البخاري -رحمه الله- بهذِه الآية.
والمحيض الأول: هو الحيض بإجماع العلماء. والثاني: دم الحيض. وقيل: زمانه. وقيل: مكانه وهو الفرج.
وهذا قول أزواج النبي - ﷺ - وجمهور المفسرين، ويؤيده ما في «صحيح مسلم» من حديث أنس - رضي الله عنه - أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت. (فسأل) (١) أصحاب

------------------
(١) كذا في (س)، وفي (ج): قال.


رسول الله - ﷺ - فأنزل الله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الآية، فقال النبي - ﷺ -: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (١) وهذا السائل هو أبو الدحداح، قاله الواحدي (٢).
وفي مسلم أن أسيد بن حضير وعباد بن بشر قالا بعد ذلك: أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله - ﷺ -، الحديث (٣).
وهذا بيان للأذي المذكور في الآية، وهو اعتزال الفرج دون سائر البدن، وإن كان الأصح عند أصحابنا أنه يعتزل ما بين السرة والركبة؛ لأنه (حرم) (٤) الفرج (٥)، و«من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه» (٦).
والإجماع قائم على جواز مؤاكلتها ومضاجعتها وقبلتها، إلا ما شذ به عبيدة السلماني فيما حكاه ابن جرير، وقال به بعض أصحابنا وهو واهٍ جدًّا.
واختلف العلماء في جواز وطئها إذا انقطع حيضها قبل أن تغتسل، فحرمه مالك، والليث، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والشعبي، ومجاهد، والحسن، ومكحول، وسليمان بن يسار، وعكرمة (٧).
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن انقطع دمها بعد عشرة أيام -الذي هو عنده أكثر الحيض- جاز له أن يطأها قبل الغسل، فإن انقطع دمها قبل

-------------------
(١) مسلم (٣٠٢) كتاب: الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله.
(٢) «أسباب النزول» ص ٧٧.
(٣) «صحيح مسلم» (٣٠٢).
(٤) كذا في (س)، وفي (ج): حريم.
(٥) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ١٣٦.
(٦) قطعة من حديث مر برقم (٥٢).
(٧) انظر: «الذخيرة» ١/ ٣٧٧، «البيان» ١/ ٣٤٣، «المغني» ١/ ٤١٩ - ٤٢٠.



العشر لم يجز حتى تغتسل أوْ يمر عليها وقت صلاة؛ لأن الصلاة تجب عنده بآخر الوقت، فإذا مضى عليها آخر الوقت ووجبت عليها الصلاة عُلم أن الحيض قد زال؛ لأن الحائض لا صلاة عليها (١).
وقال الأوزاعي: إن غسلت فرجها جاز وطؤها، وإلا فلا. وبه قالت طائفة من أهل الحديث (٢).
ورُوي مثله عن عطاء، وطاوس، وقتادة، ووجه هذا قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: ينقطع دمهن. فجعل ذلك غاية لمنع قربانها.
وأجاب عنه الأولون فقالوا: المراد بالآية: التطهر بالماء، فإنه قال تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرنَ﴾ فأضاف الفعل إليهن، وانقطاع الدم لا فعل لهن فيه، فالتقدير: فلا تقربوهن حتى يطهرن ويتطهرن، فعلقه بوجودهما فلا يحل إلا بهما وقد يقع التحريم بشيء، فلا يزول بزواله لعلة أخرى، كقوله تعالى في المبتوتة: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] أي: وتنقضي عدتها.
قال ابن بطال: وقول أبي حنيفة لا وجه له، وقد حكم أبو حنيفة وأصحابه للحائض بعد الانقطاع بحكم الحائض في العدة، وقالوا: لزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل. فقياسه هنا يوقف الحِلَّ على الغسل. قال إسماعيل بن اسحاق: ولا أعلم أحدًا ممن رُوي عنهم العلمُ من التابعين ذكر في ذلك وقت صلاة (٣).

---------------------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ٣٣.
(٢) انظر: «عيون المجالس» ١/ ٢٥٤.
(٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٤١٠.



١ - باب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الحَيْضِ؟
وَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «هذا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ».
وقًالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الحَيْضُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَحَدِيثُ النَّبِيِّ - ﷺ - أَكْثَرُ. [فتح: ١/ ٤٠٠]
أي: فإنه عام في جميع بنات آدم، فهذِه المقالة عن بعضهم مردودة بذلك.
قال المهلب: الحديث يدل على أن الحيض مكتوب على بنات آدم فمن بعدهن من البنات، وهو من أصل خلقتهن الذي فيه صلاحهن، قال تعالى في زكريا - ﷺ -: ﴿وَأَصْلَحْنَا لهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
قال أهل التأويل يعني: رد الله إليها حيضها لتحمل، وهو من حكمة الباري تعالى الذي جعله سببًا للنسل (الإنسي) (١) أن المرأة إذا ارتفع حيضها لم تحمل عادة. قال ابن بطال: وقال غيره ليس فيما أتى به حجة؛ لأن زكريا من أولاد بني إسرائيل، والحجة القاطعة في ذلك قوله تعالى: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] في قصة إبراهيم.
قال قتادة: يعني: حاضت (٢). وهذا معروف في اللغة يقال: ضحكت المرأة: إذا حاضت، وكذلك الأرنب والضبع والخفاش.
وإبراهيم - ﷺ - هو جد إسرائيل؛ لأن اسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن

---------------
(١) كذا في (س) وفي (ج): الأبوي.
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٧/ ٧٢ (١٨٣٣٤) عن مجاهد، وكذا عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٣/ ٦١٦. ورواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٦/ ٢٠٥٥ (١١٠٢١) عن ابن عباس، وكذا عزاه أيضًا السيوطي ٣/ ٦١٦. وأورده السيوطي أيضًا ٣/ ٦١٦ عن عكرمة، وعزاه لأبي الشيخ.



إبراهيم، ولم ينزل على بني إسرائيل كتاب إلا على موسى، فدل ذلك على أن الحيض كان قبل بني إسرائيل، وحديث النبي - ﷺ - يشهد لهذا التأويل وصحته (١).
-------------------
(١) «شرح ابن بطال» ١/ ٤١١ - ٤١٢.


[باب الأَمْرِ بِالنُّفَسَاءِ إِذَا نُفِسْنَ]
٢٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ يَقُولُ: سمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: خَرَجْنَا لَا نَرى إِلَّا الَحجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُول اللهِ - ﷺ - وَأَنَا أَبْكِي، قَالَ: «مَا لَكِ أَنُفِسْتِ». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «إِنَّ هذا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ». قَالَتْ: وَضَحَّى رسول اللهِ - ﷺ - عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ. [٣٠٥، ٣١٦، ٣١٧، ٣١٩، ٣٢٨، ١٥١٦، ١٥١٨، ١٥٥٦، ١٥٦٠، ١٥٦١، ١٥٦٢، ١٦٣٨، ١٦٥٠، ١٧٠٩، ١٧٢٠، ١٧٣٣، ١٧٥٧، ١٧٦٢، ١٧٧١، ١٧٧٢، ١٧٨٣، ١٧٨٦، ١٧٨٧، ١٧٨٨، ٢٩٥٢، ٢٩٨٤، ٤٣٩٥، ٤٤٠١، ٤٤٠٨، ٥٣٢٩، ٥٥٤٨، ٥٥٥٩، ٦١٥٧، ٧٢٢٩ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ١/ ٤٠٠]
ثم ساق البخاري الحديث الأول الذي ذكره معلقًا فقال:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ -وهو ابن المديني- ثَنَا سُفْيَانُ، هو ابن عيينة، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: خَرَجْنَا لَا نَرى إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَنَا أَبْكِي، فقَالَ: «مَا لَكِ أَنُفِسْتِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «إِنَّ هذا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ». قَالَتْ: وَضَحَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ.
والكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الحج والأضاحي (١)،

---------------------
(١) سيأتي برقم (١٥٦٠) كتاب: الحج، باب: قول الله تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، =


وأخرجه مسلم أيضًا في الحج (١) (٢).
ثانيها:
قوله: (لَا نَرى إِلَّا الحَجَّ). أي: لا نعتقد أنا نحرم إلا به، لأنا كنا نظن امتناع العمرة في أشهر الحج، فأخبرت عن اعتقادها، أو عن الغالب من حال الناس، أو من حال الشارع، أما هي فقد قالت أفها لم تحرم إلا بعمرة.
ثالثها:
سَرِف -بفتح السين المهملة وكسر الراء ثم فاء-: موضع قريب من مكة على أميال منها، قيل: ستة، أو سبعة، أو تسعة، أو عشرة، أو اثنا عشر (٣).
رابعها:
قوله: (»أَنَفِسْتِ؟ «). يصح بكسر الفاء، وفتح النون، وضمها لغتان مشهورتان:
أفصحهما: الفتح أي: حضت، ويقال في النفاس الذي هو الولادة: نفست بضم النون وفتحها أيضًا، ونفي الثاني النووي فقال: إنه بالضم لاغير (٤).

--------------------
= وبرقم (٥٥٤٨) كتاب: الأضاحي، باب: الأضحية للمسافر والنساء، وبرقم (٥٥٥٩) كتاب: الأضاحى، باب: من ذبح ضحية غيره.
(١)»صحيح مسلم«(١٢١١/ ١١٩ - ١٢٠) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام.
(٢) جاء في هامش (س) ما نصه: من خط الشيخ: وابن ماجه في الحج، وأبو داود فيه، والنسائي فيه والطهارة.
(٣) انظر:»معجم ما استعجم«: ٣/ ٧٣٥،»معجم البلدان«: ٣/ ٢١٢.
(٤)»صحيح مسلم بشرح النووي" ٨/ ١٤٦.



وليس كما قال فقد حكاهما فيه صاحب «الأفعال» (١).
واقتصر الخطابي على الفتح في الحيض، والضم في النفاس (٢).
وهو المشهور فيهما، وقيل بالوجهين في النفاس، وفي الحيض: بالفتح لا غير. ومشى عليه ابن الأثير (٣).
خامسها:
قوله: («إِنَّ هذا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ») أي: قضى به عليهن، وهذا تسلية وتأنيس لها وتخفيف لهمِّها، ومعناه: إنكِ لست مختصة به.
سادسها:
قوله: («فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ»).
معنى «اقضي»: افعلي، وهو دال على أن الحائض ومثلها النفساء، والجنب، والمحدث يصح منهم جميع أفعال الحج وأقواله وهيئاته إلا الطواف، فإنه يشترط فيه الطهارة، وهذا مذهب الجمهور (٤) وصححه أبو حنيفة (٥)، وداود، واختلف عن أحمد في طواف المحدث والنجس، فروي عنه عدم الصحة، والصحة مع لزوم دم (٦). كقول أبي حنيفة، حكاه ابن الجوزي.

-------------------
(١) «الأفعال» لابن القوطية ص ١١٤.
(٢) «أعلام الحديث» ١/ ٣١٣.
(٣) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٥/ ٩٥.
(٤) انظر: «المعونة» ١/ ٣٦٩ - ٣٧٠، «روضة الطالبين» ٣/ ٧٩.
(٥) أي صحة طواف المحدث وغيره، وفيه نظر، لأن الطهارة في الطواف عند الأحناف ليست بشرط ولا ركن بل واجبة على الصحيح، وقيل: سنة. فعليه: إن طاف طواف القدوم محدثًا فعليه صدقة، وهي نصف صاع من بر أو صاع من شعير أو صاع من تمر، وإن طاف طواف الزيارة محدثًا فعليه شاة، لأن طواف الزيارة ركن.
انظر: «الهداية» ١/ ١٧٨ - ١٧٩، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٢٩.
(٦) انظر: «الكافي» ٢/ ٤١٢.



واعتذروا عن الحديث بأن أمره لها باجتناب الطواف؛ لأجل المسجد واللبث فيه، وجوابه أنه لو أراد ذلك لقال لها: لا تدخلي المسجد، ولما قال لها: «لا تطوفي» كان ذلك دليلًا على المنع في حق الطواف نفسه، كيف وقد قال - ﷺ -: «الطواف بالبيت صلاة» (١)؟! والصلاة الطهارة شرط فيها بدليل قوله - ﷺ -: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» (٢).
سابعها:
قولها: (وَضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ). هو محمول على استئذانه لهن في ذلك، فإن التضحية عن الغير لا تجوز إلا بإذنه، وفي رواية أخرى: وأهدى عن نسائه البقر (٣).
وهي دالة على أن البقر مما يهدى، وأنه يجوز إهداء الرجل عن غيره، وإن لم يعلمه، ولا أذن له، وكان هذا الهدي -والله أعلم- تطوعًا.
واستدل به مالك على أن التضحية بالبقر أفضل من البدن (٤)،

------------------
(١) رواه الدارمي ٢/ ١١٦٥ (١٨٨٩)، وأبو يعلى ٤/ ٤٦٧ (٢٥٩٩)، وا بن الجارود في «المنتقى» ٢/ ٨٧ - ٨٨ (٤٦١)، وابن خزيمة ٤/ ٢٢٢ (٢٧٣٩)، وابن حبان ٩/ ١٤٣ - ١٤٤ (٣٨٣٦)، والحاكم ١/ ٤٥٩، والبيهقي ٥/ ٨٥ من حديث ابن عباس مرفوعًا، قال النووي في «المجموع» ٢/ ٧٧: إسناده ضعيف، والصحيح عندهم أنه موقوف على ابن عباس. قال الذهبي في «التلخيص» ١/ ٤٥٩: صحيح وقفه جماعة، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٢١).
(٢) رواه مسلم (٢٢٤) كتاب: الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة، من حديث ابن عمر.
(٣) رواه مسلم (١٢١١/ ١٢٠) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام.
(٤) انظر: «المعونة» ١/ ٤٣٥.



ولا دلالة فيه؛ لأنها قضية عين محتملة، ولا حجة فيها، فالشافعي والأكثرون ذهبوا إلى أن التضحية بالبدن أفضل من البقر (١)؛ لتقديم البدنة على البقرة في حديث ساعة الجمعة (٢).
-------------------
(١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٣٠١، «روضة الطالبين» ٣/ ١٩٧.
(٢) سيأتي برقم (٨٨١) كتاب: الجمعة، باب: فضل الجمعة، ورواه مسلم (٨٥٠) كتاب: الجمعة، باب: الطيب والسواك يوم الجمعة.



٢ - باب غَسْلِ الحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا وَتَرْجِيلِهِ
٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَنَا حَائِضٌ. [٢٩٦، ٣٠١، ٢٠٢٨، ٢٠٢٩، ٢٠٣١، ٢٠٤٦، ٥٩٢٥ - مسلم: ٢٩٧ - فتح: ١/ ٤٠١]

٢٩٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْن يُوسُفَ، أَنَّ ابن جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سُئِلَ أَتَخْذمُنِي الَحائِضُ أَوْ تَدْنُو مِنِّي الَمرْأَةُ وَهْيَ جُنُبٌ؟ فَقَالَ عُرْوَة: كُلُّ ذَلِكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وَكلُّ ذَلِكَ تَخْدُمُنِي، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذَلِكَ بَأْسٌ، أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهَا كَانَتْ ترَجِّلُ -تَعْنِي:- رَأْسَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَهِيَ حَائِضٌ، وَرَسُول اللهِ - ﷺ - حِينَئِذٍ مُجَاوِرٌ فِي الَمسْجِدِ، يُدْنِي لَهَا رَأْسَهُ وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا، فَتُرَجِّلُهُ وَهْيَ حَائِضٌ. [انظر: ٢٩٥ - مسلم: ٢٩٧ - فتح: ١/ ٤٠١]
أي: تسريح شعر رأسه، والترجيل: التسريح.
ذكر فيه حديث عائشة من طريق هشام (١) عَنْ أَبِيهِ، عَنْها: كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَنَا حَائِضٌ.
وهو مطابق لما ترجم له، ولا خلاف بين العلماء في ذلك إلا شيء رُوي عن ابن عباس في ذلك.
قال ابن أبي شيبة: حدثنا ابن عيينة، عن ميمون، عن أمه قالت: دخل ابن عباس على ميمونة فقالت: أي بني ما لي أراك شعثًا رأسُك؟ قال: إن أم عمار مرجلتي وهي الآن حائض، فقالت: أي بني وأين الحيضة من اليد؟ كان رسول الله - ﷺ - رأسه في حجر إحدانا

-----------------
(١) جاء في هامش (س): بخط الشيخ: أخرجه من حديث هشام الجماعة إلا مسلم، وأخرجه الأربعة، والبخاري، ومسلم من حديث الزهري، عن عروة، وغيره عنها. ويأتي في الاعتكاف.


وهي حائض (١).
ثم ذكر البخاري أيضًا حديثًا ثانيًا فقال:
حَدَّثنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابن جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ أَخْبَرَنِي هِشَامٌ بن عروة، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سُئِلَ أَتَخْدُمُنِي الحَائِضُ أَوْ تَدنُو مِنِّي المَرْأَةُ وَهْيَ جُنُبٌ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ: كُلُّ ذَلِكَ هَيِّنٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَخْدُمُنِي، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذَلِكَ بَأْسٌ، أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهِيَ حَائِضٌ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يومئذٍ فِي المَسْجِدِ مُجَاوِرٌ، يُدْنِي لَهَا رَأْسَهُ وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا، فَتُرَجِّلُهُ وَهْيَ حَائِضٌ.
وهشام هذا هو الصنعاني قاضيها مات نحو المائتين (٢) (٣).
وإبراهيم هو الرازي الفراء الحافظ شيخ (البخاري ومسلم وأبي داود)، ومن بقي بواسطة (٤).

---------------------
(١) «المصنف» ١/ ١٨٤ (١٢١٢) ووقع فيه: عن منبوذ، عن أمه، بدل ميمون، وكذا وقع أيضًا في «شرح ابن بطال» ١/ ٤١٢، «عمدة القاري» ١/ ١٥٧ منبوذ، وهو الصواب، ففي «تهذيب الكمال» ١١/ ١٧٧ - ١٨٢ أن سفيان بن عيينة يروي عن منبوذ بن أبي سليمان المكي، وليس له رواية عن راوٍ يسمى ميمون، وفي ترجمة منبوذ هذا في «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٤٨٨. قال المزي: روى عن أمه عن ميمونة. ورواه مسلم (٢٩٧/ ١٠) عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة.
(٢) قال ابن معين: لم يكن به بأس، وقال العجلي: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة متقن.
انظر تمام ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٥٤٨، «التاريخ الكبير» ٨/ ١٩٤ (٢٦٧٥)، «ثقات العجلي» ٢/ ٣٣٣ (١٩١١)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٧٠ (٢٧١)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٢٦٥ (٦٥٩٢).
(٣) ورد بهامش (س) ما نصه: في «الكاشف» سنة ١٩٧ هـ.
(٤) يقصد المصنف أن البخاري ومسلم وأبا داود يروون عن إبراهيم بن موسى مباشرة بدون واسطة، كما هو حديث الباب، ومن بقي، أي من أصحاب الكتب الستة، وهم الترمذي والنسائي وابن ماجه، يروون عنه بواسطة.



قال أبو زرعة: كتبت عنه مائة ألف حديث، وهو أتقن من أبي بكر بن أبي شيبة (١).
واستدلال عروة في ذلك حسن كاستدلال ميمونة السالف، وَهو حجة في طهارة بدن الحائض سوى موضع الأذى وعرقها، وجواز مباشرتها.
وفيه دليل على أن المباشرة المنهي عنها للمعتكف لم يرد بها كل ما وقع عليه اسم لمس، وإنما أراد بها تعالى الجماع وما دونه من المقدمات، ألا ترى أنه - ﷺ - كان معتكفًا في المسجد ويدني رأسه ترجله.
والجوار: هو الاعتكاف. فقولها: (مجاور). أي: معتكف.
وفيه: ترجيل الشعر للرجال وما في معناه للزينة.
وفيه: خدمة الحائض زوجها وتنظيفها له، وقد قال - ﷺ - حين طلب منها الخُمرة: «إن حيضتك ليست في يدك» (٢).
قال ابن بطال: وفيه حجة على الشافعي في أن المباشرة الحقيقية مثل ما في الحديث لا تنقض الوضوء (٣).
قلت: إنما يرد عليه ذلك بمقدمات حتى يثبت.

----------------------
(١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٣٢٧ (١٠٢٨)، «الجرح والتعديل» ٢/ ١٣٧ (٤٣٦)، «تهذيب الكمال» ٩/ ٢١٢ (٢٥٤)، «سير أعلام النبلاء» ١١/ ١٤٠ (٥١)، «تذكرة الحفاظ» ٢/ ٤٤٩.
(٢) رواه مسلم (٢٩٨) كتاب: الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله.
(٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٤١٣.



وفيه: استخدام الزوجة برضاها، وعليه تظاهر دلائل السنة وعمل السلف وإجماع الأمة، أما بغير رضاها فلا يجوز؛ لأن الواجب عليها تمكين الزوج من نفسها وملازمة بيته فقط.
وفيه: أن الحائض لا تدخل المسجد؛ تنزيهًا له وتعظيمًا، وهو مشهور مذهب مالك أيضًا، وعن ابن مسلمة: أنها تدخل هي والجنب (١). وروي عنه الفرق (لأنه) (٢) لا يأمن أن يخرج منها ما ينزه المسجد عنه بخلاف الجنب.
وفيه: دلالة على أنه إذا خرج بعض بدن المعتكف من المسجد كيده ورأسه ورجله لا يبطل اعتكافه، وأن من حلف لا يدخل دارًا أو لا يخرج منها فأدخل أو أخرج بعضه لا يحنث.
فائدة:
روُي أن امرأة وقفت على قوم منهم: يحيى بن معين، وأبو حنيفة (٣)، وخلف بن سالم وجماعة يتدارسون الحديث، فسألتهم عن الحائض تغسل الموتى، وكانت غاسلة، فلم يجبها أحد منهم، وجعل بعضهم ينظر إلى بعض، فأقبل أبو ثور فقالوا لها: عليك بهذا المقبل. فسألته، فقال: يجوز لها ذلك لحديث عائشة: «إن حيضتك ليست في يدك»، فإذا غسلت رأس الحي فالميت أولى.

----------------
(١) انظر: «الذخيرة» ١/ ٣٧٩.
(٢) في (ج): فإنه.
(٣) ورد بهامش (س) تعليق نصه: وأين أبو حنيفة وهؤلاء ولا دليل، وذكر أبي حنيفة هنا خطأ إذ قد توفي أبو حنيفة ١٥٠ هـ، ويحيى بن معين، ولد في آخر سنة ١٩٨ هـ. وخلف بن سالم، وإن لم أقف على مولده، لكنه توفي سنة ٢٢١ هـ ويبعد أن يكون عالمًا في زمن أبي حنيفة يذاكر، وأما أبو ثور، فإنه توفي في صفر سنة ٢٤٠ هـ، وأبو ثور كان من أصحاب أصحاب أبي حنيفة.



فقالوا: هذا حديث رواه فلان عن فلان وحدث به فلان فتحدثوا في إسناده. فقال لهم: أين كنتم إلى الآن (١).
------------------
(١) روى هذِه القصة بسنده الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (١٥٧)، ومن طريقه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ٦/ ٦٦ - ٦٧، وفي «نصيحة أهل الحديث» (١٦) عن أحمد بن محمد بن سهيل قال: حدثني رجل -ذكره- من أهل العلم، وأنسيت أنا اسمه وأحسبه يوسف بن الصاد قال: وقفت امرأة …
وعند الخطيب رواه عن أحمد بن محمد بن سهيل، ابن خلاد، وهو الذي قال: وأنسيت أنا اسمه.
وتعليق الناسخ صحيح فإنه ليس أبا حنيفة، بل هو أبو خيثمة، زهير بن حرب النسائي ثقة، ثبت، محدث بغداد في عصره، روى عنه الإمام مسلم أكثر من ألف حديث، توفي سنة ٢٣٤ هـ. انظر: «تهذيب الكمال» ٩/ ٤٠٢ (٢٠١٠). والحكاية منكرة جدًّا؛ فيها ذلك المجهول شيخ شيخ الرامهرمزي، وابن معين وأبو خيثمة أجل في العلم من أن لا يعرفا جواب مثل هذِه المسألة.



٣ - باب قِرَاءَةِ الرَّجُلِ فِي حَضرِ امْرَأَتِهِ وَفيَ حَائِضٌ
وَكَانَ أَبُو وَائِلٍ يُرْسِلُ خَادِمَهُ وَهْيَ حَائِضٌ إلَى أَبِي رَزِينٍ، فَتَأتِيهِ بِالْمُصْحَفِ فَتُمْسِكُهُ بِعِلَاقَتِهِ.

٢٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، سَمِعَ زُهَيْرًا، عَنْ مَنْصُورٍ ابن صَفِيَّةَ، أَنَّ أُمَّهُ حَدَّثَتْهُ، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَتَّكِئُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، ثمَّ يَقْرَأُ القُرْآنَ. [٧٥٤٩ - مسلم: ٣٠١ - فتح: ١/ ٤٠١]
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، سَمِعَ زُهَيْرًا، عَنْ مَنْصُورٍ ابن صفِيَّةَ، أَنَّ أُمَّهُ حَدَّثَتْهُ، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَتَّكِئُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ القُرْآنَ.
والكلام على ذلك من أوجه:
أحدها:
ما ذكره أولا معلقًا ذكره ابن أبى شيبة فقال: حدثنا جرير عن مغيرة: كان أبو وائل، فذكره (١).
ثانيها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في التوحيد (٢)، وأخرجه مسلم أيضًا (وأبو داود والنسائي وابن ماجه) (٣).

-----------------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ١٤٢ (٧٤٢١) كتاب: الصلوات، في الرجل على غير وضوء والحائض يمسّان المصحف.
(٢) سيأتي برقم (٧٥٤٩) كتاب: التوحيد، باب: قول النبي «الماهر بالقرآن مع الكرام البررة».
(٣) رواه مسلم (٣٠١/ ١٥) كتاب: الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، وأبو داود (٢٦٠)، والنسائي ١/ ١٤٧، وابن ماجه (٦٣٤).



ثالثها:
أبو وائل اسمه: شقيق بن سلمة الأسدي تابعي سلف (١)، وفي أبي داود آخر كنيته كذلك واسمه: عبد الله بن بحير الصنعاني (٢) ولا ثالث لهما في الكتب الستة.
وأبو رزين اسمه: مسعود (م. الأربعة) بن مالك هو مولى أبي وائل تابعي أيضًا (٣).
ومنصور بن صفية هو ابن عبد الرحمن بن طلحة العبدري الحجبي المكي الخاشع البكاء، صالح الحديث، مات سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومائة (٤)، ووالدته لها رؤية، سلفت (٥)، ووالدها شيبة العبدري حاجب البيت.

----------------------
(١) سلفت ترجمته في حديث (٤٨).
(٢) هو عبد الله بن بحير بن ريسان المرادي، أبو وائل القاص اليماني الصنعاني، قال ابن المديني: سمعت هشام بن يوسف، وسئل عن عبد الله بن بحير، فقال: كان يتقن ما سمع. انظر تمام ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٤٩ (١٠٦)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٥ (٦٩)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٣٢٣ (٣١٧٤)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٠٥.
(٣) قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه، فقال: ثقة. انظر تمام ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ١٨٠، «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٢٣ (١٨٥٥)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٨٢ (١٢٩٥)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٧٧ (٥٩١٢).
(٤) قال أبو حاتم: صالح. ووثقه النسائي، وقال الحميدي: عن ابن عيينة: كان يبكي في وقت كل صلاة.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٤٤ (١٤٨٧)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٧٤ (٧٧١)، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٥٣٨ (٦١٩٧).
(٥) سلفت ترجمتها عند حديث (٢٧٧).



رابعها:
قولها: (في حجري). هو بفتح الحاء وكسرها، ووقع للعذري في مسلم (حجرتي) بمثناة فوق قبل الياء، وهو وهم، ووقع لبعض رواة مسلم (وأنا حائضة)، والأفصح: حائض. وللنحاة في الأولى وجهان:
أحدهما: أن حائض وطالق مما لا شركة فيه للمذكر، فاستغنى عن العلامة.
وأصحهما: أن ذلك على طريق النسب إلى ذات حيض وذات طلاق.
ومعنى (يتكئ): يميل بإحدى شقيه كما سلف.
خامسها:
وجه مناسبة (١) [ذكر البخاري ما ذكر عن أبي وائل في هذا الباب، أنه لما ذكر جواز حمل الحائض العلاقة التي فيها المصحف نظرها بمن يحفظ القرآن، فهو حامله؛ لأنه في جوفه لما روي عن ابن المسيب وابن جبير (٢)، وعن ابن عباس أنه كان يقرأ ورده وهو جنب (٣)، فقال: في جوفي أكثر من ذلك.
ووجه مناسبته إدخال حديث عائشة فيه أن ثيابها بمنزلة العلاقة،
والشارع بمنزلة المصحف؛ لأنه في جوفه وحامله، إذ غرض البخاري بهذا الباب الدلالة على جواز حمل الحائض المصحف، وقراءتها القرآن، فالمؤمن الحافظ له أكبر أوعيته، وها هو - ﷺ - أفضل

--------------------
(١) من هنا بدأ سقط طويل في (ج).
(٢) انظر: «الأوسط» لابن المنذر ٢/ ٩٨ - ٩٩.
(٣) رواه ابن المنذر ٢/ ٩٨ (٦٢٤).



المؤمنين؛ لعموم رسالته، وحرمة ما أودع من طيب كلامه -في حجر حائض تاليا للقرآن .. إلخ
قولها: (فيقرأ القرآن) قد يقال: فيه إشارة إلى المنع؛ لأنه إنما يحسن التنصيص عليه إذا كان ثم ما يوهم منعه، ولو كانت جائزة لكان هذا الوهم منطقيا، وقد اختلف العلماء في ذلك، فمن رخص للحائض والجنب في حمل المصحف بعلاقته: الحكم بن عتيبة، وعطاء، وسعيد بن جبير، وحماد بن أبي سليمان، والحسن، ومجاهد، وطاوس، وأبو وائل، وأبو رزين (١)، وهو قول أهل الظاهر.
وقال جمهور العلماء: لا يمسه حائض ولا جنب، ولا يحمله إلا طاهر غير محدث وروي ذلك عن ابن عمر (٢)، وهو قول مالك، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، والشعبي، القاسم بن محمد وأجاز محمد بن سيرين والشعبي مسَّه من غير وضوء (٣).
ومنع الحكم مسه بباطن الكف خاصة كذا نقل عنه، وفيه مخالفة لما مضى، حجة من أجاز الحديث السالف: «إن المؤمن لا ينجس» (٤)، وكتب - ﷺ - إلى هرقل آية من القرآن (٥)، ولو كان حرامًا ما كتبها إليه؛

----------------------
(١) روى بعضها ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٢ (٧٤٢١ - ٧٤٢٤).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٢ (٧٤٢٧)، وابن المنذر ٢/ ١٠١ (٦٢٩).
(٣) رواهما ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٢ (٧٤٢٥، ٧٤٢٩).
(٤) سلف برقم (٢٨٣) كتاب الغسل، باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس، ورواه مسلم (٣٧١) كتاب الحيض، باب الدليل على أن المسلم لا ينجس.
(٥) كتب له قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤] وهو حديث سلف مطولًا برقم (٧) كتاب: بدء الوحي بابٌ، ورواه مسلم (١٧٧٣) كتاب: الجهاد والسير، باب: كتاب النبي - ﷺ - إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام.



لأنه يمسونه بأيديهم، وذكر ابن أبي شيبة أن سعيد بن جبير دفع المصحف بعلاقته إلى غلام له مجوسي (١).
واحتج الجمهور بقوله تعالى ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩] وبحديث عمرو بن حزم مرفوعًا: «لا يمس القرآن إلا طاهر» وهو حديث جيد (٢).
وبأن عائشة رضي الله عنها كانت تقرأ القرآن وهي حائض، ويمسك لها المصحف، ولا تمسكه هي.
والجواب عن بعثه هرقل أنه رخص في ذلك لمصلحة الإبلاغ والإنذار، ولم يقصد به التلاوة […] (٣) البسملة والحمدلة على قطعة […] (٤).
اعترض الأولون بأن المراد بالمطهرين الملائكة، كما قاله قتادة، والربيع بن أنس، وأنس بن مالك ومجاهد بن جبر وغيرهم (٥).

------------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٤٢ (٧٤٢٣).
(٢) سيأتي تخريجه مفصلًا.
(٣) ما بين المعقوفتين ملحق غير واضح بهامش (س).
(٤) ما بين المعقوفتين ملحق غير واضح بهامش (س).
(٥) رواه عن قتادة الطبري ١١/ ٦١١ (٣٣٥٤٨ - ٣٣٥٤٩)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ٢٣٢ لعبد بن حميد والطبري. ورواه عن الربيع بن أنس، عبد بن حميد وابن المنذر كما عزاه السيوطي ٦/ ٢٣٢. ورواه عن أنس بن مالك سعيد بن منصور وابن المنذر كما عزاه السيوطي ٦/ ٢٣٢. ورواه عن مجاهد بن جبر الطبري ١١/ ٦٦٠ (٣٣٥٤٣)، وعزاه السيوطي ٦/ ٢٣٢ لآدم ابن أبي إياس وعبد بن حميد والطبري وابن المنذر والبيهقي في «المعرفة».
وهو أيضًا قول ابن عباس وسعيد بن جبير -كما سيذكره المصنف- وجابر بن زيد وأبي نهيك وعكرمة وأبي العالية، رواه عنهم الطبري ١١/ ٦٥٩ - ٦٦٠ (٣٣٥٣٧ - ٣٣٥٤٢ - ٣٣٥٤٤). وانظر: «الدر المنثور» ٦/ ٢٣٢ - ٢٣٣.



ونقله السهيلي عن مالك قال: ويؤكده أنه تعالى لم يقل: المتطهرين، وفرق ما بين المتطهر والمطهر، وذلك أن المتطهر من فعل الطهور، وأدخل نفسه فيه كالمنفعة، كذلك المنفصل في أكثر الكلام واستبعده بعضهم؛ لأنهم كلهم مطهرون، ومسه والاطلاع عليه إنما هو لبعضهم؛ ولأن تخصيص الملائكة من بين سائر المتطهرين على خلاف الأصل.
وقال أبو محمد ابن حزم: قراءة القرآن والسجود به، ومس المصحف، وذكر الله تعالى جائز كل ذلك بوضوء وبلا وضوء للجنب والحائض، وهو قول ربيعة وسعيد بن المسيب، وابن جبير وابن عباس وداود وجميع أصحابنا.
قال: والآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه، فلا يصح منها شيء؛ لأنها إما مرسلة، وإما صحيفة لا تسند، وإما عن مجهول، وإما عن ضعيف، والصحيح حديث ابن عباس، عن أبي سفيان حديث هرقل الذي فيه: و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]، فهذا الشارع قد بعث كتابًا فيه قرآن إلى النصارى، وقد أيقن أنهم يمسونه (١).
وقد أسلفنا الجواب عن هذا، قال: فإن ذكروا حديث ابن عمر:
نهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (٢).
قلنا: هذا حق يلزم اتباعه، وليس فيه لا يمس المصحف جنب ولا كافر، وإنما فيه أن لا ينال أهل الحرب القرآن فقط.
فإن قالوا: إنما بعث إلى هرقل بآية واحدة.

--------------------
(١) «المحلى» ١/ ٧٧ - ٨٣.
(٢) رواه مسلم (١٨٦٩) كتاب: الإمارة، باب: النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء 0 والزوار 3)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,855.38 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,853.67 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.09%)]