|
|||||||
| هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#491
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ...﴾ قوله تعالى: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾[آل عمران: 113 - 115]. 1- أن أهل الكتاب ليسوا سواءً على منهج واحد، فكما أن منهم الفاسقين الكافرين، فمنهم أمة مؤمنة قائمة بأمر الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ... ﴾ الآية. 2- كمال عدل الله - عز وجل - فإنه لما ذكر أن أكثر أهل الكتاب فاسقون وذمَّهم، وذكر ما عوقِبوا به، بيَّن في هذه الآيات أنهم ليسوا سواءً، وأن منهم أمة قائمة؛ يعني قائمة بأمر الله، وأثنى عليهم بذكر صفاتهم احترازًا من أن يظن أن أهل الكتاب كلهم فاسقون وكفار لا خيرَ فيهم. 3- امتداح من آمن من أهل الكتاب والثناء عليهم بالقيام بأمر الله تعالى، وتلاوة آياته آناء الليل، والصلاة والسجود لله تعالى، والإيمان بالله واليوم الآخر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمسارعة في الخيرات؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾. 4- أن ما فعله أهل الكتاب وغيرهم من خير، فلن يضيع عند الله، وسيجازون به ويعطون ثوابه كاملًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾. 5- تساوي الناس في الإسلام فيما يشرع لهم القيام به من الأعمال، ومجازاة كل منهم بما عمل، سواء من كان منهم أصله من أهل الكتاب، أو من هذه الأمة. 6- الحث والترغيب في الصفات المذكورة من القيام بأمر الله تعالى، وتلاوة آياته آناء الليل والسجود له، والإيمان بالله واليوم الآخر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمسارعة في الخيرات، وبيان فضيلة هذه الأعمال، ومكانة المتصفين بها؛ لأن الله - عز وجل - أثنى على أهلها، وأشار إلى رِفعة مكانتهم، وأنهم من الصالحين المتقين، ووعدهم بإثابتهم على ذلك. 7- فضيلة الصلاح؛ لأن الله وصف به أهل الإيمان به، بل وصف به أنبياءه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾. 8- أن الله لا يضيع أجرَ مَن أحسن عملًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾. 9- الترغيب في عمل الخير مطلقًا قليلًا أو كثيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾. 10- علم الله تعالى الواسع بالمتقين وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾، وفي هذا تأكيد لقوله تعالى قبل هذا: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾. 11- أن مَن عمِل بما ذُكِرَ من الصفات المذكورة في الآيات، فهو من الصالحين المتقين. 12- الترغيب بتقوى الله تعالى؛ لأن علمه عز وجل بالمتقين فيه وعدٌ لهم بمجازاتهم بالثواب، كما يُفهم من ذلك التحذير من ترك التقوى، والوعيد لغير المتقين.
__________________
|
|
#492
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا... ﴾ قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 116، 117]. قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. كما قال تعالى في أول السورة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 10]. ذكر الله - عز وجل - في الآيات السابقة أن من أهل الكتاب أمة قائمة بأمر الله وأثنى عليهم، ووعدهم بالثواب، ثم أتبع ذلك بالوعيد للذين كفروا في هذه الآية. قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ «إنَّ» للتوكيد، أي: إن الذين جحدوا وأنكروا وجود الله وربوبيته وألوهيته، وأسماءه وصفاته وشرعه، أو شيئًا من ذلك؛ كما قال تعالى في المنافقين: ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المجادلة: 17]. ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾؛ أي: لن تدفع ولن تجزي عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا، بدفع ومنع شيء من عذاب الله وبأسه عنهم قبل وقوعه، أو رفعه بعد وقوعه، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [الرعد: 11]. ﴿ شَيْئًا ﴾: نكرة في سياق النفي، فتعم أيَّ شيء، فلا تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله أيَّ شيء، أيًّا كان ومهما قل. ﴿ أَمْوَالُهُمْ ﴾ الأموال: جمع مال، وهي كل ما يتحول ويُملَك من نقد أو عينٍ، وغير ذلك، أي: لن تغني عنهم أموالهم من الله شيئًا، بأن يقدِّموها فديةً للخلاص من عذاب الله؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 36]، وقال تعالى: ﴿ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [الحديد: 15]. ﴿ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ﴾: الواو عاطفة، وكرِّر حرف النفي «لا» لتأكيد عدم غناء أولادهم عنهم شيئًا، بدفع ومنع عذاب الله عنهم أو رفعه. وخصَّ الأموال والأولاد؛ لأنهم يفتخرون بذلك، ولأن الناس في الدنيا يفتدون بالمال ويدفعون به عن أنفسهم، ويتقوون بالأولاد، وينتصرون بهم، كما ينتصر الأقارب بعضهم ببعض، كما قال الشاعر: أخاك أخاك إن مَن لا أخا له ![]() كساع إلى الهيجاء بدون سلاح[1] ![]() ![]() ![]() لكن ذلك لا يدفع بأس الله تعالى عنهم وعقابه إذا أراده بهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [الرعد: 11]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [الأحزاب: 17]، وأما في الآخرة، فكما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89]، وقال تعالى: ﴿ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الممتحنة: 3]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ [عبس: 34 - 37]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴾ [المعارج: 10 - 14]. ﴿ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾: أشار إليهم بإشارة البعيد تحقيرًا لهم، أي: أولئك الذين كفروا ﴿ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾؛ أي: أهلها وساكنوها وملازموها. ﴿ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾: تأكيد للجملة قبلها، وبيان أن مصاحبتهم للنار مصاحبة خلود فيها، لا انقطاع لها؛ أي: هم فيها ماكثون مقيمون إقامة أبدية؛ لأن النار لا تفنى ولا يَفنى عذابها ولا أهلها، وقد أكد هذا باختيار الجملة الاسمية الدالة على الاستمرار والدوام. قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾. ذكر الله - عز وجل - في الآية السابقة أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا، ثم أتبع ذلك ببيان السبب في ذلك، وهو بُطلان نفقاتهم بسبب كفرهم وظلمهم. قوله: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ ﴿ مَثَلُ ﴾؛ أي: شبه وصفة، ﴿ مَا يُنْفِقُونَ ﴾﴿ ما ﴾: موصولة تفيد العموم؛ أي: مثل الذي ينفقون في هذه الحياة الدنيا في بطلانه واضمحلاله، وهو عام لكل ما ينفقونه من أموالهم في وجوه البر والخير، أو في وجوه الكفر والشر؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: 36]. ﴿ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴾: الكاف للتشبيه، كشبه وصفة ﴿ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴾؛ أي: ريح عاصفة شديدة الهبوب، شديدة البرد، شديدة الصوت؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴾ [الحاقة: 6]. ﴿ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ﴾؛ أي: زرع قوم، ﴿ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾: الظلم: النقص؛ كما قال تعالى: ﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴾ [الكهف: 33]؛ أي: ولم تنقص منه شيئًا، وهو وضع الشيء في غير موضعه على سبيل التعدي. ويشمل في الشرع تركَ الواجب وفعل المحرم، أي: ظلموا أنفسهم بالمعاصي، وأعظم ذلك الشرك؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82] ؛أي: بشركٍ، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]. ﴿ فَأَهْلَكَتْهُ ﴾؛ أي: أيبسته وأحرقته، بسبب ظلمهم لأنفسهم بالكفر والمعاصي؛ قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]، فشبه عز وجل نفقات الكفار في اضمحلالها وعدم انتفاعهم بها بسبب كفرهم - وهم أحوج ما يكونون إليها - بزرع قومٍ ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك والمعاصي، فسلَّط الله عليه ريحًا شديدة البرودة فأهلكته، وهم أحوج ما يكونون إليه، فلم تُقبل نفقات هؤلاء بسبب كفرهم، ولم يَسلم لهؤلاء حرثُهم بسبب ظلمهم لأنفسهم بالكفر والمعاصي. ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ﴾: الواو: استئنافية، و«ما»: نافية، أي: وما ظلمهم الله فيما أوقع بهم، بل هذا مقتضى عدله، والجزاء من جنس العمل. والضمائر في قوله: ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ تعود إلى الذين كفروا، أي: وما ظلمهم الله في إبطال نفقاتهم وعدم قبولها؛ لأنهم هم الذين تسبَّبوا في ذلك بظلمهم لأنفسهم بالكفر المحبط للأعمال. ويحتمل أيضًا عود الضمائر على أصحاب الحرث؛ أي: وما ظلمهم الله في إهلاك حرثهم بالريح والبرد؛ لأن سبب ذلك ظلمهم لأنفسهم بالكفر والمعاصي. ولا مانع من حمل الضمائر على الجميع، فكل من الفريقين هلك وضاع نتاجُ عمله بسبب ظلمه لنفسه بالكفر والمعاصي. وقدَّم المفعول ﴿ أَنْفُسَهُمْ ﴾؛ لإفادة الحصر، أي: لا يظلمون إلا أنفسهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 57]. [1] البيت لمسكين الدارمي؛ انظر: «ديوانه»، (ص29).
__________________
|
|
#493
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا... ﴾ قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 116، 117]. 1- أن الذين كفروا لن تَدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من عقاب الله وعذابه شيئًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾، بل هي وبال وحسرة عليهم؛ لأنهم اتخذوها للصد عن دين الله، والتكاثر والتفاخر والخيلاء. 2- أن أهم ما يستغني به الناس في حياتهم الأموال والأولاد. 3- ينبغي التعلق بالله ورجائه، وعدم الاغترار بالأموال والأولاد، فإنها لا تنفع إلا إذا استُعين بها على طاعة الله تعالى، وأُنفقت في سبيله. 4- أن الذين كفروا هم أهل النار وساكنوها وملازموها، والخالدون فيها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. 5- إثبات النار، وأنها لا تفنى ولا يفنى عذابُها. 6- تحقير الكفار؛ لقوله: ﴿ وَأُولَئِكَ ﴾ بإشارة البعيد. 7- ضرب الأمثال في القرآن الكريم بتشبيه المعقول بالمحسوس لتقريب المعاني؛ لقوله تعالى: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ الآية. 8- أن نفقات الكفار في الحياة الدنيا لا تنفعهم في الآخرة، بل تضيع سدًى، وتذهب هباءً؛ لقوله تعالى: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴾ الآية، وكما قال تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ [التوبة: 54]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 264]، وقال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [الفرقان: 23]، وقال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾ [الكهف: 105]. ولما سألت عائشة - رضي الله عنها - رسول الله صلى الله عليه وسلم: قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا، إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»[1]. 8- التحذير من إنفاق الأموال لغير وجه الله تعالى، للرياء وكسب الثناء والذكر عند الناس، وفي المحرمات والمعاصي. 9- بلوغ القرآن الكريم الغاية في البلاغة في تشبيهه نفقات الكفار في ضياعها واضمحلالها، وهلاكها بريح فيها صرٌّ أصابت حرث قوم فأهلكته. 10- أن الله - عز وجل - ما ظلم هؤلاء الكفار في إبطال نفقاتهم؛ لأن ذلك بسبب ظلمهم لأنفسهم بالكفر، كما أنه سبحانه ما ظلم أصحاب هذا الحرث بإهلاكه بالريح؛ لأن ذلك بسبب ظلمهم لأنفسهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾. 11- كمال عدل الله - عز وجل - وأنه لا يظلم أحدٌ من خلقه، وإنما هم يظلمون أنفسهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [النحل: 33]، وقال تعالى: ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 40]، وقال تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [النحل: 118]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [يونس: 44]. 12- الإشارة إلى أن نفس الإنسان وديعة عنده ينبغي أن يحملها على ما فيه صلاحها ونجاتها وسعادتها في دينها ودنياها وأخراها، وأن ينأى بها عن مواقع الزلل والخطر، وما يُعرِّضها للهلاك، ولعذاب الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. 13- أن الكافر والعاصي لا يضر في الحقيقة إلا نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾، بتقديم المفعول أنفسهم للدلالة على الحصر؛ ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 57]. [1] أخرجه مسلم في «الإيمان» (365).
__________________
|
|
#494
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا... ﴾ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾[آل عمران: 118 - 120]. قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾. قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾: سبق الكلام عليه. ﴿ لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ ﴿ لا ﴾: ناهية، ﴿ تَتَّخِذُوا ﴾؛ أي: تجعلوا، وهو ينصب مفعولين، الأول هنا «بطانة»، والثاني محذوف تقديره «أصفياء»، أو نحو ذلك. و«البطانة» بكسر الباء، وهي في الأصل: داخل الثوب الذي يلي البدن، وجمعها بطائن؛ كما قال تعالى: ﴿ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ [الرحمن: 54]، وبطانة الرجل هم أصفياؤه وأصدقاؤه، وخاصته الذين يُفضي إليهم بأسراره، ويُطلعهم على خاصة أموره وأحواله؛ قال الشاعر: أولئك خُلْصاني نَعم وبِطانتي ![]() وهم عَيبتي من دون كلِّ قريب[1] ![]() ![]() ![]() سُموا بطانة؛ لأنهم يلونه، ويَطَّلعون على أسراره وأموره الباطنة، كما تلي بطانة الثوب بدنَ لابسه، والثوب له بطانة وله ظهارة، فالبطانة: ما وَلِيَ الجسد، والظهارة: ما كان فوق ذلك. ﴿ مِنْ دُونِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ«بطانة»، ويجوز تعلقه بـ«لا تتخذوا»، و«من» للتبعيض؛ أي: من غيركم؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ﴾ [مريم: 81]؛ أي: من غير الله، فقوله: ﴿ مِنْ دُونِكُمْ﴾؛ أي: من غير أهل دينكم المسلمين. وقيل: «مِن» زائدة من حيث الإعراب، مؤكدة من حيث المعنى، والتقدير على هذا: لا تتخذوا بطانة دونكم في الإيمان والعمل والمنزلة. والمعنى: لا تتخذوا وتجعلوا أولياءَ وأصفياءَ وخواصَّ لكم من المنافقين، واليهود والنصارى، وغيرهم من أهل الكفر، تُفضون إليهم بأسراركم، وتُطلعونهم على دواخل أموركم وأحوالكم، وهم «الوليجة»؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة: 16]. وقد رُوي أن هذه الآيات نزلت في قوم من المؤمنين كان يُصافون المنافقين، ويواصلون رجالًا من اليهود، لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع، فأنزل الله تعالى هذه الآية عامة، فلا يجوز اتخاذ بطانة من غير المؤمنين مطلقًا. قوله تعالى: ﴿ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾. هذه الجملة مستأنفة؛ تعليلًا للنهي في قوله: ﴿ لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ﴾؛ أي: لأنهم لا يألونكم خبالًا ويَودُّون ما عنتم، وقد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر. ﴿ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾ ﴿ لا ﴾: نافية، و«يألون»: ينصب مفعولين، الأول: ضمير المخاطبين، والثاني ﴿ خَبَالًا﴾؛ أي: لا يألون جهدًا، ولا يُقصرون في خبالكم، ومنه قول معاذ رضي الله عنه: «أجتهد رأي ولا آلو»[2]؛ أي: لا أقصِّر في ذلك. والخبال: الفساد في الرأي والعقل، ولهذا يوصف به فاسد الرأي والعقل، والمعنى: أنهم يبذلون كل جهد لإفساد رأيكم، وتقليلكم، واختلال أموركم. ﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ﴾: الود: خالص المحبة، و«ما»: مصدرية، و«العنت»: المشقة الشديدة والتعب؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 220]؛ أي: لشقَّ عليكم، وقال تعالى: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ [التوبة: 128]؛ أي: ما شقَّ عليكم. فمعنى ﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ﴾؛ أي: أحبُّوا بكل قلوبهم «عنتكم»؛ أي: المشقة الشديدة عليكم وإتعابكم، معنويًّا بقلوبكم، وحسيًّا بأبدانكم وأموالكم، في أمور دينكم ودنياكم، بإضعاف قوتكم المعنوية، قوة الدين والإيمان بالتشكيك في دينكم، وصد الناس عنه، ونحو ذلك، وإضعاف قوتكم المادية العلمية والاقتصادية والسياسية، وقوة العدة والعتاد، وغير ذلك. ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾: ﴿ قد ﴾: حرف تحقيق، ﴿ بدت ﴾؛ أي: ظهرت، ﴿ الْبَغْضَاءُ﴾: الكراهية والحنق والحقد والعداوة، ﴿ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾، ﴿ مِنْ﴾: لابتداء الغاية؛ أي: قد ظهرت الكراهة والعداوة الشديدة لكم، ﴿ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾؛ أي: من أقوالهم وفلتات ألسنتهم، فهم لشدة عداوتهم لا يملِكون أنفسهم، ولا يقدرون على حفظ ألسنتهم من النضح بما في قلوبهم، وإن حاولوا التكتم على ذلك بُغية الوصول إلى مآربهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ﴾ [محمد: 30]. وفي الأثر: «ما أسر أحدٌ سريرة إلا أظهرها الله عز وجل على صفحات وجهه، وفلتات لسانه»[3]، وكما قيل: «كوامن النفوس تظهر على صفحات الوجوه، وفلتات اللسان»؛ قال الشاعر: فحسبُكم هذا التمايزُ بيننا ![]() وكلُّ إناء بالذي فيه يَنضَح[4] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: ومهما تَكُن عند امرئ من خليقةٍ ![]() وإن خالها تَخفى على الناس تُعلَم[5] ![]() ![]() ![]() ﴿ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾: «ما»: موصولة؛ أي: والذي تخفي صدورهم وقلوبهم من البغضاء والكراهية والعداوة لكم أكبر وأعظمُ مما يظهر من أفواههم وعلى ألسنتهم. وفي هذه الجمل الأربع تأكيد للنهي السابق، وكشف وفضح لكثيرٍ ممن يتملقون ويُظهرون خلاف ما يُبطنون من البغضاء والعداوة، وإضمار الشر والغش، كما قيل: لا تأْمَننَّ عدوًّا لانَ جانبُه ![]() خُشونةُ الصل عُقبى ذلك اللين[6] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: إن الأفاعي وإن لانتْ ملامسُها ![]() عند التقلُّب في أنيابها العَطَبُ[7] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: ![]() يَلقاك يَحلِف إنه بك واثقٌ ![]() وإذا تَوارَى عنك فهو العقربُ[8] ![]() واتخاذ بطانة من غير المسلمين خطرُه عظيم، وضرره جسيم على الأمة، على الأفراد والجماعات، وبخاصة ولاة الأمر وأرباب المسؤوليات في الأمة، ولهذا يجب الحذر كل الحذر من ذلك، فإنهم مهما أظهروا من النصح فلا يوثَق بهم، ولا ينبغي أن يطَّلعوا على أحوال المسلمين وأسرارهم. وقد ذكر أن أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه - اتخذ كاتبًا نصرانيًّا في بيت المال، فكتب إليه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بعزله، وقال: كيف نأمنهم وقد خوَّفهم الله؟ فكتب إليه أبو موسى: إن بيت المال بحاجة إليه، وإنه ذو معرفة بالكتابة والحساب، ولا يوجد من يقوم مقامه، فأرسل إليه عمر- رضي الله عنه - بطاقة صغيرة كتب فيها: «مات النصراني والسلام»[9]؛ أي: قدِّر أن هذا النصراني مات، هل تتعطل أمور الأمة؟ أي: ابحث عن غيره، فلسنا بحاجة إلى مثله. كما ينبغي أن يُحذَرَ من البطانة السيئة، حتى ممن يُحسبون على الإسلام من أرباب الشبهات والشهوات الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 27]. وما أكثر هؤلاء من دعاة الديمقراطية والتطور والانفتاح، ونبذ الموروث القديم من أبواق أعداء الإسلام، ممن هم من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بلُغتنا؛ كما في حديث حذيفة رضي الله عنه: «دُعاة على أبواب جهنم»[10]. وكم زال من مُلك، وتبدلت من دول، وزالت مِن نعم، وحلَّت مِن نِقم، بسبب التساهل في اختيار البطانة الصالحة؛ مما يوجب الحرص على اختيار البطانة الصالحة، والحذر من بطانة السوء؛ عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان؛ بطانة تأمره بالخير وتحُضه عليه، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله»[11]. ولهذا كان من أهم ما يُدْعَى به لولاة أمور المسلمين أن يرزُقهم الله البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير، وتَحثهم عليه، وتحذِّرهم من الشر وتنهاهم عنه. ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ﴾ أي: قد أوضحنا وأظهرنا لكم عنايةً بكم الآياتِ الكونية والشرعية، ومن ذلك الدلائل على سوء اتخاذ بطانة من دونكم؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ [الحجر: 75]. ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾؛ أي: إن كنتم ذوي عقول تَعقلون بها، وتفهمون ما بيَّناه لكم من الآيات، وتهديكم إلى ما ينفعكم، وتَمنعكم عما يضركم.
__________________
|
|
#495
|
||||
|
||||
|
وذلك أن العقل عقلان: عقل هو مناط التكليف، ولولاه ما كلِّفوا، وليس مرادًا هنا، وعقل هو مناط المدح والذم، وهو المراد هنا؛ أي: إن كنتم ذوي عقول تعقلون بها الآيات وتهتدون بها إلى الحق؛ كما قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الروم: 28]، وقال تعالى: ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ [الفجر: 5]؛ أي: إن بياننا الآيات لكم لا يظهر إلا لمن كان له عقلٌ يدله ويهديه إلى الحق، ويَحجزه ويَمنَعه عن الباطل واتباع الهوى، فيهتدى بالآيات إلى الحق، ويبتعد عن الباطل، ويَسلَم من اتخاذ بطانة من دون المؤمنين تُفسد عليه أمره؛ قال الشاعر: وآفةُ العقل الهوى فمن علا ![]() على هواه عقلُه فقد نجا[12] ![]() ![]() ![]() أما من كان له عقل، لكنه لم يَهده إلى الحق، ولم يَحجزه عن الباطل، فإنه أعمى عن بيان الآيات، وليس بعاقل، بل متَّبِع لهواه؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ [يونس: 96، 97]، وقال الذين كفروا: ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [الملك: 10]. قوله تعالى: ﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾. نهى الله - عز وجل - المؤمنين عن اتخاذ بطانة من غيرهم، وعلل لذلك النهي بأن هؤلاء البطانة لا يألون جهدًا في خبال المؤمنين، ويودُّون عنتَهم، وقد بدت البغضاء من أفواههم، وما تُخفي صدورهم أكبرُ، وأنه ليس من العقل اتخاذهم بطانة، ثم ذكر في هذه الآية والتي بعدها ما يؤيِّد ذلك مِن واقع تعاملهم، ويبيِّن خطأ المؤمنين في موالاتهم؛ حتى يَبذلوها لمن لا يحبهم، بل يبغضهم ويُعاديهم. قوله: ﴿ هَا أَنْتُمْ ﴾ قرأ قنبل عن ابن كثير بالقصر: «هأنتم»، وقرأ الباقون بالمد ﴿ هَا أَنْتُمْ ﴾، و«ها»: حرف تنبيه، «أنتم»: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ، والخطاب للمؤمنين، ﴿ أُولَاءِ ﴾: اسم إشارة منادى، وأصله: يا هؤلاء، ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾: خبر المبتدأ. والضمير «هم» في ﴿ تُحِبُّونَهُمْ﴾ يعود إلى البطانة في قوله: ﴿ بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ﴾؛ أي: تحبون هذه البطانة؛ أي: ها أنتم يا هؤلاء المؤمنين تحبون هؤلاء المنافقين الذين اتخذتموهم بطانة من دونكم إحسانًا منكم الظن بهم، لما يظهرون لكم من الإيمان. ﴿ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾؛ أي: وهم لا يحبونكم لا ظاهرًا ولا باطنًا؛ كما قال تعالى: ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ﴾: معطوف على ما قبله، و«أل» في «الكتاب»: للجنس، أي: وتؤمنون بكتب الله تعالى كلها، ولهذا أكده بقوله: ﴿ كلِّه ﴾؛ أي: وتصدقون ظاهرًا وباطنًا بجميع الكتب التي أنزلها الله تعالى؛ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، وصحف إبراهيم وغيرها، مما سمى الله تعالى لكم ومما لم يسمِّ، وهم في شك وريب من ذلك، بل لا يؤمنون بذلك، أو يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، كاليهود يؤمنون بالتوراة، والنصارى يؤمنون بالإنجيل، ويكفرون جميعًا بالقرآن الكريم. ﴿ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا ﴾ نفاقًا وتقية: ﴿ آمَنَّا ﴾؛ أي: صدَّقنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مثلكم، وهم كما قال الله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران: 167]، وكما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ [البقرة: 14]. ﴿ وَإِذَا خَلَوْا ﴾ أي: انفردوا وحدَهم. ﴿ عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾: العض: تحامل الأسنان بعضها على بعض، ويعبر به عن الندم المفرِط؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾ [الفرقان: 27]، فكأن صاحب الغيظ يتمنى أن يجعل عدوَّه بين أسنانه، فيَقضمه من شدة غيظه؛ قال أبو طالب: وقد صالَحوا قومًا علينا أشحةً ![]() يَعضون غيظًا خلفنا بالأنامل[13] ![]() ![]() ![]() و﴿ الْأَنَامِلَ﴾: جمع أنملة، وهي: أطراف الأصابع. ﴿ مِنَ الْغَيْظِ ﴾؛ أي: من شدة الغيظ في قلوبهم، والغيظ: الحنق، وشدة الغضب، وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من فوران دم قلبه، والتغيظ: إظهار الغيظ، وقد يكون مع ذلك صوت؛ كما قال تعالى: ﴿ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ﴾ [الفرقان: 12]. ﴿ من ﴾ للسببية؛ أي: بسبب شدة الغيظ والحنق عليكم؛ لما يرون من نعمة الله عليكم بالإيمان، وظهور أمركم، واجتماع كلمتكم، وعدم تمكُّنهم من ردِّكم إلى دينهم ومن نيل مآربهم فيكم. ﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾: الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولكل مؤمن، أي: قل لهؤلاء موتوا بغيظكم، والأمر في قوله: ﴿ مُوتُوا﴾ للإهانة والإغاظة، أي: موتوا بغيظكم تأسفًا وتحسرًا؛ حيث لم تجدوا إلى التشفي سبيلًا. والباء في قوله: ﴿ بِغَيْظِكُمْ ﴾ للسببية؛ أي: موتوا كمدًا بسبب غيظكم، فهو دعاء عليهم بزيادة غيظهم لما يرون من عز الإسلام وقوة المسلمين إلى أن يَهلكوا بسبب ذلك. ويجوز كون الباء للحال والملابسة والغاية، أي: موتوا متلبسين بغيظكم، وهذا دعاء ببقائهم على غيظهم بسبب عز الإسلام وقوة أهله إلى أن يموتوا متلبسين به، والأول أولى؛ لأنه أشد في التحدي لهم وإغاظتهم، وإظهار القوة أمامهم، ومفاصلتهم، أي: موتوا بسبب غيظكم، فإن الله - عز وجل - مُتم نعمته على المؤمنين ومُكمل دينه، ومظهره، ومُعلٍ كلمته، رغم أنوفكم؛ عن تميم الداري - رضي الله عنه - قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك بيت مدرٍ ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعزِّ عزيز أو ذلِّ ذليل، عزًّا يُعز الله به الإسلام، وذلًّا يذل الله به الكفر»[14]. وعن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بشِّر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، فما له في الآخرة من نصيب»[15]. ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: الجملة مستأنفة، ﴿ إِنَّ﴾ للتوكيد، و﴿ عَلِيمٌ ﴾ على وزن «فعيل»؛ أي: ذو علم تام واسع، ﴿ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، ولهذا بيَّن عز وجل لعباده المؤمنين ما تنطوي عليه قلوب البطانة من غيرهم من الغيظ والبغضاء والعدوان، وغير ذلك. و«ذات الصدور» صاحبة الصدور، وهي القلوب؛ كما قال تعالى: ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46]؛ أي: إن الله ذو علم واسع تام بالقلوب وما فيها من المكنونات من المعتقدات والأسرار والنوايا، والصلاح والفساد، والتي عليها مدار صلاح البدن أو فساده؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صلَحت صلَح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»[16]. قوله تعالى: ﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾. ذكر عز وجل في الآية السابقة شدة غيظ المنافقين وأعداء المؤمنين، ثم أتبع ذلك وأكده بما يدل على تناهي عداوتهم إلى حد الحسد والشماتة، فقال: ﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ الآية. قوله: ﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾: الخطاب للمؤمنين. و﴿ حَسَنَةٌ﴾: نكرة في سياق الشرط، فتعم كل حسنة، والحسنة: كل ما حَسُنَ في أمر الدين والدنيا؛ أي: إن تحصل لكم أيها المؤمنون أيُّ حسنة في دينكم، من نصر كما في بدر وغير ذلك، ومن ظهور وكثرة وعزة، وتأييد لدينكم، أو في دنياكم بأبدانكم وأموالكم وبلدانكم من عافية وغنى، وخصب ونماء، ونحو ذلك. ﴿ تَسُؤْهُمْ ﴾: جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة الواو، والأصل «تسوؤهم»؛ أي: تُحزنهم تلك الحسنة أيًّا كانت؛ لشدة عداوتهم لكم، فلم يقف الحال بهم عند عدم محبة الحسنة والخير لكم، وعدم مسرتهم بذلك، بل تجاوزوا ذلك إلى ما هو أشد، وهو أن ذلك يسوؤهم؛ مما يؤكد شدة عداوتهم ووجوب الحذر منهم. ﴿ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾: الجملة معطوفة على ما قبلها، والسيئة: كل ما يسوء في أمر الدين أو أمر الدنيا. و«سيئة» هنا نكرة في سياق الشرط فتعم؛ أي: سيئة تصيب المؤمنين في دينهم، أو دنياهم، في أبدانهم أو أموالهم وبلدانهم، كما حصل في أحد؛ حيث أُديل العدو على المؤمنين؛ لحكمة يعلمها الله تعالى، وكما في حصول جدب وقحط، أو إصابة طرف من المؤمنين، أو اختلاف بينهم، ونحو ذلك. ﴿ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾: «الباء» في ﴿ بها ﴾ للسببية؛ أي: يفرحوا بسببها، أي: يُسرُّوا لشدة عداوتهم لكم. وهنا كذلك لم يقف الحال بهم عند عدم المبالاة بما يصيب المسلمين، أو عدم كراهة المصيبة لهم، بل يفرحون بها؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 72، 73]. ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾: ختم الله تعالى هذه الآيات بعد النهي عن اتخاذ بطانة من غير المؤمنين، وتأكيد ذلك والتحذير منه، بذكر البلسم الشافي والعلاج الكافي والسبب الواقي، بإذن الله تعالى من كيد هؤلاء وغيرهم، فقال: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ﴾ الآية، أي: وإن تصبروا على ما ينالكم منهم، وعلى غير ذلك من المصائب. ﴿ وَتَتَّقُوا﴾: بفعل ما أمركم الله به، واجتناب ما نهاكم عنه، من اتخاذ بطانة من دونكم وغير ذلك، وقدَّم الصبر على التقوى؛ لأنها مبنية عليه، ولا تقوم إلا به. ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب وخلف: «لا يَضِرْكم» بكسر الضاد والتخفيف من «الضير» بمعنى الضرر والضيم، ومنه ما جاء في الحديث: «إنكم سترون ربَّكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تُضارون»، وفي رواية: «لا تُضارون في رؤيته»[17]، أي: لا يَلحقكم «ضيرٌ»؛ أي: ضرر وضيم. وقرأ الباقون بضم الضاد وتشديد الراء ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ ﴾ من «الضرر». ﴿ كَيْدُهُمْ﴾؛ أي: مكرهم الخفي؛ للإيقاع بكم وخداعكم. ﴿ شَيْئًا ﴾: نكرة في سياق النفي، فتعم أيَّ شيء؛ أي: لا يضركم ولا يضيمكم كيدهم ومكرهم وخداعهم شيئًا أيًّا كان، ومهما قل. ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ﴿ إِنَّ﴾: للتوكيد، ولفظ الجلالة اسمها، ﴿ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: متعلق بالخبر ﴿ مُحِيطٌ﴾، وقدِّم عليه للتأكيد على عموم إحاطته - عز وجل - بكل ما يعملون، و«ما»: موصولة أو مصدرية؛ أي: إن الله بالذي يعمله أعداؤكم أيها المؤمنون، أو بعملهم، من الكيد لكم والكفر والصد عن دين الله ﴿ مُحِيطٌ﴾؛ أي: مطلع عليه بعلمه، محيط به بقدرته وسلطانه، فلا يخرجون عن علم الله تعالى، ولا يَفرون عن قدر الله وقدرته وسلطانه، وسيجازيهم ويُعاقبهم على أعمالهم في الدنيا والآخرة، ويكفيكم إياهم. [1] انظر: «البحر المحيط» (3/ 307). [2] أخرجه أبو داود في الأقضية (3592)، من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه. [3] انظر: «الآداب الشرعية» لابن مفلح (1/ 136). [4] البيت لحيص بيص؛ انظر: «حياة الحيوان الكبرى» (1/ 191). [5] البيت لزهير؛ انظر: «ديوانه» (ص15). [6] البيت يُنسب إلى الشريف الرضي؛ انظر: «جواهر البلاغة» ص182، «البلاغة الواضحة» ص156. [7] البيت لعنترة بن شداد؛ انظر: «ديوانه» (ص15). [8] البيتان ينسبان لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ انظر: «حياة الحيوان الكبرى» (1/ 51). [9] انظر: «الكشاف» (1/ 344). [10] أخرجه البخاري في الفتن (7084)، ومسلم في الإمارة (1847)، وابن ماجه في الفتن (3979). [11] أخرجه البخاري في القدر (6611)، والنسائي في البيعة (4202)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. [12] البيت لابن دريد؛ انظر: «العقد الفريد» (2/ 113). [13] البيت لأبي طالب عمِّ النبي صلى الله عليه وسلم؛ انظر: «خزانة الأدب» (2/ 60). [14] أخرجه أحمد (4/ 103). [15] أخرجه أحمد (5/ 134). [16] سبق تخريجه. [17] أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة- فضل صلاة الفجر (573)، وفي التوحيد (7438)، ومسلم في المساجد - فضل صلاة الصبح والعصر والمحافظة عليهما (633)، والترمذي في صفة الجنة (2544)، من حديث جرير بن عبدالله رضي الله عنه.
__________________
|
|
#496
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا... ﴾ قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران: 118-120] 1- تصدير الخطاب بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾. 2- نداء المؤمنين بوصف الإيمان؛ تشريفًا وتكريمًا لهم، وحضًّا على الاتصاف بهذا الوصف، وأن الانتهاء عما نهى الله عنه في الآية من مقتضيات الإيمان، وعدمه نقص في الإيمان. 3- نهي المؤمنين عن اتخاذ بطانة من غيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ﴾، والنهي يقتضي التحريم؛ كما قال تعالى: في الكفار والمشركين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 144]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ [الممتحنة: 1]، وقال تعالى في أهل الكتاب: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [المائدة: 51]، وقال تعالى في المنافقين: ﴿ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ﴾ [المنافقون: 4]، فلا يجوز لولاة الأمور وأصحاب المسؤوليات في الأمة اتخاذُ بطانة من دون المؤمنين من المنافقين، أو من أهل الكتاب وغيرهم، كما لا يجوز ذلك لعامة المسلمين أفرادًا أو جماعات؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾ [هود: 113]. وقد رُوي أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إن ههنا غلامًا نصرانيًّا من أهل الحيرة، حافظًا كاتبًا، فلو اتخذته كاتبًا؟ قال: قد اتخذت إذًا بطانة من دون المؤمنين»[1]. 4- أن العلة والسبب في النهي عن اتخاذ بطانة من غير المؤمنين أنهم لا يألون المؤمنين خبالًا، ويودون عنتهم والمشقة عليهم، وما تُظهره أفواههم من البغضاء، مع ما تخفيه صدورهم مما هو أكبر؛ لقوله تعالى: ﴿ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾. 5- أن المنافقين وأعداء الإسلام من اليهود والنصارى والمشركين وغيرهم، لا يألون جهدًا في خبال المؤمنين؛ أي: إفساد رأيهم وأمورهم، مما يوجب عدم الركون إلى آرائهم ومشورتهم. 6- مودة غير المؤمنين تَجلب العنت والمشقة للمؤمنين. 7- ظهور بُغض المنافقين وغيرهم من أعداء الإسلام للمؤمنين من أفواههم وفلتات ألسنتهم، مهما أرادوا كتمان ذلك. 8- أن ما يخفيه هؤلاء من البغضاء والعداوة في صدورهم، أكبر مما يظهرونه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾، ودلائل هذا واضحة من واقعهم، فإنهم يتحيَّنون الفرص، فإذا سنحت لهم فرصة، وقَوِيَ جانبهم، أظهروا ما هو أكبر. 9- عدم جواز اتخاذ بطانة ممن ليسوا محلًّا لذلك من المسلمين، ممن لا يعرف نصحهم - بل ربما يظهر غشهم وعدم نصحهم - وما أكثر هؤلاء ممن قد يكونون أشد خطرًا، وأعظم ضررًا من غير المسلمين، وهذا أمر مشاهد، فإنه ما أضر بالمسلمين اليوم أكثر من هؤلاء ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بلغتنا، كما جاء في حديث حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتُنكر، قلت: وهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها، قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك»[2]. 10- امتنان الله - عز وجل - على المؤمنين ببيان الآيات الشرعية والكونية، ومن ذلك بيان الآثار السيئة المترتبة على اتخاذ بطانة من غير المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ﴾. 11- إقامة الحجة على الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ﴾، وهذا البيان عام. 12- أن الذين يعقلون آيات ويتفكرون بها هم المؤمنون فقط، ولهذا خصَّهم بالخطاب، فقال: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾. 13- أنه لا يهتدي لبيان الآيات وينتفع بها إلا العقلاء الذين تهديهم عقولهم إلى الخير وتمنعهم من الشر؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾. 14- أن من لم يَهده عقله إلى التأمل والتفكر في آيات الله، والإيمان بها، فهو غير عاقل؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾، وإن كان عنده عقل الإدراك؛ كما قال تعالى: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ [الأعراف: 179]. 15- تأكيد النهي عن اتخاذ بطانة من غير المؤمنين، بذكر البراهين الدالة على علل ذلك النهي من الواقع؛ لقوله تعالى: ﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾ الآية. 16- التوبيخ الشديد للمؤمنين في اتخاذهم بطانةً من دونهم، والإشارة إلى أن هؤلاء في باطلهم أصلب منكم في حقكم؛ كما قال عمر رضي الله عنه: «اللهم إليك أشكو جلد الفاجر وعجزَ الثقة»[3]. 17- علم الله - عز وجل - بما تنطوي عليه القلوب من المحبة وضدها، وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾. 18- كراهة غير المؤمنين للمؤمنين وعدم محبتهم لهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾. 19- الثناء على المؤمنين من هذه الأمة بإيمانهم بجميع كتب الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ﴾. وفي هذا تعريضٌ بأن من عداهم لا يؤمنون بجميع الكتب؛ كاليهود لا يؤمنون بالإنجيل والقرآن، والنصارى لا يؤمنون بالقرآن، ومن لم يؤمن بجميع كتب الله فليس بمؤمن؛ قال تعالى: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 85]. 20- نفاق هؤلاء ومخادعتهم للمؤمنين بقولهم: (آمنا)، وإذا خلوا أظهروا خلاف ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ﴾، والعبرة بالأفعال لا بالأقوال. 21- شدة غيظ هؤلاء وعداوتهم وحنقهم على المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ﴾، وهذا علامة على أشد ما يكون من الغيظ. 22- بلاغة القرآن الكريم في تصويره شدةَ غيظ أعداء المؤمنين بِعَضِّهم عليهم الأنامل من الغيظ، أي: بمن يتمنَّى أن يكون عدوُّه بين أسنانه وأضراسه، فيَطحنه ويَقضمه بها من شدة الغيظ والحنق. 23- ينبغي إظهار القوة والشدة أمام أعداء المسلمين وإهانتهم وإغاظتهم، وعدم الملاينة معهم؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾. 24- إثبات وتأكيد علم الله التام بما تخفيه الصدور، وتضمره القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾، وإذا كان عليمًا بما في الصدور والقلوب، فعلمه بما ظهر من باب أَولى. 25- الوعيد لمن أضمر الشر، والوعد لمن أضمر الخير؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾، فمقتضى علمه أن يحاسب ويجازي على ما في الصدور من خير أو شرٍّ. 26- أن أعداء المسلمين من المنافقين وغيرهم يسوؤهم أن يحصل للمسلمين أيُّ حسنة وخير، ويفرحهم أن يحصل لهم أيُّ سيئة ونقيصة؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾، فهم يتربصون بالمسلمين الدوائر، وإن أظهروا خلاف ذلك. 27- أن من يسوؤه حصول الخير لك، ويفرحه حصول الشر لك، فهو عدو وليس بصديق، وإن ادَّعى ذلك وأظهره، وكما قيل: صديقي من يُقاسمني همومي ![]() ويرمي بالعداوة مَن رماني ![]() ويَصفو لي إذا ما غبتُ عنه ![]() وأرجوه لنائبة الزمان ![]() 29- أن في الصبر والتقوى ضمانة لدفع ضرر كيد أعداء الأمة؛ بل لدفع جميع الشرور؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾. 30- الحث على الصبر والتقوى؛ ففيهما النجاة من المرهوب وحصول المطلوب. 31- إحاطة الله - عز وجل - بعلمه وقدرته وسلطانه بأعمال هؤلاء الذين يكيدون للمسلمين والوعيد والتهديد لهم، وأنه - عز وجل - لهم بالمرصاد، ولن يفلتوا من عقابه لهم في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾. 32- في ابتلاء المؤمنين بكيد أعدائهم لهم تمحيصٌ للمؤمنين، يظهر صبرُهم، وتَعظُمُ تقواهم لله تعالى، وتعلُّقهم به، وثقتهم بوعده ونصره، كما أن فيه استدراجًا لأعدائهم؛ ليتمادوا في طغيانهم، فيأخذَهم أخذَ عزيزٍ مقتدر. [1] أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 743). [2] أخرجه البخاري في الفتن (7084)، ومسلم في الإمارة (1847)، وابن ماجه في الفتن (3979). [3] أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 743).
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |