السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5312 - عددالزوار : 2710423 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4913 - عددالزوار : 2060073 )           »          كيفية نقل محادثات واتساب بين أندرويد وiOS.. خطوات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 53 )           »          الحسنة بعشر، فما بالكم أيام العشر؟! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 62 )           »          مزدلفة ليلة السكينة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »          ماذا تعلمنا من الحج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 52 )           »          المعذبون في قبورهم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 45 )           »          النوم المحمود والمذموم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          عظمة أنهار الجنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 44 )           »          "شيبتني هود وأخواتها" (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #31  
قديم 11-01-2026, 04:04 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,976
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الثانى
الحلقة (132)

صــ 573إلى صــ 582




وَقَالَ لَبِيدٌ أَيْضًا:
يُذَكِّرُنِي بِأَرْبَدَ كُلُّ خَصْمٍ ... أَلَدَّ تَخَالُ خُطَّتَهُ ضِرَارَا [١]
إذَا اقْتَصَدُوا فَمُقْتَصِدٌ كَرِيمٌ ... وَإِنْ جَارُوا سَوَاءُ الْحَقِّ جَارَا [٢]
وَيَهْدِي الْقَوْمَ مُطَّلِعًا إذَا مَا ... دَلِيلُ الْقَوْمِ بِالْمَوْمَاةِ حَارَا [٣]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: آخِرُهَا بَيْتًا عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ لَبِيدٌ أَيْضًا:
أَصْبَحْتُ أَمْشِي بَعْدَ سَلْمَى بْنِ مَالِكٍ ... وَبَعْدَ أَبِي قَيْسٍ وَعُرْوَةَ كَالْأَجَبْ [٤]
إذَا مَا رَأَى ظِلَّ الْغُرَابِ أَضَجَّهُ ... حِذَارًا عَلَى بَاقِي السَّنَاسِنِ وَالْعَصَبْ [٥]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ.

قُدُومُ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا عَنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَعَثَ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ.

(سُؤَالُهُ الرَّسُولَ أَسْئِلَةً ثُمَّ إسْلَامُهُ):
قَالَ ابْنُ إِسْحَاق: فَحَدثني مُحَمَّد بن الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، وَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَكَانَ ضِمَامٌ رَجُلًا جَلْدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ [٦]، فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُول الله صلى الله الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيّكُمْ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ

----------------------------
[١] أَلد: شَدِيد الْخُصُومَة. والضرار: الضّر.
[٢] اقتصدوا: عدلوا.
[٣] الموماة: الفلاة. يصف أَخَاهُ بالبصر بالأمور.
[٤] الأجب: الْبَعِير الْمَقْطُوع السنام.
[٥] أضجه. من الضجيج وَهُوَ الصياح. والسناسن: عِظَام الظّهْر، وَهِي فقاره.
[٦] الغديرة: الذؤابة من الشّعْر.


ﷺ: أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَالَ: أَمُحَمَّدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:
يَا بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إنِّي سَائِلُكَ وَمُغَلَّظٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدَنَّ [١] فِي نَفْسِكَ، قَالَ: لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي، فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ. قَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ إلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، آللَّه بَعَثَكَ إلَيْنَا رَسُولًا؟ قَالَ: اللَّهمّ نَعَمْ، قَالَ:
فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، آللَّه أَمَرَكَ أَنْ تَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَهُ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الْأَنْدَادَ الَّتِي كَانَ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَ مَعَهُ؟ قَالَ: اللَّهمّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إلَهَكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، آللَّه أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ؟ قَالَ: اللَّهمّ نَعَمْ، قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَذْكُرُ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ فَرِيضَةً فَرِيضَةً. الزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ كُلَّهَا، يَنْشُدُهُ عِنْدَ كُلِّ فَرِيضَةٍ مِنْهَا كَمَا يَنْشُدُهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، حَتَّى إذَا فَرَغَ قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ، وَسَأُؤَدِّي هَذِهِ الْفَرَائِضَ، وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتنِي عَنْهُ، ثُمَّ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ. ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى بَعِيرِهِ رَاجِعًا.
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنْ صَدَقَ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ [٢] دَخَلَ الْجَنَّةَ.

(دَعْوَتُهُ قَوْمَهُ لِلْإِسْلَامِ):
قَالَ: فَأنى بَعِيرَهُ فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَن قَالَ: بئست [٣] اللَّاتُ وَالْعُزَّى! قَالُوا: مَهْ يَا ضِمَامُ! اتَّقِ الْبَرَصَ، اتَّقِ الْجُذَامَ، اتَّقِ الْجُنُونَ! قَالَ: وَيْلَكُمْ! إنَّهُمَا وَاَللَّهِ لَا يَضُرَّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ، إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا أَسْتَنْقِذُكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَمَا نَهَاكُمْ عَنهُ، قَالَ: فو الله مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي حَاضِرِهِ [٤] رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إلَّا مُسْلِمًا.

--------------------------
[١] كَذَا فِي. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَلَا تحدث بهَا على» .
[٢] العقيصتان: الضفيرتان من الشّعْر.
[٣] كَذَا فِي شرح الْمَوَاهِب. وَفِي الْأُصُول «باست» .
[٤] الْحَاضِر: الْحَيّ.



قَالَ: يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ ابْن ثَعْلَبَةَ.

قُدُومُ الْجَارُودِ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقِيسِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجَارُودُ بْنُ عَمْرِو ابْن حَنْشٍ أَخُو عَبْدِ الْقَيْسِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْجَارُودُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْمُعَلَّى فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا.

(ضَمَانُ الرَّسُولِ دِينَهُ وَإِسْلَامُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ الْحَسَنِ [١]، قَالَ: لَمَّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَلَّمَهُ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِسْلَامَ، وَدَعَاهُ إلَيْهِ، وَرَغَّبَهُ فِيهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى دِينٍ، وَإِنِّي تَارِكٌ دِينِي لِدِينِكَ، أَفَتَضْمَنُ لِي دَيْنِي؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ، أَنَا ضَامِنٌ أَنْ قَدْ هَدَاكَ اللَّهُ إلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ. قَالَ: فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْحُمْلَانَ، فَقَالَ [٢]: وَاَللَّهِ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بِلَادِنَا ضَوَالُّ مِنْ ضَوَالِّ النَّاسِ: أَفَنَتَبَلَّغُ عَلَيْهَا إلَى بِلَادِنَا؟ قَالَ: لَا، إيَّاكَ وَإِيَّاهَا، فَإِنَّمَا تِلْكَ حَرَقُ النَّارِ.

(مَوْقِفُهُ مِنْ قَوْمِهِ فِي الرِّدَّةِ):
فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ الْجَارُودُ رَاجِعًا إلَى قَوْمِهِ، وَكَانَ حَسَنَ الْإِسْلَامِ، صُلْبًا [٣] عَلَى دِينِهِ، حَتَّى هَلَكَ وَقَدْ أَدْرَكَ الرِّدَّةَ، فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْهُمْ إلَى دِينِهِمْ الْأَوَّلِ مَعَ الْغَرُورِ [٤] بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، قَامَ الْجَارُودُ فَتَكَلَّمَ، فَتَشَهَّدَ

------------------------
[١] فِي م، ر: «الْحُسَيْن» .
[٢] الحملان: مَا يركبون عَلَيْهِ من دَوَاب.
[٣] فِي أ: «صليبا» .
[٤] الْغرُور: اسْمه الْمُنْذر، سمى كَذَلِك لِأَنَّهُ غر قومه يَوْم حَرْب الرِّدَّة (السهيليّ):.



شَهَادَةَ الْحَقِّ، وَدَعَا إلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: وَأَكْفِي مَنْ لَمْ يَشْهَدْ.

(إسْلَامُ ابْنِ سَاوَى):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّة إِلَى الْمُنْذر بن سَاوَى الْعَبْدِيِّ، فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ، ثُمَّ هَلَكَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ رِدَّةِ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْعَلَاءُ عِنْدَهُ أَمِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْبَحْرَيْنِ.

قُدُومُ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ وَمَعَهُمْ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابِ
وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ، فِيهِمْ مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ الْحَنَفِيُّ الْكَذَّابُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مُسَيْلِمَةُ بْنُ ثُمَامَةَ، وَيُكَنَّى أَبَا ثُمَامَةَ.

(مَا كَانَ مِنْ الرَّسُولِ لِمُسَيْلِمَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ مَنْزِلُهُمْ فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، فَحَدَّثَنِي بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: أَنَّ بَنِي حَنِيفَةَ أَتَتْ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَسْتُرهُ بِالثِّيَابِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ. مَعَهُ عَسِيبٌ [١] مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ، فِي رَأسه خوصات، فَلَمَّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُمْ يَسْتُرُونَهُ بِالثِّيَابِ، كَلَّمَهُ وَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ سَأَلْتنِي هَذَا الْعَسِيبَ مَا أَعْطَيْتُكَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ أَنَّ حَدِيثَهُ كَانَ عَلَى غَيْرِ هَذَا. زَعَمَ أَنَّ وَفْدَ بَنِي حَنِيفَةَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَخَلَّفُوا مُسَيْلِمَةَ فِي رِحَالِهِمْ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا ذَكَرُوا مَكَانَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا قَدْ خَلَّفْنَا صَاحِبًا لَنَا فِي رِحَالِنَا وَفِي رِكَابِنَا يَحْفَظُهَا لَنَا، قَالَ: فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ

---------------------
[١] العسيب: جَرِيدَة النّخل.


ﷺ بِمِثْلِ مَا أَمَرَ بِهِ لِلْقَوْمِ، وَقَالَ: أَمَا إنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ مَكَانًا، أَيْ لِحِفْظِهِ ضَيْعَةَ أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ الَّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

(ارْتِدَادُهُ وَتُنَبَّؤُهُ):
قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: وَجَاءُوهُ بِمَا أَعْطَاهُ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إلَى الْيَمَامَةِ ارْتَدَّ عَدُوُّ اللَّهِ وَتَنَبَّأَ وَتَكَذَّبَ لَهُمْ، وَقَالَ: إنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَهُ. وَقَالَ لِوَفْدِهِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ: أَلَمْ يَقُلْ لَكُمْ حِينَ ذَكَرْتُمُونِي لَهُ: أَمَا إنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ مَكَانًا، مَا ذَاكَ إلَّا لَمَا كَانَ يَعْلَمُ أَنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَسْجَعُ لَهُمْ الْأَسَاجِيعَ [١]، وَيَقُولُ لَهُمْ فِيمَا يَقُولُ مُضَاهَاةً [٢] لِلْقُرْآنِ: «لَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى الْحُبْلَى، أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمَةً تَسْعَى، مِنْ بَيْنَ صِفَاقٍ [٣] وَحَشًى» . وَأَحَلَّ لَهُمْ الْخَمْرَ وَالزِّنَا، وَوَضَعَ عَنْهُمْ الصَّلَاةَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَشْهَدُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَصْفَقَتْ [٤] مَعَهُ حَنِيفَةُ عَلَى ذَلِكَ، فاللَّه أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.

قُدُومُ زَيْدِ الْخَيْلِ فِي وَفْدِ طيِّئ

(إِسْلَامُهُ وَمَوْتُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدُ طيِّئ، فِيهِمْ زَيْدُ الْخَيْلِ، وَهُوَ سَيِّدُهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إلَيْهِ كَلَّمُوهُ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمُوا، فَحَسُنَ إسْلَامُهُمْ؛ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، كَمَا حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ رِجَالِ طيِّئ، مَا ذُكِرَ لِي رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ بِفَضْلِ، ثُمَّ جَاءَنِي، إلَّا رَأَيْتُهُ دُونَ مَا يُقَالُ فِيهِ، إلَّا زَيْدَ الْخَيْلِ: فَإِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ كُلَّ مَا كَانَ فِيهِ، ثُمَّ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ الْخَيْرِ، وَقَطَعَ لَهُ فَيْدًا [٥] وَأَرَضِينَ مَعَهُ، وَكَتَبَ لَهُ بِذَلِكَ. فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

---------------------
[١] فِي أ: «السجعات» .
[٢] مضاهاة: مشابهة.
[٣] الصفاق: مارق من الْبَطن.
[٤] أصفقوا على ذَلِك: أَجمعُوا عَلَيْهِ.
[٥] فيد: اسْم مَكَان بشرقى سلمى أحد جبل طيِّئ. وَهُوَ الّذي ينْسب إِلَيْهِ حمى فيد. (الْبكْرِيّ) .
٣٧- سيرة ابْن هِشَام- ٢



رَاجِعًا إلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنْ يَنْجُ زَيْدٌ مِنْ حُمَّى الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: قَدْ سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاسْمِ غَيْرِ الْحُمَّى، وَغَيْرِ أُمِّ مَلْدَمٍ [١] فَلَمْ يَثْبُتْهُ- فَلَمَّا انْتَهَى مِنْ بَلَدِ نَجْدٍ إلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِهِ، يُقَالُ لَهُ فَرَدَةَ، أَصَابَتْهُ الْحُمَّى بِهَا فَمَاتَ، وَلَمَّا أَحَسَّ زَيْدٌ بِالْمَوْتِ قَالَ:
أَمُرْتَحِلٌ قَوْمِي الْمَشَارِقَ غُدْوَةً ... وَأُتْرَكُ فِي بَيْتٍ بِفَرَدَةَ مُنْجِدِ [٢]
أَلَا رُبَّ يَوْمٍ لَوْ مَرِضْتُ لَعَادَنِي ... عَوَائِدُ مَنْ لَمْ يُبْرَ مِنْهُنَّ يَجْهَدُ [٣]
فَلَمَّا مَاتَ عَمَدَتْ امْرَأَتُهُ إلَى مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ كُتُبِهِ، الَّتِي قَطَعَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَحَرَّقَتْهَا بِالنَّارِ.

أَمْرُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ

(هَرَبُهُ إِلَى الشَّامِ فِرَارًا مِنَ الرَّسُولِ):
وَأَمَّا عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ فَكَانَ يَقُولُ، فِيمَا بَلَغَنِي: مَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ كَانَ أَشَدَّ كَرَاهِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَمِعَ بِهِ مِنِّي، أَمَا أَنَا فَكُنْتُ امْرَأً شَرِيفًا، وَكُنْتُ نَصْرَانِيًّا، وَكُنْتُ أَسِيرُ فِي قَوْمِي بِالْمِرْبَاعِ [٤]، فَكُنْتُ فِي نَفْسِي عَلَى دِينٍ، وَكُنْتُ مَلِكًا فِي قَوْمِي، لِمَا كَانَ يُصْنَعُ بِي. فَلَمَّا سَمِعْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَرِهْتُهُ، فَقُلْتُ لِغُلَامِ كَانَ لِي عَرَبِيٍّ، وَكَانَ رَاعِيًا لِإِبِلِي: لَا أَبَا لَكَ، أَعْدِدْ لِي مِنْ إبِلِي أَجَمَالًا ذُلُلًا [٥] سِمَانًا، فَاحْتَبِسْهَا قَرِيبًا مِنِّي، فَإِذَا سَمِعْتَ بِجَيْشِ لِمُحَمَّدِ قَدْ وَطِئَ هَذِهِ الْبِلَادَ فَآذِنِّي، فَفَعَلَ، ثُمَّ إنَّهُ أَتَانِي ذَاتَ غَدَاةٍ، فَقَالَ: يَا عَدِيُّ، مَا كُنْتَ صَانِعًا إذَا غَشِيَتْكَ خَيْلُ مُحَمَّدٍ، فَاصْنَعْهُ الْآنَ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَايَاتٍ، فَسَأَلْتُ عَنْهَا، فَقَالُوا: هَذِهِ جُيُوشُ مُحَمَّدٍ. قَالَ: فَقُلْتُ: فَقَرِّبْ إلَيَّ أَجْمَالِي، فَقَرَّبَهَا، فَاحْتَمَلْتُ بِأَهْلِي وَوَلَدِي، ثُمَّ قلت: ألحق بأهلى دِينِي مِنْ النَّصَارَى بِالشَّامِ

------------------------
[١] قَالَ السهيليّ فِي (الرَّوْض ٢: ٣٤٢) الِاسْم الّذي ذهب عَن الراويّ من أَسمَاء الْحمى هُوَ: أم كلبة (بِضَم الْكَاف) ذكر لي أَن أَبَا عُبَيْدَة ذكره فِي مقَاتل الفرسان، وَلم أره.
[٢] منجد: أَي بِنَجْد.
[٣] يبري (بِالْبِنَاءِ الْمَجْهُول) أَي يبريه السّفر ويضعفه.
[٤] أَسِير بالمرباع: أَي آخذ الرّبع من الْغَنَائِم، لِأَنِّي سيدهم.
[٥] ذلل: جمع ذَلُول، وَهُوَ الْجمل السهل الّذي قد ريض.



فَسَلَكْتُ الْجَوْشِيَّةَ [١]، وَيُقَالُ: الْحَوْشِيَّةُ فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَخَلَّفْتُ بِنْتًا لِحَاتِمِ فِي الْحَاضِرِ [٢]، فَلَمَّا قَدِمْتُ الشَّامَ أَقَمْتُ بِهَا.

(أَسْرُ الرَّسُولِ ابْنَةَ حَاتِمٍ ثُمَّ إطْلَاقُهَا):
وَتُخَالِفُنِي خَيْلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتُصِيبُ ابْنَةَ حَاتِمٍ، فِيمَنْ أَصَابَتْ، فَقُدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَبَايَا مِنْ طيِّئ، وَقَدْ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَرَبِي إلَى الشَّامِ، قَالَ: فَجُعِلَتْ بِنْتُ حَاتِمٍ فِي حَظِيرَةٍ [٣] بِبَابِ الْمَسْجِدِ، كَانَتْ السَّبَايَا يُحْبَسْنَ فِيهَا، فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَامَتْ إلَيْهِ، وَكَانَتْ امْرَأَةً جَزْلَةً، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْوَالِدُ، وَغَابَ الْوَافِدُ [٤] فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ. قَالَ: وَمَنْ وَافِدُكَ؟ قَالَتْ:
عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ. قَالَ: الْفَارُّ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَرَكَنِي، حَتَّى إذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ مَرَّ بِي، فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ بِالْأَمْسِ. قَالَتْ: حَتَّى إذَا كَانَ بَعْدَ الْغَدِ مَرَّ بِي وَقَدْ يَئِسْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إلَيَّ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ أَنْ قَوْمِي فَكَلِّمِيهِ، قَالَتْ: فَقُمْتُ إلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْوَالِدُ، وَغَابَ الْوَافِدُ، فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، فَقَالَ ﷺ: قَدْ فَعَلْتُ، فَلَا تَعْجَلِي بِخُرُوجِ حَتَّى تَجِدِي مِنْ قَوْمِكَ مَنْ يَكُونُ لَكَ ثِقَةً، حَتَّى يُبَلِّغُكَ إلَى بِلَادِكَ، ثُمَّ آذِنِينِي. فَسَأَلْتُ عَنْ الرَّجُلِ الَّذِي أَشَارَ إلَيَّ أَنْ أُكَلِّمَهُ، فَقِيلَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَقَمْتُ حَتَّى قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَلِيَّ أَوْ قُضَاعَةَ، قَالَتْ: وَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ آتِيَ أَخِي بِالشَّامِ. قَالَتْ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ قَوْمِي، لِي فِيهِمْ ثِقَةٌ وَبَلَاغٌ.
قَالَتْ: فَكَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَحَمَلَنِي، وَأَعْطَانِي نَفَقَةً، فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ.

---------------------
[١] الجوشية: جبل للضباب قرب ضرية. من أَرض نجد.
[٢] بنت حَاتِم هَذِه: هِيَ سفانة كَمَا رَجحه السهيليّ، إِذْ لَا يعرف لَهُ بنت غَيرهَا. والحاضر: الْحَيّ.
[٣] الحظيرة: شَبيهَة بالزرب الّذي يصنع لِلْإِبِلِ وَالْغنم ليكفها.
[٤] الْوَافِد: الزائر.



(إشَارَةُ ابْنَةِ حَاتِمٍ عَلَى عَدِيٍّ بِالْإِسْلَامِ):
قَالَ عدىّ: فو الله إنِّي لَقَاعِدٌ فِي أَهْلِي، إذْ نَظَرْتُ إلَى ظَعِينَةٍ [١] تَصُوبُ إلَيَّ [٢] تُؤْمِنَا، قَالَ: فَقُلْتُ ابْنَةُ حَاتِمٍ، قَالَ: فَإِذَا هِيَ هِيَ، فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَيَّ انْسَحَلَتْ [٣] تَقُولُ: الْقَاطِعُ الظَّالِمُ، احْتَمَلْتَ بِأَهْلِكَ وَوَلَدِكَ، وَتَرَكْتُ بَقِيَّةَ وَالِدِكَ عَوْرَتَكَ، قَالَ: قُلْتُ: أَيْ أُخَيَّةُ، لَا تَقُولِي إِلَّا خيرا، فو الله مَا لِي مِنْ عُذْرٍ، لَقَدْ صَنَعْتُ مَا ذَكَرْتُ. قَالَ: ثُمَّ نَزَلَتْ فَأَقَامَتْ عِنْدِي، فَقُلْتُ لَهَا: وَكَانَتْ امْرَأَةً حَازِمَةً، مَاذَا تَرَيْنَ فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَتْ: أَرَى وَاَللَّهِ أَنْ تَلْحَقَ بِهِ سَرِيعًا، فَإِنْ يَكُنْ الرَّجُلُ نَبِيًّا فَلِلسَّابِقِ إلَيْهِ فَضْلُهُ، وَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا فَلَنْ تَذِلَّ فِي عِزِّ الْيَمَنِ، وَأَنْتَ أَنْتَ. قَالَ:
قُلْتُ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا الرَّأْيُ.

(قُدُومُ عَدِيٍّ عَلَى الرَّسُولِ وَإِسْلَامُهُ):
قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَسْجِدِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ الرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى بَيته، فو الله إنَّهُ لَعَامِدٌ بِي إلَيْهِ، إذْ لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ كَبِيرَةٌ، فَاسْتَرْقَفْتُهُ، فَوَقَفَ لَهَا طَوِيلًا تُكَلِّمُهُ فِي حَاجَتِهَا، قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاَللَّهِ مَا هَذَا بِمَلِكِ، قَالَ: ثُمَّ مَضَى بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إذَا دَخَلَ بِي بَيْتَهُ، تَنَاوَلَ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ مَحْشُوَّةٍ لِيفًا، فَقَذَفَهَا إلَيَّ، فَقَالَ: اجْلِسْ عَلَى هَذِهِ، قَالَ: قُلْتُ: بَلْ أَنْتَ فَاجْلِسْ عَلَيْهَا، فَقَالَ: بَلْ أَنْتَ، فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْأَرْضِ، قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاَللَّهِ مَا هَذَا بِأَمْرِ مَلِكٍ، ثُمَّ قَالَ: إيِهِ يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ! أَلَمْ تَكُ رَكُوسِيًّا [٤]؟ قَالَ: قُلْتُ: بلَى. (قَالَ) [٥]: أولم تَكُنْ تَسِيرُ فِي قَوْمِكَ بِالْمِرْبَاعِ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ، قَالَ

---------------------------
[١] الظعينة: الْمَرْأَة فِي هودجها، وَقد تسمى ظَعِينَة وَإِن لم تكن فِيهِ.
[٢] تصوب إِلَى: تقصد وتؤم.
[٣] انسحلت: أخذت فِي اللوم وَمَضَت فِيهِ مجدة.
[٤] الركوسى: من الركوسية، وهم قوم لَهُم دين بَين دين النَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ.
[٥] زِيَادَة عَن أ.



قُلْتُ: أَجَلْ وَاَللَّهِ، وَقَالَ: وَعَرَفْتُ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، يَعْلَمُ مَا يُجْهَلُ، ثُمَّ قَالَ:
لَعَلَّكَ يَا عَدِيُّ إنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنْ دُخُولٍ فِي هَذَا الدِّينِ مَا تَرَى من حَاجتهم، فو الله لَيُوشِكَنَّ الْمَالُ أَنْ يَفِيضَ فِيهِمْ حَتَّى لَا يُوجد من يَأْخُذهُ، وَلَعَلَّكَ إنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنْ دُخُولٍ فِيهِ مَا تَرَى مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ وَقلة عَددهمْ، فو الله لِيُوشِكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْمَرْأَةِ تَخْرَجُ مِنْ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى بَعِيرِهَا (حَتَّى) [١] تَزُورَ هَذَا الْبَيْتَ، لَا تَخَافُ، وَلَعَلَّكَ إنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنْ دُخُولٍ فِيهِ أَنَّكَ تَرَى أَنَّ الْمُلْكَ وَالسُّلْطَانَ فِي غَيْرِهِمْ، وَاَيْمُ اللَّهِ لَيُوشِكَنَّ أَنَّ تَسْمَعَ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَأَسْلَمْتُ.

(وُقُوعُ مَا وَعَدَ بِهِ الرَّسُولُ عَدِيًّا):
وَكَانَ عَدِيٌّ يَقُولُ: قَدْ مَضَتْ اثْنَتَانِ وَبَقِيَتْ الثَّالِثَةُ، وَاَللَّهِ لَتَكُونَنَّ، قَدْ رَأَيْتُ الْقُصُورَ الْبِيضَ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ، وَقَدْ رَأَيْتُ الْمَرْأَةَ تَخْرُجُ مِنْ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى بَعِيرِهَا لَا تَخَافُ حَتَّى تَحُجَّ هَذَا الْبَيْتَ، وَاَيْمُ اللَّهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ، لَيَفِيضَنَّ الْمَالُ حَتَّى لَا يُوجَدَ مَنْ يَأْخُذُهُ.

قُدُومُ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيَّ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدِمَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ الْمُرَادَّيَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُفَارِقًا لِمُلُوكِ كِنْدَةَ، وَمُبَاعِدًا لَهُمْ، إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

(يَوْمُ الرَّدْمِ بَيْنَ مُرَادَ وَهَمْدَانَ):
وَقَدْ كَانَ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ بَيْنَ مُرَادَ وَهَمْدَانَ وَقْعَةٌ، أَصَابَتْ فِيهَا هَمْدَانُ مِنْ مُرَادَ مَا أَرَادُوا، حَتَّى أَثْخَنُوهُمْ [٢] فِي يَوْمٍ كَانَ يُقَالُ لَهُ: يَوْمَ الرَّدْمِ، فَكَانَ الَّذِي قَادَ هَمْدَانَ إلَى مُرَادَ الْأَجْدَعُ بْنُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الَّذِي قَادَ هَمْدَانَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَالِكُ بْنُ حَرِيمٍ الْهَمْدَانِيُّ.

(شِعْرُ فَرْوَةَ فِي يَوْمِ الرَّدْمِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَقُولُ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ.:

--------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] أثخنوهم: أَكْثرُوا الْقَتْل فيهم والجراحات.



مَرَرْنَا عَلَى لُفَاةَ وَهُنَّ خَوْصٌ ... يُنَازِعْنَ الْأَعِنَّةَ يَنْتَحِينَا [١]
فَإِنْ نَغْلِبْ فَغَلَّابُونَ قِدْمًا ... وَإِنْ نُغْلَبْ فَغَيْرُ مُغَلَّبِينَا
وَمَا إنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَلَكُنَّ ... مَنَايَانَا وَطُعْمَةُ آخَرِينَا [٢]
كَذَاكَ الدَّهْرُ دَوْلَتُهُ سِجَالٌ ... تَكُرُّ صُرُوفُهُ حِينًا فَحِينًا [٣]
فَبَيْنَا مَا نُسَرُّ بِهِ وَنَرْضَى ... وَلَوْ لُبِسَتْ غَضَارَتُهُ سِنِينَا [٤]
إذْ انْقَلَبَتْ بِهِ كَرَّاتُ دَهْرٍ ... فَأَلْفَيْتَ الْأُلَى غُبِطُوا طَحِينًا [٥]
فَمَنْ يُغْبَطْ بِرَيْبِ الدَّهْرِ مِنْهُمْ ... يَجِدْ رَيْبَ الزَّمَانِ لَهُ خَئُونًا
فَلَوْ خَلَدَ الْمُلُوكُ إذَنْ خَلَدْنَا ... وَلَوْ بَقِيَ الْكِرَامُ إذَنْ بَقِينَا
فَأَفْنَى ذَلِكُمْ سَرَوَاتِ قَوْمِي ... كَمَا أَفْنَى الْقُرُونَ الْأَوَّلِينَا [٦]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَوَّلُ بَيْتٍ مِنْهَا، وَقَوْلُهُ: «فَإِنْ نَغْلِبْ» عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.

(قُدُومُ فَرْوَةَ عَلَى الرَّسُولِ وَإِسْلَامُهُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا تَوَجَّهَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُفَارِقًا لِمُلُوكِ كِنْدَةَ، قَالَ:
لَمَّا رَأَيْتُ مُلُوكَ كِنْدَةَ أَعَرَضَتْ ... كَالرَّجُلِ خَانَ الرَّجُلَ عَرَقَ نَسَائِهَا [٧]
قرّبت رَاحِلَتي أؤمّ مُحَمَّدًا ... أَرْجُو فَوَاضِلَهَا وَحُسْنَ ثَرَائِهَا

--------------------------
[١] لفات (بِضَم أَوله، كَمَا فِي مُعْجم الْبلدَانِ): من ديار مُرَاد. وَفِي مُعْجم مَا استعجم للبكرى:
«مررن على لفات وَهِي خوص» بِالْكَسْرِ، على أَنه جمع «لفت» بِفَتْح أَوله أَو كَسره: مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة. وخوص: غائرات الْعُيُون، وينتحين: يعترضن ويتعمدن.
[٢] طبنا: قَالَ فِي لِسَان الْعَرَب: «يجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: مَا دَهْرنَا وشأننا وعادتنا، وَأَن يكون مَعْنَاهُ شهوتنا. وَمعنى هَذَا الشّعْر: إِن كَانَت هَمدَان ظَهرت علينا فِي يَوْم الرَّدْم فغلبتنا، فَغير مغلبين. والمغلب:
الّذي يغلب مرَارًا، أَي لم نغلب إِلَّا مرّة وَاحِدَة» . وَرِوَايَة اللِّسَان «ودولة آخرينا» . والدولة (بِفَتْح الدَّال وَضمّهَا): الْعقبَة فِي المَال وَالْحَرب سَوَاء.
[٣] سِجَال: تَارَة للْإنْسَان، وَتارَة عَلَيْهِ. وَهُوَ من المساجلة على الْبِئْر، يستقى هَذَا مرّة، وَذَلِكَ مرّة.
[٤] غضارة الشَّيْء: طراوته وَنعمته.
[٥] غبطوا: استحسنت حَالهم.
[٦] سروات الْقَوْم: أَشْرَافهم.
[٧] النسا: عرق مستبطن فِي الْفَخْذ، وَهُوَ مَقْصُور، وَمد (هُنَا) للشعر.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,383.19 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,381.47 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.12%)]