|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
[الشَّرْطُ التَّاسِعَ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ: استقبال القبلة] الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: حُكْمُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف قَالَ الْمُؤَلِّفُرحمه الله: [وَمِنْهَا: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ؛ فَلَا تَصِحُّ بِدُونِهِ إِلَّا لِعَاجِزٍ، وَمُتَنَفِّلٍ رَاكِبٍ سَائِرٍ فِي سَفَرٍ. وَيَلْزَمُهُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إِلَيْهَا، وَمَاشٍ، وَيَلْزَمُهُ الِافْتِتَاحُ والرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ إِلَيْهَا. وَفَرْضُ مَنْ قَرُبَ مِنَ القِبْلَةِ: إِصَابَةُ عَيْنِهَا، وَمَنْ بَعُدَ: جِهَتُهَا. فَإِنْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِيَقِينٍ، أَوْ وَجَدَ مَحَارِيبَ إِسْلَامِيَّةً: عَمِلَ بِهَا. وَيَسْتَدِلُّ عَلَيْهَا فِي السَّفَرِ: بِالْقُطْبِ، وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَمَنَازِلِهِمَا. وَإِنِ اجْتَهَدَ مُجْتَهِدَانِ، فَاخْتَلَفَا جِهَةً لَمْ يَتْبَعْ أَحَدَهُمَا الْأَخَرَ، وَيَتْبَعُ الْمُقَلِّدُ أَوْثَقَهُمَا عِنْدَهُ. وَمَنْ صَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلَا تَقْلِيدٍ قَضَى إِنْ وَجَدَ مَنْ يُقَلِّدُهُ. وَيَجْتَهِدُ الْعَارِفُ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَيُصَلِّي بِالثَّانِي، وَلَا يَقْضِي مَا صَلَّى بِالْأَوَّلِ]. هُنَا ذَكَر الْمُؤَلِّفُ رحمه الله الشَّرْطَ التَّاسِعَ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ. وَالْكَلَامُ فِيْه فِي فُرُوعٍ: الْفَرْعُ الْأَوَّلُ: حُكْمُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ: وَفِيَهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الأُوْلَى: حُكْمُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ: وَهَذِهِ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَمِنْهَا: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ). أَي: وَمِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْكَعْبَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ[1]. - قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة: 144]، أَي: نَحْوَهُ. - وَثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَال: «بَيْنَمَا النَّاسُ فِي الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ، جَاءَهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَأُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، أَلاَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَ وَجْهُ النَّاسِ إِلَى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا بِوُجُوهِهِمْ إِلَى الكَعْبَةِ»[2]. - وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلْمُسِيء فِي صَلَاتِهِ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَسْبِغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ فَكَبِّرْ » مُتَّفَق عَلَيْه[3]. - وَعَنِ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ: «صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ[4]. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْأَحْوَالُ الَّتِي يَصِحُّ فِيهَا تَرَكُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ: وَهَذِهِ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (فَلا تَصِحُّ بِدُونِهِ إلَّا لِعَاجِزٍ، وَمُتَنَفِّلٍ رَاكِبٍ سَائِرٍ فِي سَفَرٍ). أَي: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ إِلَّا فِي الْحَالَاتِ الْآتِيَةِ: الْحَالَةُ الأُوْلَى: الْعَاجِزُ عَنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ: قَالَ فِي (الْإِنْصَاف): "الصَّحِيحُ مِنَ المَذْهَبِ: سُقُوطُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي حَالِ الْعَجْزِ مُطْلَقًا، كَالْتِحَامِ الْحَرْبِ، وَالْهَرَبِ مِنَ السَّيْلِ وَالسَّبُعِ وَنَحْوهِ...، وَعَجْزِ الْمَرِيضِ عَنْهُ، وَعَمَنْ يُدِيرُهُ، وَالْمَرْبُوط وَنَحْو ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ"[5]. وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ: - قَالَ تَعَالَى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286]، وَقَال: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16]. - وَقَالَعليه الصلاة والسلام كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ[6]. فَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ: قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهِيَ: (الْوُجُوبُ يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِطَاعَةِ؛ فَلَا وَاجِبَ مَعَ الْعَجْزِ، وَلَا مُحَرَّمَ مَعَ الضَّرُورَةِ). وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ[7]، وَمِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَسْأَلَةُ الْعَجْزِ عَنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، فَمَنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ تَسْقُطُ عَنْهُ، وَيُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: صَلَاةُ النَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ: وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ [8]. الْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُبَاحُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ رحمه الله[9]. قَالُوا: لِأَنَّهُ رُخْصَةُ سَفَرٍ؛ فَاخْتَصَّ بِالطَّوِيلِ دونَ الْقَصِيرِ. وَنُوقِشَ: بِأَنَّ هَذَا اجْتِهَادٌ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ؛ فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ »مُتَّفَق عَلَيْه [10]،وَلَمّ يُفَرِّقْ بَيْنَ طَوِيلِ السَّفَرِ وَقَصِيرِهِ؛ وَلِأَنَّ إِبَاحَةَ التَّطَوُّعِ عَلَى الرَّاحِلَةِ: تَخْفِيفٌ؛ كَي لَا يُؤَدِّيَ إِلَى تَقْلِيلِهِ وَقَطْعَهِ، وَهَذَا يَسْتَوِي فِيْهِ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ[11]. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لُزُومُ افْتِتَاحِ الْمُسَافِرِ الْمُتَنَفِّلِ الصَّلَاةَ مُتَّجِهًا إِلَى الْقِبْلَةِ: وَهَذِهِ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَيَلْزَمُهُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إِلَيْهَا). أَي: يَلْزَمُهُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ بِإِحْرَامٍ إِنْ أَمْكَنَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَهَذَا مَا قرَّرَهُ الْمُؤَلِّفُ رحمه الله. وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ عَلَى قَوْلِينِ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: يَلْزَمُه افْتِتَاح الصَّلَاة بِإِحْرَام إِنْ أَمْكَنَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ. وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ[12]. وَاسْتَدَلُّوا: بِحَدِيثِ أَنَسٍ رضي الله عنه قَال: «كَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ»[13]. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ. وَهَذَا رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ[14]. وَاحْتَجُّوا: - بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ»[15]. - وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ أَشْبَهَ بَقِيَّةَ أَجْزَائِهَا. - وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ مَشَقَّةٍ: فَسَقَطَ[16]. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ رضي الله عنه؛ فَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رحمه الله فِي الزَّادِ مَا نَصُّهُ: "وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ، وَسَائِرُ مَنْ وَصَفَ صَلَاتَهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَاحِلَتِه؛ أَطْلَقُوا أَنَّهُ كَانْ يُصَلِّي عَلَيْهَا قِبَلَ أَي جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ بِهِ، وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْ ذَلِكَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ، وَلَا غَيْرَهَا؛ كَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعَبَدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَحَادِيثُهُمْ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا"[17]. أَوْ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ رضي الله عنه يُحْمَلُ عَلَى الْفَضِيلَةِ وَالنَّدْبِ، قَالَ ابْنُ بَازٍ رحمه الله عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رضي الله عنه هَذَا: "ظَاهِرُهُ خِلَافُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ؛ فَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَكُونُ مُقَيَّدَةً، وَيَكُونُ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ، إِذَا تَيَسَّرَ الِاسْتِقْبَالُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَهَذَا أَحْسَنُ؛ جَمْعًا بَيْنَ النُّصُوصِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْهُ فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ؛ عَمَلًا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ"[18]. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: حُكْم التَّنَفُّل لِلْمَاشِي: وَهَذِهِ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَيُلْزِمُه افْتِتَاح الصَّلَاة إِلَيْهَا، وَمَاش...). هَلْ يَجُوزُ التَّنَفُّلُ لِلْمَاشِي؟ عَلَى قَوْلِينِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: يَجُوزُ. وَهَذَا رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ[19]. فَعَلَى هَذَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَنْحَرِفُ إِلَى جِهَةِ سَيْرِهِ، وَيَقْرَأُ وَهُوَ مَاشٍ، لَكِنْ يَلْزَمُهُ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ إِلَى الْقِبْلَةِ؛ لِتَيَسُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ عُثَيْمِينَ، وَاخْتَارَ أَنَّهُ يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ جِهَةَ سَيْرِهِ كَرَاكِبٍ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: "اخْتَارَهُ الآمِدِيُّ، وَالمَجْدُ فِي شرْحِهِ"[20]. الْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ. وَهَذَا رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ[21]. قَالُوا: لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة: 144]، وَالنَّصُّ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الرَّاكِبِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْمَاشِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ وَمَشْيٍ مُتَتَابِعٍ يُنَافِي الصَّلَاةَ؛ فَلَمْ يَصِحَّ الْإِلْحَاقُ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: يَلْزَم الْمَاشِي الِاتِّجَاه لِلْقِبْلَة فِي افْتِتَاح الصَّلَاة والركوع وَالسُّجُود: وَهَذِهِ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَيَلْزَمُهُ الِافْتِتَاحُ، وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ إِلَيْهَا). أَيْ: يَلْزَمُ الْمَاشِي الِافْتِتَاحَ، وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَهَذَا مَا قرَّرَهُ الْمُؤَلِّفُ رحمه الله. وَفِي الْمَسْأَلَةِ قُولَانِ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمَاشِي افْتِتَاحُ الْصَّلَاةِ، وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ إِلَى الْقِبْلةِ، وَيَفْعَلُ الْبَاقِيَ إِلَى جِهَةِ سَيْرِهِ. وَهَذَا عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ[22]. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُومِئ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ جِهَةَ سَيْرِهِ كَرَاكِبٍ. وَهَذَا اخْتارَهُ الآمِدِيُّ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُثَيْمِيْنَ[23]، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَيَخْتَلِفُ الْمَاشِي عَنِ الرَّاكِبِ فِي أَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَاشِيَ يَلْزَمُهُ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، وَالرَّاكِبُ يَكْفِيهِ الْإِيمَاءُ. الثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ إِلَى الْقِبْلَةِ، بِخِلَافِ الرَّاكِبِ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: مَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ مِنْ بَدَنِ الْمُصَلِّي: وَهَذِهِ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَفَرْضُ مَنْ قَرُبَ مِنَ القِبْلَةِ: إِصَابَةُ عَيْنِهَا، وَمَنْ بَعُدَ: جِهَتُهَا). أَي: أَنَّ مَا يَلْزَمُ مَنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عَلَى قِسْمِينِ: الْأَوَّلُ: مَنْ قَرُبَ مِنَ القِبْلَةِ، وَهِيَ الْكَعْبَةُ، وَمَنْ يُمْكِنُهُ مُشَاهَدَتُهَا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ مُحْدِثٍ مِنْ جِدَارٍ وَنَحْوِهِ[24]،وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ فَإِنَّ فَرْضَهُ: إِصَابَةُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ؛ بِلَا نِزَاعٍ، كَمَا فِي الْإِنْصَافِ[25]. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مِقْدَارِ مَا يُسْتَقْبَلُ بِهِ الْقِبْلَةُ مِنْ بَدَنِ الْمُصَلِّي عَلَى قَوْلِينِ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: يَلْزَمُه اسْتِقْبَال الْقِبْلَة بِبَدَنِه كُلّه. وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنَ المَذْهَبُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ[26]. الْقَوْلُ الثَّانِي: يُجْزِئ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِبَعْضِهِ. وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ[27]. وَلَا يَضُرُّ عُلُوٌّ، وَلَا نُزُولٌ. الثَّانِي: مَنْ كَانَ بَعِيدًا عَنِ الْكَعْبَةِ، وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ فَفَرْضُهُ: إِصَابَةُ الْجِهَةِ. هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ[28]، قَالَ فِي (الرَّوْض): "فَلا يَضُرُّ التَّيَامُنُ وَلَا التَّيَاسُرُ الْيَسِيرانِ عُرْفًا" [29]. لِمَّا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ الرَّسُولَعليه الصلاة والسلامقَال: «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه[30]، قَالَ ابْنُ بَازٍ رحمه اللهعَنْ هَذَا الْحَدِيثِ: "صَحِيحٌ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ عَدَمَ التَّكَلُّفِ فِي الْجِهَةِ، وَأَنَّهُ مَتَى صَلَّى إِلَى الْجِهَةِ وَلَوِ انْحَرَفَ عَنْهَا قَلِيلًا - هَكَذَا أَوْ هَكَذَا -: فَلا يَضُرُّهُ ذَلِكَ؛ فَجِهَتُه الَّتِي صَلَّى إِلَيْهَا قِبْلَةٌ"[31]. قَالَ فِي (الرَّوْض): "إِلَّا مَنْ كَانَ بِمَسْجِدِهِ صلى الله عليه وسلم؛ لِأَنَّ قَبِلْتَهُ مُتَيَقَّنَةٌ"[32]. يتبع،، [1] ينظر: مراتب الإجماع (ص 26)، واختلاف الأئمة العلماء (1/ 103). [2] أخرجه البخاري (4490)، ومسلم (526). [3] أخرجه البخاري (6251)، ومسلم (397). [4] أخرجه البخاري (399)، ومسلم (525)، واللفظ له. [5] الإنصاف، للمرداوي (3/ 319). [6] أخرجه البخاري (7288)، ومسلم (1830). [7] ينظر: القواعد والأصول الجامعة، لابن سعدي (ص 22-23). [8] ينظر: مختصر المزني (8/ 106)، الإنصاف (3/ 320). [9] ينظر: التهذيب في اختصار المدونة (1/ 247). [10] أخرجه البخاري (1098)، ومسلم (700). [11] ينظر: الشرح الكبير (1/ 483). [12] ينظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (2/ 153)، والشرح الكبير (3/ ٣٢٣). [13] أخرجه أحمد (13109)، وأبو داود (1225)، واللفظ له، وحسنه الحافظ ابن حجر في البلوغ (ص 63). [14] ينظر: شرح مختصر الطحاوي، للجصاص (1/ 566)، والكافي في فقه أهل المدينة (1/ 199)، والمغني، لابن قدامة (2/ 98). [15] تقدم تخريجه. [16] ينظر: الشرح الكبير على متن المقنع (3/ 329). [17] زاد المعاد (1/ 476). [18] صلاة المؤمن (ص 177). [19] ينظر: المجموع، للنووي (3/ 237)، والإنصاف (3/ 324). [20] الإنصاف (3/ 325)، والشرح الممتع (2/ 269). [21] ينظر: نور الإيضاح (ص81)، والإنصاف (3/ 324). [22] ينظر: الإنصاف (3/ 325). [23] الإنصاف (3/ 325)، والشرح الممتع (2/ 269). [24] ينظر: الإنصاف (3/ 331). [25] الإنصاف (3/ 330). [26] ينظر: شرح مختصر خليل، للخرشي (1/ 256)، وعمدة السالك (ص44)، والإنصاف (3/ 330). [27] ينظر: الإنصاف (3/ 331). [28] ينظر: الإنصاف (3/ 332). [29] الروض المربع (ص82). [30] سنن الترمذي (342)، سنن ابن ماجه (1011). [31] صلاة المؤمن (ص174، 175). [32] الروض المربع (ص82).
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |