الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة - الصفحة 9 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التسبيح بالمسبحة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          قيام ليل الشتاء.. غنيمة باردة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          غزة بعد وقف إطلاق النار: حرب توقفت وإبادة مستمرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          ليس كل مَن ضحك معك بقي معك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          {وَلَا تَنسَ نَصِیبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡیَا} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          الصحة النفسية في الإسلام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          أهمية ائتلاف القلوب واجتماع الكلمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          التأني في القرار (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          بناء الأخلاق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          التزكية على جادّة الوحي؛ مسلك أئمة الهدى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #81  
قديم يوم أمس, 11:30 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,988
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثالث
من صــ 346الى صــ 360
الحلقة (81)






كتاب الاعتكاف
الاعتكاف

تعريفه (١):
الاعتكاف لغة: لزوم الشيء وحبْس النَّفس عليه، يُقال: عكَف بالمكان: إِذا أقام به، والمعكوف: المحبوس.
قال الله تعالى: ﴿والهديَ معكوفًا أن يبلغ مَحِلَّه (٢)﴾ (٣).
وشرعًا: المُقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة.

مشروعيّته (٤):
لا خلاف في مشروعيّة الاعتكاف، وقد كان يعكتف النّبيّ - ﷺ - في العشر الأواخر من رمضان حتى توفّاه الله عز وجل (٥).
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - يعتكف في كلّ رمضان عشرة أيّام، فلمّا كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يومًا» (٦).

--------------------
(١) ملتقطًا من «فتح الباري» (٤/ ٢٧١)، و«حلية الفقهاء» (ص ١١٠).
(٢) قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «أي: وصدُّوا [أيّ: الكفّار] الهَدي أنْ يصل إِلى مَحِلِّه وهذا مِن بغيهم وعنادهم ...».
(٣) الفتح: ٢٥.
(٤) انظر «الروضة الندية» (١/ ٥٦٩).
(٥) انظر «صحيح البخاري» (٢٠٢٦)، و«صحيح مسلم» (١١٧١).
(٦) أخرجه البخاري: ٢٠٤٤، وشطره الأوّل عند «مسلم» من حديث عائشة -رضي الله عنها-: ١١٧٢.



قال شيخنا -رحمه الله- في «قيام رمضان» (ص ٣٤): «والاعتكاف سُنّة في رمضان وغيره من أيّام السنة.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (١)،
مع توارد الأحاديث الصحيحة في اعتكافه - ﷺ -، وتواتر الآثار عن السلف بذلك ...».

حكمه:
الاعتكاف سُنّة إلاَّ أنْ يكون نَذْرًا فيلزم الوفاء به، وممّا يدلُّ على أنّه سُنّة؛ فِعْل النّبيّ - ﷺ - ومداومته عليه، تقرُّبًا إِلى الله -تعالى- وطلبًا لثوابه، واعتكاف أزواجه معه وبعده (٢).
جاء في كتاب «الإِجماع» لابن المنذر -رحمه الله- (ص ٤٧): «وأجمعوا على أنّ الاعتكاف لا يجب على النّاس فرضًا؛ إلاَّ أنْ يوجبه المرء على نفسه؛ فيجب عليه».
وقال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٤/ ٢٧١): «والاعتكاف ليس بواجب إِجماعًا إلاَّ على مَنْ نذرَه».
فعن عائشة -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من نَذَر أنْ يطيع الله فليُطعه، ومن نذر أن يعصيَه فلا يعصِه» (٣).

--------------------
(١) البقرة: ١٨٧.
(٢) «المغني» (٣/ ١١٨).
(٣) أخرجه البخاري: ٦٦٩٦ و٦٧٠٠.



عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «يا رسول الله! إِنّي نذرتُ في الجاهلية أنْ أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النّبيّ - ﷺ -: أوفِ نذرك، فاعتكَف ليلةً» (١).

مقصود الاعتكاف
قال الإِمام ابن القيّم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٢/ ٨٦): "لمّا كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيْره إِلى الله -تعالى- متوقفًا على جمعيّته على الله، ولمّ شَعثه بإِقباله بالكليَّة على الله -تعالى- فإِنَّ شَعَثَ القلب لا يَلُمُّه، إلاَّ الإِقبال على الله -تعالى-، وكان فُضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، ممّا يزيده شَعَثًا، ويُشَتِّتُه في كلِّ وادٍ، ويقطعه عن سيره إِلى الله -تعالى- أو يُضعِفه، أو يُعوّقه ويوقفه؛ اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده، أنْ شرع لهم من الصوم، ما يُذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوّقة له عن سيْره إِلى الله -تعالى- وشرعه بقدر المصلحة، بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأُخراه، ولا يضرُّه ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة.
وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله -تعالى- وجمعيِّته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده -سبحانه- بحيث يصير ذكره وحبه، والإِقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهمُّ كُلُّه به،

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٠٤٢، ومسلم: ١٦٥٦.


والخطرات كلُّها بذِكْره، والتفكُّر في تحصيل مراضيه وما يقرِّب منه.
فيصير أُنْسه بالله بدلًا عن أُنْسه بالخلق، فيعدُّه بذلك لأُنْسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يُفرح به سواه، فهذا مقصود الاعكتاف الأعظم».

زمانه:
يؤدّى الاعتكاف الواجب حسبما نَذَره وسمّاه النّاذر، فإِنْ نَذَر الاعتكاف يومًا أو أكثر؛ وجب الوفاء بما نذَره (١).
ويشرع الاعتكاف المستحبّ في أيّ وقت من أيّام العام.
وقد ثبت أنّ النّبيّ - ﷺ - اعتكف في العشر الأول من شوّال. ففي حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «... وتَرَك الاعتكاف في شهر رمضان؛ حتى اعتكف في العشر الأَوّل من شوّال» (٢).
* وآكدُه في رمضان لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «كان رسول الله - ﷺ - يعتكف في كلِّ رمضان عشرة أيّام، فلمّا كان العام الذي قُبض فيه؛ اعتكف عشرين يومًا» (٣).
وأفضله آخر رمضان، لأن النّبيّ - ﷺ - «كان يعتكف العشر الأواخر من

-----------------
(١)»فقه السنة" (١/ ٤٧٦).
(٢) أخرجه البخاري: ٢٠٣٣، ومسلم: ١١٧٣ واللفظ له، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بتمامه.
(٣) تقدّم.



رمضان حتى توفَّاه الله -عز وجل-» (١). * (٢)

شروطه (٣)
١ - الإِسلام، قال الله تعالى: ﴿لئنْ أشركت ليحبطنّ عَمَلُك﴾ (٤).
٢ - العقل.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النّائم حتّى يستيقظ، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم» (٥).
لا يُشرع الاعتكاف إلاَّ في المساجد؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهنَّ (٦) وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (٧).
وقالت السيدة عائشة -رضي الله عنها-: «السنّة في المعتكِف أنْ لا

-----------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٠٢٦، ومسلم: ١١٧١، وتقدّم.
(٢) ما بين نجمتين من»قيام رمضان«(ص ٣٥).
(٣) عن»قيام رمضان«(ص ٣٥) بتصرف وزيادة.
(٤) الزُّمر: ٦٥.
(٥) أخرجه أبو داود، والنسائي وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء" (٢٩٧)، وتقدّم.
(٦) أي: لا تجامعوهنّ، قال ابن عباس: المباشرة والملامسة والمسّ جماع كله، ولكنّ الله عز وجل يكنّي ما شاء بما شاء. أخرجه البيهقي بسند رجاله ثقات.
(٧) البقرة: ١٨٧.



يخرج إِلا لحاجته التي لا بدّ له منها، ولا يعود مريضًا، ولا يمسّ امرأته، ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلاَّ في مسجد جماعة، والسنَّة فيمن اعتكف أنْ يصوم» (١).
وينبغي أنْ يكون مسجدًا جامعًا؛ لكي لا يضطر للخروج منه لصلاة الجمعة، فإِنّ الخروج لها واجب عليه، لقول عائشة في روايةٍ عنها في حديثها السابق: «... ولا اعتكاف إلاَّ في مسجد جامع» (٢).
قال شيخنا -رحمه الله-: ثم وقَفْت على حديث صحيح صريح؛ يُخصّص؛ ﴿المساجد﴾ المذكورة في الآية بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النّبوي، والمسجد الأقصى، وهو قوله - ﷺ -: «لا اعتكاف إلاَّ في المساجد الثلاثة» (٣).
وقد قال به من السلف فيما اطّلعت: حذيفة بن اليمان، وسعيد بن المسيِّب، وعطاء، إلاَّ أنّه لم يذكر المسجد الأقصى.
وقال غيرهم بالمسجد الجامع مطلقًا، وخالف آخرون فقالوا: ولو في مسجد بيته، ولا يخفى أنّ الأخذ بما وافق الحديث منها هو الّذي ينبغي

-------------------
(١) أخرجه البيهقي بسند صحيح، وأبو داود بسند حسن.
(٢) روى البيهقي عن ابن عباس قال: إِنّ أبغض الأمور إِلى الله البدع، وإنّ من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور.
(٣) أخرجه الطحاوي والإِسماعيلي والبيهقي بإِسناد صحيح عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- وهو مخرج في «الصحيحة» (٢٧٨٦)، مع الآثار الموافقة له ... وكلها صحيحة.



المصير إِليه، والله -سبحانه- وتعالى أعلم».
وجاء في «الصحيحة» (٦/ ٦٧٠): «واعلم أنّ العلماء اختلفوا في شرطيّة المسجد للاعتكاف وصِفَته؛ كما تراه مبسوطًا في»المصنَّفَين«المذكورَين (١) و»المُحلّى«وغيرهما.
وليس في ذلك ما يصح الاحتجاج به سوى قوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾، وهذا الحديث الصحيح، والآية عامّة، والحديث خاصٌّ، ومقتضى الأصول أنْ يُحمل العام على الخاصّ.
وعليه: فالحديث مخصِّص للآية ومبيِّن لها، وعليه يدلُّ كلام حذيفة وحديثه، والآثار في ذلك مختلفة أيضًا، فالأَوْلى الأخذ بما وافق الحديث منها، كقول سعيد بن المسيِّب:»لا اعتكاف إلاَّ في مسجد نبيّ«. أخرجه ابن أبي شيبة وابن حزم بسند صحيح عنه».
٣ - لا بد من الصوم في الاعتكاف على الراجح وتقدّم حديث عائشة - رضي الله عنها-: «والسّنة فيمن اعتكف أنْ يصوم».
قال الإِمام ابن القيّم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٢/ ٨٧): «ولم يُنقل عن النّبيّ - ﷺ - أنّه اعتكف مفطرًا قطّ، بل قد قالت عائشة:»لا اعتكاف إلاَّ بصوم«، ولم يذكر سبحانه الاعتكاف إِلا مع الصوم، ولا فَعَله رسول الله - ﷺ - إِلا مع الصوم.

--------------------
(١) يريد شيخنا -رحمه الله تعالى-»مصنف ابن أبي شيبة«و»مصنف عبد الرّزاق" كما في (ص ٦٦٩).


فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف أنّ الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجِّحه شيخ الإِسلام أبو العباس ابن تيمية» (١).

متى يدخل المعتكَف؟
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا أراد أن يعتكف؛ صلّى الفجر، ثمّ دخَل معتكفه» (٢).
وسألْتُ شيخنا -رحمه الله- عن قول بعض الفقهاء؛ في دخوله المعتكف قبل غروب الشمس من يوم، والخروج بعده بيوم؟
فأجاب: نعم جائز؛ والمهمّ أنْ يدخل صائمًا.
وقال ابن حزم -رحمه الله-: «ومن نذر اعتكاف يوم أو أيّام مسمّاة، أو أراد ذلك تطوّعًا؛ فإِنّه يدخل في اعتكافه قبل أن يتبيّن له طلوع الفجر، ويخرج إِذا غاب جميع قرص الشمس؛ سواء كان ذلك في رمضان أو غيره؟
ومن نذر اعتكاف ليلة أو ليال مسمّاة، أو أراد ذلك تطوُّعًا؛ فإِنّه يدخل قبل أنْ يتمّ غروب جميع قرص الشمس؛ ويخرج إِذا تبيّن له طلوع الفجر؛ لأن مبدأ الليل إِثر غروب الشمس، وتمامه بطلوع الفجر، ومبدأ اليوم بطلوع الفجر، وتمامه بغروب الشمس كلّها، وليس على أحد إلاَّ ما التزم أو ما

-----------------------
(١) قال شيخنا -رحمه الله-:»ويترتّب عليه أنّه لا يشرع لمن قصد المسجد للصلاة أو غيرهما أنْ ينوي الاعتكاف مدة لبْثه فيه، وهو ما صرّح به شيخ الإسلام -رحمه الله- في «الاختيارات»".
(٢) أخرجه البخاري: ٢٠٤١، ومسلم: ١١٧٣ واللفظ له.



نوى؟» (١).

ما يستحبّ للمعتكِف (٢)
يستحبّ للمعتكف التشاغل بالصّلاة، وتلاوة القرآن، وذِكْر الله تعالى ونحو ذلك من الطاعات المحضة، ويجتنب ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال، ولا يكثر الكلام؛ لأنّ من كثُر كلامه كثر سَقطه.
وفي الحديث: «مِنْ حُسن إِسلام المرء ترْكه ما لا يعنيه» (٣).
ويجتنب الجدال والمراء والسّباب، والفحش، فإِنّه لا ينبغي في غير الاعتكاف، ففيه أولى.
قال ابن قدامة (٤) -رحمه الله-: «فأمّا إِقراء القرآن، وتدريس العلم، ودرسه ومناظرة الفقهاء، ومجالستهم، وكتابة الحديث، ونحو ذلك مما يتعدّى نفْعه؛ فأكثر أصحابنا على أنّه لا يستحبّ، وهو ظاهر كلام أحمد.
وقال أبو الحسن الآمدي: في استحباب ذلك روايتان، واختار أبو الخطاب أنّه مستحبّ إِذا قصد به طاعة الله -تعالى- لا المباهاة وهذا

---------------------
(١)»المحلّى«(٥/ ٢٩٢) مسألة (٦٣٦) وذكره السيد سابق -رحمه الله- في»فقه السنة«(١/ ٤٨٠).
(٢) عن كتاب»المغني«(٣/ ١٤٨) -بتصرف-.
(٣) أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٨٨٦)، وانظر»شرح العقيدة الطحاوية«(٢٦٨ و٣٤٥).
(٤)»المغني" (٣/ ١٤٩).



مذهب الشافعي، لأنّ ذلك أفضل العبادات، ونفْعه يتعدّى، فكان أولى مِن ترْكه كالصلاة.
واحتجّ أصحابنا بأنّ النّبيّ - ﷺ - كان يعتكف، فلم يُنقَل عنه الاشتغال بغير العبادات المختصَّة به، ولأنّ الاعتكاف عبادة من شرطها المسجد، فلم يُستحبّ فيها ذلك؛ كالطواف (١) انتهى«.
وسألتُ شيخنا -رحمه الله- عن هذا.
فقال:»الاعتكاف عبادة محضة، فنحن لا نرى هذا؛ كما ننكر على الأئمّة في شهر رمضان مِن فصْلهم الصلاة وإنشاء استراحة؛ تتخلّلها موعظة أو درس، وهذا كقول القائل: «تقبّل الله» لمن صلّى، فهذه زيادة لم تكن في عهد النّبيّ - ﷺ - ولا السلف.
والاعتكاف عبادة محضة؛ صلاة -ورسول الله - ﷺ - يقول: «الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر- (٢) وتلاوة قرآن ... إِلخ».
قال ابن قدامة -رحمه الله- في «المغني» (٣/ ١٤٩) -بتصرف يسير-:

---------------------
(١) ثمّ أتمّ -رحمه الله- قوله: «وما ذكروه يبطُل بعيادة المرضى وشهود الجنازة، فعلى هذا القول؛ فِعْله لهذه الأفعال أفضل من الاعتكاف».
قلت: وفي هذا الكلام نظر؛ لأنّ ما ذكروه يبطُل بالجماع كذلك، فهل هو خيرٌ من الاعتكاف في كلّ الأحوال؟
وكذلك ما ذكروه يُبطل بالخروج لغير سبب، فهل هذا أيضًا أفضل من الاعتكاف!
ولا يُقال باستحباب المناظرات والتدريس في المعتكف، ونحو ذلك؛ لأنّ لللمعتكِف أن يختار أجر المناظرات والتدريس أو الاعتكاف.
(٢) أخرجه الطبراني في «الأوسط» وقال شيخنا -رحمه الله- في "صحيح =



»وليس من شريعة الإِسلام الصمت عن الكلام، وظاهر الأخبار تحريمه.
قال: قيس بن أبي حازم: «دخل أبو بكر -رضي الله عنه- على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم فقال: ما لها لا تَكلَّمُ؟ قالوا: حجّت مُصمتةً، قال لها: تكلّمي فإِنّ هذا لا يحلّ، هذا من عمل الجاهلية، فتكلّمت» (١).
وعن عليّ -رضي الله عنه- قال: «حفظت عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: لا صُمات يوم إِلى الليل» (٢).
فإِنْ نذر ذلك في اعتكافه أو غيره، لم يلزمه الوفاء به، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، ولا نعلم فيه مخالفًا؛ لما روى ابن عباس قال: بينا النّبيّ - ﷺ - يخطب إِذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أنْ يقوم ولا يقعد ولا يستظلّ ولا يتكلّم ويصوم.
فقال النّبيّ - ﷺ -: مُرْهُ فليتكلم وليستظلّ، وليقعد وليُتمّ صومه«(٣).
ولنا النّهي عنه، وظاهره التحريم، والأمر بالكلام ومقتضاه الوجوب، وقول أبي بكر الصدِّيق -رضي الله عنه-:»إِنّ هذا لا يحلّ، هذا من عمل الجاهلية«.

--------------------
= الترغيب والترهيب» (٣٨٣): «له شواهد يتقوّى بها؛ فأخرجه الطيالسي وأحمد والحاكم من طريقين عن أبي ذر، وأحمد وغيره، من حديث أبي أُمامة؛ فالحديث حسن إِن شاء الله -تعالى-.
(١) أخرجه البخاري: ٣٨٣٤.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٢٤٩٧).
(٣) أخرجه البخاري: ٦٧٠٤.



وهذا صريح ولم يخالِفه أحد من الصحابة؛ فيما علِمناه، واتباع ذلك أولى».

ما يجوز للمعتكف (١):
١ - الخروج من معتكفه لقضاء الحاجة، وأن يُخرج رأسه من المسجد، ليغَسّل ويُسَرَّح.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «وإنْ كان رسول الله - ﷺ - ليُدخِل عليَّ رأسه وهو [معتكف] في المسجد، [وأنا في حجرتي] فأُرَجِّلُه، [وفي رواية: فأغسله وإنّ بيني وبينه لعتبة الباب وأنا حائض].
وكان لا يدخل البيت إِلا لحاجة [الإِنسان]، إِذا كان معتكفًا» (٢).
وعليه ألا يتوسّع في الخروج، قال أبو زُرعة العراقي -رحمه الله تعالى- بعد هذا الحديث: «لو جاز له الخروج لغير ذلك، لما احتاج إِلى إِخراج رأسه من المسجد خاصّة، ولكان يخرج بجملته؛ ليفعل حاجته من تسريح رأسه في بيته ...» (٣).
٢ - أن يتوضأ في المسجد، لقول رجلٍ خدَم النّبيّ - ﷺ -: «توضّأ النّبيّ - ﷺ - في المسجد وضوءًا خفيفًا» (٤).

--------------------
(١) من (١ - ٤) من «قيام رمضان» (ص ٣٧) -بتصرف-.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٩٥، ومسلم: ٢٩٧.
(٣) قاله في «طرح التثريب» (٤/ ١٧٧) ونقَله الشيخ علي الحلبي -حفظه الله تعالى- في كتابه النافع «الإِنصاف في أحكام الاعتكاف».
(٤) أخرجه البيهقي بسند جيد، وأحمد مختصرًا بسند صحيح.



٣ - أن يتخذ خيمةً صغيرةً في مؤخرة المسجد يعتكف فيها؛ لأنّ عائشة -رضي الله عنها- «كانت تضرب للنبي - ﷺ - خِبَاءً (١) إِذا اعتكف، وكان ذلك بأمره - ﷺ -» (٢).
و«اعتكف مرّة في قُبَّةٍ تُركيّةٍ (٣) على سُدَّتِها (٤) حصير» (٥).
٤ - ويجوز للمرأة أن تزور زوجها وهو في مُعْتكَفه، وأن يُوَدّعها إِلى باب المسجد، لقول صفيّة -رضي الله عنها-: «كان النّبيّ - ﷺ - معتكفًا [في المسجد في العشر الأواخر من رمضان] فأتيته أزوره ليلًا، [وعنده أزواجه، فَرُحْن]، فحدّثته [ساعة]، ثم قمت لأنقلب، [فقال: لا تعجلي حتى أنصرف

-----------------
(١) الخِباء:»أحد بيوت العرب من وبرٍ أو صوف ولا يكون من شَعَر، ويكون على عمودين أو ثلاثة«.»النهاية«.
(٢) أخرجه البخاري: ٢٠٣٣، ومسلم: ١١٧٣.
(٣) القُبّة من الخيام: بيت صغير مستدير؛ وهو من بيوت العرب.»النهاية«. وجاء في»إكمال إِكمال المعلّم«(٤/ ١٣٢):»هي قُبَّة صغيرة من لِبْد«واللِّبد: هو الشّعر أو الصوف المتلبّد.»الوسيط«.
(٤) والسُّدّة: كالظلّة على الباب، لتقي الباب من المطر، والمراد أنه وضع قطعة حصيرعلى سُدّتها لئلا يقع فيها نظر أحد؛ كما قال السندي.
قال شيخنا -رحمه الله-: وأولى أن يقال: لكي لا ينشغل بال المعتكف بمن قد يمرّ أمامه تحصيلًا لمقصود الاعتكاف وروحه؛ كما قال الإمام ابن القيّم:»عكس ما يفعله الجهّال من اتخاذ المعتكف موضع عِشْرة ومجلبة الزائرين وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لون، والاعتكاف النبوي لون، والله الموفق".
(٥) هو طرف من حديث أبي سعيد الخدرى، أخرجه مسلم: ١١٦٧.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #82  
قديم يوم أمس, 11:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,988
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثالث
من صــ 361الى صــ 367
الحلقة (82)






معك].
فقام معي ليقْلِبَني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد [حتى إِذا كان عند باب المسجد الذي عند باب أمّ سلمة]، فمرّ رجلان من الأنصار، فلمّا رأيا النّبيّ - ﷺ - أسرعا.
فقال النّبيّ - ﷺ -: على رِسْلكما (١)؛ أنها صفية بنت حُيَيٍّ، فقالا: سبحان الله! يا رسول الله!
قال: إِنّ الشيطان يجري من الإِنسان مجرى الدم، وإنّي خشيت أنْ يقذف في قلوبكما شرًا، أو قال: شيئًا» (٢).
بل يجوز لها أن تعتكف مع زوجها، أو بمفردها؛ لقول عائشة -رضي الله عنها-: «اعتكَفَتْ مع رسول الله - ﷺ - امرأة مستحاضة (وفي رواية: أنّها أمّ سلمة) من أزواجه، فكانت ترى الحُمرة والصُّفرة، فربما وضعنا الطَّسْت تحتها وهي تصلّي» (٣).
وقالت أيضًا: «كان النّبيّ - ﷺ - يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفّاه الله، ثمّ اعتكف أزواجه من بعده» (٤).

-------------------
(١) أي: اثبتا ولا تعجلا. «النهاية».
(٢) أخرجه البخاري: ٢٠٣٥، ومسلم: ٢١٧٥.
(٣) أخرجه البخاري: ٢٠٣٧، وهو مخرَّج في «صحيح سنن أبي داود» (٢١٣٨)، والرواية الأخرى لسعيد بن منصور كما في «الفتح» (٤/ ٢٨١) لكن سمّاها الدارمي (١/ ٢٢): «زينب». والله أعلم.
(٤) أخرجه البخاري: ٢٠٢٦، ومسلم: ١١٧٢، وتقدّم نحوه.


٥ - ولا بأس أنْ يأكل المعتكف في المسجد، ويضع سُفرة، يسقط عليها ما يقع منها؛ كيلا يُلوّث المسجد (١).

منْع الرجل أهله من الاعتكاف
للرجل أن يمنع أهله من الاعتكاف، كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا أراد أن يعتكف صلّى الفجر، ثمّ دخَل معتكفه، وإنّه أَمَر بخبائه فضُرِب، أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان.
فأمرت زينب بخبائها فَضُرِب، وأمَر غيرُها من أزواج النّبيّ - ﷺ - بخبائه فضُرب.
فلمّا صلّى رسول الله - ﷺ - الفجر، نظر فإِذا الأخبية، فقال: آلبر (٢) تُرِدْن؟ فأمر بخبائه فقوِّض (٣) وتَرَك الاعتكاف في شهر رمضان حتى اعتكف في العشر الأوّل من شوال (٤)» (٥).

-------------------
(١) «المغني» (٣/ ١٥١).
(٢) أي: الطاعة.
(٣) أي: أُزيل.
(٤) وذكر الإمام النووي عدة وجوهٍ ذكَرها القاضي -رحمهما الله تعالى- لمنع النبيّ - ﷺ - أزواجه -رضي الله عنهن- من ذلك منها: «أنّه كرِه ملازمتهن المسجد؛ مع أنه يجمع النّاس، ويحضره الأعراب والمنافقون، وهنّ محتاجات إِلى الخروج والدخول لما يعرض لهنّ، فيبتذلن بذلك.
أو لأنّه - ﷺ - رآهن عنده في المسجد، وهو في المسجد، فصار كأنّه في منزله بحضوره مع أزواجه، وذهب المهمّ من مقصود الاعتكاف وهو التخلّي عن الأزواج، ومتعلقات الدنيا وشبه ذلك، أو لأنهنّ ضيّقن المسجد بأبنيتهنّ ..».
(٥) أخرجه البخاري: ٢٠٣٣، ومسلم: ١١٧٣، واللفظ له.



ما يُبطل الاعتكاف
١ - الارتداد عن الدِّين (١) لقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطنّ عملك﴾ (٢).
٢ - الجماع، لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (٣).
وقال ابن عباس: «إِذا جامع المعتكف بطل اعتكافه، واستأنف (٤)» (٥).
ولا كفّارة عليه لعدم ورود ذلك عن النّبيّ - ﷺ - وأصحابه (٦).

فوائد متنوّعة
١ - هناك من يرى أن الخروج اليسير من المسجد يُبطل الاعتكاف، وأنّ الخروج في غير ما سبق ذِكره ينافي الاعتكاف، ولا دليل -فيما علمت- على إِبطاله.
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن الخروج اليسير، فقال: «لا يبطله ولكنّه

----------------------
(١) انظر»المغني«(٣/ ١٤٥).
(٢) الزمر: ٦٥.
(٣) البقرة: ١٨٧.
(٤) أي: أعاد اعتكافه.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٩٢) وعبد الرزاق بسند صحيح، وانظر»قيام رمضان«(ص ٤١).
(٦) انظر»قيام رمضان" (ص ٤١).



يقلّل الأجر».
٢ - الاستحاضة لا تمنع الاعتكاف؛ لأنها لا تمنع الصلاة ولا الطواف (١).
كما في حديت عائشة -رضي الله عنها- قالت: «اعتكفَتْ مع رسول الله - ﷺ - امرأهّ مستحاضة (وفي رواية: أنّها أمّ سلمة) من أزواجه، فكانت ترى الحُمرة، والصُّفرة، فربّما وضَعْنا الطَّسْت تحتها وهي تصلّي» (٢).
٣ - يرى بعض العلماء أنّ ذهاب العقل بجنون ونحوه يبطل الصوم، ولا دليل على هذا.
قال الإِمام الشافعي -رحمه الله- في «الأم» (٤/ ٣٨٥): «وإذا جُنّ المعتكف، فأقام سنين؛ ثم أفاق بنى».
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن هذا فقال: «الجنون كالنوم، فإِذا أفاق وهو لا يزال في نيّة الاعتكاف، فإِنّه يتمُّ اعتكافه، وكذلك الحيض والنّفاس لا يُبطلان الاعتكاف، ولكنهما يمنعان من الصلاة ولا يمنعان مِن ذِكر الله تعالى».
٤ - ويرى عدد من العلماء أن مَن قبّل زوجه؛ لا يفسد اعتكافه إلاَّ أن يُنزل.
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن هذا فقال: «حتى الاستثناء لا نقول به، قال الله تعالى: ﴿ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد﴾ (٣)، وهذا

---------------------
(١) انظر»المغني" (٣/ ١٥٤).
(٢) تقدّم قريبًا.
(٣) البقرة: ١٨٧.



التقبيل ولو كان مقرونًا بالإِنزال؛ فهو كالتقبيل المقرون بالإِنزال وهو صائم (١)، فهذا لا يفطّر وهذا لا يفطّر، ولكن هل ذلك ممّا يجوز؟
الجواب: لا، ففرق بين الأمرين«.
٥ - سألت شيخنا عمّا ذكره السيد سابق في»فقه السنّة«عن الإِمام الشافعي -رحمهم الله أجمعين-: إِن لم يكن عليه نذْر اعتكاف أو شيء أوجبه على نفسه، وكان متطوعًا فخرج، فليس عليه قضاء؛ إلاَّ أن يحبّ ذلك اختيارًا منه.
وكلّ عمل لك أن لا تدخل فيه، فإِذا دخَلت فيه وخرجْتَ منه؛ فليس عليك أن تقضي إِلا الحجّ والعمرة».
فقال -رحمه الله- مجيبًا عن العبارة الأخيرة:
يُقيَّد ذلك بأن لا يكون فرضًا، ولا بدّ من الإِتمام لقوله تعالى: ﴿وأتمّوا الحجّ والعمرة لله﴾ (٢). وإذا لم يتيّسر له؛ فكما قال الإِمام -رحمه الله-: «فعليه القضاء».
لكن هنا يحضرني تقييد؛ وهو عدم اشتراطه كما في قوله - ﷺ -: «اللهمّ

----------------------
(١) وقد تقدّم رأي أهل العلم في ذلك؛ فأغنى عن الإِعادة، ثم رأيت للإِمام الشافعي -رحمه الله- كلامًا مفيدًا في»الأمّ«(٤/ ٣٨٢) برقم (٥٠٦٤): بلفظ:»ولا يفسد الاعتكاف من الوطء؛ إلاَّ ما يوجب الحدّ؛ لا تفسده قبلة ولا مباشرة ولا نظرة؛ أنزل أو لم يُنزل، وكذلك المرأة؛ كان هذا في المسجد أو في غيره".
(٢) البقرة: ١٩٦.



محلّي حيت حبَستني (١)» (٢). فإِذا حصل طارئُ مرض أو كسْر أو نحوه؛ فلا يجب عليه القضاء لأنّه اشترط، هذا إِذا كان حجّ نافلة.
والخلاصة: جواب الإِمام الشافعي -رحمه الله- صحيح، مع ذِكر الاشتراط؛ فإِذا اشترط بقوله: «اللهمّ محلّي حيث حبستني» فلا قضاء عليه.
وسألت شيخنا -رحمه الله- هل يشترط اعتكاف الليالي مع الأيام؟
فأجاب: السُّنّة الأيام مع الليالي، ويجوز اعتكاف الأيام دون الليالي.
-تمّ بحمد الله تعالى-

----------------------
(١) جاء في «شرح النووي» (٨/ ١٣١): «... فيه دلالة لِمن قال: يجوز أنْ يشترط الحاج والمعتمر في إِحرامه؛ أنّه إِن مرض تحلّل وهو قول عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وآخرين من الصحابة -رضي الله عنهم- وجماعة من التابعين وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وهو الصحيح من مذهب الإِمام الشافعي وحجّتهم هذا الحديث الصحيح الصريح.
وقال أبو حنيفة ومالك وبعض التابعين: لا يصحّ الاشتراط، وحملوا الحديث على أنها قضيّة عين وأنّه مخصوص بضُبَاعَة» ولعله يأتي -إن شاء الله تعالى- في موضعه.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٠٨٩، ومسلم: ١٢٠٧.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #83  
قديم يوم أمس, 11:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,988
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 1الى صــ 15
الحلقة (83)






الموسوعة الفقهية الميسرة
في
فقه الكتاب والسنة المطهرة
الجزء الرابع
كتاب الجنائز والحج
بقلم
حسين بن عودة العوايشة
المكتبة الإسلامية
دار ابن حزم

بسم الله الرحمن الرحيم

الموسوعة الفقهية الميسرة
في
فقه الكتاب والسنة المطهرة


جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م
المكتبة الإسلامية
ص ب: (١١٣) الجبيهة - هاتف ٥٣٤٢٨٨٧
عمَّان - الأردن
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤


-[المقدّمة]-
إِنّ الحمْدَ لله، نحمَدُه ونستعينهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرور أَنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ لهُ.
وأَشهَد أنْ لا إله إِلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبدهُ ورَسولهُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).
أمَّا بعد:
فإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدْي محمّد، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار.
فهذا هو الجزء الرابع من الموسوعة الفقهية؛ وقد تضمّن (كتاب الجنائز)

-------------------
(١) آل عمران: ١٠٢.
(٢) النساء: ١.
(٣) الأحزاب: ٧٠، ٧١.



و(الحجّ) وقد استفدت كثيرًا فيهما من كتاب «أحكام الجنائز» و«مناسك الحج والعمرة» و«حجّة النّبيّ - ﷺ -» لشيخنا -رحمه الله- وقد أحسن شيخنا -رحمه الله- * (١) حتى لم يكد يدَع للإِحسان موضعًا، وسَبَق حتى جاء من خَلَفه له تَبَعًا*.
وكذا استفدت من «فقه السنة» أيضًا؛ في كثير من العناوين والأدلّة والترتيب؛ كما هو الشأن مع الأجزاء السابقة.
أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يتقبّل مني عملي ويجعله له خالصًا. إِنه على كل شيء قدير.
حسين بن عودة العوايشة
عمّان - ٨ ذو الحجة ١٤٢٢ هـ

-----------------------(١) ما بين نجمتين من كلام الإِمام ابن القيّم في حقِّ الحافظ المنذري -رحمهما الله تعالى- في اختصاره وتهذيبه «سنن أبي داود».


[[الجنائز]]
فَضْلُ المَرَضِ:
عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «دخَلْت على رسول الله - ﷺ - وهو يُوعَك وَعْكًا شديدًا، فمَسسْته بيدي فقلت: يا رسول الله! إِنك توعك (١) وَعْكًا شديدًا؟! فقال رسول الله - ﷺ -: أجل، إِني أوعك كما يوعك رجلان منكم فقلت: ذلك أنّ لك أجرين؟! فقال رسول الله - ﷺ -: أجل. ثمّ قال رسول الله - ﷺ -: ما من مسلم يُصيبه أذى -مرض فما سواه- إِلا حَطّ الله له سيّئاته، كما تحطّ الشجرة ورقها» (٢).
وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «ما يصيب المسلمَ من نَصَب (٣) ولا وَصَب (٤) ولا همّ ولا حَزَن ولا أذى ولا غمّ - حتى الشوكةِ يُشَاكُها- إِلا كفّر الله بها من خطاياه» (٥).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وأهله وماله، حتى يلقى الله -عز وجل- وما عليه خطيئة» (٦).

---------------
(١) الوعك: الحمّى. وقيل: ألمها. «النهاية».
(٢) أخرجه البخاري: ٥٦٦٠، ومسلم: ٢٥٧١.
(٣) النّصَب: هو التعب، وانظر للمزيد من الشرح -إِن شئت- كتابي «شرح صحيح الأدب المفرد» برقم (٣٧٨/ ٤٩٢).
(٤) الوصَب؛ أي: المرض. وقيل: هو المرض اللازم. «فتح» (١٠/ ١٠٦).
(٥) أخرجه البخاري: ٥٦٤١، ٥٦٤٢، ومسلم: ٢٥٧٣.
(٦) أخرجه أحمد، والترمذي وغيرهما. وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح»، وانظر «الصحيحة» (٢٢٨٠).



وعنه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من يُرِدِ الله به خيرًا يُصِبْ (١) منه» (٢).
وعن عائشة -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا اشتكى المؤمن؛ أخلصَه الله (٣) كما يخلص الكِيرُ (٤) خَبَث الحديد (٥)» (٦).

شكوى المريض:
يجوز للمريض أن يشكو للطبيب والصديق ما يجده من الألم والمرض؛ ما

-------------------
(١) قال النووي -رحمه الله- في «رياض الصالحين» (ص ٦٤): «ضبطوا»يُصَِب«: بفتح الصاد وكسْرها.
وقال في»الفتح«(١٠/ ١٠٨):».. «يُصِب منه»؛ كذا للأكثر بكسر الصاد، والفاعل: الله، قال أبو عبيد الهَرَوي: «معناه يبتليه بالمصائب لِيُثِيبَه عليها ...»، وانظره للمزيد من الفوائد -إِن شئت-.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٦٤٥.
(٣) أي: من الذنوب.
(٤) جهاز من جلد أو نحوه؛ يستخدمه الحدّاد وغيره؛ للنّفْخ في النار وإشعالها. «الوسيط».
(٥) خَبَث الحديد: ما تلقيه النار من وسخ الفضّة والنحاس وغيرهما؛ إِذا أُذيبا. «النهاية». وانظر للمزيد من شرحه -إِن شئت- كتابي «شرح صحيح الأدب المفرد» (٢/ ١١٥).
(٦) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» «صحيح الأدب المفرد» (٣٨٢)، وانظر «الصحيحة» (١٢٥٧).



لم يكن ذلك على سبيل التسخّط وإظهار الجَزَع (١)؛ وقد تقدّم حديث: «إِنّي أُوعَك كما يوعَك رجلان منكم».
وعن القاسم بن محمد قال: «قالت عائشة: وارأساه!! فقال رسول الله - ﷺ -: ذاك لو كان وأنا حيٌّ واستغفرَ لك وأدعوَ لك، فقالت عائشة: واثُكْلِيَاه (٢)!! والله إِني لأظنُّك تحبّ موتي، ولو كان ذلك لظَللْتَ آخر يومك مُعرِّسًا ببعض أزواجك!!
فقال النّبيّ - ﷺ -: بل أنا وارأساه! لقد هممت -أو أردت- أن أرسل إِلى أبي بكر وابنه وأعهد؛ أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنّون! ثمّ قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون -أو يدفع الله ويأبى المؤمنون-» (٣).
وعن عروة بن الزبير قال: «دخلت أنا وعبد الله بن الزبير على أسماء -قبل قتل عبد الله بعشر ليال- وأسماء وَجِعة، فقال لها عبد الله: كيف تجدينك؟ قالت: وَجِعة.» (٤).

المريض يُكتب له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا:
عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا

-------------------
(١) انظر»فقه السّنّة«(١/ ٤٨٨).
(٢) أصْل الثُّكْل: فَقْدُ الولد أو من يعزّ على الفاقد، وليست حقيقته هنا مرادة، بل هو كلام كان يجري على ألسنتهم عند حصول المصيبة أو توقعها.»فتح«.
(٣) أخرجه البخاري: ٥٦٦٦.
(٤) أخرجه البخاري في»الأدب المفرد«(٥٠٩)، وانظر»صحيح الأدب المفرد" (٣٩٤).



مرض العبد أو سافر؛ كُتب له مثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (١).

عيادة المريض:
عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أطعموا الجائع وعودوا المريض وفُكُّوا العاني (٢)» (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «حقّ المسلم على المسلم خمس: ردّ السلام، وعيادة المريض، واتّباع الجنائز، وإِجابة الدعوة، وتشميت العاطس» (٤).
وعنه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله؛ ناداه منادٍ: أن طِبْتَ وطاب ممشاك، وتبوَّأتَ من الجنة منزلًا» (٥).
وعن ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «من عاد مريضًا؛ لم يزل في خُرْفةِ الجنة (٦) قيل: يا رسول الله! وما خُرْفةُ الجنة؟ قال: جناها» (٧).

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٩٩٦.
(٢) العاني: الأسير، وكلّ من ذلَّ واستكان وخضع؛ فقد عنا يعنو، وهو عانٍ، والمرأة عانية، وجمعُها: عوانٍ. «النهاية».
(٣) أخرجه البخاري: ٥٦٤٩.
(٤) أخرجه البخاري: ١٢٤٠، ومسلم: ٢١٦٢.
(٥) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٦٣٣)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١١٨٤)، وانظر «المشكاة» (١٥٧٥، ٥٠١٥).
(٦) أي: في اجتناء ثمرها. «النهاية». والخُرفة: اسم ما يخترف من الثمار حين يُدرك.
(٧) أخرجه مسلم: ٢٥٦٨.



وعن علي -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من مسلم يعود مسلمًا غدوةً؛ إِلا صلّى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يمسي، وإن عاده عَشِيَّةً؛ إِلا صلّى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف (١) في الجنة» (٢).

عيادة المُغْمَى عليه (٣):
عن جابر بن عبد الله قال: «مرضتُ مرضًا، فأتاني النّبيّ - ﷺيعودني- وأبو بكر وهما ماشيان، فوجداني أُغميَ عليّ، فتوضأ النّبيّ - ﷺ -، ثمّ صبَّ وَضوءه عليّ، فأفقتُ؛ فإِذا النّبيّ - ﷺ -. فقلت: يا رسول الله! كيف أصنع في مالي؟ [كيف] أقضي في مالي؟ فلم يُجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث» (٤).
جاء في «الفتح» (١٠/ ١١٤): «قال ابن المنَيِّر: فائدة الترجمة: أن لا يُعتقد أَنَّ عيادة المغمى عليه ساقطة لكونه لا يعلم بعائده.
[قال الحافظ]: ومجرد عِلم المريض بعائده لا تتوقف مشروعية العيادة عليه؛ لأَنَّ وراء ذلك جبْرَ خاطِرِ أهله، وما يُرجَى من بركة دعاء العائد، ووضْع يده على المريض، والمسح على جسده، والنفث عليه عند التعويذ، إِلى غير

---------------------
(١) أي: مخروف من ثمرها، فعيل بمعنى مفعول.»النهاية«.
(٢) أخرجه أحمد، وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٦٥٥)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٧٧٥)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١١٨٣) وغيرهم، وانظر»الصحيحة«(١٣٦٧).
(٣) هذا العنوان من كتاب»الأدب المفرد" وكذا ثلاثة الأبواب التي بعده.
(٤) أخرجه البخاري: ٥٦٧٦، ومسلم: ١٦١٦.



ذلك» (١).

قول العائد للمريض: كيف تَجِدُكَ؟
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة؛ وُعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلتْ عليهما، فقلت: يا أبتِ! كيف تجدك؟ ويا بلال! كيف تجدك؟» (٢).

ما يجيب المريض:
عن سعيد بن عمرو بن سعيد قال: «دخل الحجاج على ابن عمر -وأنا عنده -فقال: كيف هو؟ فقال: صالح، فقال: من أصابك؟ قال: أصابني من أمَر بحمل السلاح في يوم لا يحلُّ فيه حمْله! يعني: الحجاج» (٣).

أين يقعد العائد؟
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا عاد المريض جلس عند رأسه، ثمّ قال (سبع مرار): أسأل الله العظيم - ربَّ العرش العظيم: أنْ يشفيَك، فإِنْ كان في أجله تأخير عُوفي من وجعه (٤)» (٥).

-----------------------
(١) انظر كتابي «شرح صحيح الأدب المفرد» (٢/ ١٣٥).
(٢) أخرجه البخاري: ٣٩٢٦. وبعضه في مسلم: ١٣٧٦.
(٣) أخرجه البخاري: ٩٦٧.
(٤) أي: إِذا لم يحضر أجله وكتب الله له حياة؛ عافاه من مرضه.
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٦٣)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٦٩٨).



عيادة النِّساءِ الرّجالَ (١):
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت:»لما قدِم رسول الله - ﷺ - المدينة؛ وُعك أبو بكر وبلال -رضي الله عنهما- قالت: فدخلْت عليهما قلت: يا أبت! كيف تجدك؛ ويا بلال! كيف تجدك؟ «(٢).

عيادة المشرك:
عن أنس -رضي الله عنه-»أن غلامًا ليهود كان يخدُم النّبيّ - ﷺ -، فمرض، فأتاه النّبيّ - ﷺ - يعوده، فقال: أسلِم «فأسلم» (٣).

التداوي:
عن أسامة بن شَرِيك قال: «أتيت النّبيّ - ﷺ -؛ وأصحابُه كأنما على رؤوسهم الطير، فسلّمت ثمّ قعدت، فجاء الأعراب من هاهنا وهاهنا، فقالوا: يا رسول الله! أنتداوى؟ فقال: تداووا؛ فإِن الله -عز وجل- لم يضع داءً إِلا وضَع له دواءً؛ غيرَ داء واحد: الهَرَمُ» (٤).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «ما أنزل الله داءً؛ إِلا

----------------------
(١) هذا العنوان من»صحيح البخاري«، ونقله السيد السابق -رحمه الله- في»فقه السنة«(١/ ٤٩٠).
(٢) أخرجه البخاري: ٥٦٥٤، وبعضه في مسلم: ١٣٧٦، وتقدّم.
(٣) أخرجه البخاري: ٥٦٥٧ و١٣٥٦.
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٢٦٤)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٦٦٠)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٧٧٢)، وانظر»غاية المرام«(تحت رقم ٢٩٢)، و»المشكاة" (٤٥٣٢).



أنزل له شفاءً«(١).
وعن جابر -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - أنه قال:»لكل داءٍ دواء، فإِذا أُصيب دواء الداء برَأ بإِذن الله -عز وجل-«(٢).

تحريم التداوي بمحرّم:
عن وائل الحضرمي: أن طارق بن سُويد الجُعْفِيَّ سأل النّبيّ - ﷺ - عن الخمر؟ فنهاه -أو كره- أن يصنعها، فقال: إِنما أصنعها للدواء؟! فقال - ﷺ -: إِنه ليس بدواء، ولكنه داء» (٣).
وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- في السُّكْر: «إِنّ الله لم يجعل شفاءَكم فيما حرّم عليكم» (٤).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عن الدواء الخبيث» (٥).
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٦٦): وسُئل عن التداوي بالخمر؟

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥٦٧٨.
(٢) أخرجه مسلم: ٢٢٠٤.
(٣) أخرجه مسلم: ١٩٨٤.
(٤) أخرجه البخاري معُلقًا مجزومًا به موقوفًا، وتقدّم في كتابنا هذا (باب الطهارة)، وانظر ما قاله الحافظ في «الفتح» (١٠/ ٧٩).
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٧٨)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٦٦٧)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٧٨٥).



فأجاب:
«التداوي بالخمر حرام، بنص رسول الله - ﷺ -، وعلى ذلك جماهير أهل العلم».
ثمّ ذكر -رحمه الله- الأدلّة على ذلك، ثمّ قال:
«وليس هذا مِثلَ أكْل المُضْطَرِّ للميتة؛ فإِن ذلك يحصل به المقصود قطعًا، وليس له عنه عوض، والأكل منها واجب، فمن اضطر إِلى الميتة ولم يأكل حتى مات؛ دخل النار، وهنا لا يعلم حصول الشفاء، ولا يتعين هذا الدواء، بل الله - تعالى- يعافي العبد بأسباب متعددة».
وجاء فيه (٢٤/ ٢٧٠): وسُئل -رحمه الله- عن رجل وُصف له شحم الخنزير بمرضٍ به، هل يجوز له ذلك أم لا؟ فأجاب:
«وأما التداوي بأكل شحم الخنزير؛ فلا يجوز».
وجاء فيه (٢٤/ ٢٧٥): «وأما ما أبيح للحاجة لا لمجرد الضرورة -كلباس الحرير-؛ فقد ثبت في»الصحيح«:»أن النّبيّ - ﷺ - رخص للزبير وعبد الرحمن ابن عوف في لبس الحرير؛ لحكة كانت بهما«.
وهذا جائز على أصح قَوْلَي العلماء؛ لأن لبس الحرير إِنما حُرِّمَ عند الاستغناء عنه، ولهذا أبيح للنساء لحاجتهن إِلى التزيّن به، وأبيح لهن التستر به مطلقًا، فالحاجة إِلى التداوي به كذلك، بل أوْلى، وهذه حُرِّمت لما فيها من السرف والخيلاء والفخر، وذلك مُنْتَفٍ إِذا احتيج إِليه، وكذلك لبسها للبرد، أو إذا لم يكن عنده ما يستتر به غيرها».


الطبيب المشرك (١):
قال الشيخ تقي الدين (٢): «إِذا كان اليهودي أو النصراني خبيرًا بالطب ثقة عند الإِنسان؛ جاز له أن يستطبّ كما يجوز له أنْ يودِعه المال وأن يعامله، كما قال -تعالى-: ﴿ومن أهل الكتاب من إِن تأمنه بقنطار يُؤَدِّهِ إِليك ومنهم من إِن تأمنه بدينار لا يُؤَدِّهِ إِليك﴾ [آل عمران: ٧٥]».
وفي «الصحيح»: «أنّ النّبيّ - ﷺ - لما هاجر؛ استأجر رجلًا مشركًا هاديًا خِرِّيتًا» (٣). والخريت: الماهر بالهداية، وَأْتَمَنَهُ على نفسه وماله.
وكانت خُزَاعَةُ عَيْبَةً لرسول الله - ﷺ - مسلمُهم وكافرُهم (٤).
وإذا أمكنه أنْ يستطبّ مسلمًا؛ فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله، فلا ينبغي أن يَعْدِلَ عنه. وأمّا إِذا احتاج إِلى ائتمان الكتابيّ أو استطبابه؛ فله ذلك، ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنهيّ عنها، وإِذا خاطبه بالتي هي أحسن كان حسَنًا؛ فإِنّ الله -تعالى- يقول: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إِلا

-------------------
(١) انظر «فقه السّنّة» (١/ ٤٩٢).
(٢) انظر «الآداب الشرعية» لابن مفلح (٢/ ٩٤).
(٣) أخرجه البخاري: ٣٩٠٥.
(٤) أخرجه البخاري: ٢٧٣١، ٢٧٣٢ بلفظ: «وكانوا عيبةَ نُصْح رسول الله - ﷺ -».
قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٥/ ٣٣٧): «العَيبة: ما توضع فيه الثياب لحِفظها؛ أي: أنهم موضع النصح له والأمانة على سرّه، كأنّه شبّه الصدر -الذي هو مستودع السر- بالعيبة التي هي مستودع الثياب».



بالتي هي أحسن إِلا الذين ظلموا منهم﴾ (١)». انتهى كلامه.
وسألت شيخنا -رحمه الله-: هل ترون جواز تطبيب الكافرِ المسلمَ؛ إِذا لم يُتهم، وكان غير مظنون به الريبة؟ فأجاب: نعم.

هل يداوي الرجل المرأة والمرأة الرجل؟ (٢)
عن رُبَيِّعَ بنتِ مُعوِّذ قالت: «كنّا نغزو مع رسول الله - ﷺ -: نسقي القوم، ونخدُمهم، ونَرُدُّ القتلى والجرحى إِلى المدينة» (٣).

العلاج بالرُّقى:
عن عائشة -رضي الله عنها- أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يُعوِّذ بعض أهله؛ يمسح بيده اليمنى ويقول: «اللهمّ ربَّ الناس! أذهب الباس، واشفه -وأنت الشافي، لا شفاءَ إِلا شفاؤك- شفاءً لا يغادر سَقَمًا» (٤).
وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي: أنّه شكا إِلى رسول الله - ﷺ - وجَعًا، يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله - ﷺ -: «ضع يدك على الذي تَألَمُ من جسدك، وقل: باسم الله؛ ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شرّ ما أجد وأحاذر» (٥).

---------------------
(١) العنكبوت: ٤٦.
(٢) هذا العنوان من «صحيح البخاري».
(٣) أخرجه البخاري: ٥٦٧٩.
(٤) أخرجه البخاري: ٥٧٤٣، ومسلم: ٢١٩١.
(٥) أخرجه مسلم: ٢٢٠٢.



وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-: أن رسول الله - ﷺ - عاده في مرضه، فقال النّبيّ - ﷺ -: «اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا ثلاث مِرارٍ» (١).
وعن محمد بن سالم: حدَّثنا ثابت البُناني قال: قال لي: يا محمد! إِذا اشتكيت؛ فضع يدك حيث تشتكي، ثمّ قل: «بسم الله، أعوذ بعزة الله وقدرته من شرِّ ما أجد من وجعي هذا، ثمّ ارفع يدك، ثمّ أعد ذلك وترًا؛ فإِن أنس بن مالك حدثني أن رسول الله - ﷺ - حدّثه بذلك» (٢).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من عاد مريضًا لم يحضر أجله، فقال عنده -سبع مِرار- أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيَك؛ إِلا عافاه الله من ذلك المرض» (٣).
وعنه -رضي الله عنهما- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - يعوِّذ الحسن والحسين ويقول: إِن أباكما كان يعوِّذ بها إِسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامّة (٤)،

--------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٦٢٨.
(٢) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٢٨٣٨)، وانظر»الصحيحة«(١٢٥٨).
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٦٦٣)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٦٩٨)، وتقدّم.
(٤) جاء في»النهاية«:»إِنما وصف كلامه بالتمام؛ لأنه لا يجوز أن يكون في شيء من كلامه نقص أو عيب كما يكون في كلام الناس. وقيل: معنى التمام ها هنا: أنها تنفع المتعوّذ بها وتحفظه من الآفات وتكفيه".




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #84  
قديم يوم أمس, 11:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,988
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 16الى صــ 30
الحلقة (84)






من كل شيطان وهامّة (١)، ومن كل عين لامّة (٢)» (٣).

تحريم التمائم:
عن عقبة بن عامر الجُهَني -رضي الله عنه-: أنّ رسول الله - ﷺ - أقبل إِليه رَهْطٌ (٤)، فبايع تسعةً، وأمسَك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله! بايعت تسعة وتركت هذا؟! قال: إِن عليه تميمة، فأدخل يده، فقطعها، فبايعه وقال: «من علّق تميمةً؛ فقد أشرك» (٥).
«والتميمة: هي خرَزات كانت العرب تُعلّقها على أولادهم؛ يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإِسلام». قاله ابن الأثير في «النهاية».
وقال بعض العلماء: «ثمّ توسّعوا فيها فسمَّوا بها كل عوذة».
قال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» تحت الحديث (٣٣١): «ومِنْ ذلك تعليق بعضهم نعل الفرس على باب الدار، أو في صدر المكان! وتعليق بعض السائقين نعلًا في مقدمة السيارة أو مؤخرتها، أو الخرز الأزرق على مرآة السيارة التي تكون أمام السائق من الداخل؛ كل ذلك من أجل العين زعموا!

--------------------
(١) واحدة الهوامّ ذوات السموم. وقيل: كلّ ما له سمّ يقتل؛ فأمّا ما لا يقتل سمّه فيقال له؛ السوام. وقيل: المراد كل نسمة تهم بسوء.»فتح«.
(٢) قال الخطابي: المراد به: كلّ داء وآفة يُلِمّ بالإِنسان من جنون وخبل. وقال أبو عُبيد: أصْله من: ألمَمت إِلمامًا.»الفتح«أيضًا.
(٣) أخرجه البخاري: ٣٣٧١.
(٤) الرهط: ما دون العَشَرة من الرجال؛ لا يكون فيهم امرأة.»مختار الصحاح«.
(٥) أخرجه الإِمام أحمد بإِسناد صحيح، وانظر»الصحيحة" (٤٩٢).


وهل يدخل في (التمائم) الحُجُبُ التي يعلقها بعض الناس على أولادهم أو على أنفسهم إِذا كانت من القرآن أو الأدعية الثابتة عن النّبيّ - ﷺ -؟
للسلف في ذلك قولان؛ أرجحهما عندي المنع؛ كما بيّنتُه فيما علّقته على»الكَلِم الطيب«لشيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- (رقم التعليق: ٣٤)».
عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنّ الرُّقَى (١) والتمائم والتّوَلة (٢) شرك» (٣). وانظر تعليق شيخنا -رحمه الله- على الحديث (٤٩٢) من «الصحيحة».
عن عيسى -وهو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى- قال: دخلْت على عبد الله ابن عُكيم أبي معبد الجهني أعوده، وبه حُمرة، فقلت: ألا تُعلّق شيئًا؛! قال: الموت أقرب من ذلك، قال النّبيّ - ﷺ -: «من تَعَلَّق شيئًا وُكِّلَ إِليه» (٤).

--------------------
(١) الرُّقى: جمع رُقْيَة: العُوذة التي يُرقَى بها صاحب الآفة، كالحمى والصّرَع وغير ذلك من الآفات«. وانظر»النهاية«
وقال شيخنا -رحمه الله-:»هي -هنا- كلّ ما فيه الاستعاذة بالجنّ، أو لا يفهم معناها، مِثل كتابة بعض المشايخ من العجم على كتابهم لفظة (يا كبيكج)؛ لحفظ الكتب من الأرَضة زعموا!«.
(٢) التّوَلَة -بكسر التاء وفتح الواو-: ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره؛ جعله من الشرك؛ لاعتقادهم أنّ ذلك يؤثر ويفعل خلاف ما قدّره الله -تعالى-».
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٨٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٨٤٥) وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٣٣١)، و«غاية المرام» (٢٩٨).
(٤) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٦٩١) وغيره، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «غاية المرام» (٢٩٧).



التوقِّي من العدوى:
عن أسامة بن زيد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»الطاعون رِجْز -أو عذاب أرسل على بني إِسرائيل- أو على من كان قبلكم - فإِذا سمعتم به بأرض؛ فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها؛ فلا تخرجوا فرارًا منه«(١).
وعن الشَّريد بن سُوَيْد، قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم (٢)، فأرسل إِليه النّبيّ - ﷺ -: إنا قد بايعناك فارجع» (٣).
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا تُوردوا المُمْرضَ (٤) على المُصِحّ» (٥).
قال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» -تحت الحديث (٩٧١) -: «واعلم أنه لا تعارض بين هذين الحديثين وبين أحاديث:»لا عدوى ... «(٦) المتقدّمة

-----------------
(١) أخرجه البخاري: ٥٧٢٨ ومسلم: ٢٢١٨، واللفظ له.
(٢) أي: مصاب بالجذام، وهو علّة تتأكل منها الأعضاء وتتساقط، وانظر»الوسيط«.
(٣) أخرجه مسلم: ٢٢٣١.
(٤) قال النووي -رحمه الله- (١٤/ ٢١٧):»قال العلماء: المُمْرِضُ: صاحب الإِبل المِرَاض، والمُصِحُّ: صاحب الإِبل الصحاح، فمعنى الحديث: لا يورد صاحب الإِبل المراض إِبله على إِبل صاحب الإِبل الصحاح؛ لأنّه ربما أصابها المرض بفعل الله -تعالى- وقدَره الذي أجرى به العادة، لا بطبعها؛ فيحصل لصاحبها ضرر بمرضها، وربما حصل له ضرر أعظم من ذلك؛ باعتقاد العدوى بطبعها؛ فيكفر؛ والله أعلم«.
(٥) أخرجه البخاري: ٥٧٧٤، ومسلم: ٢٢٢١.
(٦) إِشارة إِلى قوله - ﷺ -:»لا عدوى ولا طِيَرة" أخرجه البخاري: ٥٢٧٢، ومسلم: ٢٢٢٣.



برقم (٧٨١ - ٧٨٩)؛ لأنّ المقصود بهما إِثبات العدوى، وأنها تنتقل بإِذن الله - تعالى- من المريض إِلى السليم، والمراد بتلك الأحاديث نفي العدوى التي كان أهل الجاهلية يعتقدونها، وهي انتقالها بنفسها دون النظر إِلى مشيئة الله في ذلك؛ كما يرشد إِليه قوله - ﷺ - للأعرابي: «فمن أعدى الأول؟» (١)
فقد لفَت النّبيّ - ﷺ - نظر الأعرابي بهذا القول الكريم إِلى المسبِّب الأول؛ ألا وهو الله -عز وجل- ولم ينكر عليه قوله: «ما بال الإِبل تكون في الرّمل كأنها الظباء، فيخالطها الأجرب فيجربها»؟! بل إِنه - ﷺ - أقره على هذا الذي كان يشاهده، وإنما أنكر عليه وقوفه عند هذا الظاهر فقط بقوله له: «فمن أعدى الأوّل؟!».
وجملة القول: أنّ الحديثين يثبتان العدوى، وهي ثابتة تجربةً ومشاهدةً،

--------------------
(١) والحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: إِنّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا عدوى ولا صَفَر ولا هامة»، فقال أعرابي: يا رسول الله! فما بال إِبلي تكون في الرَّمل؛ كأنها الظِّباء، فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها؟ فقال: فمن أعدى الأول؟! «أخرجه البخاري: ٥٧١٧، ومسلم: ٢٢٢٠.
والطِّيَرة: التشاؤُم بالشيء؛ وانظر تفصيل الشرح -إِن شئت- في كتابي»شرح صحيح الأدب المفرد«(٣/ ٣٩)، وجاء في»النهاية«في شرح كلمة صَفَر:
»كانت العرب تزعم أن في البطن حيّة يقال لها: الصَّفر، تصيب الإِنسان إِذا جاع وتؤذيه، وأنها تُعدي، فأبطل الإِسلام ذلك. وقيل: أراد به النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وهو تأخير المحرَّم إِلى صَفَر، ويجعلون صَفر هو الشهر الحرام، فأبطله«.
والهامة: الرأس، واسم طائر، وهو المراد في الحديث، وذلك أنّهم كانوا يتشاءمون بها، وهي من طير الليل.»النهاية" أيضًا.



والأحاديث الأخرى لا تنفيها؛ وإِنما تنفي عدوى مقرونة بالغفلة عن الله -تعالى- الخالق لها.
وما أشبه اليوم بالبارحة! فإِن الأطباء الأوربيين في أشد الغفلة عنه -تعالى- لشركهم وضلالهم، وإيمانهم بالعدوى على الطريقة الجاهلية! فلهؤلاء يقال: «فمن أعدى الأول؟!».
فأمّا المؤمن الغافل عن الأخذ بالأسباب؛ فهو يُذكَّر بها، ويقال له -كما في حديث الترجمة-: «لا يورد الممرض على الصح»؛ أخذًا بالأسباب التي خلَقها الله -تعالى- وكما في بعض الأحاديث المتقدّمة (١): «وَفِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد» ...«.
وجاء في»مجموع الفتاوى«(٢٤/ ٢٨٤):»وسُئل عن رجل مبتلى، سكَن في دارٍ بين قوم أصحَّاء، فقال بعضهم: لا يمكننا مجاورتك، ولا ينبغي أن تجاور الأصحاء، فهل يجوز إِخراجه؟
فأجاب: نعم؛ لهم أن يمنعوه من السكن بين الأصحاء، فإِن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا يورد ممرض على مُصح»؛ فنهى صاحب الإِبل الراض أن يوردها على صاحب الإِبل الصحاح، مع قوله: «لا عدوى ولا طِيَرة»، وكذلك روي أنه لما قدم مجذوم ليبايعه، أرسل إِليه بالبيعة، ولم يأذن له في دخول المدينة«.

ذكر الموت والاستعداد له بالعمل:
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: كنت مع رسول الله - ﷺ -، فجاءه رجل

------------------
(١) إِشارة إِلى الحديث المتقدّم في»الصحيحة«(٧٨٠) وفيه:»واتقوا المجذوم كما يُتّقى الأسد".


من الأنصار، فسلّم على النّبيّ - ﷺ -، ثمّ قال: يا رسول الله! أيّ المؤمنين أفضل؟ قال: «أحسنهم خُلُقًا، قال: فأيّ المؤمنين أَكْيَسُ (١)؟ قال: أكثرهم للموت ذِكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا، أولئك الأكياس» (٢).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال - ﷺ -: «أكثِروا ذِكر هاذِمَ (٣) اللذات» (٤).
وقال البخاري -رحمه الله- في «صحيحه»: (من استعدَّ الكفن في زمن النّبيّ - ﷺ - فلم يُنكر عليه) (٥)، ثمّ ساق بإِسناده حديث (١٢٧٧) عن سهل -رضي الله عنه- «أنّ امرأة جاءت النّبيّ - ﷺ - ببُردة منسوجة فيها حاشيتُها (٦)،

-------------------
(١) أكيس: أي: أعقل؛»النهاية«.
(٢) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٣٤٣٥) وغيره، وانظر»الصحيحة«(١٣٨٤).
(٣) أي: قاطع.
(٤) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٣٤٣٤)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٧٢٠)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٨٧٧)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٦٨٢).
(٥) انظر منه (كتاب الجنائز) (باب ٢٨).
(٦) قال الداودي:»يعني: أنها لم تقطع من ثوب فتكون بلا حاشية. وقال غيره: حاشية الثوب هُدْبُهُ؛ فكأنه قال: إِنها جديدة لم يقطع هدبها، ولم تلبس بعد. وقال القزاز: حاشيتا الثوب: ناحيتاه اللتان في طرفهما الهدب«»فتح«. وجاء في»النهاية«:»وحاشية كل شيء جانبه وطرفه".



أتدرون ما البُردة (١)؟ قالوا: الشَّمْلة (٢)، قال: نعم، قالت: نسجتها بيدي، فجئت لأكْسَوَكَها، فأخذها النّبيّ - ﷺ - محتاجًا إِليها، فخرج إِلينا وإنها إِزاره، فحسّنها فلان، فقال: اكسُنيها ما أحسنها!
قال القوم: ما أحسنت، لبسها النّبيّ - ﷺ - مُحتاجًا إِليها ثمّ سألته وعلمت أنه لا يرُدُّ! قال: إِني -والله- ما سألته لألبسها، إِنما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنه».
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «دخلت على أبي بكر -رضي الله عنه- فقال: في كم كفَّنْتم النّبيّ - ﷺ -؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيضٍ سَحولية (٣)؛ ليس فيها قميص ولا عمامة. وقال لها: في أيّ يوم توفّي رسول الله - ﷺ -؟ قالت: يومَ الاثنين. قال: فأيّ يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين. قال: أرجو فيما بيني وبين الليل، فنظر إِلى ثوب عليه كان يُمرَّض فيه، به رَدْعٌ (٤) من زعفران؛ فقال: اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين فكفّنوني فيهما. قلت: إِنّ هذا خَلَق! قال: إِن الحيّ أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمُهْلة (٥)، فلم يُتوفَّ حتى

----------------
(١) و(٢) البُردة: كساء أسود مربّع، يلبسه الأعراب. والشملة: كساء يُشتمل به. قاله الكرماني. وجاء في»الفتح«(٣/ ١٤٣):»وفي تفسير البردة بالشملة تجوُّز؛ لأن البردة كساء والشملة ما يشتمل به؛ فهي أعمّ، لكن لما كان أكثر اشتمالهم بها؛ أطلقوا عليها اسمها«.
(٣) منسوبة إِلى سَحُول -بفتح المهملة وضمّها- قرية باليمن. قاله الكرماني.
(٤) الرَّدعْ: هو لَطْخ وأثر لم يعمّه كلّه: ملتقطًا من»شرح الكرماني«و»الفتح«.
(٥) المُهْلة؛ أي: القيح والصديد الذي يذوب فيسيل من الجسد.»النهاية".



أمسى من ليلة الثلاثاء، ودُفِنَ قبل أن يصبح» (١).
جاء في «المنتقى شرح موطَّإِ مالك» (٢/ ٤٦١): «سؤاله -رضي الله عنه- عائشة لما كانت أعلم الناس بأمره - ﷺ -؛ لأنّه مات في يومها وفي بيتها، ووليت أمره، واهْتبلَتْ به، فكان يرجع في ذلك إِليها، وسألها أبو بكر -رضي الله عنه- في مرضه استعدادًا للموت، ولتنظر في كفنه وأمره، ويجري ذلك كلّه على اختياره من الاقتداء برسول الله - ﷺ -».

فضل طول العمر مع حُسن العمل:
عن أبي بَكْرة -رضي الله عنه-: أنّ رجلًا قال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله، قال: فأي الناس شرّ؟ قال: من طال عمره وساء عمله» (٢).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ألا أنبئكم بخياركم؟! قالوا: بلى. قال:»خياركم: أطولكم أعمارًا وأحسنكم أخلاقًا«(٣).
وعن البراء بن عازب -رضي الله عنهما- قال:»بينما نحن مع رسول الله - ﷺ -؛ إِذ بَصُرَ بجماعة فقال: علامَ اجتمع عليه هؤلاء؟! قيل: على قبر يحفرونه. قال: ففزع رسول الله - ﷺ -، فَبَدَرَ بين يدي أصحابه مسرعًا، حتى

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٣٨٧.
(٢) أخرجه أحمد، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٨٩٩)، والدارمي.
(٣) أخرجه أحمد وغيره، وانظر «الصحيحة» (١٢٩٨).



انتهى إِلى القبر فجثا عليه. قال: فاستقبلتُه من بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بلّ الثرى من دموعه، ثمّ أقبل علينا، قال: «أي إِخواني! لِمثل اليوم فأعدّوا» (١).

طلب الموت بالمدينة:
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال لي النّبيّ - ﷺ -: «من استطاع أن يموت بالمدينة فَلْيَمُتْ بها؛ فإِني أشفع لمن يموت بها» (٢).
وعن سُبيعة الأسلمية -رضي الله عنها- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت؛ فإِنّه لا يموت بها أحد إلاَّ كنتُ له شفيعًا -أو شهيدًا- يوم القيامة» (٣).
وعن حفصة بنت عمر -رضي الله عنهما- قالت: سمعت عمر يقول: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك - ﷺ -» (٤).

موت الفَجأة (٥):
عن عُبَيْد بن خالد السُّلَمِيِّ -رجل من أصحاب النّبيّ - ﷺ -: عن النّبيّ - ﷺ -

-------------------
(١) أخرجه البخاري في «التاريخ»، وابن ماجه، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (١٧٥١).
(٢) أخرجه أحمد، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٣٠٧٦) وغيرهما.
(٣) أخرجه الطبراني في «الكبير» وغيره، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (١١٩٦).
(٤) أخرجه البخاري: ١٨٩٠.
(٥) الفَجأة: البغتة من غير تقدّم سبب، كما في «النهاية».



قال: «موت الفجاة أخْذةُ أَسَفٍ (١)» (٢).
وإنما سمّاه النّبيّ - ﷺ - بهذا؛ لأنه لا يترك المرء ليستعدّ ليوم المعاد بالتوبة وإعداد زاد الآخرة، ولم يمرض ليكون كفّارة لذنوبه (٣).
وبهذا ينبغي على المؤمن أن يكون مستعدًّا دائمًا للموت، وأن يحرص على أداء ما عليه من الحقوق.

أعمار أمّة محمد - ﷺ -:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أعمار أمّتى ما بين الستين إِلى السبعين، وأقلّهم من يجوز ذلك» (٤).
جاء في «المرقاة» (٩/ ١٣٠): «وهذا محمول على الغالب؛ بدليل شهادة الحال، فإِنّ منهم من لم يبلغ ستين، ومنهم من يجوز سبعين. ذَكره الطيبي -رحمه الله-».

أجر شدّة الموت وسكراته:
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «مات النّبيّ - ﷺ - وإنّه لَبْينَ حاقِنَتِي (٥)

---------------------
(١) بفتح السين وروي بكسرها.»عون«(٨/ ٢٦٠).
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٦٦٧)، وانظر»المشكاة«(١٦١١).
(٣)»المرقاة«(٤/ ٧٧) -بتصرّف يسير-.
(٤) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٢٨١٥، ١٩٠٠)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٣٤١٤)، وانظر»الصحيحة«(٧٥٧).
(٥) الفقرة من التَّرْقُوة -عظمة مشرفة بين ثغرة النحر والعاتق- وحبل العنق.»شرح الكرماني".



وذاقِنَتي (١)، فلا أكره شدة الموت لأحدٍ أبدًا بعد النّبيّ - ﷺ -» (٢).

ما يجب على المريض (٣)
١ - على المريض أنْ يرضى بقضاء الله، ويصبر على قَدَره، ويُحسن الظنَّ بربه، ذلك خير له.
فعن صهيب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عجبًا لأمر المؤمن، إِنّ أمره كلَّه خير، وليس ذاك لأحدٍ إلاَّ للمؤمن: إِنْ أصابته سرَّاءُ شكَر؛ فكان خيرًا له، وإنْ أصابته ضرَّاءُ صبَر؛ فكان خيرًا له» (٤).
وقال - ﷺ -: «لا يموتَنَّ أحدكم إِلا وهو يُحسن بالله الظنّ» (٥).
٢ - وينبغي عليه أن يكون بين الخوف والرجاء؛ يخافُ عقاب الله على ذنوبه، ويرجو رحمة ربّه.
فعن أنس -رضي الله عنه-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - دخل على شاب وهو في الموت، فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله يا رسول الله! وأخاف ذنوبي، فقال رسول

--------------------
(١) الذاقنة: الذَّقَن، وقيل طرف الحُلقوم. وقيل: ما يناله الذَّقَن من الصَّدر.»النهاية«.
(٢) أخرجه البخاري: ٤٤٤٦. وعند الترمذي وغيره:»لا أغبط أحدًا بهون موت؛ بعد الذي رأيت من شدّة موت رسول الله - ﷺ -«. وصحّحه شيخنا -رحمه الله- في»مختصر الشمائل المحمدية«(رقم ٣٢٥).
(٣) عن»أحكام الجنائز" لشيخنا الألباني -رحمه الله- بتصرّف.
(٤) أخرجه مسلم: ٢٩٩٩.
(٥) أخرجه مسلم: ٢٨٧٧.



الله - ﷺ -: لا يجتمعان في قلب عبد في مِثل هذا الموطن؛ إِلا أعطاه الله ما يرجو، وآمَنَهُ مما يخاف» (١).
قال النووي -رحمه الله- (١٧/ ٢١٠): «قال العلماء: معنى حُسن الظنّ بالله -تعالى-: أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه، قالوا: وفي حالة الصحة يكون خائفًا راجيًا، ويكونان سواءً.
وقيل: يكون الخوف أرجح، فإِذا دنت أمارات الموت؛ غلَّب الرجاءَ أو مَحَضَهُ؛ لأن مقصود الخوف الانفكاك عن المعاصي والقبائح، والحرصُ على الإِكثار من الطاعات والأعمال؛ وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال، فاستحب إِحسان الظن المتضمن للافتقار إِلى الله -تعالى- والإِذعان له».
٣ - ومهما اشتد به المرض؛ فلا يجوز له أن يتمّنى الموت؛ لحديث أمّ الفضل -رضي الله عنها-: «أنّ رسول الله - ﷺ - دخل عليهم، وعباسٌ عمّ رسول الله - ﷺ - يشتكي، فتمنّى عباسٌ الموتَ، فقال له رسول الله - ﷺ -:
يا عمّ! لا تتمنَّ الموت؛ فإِنّك إِن كنت مُحسنًا؛ فأنْ تُؤخّرَ -تزدادُ إِحسانًا إِلى إِحسانك- خيرٌ لك، وإنْ كنت مسيئًا، فأن تُؤخرَ -فَتَسْتَعْتِبَ (٢) من إِساءتك- خيرٌ لك، فلا تتمنَّ الموت» (٣).

-----------------------
(١) أخرجه الترمذي وسنده حسن، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٤٣٦) وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (١٠٥١)، و«المشكاة» (١٦١٢).
(٢) أي: ترجع عن الإِساءة، وتطلب الرضا. «النهاية».
(٣) أخرجه أحمد، وأبو يعلى، والحاكم، وقال شيخنا -رحمه الله- في «أحكام الجنائز» (ص ١٢): «.. صحيح على شرط البخاري».



فإِن كان لا بدّ فاعلًا فلْيكل الأمر لله؛ لحديث أنس -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا يتمنَّيَنَّ أحدكم الموت لضُّرِّ نزَل به، فإِنْ كان لا بُدّ متمنيًا للموت؛ فليقل: اللهمّ أحْيني ما كانت الحياةُ خيرًا لي، وتوفّني إِذا كانت الوفاةُ خيرًا لي» (١).
٤ - ويجب عليه التوبة من ذنوبه والندم عليها؛ لعموم النصوص الآمرة بذلك، وهو أشد ما يكون احتياجًا لها في حاله هذه.
٥ - وإذا كان عليه حقوق؛ فليُؤدِّها إِلى أصحابها، إِنْ تيسَّر له ذلك؛ وإلا أوصى بذلك، فقد قال - ﷺ -: «من كانت عنده مَظلِمَةٌ (٢) لأخيه فَلْيتحلَّلْهُ منها؛ فإِنه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا درهم، من قبل أن يُؤخذ لأخيه من حسناته، فإِن لم يكن له حسنات؛ أُخِذ من سيئات أخيه فطرِحت عليه» (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «أتدرون ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المفلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع.
فقال: إِنّ المفلس من أُمّتي مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعْطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإِنْ فَنِيَتْ حسناته قبل أن يقضى ما عليه؛ أُخِذَ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثمّ طُرح في النّار» (٤).

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٦٣٥١، ومسلم: ٢٦٨٠.
(٢) بفتح الميم وسكون الظاء المعجمة وكسر اللام؛ كما في «الفتح».
(٣) أخرجه البخاري: ٢٤٤٩، ٦٥٣٤.
(٤) أخرجه مسلم: ٢٥٨١.



وعن جابر بن عبد الله: أنّه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النّبيّ - ﷺ -، فابتعت (١) بعيرًا، فشددت إِليه رَحْلي شهرًا، حتى قدمت الشام؛ فإِذا عبد الله بن أُنَيْس، فبعثت إِليه أنّ جابرًا بالباب، فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم، فخرج فاعتنقني.
قلت: حديث بلغني لم أسمعه؛ خشيت أن أموت أو تموت، قال: سمعت النّبيّ - ﷺ - يقول: «يحشر الله العباد -أو النّاس- عراةً غُرْلًا (٢) بُهمًا (٣) قلنا: ما بُهْمًا؟ قال: ليس معهم شيء (٤)، فيناديهم -بصوت يسمعه من بُعد (أحسبه قال) كما يسمعه من قُرْب-: أنا الملك، لا ينبغي لأحد من أهل الجنّة يدخل الجنّة وأحد من أهل النّار يطلبه بِمَظْلِمَةٍ، ولا ينبغي لأحد من أهل النار يدخل النّار وأحد من أهل الجنَّة يطلبه بمظلِمة».
قلت: وكيف؟ وإنمّا نأتي الله عراةً بُهمًا؟! قال: «بالحسنات والسيئات» (٥) «(٦).

----------------------
(١) أي: اشتريت.
(٢) غير مختونين.
(٣) بُهمًا: جمع بهيم، وهو في الأصل: الذي لا يُخالط لونهُ لونٌ سواه، يعني: ليس فيهم شيء من العاهات والأعراض التي تكون في الدنيا؛ كالعمى والعوَر والعرج، وغير ذلك، وإنما هي أجسادٌ مُصحَّة لخلود الأبد في الجنة أو النار.»النهاية«.
(٤) لا تعارض بين قوله: ليس معهم شيء وما تقدّم في»النهاية«في تفسير (بهمًا)، فإِنّه يُحمل على عدم اصطحابهم أدنى شيء؛ حتى مُخالطة الألوانِ، والله أعلم.
(٥) أي: القصاص. وانظر للمزيد -إِن شئت- كتابي»شرح صحيح الأدب المفرد«(٧٤٦).
(٦) أخرجه أحمد، والبخاري في»الأدب المفرد«»صحيح الأدب المفرد" (٧٤٦) =



وقال - ﷺ -: «من مات وعليه ديْنٌ؛ فليس ثَمّ دينار ولا درهم، ولكنّها الحسنات والسيئات» (١).
وفي لفظ: «الدَّين دَيْنان: فمن مات وهو ينوي قضاءه؛ فأنا وليُّه، ومن مات وهو لا ينوي قضاءه؛ فذاك الذي يؤخذ من حسناته، ليس يومئذ دينارٌ ولا درهم» (٢).
وقال جابر بن عبد الله: «لَمّا حضر أُحد؛ دعاني أبي من الليل، فقال: ما أُراني إِلا مقتولًا في أول من يُقتل من أصحاب النّبيّ - ﷺ -، وإني لا أترك بعدي أعزَّ علي منك؛ غيرَ نفس رسول الله - ﷺ -، وإن عَلَيَّ دينًا فاقضِ، واستوصِ بأخواتك خيرًا، فأصبحنا، فكان أوَّلَ قتيل ...» الحديث (٣).
٦ - ولا بُدّ من الاستعجال بمثل هذه الوصية؛ لقوله - ﷺ -: «ما حقُّ امرئٍ مسلم له شيء يوصي فيه؛ يبيت ثلاث ليال إلاَّ ووصّيته عنده مكتوبة.
قال عبد الله بن عمر: ما مرّت عليّ ليلةٌ - منذ سمِعْتُ رسول الله - ﷺ - قال

----------------------
= وإسناده حسن، وعلّقه البخاري في (كتاب العلم):»باب الخروج في طلب العلم«، وانظر»السنة«(٥١٤) لابن أبي عاصم، و»الصحيحة«(١/ ٣٠١)، و(٣٢٥١).
(١) أخرجه الحاكم -والسّياق له- وابن ماجه، وأحمد من طريقين عن ابن عمر، والأول صحيح، كما قال الحاكم ووافقه الذهبي، والثاني حسن، كما قال المنذري.
(٢) أخرجه الطبراني في»الكبير«، وهو صحيح بما قبله، وانظر»أحكام الجنائز" (ص ١٣).
(٣) أخرجه البخاري: ١٣٥١.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #85  
قديم يوم أمس, 11:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,988
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 31الى صــ 45
الحلقة (85)






ذلك- إِلا وعندي وصيّتي» (١).
جاء في «الروضة الندية» (١/ ٤٠٥): «ويتخلّص عن كلّ ما عليه، ووجوب ذلك معلوم، وإذا أمكن بإِرجاع كل شيء لمن هو له؛ من دين أو وديعة أو غصب أو غير ذلك فهو الواجب، وإن لم يكن في الحال؛ فالوصية المفصَّلة هي أقل ما يجب، وورد الأمر بالوصية وأنّه لا يحل لأحد أن يبيت إِلا ووصيته عند رأسه؛ كما في الأحاديث الصحيحة» (٢).
٧ - ويجب أن يوصيَ لأقربائه الذين لا يرثون منه؛ لقوله -تبارك وتعالى-: ﴿كُتِب عليكم إِذا حَضَرَ أحدَكم الموتُ إِنْ ترك خيرًا الوصيةُ للوالدَين والأقربين بالمعروف حقًّا على المتقين﴾ (٣).
٨ - وله أن يوصي بالثُّلث من ماله، ولا يجوز الزيادة عليه، بل الأفضل أن يَنْقُصَ منه؛ لحديث سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يَعودني عام حجّة الوداع من وجع اشتدّ بي، فقلت: إِني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إِلا ابنة، أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال: لا. فقلت بالشطر (٤)؟ فقال: لا. ثم قال: الثُّلثُ؛ والثلث كبير -أو كثير-! إِنك أن تَذَرَ ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً (٥) يتكفّفون النّاس (٦)، وإنك لن تُنفق

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٧٣٨، ومسلم: ١٦٢٧ - وهذا لفظه-.
(٢) يشير إلى مثِل حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- المتقدّم.
(٣) البقرة: ١٨٠.
(٤) أي: النّصف.
(٥) العالة: الفقراء.
(٦) أي: يسألون الناس في أكفهم.»شرح النووي".


نفقةً -تبتغي بها وجه الله- إِلا أُجرت بها، حتى ما تجعل في فِيِّ (١) امرأتك، فقلت: يا رسول الله! أُخَلَّفُ (٢) بعد أصحابي؟ قال: إِنك لن تخلّف فتعملَ عملًا صالحًا؛ إِلا ازددت به درجة ورفعة، ثمّ لعلك أن تُخلّف حتى ينتفع بك أقوام ويُضَرَّ بك آخرون.
اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردَّهم على أعقابهم، لكن البائس سعد ابن خَوْلة! يرثي له رسول الله - ﷺ -؛ أنْ مات بمكة» (٣).
وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «وَدِدْتُ أنّ الناس غضُّوا من الثُّلث إِلى الربع في الوصيّة؛ لأنّ النّبيّ - ﷺ - قال: الثلثُ كثير» (٤).
٩ - ويُشْهِد على ذلك رجلين عَدْلين مسلمين، فإِنْ لم يوجدا؛ فرجلين من غير المسلمين، على أن يستوثق منهما عند الشك بشهادتهما؛ حسبما جاء بيانه في قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بينكم إِذا حضر أحدَكم الموتُ حين الوصيةِ اثنان ذوا عدلٍ منكم أو آخران من غيركم إِنْ أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيُقسمان بالله إِن ارتبتم لا نشتري به ثمنًا ولو كان ذا قربى ولا نكْتُمُ شهادةَ اللهِ إِنّا إِذًا لمن الآثمين * فإِنْ عُثر على أنّهما استحقا إثمًا (٥)

-----------------------
(١) أي: في فمها.
(٢) أي: أُخلّف بمكّة.
(٣) أخرجه البخاري: ١٢٩٥، ومسلم: ١٦٢٨.
(٤) أخرجه البخاري: ٢٧٤٣، ومسلم: ١٦٢٩.
(٥) قال شيخنا -رحمه الله- في «أحكام الجنائز» (ص ١٥): "أي: فإِن اتّفق الاطّلاع =



فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأَوْلَيَان فيُقسمان بالله لَشَهَادتُنا أحقُّ مِنْ شَهَادتهما وما اعتدينا إِنّا إِذًا لمن الظَّالمين * ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن تُرَدَّ أيمْانٌ بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين (١)﴾» (٢).
١٠ - وأما الوصية للوالدين والأقرَبين الذين يرثون من الموصي؛ فلا تجوز؛ لأنها منسوخة بآية الميراث، وبيّن ذلك رسول الله - ﷺ - أتمَّ البيان في خطبته في حجة الوداع؟ فقال: «إِنّ الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» (٣).
١١ - ويحرُمُ الإِضرار في الوصية، كأنْ يوصيَ بحرمان بعض الورثة من حقّهم من الإِرث، أو يُفضّل بعضهم على بعض فيه؛ لقوله -تبارك وتعالى-: ﴿للرّجال نصيب مّما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيبٌ مما ترك

---------------------
= على أنّ الشاهدين المقسِمَين استحقا إِثمًا بالكذب والكتمان في الشهادة، أو بالخيانة وكتمان شيء من التركة في حالة ائتمانهما عليها؛ فالواجب -أو فالذي يُعمل لإحقاق الحقّ - هو أن تردّ اليمين إِلى الورثة؛ بأن يقوم رجلان آخران مقامهما من أولياء الميت الوارثين له، الذين استُحقّ ذلك الأِثمُ بالإِجرام عليهم والخيانة لهم. كذا في «تفسير المنار»، وراجع تمام البحث فيه (٧/ ٢٢٢)«.
(١) المائدة: ١٠٦ - ١٠٨.
(٢) قال شيخنا -رحمه الله- في»أحكام الجنائز«(ص ١٥):»فالناسخ إِنما هو القرآن، والسُّنّة إِنما هي مبينة لذلك كما ذكرنا، وكما هو واضح من خطبته - ﷺ -؛ خلافًا لما يظنُّه كثيرون أن الحديث هو الناسخ«.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٤٩٤) والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٧٢١)، والبيهقي، وأشار لتقويته، وانظر»أحكام الجنائز" (ص ١٥).



الوالدان والأقربون ممّا قلّ منه أو كثُر نصيبًا مفروضًا﴾ (١).
وفي الأخيرة منها: ﴿من بعد وصيّةٍ يُوصَى بها أو دَيْنٍ غير مُضَارٍّ وصيّةً من الله والله عليم حليم﴾ (٢).
ولقوله - ﷺ -: «لا ضرر ولا ضرار، من ضارَّ ضارَّه الله، ومن شاقَّ شاقَّه الله» (٣).
١٢ - والوصيّة الجائرة باطلة مردودة؛ لقوله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ» (٤).
ولحديث عمران بن حُصَيْن: «أنّ رجلًا أعتق عند موته ستة رَجْلَةٍ (٥) [لم يكن له مال غيرهم] فجاء ورثته من الأعراب، فأخبروا رسول الله - ﷺ - بما صنع.
قال: أَوَ فَعَلَ ذلك؟! قال: لو علمْنا إِن شاء الله ما صلّينا عليه قال: فأقرع بينهم؛ فأعتق منهم اثنين (٦)، وردَّ أربعةً في الرِّق» (٧).

--------------------
(١) النساء: ٧.
(٢) النساء: ١٢.
(٣) أخرجه الدارقطني، والحاكم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري؛ وحسّنه شيخنا - رحمه الله- في «أحكام الجنائز» (ص ١٦)، وانظر «الإِرواء» (٨٩٦).
(٤) أخرجه البخاري: ٢٦٩٧، ومسلم: ١٧١٨.
(٥) جمع رجل.
(٦) يلاحظ أنّ الإِعتاق يساوي الثلث.
(٧) أخرجه أحمد، ومسلم: ١٦٦٨ بنحوه، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ١٧).



١٣ - ولمَّا كان الغالبُ على كثير من الناس في هذا الزمان الابتداعَ في دينهم - ولا سيّما فيما يتعلّق بالجنائز- كان من الواجب أن يوصي المسلم بأن يجهَّز ويُدفن على السنة؛ عملًا بقوله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم نارًا وَقودها النّاس والحجارة عليها ملائكة غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرَهم ويفعلون ما يُؤمرون﴾ (١).
ولذلك كان أصحاب رسول الله يوصون بذلك، والآثار عنهم بما ذكرنا كثيرة، فلا بأس من الاقتصار على بعضها:
أ- عن عامر بن سعد بن أبي وقاص: أنّ أباه قال في مرضه الذي هلك فيه: «ألْحِدُوا (٢) لي لحدًا، وانْصِبوا عليَّ اللّبن نصبًا، كما صُنِعَ برسول الله - ﷺ -» (٣).
ب- عن أبي بُرْدَةَ قال: «أوصى أبو موسى -رضي الله عنه- حين حضره الموت قال: إِذا انطلقتم بجنازتي؛ فأسرعوا بي المشي، ولا تُتْبِعوني بمِجمَر (٤)، ولا تجعلُنَّ على لحدي شيئًا يحول بيني وبين التراب، ولا تجعلُنًّ على قبري بناءً، وأُشهدكم أني بريء من كل حالقةٍ، أو سالقة (٥)، أو خارقة (٦)!، قالوا: سمعت

--------------------
(١) التحريم: ٦.
(٢) اللحد: هو الشق تحت الجانب القبلي من القبر.»شرح النووي«.
(٣) أخرجه مسلم: ٩٦٦.
(٤) هو الذي يوضع فيه النّار للبَخُور.»النهاية".
(٥) هي التي ترفع صوتها عند المصيبة.
(٦) أي: شاقّة وممزقة.



فيه شيئًا؟ قال: نعم؛ من رسول الله - ﷺ -» (١).
جـ - عن حذيفة قال: «إِذا أنا متُّ؛ فلا تُؤْذِنوا (٢) بي أحدًا؛ فإِنّي أخاف أن يكون نَعْيًا (٣)، وإنّي سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن النعي» (٤).

تلقين المحتضر (٥):
فإِذا حضَره الموت؛ فعلى من يكون عنده أمور:
١ - أن يلقّنوه الشهادة؛ لقوله - ﷺ -: «لقنِّوا موتاكم: لا إِله إِلا الله» (٦).
وعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كان آخرُ كلامِهِ لا إِله إِلا الله؛ دخل الجنّة» (٧).
عن عثمان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من مات وهو يعلم

----------
(١) أخرجه أحمد، والبيهقي -بهذا التمام- وابن ماجه بسند حسن.
(٢) أي: تُعلموا.
(٣) النعي؛ قال في»النهاية«:»نَعَى الميّت ينعاه نعيًا ونَعِيًّا: إِذا أذاع موته وأخبر به وإذا ندبَه.
(٤) أخرجه الترمذي وقال: «حديث حسن».
(٥) جاء في «الروضة الندية» (١/ ٣٩٩): «وتلقين المحتضر؛ وهو في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيّام الآخرة».
(٦) أخرجه مسلم: ٩١٦.
(٧) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٧٣)، وانظر «الإِرواء» (٦٨٧)، و«المشكاة» (١٦٢١).



أنه لا إِله إِلا الله؛ دخل الجنّة» (١).
وعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله: «من مات لا يشرك بالله شيئًا؛ دخل الجنة» (٢).
وتلقين المحتضر هو المشروع، أمّا تلقين الرجل بعد موته؛ فلا يشرع.
وجاء في «سنن الترمذي» في (كتاب الجنائز): (باب تلقين المريض عند الموت والدّعاء له).
قال أبو عيسى -رحمه الله-: «وقد كان يُستحبّ أن يُلقّن المريض عند الموت قول: لا إله إِلا الله ...».
وليس التلقينُ ذِكرَ الشهادة بحضرة الميت وتسميعَها إِياه، بل هو أمره بأنْ يقولها؛ خلافًا لما يظنُّ البعض، والدليل حديث أنس -رضي الله عنه-: «أن رسول الله - ﷺ - عاد رجلًا من الأنصار، فقال: يا خال! قل: لا إِله إِلا الله، فقال: أخالٌ أم عمٌّ؟ فقال: بل خال، فقال: فخير لي أن أقول: لا إِله إِلا الله؟ فقال النّبيّ - ﷺ -: نعم» (٣).
جاء في «سِيَر أعلام النبلاء» (١٣/ ٧٦): «قال أبو جعفر محمّد بن علي
ورّاق أبي زُرعة: حضَرنا أبا زرعة بـ (ماشهران)، وهو في السَّوْق (٤)، وعنده أبو

-------------------------
(١) أخرجه مسلم: ٢٦.
(٢) أخرجه مسلم: ٩٣.
(٣) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح على شرط مسلم.
(٤) أي: النّزع، جاء في»الوسيط«:»ساق المريض سَوْقًا وسياقًا ... شرع في نزْعروح".



حاتم، وابن وارة، والمنذر بن شاذان وغيرهم، فذكروا حديث التلقين: «لقّنوا موتاكم: لا إله إِلا الله»، واستحْيَوْا من أبي زُرعة أن يلقّنوه، فقالوا: تعالوا نذكر الحديث.
فقال ابن وارة: حدَّثنا أبو عاصم: حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن صالح .. وجعل يقول: ابن أَبِي .. ولم يجاوزه. وقال أبو حاتم حدثنا بُندار: حدثنا أبو عاصم عن عبد الحميد بن جعفر [عن صالح] .. ولم يجاوز، والباقون سكتوا، فقال أبو زُرعة وهو في السَّوْق: حدثنا بُندار: حدثنا أبو عاصم: حدثنا عبد الحميد عن صالح بن أبي عَريب عن كثير بن مُرة عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كان آخرُ كلامِهِ: لا إِله إِلا الله؛ دخل الجنّة»، وتوفي رحمه الله.
رواها أبو عبد الله الحاكم وغيره عن أبي بكر محمد بن عبد الله الورّاق الرّازي عن أبي جعفر بهذا«.
وقال حُسين الجُعفي: دخلت على الأعمش أنا وزائدة في اليوم الذي مات فيه، والبيت مُمتلئ من الرجال، إِذ دخل شيخ، فقال: سبحان الله! ترون الرجل وما هو فيه وليس منكم أحد يُلقنّه؟!
فقال الأعمش هكذا، فأشار بالسبّابة وحرّك شفتيه» (١).
٢ - أن يدعوا له، ولا يقولوا في حضوره إلاَّ خيرًا.

-------------------------
(١) رواه عبد الله بن أحمد في كتاب أبيه «العلل ومعرفة الرجال» (٢/ ٧٦/‏٤٦٢) بسند صحيح.


عن أمّ سلمة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -:»إِذا حضرتم المريض -أو الميت- فقولوا خيرًا؛ فإِنّ الملائكة يؤمّنون على ما تقولون«(١).
٣ - وأمّا قراءة سورة ﴿يس﴾ عنده، وتوجيهه نحو القبلة؛ فلم يصحّ فيه حديث، بل كره سعيد بن المسيِّب توجيهه إِليها، وقال: أليس الميت امرأً مسلمًا؟!
وعن زُرعة بن عبد الرحمن: أنه شهد سعيد بن المسيِّب في مرضه؛ وعنده أبو سلمة بن عبد الرحمن؛ فغُشي على سعيد، فأمر أبو سلمة أن يحوَّل فراشه إِلى الكعبة، فأفاق، فقال: حوّلتم فراشي؟! فقالوا: نعم.
فنظر إِلى أبي سلمة فقال: أُراه بعلمك؟! فقال: أنا أمرتهم! فأمر سعيد أن يعاد فراشه» (٢) انتهى.
قلت: أمّا قول النّبيّ - ﷺ - عن البيت الحرام: «قِبلتكم أحياءً وأمواتًا» (٣). فإِنه لا يفيد توجيه المحتضر، جاء في «الروضة الندية» (١/ ٤٠٠):
«لأنّ»المراد بقوله: «أحياءً» عند الصلاة، وبقوله: «أمواتًا» في اللحد، والمحتضر حي غير مصلّ، فلا يتناوله الحديث؛ وإِلا لزم وجوب التوجه إِلى القبلة على كل حي، وعدم اختصاصه بحال الصلاة! وهو خلاف الإِجماع ...«.

-------------------------
(١) أخرجه مسلم: ٩١٩.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في»المصنف«بسند صحيح عن زُرعة.
(٣) أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (٦٩٠).



وأمّا حديث ابن أبي قتادة -رضي الله عنه- الآتي؛ فلا يثبت؛ ولفْظه:»أنّ النّبيّ - ﷺ - حين قدم المدينة؛ يسأل عن البراء بن معرور؟ فقالوا: تُوفّي، وأوصى بثلثه لك يا رسول الله! وأوصى أن يوجه إِلى القبلة لما احتضر، فقال رسول الله - ﷺ -: أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه على ولده، ثمّ ذهب فصلّى عليه، فقال: «اللهم اغفر له، وارحمه، وأدخله جنتك، وقد فعلت» (١).
ولا بأس في أن يَحْضُر المسلمُ وفاةَ الكافر ليعرض الإِسلام عليه؛ رجاءَ أن يسلم؛ لحديث أنس -رضي الله عنه- قال: «كان غلام يهودي يخدم النّبيّ - ﷺ -، فمرض، فأتاه النّبي - ﷺ - يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم.
فنظر إِلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم - ﷺ - فأسلم فخرج النّبيّ - ﷺ - وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار» (٢).

ما على الحاضرين بعد موته
فإِذا قضى وأسلم الروح؛ فعليهم عدّة أشياء:
١ - أن يغمضوا عينيه، ويَدْعوا له أيضًا.
عن أمّ سلمة قالت: دخل رسول الله - ﷺ - على أبي سلمة وقد شَقَّ بصرُهُ (٣)،

--------------------------
(١) وفيه علّتان: الأولى: فيه نعيم بن حمّاد، ضعيف.
والثانية: الإِرسال، فإِنّ عبد الله بن أبي قتادة ليس صحابيًّا، وانظر التفصيل في «الإِرواء» (٦٨٩).
(٢) أخرجه البخاري: ١٣٥٦، وتقدّم مختصرًا.
(٣) أي: شخَص، وهو الذي حضره الموت، وصار ينظر إِلى الشيء لا يرتدّ إِليه طرفه. «النووي».



فأغمضه ثمّ قال: «إِنّ الروح إِذا قبض تبعه البصر، فضجّ ناس من أهله فقال: لا تَدْعوا على أنفسكم إلاَّ بخير؛ فإِنّ الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون، ثمّ قال: اللهمّ اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخْلُفْهُ في عقبه في الغابرين (١) واغفر لنا وله يا رب العالمين! وافسح له في قبره، ونوِّر له فيه» (٢).
٢ - أن يُغطّوه بثوب يستر جميع بدنه لحديث عائشة -رضي الله عنها-: «أنّ رسول الله - ﷺ - حين تُوفّي سُجِّيَ (٣)؛ بِبُرْد حِبَرَةٍ (٤)» (٥).
جاء في «الفتح» (٣/ ١١٤) في شرح (باب الدخول على الميت بعد الموت إِذا أُدرج في أكفانه): «قال ابن رُشَيْد: موقع هذه الترجمة من الفقه: أن الموت لمّا كان سبب تغيير محاسن الحي التي عهد عليها -ولذلك أُمر بتغميضه وتغطيته-؛ كان ذلك مظنةً للمنع من كشْفه، حتى قال النَّخَعِيُّ: ينبغي أن لا يطلع عليه إِلا الغاسل له ومن يليه. فترجم البخاري على جواز ذلك، ثمّ أورد فيه ثلاثة أحاديث ...».
وهذا في غير من مات مُحرمًا، فأمّا المُحرم؛ فإِنّه لا يُغطى رأسه ولا وجهه؛

------------------------
(١) أي: الباقين كقوله -تعالى-: ﴿إِلا امرأته كانت من الغابرين﴾ [الأعراف: ٨٣]. «النووي».
(٢) أخرجه مسلم: ٩٢٠.
(٣) سُجيّ؛ أي: غُطيّ وزنًا ومعنى. «الفتح».
(٤) الحِبرة: بكسر المهملة وفتح الموحدة؛ جاء في «النهاية»: «الحبير من البرود: ما كان مَوشيًّا مَخطّطًا، وهو بُرْد يمانٍ».
(٥) أخرجه البخاري: ٥٨١٤، ومسلم: ٩٤٢.



لحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «بينما رجل واقف بعرفة؛ إِذ وقع عن راحلته؛ فوقَصَتْه (١) -أو قال: فأوقَصَتهُ-، قال النّبيّ - ﷺ -: اغسلوه بماء وسدْر، وكفّنوه في ثوبين، ولا تُحنّطوه (٢) (وفي رواية: ولا تُطيّبوه)، ولا تخمّروا (٣) رأسه [ولا وجهه]؛ فإِنّه يُبعث يوم القيامة مُلَبِّيًا» (٤).
٣ - أن يُعجّلوا بتجهيزه وإخراجه إِذا بان موته.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «أسرعوا بالجنازة؛ فإِن تَكُ صالحة؛ فخير تقدمونها إِليه، وإن يَكُ سوى ذلك؛ فشرٌّ تضعونه عن رقابكم» (٥).
٤ - أن يدفنوه في البلد الذي مات فيه، ولا ينقلوه إِلى غيره؛ لأنّه يُنافي الإِسراع المأمور به في حديث أبي هريرة المتقدّم. ونحوه حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «لما كان يوم أحد؛ جاءت عمتي بأبي لتدفنه في مقابرنا، فنادى منادي رسول الله - ﷺ -: رُدُّوا القتلى إِلى مضاجعها» (٦).

---------------------
(١) الوقص: كسْر العُنق.
(٢) ولا تُحنّطوه: هو بالحاء المهملة؛ أي: تُمِسُّوه حَنوطًا والحَنوط -بفتح الحاء- ويقال له: الحِناط -بكسر الحاء- وهو أخلاط من طيب تجمع للميت خاصة، لا تستعمل في غيره. «النووي».
(٣) أي: تغطّوا.
(٤) أخرجه البخاري: ١٢٦٥، ومسلم: ١٢٠٦، وانظر لأجل الزيادات «أحكام الجنائز» (ص ٢٢).
(٥) أخرجه البخاري: ١٣١٥، ومسلم: ٩٤٤.
(٦) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٤٠١)، وأبو داود "صحيح سنن =



ولذلك قالت عائشة -لما مات أخٌ لها بوادي الحبشة فحُمِل من مكانه-: «ما أجدُ في نفسي -أو يُحْزنني في نفسي- إِلا أنّي وَدِدْتُ أنه كان دُفن في مكانه» (١).
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٢٥): «قال النووي في»الأذكار«:»وإذا أوصى بأن يُنقل إِلى بلدٍ آخر؛ لا تُنَفَّذ وصيّته؛ فإِنّ النقل حرام على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون، وصرّح به المحقّقون«...» انتهى.
قال ابن المنذر -رحمه الله- في «الأوسط» (٥/ ٤٦٤): «يستحب أن يدفن الميت في البلد الذي توفي فيه، على هذا كان الأمر على عهد رسول الله - ﷺ -، وعليه عوامُّ أهل العلم، وكذلك تفعل العامّة في عامة البلدان، ويكره حمل الميت من بلد إِلى بلد يخاف عليه التغيّر فيما بينهما».
٥ - أن يبادر بعضهم لقضاء دينه من ماله، ولو أتى عليه كُلِّه، فإِن لم يكُن له مال؛ فعلى الدولة أن تؤدي عنه إِن كان جَهِدَ في قضائه، فإِن لم تفعل، وتطوّع بذلك بعضهم؛ جاز، وفي ذلك أحاديث:
الأوّل: عن سعد بن الأطول؛ «أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالًا، فأردت أن أنفقها على عياله. فقال - ﷺ -: إِن أخاك مُحْتَبِس بدينه، فاقْضِ عنه، فقال: يا رسول الله! قد أديت عنه إِلا دينارين، ادَّعَتْهُما امرأة وليس لها

-------------------
= أبي داود» (٢٧١٠)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٢٣٠)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٨٩٣).
(١) أخرجه البيهقي بسند صحيح.



بيّنَة! قال: فأعْطِها فإِنها مُحِقّة» (١).
الثاني: عن سَمُرَة بن جُنْدُبٍ: أنّ النّبيّ - ﷺ - صلّى على جنازة (وفي رواية: صلّى الصُّبح) فلمّا انصرف قال: أهاهنا من آل فلان أحدٌ؟ [فسكت القوم، وكان إِذا ابتدأهم بشيء سكتوا]، فقال ذلك مرارًا [ثلاثًا؛ لا يجيبه أحد]، [فقال رجل: هُو ذا]، قال: فقام رجل يجرُّ إِزاره من مُؤَخَّر الناس، [فقال له النّبيّ - ﷺ -: ما منعك في المرّتين الأولين أن تكون أجبتني؟] أما إِنّي لم أُنوّه باسمك إِلا لخير، إِنّ فلانًا -لرجل منهم- مأسور بدينه [عن الجنة، فإِنْ شئتم فافْدوه، وإن شئتم فأسلموه إِلى عذاب الله]!
فلو رأيت أهله ومن يتحرّون أمره! قاموا فقضوا عنه، [حتى ما أحدٌ يطلبه بشيء] «(٢).
الثالث: عن جابر بن عبد الله قال:»مات رجل، فغسّلناه وكفّناه وحنَّطناه، ووضعناه لرسول الله - ﷺ - حيثُ توضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثمّ آذنّا رسول الله - ﷺ - بالصلاة عليه، فجاء معنا [فتخطى] خُطىً، ثمّ قال: لعل على صاحبكم دينًا؟ قالوا: نعم، ديناران، فتخلف، [قال: صلّوا على صاحبكم]، فقال له رجل منا -يُقال له: أبو قتادة-: يا رسول الله! هما علّي.
فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: هما عليك وفي مالك، والميّت منهما بريء؟ فقال: نعم، فصلّى عليه فجعل رسول الله - ﷺ - إِذا لقي أبا قتادة يقول (وفي

------------------
(١) أخرجه أحمد، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٩٧٣) وغيرهما.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٨٥٨)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٣٦٨)، وغيرهما؛ وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٢٦).



رواية: ثمّ لقيه من الغد فقال ما صنعتِ الديناران؟ [قال: يا رسول الله! إنّما مات أمس] حتى كان آخر ذلك (وفي الرواية الأخرى: ثم لقيه من الغد فقال: ما فعل الديناران؟) قال: قد قضيتهما يا رسول الله! قال: الآن حين بردت عليه جلده (١)» (٢).
فائدة: قال شيخنا -رحمه الله-: أفادت هذه الأحاديث أنّ الميت ينتفع بقضاء الدّين عنه، ولو كان من غير ولده، وأنّ القضاء يرفع العذاب عنه، فهي من جملة المُخصِّصات لعموم قوله تبارك وتعالى: ﴿وأنْ ليس للإِنسان إِلا ما سعى﴾ (٣)، ولقوله - ﷺ -: «إِذا مات الإِنسان انقطع عمله إلاَّ من ثلاث» (٤).
الرابع: عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله - ﷺ - إِذا خطب؛ احمرَّت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه؛ حتى كأنّه منذر جيش، يقول: صبّحكم ومسّاكم ويقول: «بُعثتُ أنا والساعةُ وكهاتين» ويقرن بين إِصبعيه السبابة (٥) والوسطى، ويقول: أمّا بعد: فإِنّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ بدعة ضلالة، ثمّ يقول أنا أولى بكلِّ

---------------------
(١) قال شيخنا -رحمه الله-: «أي: بسبب رفع العذاب عنه بعد وفاء دينه».
(٢) أخرجه الحاكم -والسياق له- والبيهقي، والطيالسي، وأحمد بإِسناد حسن؛ كما قال الهيثمي.
(٣) النجم: ٣٩.
(٤) أخرجه مسلم: ١٦٣١.
(٥) قال النووي: «سمّيت بذلك؛ لأنهم كانوا يشيرون بها عند السبّ».






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #86  
قديم اليوم, 04:55 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,988
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 46الى صــ 60
الحلقة (86)




مؤمن من نفسه؛ من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دَيْنًا أو ضَياعًا (١)؛ فإِليَّ وعليَّ» (٢).

ما يجوز للحاضرين وغيرهم
ويجوز لهم كشف وجه الميّت، وتقبيله، والبكاء عليه ثلاثة أيام؛ وفي ذلك أحاديث:
الأوّل: عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «لما قُتل أبي؛ جعلت أكشف الثوب عن وجهه أبكي، وينهونني، والنّبيّ - ﷺ - لا ينهاني، فجعَلت عمّتي فاطمة تبكي، فقال النّبيّ - ﷺ -: تبكين أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظلّه بأجنحتها حتى رفعتموه» (٣).
الثاني: عن عائشة -رضي الله عنها- زوج النّبيّ - ﷺ - قالت: «أقبل أبو بكر -رضي الله عنه- على فرسه من مسكنه بالسُّنُح؛ حتى نزل فدخل المسجد فلم يُكلّم الناس حتى دخل على عائشة -رضي الله عنها-، فتيممّ النّبيّ - ﷺوهو مُسجًّى ببرد حِبَرة- فكشف عن وجهه، ثمّ أكبّ عليه فقبّله [بين عينيه]، ثمّ بكى فقال: بأبي أنت وأمّي يا نبي الله! لا يجمع الله عليك موتتين: أمّا الموتة التي كُتبت عليك فقد مُتَّها.

-----------------------
(١) قال النووي: قال أهل اللغة: الضَّياع -بفتح الضاد-: العيال، قال ابن قتيبة: أصْله مصدر ضاع يضيع ضَياعًا المراد: من ترك أطفالًا وعيالًا ذوي ضَياع».
(٢) أخرجه مسلم: ٨٦٧.
(٣) أخرجه البخاري: ١٢٤٤، ١٢٩٣، ومسلم: ٢٤٧١.



قال أبو سلمة: فأخبرني ابن عباس -رضي الله عنهما-: أنّ أبا بكر -رضي الله عنه- خرج؛ وعمر -رضي الله عنه- يكلِّم الناس، فقال: اجلس، فأبى، فقال: اجلس، فأبى، فتشهد أبو بكر -رضي الله عنه-، فمال إِليه الناس وتركوا عمر، فقال: أمّا بعد؛ فمن كان منكم يعبد محمّدًا - ﷺ -؛ فإِنّ محمدًا - ﷺ - قد مات، ومن كان يعبد الله؛ فإِنّ الله حيٌّ لا يموت، قال الله -تعالى-: ﴿وما محمدٌ إِلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل أفإِن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلبْ على عقبيه فلن يضرَّ الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين﴾ [آل عمران: ١٤٤]!
فوالله لكأنَّ النّاس لم يكونوا يعلمون أنّ الله أنزل الآية حتى تلاها أبو بكر - رضي الله عنه- فتلّقاها منه الناس، فما يُسمَع بشرٌ إِلا يتلوها«(١).
الثالث: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قبّل رسول الله - ﷺ - عثمان بن مظعون وهو ميّت، فكأني أنظر إِلى دموعه تسيل على خديه» (٢).
الرابع: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «دخلنا مع رسول الله - ﷺ - على أبي سيف -القَين (٣) - وكان ظِئرًا (٤) لإِبراهيم -عليه السلام- فأخذ رسول

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٢٤١، ١٢٤٢، والزيادة للنسائي، كما في»أحكام الجنائز«(ص ٣١).
(٢) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٤٥٦)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٧٨٨)، وانظر»المشكاة«(١٦٢٣) و»الإِرواء«(٦٩٣).
(٣) القين: هو الحدّاد، ويُطلق على كلّ صانع، يُقال: قان الشيء: إِذا أصلحه.»الفتح".
(٤) ظئرًا -بكسر المعجمة وسكون التحتانية المهموزة بعدها راء-؛ أي: موضعًا =



الله - ﷺ - إِبراهيم، فقبّله وشمّه، ثمّ دخلنا عليه بعد ذلك؛ وإيراهيم يجود بنفسه (١)، فجعلت عينا رسول الله - ﷺ - تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- وأنت يا رسول الله؟! فقال: يا ابن عوف! إنها رحمةٌ، ثمّ أتبعها بأخرى فقال - ﷺ -: إِن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إِلا ما يُرْضِي ربّنا، وإِنّا بفِرَاقك يا إِبراهيم! لمحزونون» (٢).
الخامس: عن عبد الله بن جعفر قال: «أمهل رسول الله - ﷺ - آل جعفر ثلاثة أن يأتيهم، ثمّ أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم» (٣).

وإِن أحبّ أهله أن يَروه لم يُمنعوا (٤):
فقد تقدّم أن جابرًا كشف الثوب عن وجه أبيه -رضي الله عنهما- وتقدّم، أيضًا حديث عائشة: «قبّل رسول الله - ﷺ - عثمان بن مظعون وهو ميّت ...».

ما يجب على أقارب الميت
ويجب على أقارب الميت حين يبلغهم خبر وفاته أمران:

--------------------
= وأطلق عليه ذلك لأنه كان زوج المرضعة، وأصل الظئر مِن: ظأرت الناقة: إِذا عطفت على غير ولدها، فقيل ذلك للتي ترضع غير ولدها، وأطلق ذلك على زوجها؛ لأنّه يشاركها في تربيته غالبًا. «الفتح».
(١) أي: وهو في النَّزْع.
(٢) أخرجه البخاري: ١٣٠٣، ومسلم: ٢٣١٥.
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٥٣٢)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٤٨٢٣).
(٤) هذا العنوان من «المغني» (٢/ ٣٣٨).



الأول: الصبر والرّضا بالقدر.
قال -تعالى-: ﴿ولنبْلُوَنَّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثَّمرات وبشِّر الصَّابرين * الذين إِذا أصابتهم مُصيبةٌ قالوا إنّا لله وإِنّا إِليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربِّهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ (١).
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «مرّ النّبيّ - ﷺ - بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله واصبري، قالت: إِليك عنّي؛ فإِنّك لم تُصَبْ بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إِنه النّبيّ - ﷺ -، فأتت النّبيّ - ﷺ - فلم تجد عنده بَوَّابينَ، فقالت: لم أعرفك، فقال: إِنما الصبر عند الصدمة الأولى» (٢).
والصبر على وفاة الأولاد له أجر عظيم، وقد جاء في ذلك أحاديثُ كثيرة؛ منها:
١ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد؛ فيلجُ النار؛ إِلا تحِلَّةَ القسم (٣)» (٤).
٢ - وعنه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مُسلِمَين يموتُ

-----------------------
(١) البقرة: ١٥٥ - ١٥٧.
(٢) أخرجه البخاري: ١٢٨٣، ومسلم: ٦٢٦.
(٣) قال الإِمام البغوي في»شرح السّنة«(٥/ ٤٥١):»يريد: إِلا قدْر ما يَبَرُّ الله قسمه فيه، وهو قوله -عز وجل-: ﴿وإِنْ منكم إِلا واردها﴾ فإِذا مرّ بها وجاوزها؛ فقد أبرّ قسمه".
(٤) أخرجه البخاري: ١٢٥١، ومسلم: ٢٦٣٢.



لهما ثلاثة من الولد -لم يبلغوا الحِنْث (١) - إلاَّ أدخلهم الله وأبويهم الجنة بفضل رحمته.
قال: ويكونون على بابٍ من أبواب الجنة، فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يجيء أبوانا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وأبواكم بفضل رحمة الله«(٢).
٣ - عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-:»أن النساء قلن للنّبيّ - ﷺ -: «اجعل لنا يومًا، فوعظهن وقال: أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد؛ كانوا لها حجابًا من النار، قالت امرأة: واثنان؟ قال: واثنان» (٣).
الأمر الثاني -ممّا يجب على الأقارب-: الاسترجاع، وهو أن يقول: (إِنّا لله وإِنّا إِليه راجعون)؛ كما جاء في الآية المتقدّمة، ويزيدُ عليه قوله: «اللهم أْجُرْني في مُصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها»؛ لحديث أمّ سلمة -رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من مسلم تُصيبه مُصيبة فيقول ما أمره الله: إِنّا لله وإنّا إِليه راجعون، اللهم أْجُرْني في مصيبتي، وأخلِف لي خيرًا منها؛ إلاَّ أخلَف الله له خيرًا منها.
قالت: فلمّا مات أبو سلمة قلت: أيُّ المسلمين خيرٌ من أبي سلمة؟! أوّل

--------------------
(١) الحِنْث؛ أي: مبْلغ الرّجال، ويجري عليهم القلم، فيُكتب عليهم الحِنْث، وهو الإِثم، وقال الجوهري: بلغ الغُلام الحِنث؛ أي: المعصية والطاعة.»النهاية«.
(٢) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(١٧٧٠)، والبيهقي وغيرهما عنه، وسنده صحيح على شرط الشيخين، كما في»أحكام الجنائز" (٣٤).
(٣) أخرجه البخاري: ١٢٤٩، ومسلم: ٢٦٣٣.



بيتٍ هاجر إِلى رسول الله - ﷺ -! ثمّ إِنّي قُلتها، فأخلف الله لي رسول الله - ﷺ -.
قالت: أرسل إِليّ رسول الله - ﷺ - حاطب بن أبي بَلْتَعَةَ يخطُبني له، فقلت: إِنّ لي بنتًا وأنا غيور! فقال: «أمّا ابنتها؛ فندعو الله أنْ يُغْنيَها عنها، وأدعو الله أن يذهب بالغيرة» (١).
ولا ينافي الصبرَ أن تمتنع المرأة من الزينة كُلِّها؛ حِدادًا على وفاة ولدها أو غيره؛ إِذا لم تزد على ثلاثة أيام؛ إِلا على زوجها، فتُحِدُّ أربعة أشهر وعشرًا؛ لحديث زينب بنت أبي سلمة قالت: «دخلتُ على أمَّ حبيبة زوج النّبيّ - ﷺ - حين توفي أبوها أبو سُفيان بن حرب، فدَعت أمُّ حبيبة بطيبٍ فيه صُفرة - خلوق (٢) أو غيره-، فدهنت منه جارية، ثمّ مسّت بعارضيها (٣)، ثمّ قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة؛ غير أنّي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يحلّ لامرأة تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميّتٍ فوق ثلاث ليالٍ؛ إِلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا.
قالت زينب: فدخلت على زينب ابنة جحش حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمست منه، ثمّ قالت: أما والله ما لي بالطيب من حاجة؛ غير أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول على المنبر: لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدّ على ميت فوق ثلاث ليال؛ إِلا على زوج؛ أربعة أشهر وعشرًا» (٤).

-----------------------
(١) أخرجه مسلم: ٩١٨.
(٢) خَلوق: طِيب مخلوط.
(٣) العارِضان: جانبا الوجه فوق الذّقن ... «شرح الكرماني».
(٤) أخرجه البخاري: ٥٣٣٤، ٥٣٣٥.



ولكنّها إِذا لم تحدّ على غير زوجها -إِرضاءً للزوج وقضاءً لوَطَرِهِ منها- فهو أفضل لها، ويرجى لهما من وراء ذلك خيرٌ كثير؛ كما وقع لأم سُليم وزوجها أبي طلحة الأنصاري -رضي الله عنهما-.
فعن أنس -رضي الله عنه- قال: «مات ابن لأبي طلحة من أم سُليم، فقالت لأهلها: لا تُحدِّثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أُحدّثه، قال: فجاء
فقرَّبت إِليه عشاءً، فأكل وشرب، فقال: ثمّ تصنّعت له أحسن ما كان تصنَّع قبل ذلك، فوقع بها، فلمّا رأت أنّه قد شبع وأصاب منها؛ قالت: يا أبا طلحة! أرأيت لو أنّ قومًا أعاروا عاريَتهم أهل بيت، فطلبوا عاريَتَهُم؛ أَلَهُمْ أنْ يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب وقال: تركتِني حتّى تلطّخت ثمّ أخبرتني بابني!
فانطلق حتّى أتى رسول الله - ﷺ - فأخبره بما كان، فقال رسول الله - ﷺ -: بارك الله لكما في غابر ليلتكما (١)» (٢).

ما يحرُم على أقارب الميت
١ - النياحة؛ وهي رفْع الصوت بالبكاء، وفيه أحاديثُ كثيرة:
عن أبي مالك الأشعري أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: "أربعٌ في أُمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهنَّ: الفخر في الأحساب (٣)، والطعن في الأنساب، والاستسقاء

----------------------
(١) أي: ماضيها.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٤٧٠، ومسلم: ٢١٤٤.
(٣) الحسب في الأصل: الشرف بالآباء وما يعدُّه الناس من مفاخرهم. وتأتي بمعنى =



بالنّجوم، والنياحة، وقال: النائحة -إذا لم تتب قبل موتها- تقام يوم القيامة وعليها سربال (١) من قطران، ودِرْع مِن جرَب (٢)» (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اثنتان في النّاس هما بهم كُفر: الطعْن في النّسب، والنّياحة على الميت» (٤).
وعنه -رضي الله عنه- قال: «لما مات إِبراهيم ابن رسول الله - ﷺ -؛ صاحَ أسامة ابن زيد، فقال رسول الله - ﷺ -: ليس هذا منّي، وليس لصائحٍ حقّ، القلب يحزن والعين تدمع، ولا يُغضَب الربّ» (٥).
وعن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنّ الميت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه» (٦).

-------
= الفَعال الحسن. وقيل: الحسب مأخوذ من الحساب، وذلك أنّهم إِذا تفاخروا؛ عدّ كلّ واحد منهم مناقبه ومآثر آبائه وحسبهم؛ فالحسب العدّ والمعدود. «النهاية» ملتقطًا.
(١) سربال: هو القميص.
(٢) ودرع من جرب؛ أي: يصير جلدها أجرب؛ حتى يكون جلدها كقميص على أعضائها، والدرع قميص النساء.
والقطران: دهن يُدْهَن به الجمل الأجرب؛ فيحترق لحدّته وحرارته، فيشتمل على لذع القطران وحرقته وإسراع النار في الجلد«.»فيض«.
(٣) أخرجه مسلم: ٩٣٤.
(٤) أخرجه مسلم: ٦٧.
(٥) أخرجه ابن حبان، والحاكم بسند حسن؛ كما في»أحكام الجنائز" (ص ٤٠).
(٦) أخرجه البخاري: ١٢٨٦، ومسلم: ٩٢٧.



وفي لفظ: «الميّت يعذب في قبره بما نِيح عليه» (١).
فهذا ينفي مطلق البكاء، وأنّ المراد هو النُّوَاحُ، كما بيّن ذلك شيخنا -رحمه الله-.
وعن المغيرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من نِيحَ عليه؛ فإِنّه يُعذّب بما نيحَ عليه يوم القيامة» (٢).
وهذا لا يعارض مثل قوله -تعالى-: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (٣). إِذ الحديث محمول -كما ذهب إِلى ذلك الجمهور- على من أوصى بالنّوح عليه، أو لم يوصِ بتركه مع علِمه بأنّ النّاس يفعلونه عادة.
ولهذا قال عبد الله بن المبارك: -رحمه الله تعالى-: «إِذا كان ينهاهم في حياته، ففعلوا شيئًا من ذلك بعد وفاته؛ لم يكن عليه شيء» (٤).

٢، ٣ - ضرب الخدود وشق الجيوب.
عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس منّا

--------------
(١) أخرجه البخاري: ١٢٩٢، ومسلم: ٩٢٧.
(٢) أخرجه مسلم: ٩٣٣.
(٣) الأنعام: ١٦٤.
(٤)»عمدة القاري«(٤/ ٧٩)، وذكره شيخنا -رحمه الله- في»أحكام الجنائز" (ص ٤١).



من لطم الخدود وشق الجيوب (١)، ودعا بدعوى الجاهلية (٢) «(٣).

٤ - حلق الشعر.
عن أبي بُردة بن أبي موسى -رضي الله عنه- قال:»وَجِع أبو موسى وَجَعًا؛ فَغُشِيَ عليه، ورأسه في حَجْرِ امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يَرُدّ عليها شيئًا، فلمّا أفاق قال: أنا بريء ممن بريء منه رسول الله - ﷺ -، إِنّ رسول الله - ﷺ - بريء من الصالقة (٤) والحالقة (٥) والشاقّة (٦) «(٧).

٥ - نَشْر الشّعر.
عن امرأة من المبايعات قالت:»كان فيما أخذ علينا رسول الله - ﷺ - في المعروف -الذي أخذ علينا أن لا نعصيَه فيه-: أن لا نخمش (٨) وجهًا، ولا ندعو

------------------
(١) الجيوب: جمع جيب، وهو ما يُفتح من الثوب، ليدخل فيه الرأس، والمراد بشقّه إِكمال فتْحه إِلى آخره، وهو من علامات التسخّط. «فتح».
(٢) دعوى الجاهلية: هو قولهم: يا لفلان! يا للأنصار! يا للمهاجرين! كانوا يدْعو بعضهم بعضًا عند الأمر الحادث الشديد. «النهاية» ملتقطًا.
(٣) أخرجه البخاري: ١٢٩٤، ١٢٩٧، ١٢٩٨، ومسلم: ١٠٣.
(٤) التي ترفع صوتها بالبكاء. «فتح». وفي «النهاية»: الصّلْق: الصوت الشديد ..
(٥) التي تحلق رأسها عند المصيبة.
(٦) التي تشقّ ثوبها.
(٧) أخرجه البخاري: ١٢٩٦، ومسلم: ١٠٤.
(٨) أي: لا نخدش.



ويلًا (١)، ولا نشق جيبًا، ولا ننشر شعرًا (٢)» (٣).
٦ - الإِعلان عن موته على رؤوس المنائر ونحوها، لأنّه من النعي (٤)، وقد ثبت عن حذيفة بن اليمان أنّه قال: «إِذا متُّ فلا تُؤْذِنوا (٥) بي أحدًا؛ فإِنّي أخاف أن يكون نعيًا، وإِنّي سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن النعي» (٦).

النعي الجائز
النعي -لغةً-: هو الإِخبار بموت الميت؛ وقد دلّ حديث حذيفة -رضي الله عنه- السابق على أنّ النهي يشمل كلّ إِخبار، ولكن قد جاءت أحاديثُ صحيحة تدّل على جواز نوعٍ من الإِخبار.
فيجوز إعلان الوفاة إِذا لم يقترن به ما يشبه نعي الجاهلية، وقد يجب ذلك إِذا لم يكُن عنده من يقوم بحقه من الغسل والتكفين والصلاة عليه ونحو

---------------
(١) هو أن يقول عند المصيبة: يا ويلاه.
(٢) أي: ولا نفرّق شعرًا، يُقال: نشر الراعي غنمه؛ أي: بثّها بعد أن آواها. «عون» (٨/ ٢٨١).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٨٥)، ومن طريقه البيهقي بسند صحيح.
(٤) سيأتي بيانه -إِن شاء الله تعالى-.
(٥) أي: تُعلِموا.
(٦) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٧٨٦) وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٢٠٣).



ذلك، وفيه أحاديث:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فخرج إِلى المصلّى؛ فصفَّ بهم وكبّر أربعًا» (١).
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال النّبي - ﷺ -: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثمّ أخذها جعفر فأصيب، ثمّ أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب -وإنّ عَيْنَي رسول الله - ﷺ - لَتَذْرِفانِ- ثمّ أخذها خالد بن الوليد من غير إِمرة ففُتح له» (٢).
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٤٥ - ٤٦): «أخرجه البخاري وترجم له والذي قبله بقوله:»باب الرجل ينعى إِلى أهل الميت بنفسه«. وقال الحافظ:»وفائدة هذه الترجمة: الإِشارة إِلى أنّ النعي ليس ممنوعًا كلُّه، وإنّما نهى عمّا كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون مَنْ يُعلن بخبر موت الميت على أبواب الدُّور والأسواق ... «...» انتهى.
جاء في «السيل الجرار» (١/ ٣٣٨): «وأمّا الإِيذان بموت الميت؛ فقد ثبت في كتب اللغة أن النعي هو الإِخبار بموت الميت وإِذاعته، وقد ثبت عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- في»الصحيحين«وغيرهما:»أنه قال لما رأى قبرًا دفن ليلًا فقال: «متى دفن هذا؟ فقالوا: البارحة. قال: أفلا آذنتموني» (٣).

----------------
(١) أخرجه البخاري: ١٢٤٥، ومسلم: ٩٥١.
(٢) أخرجه البخاري: ١٢٤٦.
(٣) سيأتي تخريجه -إِنْ شاء الله تعالى-.



وثبت في «الصحيح» أنه قال ذلك لما أخبروه بموت السوداء -أو الأسود- الذي كان يقُمّ المسجد (١).
فدل على أن مجرد الإِخبار بموت الميت -من دون إِذاعة ولا تفجُّع- جائز؛ لأنّه قد ورد ما يدلّ على أنّ في كثرة المصلين عليه منفعة له، وأنهم شفعاؤه، وأيضًا لا بد من حضور من يتولى تجهيزه وحمله ودفنه، فإِخبارهم بذلك مما تدعو إِليه الحاجة وتقتضيه الضرورة.
وأمّا ما ذكَره من توابع النّعي؛ فهي ما ورد النهي عنه مِن ضرْب الخدود، وشقِّ الجيوب، والدعاء بدعوة الجاهلية؛ كما في «الصحيحين» وغيرهما«.
ويستحب للمخبر أن يطلب من النّاس أن يستغفروا للميت؛ لحديث أبي قتادة -رضي الله عنه- قال:»بعث رسول الله - ﷺ - جيش الأُمراء فقال: عليكم زيد بن حارثة؛ فإِنْ أصيب زيدٌ فجعفر بن أبي طالب؛ فإِن أصيب جعفرٌ فعبد الله بن رواحة الأنصاري.
فوثب جعفر فقال: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! ما كنت أرهب أن تستعمل عليّ زيدًا، قال: امضهْ فإِنّك؛ لا تدْري أيُّ ذلك خير.
فانطلقوا، فلبثوا ما شاء الله، ثمّ إِنّ رسول الله - ﷺ - صعد المنبر، وأمر أن ينادى (الصلاة جامعة)، فقال رسول الله - ﷺ -: ناب خير، أو بات خير -أو ثاب خير؛ شك عبد الرحمن (يعني: ابن مهدي) -! ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ إِنهم انطلقوا فلقوا العدو، فأصيب زيد شهيدًا، فاستغفِروا له - فاستغفر له الناس- ثمّ أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فشد على القوم حتى

---------------
(١) سيأتي تخريجه -إنْ شاء الله تعالى-.


قتل شهيدًا، أَشْهَدُ له بالشهادة، فاستغفَروا له، ثمّ أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فأثبت قدميه حتى قُتل شهيدًا، فاستغفروا له، ثمّ أخذ اللواء خالد بن الوليد؛ ولم يكن من الأمراء، هو أمّر نفسه، ثمّ رفع رسول الله - ﷺ - أصبعيه فقال: اللهم هو سيف من سيوفك، فانصره؛ فمن يومئذٍ سمّي خالد سيف الله، ثمّ قال: انفروا فأمدُّوا إِخوانكم، ولا يتخلفنّ أحدٌ؛ فنفر الناس في حرّ شديد مُشاة وركبانًا» (١).

ما جاء في الإِحداد (٢) على الميت:
الإِحداد: هو الحُزن على الميت، وترْك الزينة والطيب.
يجوز للمرأة أن تحدّ على قريبها ثلاثة أيام، ويحرم عليها الإِحداد فوق ذلك. أمّا الزوج؛ فيحلّ لها أن تحدّ عليه أربعة أشهر وعشرًا.
فعن أم عطية أنّ رسول الله - ﷺ - قال: لا تُحدّ امرأة على ميت فوق ثلاث؛ إِلا على زوج؛ أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا؛ إِلا ثوب عَصْب (٣)، ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا؛ إِلا إِذا طهرت نُبذة (٤) من قُسْط (٥) أو

-------------
(١) أخرجه أحمد وإسناده حسن.
(٢) قال النووي: «الإِحداد والحداد: مشتق من الحد؛ وهو المنع؛ لأنها تمتنع الزينة والطيب».
(٣) العَصْب -بعين مفتوحة ثمّ صاد ساكنة مهملتين-: هو برود اليمن، يُعْصَبُ غزْلها ثمّ يُصبَغ معصوبًا، ثمّ تنسج. ومعنى الحديث: النهي عن جميع الثياب المصبوغة للزينة؛ إِلا ثوب العصب. «شرح النووي».
(٤) النُّبذة: القطعة والشيء اليسير. «شرح النووي» أيضًا.
(٥) القُسط: ضرْبٌ من الطّيب، وقيل هو العود، والقُسط: عقار معروف في =



أظفار (١) «(٢).
وعن زينب ابنة أبي سلمة قالت:»لمّا جاء نعي أبي سفيان من الشام؛ دعت أمّ حبيبة -رضي الله عنها- بصُفرة (٣) في اليوم الثالث، فمسحت عارضيها (٤) وذراعيها، وقالت: إِني كنتُ عن هذا لغنية؛ لولا أنّي سمعت النّبيّ - ﷺ - يقول: «لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميت فوق ثلاث؛ إِلا على زوج؛ فإِنّها تُحدُّ عليه أربعة أشهر وعشرًا» (٥).

غَسْلُ المَيِّتِ
حكمه:
فإِذا مات المسلم؛ وجب على طائفة من الناس أن يبادروا إلى غَسله، وهو

-----------------
= الأدوية طيّب الريح؛ تبخّر به النّفساء والأطفال، وهو أشبه بالحديث؛ لإِضافته إِلى الأظفار. «النهاية».
(١) الأظفار: جنس من الطيب، والقطعة منه شبيهة بالظُّفر. «النهاية» بحذف. قال النووي -رحمه الله-: «القُسط والأظفار: نوعان معروفان من البخور وليسا من مقصود الطيب، رخّص فيه للمغتسلة من الحيض؛ لإِزالة الرائحة الكريهة، تتبع به أثر الدم لا للتطيُّب والله -تعالى- أعلم.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٣٤٢، ومسلم: ٩٣٨.
(٣) الصُّفرة -في الأصل-: لونٌ أصفر. والمراد هاهنا: نوع من الطّيب فيه صُفرة. قاله العيني في»عمدة القاري«.
(٤) العارض: جانب الوجه وصفحة الخدّ.»الوسيط"، وتقدّم.
(٥) أخرجه البخاري: ١٢٨٠، وتقدّم نحوه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #87  
قديم اليوم, 05:01 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,988
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 61الى صــ 75
الحلقة (87)




فرض كفاية؛ إِذا قام به البعض؛ سقط عن جميع المكلَّفين.
وأمّا وجوب الغَسْل؛ فلأمره - ﷺ - به في غير ما حديث:
١ - قوله - ﷺ - في المُحْرِم الذي وقصته ناقته: «اغسلوه بماء وسِدْر ...» (١).
٢ - قوله - ﷺ - في ابنته زينب -رضي الله عنها-: «اغْسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أكثر من ذلك ...» (٢).

كيفية غَسْلِ الميت:
ويُراعي في غَسْلِهِ الأمورَ الآتيةَ:
أولًا: غسله ثلاثًا فأكثر؛ على ما يرى القائمون على غسله.
قال الإِمام مالك -رحمه الله-: «إِنّ الغَسل أوّلًا هو الفرض، فوجَب أن يكون بالماء وحده، وما بعد ذلك؛ فإِنما هو على وجه التنظيف والتطييب؛ فلا يضرّه ما خالطه مما يزيد في تنظيفه» (٣).
ثانيًا: أن تكون الغَسَلاتُ وترًا.
قال ابن المنذر -رحمه الله- في «الأوسط» (٥/ ٣٢٥): «ذِكْر الخبر الدالِّ على أنّ النّبيّ - ﷺ - إِنما أمر بعدد غسل الميت على ما يراه غاسله بعد أن يكون عدد غسله وترًا، وعلى أنّ معنى قوله:»إِنْ رأيتن ذلك وترًا لا شفعًا ...«.
ثمّ ذكر حديث أمّ عطيّة -رضي الله عنها-.

--------------
(١) أخرجه البخاري: ١٢٦٥، ومسلم: ١٢٠٦، وتقدّم.
(٢) سيأتي تخريجه -إِن شاء الله تعالى-.
(٣)»المنتقى شرح موطأ مالك" (٢/ ٤٥٣).



ثالثًا: أن يُقرن مع بعضها سِدْرٌ، أو ما يقوم مقامه في التنظيف، كالصابون ونحوه.
رابعًا: أن يخلط مع آخر غَسْلة منها شيء من الطيب، والكافورُ أوْلى.
خامسًا: نقض الضفائر وغسلها جيدًا.
سادسًا: تسريح شعره.
سابعًا: جعله ثلاث ضفائر للمرأة وإلقاؤها خلفها.
ثامنًا: البدء بميامنه ومواضع الوضوء منه.
قال الزين بن المنيِّر: قوله: «ابدأن بميامنها»؛ أي: في الغسلات التي لا وضوء فيها. «ومواضع الوضوء منها»؛ أي: في الغسلة المتصله بالوضوء«.»فتح«(٣/ ١٢١).
تاسعًا: أن يتولى غَسلَ الذّكر الرجالُ، والأنثى النساءُ؛ إلاَّ ما استُثْني؛ كما يأتي بيانه -إِن شاء الله تعالى-.
والدليل على هذه الأمور: حديث أم عطية -رضي الله عنها- قالت:»دخل علينا النّبيّ - ﷺ - ونحن نُغَسِّلُ ابنته [زينب]، فقال: اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا [أو سبعًا]، أو أكثر من ذلك -إِن رأيتنّ ذلك- بماء وسدْرٍ [قالت: قلت: وترًا؟ قال: نعم]، واجعلن في الآخرة كافورًا (١)، أو شيئًا من كافور، فإِذا فرغتن فآذِنَّنِي، فلمّا فرغنا آذنّاه، فألقى إِلينا حِقْوه (٢)؛ فقال: أشعرنها إِياه (٣)؛ [تعني:



----------
(١) الكافور: من أخلاط الطيب. وفي «الصحاح»: من الطيب.
(٢) الحِقو: المراد به هنا الإِزار. «فتح».
(٣) أشِعْرنها إِياه؛ أي: اجعلنه شعارها. والشعار: الثوب الذي يلي الجسد؛ لأنّه يلي شعره. «النهاية».



إِزاره]، [قالت: ومشطناها ثلاثة قُرون]، (وفي رواية: نقضنه ثمّ غسلنه) [فضفّرنا شعرها ثلاثة أثلاثٍ: قرنيها وناصيتها] وألقيناها خلفها]، [قالت: وقال لنا: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها] (١).
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٥/ ١٨٠ - مسألة: ٥٦٨): «وصفة الغَسْل: أن يُغسَّل جميع جسد الميت ورأسه بماء قد رُمي فيه شيء من سدر ولا بدّ، إِن وجد، فإِن لم يوجد؛ فبالماء وحده ثلاث مرات ولا بد، يُبتدأ بالميامن، ويُوضّأ، فإِنْ أحبُّوا الزيادة فعلى الوتر أبدًا: إِما ثلاث مرات، وإِما خمس مرات، وإمّا سبع مرات، ويجعل في آخر غسلاته -إِن غسل أكثر من مرة- شيئًا من كافور ولا بدّ فرضًا؛ فإِنْ لم يوجد فلا حرج؛ لأمر رسول الله - ﷺ - بذلك كلّه».
ثمّ ذكر -رحمه الله- حديث أم عطية -رضي الله عنها- السابق.

ذِكْر مضمضة الميت واستنشاقه (٢):
واختلفوا في مضمضة الميت واستنشاقه:
فكان سعيد بن جبير والنَّخَعِيُّ، والثوري لا يرون ذلك.
وكان الشافعي وإِسحاق يأمران به.
قال ابن النذر -رحمه الله-: «هذا أحبُّ إِلي؛ لأنّ في جملة ما وصَفه عامة أهل العلم أن يوضأ الميت، ومن سنة الحيِّ إِذا توضأ أن يتمضمض ويستنشق؛

---------------
(١) أخرجه البخاري: ١٢٥٤، ومسلم: ٩٣٩ وغيرهما، وانظر تخريج الزيادات في»أحكام الجنائز«(ص ٦٥ - ٦٦).
(٢)»الأوسط" (٥/ ٣٣٠).



فسبيل ما يُفعَل بالميت كسبيل ما يفعله الحي؛ إِلا أن تمنع منه سُنّة».

ماذا إِذا مات رجل بين نساء، أو ماتت امرأة بين رجال؟
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٥/ ٢٥٩ - مسألة: ٦١٨): «فلو مات رجل بين نساء لا رجل معهن، أو ماتت امرأة بين رجال لا نساء معهم؛ غسَل النساءُ الرجلَ وغسل الرجالُ المرأةَ على ثوب كثيف، يُصبّ الماء على جميع الجسد دون مباشرة اليد؛ لأن الغسل فرض كما قدَّمنا؛ وهو ممكن كما ذكَرنا بلا مباشرة؛ فلا يحل تركه، ولا كراهة في صبّ الماء أصلًا. وبالله -تعالى- التوفيق.
ولا يجوز أن يُعوّض التيمم من الغسل؛ إِلا عند عدم الماء فقط. وبالله -تعالى- التوفيق.
وممن قال بقولنا هذا: طائفة من العلماء: رُوِّينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري وقتادة قالا جميعًا: تُغسل وعليها الثياب، يعنيان: في المرأة تموت بين رجال لا امرأة معهم ...
وقال الحجاج عن الحكم بن عُتَيْبَة قالا جميعًا -في المرأة تموت مع رجال ليس معهم امرأة-: إِنها يصب عليها الماء من وراء الثياب».

غسل الميت بخرقة:
عاشرًا: ويراعى أن يُغسَل الميت بخرقة أو نحوها تحت ساتر لجسمه بعد تجريده من ثيابه كُلّها؛ فإِنّه كذلك كان العمل على عهد النّبيّ - ﷺ -؛ كما يُفيدُه حديث عائشة -رضي الله عنها-: "لما أرادوا غسل النّبيّ - ﷺ - قالوا: والله ما ندري؛ أنجرِّد رسول الله - ﷺ - من ثيابه كما نُجرّد موتانا، أم نغسله وعليه


ثيابه؟
فلمّا اختلفوا؛ ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلاَّ وذقنَه في صدره، ثمّ كلّمهم مُكلِّم من ناحية البيت -لا يدرون من هو-: أن اغسلوا النّبيّ - ﷺ - وعليه ثيابه.
فقاموا إِلى رسول الله - ﷺ -، فغسلوه وعليه قميصه؛ يصُبُّون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقْبَلْتُ من أمري ما استدبرت؛ ما غسله إلاَّ نساؤه«(١).

ذِكْر عصْر بطن الميت (٢):
قال ابن المنذر -رحمه الله-:»واختلفوا في عصر بطن الميت: فكان ابن سيرين والنخعي والحسن البصري ومالك يقولون: يُعصَر بطن الميت. قال بعضهم: عصرًا خفيفًا.
وكان سفيان الثوري يقول: يُمسح مسحًا رقيقًا بعد الغسلة الأولى. قال الشافعي: «يُمِرُّ يده على بطنه إِمرارًا بليغًا؛ ليُخْرِجَ شيئًا إِنْ كان فيه». وقال أحمد وإِسحاق: يمسح بطنه مسحًا رقيقًا؛ خرج منه شيئًا أو لم يخرج.
وقد رُوِّينا عن الضحاك بن مزاحم: أنه أوصى أنه لا يعصر بطنه.
وكان أحمد بن حنبل يستحب أن يعصر بطنه في الثانية قال: فإِنّه تلين

-----------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٩٣)، وابن الجارود في «المنتقى»، والحاكم وغيرهم.
(٢) «الأوسط» (٥/ ٣٢٩).



في الغسلة الأولى.
قال ابن المنذر: ليس في عصر البطن سُنّة تتبع، وقد رواه من ذكَرنا ذلك عنهم من أهل العلم؛ فإِنْ أمرَّ الغاسل يديه إِمرارًا خفيفًا على بطنه ليخرج شيئًا إِن كان هناك فحَسَن، وإن تَرك فلم يفعل ذلك، فلا بأس» انتهى. قلت: وهذا راجع للمغسِّل، فيفعل ما تقتضيه الحاجة. والله -تعالى- أعلم.

هل يغطّى وجه الميّت؟
جاء في «الأوسط» (٥/ ٣٢٧): «واختلفوا في تغطية وجه الميت عند غسله:
فكان محمد بن سليمان وسليمان بن يسار وأيوب السَّخْتِيَاني يرون أن يلقى على وجه الميت خرقة.
وكان مالك والثوري والشافعي وجماعة يرَون أن يُطرح على فرج الميت خرقة، ولم يذكروا الوجه.
وقال أحمد بن حنبل: إِنما يغطى منه ما كان يغطى في حياته، قال أحمد: يغطى ما بين سُرّته وركبتيه».
قلت: وقول الإِمام أحمد -رحمه الله- هو الراجح؛ لأن عورة الحيّ والميت سواءٌ، ولا دليل على التخصيص.
وجاء في «السيل الجرار» (١/ ٣٤٥): «الأدلة الواردة في منع نظر العورة ولمسها شاملة لعورة الحي والميت، فغَسْلُها يكون بالدلك مع حائل بين اليد وبينها».


حادي عشر: ويستثنى -مما ذكر في (رابعًا) -: المُحْرِم؛ فإِنّه لا يجوزُ تطييبه؛ لقوله في الحديث الذي سبقت الإِشارة إِليه قريبًا:
«لا تُحنِّطوه (وفي رواية: ولا تُطيّبوه). فإِنّه يُبعث يوم القيامة مُلبيًا» (١).
ثاني عشر: ويستثنى -أيضًا ممّا ورد في (تاسعًا) - الزوجان؛ فإِنّه يجوز لكلٍّ منهما أنْ يتولّى غَسْل الآخر؛ إِذ لا دليل يمنعُ منه، والأصل الجواز، ولا سيما وهو مؤيَّد بحديثين:
١ - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لو كنت استقبلتُ من أمري ما استدبرت؛ ما غسل النّبيَّ - ﷺ - غيرُ نسائه» (٢).
قال البيهقي: «فتلهّفَت على ذلك، ولا يُتَلَهَّفُ إِلا على ما يجوز».
قال شيخنا -رحمه الله-: «والجواز هو قول الإِمام أحمد، كما رواه أبو داود في»مسائله«(ص ١٤٦)».
٢ - وعنها -رضي الله عنها- قالت: «رجع إِليّ رسول الله - ﷺ - من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صُداعًا في رأسي، وأقول: وارأساه! فقال: بل أنا وارأساه! ما ضرَّك لو متِّ قبلي فغسلتُك وكفَّنتك، ثمّ صليتُ عليك ودفنتك؟!» (٣).

---------------
(١) أخرجه البخاري: ١٢٦٥، ومسلم: ١٢٠٦، وتقدّم.
(٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١١٩٦) وغيره، وتقدّم.
(٣) أخرجه أحمد، والدارمي، وابن ماجه صحيح سنن ابن ماجه" (١١٩٧)، وغيرهم.



وعن أسماء بنت عُمَيْسٍ قالت: «غسلت أنا وعلي فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -» (١).

ذِكر ترْك الأخذ من شعر الميت ومن أظفاره (٢):
قال ابن المنذر -رحمه الله-: «واختلفوا في أخْذ شعر الميت وأظفاره: فقالت طائفة: يؤخذ من شعره وأظفاره؛ كذلك قال الحسن البصري وبكر بن عبد الله المُزَنِيُّ. ورُوِّينا أن سعد بن مالك أخذ عانة ميت، وذكَر آثارًا في ذلك».
ثمّ قال -رحمه الله-: «وكرهت طائفة ذلك: كره محمد بن سيرين أخْذ عانة الميت. وسُئل حمّاد بن أبي سليمان عن تقليم أظفار الميت؟ فقال: إِنْ كان أقلف أتختنه؟ وكره مالك تقليم أظافر الميت وحلْق عانته».
قال ابن المنذر -رحمه الله-: «الوقوف عن أخذ ذلك أحب إِليّ؛ لأنّ المأمور بأخذ ذلك من نفسه الحي، فإِذا مات انقطع الأمر، ويصير جميع بدنه إِلى البلاء؛ إِلا عَجْبَ (٣) الذَّنَبِ الذي استثناه الرسول - ﷺ -».
وبعدم الأخذ يقول شيخنا -رحمه الله- في إِجابةٍ أَجابنيها.

التيمُّم للميّت عند فَقْدِ الماء:
ويُيَمَّمُ الميت إِذا فُقد الماء؛ لقوله -تعالى-: ﴿فإِنْ لم تجدوا ماءً

-----------------
(١) أخرجه الحاكم، وعنه البيهقي، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٧٠١).
(٢) «الأوسط» (٥/ ٣٢٨).
(٣) العَجب: العظم الذي في أسفل الصُّلب عند العَجُز. «النهاية».



فتيمّموا﴾ (١).
ولقول رسول الله - ﷺ -:»وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا«(٢).
قال ابن حزم -رحمه الله- في»المحلّى«(٥/ ١٨٢ - تحت المسألة: ٥٦٩): فإِن عُدِمَ الماء؛ يُمِّم الميت ولا بُدّ؛ لقول رسول الله - ﷺ -:»جُعلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا«...».

يتولّى الغسلَ من كان أعرف بسُنّة الغسل:
قال شيخنا -رحمه الله- في «أحكام الجنائز» (ص ٦٨): [ولا بدَّ] أن يتولَّى غَسْلَهُ من كان أعرف بسُنّة الغسل، لا سيّما إِذا كان من أهله وأقاربه؛ لأنّ الذين تولّوا غَسله - ﷺ - كانوا كما ذكرنا، فقد قال عليّ -رضي الله عنه-: «غَسلْتُ رسول الله - ﷺ -، فجعلتُ أنظرُ ما يكون من الميّت؛ فلم أر شيئًا، وكان طيِّبًا حيًّا وميّتًا - ﷺ -» (٣).
قال ابن المنذر -رحمه الله- في «الأوسط» (٥/ ٣٢٤): «ذِكْر الدليل على أنّ عُصبة الميت وقرابته أحقّ بولايته وغَسْله؛ إِذا كان فيهم من يُحسن الغسل من الأباعد».
ثمّ ذكر -رحمه الله- حديث سالم بن عُبَيْدِ في وفاة النّبيّ - ﷺ -؛ وفيه:

------------------
(١) النساء: ٤٣.
(٢) أخرجه البخاري: ٤٣٨، ومسلم: ٥٢٣.
(٣) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١١٩٨)، والحاكم، والبيهقي وغيرهم.



«قالوا: يا صاحب رسول الله (١)! أيُدفَن رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم، قالوا: أين؟ قال: في المكان الذي قُبِض فيه روحُه، فإِنّ الله لم يقبض روحه إِلا في مكان طيب. فعلموا أن قد صدَق، ثمّ أمَرهم أن يُغسّله بنو أبيه» (٢).
قال شيخنا -رحمه الله-: «[أي: عصبته]، فغسله سيدنا علي -رضي الله عنه-، فكان الفضل بن عباس وأسامة وشقران مولى رسول الله - ﷺ - يناولون عليًّا الماء».
ولمن تولّى غَسْله أجرٌ عظيم بشرطين اثنين:
الأول: أن يستُر عليه، ولا يحدّث بما قد يرى من المكروه؛ لقوله - ﷺ -: «من غَسَّلَ مُسلمًا فكتم عليه؛ غفر له الله أربعين مرةً، ومن حفر له فأجنّه؛ أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إِياه إلى يوم القيامة، ومن كفّنه؛ كساه الله يوم القيامة من سندسِ وإستبرقِ الجنة» (٣).
الثاني: أن يبتغي بذلك وجه الله، لا يريدُ به جزاءً ولا شُكورًا ولا شيئًا من أمور الدنيا، لما تقرّر قي الشرع أنّ الله -تبارك وتعالى- لا يقْبل من العمل إلاَّ ما كان خالصًا لوجهه الكريم.
والأدلّة على ذلك من الكتاب والسُّنة كثيرة جدًّا.

----------------
(١) الخطاب لأبي بكر الصّديق -رضي الله عنه-.
(٢) أخرجه الترمذي في «الشمائل»، وهو حديث صحيح؛ خرّجه شيخنا -رحمه الله- في «مختصر الشمائل» (٣٣٣).
(٣) أخرجه الحاكم، والبيهقي وغيرهما، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٦٩).



ويستحبّ لمن غسّله أن يغتسل، فعن عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال:»من غسَّل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضَّأ«(١).
قال شيخنا -رحمه الله تعالى-:»وظاهر الأمر يفيد الوجوب، وإنّما لم نقُل به لحديثين موقوفيْن -لهما حْكم الرفع-:
الأوّل: عن ابن عباس: «ليس عليكم في غَسْلِ ميّتكم غُسْلٌ إِذا غسَّلْتمُوه؛ فإِن ميّتكم ليس بنجسٍ، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم» (٢).
الثاني: قول ابن عمر -رضي الله عنه-: «كنّا نغسل الميت، فمنّا من يغتسل، ومنّا من لا يغتسل» (٣).
ولا يُشْرَعُ غَسل الشهيد قتيل المعركة، ولو اتّفق أنّه كان جُنبًا، وفي ذلك أحاديث:
عن جابر قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «ادْفنوهم في دمائهم؛ يعني: يوم أُحد، ولمْ يُغسِّلْهم» (٤).
وفي لفظ: «لا تغسِلوهم؛ فإِنّ كُلّ جرحٍ -أو كلّ دم- يفوح مِسكًا يوم

------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٧٠٧)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٧٩١)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١١٩٥).
(٢) أخرجه الحاكم، والبيهقي، وحسّن شيخنا -رحمه الله- إِسناده في»أحكام الجنائز«(ص ٧٢).
(٣) أخرجه الدارقطني، والخطيب في»تاريخه" بإِسناد صحيح، كما قال الحافظ.
(٤) أخرجه البخاري: ١٣٤٦.



القيامة؛ ولم يُصلِّ عليهم«(١).
الثالث: عن أبي بَرْزَةَ: أنّ النّبيّ - ﷺ - كان في مغزىً له، فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: هل تفقدون من أحد؟، قالوا: نعم، فلانًا وفلانًا وفلانًا، ثمّ قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نعم، فلانًا وفلانًا وفلانًا، ثمّ قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا، قال: لكنّي أفقد جُليبيبًا، فاطلبوه.
فطُلِبَ في القتلى، فوجدوه إِلى جنب سبعةٍ قد قتلهم ثمّ قتلوه، فأتى النّبيّ - ﷺ - فوقف عليه، فقال: قتل سبعة، ثمّ قتلوه! هذا منّي وأنا منه، هذا منّي وأنا منه! قال: فوضعه على ساعديه، ليس له إِلا ساعدا النّبيّ - ﷺ -. قال: فحفر له ووضع في قبره، ولم يذكر غَسْلًا» (٢).
عن أنس: «أنّ شهداء أُحد لم يغسّلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يُصَلَّ عليهم؛ غير حمزة» (٣).

الشهداء الذين يغسلون ويصلّى عليهم:
أمّا القتلى الذين لم يُقْتَلوا في المعركة بأيدي الكفار؛ فقد أطلق الشارع على بعضهم لفظ الشهداء، وهؤلاء يغسلون، ويصلّى عليهم؛ فقد غسل

-------------------
(١) أخرجه أحمد، وسنده صحيح على شرط الشيخين، كما في «الإِرواء» (٣/ ١٦٤).
(٢) أخرجه مسلم: ٢٤٧٢.
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٨٨) وغيره، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٧٤).



رسول الله - ﷺ - من مات منهم في حياته، وغسل المسلمون بعده عمر وعثمان وعليًّا، وهم جميعًا شهداء، ونحن نذكر هؤلاء الشهداء فيما يلي (١):
عن جابر بن عَتِيكٍ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الشهداء سبعةٌ -سوى القتل في سبيل الله-: المطعون شهيد، والغَرِقُ شهيد، وصاحب ذات الجَنْبِ شهيد (٢)، والمبطون شهيد، وصاحب الحَرِيقُ شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمع (٣) شهيدة» (٤).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما تَعُدُّون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! من قُتل في سبيل الله فهو شهيد. قال: إِنّ شُهداء أمتي إِذًا لقليل، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟!
قال: من قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد،

-----------------
(١) انظر»فقه السّنّة«(١/ ٥١٣).
(٢) ذات الجنب: هي الدُّمّل الكبيرة التي تظهر في باطن الجَنب وتنفجر إِلى داخل.»النهاية«.
(٣) جاء في»النهاية«:»أي: تموت وفي بطنها ولد. وقيل: التي تموت بكرًا. والجُمع - بالضم- بمعنى المجموع، كذُخْر بمعنى المذخور.
وكسر الكسائي الجيم، والمعنى: أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة«.
(٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٦٦٨) وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٢٢٦١) والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٧٤٢)، وانظر»أحكام الجنائز" لشيخنا -رحمه الله- (ص ٥٥).



ومن مات في الطّاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريق شهيد» (١).
وعن سعيد بن زيد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد» (٢).

من جُرح في المعركة وعاش حياةً مستقرّة (٣):
إِذا جُرح الرجل في المعركة وعاش حياة مستقرّة، ثمّ مات؛ يُغسل ويُصلّى عليه.
فإنْ عاش عيشة غير مستقرّة فتكلّم أو شرب ثمّ مات؛ فإِنّه لا يُغسل ولا يصلّى عليه. والله -تعالى- أعلم.

هل يُغسل الكافر؟
جاء في كتاب «الأوسط» (٥/ ٣٤١): «واختلفوا في غَسْل الكافر ودَفْنه: فكان مالك يقول:»لا يغسِّلُ المسلمُ والدَه إِذا مات كافرًا، ولا يتبعه، ولا يدخل في قبره؛ إِلا أن يخشى أن يضيع، فيواريه«.
وكان الشافعي يقول:»لا بأس أن يغسل المسلم ذا قرابته من المشركين،

-----------------
(١) أخرجه مسلم: ١٩١٥.
(٢) أخرجه أحمد، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٩٩٣)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٤٨)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٨١٧).
(٣) عن «فقه السنة» (١/ ٥٣١).



ويتبعه ويدفنه«، وبه قال أبو ثور، وأصحاب الرأي.
قال أبو بكر [هو ابن المنذر]: ليس في غَسْلِ من خالف الإِسلام سنة يجب اتباعها ...» انتهى.
قلت: لا دليل على مشروعية غَسْلِ الكافر؛ لأن الغَسْلَ عبادة لا تثبت إِلا بدليل، وقد ورد الدليل على مواراته ودفنه؛ كما في حديث علي -رضي الله عنه- قال: «لما توفّي أبو طالب؛ أتيت النّبيّ - ﷺ - فقلت: إِنّ عمّك الشيخ الضالّ قد مات، فمن يواريه؟ قال: اذهب فواره ...» (١).

الصبي الصغير تغسله المرأة:
قال ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٣٣٨): «أجمع كل من نحفظ -من أهل العلم- على أن المرأة تغسل الصبي الصغير، وممن حفظنا ذلك عنه: الحسن البصري ومحمد بن سيرين وحفصة بنت سيرين ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي».

ما عدد ما يُغسَل الجنب والحائض إِذا ماتا؟
جاء في «الأوسط» (٥/ ٣٤٠): «واختلفوا في الجنب والحائض يموتان؛ كم يغسلان؟
فكان الحسن يقول: يغسل الجنب غسل الجنابة، والحائض غسل الحيض؛

------------------
(١) بعض من حديث أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٧٥٣)، والنسائي»صحيح سنن النسائي" (١٨٩٥) وغيرهم، وسيأتي بتمامه -إِن شاء الله- في (باب الدفن).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #88  
قديم اليوم, 05:05 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,988
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 76الى صــ 90
الحلقة (88)






ثمّ يغسلان غَسْلَ الميت.
وقال سعيد بن المسيِّب والحسن: ما مات ميت إِلا أجنب.
ورُوِّينا عن عطاء أنه قال: «يُصْنَعُ بهما ما يُصْنَعُ بغيرهما».
قال أبو بكر [هو ابن المنذر]: وهذا قول عوام أهل العلم، وبه نقول، وذلك أنا لا نعلم -فيما سَنّ النّبيّ - ﷺ - مِن غسل الموتى- تفريقًا بين من مات منهم جُنبًا، أو غير جنب، أو حائضًا [وهذه حُجّة قوية]، وقد يجنب الرجل في غير وقت الصلاة، وإِنما يجب عليه الاغتسال إِذا دخل وقت الصلاة، فيؤدي فرض الصلاة، وإذا سقط بوفاته عنه فرض الصلاة؛ أشبه أن يسقط عنه فرض الطهارة، التي تؤدى بها الصلاة. والله أعلم«انتهى.

إِذا خرج شيء من الميت بعد الغَسْلِ؛ فهل يعاد الغَسل؟
اختلف العلماء في الميت يخرج منه الشيء بعد الغسل:
فقال بعضهم: يعاد عليه الغَسْل، واختلفوا في عدد المرات.
*وقالت طائفة: لا يعاد الغسل؛ كذلك قال مالك والثوري والنعمان.
وقال الثوري والنعمان: يغسل ما خرج منه.
قال ابن المنذر: وكذلك نقول، ولا يكون حكم الميت أكثر من حكم الحي، فلو خرج من حي شيء بعد ما اغتسل؛ لم ينقض ذلك غسله، وإيجاب الغسل في هذه الحالة إِيجاب فرض، والفرض لا يجب بغير حجة* (١).
قلت: كلام ابن المنذر في غاية القوّة. والله أعلم.

---------------------
(١) ما بين نجمتين من كتاب»الأوسط" (٥/ ٣٣٤).


فوائد في غسل الميت:
١ - ينبغي ألاَّ يحضُرَ الغُسل إِلا من لا بدّ من حضوره.
جاء في «المغني» (٢/ ٣١٧): «ولا يحضرهُ إلاَّ من يُعين في أمره ما دام يُغسَل».
٢ - وأن يَحْرِص القائم على تغسيله على عدم إِظهار العورة ما استطاع إِلى ذلك سبيلًا.
٣ - أن يتضمّن الغَسل تعميم الماء على بدن الميت كلّه.

تكفين الميت
حُكمه:
تكفين الميت -ولو بثوب واحدٍ- واجب؛ لحديث خبّاب -رضي الله عنه- الآتي إِن شاء الله -سبحانه- بعد سطور.
قال شيخنا -رحمه الله- (ص ٧٦): «وبعد الفراغ من غَسْلِ الميت؛ يجب تكفينه؛ لأمر النّبيّ - ﷺ - بذلك في حديث المُحْرِم الذي وقصته الناقة».
قلت: وهو حديث: «اغسلوه بماءٍ وسدرٍ، وكفّنوه في ثوبين ...» (١).

الكفن أو ثمنه مِن مال الميّت:
والكَفَن أو ثمنه من مال الميت، ولو لم يُخلِّف غيره؛ لحديث خبّاب بن الأَرتِّ -رضي الله عنه- قال: "هاجرنا مع النّبيّ - ﷺ - نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا

----------------
(١) أخرجه البخاري: ١٢٦٥، ومسلم: ١٢٠٦، وتقدّم.


على الله: فمنّا من مات لم يأكل من أجره شيئًا (١)؛ منهم مُصعب بن عمير، ومنّا من أينعت (٢) له ثمرته؛ فهو يَهْدِبُها (٣)؟ قُتل يوم أُحد، فلم نجد ما نكفّنه إِلا بُردةً إِذا غطّينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطّينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا النّبيّ - ﷺ - أن نُغطّي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإِذخر (٤)» (٥).
وقال ابن المنذر -رحمه الله- في «الأوسط» (٥/ ٣٥٤) -بعد هذا الحديث-: «يدل هذا الحديث على معاني:
أحدها: التكفين في ثوب واحد عند عدم غيره.
ويدل على أن الكفن من رأس المال، قال في الحديث: لم يترك إِلا نمرةً.
ويدل على أن الكفن يُبْدَأُ به على الدَّين، والميراث.
ويدل على أن الثوب الذي يكفن فيه لو أضاق؛ فتغطية رأسه أولى أن يبدأ به من غيره».

والحَنُوط وأُجرة القبر والغسل كذلك من مال الميت.
وقال عمرو بن دينار: الحنوط من جميع المال (٦)، وقال إِبراهيم: يبدأ

------------------
(١) كناية عن الغنائم، كما في «الفتح».
(٢) أي: نضجت.
(٣) أي: يجتنيها.
(٤) الإِذخِر: حشيشة طيبة الرائحة.
(٥) أخرجه البخاري: ١٢٧٦، ومسلم: ٩٤٠.
(٦) رواه البخاري معلقًا، ووصله عبد الرزاق من طريق أُخرى عنه، وسنده صحيح، =



بالكفن، ثم بالدّين، ثمّ بالوصية (١)، وقال سفيان: أجر القبر والغسل هو من الكفن (٢).

ينبغي أن يكون الكفن طائلًا سابغًا ساترًا جميع بدنه:
وينبغي أن يكون الكفن حسنًا طائلًا سابغًا، يسترُ جميع بدنه؛ لحديث جابر ابن عبد الله -رضي الله عنه-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - خطب يومًا؛ فذكر رجلًا من أصحابه قبض؛ فكفِّن في كفن غير طائلٍ وقُبر ليلًا؛ فزجر النّبيّ - ﷺ - أن يُقبر الرّجل بالليل حتى يُصلّى عليه؛ إِلا أن يُضطرّ إِنسان إِلى ذلك، وقال النّبيّ - ﷺ -: إِذا كفّن أحدكم أخاه فليُحسِّن كفَنه» (٣).
قال شيخنا -رحمه الله-: «قال العلماء: والمراد بإِحسان الكَفن: نظافته وكثافته وستره وتوسُّطه، وليس المراد به السَّرَفَ فيه والمغالاة ونفاسته» انتهى.
وجاء في «السيل الجرّار» (١/ ٣٤٧): «قد حصَل الاتفاق على أنّ الواجب في الكفن ثوب واحد يستر جميع البدن، وأنّ ذلك مُقدّم على ما يخرج من التَّرِكَةِ من دَيْنٍ وغيره، فإِنْ ألجأت الضرورة إِلى أن يُكفنّ في ثوب لا يستر

-----------------
= وانظر»مختصر صحيح البخاري«(١/ ٣٠٠).
(١) رواه البخاري معلّقًا. وقال شيخنا -رحمه الله- في»مختصر البخاري«(١/ ٣٠٠):»... هو إِبراهيم بن يزيد النخعي، وقد وصَله عنه الدارمي، وكذا عبد الرزاق وسنده صحيح أيضًا«.
(٢) رواه البخاري معلّقًا، ووصده عبد الرزاق، كما في»الفتح«(٣/ ١٤١)؛ وفيه:»أي: أجر حفْر القبر وأجْر الغاسل: مِن حُكم الكفن في أنه من رأس المال".
(٣) أخرجه مسلم: ٩٤٣.



جميع بدنه؛ فللضرورة حُكمها؛ كما وقع في «الصحيحين» وغيرهما: «أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد ولم يترك إِلا نَمِرَة (١) ...».

ماذا إذا ضاق الكفَن؟
فإِنْ ضاق الكَفن عن ذلك، ولم يتيسّر السابغ؛ سُتر به رأسه وما طال من جسده، وما بقي منه مكشوفًا جُعل عليه شيء من الإِذخر أو غيره من الحشيش، وفيه حديثان:
الأول: حديث خّباب بن الأرتّ -رضي الله عنه- المتقدّم وفيه: «.. فأمَرنا النّبيّ - ﷺ - أن نغطّي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإِذخر».
الثاني: عن حارثة بن مُضَرِّب قال: «دخلت على خبّاب وقد اكتوى [في بطنه] سبعًا، فقال: لولا أنّي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:»لا يتمنّينّ أحدكم الموت«؛ لتمنّيته! ولقد رأيتني مع رسول الله - ﷺ - لا أملك درهمًا، وإنّ في جانب بيتي الآن لأربعين ألف درهم.
ثمّ أتى بكفنه، فلمّا رآه بكى وقال: ولكنّ حمزة لم يوجد له كفن إِلا بُردةً ملحاءَ، إِذا جُعلت على رأسه قَلَصتْ (٢) عن قدميه، وإذا جُعلت على قدميه قَلَصتْ عن رأسه، وجُعل على قدميه الإِذخر» (٣).

----------------------
(١) النَمِرَة: كل شملة مُخطّطة من مآزر الأعراب؛ فهي نَمِرة، وجمعها نِمار، كأنها أُخذت من لون النَّمر؛ لما فيها من السواد والبياض؛ وهي من الصفات الغالبة. «النهاية».
(٢) أي: نقصَت. «الوسيط».
(٣) أخرجه أحمد -بهذا التمام، وإسناده صحيح- والترمذي -دون قوله: ثمّ أتى بكفنه ... - وقال: «حديث حسن صحيح» ... وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٧٨).



جواز تكفين الجماعة في الكفن الواحد عند الضرورة:
وإذا قلَّت الأكفان، وكثرت الموتى؛ جاز تكفين الجماعة منهم في الكفن الواحد، ويقدَّم أكثرهم قرآنًا إِلى القبلة؛ لحديث أنس: «لمّا كان يومُ أُحُد؛ مرّ رسول الله - ﷺ - بحمزة بن عبد المطلب، وقد جُدِعَ ومُثِّل به، فقال: لولا أن تجد صفيّة [في نفسها!] تركته [حتى تأكُله العافية]، حتى يحشره الله من بطون الطير والسّباع!
فكفّنه في نَمِرَة، [وكانت] إِذا خُمَّرَ رأسه بدت رجلاه، وإذا خُمِّرت رجلاه بدا رأسه، فخُمّر رأسه، ولم يُصَلِّ على أحد من الشهداء غيرهُ. وقال: أنا شاهد عليكم اليوم، [قال: وكثرت القتلى، وقلّت الثياب، وقال:] وكان يَجْمَعُ الثلاثة والاثنين في قبر واحد، ويسأل: أيُّهُم أكثر قرآنًا، فيقدِّمه في اللحد، وكفّن الرجلين والثلاثة في الثوب الواحد» (١).
وفي رواية قال: «أتى رسول الله - ﷺ - على حمزة يوم أُحد، فوقف عليه، فرآه قد مُثِّل به، فقال: لولا أن تجد صفية في نفسها؛ لتركته حتى تأكله العافية (٢)، حتى يحشر يوم القيامة من بطونها، قال: ثمّ دعا بنَمِرة فكفّنه فيها، فكانت إِذا مُدَّت على رأسه بدت رجلاه، وإذا مُدت على رجليه بدا رأسه.
قال: فكثر القتلى، وقَلَّتْ الثياب.

----------------------
(١) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي" (٨١١).
(٢) العافية: كلُّ طالب رزق من إِنسان أو بهيمة أو طائر، وجمْعها العوافي.
والمراد هنا: السّباع والطيور التي تأكل الجِيف.



قال: فكُفِّنَ الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد، ثمّ يدفنون في قبر واحد.
قال: فجعل رسول الله - ﷺ - يسأل عنهم أيُّهم أكثر قرآنًا، فيقدمه إِلى القبل.
قال: فدفنهم رسول الله - ﷺ - ولم يصل عليهم» (١).
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «معنى الحديث أنّه كان يقسم الثوب الواحد بين الجماعة، فيكفّن كل واحد ببعضه للضرورة، وإِن لم يستر إلاَّ بعض بدنه، يدلُّ عليه تمام الحديث: أنّه كان يسأل عن أكثرهم قرآنًا فيُقدّمه في اللحد، فلو أنّهم في ثوب واحد جُملة؛ لسأل عن أفضلهم قبل ذلك؛ كي لا يؤدّي إِلى نقض التكفين وإعادته».
ذكره في «عون المعبود» (٣/ ١٦٥). قال شيخنا -رحمه الله-: «وهذا التفسير هو الصواب. وأما قول من فسّره على ظاهره؛ فخطأ مخالف لسياق القصة كما بيّنه ابن تيمية! وأبعد منه عن الصواب من قال: معنى: (ثوب واحد) قبرٌ واحد! لأنّ هذا منصوص عليه في الحديث؛ فلا معنى لإِعادته».

يدفن الشهيد في ثيابه التي قُتل فيها:
ولا يجوز نزْع ثياب الشهيد التي قُتل فيها، بل يُدْفن وهي عليه؛ لقوله - ﷺ - في قتلى أُحد: «زمِّلوهم في ثيابهم» (٢).

-------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٨٩)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨١١) وغيرهما.
(٢) أخرجه أحمد، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٨٠).



وفي رواية: «زمّلوهم بدمائهم» (١).
ويُستحبُّ تكفينه بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه، كما فعل رسول الله - ﷺ - بمصعب بن عمير وحمزة بن عبد المطلب كما تقدّم.
وكذلك ما ثبت عن شدّاد بن الهاد: أن رجلًا من الأعراب جاء إِلى النّبيّ - ﷺ -، فآمن به واتّبعه، ثمّ قال: أُهاجِر معك، فأوصَى به النّبيّ - ﷺ -، بعض أصحابه، فلمّا كانت غزوة [خَيْبَر] غنم النّبيّ - ﷺ - شيئًا؛ فقسم وقَسَم له، فأعطى أصحابه ما قَسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلمّا جاء دفعوه إِليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قِسم قَسَمه لك النّبيّ - ﷺ -.
فأخذه فجاء به إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: ما هذا؟ قال: قَسَمتُه لك، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أنْ أُرمى إِلى هاهُنا، وأشار إِلى حلقه بسهم فأموت، فأدخُل الجنة! فقال: إِنْ تصدُق الله يصدُقْك.
فلبثوا قليلًا، ثمّ نهضوا في قتال العدو، فأتي به النّبيُّ - ﷺ -، يُحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النّبيّ - ﷺ -: أَهُوَ هُو؟! قالوا: نعم! قال: صَدَقَ الله فصدقه ثمّ كفَّنه النّبيّ - ﷺ -، في جبَّة النّبيّ - ﷺ -، ثمّ قدّمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: اللهمّ هذا عبْدك، خرج مُهاجرًا في سبيلك، فقتل شهيدًا، أنا شهيدٌ على ذلك«(٢).

--------------------
(١) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(١٨٩٢).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في»المصنف«، والنسائي»صحيح سنن النسائي" (١٨٤٥) وغيرهما.



يُكفّن المُحرِم في ثوبيه الذين مات فيهما:
والمُحْرِم يُكفَّن في ثوبيه اللّذين مات فيهما، كما في قوله - ﷺ - في الحديث المتقدّم في المحرِم الذي وقصته الناقة: «.. وكفّنوه في ثوبيه [اللذين أحرم فيهما] ...».
ويستحبّ في الكفن أمور:
الأوّل: البياض.
فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال رسول الله - ﷺ -: «البَسوا من ثيابكم البياض؛ فإِنّها من خير ثيابكم، وكفّنوا فيها موتاكم» (١).
الثاني: كونُه ثلاثةَ أثواب.
عن عائشة -رضي الله عنها-: أنّ رسول الله - ﷺ - كُفِّن في ثلاثة أثواب يمانِيَةٍ بيض سَحولية (٢) من كُرْسُفٍ؛ ليس فيهنّ قميص ولا عِمامة«(٣).
وفي زيادة:»أُدرج فيها إِدراجًا«(٤).

-------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٣٢٨٤)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٧٩٢)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٢٠١)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٧٨٨).
(٢) سحوليّة: يروى بفتح السين وضمّها، فالفتح منسوب إِلى السَّحُول، وهو القصّار [المُبيّض للثّياب]؛ لأنه يسْحلُها؛ أي: يغسلها، أو إِلى سَحُول؛ وهي قرية باليمن.
وأمّا الضم؛ فهو جمع سَحْل، وهو الثوب الأبيض النقي، ولا يكون إلاَّ من قُطن».
(٣) أخرجه البخاري: ١٢٦٤، ومسلم: ٩٤١.
(٤) أخرجه أحمد، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٨٣).



الثالث: أن يكون أحدها ثوبَ حِبَرَةٍ (١) إِذا تيسّر.
فعن جابر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:»إِذا تُوفّي أحدكم فوجد شيئًا؛ فليكفِّن في ثوب حِبَرة«(٢).
قال شيخنا -رحمه الله تعالى-»اعلم أنه لا تعارض بين هذا الحديث وبين الحديث الأول في البياض: «وكفنوا فيها موتاكم»؛ لإِمكان التوفيق بينهما بوجه من وجوه الجمع الكثيرة المعلومة عند العلماء، ويخطر في بالي الآن منها وجهان:
١ - أن تكون الحِبَرة بيضاء مخططة ويكون الغالب عليها البياض؛ فحينئذٍ يشملها الحديث الأول؛ باعتبار أن العبرة في كل شيء بالغالب عليه، وهذا إِذا كان الكفن ثوبًا واحدًا، وأما إِذا كان أكثر؛ فالجمع أيسر؛ وهو الوجه الآتي.
٢ - أن يجعل كفنًا واحدًا حِبَرةً، وما بقي أبيضَ، وبذلك يُعْمَلُ بالحديثين معًا.
ْالرابع: تبخيرهُ ثلاثًا؛ لقوله - ﷺ -: «إِذا جمّرتم (٣) الميت؛ فأجمروه ثلاثًا» (٤).
وهذا الحكم لا يشمل المُحِرم؛ لقوله - ﷺ - في المُحْرم الذي وقصته الناقة:

-----------------
(١) الحِبرة -بوزن عِنَبَة- والحبير من البُرود: ما كان مَوْشِيًّا، وهو بُرد يمانٍ. وانظر «النهاية»، وتقدّم.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٠٣) وغيره.
(٣) أي: بخّرتموه بالطيب. «النهاية».
(٤) أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة، وابن حبان في «صحيحه»، وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «أحكام الجنائز» (٨٤).



«.. ولا تطيّبوه ...». [تقدّم تخريجه.]
ولا تجوز المُغالاة في الكفن، ولا الزيادة فيه على الثلاثة؛ لأنّه خلاف ما كُفّن فيه رسول الله - ﷺ -، وفيه إِضاعة للمال، وهو منهيّ عنه؛ لا سيّما والحيُّ أولى به.
فعن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنّ الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإِضاعة المال، وكثرة السؤال» (١).
قال شيخنا -رحمه الله تعالى-: «ويُعجبني بهذه المناسبة ما قاله العلاّمة أبو الطيّب في»الروضة الندية«(١/ ١٦٥):»وليس تكثير الأكفان والمغالاة في أثمانها بمحمود؛ فإِنّه لولا ورود الشرع به؛ لكان من إِضاعة المال؛ لأنّه لا ينتفع به الميت، ولا يعود نفْعه على الحي، ورحم الله أبا بكر الصّديق حيث قال: «إِن الحيّ أحقُ بالجديد .. لمّا قيل له عند تعيينه لثوب من أثوابه في كفنه: إِنّ هذا خَلَق» (٢). انتهى.
جاء في «السيل الجرّار» (١/ ٣٤٨): «أقول: الذي أوصى بأن يُكفّن في زيادة على سبعة (٣) أكفان؛ فقد أوصى بما نهى عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- من إِضاعة المال، وهذا إِضاعة للمال بلا شك ولا شبهة؛ فهو وصية بمحْظور لا يجوز تنفيذها، وإنما قلنا: إِنه إِضاعة للمال؛ لأنّه لا ينتفع به الميت، وإن كفن

------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٤٧٧، ومسلم: ١٧١٥.
(٢) أخرجه البخاري: ١٣٨٧.
(٣) ليس فيه جواز التكفين بسبعة أثواب، ولكنّه في معرض الردّ وقد قال -رحمه الله- في الصفحة نفسها:»... ولو سلمنا ذلك؛ لكان أفضل الأكفان ثلاثة دروج؛ فلا يصحّ قول المصنف: والمشروع إِلى سبعة وترًا".



بألف كفن؛ لأن ذلك يصير ترابًا عن قريب.
ومعلوم أنه إِذا كان صحيح العقل لا يقصد التزين بذلك بين أهل البرزخ - فقد صاروا جميعًا في شغل شاغل عن ذلك-؛ فالصواب أنه يأثم الوصي والوارث بامتثال هذه الوصية لا بِرَدِّها.
والله -سبحانه- إِنما جعل للميت ثلث ماله ليجعله زيادة في حسناته ويتقرب به إِلى الله -سبحانه- لا ليضعه في موضع الإِضاعة، ويخالف به ما شرعه الله لعباده من عدم إِضاعة المال».
والمرأة في ذلك كالرجل، إِذ لا دليل على التفريق.

حَمْلُ الجنازةِ واتّباعُها
حُكم حمل الجنازة واتّباعها:
ويجب حمل الجنازة واتّباعها، وذلك من حقّ الميت المسلم على المسلمين، وفي ذلك أحاديث منها:
الأول: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:
«حقّ المسلم على المسلم خمس: ردّ السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» (١).
الثاني: قوله أيضًا: «عودوا المريض، واتّبعوا الجنائز؛ تذكّرْكم الآخرة» (٢).

--------------
(١) أخرجه البخاري: ١٢٤٠، ومسلم: ٢١٦٢.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف»، والبخاري في «الأدب المفرد» «صحيح الأدب المفرد» (٤٠٣/ ٥١٨)، وابن حبان في «صحيحه» وغيرهم.



واتّباعُها على مرتبتين:
الأولى: اتّباعها من عند أهلها، حشى الصلاة عليها.
والأخرى: اتباعها من عند أهلها، حتى يُفرغ من دفنها.
وكُلًاّ منهما فعَل (١) رسول الله - ﷺ -.

هل تتبع جنازة المشرك؟
جاء في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٦٥): «وسئل -رحمه الله تعالى- عن قوم مسلمين مجاوري النصارى؛ فهل يجوز للمسلم إِذا مرض النصراني أن يعوده؟ وإِذا مات أن يتبع جنازته؟ وهل على مَن فعَل ذلك من المسلمين وِزْرٌ أم لا؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين، لا يتبع جنازتَه، وأمّا عيادته فلا بأس بها (٢)؛ فإِنه قد يكون في ذلك مصلحةٌ لتأليفه على الإِسلام، فإِذا مات كافرًا؛ فقد وَجَبت له النار؛ ولهذا لا يُصلّى عليه. والله أعلم».

فضل اتباع الجنازة:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من شهد الجنازة

-----------------
(١) انظر»أحكام الجنائز" (ص ٨٧).
(٢) وقد تقدّم في ذلك الدليل، لكن ينبغي أن توظّف هذه الزيارة في الدعوة إِلى الله - تعالى- كما يشير إِلى ذلك الحديث، وهذا ما ذهب إِليه شيخ الإِسلام -رحمه الله- في الكلام السابق.
أمّا إِذا كان الزائر ضعيف العلم والإِيمان؛ فلا يحلّ له الذّهاب مخافة الافتتان.



حتى يُصلّى عليها؛ فله قيراط (١)، ومن شهِدهَا حتى تدفن؛ فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين» (٢).
وفي لفظٍ: «أعظم من أُحد» (٣).
وفي بعض الشواهد عن أبي هريرة زيادات مفيدة، لعلّه من المُستحسن ذِكْرها: «وكان ابن عمر يُصلّي عليها، ثمّ ينصرف، فلمّا بلغه حديث أبي هريرة قال: [أكثر علينا أبو هريرة (وفي رواية: فتعاظمه)]، [فأرسل خبّابًا إِلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة، ثمّ يرجع إِليه فيُخبره ما قالت؟ وأخذ ابن عمر قبضةً من حصى المسجد يُقلِّبها في يده، حتى رجع إِليه الرسول، فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة.
فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض، ثمّ قال:] لقد فرّطْنا في قراريط كثيرة! [فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: إِنه لم يكن يَشْغَلني عن رسول الله - ﷺ - صفقة السوق، ولا غرس الوَدِيِّ (٤)، إِنما كنت ألزم النّبيّ - ﷺ - لكلمةٍ يُعلّمنيها، وللُقمة يُطعِمُنيها]، [فقال له ابن عمر: أنت يا أبا هريرة! كنت ألزمنا لرسول الله - ﷺ - وأعلمنا بحديثه]» (٥).

---------------
(١) القيراط: جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عُشرِه في أكثر البلاد. «لسان العرب».
(٢) أخرجه البخاري: ١٣٢٥، ومسلم: ٩٤٥ - واللفظ له-.
(٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (١٨٨٧).
(٤) صغار النّخل.
(٥) قال شيخنا -رحمه الله-: "هذه الزيادات كلّها لمسلم (٩٤٥)، إِلا الأخيرة؛ =



عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟! قال أبو بكر: أنا قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا قال: فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا.
فقال رسول الله - ﷺ -: ما اجتمعن في امرئ إِلا دخَل الجنة» (١).
وهذا الفضْل في اتّباع الجنائز؛ إِنّما هو للرجال دون النساء؛ لنهي النّبيّ - ﷺ - لهنّ عن اتباعها، وهو نهي تنزيه.
عن أم عطية -رضي الله عنها- قالت: «نُهينا عن اتباع الجنائز؛ ولم يُعْزَم علينا» (٢).
وفي روإية: «نهانا رسول الله - ﷺ -» (٣).
وقد جاء التصريح بأنّ النساء لا أجر لهنَّ في اتباعها: كما في الحديث الذي أخرجه ابن حبان في «الثقات» (٦/ ٤٩٣) بإِسناده عن عائشة مرفوعًا؛ وهو مخرج في «الصحيحة» (٣٠١٢).

-------------------
= فهي لأحمد؛ وكذا سعيد بن منصور بإِسنادٍ صحيحٍ، كما قال الحافظ في «الفتح»، والتي قبلها للطيالسي وسندها صحيح على شرط مسلم، والزيادة الثانية للشيخين، والرواية الثانية فيها للترمذي، وأحمد ...«.
(١) أخرجه مسلم: ١٠٢٨.
(٢) أخرجه البخاري: ١٢٧٨، ومسلم: ٩٣٨.
(٣) انظر»أحكام الجنائز" (ص ٩٠).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #89  
قديم اليوم, 05:09 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,988
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 91الى صــ 105
الحلقة (89)



لا يجوزأن تُتَّبَعَ الجنائز بما يخالف الشريعة:
ولا يجوز أن تُتّبع الجنائز بما يخالف الشريعة، وقد جاء النصُّ فيها على أمرين: رفع الصوت بالبكاء، واتبّاعها بالبَخُور.
عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن تتّبع جنازة معها رانّة (١)» (٢). وعن أبي بُردة قال: «أوصى أبو موسى -رضي الله عنه- حين حضَره الموت قال: إِذا انطلقتم بجنازتي؛ فأسرعوا بي المشي، ولا تَتَّبعوني بمِجمَر (٣) ...» (٤).
وعن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال وهو في سياق الموت: «فإِذا أنا مِتُّ؛ فلا تصحبني نائحةٌ ولا نار» (٥).
ويلحق بذلك رفع الصوت بالذّكر أمام الجنازة؛ لأنّه بدعة، ولقول قيس بن عُبَاد: «كان أصحاب النّبيّ - ﷺ - يكرهون رفع الصوت عند الجنائز» (٦).
ولأنّ فيه تشبّهًا بالنصارى؛ فإِنّهم يرفعون أصواتهم بشيء من أناجيلهم

--------------
(١) رانّة: الرنّة -بتشديد النون-: الصوت، يُقال: رنّت المرأة؛ إِذا صاحت. «شرح سنن ابن ماجه» للسندي (١/ ٤٨٠).
(٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٢٨٧)، وأحمد من طريقين عن مجاهد عنه، وهو حسن بمجموع الطريقين.
(٣) المِجْمَر: هو الذي يوضَع فيه النّار للبَخور، كما تقدّم.
(٤) أخرجه أحمد، وابن ماجه بسند حسن وغيرهما، وتقدّم.
(٥) أخرجه مسلم: ١٢١.
(٦) أخرجه البيهقي، وابن المبارك في «الزهد»، وأبو نعيم بسند رجاله ثقات.



وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين.
وأقبح من ذلك: تشييعها بالعزف على آلالات الموسيقية أمامها عزفًا حزينًا، كما يفعل في بعص البلاد الإِسلامية تقليدًا للكفّار! والله المُستعان.
قال النووي -رحمه الله تعالى- في «الأذكار» (ص ٢٠٣): «واعلم أنّ الصواب والمختار وما كان عليه السلف -رضي الله عنهم-: السّكوت في حال السّير مع الجنازة، فلا يُرْفَعُ صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة، وهي أنّه أسكن لخاطره، وأجمع لفكره فيما يتعلّق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق، ولا تغترّ بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو عليّ الفُضَيْل بن عِيَاضٍ -رضي الله عنه- ما معناه: الزم طُرق الهدى؛ ولا يضرك قلّة السالكين، وإيّاك وطرُق الضلالة؛ ولا تغتر بكثرة الهالكين». وقد روّينا في «سنن البيهقي» ما يقتضي ما قلته (يشير إِلى قول قيس بن عباد). وأمّا ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها؛ من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن مواضعه، فحرام بإِجماع العلماء، وقد أوضحت قُبحه، وغلظ تحريمه، وفسق من تمكّن من إِنكاره فلم يُنكره في كتاب «آداب القراءة». والله المستعان«.
قال شيخنا -رحمه الله-:»يشير إِلى كتابه «التبيان في آداب حَمَلة القرآن» انتهى.
وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٩٣): "وسُئل عن رفع الصوت في الجنازة؟
فأجاب: الحمد لله؛ لا يستحب رفع الصوت مع الجنازة، لا بقراءة ولا ذِكر


ولا غير ذلك؛ هذا مذهب الأئمة الأربعة، وهو المأثور عن السلف من الصحابة والتابعين، ولا أعلم فيه مخالفًا؛ بل قد روي عن النّبيّ - ﷺ -: أنّه نهى أن يتبع بصوت أو نار: رواه أبو داود (١).
وسمع عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- رجلًا يقول في جنازة: استغفروا لأخيكم. فقال ابن عمر: لا غفر الله بعد!
وقال قيس بن عُبَاد -وهو من أكابر التابعين من أصحاب علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: كانوا يستحبون خفض الصوت عند الجنائز، وعند الذكر، وعند القتال.
وقد اتفق أهل العلم بالحديث والآثار أنّ هذا لم يكن على عهد القرون الثلاثة المفضلة.
وأما قول السائل: إِن هذا قد صار إِجماعًا من الناس! فليس كذلك؛ بل ما زال في المسلمين من يكره ذلك، وما زالت جنائز كثيرة تخرج بغير هذا في عدة أمصار من أمصار المسلمين.
وأما كون أهل بلد -أو بلدين أو عشر- تعوَّدوا ذلك؛ فليس هذا بإِجماع؛ بل أهل مدينة النّبيّ - ﷺ - التي نزل فيها القرآن والسنة -وهي دار الهجرة، والنصرة، والإِيمان، والعلم- لم يكونوا يفعلون ذلك؛ بل لو اتفقوا في مثل زمن مالك وشيوخه على شيء، ولم ينقلوه عن النّبيّ - ﷺ - أو خلفائه؛ لم يكن

---------------------
(١) قال شيخنا -رحمه الله- في «أحكام الجنائز» (ص ٩١): «أخرجه أبو داود [انظر»ضعيف أبي داود«(٦٩٦)]، وأحمد من حديث أبي هريرة، وفي سنده من لم يسمّ، لكنّه يتقوى بشواهده المرفوعة وبعض الآثار الموقوفة ...».


إِجماعهم حُجّة عند جمهور المسلمين، وبعد زمن مالك وأصحابه ليس إِجماعهم حجة باتفاق المسلمين؛ فكيف بغيرهم من أهل الأمصار.
وأمّا قول القائل: إِنّ هذا يشبه بجنائز اليهود والنصارى! فليس كذلك؛ بل أهل الكتاب عادتهم رفع الأصوات مع الجنائز، وقد شُرط عليهم في شروط أهل الذّمة أن لا يفعلوا ذلك.
ثمّ إنما نهينا عن التشبه بهم فيما ليس هو من طريق سلفنا الأول، وأما إِذا اتبعنا طريق سلفنا الأول كنا مصيبين، وإن شاركنا في بعض ذلك من شاركنا، كما أنهم يشاركوننا في الدفن في الأرض، وفي غير ذلك».

الإِسراع في السير بها:
ويجب الإِسراع في السير بها، سيرًا دون الرَّمَلِ، وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «أسرِعوا بالجنازة؛ فإِن تكُ صالحة؛ فخير تقدّمونها إِليه، وإن يَكُ سوى ذلك؛ فشرّ تضعونه عن رقابكم» (١).
الثاني: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا وُضِعَتِ الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم؛ فإِن كانت صالحة قالت: قدّموني، وإن كانت غير صالحة؟ قالت: يا ويلها! أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إِلا الإِنسان، ولو سمعه صَعِق» (٢).

------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٣١٥، ومسلم: ٩٤٤، وتقدّم.
(٢) أخرجه البخاري: ١٣١٤.



الثالث: عن عبد الرحمن بن جَوْشَنٍ قال: «كنت في جنازة عبد الرحمن بن سَمُرَةَ، فجعل زياد ورجال من مواليه يمشون على أعقابهم أمام السرير، ثمّ يقولون: رويدًا رويدًا بارك الله فيكم!!
فلحِقهم أبو بكرة في بعض سِكَكِ المدينة، فحمل عليهم بالبَغْلَةِ، وشدّ عليهم بالسّوط، وقال: خلُّوا! والذي أكرم وجه أبي القاسم - ﷺ -؛ لقد رأيتنا على عهد رسول الله - ﷺ - لنكاد أن نَرْمُلَ بها رَمَلًا» (١).
قال شيخنا -رحمه الله-: ظاهر الأمر الوجوب [أي: الإِسراع بالجنازة]، وبه قال ابن حزم (٥/ ١٥٤ - ١٥٥)، ولم نجد دليلًا يصرفه إِلى الاستحباب، فوقفنا عنده، وقال ابن القيم في «زاد المعاد»: «وأمّا دبيب الناس اليوم خطوة خطوة؛ فبدعة مكروهة، مخالفة للسنّة، ومتضمّنة للتشبّه بأهل الكتاب اليهود» ... «انتهى.
وجاء في»الروضة الندية«(١/ ٤٣٠):»والحق: هو القصد في المشي، فالأحاديث المصرحة بمشروعية الإِسراع؛ ليس المراد بها الإِفراطَ في المشي الخارج عن حد الاعتدال، والأحاديث التي فيها الإِرشاد إِلى القصد؛ ليس المراد بها الإِفراطَ في البُطْءِ، فيجمع بين الأحاديث بسلوك طريقة وسطى بين الإِفراط والتفريط؛ يصدق عليها أنه إِسراع بالنسبة إِلى الإِفراط في البطء، وأنها قصد بالنسبة إِلى الإِفراط في الإِسراع، فيكون المشروع دون الخبب، وفوق المشي الذي يفعله من يمشي في غير مهم«.

-------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٧٢٥)، والنسائي»صحيح سنن النسائي" (١٨٠٥) وغيرهما.


أين يكون الماشي والراكب من الجنازة؟
ويجوز المشي أمامها وخلفها وعن يمينها ويسارها، على أن يكون قريبًا منها، إِلا الراكب فيسير خلفها.
فعن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الراكب يسير خلف الجنازة والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها؛ قريبًا منها؛ والسِّقْط يُصلّى عليه ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» (١).
وكل من المشي أمامها وخلفها ثبت عن رسول الله - ﷺ - فِعْلًا، كما قال أنس ابن مالك -رضي الله عنه-: «إِنّ رسول الله - ﷺ - وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها» (٢).

ما هو الأفضل؟
لكن الأفضل المشي خلفها؛ لأنّه مقتضى قوله - ﷺ -: «واتبعوا الجنائز» (٣).
ويؤيِّده قول علي -رضي الله عنه-: «المشي خلفها أفضل من المشي أمامها، كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذًّا» (٤).

---------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٢٣)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٢٠٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٢٣)، والنسائي «صحيح سنن الترمذي» (١٨٣٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٢٠٧)، والطحاوي.
(٣) تقدّم بتمامه بلفظ: «عودوا المريض، واتبعوا الجنائز، تذكّرْكم الآخرة».
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي وغيرهم، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٩٦).



الجنازة«..» (١).
لكر، الأفضل المشي؛ لأنّه المعهود عنه - ﷺ -، ولم يَرِدْ أنّه ركب معها؛ بل قال ثوبان -رضي الله عنه-: «إِنّ رسول الله - ﷺ - أُتي بدابة وهو مع الجنازة؛ فأبى أن يركبها، فلما انصرف أُتي بدابة فركب، فقيل له؟ فقال: إِنّ الملائكة كانت تمشي؛ فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبْتُ» (٢).
وأمّا الركوب بعد الانصراف عنها؛ فجائز بدون كراهة؛ لحديث ثوبان المذكور آنفًا، ومِثله حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: «صلّى رسول الله - ﷺ - على ابن الدَّحداح، تم أُتي بفرس عُرْي (٣)؛ فعقله (٤) رجل فركبه، فجعل يتوقّص (٥) به؛ ونحن نتّبعه ونسعى خلفه، فال: فقال رجل من القوم: إِنّ النّبيّ - ﷺ - قال: كم من عِذْق (٦) مُعلّق (أو مُدلّى) في الجنة لابن الدحداح! أو قال شعبة: لأبي الدحداح!» (٧).

------------------
(١) تقدّم.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٢٠).
(٣) عُري؛ أي: لا سرج عليه ولا غيره. «النهاية».
(٤) أي: أمسَكه له وحبَسه.
(٥) يتوقّص به؛ أي: يَثب ويُقارب الخُطَى. «النهاية».
(٦) قال النووي -رحمه الله - (٧/ ٣٣): العِذق هنا بكَسر العين المهملة: وهو الغصن من النخلة. وأما العَذق بفتحها: فهو النخلة بكماَلها، وليس مرادًا هنا".
(٧) أخرجه مسلم: ٩٦٥.



تحريم حمل الجنازة على عربة مخصصة لها ونحو ذلك:
وأمّا حمل الجنازة على عربة أو سيارة مخصصة للجنائز، وتشييع المُشيعين لها وهم في السيارات؛ فهذه الصورة لا تُشْرع البتة، وذلك لأمور:
الأول: أنها من عادات الكُفار، وقد تقرّر في الشريعة أنّه لا يجوز تقليدهم فيها.
الثاني: أنها بدعة في عبادة، مع مُعارضتها للسّنة العملية في حمل الجنازة، وكلّ ما كان كذلك من المُحدثات؛ فهو ضلالة اتفاقًا.
الثالث: أنها تُفوّت الغاية من حملها وتشييعها، وهي تذكّر الآخرة، كما في الحديث المتقدّم: «.. واتبعوا الجنائز تُذكّركم الآخرة».
قال شيخنا -رحمه الله-: إِنّ تشييعها على تلك الصّورة ممّا يفوّت على الناس هذه الغاية الشريفة تفويتًا كاملًا أو دون ذلك؛ فإِنّه ممّا لا يخفى على البصير أنّ حمل الميت على الأعناق (١)، ورؤية المشيعين لها وهي على

-------------------
(١) وقد أوصى شيخنا -رحمه الله- أن تُحمَل جنازته على الأعناق، وكان ذلك، مع ما كان مِن مسافة؛ لكن لم يشعر بها المشيّعون وحفظ الله سماحة الشيخ الوالد العثيمين؛ فقد قال: طبّق السّنة في حياته وبعد مماته. وقد كان هذا خلال حياته، ثمّ وقعت مصيبة الموت، فرحمه الله -تعالى- وألحقنا به وأشياخنا ووالدينا وأحبابنا في الجنّة؛ مع النّبين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
فأقول بهذه المناسبة المفجعة:
واحرَّ قلباهُ من فَقْدِ العثيميِن ... لا شيء بعدك في دُنْيايَ يُرضيني
ذَهبَ الأئمّةُ يا حُزني ويا أَلمي ... ماتَ ابنُ بازٍ وأيضًا ناصرُ الدِّينِ =



رؤوسهم؛ أبلغ في تحقيق التذكّر والاتعاظ من تشييعها على الصّورة المذكورة، ولا أكون مُبالغًا إِذا قلت: إِنّ الذي حمل الأوروبيين عليها إِنّما هو خوفهم من الموت وكل ما يذكّر به؛ بسبب تغلُّب المادة عليهم وكفرهم بالآخرة!».
الرابع: أنها سبب قويّ لتقليل المُشيّعين لها والرّاغبين في الحصول على الأجر.
الخامس: أنّ هذه الصّورة لا تتفق من قريب ولا من بعيد -مع ما عُرف عن الشريعة المُطهّرة السمحة من البُعد عن الشكليّات والرسميّات، لا سيّما في مثل هذا الأمر الخطير: الموت!

نسْخ القيام للجنازة:
والقيام لها منسوخ، وهو على نوعين:
أ- قيام الجالس إِذا مرّت به.
ب- وقيام المُشيّع لها عند انتهائها إِلى القبر حتى تُوضْع على الأرض.
والدليل على ذلك. حديث عليّ -رضي الله عنه- وله ألفاظ:
الأول: عن عليّ -رضي الله عنه- قال: «رأينا رسول الله - ﷺ - قام فقمنا؛ وقعد فقعدنا؛ يعني: في الجنازة» (١).

----------------------
= هل ظلَّ مِن رغَدٍ في العيش أَنشُدُه ... بل طاب بَعْدَكُمُ غَسْلي وتكفيني
تبكي القَصِيمُ ولا تبكي بِمُفْرَدِها ... فالدَّمْعُ في مِصْرَ في الأفغانِ في الصينِ
(١) أخرجه مسلم: ٩٦٢.



الثاني:»كان يقوم في الجنائز، ثمّ جلس بَعْدُ«(١).
الثالت: من طريق واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال:»شهدت جنازة في بني سَلِمَة، فقمت، فقال لي نافع بن جبير: اجلس؛ فإِنّي سأخبرك في هذا بثَبْتٍ، حدّثني مسعود بن الحكم الزُّرَقيُّ أنه سمع علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- برَحْبَة الكوفة وهو يقول: «كان رسول الله - ﷺ - أمرنا بالقيام في الجنازة، ثمّ جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس» (٢).
الرابع: عن إِسماعيل بن مسعود بن الحكم الزُّرَقي عن أبيه قال: «شهدتُ جنازة بالعراق، فرأيت رجالًا قيامًا ينتظرون أن توضع، ورأيت عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- يشير إِليهم: أن اجلسوا؛ فإِن النّبيّ - ﷺ - قد أمَرَنا بالجلوس بعد القيام» (٣).

استحباب الوضوء لمن حمَلها:
ويُستحبُّ لمن حملها أن يتوضأ؛ للحديث المتقدّم: «من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ».

--------------------
(١) رواه مالك وعنه الشافعي في «الأم»، وأبو داود.
(٢) أخرجه الشافعي، وأحمد، والطحاوي، وابن حبان في «صحيحه».
(٣) أخرجه الطحاوي بسند حسن.



الصلاة على الجنازة
شروطها (١):
*صلاة الجنازة يتناولها لفظ الصلاة، فيشترط فيها الشروط التي تفرض في سائر الصلوات المكتوبة: من الطهارة الحقيقية، والطهارة من الحدث الأكبر والأصغر، واستقبال القبلة، وستر العورة.*
لكنّه إِذا خشي فوات الصلاة؛ فله أن يتيمّم وبه يقول شيخ الإِسلام - رحمه الله- كما في «مجموع الفتاوى»، وكذلك شيخنا -رحمه الله- في إِجابةٍ أجابنيها.

حُكمها:
والصلاة على الميت المسلم فرض كفاية؛ لأمره - ﷺ - بها في أحاديث منها: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنّ رسول الله - ﷺ - «كان يُؤتى بالرّجل الميّت، عليه الدّين، فيسأل: هل ترك لدَيْنه من قضاء؟ فإِنْ حُدّث أنّه ترك وفاءً صلّى عليه؛ وإلا قال: صلّوا على صاحَبكم، فلمّا فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوفّي وعليه دَيْن؛ فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فهو لورثته» (٢).

عدم وجوب الصلاة على شخصين:
ويستثنى من ذلك شخصان؛ فلا تجب الصلاة عليهما:

------------------
(١) ما بين نجمتين من «فقه السّنّة» (١/ ٥٢١).
(٢) أخرجه البخاري: ٢٢٩٨، ومسلم: ١٦١٩ - واللفظ له-.



الأول: الطفل الذي لم يبلغ؛ لأنّ النّبيّ - ﷺ - لم يُصلِّ على ابنه إِبراهيم؛ قالت عائشة -رضي الله عنها-: «مات إِبراهيم ابن النّبيّ - ﷺ - وهو ابن ثمانية عشر شهرًا، فلم يصلِّ عليه رسول الله - ﷺ -» (١).
الثاني: الشهيد؛ لأنّ النّبيّ - ﷺ - لم يُصلِّ على شهداء أُحد وغيرهم؛ وفي ذلك ثلاثة أحاديث سبَق ذِكْرها: منها حديث أنس -رضي الله عنه-: «أنّ شهداء أحد لم يُغسّلوا، ودُفنوا بدمائهم، ولم يُصلّ عليهم [غير حمزة]».
ولكنّ ذلك لا ينفي مشروعية الصلاة عليهما بدون وجوب، كما يأتي من الأحاديث فيهما في المسألة التالية:
وتُشرع الصلاة على من يأتي ذكرهم.
الأول: الطفل، ولو كان سِقْطًا (وهو الذي يَسْقُط من بطن أُمّه قبل تمامه)، وفي ذلك حديثان:
١ - «.. والطفل (وفي رواية: السِّقْط) يُصلّى عليه، ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» (٢).
٢ - وعن عائشة أمّ المؤمنين -رضي الله عنها- قالت: دُعي رسول الله - ﷺ - إِلى جنازة صبيّ من الأنصار، فقلت: يا رسول الله! طوبى لهذا؛ عُصفور من عصافير الجنّة؛ لم يعمل السُّوء ولم يدركه!
قال: أوَ غيرَ ذلك يا عائشة! إِنّ الله خلق للجنة أهلًا خلقهم لها وهم في

--------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٢٩) وغيره.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٢٣)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٨٣٤) وغيرهما، وتقدّم.



أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم«(١).
قال شيخنا -رحمه الله-:»وأجاب السّندي في «حاشيته على النسائي» بجوابٍ خلاصتُه: أنّه إِنما أنكر عليها الجزم بالجنة لطفل معين: قال: ولا يصحّ الجزم في مخصوص؛ لأنّ إِيمان الأبوين -تحقيقًا- غيب، وهو المناط عند الله -تعالى-.
والظاهر أن السِّقْط إِنّما يُصلّى عليه إِذا كان قد نُفخت فيه الروح، وذلك إِذا استكمل أربعة أشهر ثمّ مات، فأمّا إِذا سقط قبل ذلك فلا؛ لأنّه ليس بميت كما لا يخفى«.
عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: حدثنا رسول الله - ﷺوهو الصادق المصدوق-: إِنّ خلْق أحدكم يُجمَع في بطن أُمّه أربعين يومًا وأربعين ليلة، ثمّ يكون علقة مثله، ثم يكون مُضغة مثله، ثمّ يُبْعَثُ إِليه الملك، فَيُؤْذَنُ بأربع كلمات، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقيٌّ أم سعيد، ثمّ ينفخ فيه الروح: فإِنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراع؛ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار.
وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار؛ حتى ما يكون بينها وبينه إِلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها» (٢).
وجاء في «المحلّى» (٥/ ٢٣٣ - مسألة: ٥٩٨): "ونستحب الصلاة على

--------------------
(١) أخرجه مسلم: ٢٦٦٢.
(٢) أخرجه البخاري: ٧٤٥٤، ومسلم: ٢٦٤٣.



المولود يولد حيًا ثمّ يموت -استهل أو لم يستهل-؛ وليس الصلاة عليه فرضًا ما لم يبلغ.
أمّا الصلاة عليه؛ فإِنها فعل خير لم يأت عنه نهي!
وأمّا ترك الصلاة عليه؛ فلما روينا من طريق أبي داود: ثمّ ذكر إِسناده إِلى عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- قالت: «مات إِبراهيم ابن رسول الله - ﷺ - وهو ابن ثمانية عشر شهرًا، فلم يصلّ عليه رسول الله - ﷺ -».
وقال: هذا خبر صحيح؛ ولكن إِنما فيه ترك الصلاة، وليس فيه نهي عنها.
الثاني: الشهيد، وفيه أحاديث كثيرة:
منها: عن شَدَّاد بن الهادِ: «أنّ رجلًا من الأعراب جاء إِلى النّبيّ - ﷺ -، فآمن به واتّبعه، ثمّ قال: أُهاجر معك .. فلبثوا قليلًا، ثمّ نهضوا في قتال العدوّ، فأُتِيَ به النّبيُّ يُحْمَل قد أصابه سهم .. ثمّ كفّنه النّبيّ - ﷺ - فى جُبَّته، ثمّ قدّمه فصلّى عليه ...» (١).
عن عبد الله بن الزبير: «أنّ رسول الله - ﷺ - أَمَر -يوم أحد- بحمزة؛ فسُجِّي ببردةٍ، ثمّ صلّى عليه (٢)، فكبر تسع تكبيرات، ثمّ أُتي بالقتلى يُصَفُّون، ويصلّي عليهم، وعليه معهم» (٣).
قال شيخنا -رحمه الله-: «قد يقول قائل: لقد ثبت في هذه الأحاديث

--------------
(١) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(١٨٤٥) وغيره بسند صحيح، وتقدّم.
(٢) وللجمع بين هذا الحديث والحديث المتقدّم (ص ١٠٣) ولم يصلّ عليهم غير حمزة؛ انظر»أحكام الجنائز«(ص ١٠٧).
(٣) أخرجه الطحاوي في»شرح معاني الآثار«، وإسناده حسن، وانظر»أحكام الجنائز" (ص ١٠٦).



مشروعية الصلاة على الشهداء، والأصل أنّها واجبةٌ، فلماذا لا يُقال بالوجوب؟!
قلت [أي: شيخنا -رحمه الله-]: لما سبق ذكره في المسألة (٥٨) [يعني: من كتابه؛ وهي هنا قبل بضع صفحات] ونزيد على ذلك هنا فنقول: لقد استشهد كثير من الصحابة في غزوة بدر وغيرها، ولم يُنقل أنّ النّبيّ - ﷺ - صلّى عليهم ولو فعَل لنقلوه عنه، فدلّ ذلك أنّ الصلاة عليهم غير واجبة. ولذلك قال ابن القيم في «تهذيب السنن» (٤/ ٢٩٥): «والصواب في المسألة ... أنه مخير بين الصلاة عليهم، وتركها؛ لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرين، وهذا إِحدى الروايات عن الإِمام أحمد، وهي الأَلْيَقُ بأصوله ومذهبه».
قلت [أي: شيخنا -رحمه الله-]: ولا شكّ أنّ الصلاة عليهم أفضل من الترك إذا تيسّرت؛ لأنها دعاء وعبادة.
الثالث: من قُتل في حدّ من حدود الله؛ لحديث عمران بن حصين: «أنّ امرأة من جُهَيْنَةَ أتت نبي الله - ﷺ -، وهي حُبلى من الزّنى، فقالت: يا نبي الله! أصبت حدًّا فأقمه عليّ.
فدعا نبيّ الله وليَّها، فقال:»أحسِن إِليها، فإِذا وضعت فأْتِني بها ففعل، فأمر بها نبيّ الله - ﷺ -؛ فشُكّت عليها ثيابها (١)، ثمّ أَمر بها فرجمت، ثمّ صلّى عليها، فقال له عمر: تُصلي عليها؟ يا نبي الله وقد زَنَتْ؟! فقال: لقد تابت توبة، لو قُسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبةً أفضل

------------
(١) أي: شُدّت، وقد وَردت هكذا في بعض النّسخ كما قال النووي -رحمه الله تعالى-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #90  
قديم اليوم, 05:13 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,988
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الرابع
من صــ 106الى صــ 120
الحلقة (90)






من أن جادت بنفسها لله -تعالى-؟!» (١).
الرابع: الفاجر المنبعث في المعاصي والمحارم، مثل تارك الصلاة والزّكاة مع اعترافه بوجوبهما،، والزاني ومُدْمن الخمر، ونحوهم من الفُساق؛ فإِنه يصلّي عليهم؛ إِلا أنه ينبغي لأهل العلم والدين أن يَدَعُوا الصلاة عليهم؛ عقوبة وتأديبًا لأمثالهم، كما فعل النّبيّ - ﷺ -، وفي ذلك أحاديث:
١ - عن أبي قتادة قال: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا دُعي لجنازة سأل عنها، فإِنْ أُثني عليها خير قام فصلّى عليها، وإن أُثني عليها غير ذلك قال لأهلها: شأنَكُم بها ولم يُصلِّ عليها» (٢).
٢ - عن جابر بن سمَرة -رضي الله عنه- قال: «أُتي النّبيّ - ﷺ - برجل قَتَل نفسه بمشاقص (٣)؛ فلم يُصَلِّ عليه» (٤).
قال أبو عيسى -رحمه الله- تعليقًا على حديث جابر بن سمرة: «وقد اختلف أهل العلم في هذا: فقال بعضهم: يُصلّى على كلِّ من صلّى للقبلة، وعلى قاتل النفس، وهو قول سُفيان الثوري وإسحاق، وقال أحمد: لا يُصلّي الإِمام على قاتل النفس، ويصلّي عليه غير الإِمام».

-------------------
(١) أخرجه مسلم: ١٦٩٦.
(٢) أخرجه أحمد، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وشيخنا -رحمه الله- كما في «أحكام الجنائز» (ص ١٠٩).
(٣) المشاقص: سهام عراض، واحدها مِشقص -بكسر الميم وفتح القاف-.
(٤) أخرجه مسلم: ٩٧٨.



وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «الاختيارات» (ص ٥٢): «ومن امتنع من الصلاة على أحدهم (يعني: القاتل والغالَّ والمدين الذي ليس له وفاء) زجرًا لأمثاله عن مثل فعله؛ كان حسنًا، ولو امتنع في الظاهر، ودعا له في الباطن، ليجمع بين المصلحتين؛ كان أولى من تفويت إِحداهما».
قال النووي -رحمه الله- بعد الحديث السابق: «أُتي النّبيّ - ﷺ - برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يُصَلِّ عليه»: وفي هذا الحديث دليل لمن يقول: لا يصلّى على قاتل نفسه لعصيانه، وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي.
وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: يُصلّى عليه، وأجابوا عن هذا الحديث بأنّ النّبيّ - ﷺ -: لم يصل عليه بنفسه؛ زجرًا للناس عن مثل فعله، وصلت عليه الصحابة، وهذا كما ترك النّبيّ - ﷺ - الصلاة في أول الأمر على من عليه دين؛ زجرًا لهم عن التساهل في الاستدانة، وعن إِهمال وفائه؛ وأمر أصحابه بالصلاة عليه، فقال - ﷺ -: «صلّوا على صاحبكم».
قال القاضي: مذهب العلماء كافةً: الصلاةُ على كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنى.
وعن مالك وغيره: أن الإِمام يجتنب الصلاة على مقتول في حد، وأن أهل الفضل لا يُصلّون على الفساق زجرًا لهم ... «انتهى.
وجاء في»الأوسط«(٥/ ٤٠٨) -بعد إِيراد عدد من النّصوص والآثار-:»سنّ رسول الله - ﷺ - الصلاة على المسلمين ولم يستثن منهم أحدًا، وقد دخَل في جُملهم الأخيار والأشرار، ومن قُتل في حد، ولا نعلم خبرًا أوجب استثناء


أحدٍ ممن ذكَرناه، فيُصلّ على من قَتل نفسه، وعلى من أُصيب في أي حد أصيب فيه، وعلى شارب الخمر، وولد الزنى، لا يستثنى منهم إِلا من استثناه النّبيّ - ﷺ - من الشهداء الذين أكرمَهم الله بالشهادة، وقد ثبَت أن نبيّ الله - ﷺ - صلّى على من أصيب في حدّ».
وجاء في «المحلّى» (٥/ ٢٤٩ - مسألة: ٦١١) -بحذف-: «ويصلّى على كلّ مسلم، برّ أو فاجر، مقتول في حدّ، أو في حرابة، أو في بغي، ويصلّي عليهم الإِمام، وغيره ...... لعموم أمر النّبيّ - ﷺ - بقوله:»صلّوا على صاحبكم (١)، والمسلم صاحب لنا، قال -تعالى-: ﴿إِنما المؤمنون إِخوة﴾ (٢)، وقال -تعالى-: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٣).
فمن منَع من الصلاة على مسلم؛ فقد قال قولًا عظيمًا، وإن الفاسق لأحوج إِلى دعاء إِخوانه المؤمنين من الفاضل المرحوم.
وصح عن عطاء: أنه يصلى على ولد الزنى، وعلى أمه، وعلى المتلاعِنَين، وعلى الذي يقاد منه، وعلى المرجوم، والذي يفرّ من الزحف فيُقتل.
قال عطاء: لا أدَع الصلاة على من فال: لا إِله إِلا الله؛ قال -تعالى-: ﴿من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ (٤).

-----------------------
(١) تقدّم تخريجه.
(٢) الحجرات: ١٠.
(٣) التوبة: ٧١.
(٤) التوبة: ١١٣.



قال عطاء: فمن يعلم أن هؤلاء من أصحاب الجحيم؟!
قال ابن جريج: فسألت عمرو بن دينار؟ فقال مثل قول عطاء!
وصح عن إِبراهيم النخعي أنه قال: لم يكونوا يحجبون الصلاة عن أحد من أهل القبلة، والذي قتل نفسه يصلّى عليه.
وصح عن قتادة: صلّ على من قال: لا إِله إِلا الله، فإِن كان رجلَ سوء جدًّا؛ فقل: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات! ما أعلم أحدًا من أهل العلم اجتنب الصلاة على من قال: لا إِله إِلا الله!
وصح عن ابن سيرين: ما أدركت أحدًا يتأثم من الصلاة على أحد من أهل القبلة.
وصح عن الشعبي أنه قال في رجل قتل نفسه: ما مات فيكم -مذ كذا- وكذا أحوجُ إِلى استغفاركم منه».
الخامس: المدِين الذي لم يترك من المال ما يقضي به دينه؛ فإِنّه يُصلّى عليه، وإنما ترك رسول الله - ﷺ - الصلاة عليه في أوّل الأمر.
عن سَلَمَة بن الأكوع -رضي الله عنه- قال: "كنّا جُلوسًا عند النّبيّ - ﷺ -؛ إِذ أُتي بجنازة فقالوا: صلّ عليها، فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا. قال: فهل ترك شيئًا؟ قالوا: لا، فصلّى عليه، ثمّ أُتي بجنازة أخرى فقالوا: يا رسول الله! صلّ عليها.
قال: هل عليه دَين؟ قيل: نعم.
قال: فهل ترك شيئًا؟


قالوا: ثلاثة دنانير، فصلّى عليها.
ثمّ أُتي بالثالثة فقالوا: صلّ عليها، قال: هل ترك شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فهل عليه دَين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: صلّوا على صاحبكم.
قال أبو قتادة: صلِّ عليهِ يا رسول الله! وعليَّ دينه، فصلّى عليه» (١).
وعن أبي قتادة -رضي الله عنه-: أنّ رسول الله - ﷺ - أُتيَ برجل من الأنصار ليصلّي عليه، فقال النّبيّ - ﷺ -: «صلّوا على صاحبكم، فإِنّ عليه دَيْنًا.
قال أبو قتادة: هو عليّ، قال النّبيّ - ﷺ -: بالوفاء؟ قال: بالوفاء، فصلّى عليه» (٢).
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- «أنّ رسول الله - ﷺ - كان يُؤتى بالرّجل المُتوفّى؛ عليه الدين، فيسأل هل ترك لدينه فضلًا (٣) فإِنّ حُدِّث أنّه ترك لدينه وفاءً صلّى؛ وإِلا قال للمسلمين صلّوا على صاحبكم، فلمّا فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوُفّي من المؤمنين فترك دينًا؛ فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته» (٤).
قال شيخنا -رحمه الله-: «قال أبو بشر يونس بن حبيب -راوي»مسند

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٢٢٨٩.
(٢) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٥٤)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٨٥١)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٥).
(٣) في بعض النسخ: «قضاءً».
(٤) أخرجه البخاري: ٢٢٩٨، ومسلم: ١٦١٩، وتقدّم.



الطيالسي»- عقب الحديث: «سمعت أبا داود -يعني: الطيالسي- يقول: بذا نسخ تلك الأحاديث التي جاءت على الّذي عليه الدين» انتهى.

هلّ يُصلّى على الميت الذي كان لا يصلّي:
جاء في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٨٥): "وسُئل -رحمه الله- عن الصلاة على الميت الذي كان لا يصلّي؛ هل لأحد فيها أجر أم لا؟ وهل عليه إِثم إِذا تركها، مع علمه أنه كان لا يصلّي؟ وكذلك الذي يشرب الخمر وما كان يصلّي؛ هل يجوز لمن كان يعلم حاله أن يصلّي عليه أم لا؟
فأجاب: أما من كان مظهرًا للإِسلام، فإِنّه تجري عليه أحكام الإِسلام الظاهرة: من المناكحة، والموارثة، وتغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ونحو ذلك؛ لكن من عُلِمَ منه النفاق والزندقة؛ فإِنّه لا يجوز لمن عَلِمَ ذلك منه الصلاة عليه، وإن كان مظهرًا للإِسلام، فإِن الله نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين، فقال: ﴿ولا تُصلِّ على أحد منهم مات أبدًا ولا تَقُم على قبره إِنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ (١)، وقال: ﴿سواءٌ عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ (٢).
وأما من كان مظهرًا للفسق -مع ما فيه من الإِيمان- كأهل الكبائر؛ فهؤلاء لا بد أن يصلّي عليهم بعض المسلمين، ومن امتنع من الصلاة على أحدهم زجرًا لأمثاله عن مثل ما فعله، كما امتنع النّبيّ - ﷺ - عن الصلاة على قاتل نفسه،

---------------
(١) التوبة: ٨٤.
(٢) المنافقون: ٦.



وعلى الغال، وعلى المدين الذي لا وفاء له، وكما كان كثير من السلف يمتنعون من الصلاة على أهل البدع؛ كان عمله بهذه السنة حسنًا، ومن صلّى على أحدهم يرجو له رحمة الله، ولم يكن في امتناعه مصلحة راجحة؛ كان ذلك حسنًا، ولو امتنع في الظاهر ودعا له في الباطن -ليجمع بين المصلحتين-؛ كان تحصيل المصلحتين أولى من تفويت أحداهما.
وكل من لم يُعْلَمْ منه النفاق وهو مسلم؛ يجوز الاستغفار له، والصلاة عليه، بل يشرع ذلك، ويؤمر به، كما قال -تعالى-: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ (١). وكل من أظهر الكبائر؛ فإِنّه تسوغ عقوبته بالهجر وغيره، حتى ممن في هجره مصلحة له راجحة فتحصل المصالح الشرعية في ذلك بحسب الإِمكان». والله أعلم.
وفيه (ص ٢٨٧): وسئل عن رجل يصلّي وقتًا، ويترك الصلاة كثيرًا، أو لا يصلّي؛ هل يصلّى عليه؟
فأجاب: "مثل هذا ما زال المسلمون يصلون عليه، بل المنافقون الذين يكتمون النفاق يصلّي المسلمون عليهم، ويغسَّلون، وتجري عليهم أحكام الإِسلام، كما كان المنافقون على عهد رسول الله - ﷺ -. وإن كان من علم نفاق شخص لم يجز له أن يصلّي عليه، كما نُهِيَ النّبيّ - ﷺ - عن الصلاة على من علم نفاقه.
وأمّا من شك في حاله؛ فتجوز الصلاة عليه إِذا كان ظاهر الإِسلام، كما صلّى النّبيّ - ﷺ - على من لم يُنْهَ عنه، وكان فيهم من لم يعلم نفاقه، كما قال -

-------------------
(١) محمد: ١٩.


تعالى-: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل الدينة مَرَدُوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ (١).
ومثل هولاء لا يجوز النهي عنه؛ ولكن صلاة النّبيّ - ﷺ - والمؤمنين على المنافق لا تنفعه، كما قال النّبيّ - ﷺلمَا ألبس ابن أُبيٍّ قميصه (٢) -:»وما يُغني عنه قميصي من الله؟! «؛ وقال -تعالى-: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ (٣).
وتارك الصلاة أحيانًا، وأمثاله من المتظاهرين بالفسق؛ فأهل العلم والدين إِذا كان في هجر هذا، وترك الصلاة عليه منفعة للمسلمين -بحيث يكون ذلك باعثًا لهم على المحافظة على الصلاة عليه-[هجروه ولم يصلوا عليه]، كما ترك النّبيّ - ﷺ - الصلاة على قاتل نفسه، والغال، والمدين الذي لا وفاء له، وهذا شرٌّ منهم».
السادس: مَن دُفن قبل أن يُصلّى عليه، أو صَلّى عليه بعضهم دون بعض، فيصلّون عليه في قبره، على أن يكون الإِمام في الصورة الثانية ممّن لم يكن صلّى.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أنّ امرأةً (٤) سوداء كانت تقُمّ المسجد (أو

--------------------
(١) التوبة: ١٠١.
(٢) انظر»صحيح البخاري«: ٤٦٧٠، و»صحيح مسلم«: ٢٤٠٠ دون»وما يُغني عنه قميصي من الله«.
(٣) المنافقون: ٦.
(٤) انظر»أحكام الجنائز" (ص ١١٣) في ترجيح شيخنا -رحمه الله- أنها امرأة.



شابًّا)، ففقدها رسول الله - ﷺ -، فسأل عنها (أو عنه)؟ فقالوا: مات، قال: أفلا كنتم آذنتموني؟! قال: فكأنّهم صغّروا أمرها (أو أمره)، فقال: دُلُّوني على قبره. فدلوه، فصلّى عليها ثمّ قال: إِنّ هذه القبور مملوءةٌ ظُلمةً على أهلها، وإنّ الله عز وجل ينوّرها لهم بصلاتي عليهم» (١).
وعن يزيد بن ثابت -وكان أكبر من زيد- قال: خرجنا مع النّبيّ - ﷺ -، فلما ورد البقيع؛ فإِذا هو بقبر جديد، فسأل عنه؟ فقالوا: فلانة. قال: فعرفها. وقال: «ألا آذنتموني بها؟! قالوا: كنت قائلًا صائمًا، فكرهنا أن نؤذيك! قال: فلا تفعلوا، لا أعرفنّ ما مات منكم ميت -ما كنت بين أظهركم- إِلا آذنتموني به؛ فإِنّ صلاتي عليه له رحمة ثمّ أتى القبر فصففنا خلفه، فكبّر عليه أربعًا» (٢).
قال الإِمام أحمد -رحمه الله- ومن يشك في الصلاة على القبر؟! يروى عن النّبيّ - ﷺ - من ستة وجوه؛ كلّها حسان (٣).
وجاء في «المحلّى» (٥/ ٢١٠ مسألة: ٥٨١): «ورُوِّينا عن معمر عن أيوب السَّخْتيَاني عن ابن أبي مليكة: مات عبد الرحمن بن أبي بكر على ستة أميال من مكَة؛ فحملناه، فجئنا به مكة. فدفناه، فقدمت علينا عائشة أمّ المؤمنين فقالت: أين قبر أخي؟ فدللناها عديه، فوضعت في هودجها عند قبره فصلت

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ٤٥٨، ومسلم: ٩٥٦ - واللفظ له-.
(٢) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(١٩١١)، وابن ماجه واللفظ له»صحيح سنن ابن ماجه«(١٢٣٩).
(٣) انظر -للمزيد من الفوائد-»الإِرواء" (٣/ ١٨٣).



عليه!
.. وعن ابن عمر: أنّه قدم وقد مات أخوه عاصم، فقال: أين قبر أخي؟ فدُل عليه؛ فصلّى عليه ودعا له.
وعن علي بن أبي طالب: أنّه أمر قَرَظَةَ بن كعب الأنصاري أن يصلّي على قبر سهل بن حُنَيْفِ بقوم جاءوا بعد ما دفن وصُلِّي عليه.
وعن علي بن أبي طالب أيضًا: أنّه صلّى على جنازة بعد ما صُلِّي عليها.
وأن أنس بن مالك صلّى على جنازة بعدما صُلّي عليها.
وعن ابن مسعود نحو ذلك.
وعن سعيد بن المسيَّب إِباحة ذلك.
وعن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد: أنّه صلّى على جنازة بعدما صلِّي عليها.
وعن قتادة: أنّه كان إِذا فاتته الصلاة على الجنازة صلّى عليها.
فهذه طوائف من الصحابة لا يعرف لهم منهم مخالف.
وأمّا أمر تحديد الصلاة بشهر أو ثلاثة أيام؛ فخطأ لا يشكل؛ لأنّه تحديد بلا دليل؛ ولا فرق بين من حد بهذا، أو من حد بغير ذلك».
السابع: من مات في بلد ليس فيها من يصلّي عليه صلاةَ الحاضر، فهذا يُصلّي عليه طائفة من المسلمين صلاة الغائب؛ لصلاة النّبيّ - ﷺ - على النّجاشيّ.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: "أنّ رسول الله - ﷺ - نعى النجاشي في اليوم


الذي مات فيه، خرج الى المصلّى؛ فصفّ بهم وكبّر أربعًا» (١).
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٥/ ٢٤٩ - مسألة: ٦١٠): «ويصلى على الميت الغائب بإِمام وجماعة؟ قد صلّى رسول الله - ﷺ - على النجاشي -رضي الله عنه- ومات بأرض الحبشة؛ وصلّى معه أصحابه عليه صفوفًا، وهذا إِجماع منهم لا يجوز تعدّيه».
قال شيخنا -رحمه الله- في «أحكام الجنائز» (ص ١١٨): «واعلم أنّ هذا الذي ذكرناه من الصلاة على الغائب: هو الذي لا يتحمّل الحديث غيره، ولهذا سبقَنا إِلى اختياره ثُلّةٌ من مُحقّقي المذاهب، وإليك خلاصةً من كلام ابن القيم -رحمه الله- في هذا الصدد؟ قال في»زاد المعاد«(١/ ٢٠٥ و٢٠٦):»ولم يكن من هديه - ﷺ - وسُنته الصلاة على كلّ ميت غائب؛ فقد مات خلْق كثير من المسلمين وهم غُيَّبٌ، فلم يصلّ عليهم، وصحّ عنه أنّه صلّى على النجاشي صلاته على الميت، فاخْتُلِفَ في ذلك على ثلاثة طرق:
١ - أنّ هذا تشريع وسنّة للأمّة الصلاة على كلّ غائب. وهذا قول الشافعي وأحمد.
٢ - وقال أبو حنيفة ومالك: هذا خاص به، وليس ذلك لغيره.
٣ - وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "الصواب: أنّ الغائب إِن مات ببلدٍ لم يُصَلَّ عليه فيه، صُلّي عليه صلاةَ الغائب، كما صلّى النّبيّ - ﷺ - على النجاشي؛ لأنه مات بين الكُفار ولم يصلَّ عليه. وإنْ صُلّي عليه -حيث مات- لم يصلَّ

------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٢٤٥، ومسلم: ٩٥١، وتقدّم.


عليه صلاة الغائب؛ لأنّ الفرض سقط بصلاة المسلمين عليه، والنّبيّ - ﷺ - صلّى على الغائب وتَرَكَهُ، وفِعْلُهُ وتَرْكُه سُنّة، وهذا له موضع، والله أعلم.
والأقوال ثلاثة في مذهب أحمد، وأصحُّها هذا التفصيل«..».
قلت: ولو كانت الصلاة مشروعة على كل غائب؛ لنُقل إِلينا صلاة الصحابة -رضي الله عنهم- الذين لم يتمكّنوا من الصلاة على رسول الله - ﷺ -، ولُنقِل إِلينا كذلك صلاة الأئمة الأعلام من بعدهم على النّبيّ - ﷺ - وأصحابه -رضي الله عنهم-.

هل يُصلّى على العضو إِذا لم يُوجَدْ غيره؟
اختلف العلماء فيما إِذا وُجد عُضو من الميت، هل يصلّ عليه أم لا؟
فقالت طائفة: يصلّ عليه، وهو قول الإِمامين: الشافعى وأحمد -رحمهما الله تعالى-.
وقالت طائفة: لا يصلّى عليه.
والراجح: هو الصلاة عليه؛ لأن ذَهاب بعض الميت لا يعني ذَهاب حرمة ما بقي.
جاء في «الأوسط» (٥/ ٤١١): "قال أبو بكر [هو: ابن المنذر]: لعلّ من حجّة من رأى لا يصلّى على العضو؛ أن يقول: رسول الله - ﷺ -[صلى] الصلاة على الميت، والصلاة على الميت سُنّة، ولا سُنّة تثبت في الصلاة على بعض البدن، فيُصلّي حيث صلّى رسول الله - ﷺ -، ويقف عن الصلاة فيما لا سنّة فيه.


ومن حُجّة من يرى الصلاة على العضو يوجد: أن حرمة المسلم واحدة في كل جسده، فإِذا ذهب بعضه لم تذهب حرمة ما بقي، ويجب أن يفعل فيما بقي من بدنه -من الغسل والصلاة والدفن- سُنّة الموتى. والله أعلم ...».
وجاء في «المحلّى» (٥/ ٢٠٥ - تحت المسألة: ٥٨٠): «ويصلّى على ما وُجِدَ من الميت المسلم: ولو أنّه ظُفُرٌ أو شعرٌ فما فوق ذلك، ويُغَسَّلُ ويُكَفَّنُ؛ إِلا أن يكون من شهيد، فلا يغسل، لكن يُلَفُّ ويدفن.
ويصلّى على الميت المسلم، وإن كان غائبًا لا يوجد منه شيء؛ فإِنْ وُجِدَ من الميت عضو آخر بعد ذلك أيضًا غُسل أيضًا، وكُفّن، ودُفن، ولا بأس بالصلاة عليه ثانية؛ وهكذا أبدًا.
برهان ذلك: أننا قد ذكرنا -قبلُ- وجوب غَسْل الميت وتكفينه ودفْنه والصلاة عليه، فصح بذلك غَسْل جميع أعضائه -قليلها وكثيرها- وستر جميعها بالكفن والدفن؛ فذلك -بلا شك- واجب في كلّ جزء؛ منه فإِذ هو كذلك؛ فواجب عمله فيما أمكن عمله فيه بالوجود متى وجد؛ ولا يجوز أن يسقط ذلك في الأعضاء المفرقة بلا برهان.
وينوي بالصلاة على ما وجد منه الصلاة على جميعه: جسده وروحه».

تحريم الصلاة والاستغفار والترحم على الكّفار والمنافقين:
وتحرم الصلاة والاستغفار والترحُّم على الكّفار والمنافقين (١)، لقول الله

----------------
(١) قال شيخنا -رحمه الله- في التعليق: "هم الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، وإنما يتبين كُفرهم بما يترشّح من كلماتهم من الغمز في بعض أحكام الشريعة =


-تبارك وتعالى-: ﴿ولا تُصلِّ على أحد منهم مات أبدًا ولا تَقُمْ على قبره إِنّهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ (١).
وسبب نزول هذه الآية الكريمة: ما رواه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «لمّا مات عبد الله بن أُبي ابن سلُولَ؛ دُعي له رسول الله - ﷺ - يصلّي عليه، فلمّا قام رسول الله - ﷺ -؛ وَثَبْتُ إِليه فقلت: يا رسول الله! أتصلّي على ابن أُبيٍّ وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا -أعدّدُ عليه قوله-؟! فتبسّم رسول الله - ﷺ - وقال: أخّر عني يا عمر!
فلمّا أكثرت عليه قال: إِنّي خيّرت فاخترت، لو أعلم أنّي إِن زدت على السبعين يُغفر له لزدت عليها، قال: فصلّى عليه رسول الله - ﷺ -، ثمّ انصرف، فلم يمكث إِلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿ولا تُصلِّ على أحدٍ منهم

---------------------
= واستهجانها، وزعمهم أنّها مخالفة للعقل والذوق، وقد أشار إلى هذه الحقيقة ربّنا تبارك في قوله: ﴿أم حَسِبَ الذين في قلوبهم مرض أنْ لن يُخرج الله أضغانهم. ولو نشاء لأَريْنَاكهُم فلَعَرْفتهم بسِيمَاهُم ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْن القول والله يعلم أعمالكم﴾ [محمد: ٢٩ - ٣٠]. وأمثال هؤلاء المنافقين كثير في عصرنا الحاضر، والله المستعان» انتهى.
قلت: وهذا فيه تكفيرٌ بالقول أو الفعل، فمن قال: الشرع مخالفٌ للعقل فقد كفر، ومن قال: الشرع مخالف للذوق فقد كَفَر.
وبهذا فلا يُصلى على أمثال هؤلاء، نسأل الله -تعالى- حُسن الختام.
وفي هذا نقْض صريح لمذهب المرجئة البدعي الخبيث.
(١) التوبة: ٨٤.



مات أبدًا﴾ إِلى: ﴿وهم فاسقون﴾.
قال: فعجبت -بُعْدَ- من جُرْأتي على رسول الله - ﷺ - يومئذ، والله ورسوله أعلم» (١).
وعن المسيَّب بن حزْن قال: لمّا حَضَرت أبا طالب الوفاةُ؛ جاءه رسول الله - ﷺ -، فوجدَ عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أميةَ بنَ المغيرة، فقال رسول الله - ﷺ -: «يا عمّ! قل: لا إِله إِلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! أترغب عن ملّة عبد المطلب؟!
فلم يزل رسول الله - ﷺ - يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب -آخرَ ما كّلمهم-: هو على ملّة عبد المطلب، وأَبى أنْ يقول: لا إِله إِلا الله، فقال رسول الله - ﷺ -: أما والله لأستغفرنّ لك؛ ما لم أُنْهَ عنك.
فأنزل الله -عز وجل-: ﴿ما كان للنّبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قُرْبى من بعد ما تبيّن لهم أنّهم أصحاب الجحيم﴾، وأنزل الله -تعالى- في أبي طالب، فقال لرسول الله - ﷺ -: ﴿إِنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين﴾» (٢).

هل يُصلّى على قتلى المسلمين إِذا اختلطوا بالمشركين؟!
جاء في «الأوسط» (٥/ ٤٢٤): "اختلف أهل العلم في قتلى المسلمين والمشركين، إِذا اختلطوا ولم يتميّزوا:

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٣٦٦، ٤٦٧١.
(٢) أخرجه البخاري: ٦٦٨١، ٤٦٧٥، ومسلم: ٢٤ - واللفظ له-.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 299.77 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 293.92 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (1.95%)]