المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي - الصفحة 24 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          الجنة في معتقد أهل السنة والجماعة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          إلى المؤذنين وأئمة المساجد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          مجالس العلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5224 - عددالزوار : 2550059 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4822 - عددالزوار : 1889947 )           »          فتاوى الصيام | الدكتور شريف فوزي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 16 - عددالزوار : 1322 )           »          لبشرة متناغمة من غير فلاتر.. دليلك لاختيار فرش المكياج واستخدامها بشكل صحيح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 264 )           »          التوحد ليس لغزًا بل طريقة مختلفة لرؤية العالم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 273 )           »          5 أخطاء فى العناية بالبشرة تزيد التجاعيد وتجعلك أكبر عمرًا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 284 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #231  
قديم 03-01-2026, 03:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,860
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الثالث
من صــ 584الى صــ 593
الحلقة(231)




الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ، فَيُعْرَفُ كَمْ نَبَاتُ ثَمَرَتِهِ، وَتُقَوَّمُ أَيْضًا فَيُعْرَفُ كَمْ قِيمَتُهُ عَلَى غَلَائِهِ وَرُخْصِهِ وَفِيمَا يَأْتِي بَعْدُ، فَيُعْرَفُ كَمْ نَبَاتُهُ وَقِيمَتُهُ فِي كَثْرَةِ حَمْلِهِ، وَيُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهِ أَيْضًا. هَكَذَا يُقَوِّمُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ وَيُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، وَيُعْرَفُ النَّبَاتُ فَإِنْ كَانَ الْبَطْنُ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ هُوَ الثُّلُثَ، ثُلُثَ الثَّمَرَةِ الَّتِي اشْتَرَى، نُظِرَ إلَى مَا كَانَتْ قِيمَةُ هَذَا الْبَطْنِ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ، فَيُطْرَحُ عَنْ الْمُشْتَرِي قَدْرُهَا مِنْ الثَّمَنِ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ الْبَطْنَ الْأَوَّلَ فَيَعْرِفُ قَدْرَ نَبَاتِ ثَمَرَتِهِ، عَرَفَ قِيمَتَهُ فِي غَلَائِهِ وَرُخْصِهِ. ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى مَا يَأْتِي مِنْ نَبَاتِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَيُعْرَفُ قَدْرَ كُلِّ بَطْنٍ وَقِيمَتَهُ عَلَى غَلَائِهِ وَرُخْصِهِ، فَضُمَّتْ الْقِيمَةُ قِيمَةُ كُلِّ بَطْنٍ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ. ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى الْبَطْنِ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ مَا هُوَ مِنْ جَمِيعِ نَبَاتِ ثَمَرَةِ هَذِهِ الْمَقْثَأَةِ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الثُّلُثَ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ، وَضَعَ عَنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ قَدْرَ قِيمَتِهِ مِنْ ذَلِكَ الْبَطْنِ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ، فَإِنْ كَانَ ثَمَنُ ذَلِكَ نِصْفَ جَمِيعِ نَبَاتِ ثَمَرَةِ الْمَقْثَأَةِ أَوْ ثُلُثَيْهِ أَوْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، طُرِحَ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الَّذِي أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ مِنْهُ فِي أَوَّلٍ أَوْ فِي آخِرٍ أَوْ فِي وَسَطٍ.
إنَّمَا يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ فِي وَسَطٍ نُظِرَ إلَى مَا كَانَ أَكَلَ الْمُشْتَرِي فَعُرِفَ قَدْرُ نَبَاتِهِ وَقِيمَتُهُ فِي غَلَائِهِ وَرُخْصِهِ، وَيُنْظَرُ إلَى الَّذِي أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ، فَيُعْرَفُ قَدْرُ نَبَاتِهِ وَقِيمَتُهُ. وَيُنْظَرُ إلَى الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى تَنْقَطِعَ الْمَقْثَأَةُ. فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ هُوَ ثُلُثَ نَبَاتِ الثَّمَرَةِ، قِيلَ كَمْ قِيمَةُ الَّذِي أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ مِنْ جَمِيعِ الْقِيمَةِ؟ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ نِصْفَ الْقِيمَةِ أَوْ ثُلُثَيْهَا، وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ نِصْفُهُ أَوْ ثُلُثَاهُ، لِأَنَّهُ قَدْ عُرِفَ مَا أَكَلَ الْمُشْتَرِي وَمَا أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ وَمَا جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ وَقَدْ كُنْتَ أَقَمْتَ مِنْ ذَلِكَ الْبَطْنِ الَّذِي أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ، وَاَلَّذِي أَكَلَ الْمُشْتَرِي وَاَلَّذِي جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَعَرَفْتَ قِيمَةَ ذَلِكَ فِي قَدْرِ غَلَاءِ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَرُخْصِهِ وَرَغْبَةَ النَّاسِ فِيهِ، فَوَضَعْتَ عَنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْجَائِحَةِ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى مَقْثَأَةً بِمِائَةِ دِينَارٍ وَخَمْسِينَ دِينَارًا، وَأَصَابَتْ الْجَائِحَةُ بَطْنًا مِنْهَا الْأَوَّلَ أَوْ الْأَوْسَطَ الْآخَرَ، أَنَّهَا إنْ كَانَتْ أَوَّلَ الْبَطْنِ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ، عَرَفَ قَدْرَ نَبَاتِهِ أُقِيمَ. فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةَ دِينَارٍ وَعَرَفَ نَاحِيَةَ نَبَاتِهِ، نَظَرَ إلَى الَّذِي يَأْتِي بَعْدُ، فَيُقَامُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ عَلَى مَا فَسَّرْتُ لَكَ مِنْ رَغْبَةِ النَّاسِ فِيهِ وَرُخْصِهِ وَغَلَائِهِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ هَذَا الْبَطْنَ الثَّانِي سِتِّينَ دِينَارًا وَقَدْ عَرَفَ نَاحِيَةَ نَبَاتِهِ أَيْضًا، نَظَرَ إلَى الْبَطْنِ الثَّالِثِ فَأُقِيمَ أَيْضًا. فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَرْبَعِينَ دِينَارًا وَانْقَطَعَتْ الثَّمَرَةُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا ثَلَاثَةُ بُطُونٍ وَقَدْ عَرَفَ نَاحِيَةَ الْبَطْنِ الْآخَرِ، قِيلَ اُنْظُرُوا كَمْ ثَمَرَةُ كُلِّ بَطْنٍ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِنْ قَالُوا: النَّبَاتُ فِي كُلِّ بَطْنٍ فِي الثَّمَرَةِ سَوَاءٌ، فَاَلَّذِي أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ هُوَ الثُّلُثُ مِنْ الثَّمَرَةِ وَقِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ، وَقِيمَةُ الْبَطْنِ الثَّانِي سِتُّونَ دِينَارًا وَالْآخَرُ أَرْبَعُونَ دِينَارًا، فَذَلِكَ مِائَتَا دِينَارٍ.
وَقَدْ

كَانَ الشِّرَاءُ بِخَمْسِينَ وَمِائَةِ دِينَارٍ. قُلْنَا: فَانْظُرُوا إلَى مَبْلَغِ الْبَطْنِ الَّذِي أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ وَهُوَ ثُلُثُ الثَّمَرَةِ، فَإِذَا هُوَ مِائَةُ دِينَارٍ. قُلْنَا: فَأَيُّ شَيْءٍ مِائَةُ دِينَارٍ مِنْ جَمِيعِ قِيمَةِ الْمَقْثَأَةِ؟ قِيلَ: النِّصْفُ، لِأَنَّ الْبَطْنَ الْأَوَّلَ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ الْجَائِحَةُ قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ، وَالثَّانِي سِتُّونَ دِينَارًا، وَالْآخَرُ أَرْبَعُونَ دِينَارًا، فَذَلِكَ مِائَتَا دِينَارٍ. فَقَدْ صَارَ قِيمَةُ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ مِنْ جَمِيعِ قِيمَةِ الْمَقْثَأَةِ النِّصْفَ. قُلْنَا: فَارْجِعْ عَلَى الْبَائِعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ إنْ كُنْتَ نَقَدْتَهُ الثَّمَنَ، وَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَنْقُدْهُ الثَّمَنَ، فَعَلَى هَذَا فَقِسْ جَمِيعَ مَا يَرِدُ عَلَيْكَ مِنْ هَذَا

[جَائِحَةِ التِّينِ وَالْخَوْخِ وَالرُّمَّانِ وَجَمِيعِ الْفَوَاكِهِ]
فِي جَائِحَةِ التِّينِ وَالْخَوْخِ وَالرُّمَّانِ وَجَمِيعِ الْفَوَاكِهِ قَالَ: وَكَذَلِكَ الْفَاكِهَةُ: التِّينُ وَالْخَوْخُ وَالرُّمَّانُ وَالتُّفَّاحُ، وَكُلُّ مَا يَكُونُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، إنَّمَا يَنْظُرُ إلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ. فَيَقُومُ فَيَعْرِفُ قِيمَتَهُ وَقَدْرَ ثَمَرَتِهِ، فَيَنْظُرُ إلَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ، وَكَانَتْ قِيمَةُ الْبَطْنِ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ هُوَ نِصْفُ جَمِيعِ قِيمَةِ الثَّمَنِ أَوْ ثُلُثَاهُ، طَرَحَ عَنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ نِصْفَهُ أَوْ ثُلُثَاهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ذَلِكَ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ الثَّمَرَةَ فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ فَذَهَبَتْ بِثُلُثِ الثَّمَرَةِ. فَقَدْ وَجَبَ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ الْوَضِيعَةُ» ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: إذَا أُصِيبَ الْمَتَاعُ بِثُلُثِ الثَّمَرَةِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ الْوَضِيعَةُ.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَنْسُ بْنُ عِيَاضٍ، أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ مُقَدَّمِ مَوْلَى أُمِّ الْحَكَمِ ابْنَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ حَدَّثَهُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى فِي ثَمَرَةِ حَائِطٍ بَاعَتْهُ مَوْلَاتُهُ، فَأَصَابَ الثَّمَرَ كُلَّهُ جَائِحَةٌ إلَّا سَبْعَةَ أَوْسُقٍ، وَكَانَتْ قَدْ اسْتَثْنَتْ سَبْعَةَ أَوْسُقٍ. فَقَالَ لِي عُمَرُ، وَخَاصَمْتُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ: اقْرَأْ عَلَى مَوْلَاتِكَ السَّلَامَ وَقُلْ لَهَا: قَدْ أَغْنَاكِ اللَّهُ فِي الْحَسَبِ وَالْمَالِ عَنْ أَنْ تَأْكُلِي مَا لَا يَحِلُّ لَكِ. لَا تَجُوزُ الْجَائِحَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَضَى الْيَمِينَ عَلَى الْمُبْتَاعِ أَنْ لَا يَكْتُمَ شَيْئًا وَعَلَيْهِ مَا أَكَلَ عُمَّالُهُ. قَالَ مُقَدَّمٌ: فَمَا صَارَ لَنَا إلَّا سَبْعَةُ أَوْسُقٍ، وَهِيَ الَّتِي بَقِيَتْ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ عَنْ رَبِيعَةَ وَأَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُمَا قَالَا: لَا وَضَيْعَةَ فِي جَائِحَةِ فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ إذَا أُصِيبَ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا جَائِحَةَ فِيمَا أُصِيبَ دُونَ ثُلُثِ رَأْسِ الْمَالِ. قَالَ يَحْيَى: وَذَلِكَ فِي سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: الْجَوَائِحُ كُلُّ ظَاهِرٍ مُفْسِدٍ مِنْ مَطَرٍ أَوْ بَرْدٍ أَوْ جَرَادٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ حَرِيقٍ


[جَائِحَةُ الْبُقُولِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْبُقُولَ وَالْكُرَّاثَ وَالسِّلْقَ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا، وَالْجَزَرَ وَالْبَصَلَ وَالْفُجْلَ، إذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي ذَكَرْتُ لَكَ وَمَا أَشْبَهَهَا فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ، هَلْ يُوضَعُ لِلْمُشْتَرِي شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُوضَعَ عَنْ الْمُشْتَرِي كُلُّ شَيْءٍ أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ مِنْهَا قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ، وَلَا يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إلَى الثُّلُثِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ الْبَقْلَ إذَا بَلَغَتْ جَائِحَتُهُ الثُّلُثَ وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ الثُّلُثَ، لَمْ يُوضَعْ عَنْهُ شَيْءٌ.
وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ أَشْرَسَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ

[جَائِحَةُ الْخُضَرِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ اشْتَرَى الْفُولَ الْأَخْضَرَ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ الَّتِي تُؤْكَلُ خَضْرَاءَ، وَاشْتَرَطَ أَنْ يَقْطَعَهَا خَضْرَاءَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الشِّرَاءُ جَائِزٌ. قُلْتُ: فَإِنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ؟ قَالَ: أَرَى إنْ أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ الثُّلُثَ، وُضِعَ عَنْهُ ثُلُثُ الثَّمَنِ لِأَنَّ هَذِهِ ثَمَرَةٌ. قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَى الْفُولَ وَالْقُطْنِيَّةَ الَّتِي تُؤْكَلُ خَضْرَاءَ بَعْدَ مَا طَابَتْ لِلْأَكْلِ قَبْلَ أَنْ تَيْبَسَ، وَاشْتَرَطَ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ حَتَّى تَيْبَسَ؟ قَالَ: لَا عِنْدَ مَالِكٍ وَهُوَ مَكْرُوهٌ.

[جَائِحَةُ الزَّيْتُونِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الزَّيْتُونَ عِنْدَ مَالِكٍ أَهُوَ مِمَّا يُخْرَصُ عَلَى أَهْلِهِ؟ قَالَ: لَيْسَ يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ عَلَى أَهْلِهِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَكِنْ مَا أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ مِنْهُ يُحْمَلُ مَحْمَلَ مَا يُخْرَصُ، لِأَنَّ مُشْتَرِيهِ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ حَتَّى يَجْنِيَهُ جَمِيعًا.

[جَائِحَةُ الْقَصَبِ الْحُلْوِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَصَبَ الْحُلْوَ لَيْسَ مِمَّا هُوَ يُدَّخَرُ وَيَيْبَسُ، إذَا أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ؟ قَالَ: لَا يُوضَعُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْجَائِحَةِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. وَذَلِكَ أَنَّ بَيْعَهُ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ مَا يُمْكِنُ قَطْفُهُ، وَلَيْسَ مِمَّا يَأْتِي بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ. فَهُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الزَّرْعِ إذَا يَبِسَ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يَطِيبَ وَيُؤْكَلَ. وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ مُسَاقَاتِهِ؟ فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي مِثْلُ الزَّرْعِ، تَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ إذَا عَجَزَ عَنْهُ صَاحِبُهُ قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تُوضَعُ عَنْهُ جَوَائِحُهُ وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا


[جَائِحَةُ الثِّمَارِ الَّتِي قَدْ يَبِسَتْ وَاسْتُحْصِدَتْ]
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَا أَشْتَرِي مِنْ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ، بَعْدَمَا يَيْبَسُ وَيَصِيرُ زَبِيبًا أَوْ تَمْرًا وَيُسْتَجَذُّ وَيُمْكِنُ قِطَافُهُ فَلَيْسَ فِيهِ جَائِحَةٌ وَمَا بِيعَ مِنْ الْحَبِّ مِنْ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالْفُولِ وَالْعَدَسِ وَالْقُطْنِيَّةِ كُلِّهَا، وَالسِّمْسِمِ وَحَبِّ الْفُجْلِ لِلزَّيْتِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَلَيْسَ فِيهِ جَائِحَةٌ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُبَاعُ بَعْدَ مَا يَيْبَسُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاعَهُ فِي الْأَنْدَرِ فَلَا جَائِحَةَ فِيهِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْتُ: وَمَا بِيعَ مِنْ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ أَخْضَرَ بَعْدَ مَا طَابَ فَيَبِسَ، ثُمَّ أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا جَائِحَةَ فِيهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا اُشْتُرِيَ وَهُوَ يَابِسٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت ثَمَرَةَ نَخْلٍ قَدْ حَلَّ بَيْعُهُ، فَتَرَكْتُهُ حَتَّى طَابَ لِلْجِدَادِ وَأَمْكَنَ، ثُمَّ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ تَبْلُغُ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا؟ فَقَالَ: لَا يُوضَعُ عَنْهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ عِنْدَ مَالِكٍ، لِأَنَّ الْجِدَادَ قَدْ أَمْكَنَهُ. قُلْتُ: وَيَصِيرُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَقَدْ أَمْكَنَتْ لِلْجِدَادِ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي اشْتَرَى ثَمَرَةً قَدْ أَمْكَنَتْ لِلْجِدَادِ وَتَيْبَسُ فَلَا جَائِحَةَ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: كُلُّ مَا اُشْتُرِيَ مِنْ الْأُصُولِ وَفِيهِ ثَمَرَةٌ قَدْ طَابَتْ، مِثْلُ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَاشْتُرِيَ بِأَصْلِهِ فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا جَائِحَةَ فِي ثَمَرِهِ. وَإِنَّمَا الْجَوَائِحُ إذَا اشْتَرَيْتَ الثِّمَارَ وَحْدَهَا بِغَيْرِ أُصُولِهَا

قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى رِقَابَ النَّخْلِ، وَفِيهَا ثَمَرٌ لَمْ يَطِبْ وَلَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ وَلَمْ يُؤَبَّرْ، أَوْ قَدْ أُبِّرَتْ وَقَدْ اشْتَرَطَ الْمُبْتَاعُ ثَمَرَةَ مَا قَدْ أُبِّرَ، فَأَصَابَتْ هَذِهِ الثَّمَرَةَ جَائِحَةٌ، أَيُوضَعُ عَنْهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِمَا أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ مِنْ الثَّمَرَةِ شَيْءٌ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُوضَعُ عَنْهُ شَيْءٌ. قُلْتُ: فَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَشْتَرِي رِقَابَ النَّخْلِ وَفِيهَا ثَمَرَةٌ لَمْ تُؤَبَّرُ فَبَلَغَتْ فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ. أَنَّهُ لَا يُوضَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي شَيْءٌ. هَذَا وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يُوضَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي شَيْءٌ، لِأَنَّ الثَّمَرَةَ تَبَعٌ لِلنَّخْلِ، لِأَنَّهَا لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا. أَرَأَيْتَ كُلَّ ثَمَرَةٍ كَانَتْ تَكُونُ لِلْبَائِعِ إذَا اشْتَرَاهَا الْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُشْتَرِي، لِمَ لَا يَكُونُ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ وَيُلْغَى عَنْهُ مَا أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ إذَا بَلَغَتْ مَا أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ؟ قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا جَعَلَ كُلَّ ثَمَرَةٍ اُشْتُرِيَتْ مَعَ الرِّقَابِ تَبَعًا لِلرِّقَابِ فَلَا جَائِحَةَ فِيهَا.
قَالَ: وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَكْتَرِي دَارًا وَيَشْتَرِطُ ثَمَرَةَ نَخَلَاتٍ فِيهَا، وَفِي النَّخْلِ ثَمَرَةٌ لَمْ تَطِبْ أَوْ طَلْعٌ، فَالْكِرَاءُ جَائِزٌ. وَمَا أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَرِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ كُلَّهُ لَمْ يُوضَعْ عَنْ الْمُتَكَارِي قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، لِأَنَّ الثَّمَرَةَ تَبَعٌ لِلْكِرَاءِ، وَلَا يَقَعُ عَلَى الثَّمَرَةِ حِصَّةٌ مِنْ الْكِرَاءِ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ، أَنَّ الرَّجُلَ يَشْتَرِي الْعَبْدَ وَلَهُ مَالٌ، فَيَسْتَثْنِي مَالَهُ مَعَهُ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَثْنِهِ كَانَ لِلْبَائِعِ فَيَشْتَرِيهِ، وَيَشْتَرِطُ مَالَهُ فَيُصَابُ مَالُ الْعَبْدِ، ثُمَّ يَجِدُ بِهِ عَيْبًا أَوْ يُسْتَحَقُّ، فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ كُلِّهِ فَيَأْخُذُهُ وَلَا يُوضَعُ عَنْ الْبَائِعِ شَيْءٌ لِمَالِ الْعَبْدِ الَّذِي تَلَفَ.


وَهُوَ مِمَّا لَوْ لَمْ يَسْتَثْنِهِ كَانَ لِلْبَائِعِ وَفِيهِ زِيَادَةٌ فِي الثَّمَنِ فَلَا يُوضَعُ عَنْهُ شَيْءٌ. فَالثَّمَرَةُ بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْعَبْدِ، وَكَذَلِكَ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الثَّمَرَةِ وَمَالِ الْعَبْدِ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت زَرْعًا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ عَلَى أَنْ أَحْصُدَهُ، ثُمَّ اشْتَرَيْت الْأَرْضَ، أَيَجُوزُ لِي أَنْ أَدَعَ الزَّرْعَ حَتَّى يَبْلُغَ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدِي، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي النَّخْلَ وَفِيهَا ثَمَرٌ قَدْ أُبِّرَ وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى عَلَى حِدَةٍ قَبْلَ أَنْ تَزْهَى وَيَحِلَّ بَيْعُهُ: أَنَّ شِرَاءَهُ جَائِزٌ. فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ أَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الزَّرْعَ. لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الثَّمَرَةِ: كُلُّ شَيْءٍ كَانَ يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَشْتَرِيَهُ مَعَهُ فَلَمْ تَشْتَرِهِ فِي الصَّفْقَةِ مَعَهُ، ثُمَّ اشْتَرَيْتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي صَفْقَةٍ عَلَى حِدَةٍ، فَذَلِكَ جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ لَكَ أَوَّلًا أَنْ تَسْتَثْنِيَهُ. قُلْتُ: فَإِنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فِي هَذِهِ الثَّمَرَةِ أَيَقْضِي فِيهَا بِشَيْءٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَقْضِي فِيهَا بِشَيْءٍ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَنْ اشْتَرَى النَّخْلَ وَالثَّمَرَةَ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَصَابَتْ الثَّمَرَةَ جَائِحَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْبَائِعِ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ بَلَحًا أَوْ بُسْرًا أَوْ رُطَبًا أَوْ تَمْرًا يَوْمَ اشْتَرَاهَا مَعَ النَّخْلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا جَائِحَةَ فِيهَا عِنْدَ مَالِكٍ، لِأَنَّهُ اشْتَرَى الْأَصْلَ مَعَهَا فَكَانَتْ تَبَعًا لِلْأَصْلِ.
وَكَذَلِكَ الَّذِي اشْتَرَى الْأَصْلَ ثُمَّ اشْتَرَى الثَّمَرَةَ سَحْنُونٌ: الْجَوَابُ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّ الْحُجَّةَ فِيهَا، أَنَّ الْبَائِعَ إذَا بَاعَ الثَّمَرَةَ وَقَدْ بَدَا صَلَاحُهَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ، أَنَّ عَلَيْهِ سَقْيَ النَّخْلِ. وَإِذَا بَاعَ النَّخْلَ بِأُصُولِهَا، وَبَاعَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَرَتَهَا، أَنَّهُ لَا سَقْيَ عَلَى الْبَائِعِ.

[فِي الَّذِي يَشْتَرِي ثَمَرَةَ نَخْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَتُصِيبُهَا جَائِحَةٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت ثَمَرَةَ نَخْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَصَابَتْ الْجَائِحَةُ ثُلُثَ مَا فِي هَذِهِ النَّخْلَةِ، أَيُوضَعُ عَنِّي شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُوضَعَ عَنْكَ - إنْ أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ - ثُلُثُ مَا فِي رَأْسِ النَّخْلَةِ مِنْ الثَّمَرَةِ

[فِي الَّذِي يُعَرِّي حَائِطَهُ كُلَّهُ ثُمَّ يَأْخُذُهُ بِخَرْصِهِ فَتُصِيبُهُ جَائِحَةٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا أَعْرَى حَائِطَهُ مَنْ رَجُلٍ، فَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ بِخَرْصِهِ، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ أَيُوضَعُ عَنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُوضَعُ عَنْهُ مِثْلُ مَا يُوضَعُ عَنْهُ فِي الشِّرَاءِ سَوَاءٌ

[الَّذِي يُسْلِمُ فِي ثَمَرِ حَائِطٍ بِعَيْنِهِ تُصِيبُهُ الْجَائِحَةُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَسْلَمْت فِي ثَمَرِ حَائِطٍ بِعَيْنِهِ فِي إبَّانِ ثَمَرَةِ ذَلِكَ الْحَائِطِ، فَأَصَابَ الْحَائِطَ جَائِحَةٌ أَتَتْ عَلَى ثُلُثِ الْحَائِطِ، أَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِي شَيْءٌ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ:


لَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ شَيْءٌ، وَيَكُونُ حَقُّهُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْحَائِطِ. قُلْتُ: وَلَا يُنْتَقَضُ مِنْ السَّلَمِ ثُلُثُهُ، لِأَنَّ ثَمَرَةَ الْحَائِطِ قَدْ ذَهَبَتْ الْجَائِحَةُ بِثُلُثِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا يُنْتَقَضُ مِنْ السَّلَمِ وَسَلَمُهُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْحَائِطِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ قَوْلُهُ. قُلْتُ: وَلَوْ كُنْتُ اشْتَرَيْت ثَمَرَةَ هَذَا الْحَائِطِ، فَأَصَابَتْ الْجَائِحَةُ ثُلُثَهُ، أَيُوضَعُ عَنِّي الثُّلُثُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَإِذَا أَسْلَمْتُ فِي ثَمَرَةِ هَذَا الْحَائِطِ، أَهُوَ مُخَالِفٌ لِشِرَاءِ ثَمَرَةِ هَذَا الْحَائِطِ فِي الْجَائِحَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ سَلَمَكَ فِي الْحَائِطِ إنَّمَا هُوَ اشْتَرَاهُ مَكِيلَةٍ مِنْهُ مَعْلُومَةٍ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَيْتَ أَقْسَاطًا مِنْ خَابِيَةِ رَجُلٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت ثَمَرَةَ نَخْلٍ مَنْ قَبْلِ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا عَلَى التَّرْكِ، فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ كُلَّهَا أَوْ أَقَلَّ مَنْ ثُلُثِهَا بَعْدَ مَا بَدَا صَلَاحُهَا، أَيَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَهُوَ مِنْ الْبَائِعِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهَا وَهِيَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ، وَالْبَيْعُ فَاسِدٌ. فَهِيَ مِنْ الْبَائِعِ مَا لَمْ يَقْبِضْهَا الْمُبْتَاعُ.

[اشْتَرَى ثَمَرَةَ قَبْل بُدُوِّ صَلَاحِهَا عَلَى أَنْ يَجُدَّهَا فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ قَبْلَ أَنْ يَجُدَّهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت ثَمَرَةَ نَخْلٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، عَلَى أَنْ أَجُدَّهَا مِنْ يَوْمِي أَوْ مَنْ الْغَدِ، فَأَصَابَهَا جَائِحَةٌ قَبْلَ أَنْ أَجُدَّهَا، أَيُوضَعُ عَنِّي مِنْ الْجَائِحَةِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْبُقُولِ أَوْ الْفَاكِهَةِ الْخَضْرَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ إنْ أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ الثُّلُثَ، فَصَاعِدًا. قُلْتُ: وَلَا نَرَاهُ بِمَنْزِلَةِ الْبُقُولِ؟ قَالَ: لَا أَرَاهُ بِمَنْزِلَةِ الْبُقُولِ، وَلَكِنْ أَرَاهُ بِمَنْزِلَةِ الثِّمَارِ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَى بَلَحَ الثِّمَارِ كُلِّهَا، التِّينِ وَاللَّوْزِ وَالْجِلَّوْزِ وَالْفُسْتُقِ، عَلَى أَنْ يَجِدَّهُ قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ فَأَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ، أَيُوضَعُ عَنْهُ لِذَلِكَ شَيْءٌ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، إنْ أَصَابَتْ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا، وَإِنْ لَمْ تُصِبْ الثُّلُثَ لَمْ يُوضَعُ عَنْهُ شَيْءٌ.

[فِي جَائِحَةِ الْجَرَادِ وَالرِّيحِ وَالْجَيْشِ وَالنَّارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْجَرَادَ أَهُوَ جَائِحَةٌ فِي قَوْلِ مَالِك؟ قَالَ: قَالَ: الْجَرَادُ جَائِحَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ النَّارُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْبَرْدُ وَالْمَطَرُ وَالطَّيْرُ الْغَائِبُ - يَأْتِي فَيَأْكُلُ الثَّمَرَةَ - وَالدُّودُ وَعَفَنُ الثَّمَرَةِ فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ، وَالسَّمُومُ - يُصِيبُ الثَّمَرَةَ - وَالْعَطَشُ - يُصِيبُ الثَّمَرَةَ مِنْ انْقِطَاعِ مَائِهَا - أَوْ سَمَاءٌ احْتَبَسَتْ عَنْ الثَّمَرَةِ حَتَّى مَاتَتْ، أَتَرَى هَذَا مَنْ الْجَوَائِحِ؟ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَاءِ: إذَا انْقَطَعَ عَنْ الثَّمَرَةِ مَاءُ الْعُيُونِ،


وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي مَا ذَهَبَ مِنْ الثَّمَرَةِ مِنْ قِبَلِ الْمَاءِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ الثَّمَرِ. لِأَنَّ الْبَائِعَ حِينَ بَاعَ الثَّمَرَةَ، إنَّمَا بَاعَهَا عَلَى الْمَاءِ، فَكُلُّ مَا أُصِيبَتْ مِنْ قِبَلِ الْمَاءِ فَإِنَّمَا سَبَبُهُ مِنْ قِبَلِ الْبَائِعِ فَلَا يُشْبِهُ الْمَاءَ مَا سِوَاهُ مِنْ الْجَوَائِحِ.
قُلْتُ: وَمَاءُ السَّمَاءِ إذَا انْقَطَعَ عَنْ الثَّمَرَةِ، أَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ بِمَنْزِلَةِ مَاءِ الْعُيُونِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي مَاءِ الْمَطَرِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: مَا كَانَ مِنْ فَسَادِ الثَّمَرَةِ مِنْ قِبَلِ عَطَشِ الْمَاءِ، وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا. فَأَرَى مَاءَ السَّمَاءِ وَمَاءَ الْعُيُونِ سَوَاءٌ، إذَا كَانَ إنَّمَا حَيَاتُهَا سَقْيُهَا. قَالَ: وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ عَفَنِ الثَّمَرَةِ وَالنَّارِ وَالْبَرَدِ وَالْغَرَقِ وَجَمِيعِ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ، فَكَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِحَةٌ مِنْ الْجَوَائِحِ يُوضَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي إنْ أَصَابَتْ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا. قَالَ: وَهَذَا رَأْيِي فِي جَمِيعِ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْجَيْشِ: يَمُرُّونَ بِالنَّخْلِ فَيَأْخُذُونَ ثَمَرَتَهُ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ جَائِحَةٌ مِنْ الْجَوَائِحِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَنَّ سَارِقًا سَرَقَهَا أَيْضًا كَانَتْ جَائِحَةً فِي رَأْيِي. قَالَ ابْنُ نَافِع: لَيْسَتْ السَّرِقَةُ بِجَائِحَةٍ.

[جَائِحَةُ الْحَائِطُ الْمُسَاقِي]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت نَخْلًا إلَى رَجُلٍ مُسَاقَاةً، فَلَمَّا عَمِلَ أَصَابَتْ الثَّمَرَةَ جَائِحَةُ بَرَدٍ أَوْ جَرَادٌ أَوْ رِيحٌ فَأَسْقَطَهُ، مَا تَقُولُ فِي ذَلِكَ؟ وَهَلْ سَمِعَتْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَرَاهُ جَائِحَةً تُوضَعُ عَنْهُ. وَذَكَرَ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: إذَا كَانَ الَّذِي أَصَابَهُ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ، لَمْ يُوضَعْ عَنْهُ سَقْيُ شَيْءٍ مِنْ الْحَائِط، وَلَزِمَهُ عَمَلُ الْحَائِطِ كُلِّهِ، وَإِذَا أَصَابَتْ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا، كَانَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ سَقَى الْحَائِطَ كُلَّهُ وَإِنْ شَاءَ وُضِعَ عَنْهُ سَقْيُ الْحَائِطِ كُلِّهِ. وَلَقَدْ تَكَلَّمَ بِهِ مَالِكٌ وَأَنَا عِنْدَهُ قَاعِدٌ فَلَمْ أَحْفَظْ تَفْسِيرَهُ، وَكَانَ سَعْدٌ أَقْرَبَ إلَيْهِ مِنِّي فَأَخْبَرَنِي بِهِ سَعْدٌ.

[الرَّجُلُ يَكْتَرِي الْأَرْضَ وَفِيهَا النَّخْلُ فَتُصِيبُهَا جَائِحَةٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت أَرْضًا بَيْضَاءَ وَفِيهَا سَوَادٌ، فَاشْتَرَطْتُ السَّوَادَ أَيَكُونُ ذَلِكَ جَائِزًا قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، إذَا كَانَ السَّوَادُ الثُّلُثَ فَأَدْنَى. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ السَّوَادُ الثُّلُثَ فَأَدْنَى، فَاكْتَرَى الْأَرْضَ وَاشْتَرَطَ السَّوَادَ، فَأَثْمَرَ السَّوَادُ، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ أَتَتْ عَلَى جَمِيعِ الثَّمَرِ، أَيُوضَعُ عَنْ الْمُتَكَارِي شَيْءٌ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يُوضَعُ عَنْهُ شَيْءٌ لِلْجَائِحَةِ، لِأَنَّ السَّوَادَ إنَّمَا كَانَ مُلْغًى وَكَانَ تَبَعًا لِلْأَرْضِ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ أَيْضًا، الدَّارُ يَكْتَرِيهَا الرَّجُلُ وَفِيهَا نَخَلَاتٌ يَسِيرَةٌ فَاشْتَرَطَهَا الْمُتَكَارِي، فَأَصَابَتْ الثَّمَرَةَ جَائِحَةٌ، أَنَّهُ لَا يُوضَعُ لِلْمُتَكَارِي شَيْءٌ مِنْ الْكِرَاءِ لِلَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ مِنْ الثَّمَرَةِ؟ قَالَ نَعَمْ، كَذَلِكَ


قَالَ مَالِكٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا سَأَلْتُكَ عَنْهُ مِنْ الرَّجُلِ الَّذِي يَكْتَرِي الدَّارَ، وَاسْتَثْنَى النَّخْلَ وَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ، لِأَنَّ النَّخْلَ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ، فَأَثْمَرَتْ النَّخْلُ، فَأَصَابَتْ الثَّمَرَةَ جَائِحَةٌ، أَيُوضَعُ عَنْهُ لِذَلِكَ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يُوضَعُ عَنْهُ لِلْجَائِحَةِ مِنْ الْكِرَاءِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. قُلْتُ: وَلِمَ لَا يُوضَعُ عَنْهُ لِلْجَائِحَةِ، وَقَدْ وَقَعَ الْكِرَاءُ عَلَى ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَعَلَى كِرَاءِ الدَّارِ؟ قَالَ: لِأَنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ، وَإِنْ اُشْتُرِطَتْ وَإِنَّمَا هِيَ تَبَعٌ لِلدَّارِ، وَهِيَ تُشْتَرَطُ وَلَيْسَ فِيهَا ثَمَرٌ فَيَجُوزُ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهَا لَغْوٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْت دَارًا وَفِيهَا نَخْلٌ كَثِيرٌ، وَلَيْسَ النَّخْلُ تَبَعًا لِلدَّارِ، فَاكْتَرَيْتُ الدَّارَ وَاشْتَرَطْت مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ مِنْ الثَّمَرَةِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ مِنْ الثَّمَرَةِ قَدْ طَابَ لِلْبَيْعِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ مِنْ الثَّمَرَةِ لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَالْكِرَاءُ بَاطِلٌ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ قَدْ حَلَّ بَيْعُهُ، فَاكْتَرَيْتُ الدَّارَ وَاشْتَرَطْت مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَصَابَتْ الثَّمَرَةَ الَّتِي فِي رُءُوسِ النَّخْلِ جَائِحَةٌ، وَأَصَابَتْ الْجَائِحَةُ ثُلُثَ ثَمَرَةِ النَّخْلِ فَصَاعِدًا؟ قَالَ: يُوضَعُ ذَلِكَ عَنْ الْمُتَكَارِي الَّذِي اشْتَرَطَ ثَمَرَةَ النَّخْلِ. قُلْتُ: وَكَيْفَ يُوضَعُ ذَلِكَ عَنْ الْمُتَكَارِي؟ قَالَ: يَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ ثَمَرَةِ النَّخْلِ يَوْمَ اكْتَرَى الدَّارَ وَإِلَى مِثْلِ كِرَاءِ الدَّارِ، فَيُقَسِّمُ الثَّمَنَ عَلَى ذَلِكَ. فَمَا أَصَابَتْ الثَّمَرَةَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ ثَمَنُ الثَّمَرَةِ، فَإِنْ أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ وُضِعَ عَنْهُ ثُلُثُ الثَّمَنِ، مِنْ حِصَّةِ مَا أَصَابَتْ الثَّمَرَةَ مِنْ جَمِيعِ مَا نَقَدَ الْمُتَكَارِي، وَإِنْ أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ، لَمْ يُوضَعْ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.


[كِتَابُ الشَّرِكَةِ] [فِي الشَّرِكَةِ بِغَيْرِ مَالٍ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الشَّرِكَةِ فِي الشَّرِكَةِ بِغَيْرِ مَالٍ قُلْتُ: لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ تَجُوزُ الشَّرِكَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ بِغَيْرِ مَالٍ مِنْ وَاحِدٍ مَنْ الشَّرِيكَيْنِ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: هَلُمَّ نَشْتَرِكُ: نَشْتَرِي وَنَبِيعُ، يَتَفَاوَضَانِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ فَوَّضَ هَذَا إلَيْهِ هَذَا وَهَذَا إلَيْهِ هَذَا. فَمَا اشْتَرَى هَذَا فَقَدْ فَوَّضَ هَذَا إلَيْهِ وَقَبِلَ شِرَاءَهُ وَضَمِنَ مَعَهُ، وَإِنْ اشْتَرَى هَذَا أَيْضًا كَذَلِكَ، أَتَجُوزُ هَذِهِ الشَّرِكَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ عِنْدِي، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلَيْنِ لَيْسَ لَهُمَا رَأْسُ مَالٍ، أَوْ لَهُمَا رَأْسُ مَالٍ قَلِيلٍ، خَرَجَ أَحَدُهُمَا إلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ وَأَقَامَ الْآخَرُ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: اشْتَرِ هُنَاكَ وَبِعْ، فَمَا اشْتَرَيْتَ وَبِعْتَ فَأَنَا لَهُ ضَامِنٌ مَعَكَ، وَمَا اشْتَرَيْتُ أَنَا وَبِعْتُ فَأَنْتَ لَهُ ضَامِنٌ مَعِي. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ هَذِهِ الشَّرِكَةُ، وَأَحَدُهُمَا يُجَهِّزُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ لَا تَجُوزُ وَإِنْ كَانَا مُقِيمَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ هَذَا عِنْدِي يُكْرَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لِأَنَّ هَذَا يَقُولُ لَهُ تَحَمَّلْ عَنِّي بِنِصْفِ مَا اشْتَرَيْتُ، عَلَى أَنْ أَتَحَمَّلَ عَنْكَ بِنِصْفِ مَا اشْتَرَيْتَ، فَلَا يَجُوزُ هَذَا وَإِنَّمَا الشَّرِكَةُ عَلَى الْأَمْوَالِ أَوْ عَلَى الْأَعْمَالِ بِالْأَبْدَانِ إذَا كَانَتْ الْأَعْمَالُ وَاحِدَةً.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا بِغَيْرِ مَالٍ، عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا الرَّقِيقَ بِوُجُوهِهِمَا، فَمَا اشْتَرَيَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا لَهُمَا رِبْحُهُ وَعَلَيْهِمَا وَضِيعَتُهُ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَا تُعْجِبُنِي هَذِهِ الشَّرِكَةُ، مِثْلُ مَا قَالَ فِي الشَّرِيكَيْنِ اللَّذَيْنِ أَخْبَرْتُكَ بِهِمَا، يَشْتَرِيَانِ وَيَبِيعَانِ، هَذَا فِي بَلَدٍ وَهَذَا فِي بَلَدٍ، وَلَا رَأْسَ مَالٍ لَهُمَا. قُلْتُ: فَإِنْ اجْتَمَعَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَاشْتَرَيَا رَقِيقًا بِوُجُوهِهِمَا وَلَيْسَ لَهُمَا رَأْسُ مَالٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّهُ جَائِزٌ، وَالشَّرِكَةُ فِي هَذِهِ الرَّقِيقِ إذَا اجْتَمَعَا فِي شِرَائِهِمَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، كَانَتْ الرَّقِيقُ بَيْنَهُمَا وَهُمَا شَرِيكَانِ فِي هَذِهِ الرَّقِيقِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ،


هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، لِأَنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ اشْتَرَيَا رَقِيقًا بِنَسِيئَةٍ، كَانَ شِرَاؤُهُمَا جَائِزًا وَكَانَ الرَّقِيقُ بَيْنَهُمَا. قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَيَا هَذِهِ الرَّقِيقَ فِي صَفْقَةٍ بِالدَّيْنِ، عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَمِيلٌ بِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ اللَّذَيْنِ اجْتَمَعَا فِي شِرَاءِ هَذِهِ الرَّقِيقِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَبَيْنَ اللَّذَيْنِ اشْتَرَكَا فِي شِرَاءِ الرَّقِيقِ وَبَيْعِهَا، عَلَى أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فِي كُلِّ مَا يَشْتَرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الرَّقِيقِ وَيَبِيعُ؟ جَوَّزْتَ الشَّرِكَةَ لِلَّذَيْنِ اجْتَمَعَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ تُجِزْهَا لِهَذَيْنِ اللَّذَيْنِ اشْتَرَكَا وَفَوَّضَ بَعْضُهُمَا إلَى بَعْضٍ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْبَائِعَ هَاهُنَا، إنَّمَا وَقَعَتْ عُهْدَتُهُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا إذَا اشْتَرَيَا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ رَضِيَا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَمِيلٌ ضَامِنٌ بِمَا عَلَى صَاحِبِهِ بَعْضُهُمَا عَلَى بَعْضٍ.
وَأَمَّا اللَّذَانِ فَوَّضَ بَعْضُهُمَا إلَى بَعْضٍ، فَالْبَائِعُ إنَّمَا بَاعَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يَبِعْ الْآخَرَ، وَإِنَّمَا اشْتَرَكَا هَذَانِ اللَّذَانِ تَفَاوَضَا بِالذِّمَمِ. وَلَيْسَ تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالذِّمَمِ وَإِنَّمَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالْأَمْوَالِ أَوْ بِالْأَعْمَالِ بِالْأَيْدِي.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقْعَدْت رَجُلًا فِي حَانُوتِي وَقُلْت لَهُ: أَتَقَبَّلُ عَلَيْكَ الْمَتَاعَ وَتَعْمَلُ أَنْتَ، عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ فَبَيْنَنَا نِصْفَيْنِ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّرِكَةَ بِغَيْرِ مَالٍ أَتَجُوزُ؟ قَالَ: الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ، أَنَّ الشَّرِكَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا عَلَى التَّكَافُؤِ فِي الْأَمْوَالِ، وَمَا سَمِعْتُ مِنْهُ فِي الذِّمَمِ شَيْئًا. قَالَ: وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ الشَّرِكَةَ بِالذِّمَمِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا تَصْلُحُ الشَّرِكَةُ إلَّا فِي الْمَالِ وَالْعَيْنِ وَالْعَمَلِ، وَلَا تَصْلُحُ الشَّرِكَةُ بِالذِّمَمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ شِرَاؤُهُمَا فِي سِلْعَةٍ حَاضِرَةٍ أَوْ غَائِبَةٍ، إذَا حَضَرَا جَمِيعًا الشِّرَاءَ وَكَانَ أَحَدُهُمَا حَمِيلًا بِالْآخَرِ. قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَكَا بِغَيْرِ مَالٍ اشْتَرَكَا بِوُجُوهِهِمَا، عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا بِالدَّيْنِ وَيَبِيعَا. فَاشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِلْعَةً عَلَى حِدَةٍ، أَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ مَا اشْتَرَى صَاحِبُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا تُعْجِبُنِي هَذِهِ الشَّرِكَةُ. قُلْتُ: أَتَحْفَظُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ السَّاعَةَ، وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ فِي أَوَّلِ مَسَائِلِ الشَّرِكَةِ بِمَا حَفِظْتُ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ عَامِرِ بْنِ مُرَّةَ الْيَحْصُبِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي بِيَعٍ بِنَقْدِ أَحَدِهِمَا، قَالَ رَبِيعَةُ: لَا يَصْلُحُ هَذَا وَقَالَ اللَّيْثُ مِثْلَهُ

[فِي الصُّنَّاعِ يَشْتَرِكُونَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِي حَانُوتٍ وَاحِدٍ وَبَعْضُهُمْ أَعْمَلُ مِنْ صَاحِبِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصَّبَّاغِينَ أَوْ الْخَيَّاطِينَ، إذَا اشْتَرَكُوا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِي حَانُوتٍ وَاحِدٍ، وَبَعْضُهُمْ أَفْضَلُ عَمَلًا مَنْ بَعْضٍ، أَتَجُوزُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمْ؟ قَالَ مَالِكٌ: إذَا اشْتَرَكُوا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِي حَانُوتٍ وَاحِدٍ، فَالشَّرِكَةُ جَائِزَةٌ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالنَّاسُ فِي الْأَعْمَالِ، لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ أَفْضَلَ عَمَلًا مِنْ بَعْضٍ.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #232  
قديم 03-01-2026, 03:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,860
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الثالث
من صــ 594الى صــ 603
الحلقة(232)




[فِي الصَّانِعَيْنِ يَشْتَرِكَانِ بِعَمَلِ أَيْدِيهِمَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحَدَّادِينَ وَالْقَصَّارِينَ وَالْخَيَّاطِينَ وَالْخَرَّازِينَ وَالصَّوَّاغِينَ وَالسَّرَّاجِينَ وَالْفَرَّانِينَ وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْأَعْمَالَ، هَلْ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَشْتَرِكُوا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَتْ الصِّنَاعَةُ وَاحِدَةً، خَيَّاطَيْنِ أَوْ قَصَّارَيْنِ أَوْ حَدَّادَيْنِ أَوْ فَرَّانَيْنِ، اشْتَرَكَا جَمِيعًا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا فِي حَانُوتٍ وَاحِدٍ، فَذَلِكَ جَائِزٌ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَا فَيَعْمَلَانِ هَذَا فِي حَانُوتٍ، وَهَذَا فِي حَانُوتٍ، أَوْ هَذَا فِي قَرْيَةٍ، وَهَذَا فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَا، وَأَحَدُهُمَا حَدَّادٌ وَالْآخَرُ قَصَّارٌ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا حَدَّادَيْنِ جَمِيعًا أَوْ قَصَّارَيْنِ جَمِيعًا عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا عَلَى عَمَلِ أَيْدِيهِمَا وَهُمَا قَصَّارَانِ وَلَا يَحْتَاجَانِ إلَى رَأْسِ مَالٍ، فَاشْتَرَكَا عَلَى أَنَّ عَلَى هَذَا مِنْ الْعَمَلِ الثُّلُثَ، وَعَلَى هَذَا الثُّلُثَيْنِ، عَلَى أَنَّ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ مِنْ كُلِّ مَا يُصِيبَانِ الثُّلُثَ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ مِنْ كُلِّ مَا يُصِيبَانِ الثُّلُثَيْنِ، وَعَلَى أَنَّ عَلَى صَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثَ الضِّيَاعِ، وَعَلَى صَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ ثُلُثَيْ الضِّيَاعِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. مِثْلُ الشَّرِكَةِ فِي الدَّرَاهِمِ. لِأَنَّهُمَا إذَا اشْتَرَكَا بِعَمَلِ أَيْدِيهِمَا، جُعِلَ عَمَلُ أَيْدِيهِمَا مَكَانَ الدَّرَاهِمِ. فَمَا جَازَ فِي الدَّرَاهِمِ جَازَ فِي عَمَلِ أَيْدِيهِمَا. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ قَصَّارُونَ، أَوْ جَمَاعَةٌ حَدَّادُونَ فِي حَانُوتٍ وَاحِدٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ احْتَاجَ الصَّبَّاغُونَ إلَى رَأْسِ مَالٍ أَوْ أَهْلُ الْأَعْمَالِ مِمَّنْ سِوَاهُمْ، كَيْفَ يَشْتَرِكَانِ؟ قَالَ: يُخْرِجَانِ رَأْسَ الْمَالِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، فَيَشْتَرِكَانِ فِي أَعْمَالِهِمَا يَعْمَلَانِ جَمِيعًا. قُلْتُ: فَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ الثُّلُثَيْنِ، وَأَخْرَجَ الْآخَرُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ الثُّلُثَ، عَلَى أَنْ يَعْمَلَا جَمِيعًا فَمَا أَصَابَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ هَذِهِ الشَّرِكَةُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَإِنْ اشْتَرَكَا فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الثُّلُثَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَالْآخَرُ الثُّلُثَيْنِ، فَاشْتَرَكَا عَلَى أَنَّ عَلَى صَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ مِنْ الْعَمَلِ الثُّلُثَيْنِ، وَعَلَى صَاحِبِ الثُّلُثِ مِنْ الْعَمَلِ الثُّلُثَ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ: لِصَاحِبِ الثُّلُثِ الثُّلُثُ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ الثُّلُثَانِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلَيْنِ يَشْتَرِكَانِ عَلَى أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا الثُّلُثَ مَنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَيُخْرِجَ الْآخَرُ الثُّلُثَيْنِ، عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ وَالرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذِهِ الشَّرِكَةِ. قَالَ وَإِنْ اشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا ثُلُثَا رَأْسِ الْمَالِ، وَمِنْ الْآخَرِ الثُّلُثُ، عَلَى أَنَّ عَلَى صَاحِب الثُّلُثَيْنِ ثُلُثَيْ الْعَمَلِ، وَعَلَى صَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثُ الْعَمَلِ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، لِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ الثُّلُثَانِ وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ الثُّلُثُ، وَالْوَضِيعَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ: هَذَا جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الشَّرِيكَانِ فِي الْقِصَارَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَالصِّبَاغَةِ وَجَمِيعِ أَهْلِ الْأَعْمَالِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِأَيْدِيهِمْ، إذَا احْتَاجُوا إلَى رَأْسِ مَالٍ يَعْمَلُونَ بِهِ مَعَ عَمَلِهِمْ بِأَيْدِيهِمْ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمِنْ الْأَعْمَالِ أَعْمَالٌ لَا يَحْتَاجُونَ فِيهَا إلَى رَأْسِ مَالٍ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِكُوا فِي عَمَلِ أَيْدِيهِمْ.

[الْقَصَّارَيْنِ يَشْتَرِكَانِ عَلَى أَنَّ الْمِدَقَّةَ وَالْقُصَارَى مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْحَانُوتَ مِنْ الْآخَرِ نِصْفَانِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَصَّارَيْنِ اشْتَرَكَا، عَلَى أَنَّ الْمِدَقَّةَ وَالْقُصَارَى وَمَتَاعَ الْقِصَارَةِ مَنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا، وَالْحَانُوتَ مَنْ عِنْدِ الْآخَرِ، عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي هَذَا، وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ. إلَّا أَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَأْتِي بِالدَّابَّةِ وَالْآخَرِ بِالرَّحَا، فَيَعْمَلَانِ كَذَلِكَ، اشْتَرَكَا عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ: أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ. فَأَرَى مَسْأَلَتُكَ مِثْلَ هَذَا، أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ إذَا كَانَتْ إجَارَتُهُمْ مُخْتَلِفَةً.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَ قَصَّارَانِ، مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا الْمِدَقَّةُ وَالْقُصَارَى، وَجَمِيعُ الْأَدَاةِ تَطَاوَلَ بِذَلِكَ عَلَى صَاحِبِهِ، عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذِهِ الشَّرِكَةِ إذَا كَانَ لِلْأَدَاةِ قَدْرٌ وَقِيمَةٌ كَبِيرَةٌ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلَيْنِ يَشْتَرِكَانِ فِي الزَّرْعِ، وَتَكُونُ الْأَرْضُ لِأَحَدِهِمَا، لَهَا قَدْرٌ مِنْ الْكِرَاءِ، فَاشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يُلْغِيَ صَاحِبُ الْأَرْضِ كِرَاءَهَا لِصَاحِبِهِ، وَيُخْرِجَا مَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْعَمَلِ وَالْبَذْرِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، قَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُخْرِجَ الَّذِي لَا أَرْضَ لَهُ نِصْفَ كِرَاءِ الْأَرْضِ وَيَكُونَ جَمِيعُ الْعَمَلِ وَالْبَذْرِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ. فَكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ فِي الْعَمَلِ بِالْأَيْدِي لَا تَصْلُحُ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَدَاةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ أَدَاةُ الْعَمَلِ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا، فَاسْتَأْجَرَ شَرِيكُهُ الَّذِي لَا أَدَاةَ عِنْدَهُ نِصْفَ تِلْكَ الْأَدَاةِ، وَاشْتَرَكَا عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؟ قَالَ: هَذَا جَائِزٌ، مِثْلُ الشَّرِيكَيْنِ فِي الزَّرْعِ - وَالْأَرْضُ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا - عَلَى أَنَّ نِصْفَ كِرَاءِ الْأَرْضِ عَلَى شَرِيكِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَطَاوَلَ عَلَيْهِ بِالشَّيْءِ الْقَلِيلِ مِنْ أَدَاةِ الْقِصَارَةِ مِثْلُ الْمِدَقَّةِ وَالْقَصْرِيَّةِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا تَافِهًا لَا قَدْرَ لَهُ فِي الْكِرَاءِ، فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا. لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الشَّرِيكَيْنِ فِي الزَّرْعِ، يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا الْأَرْضُ، وَلَا خَطْبَ لَهَا فِي الْكِرَاءِ فَرُبَّ بُلْدَانٍ، لَا تَكُونُ لِلْأَرْضِ عِنْدَهُمْ كَبِيرُ كِرَاءٍ، مِثْلُ بَعْضِ أَرْضِ الْمَغْرِبِ وَمَا أَشْبَهَهَا، تَكُونُ الْأَرْضُ الْعَظِيمَةُ كِرَاؤُهَا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ. قَالَ مَالِكٌ: فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُلْغِيَ كِرَاءَ الْأَرْضِ، فَلَا يَأْخُذُ لَهَا كِرَاءً، إذَا كَانَ كِرَاؤُهَا تَافِهًا يَسِيرًا، وَيَكُونُ مَا بَقِيَ بَعْدَ كِرَاءِ هَذِهِ الْأَرْضِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ.

[الرِّجَالِ يَأْتِي أَحَدُهُمْ بِالْبَيْتِ وَآخَرُ بِالرَّحَا وَآخَرُ بِالْبَغْلِ فَيَشْتَرِكُونَ عَلَى أَنَّ مَا أَطْعَمَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكْنَا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ: لِي بَيْتٌ وَلِصَاحِبِي الرَّحَا وَلِصَاحِبِي الْآخَرِ


الْبَغْلُ عَلَى أَنَّ مَا أَصَبْنَا مَنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَنَا سَوَاءٌ. وَجَهِلْنَا أَنْ يَكُونَ هَذَا غَيْرَ جَائِزٍ، فَعَمِلْنَا عَلَى هَذَا فَأَصَبْنَا مَالًا؟ قَالَ: يُقَسَّمُ الْمَالُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا إنْ كَانَ كِرَاءُ الْبَيْتِ وَالدَّابَّةِ وَالرَّحَا مُعْتَدِلًا قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا قَالَ: يُقَسَّمُ الْمَالُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، لِأَنَّ رُءُوسَ أَمْوَالِهِمْ عَمَلُ أَيْدِيهِمْ، فَقَدْ تَكَافَئُوا فِيهِ. وَيَرْجِعُ مَنْ لَهُ فَضْلُ كِرَاءٍ فِي مَتَاعِهِ عَلَى صَاحِبِهِ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا شَيْئًا؟ قَالَ: يَتَرَادُّونَ الْفَضْلَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَيَرْجِعُ بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، إنْ لَمْ يُصِيبُوا شَيْئًا بِفَضْلِ الْكِرَاءِ، وَهُوَ عِنْدِي مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلَيْنِ يَشْتَرِكَانِ، يَأْتِي أَحَدُهُمَا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَالْآخَرُ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا، عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا بِنِصْفَيْنِ. قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ وَيُقَسِّمَانِ الرِّبْحَ عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، وَيُقَامُ لِصَاحِبِ الْخَمْسِينَ الزَّائِدَةِ عَمَلُهُ فِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا. لِأَنَّ الْخَمْسِينَ الزَّائِدَةَ عَمِلَا فِيهَا جَمِيعًا، فَعَمِلَ صَاحِبُ الْخَمْسِينَ الزَّائِدَةِ فِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْهَا، وَعَمِلَ صَاحِبُهُ فِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْهَا مِنْ الْخَمْسِينَ الزَّائِدَةِ، فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ. فَإِنْ لَمْ يَرْبَحَا وَوَضَعَا، كَانَتْ الْوَضِيعَةُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، وَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْخَمْسِينَ أَجْرُ عَمَلِهِ فِي الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ الزَّائِدَةِ الَّتِي عَمِلَ فِيهَا. قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَأْتِي بِالرَّحَا وَيَأْتِي الْآخَرُ بِالدَّابَّةِ، يَعْمَلَانِ جَمِيعًا، عَلَى أَنَّ مَا اكْتَسَبَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا. قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ، فَسَّرْنَا مَا سَأَلْتَنَا عَنْهُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي كَرِهَهَا مَالِكٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكُوا عَلَى أَنَّ الرَّحَا مِنْ أَحَدِهِمْ وَالْبَيْتَ مَنْ آخَرَ وَالدَّابَّةَ مِنْ آخَرَ، عَلَى أَنَّ عَلَى رَبِّ الْبَغْلِ الْعَمَلَ فَعَمِلَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: الْعَمَلُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ الَّذِي عَمِلَ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ الرَّحَا وَالْبَيْتِ. قُلْتُ: وَإِنْ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا.
قُلْتُ: لِمَ جَعَلْتَ جَمِيعَ الْعَمَلِ لِهَذَا الَّذِي شَرَطُوا عَلَيْهِ الْعَمَلَ، وَلَمْ تَجْعَلْ أَصْحَابَهُ مَعَهُ شُرَكَاءَ فِي الرَّحَا وَالْبَيْتِ، وَقَدْ أَشْرَكْتَ بَيْنَ الَّذِينَ عَمِلُوا بِأَيْدِيهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؟ قَالَ: لِأَنَّ أُولَئِكَ لَمْ يُسَلِّمْ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ مَا فِي يَدَيْهِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ آجَرَ بَعْضًا سِلْعَتَهُ، عَلَى أَنْ اشْتَرَكُوا فِي الْعَمَلِ بِأَيْدِيهِمْ. وَأَنَّ هَذَا الَّذِي سَأَلْتَ الَّذِي شَرَطَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ وَحْدَهُ وَلَمْ يَعْمَلْ أَصْحَابُهُ مَعَهُ، أَسْلَمَ إلَيْهِ الرَّحَا وَالْبَيْتَ فَعَمِلَ بِهَا، فَهُوَ كَأَنَّهُ أُعْطَى رَحًا وَبَيْتًا، وَقِيلَ لَهُ اعْمَلْ فِيهِ، عَلَى أَنَّ لَك نِصْفَ مَا تَكْتَسِبُ وَلَنَا النِّصْفَ أَوْ الثُّلُثَ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتَأْجَرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِثُلُثِ أَوْ بِنِصْفِ مَا يَكْتَسِبُ فِيهَا. فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِهَا.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ دَابَّتَهُ أَوْ سَفِينَتَهُ، يَعْمَلُ عَلَيْهَا عَلَى أَنَّ نِصْفَ مَا يَكْسِبُ عَلَيْهَا، قَالَ: مَا أَصَابَ عَلَى الدَّابَّةِ أَوْ السَّفِينَةِ فَهُوَ لَهُ، وَيُعْطِي رَبَّ الدَّابَّةِ أَجْرَ مِثْلِهَا. فَالرَّحَا وَالْبَيْتُ عِنْدِي مِثْلُ الدَّابَّةِ الَّتِي يَعْمَلُ عَلَيْهَا عَلَى النِّصْفِ عِنْدَ مَالِكٍ.


وَإِنَّمَا قَسَّمْتُ الْمَالَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْأَبَدَانِ، وَجَعَلْتُ الْأَبْدَانَ رُءُوسَ أَمْوَالِهِمْ. لِأَنَّ مَا أَخْرَجُوا مِنْ الْمَتَاعِ لَهُ أُجْرَةٌ، وَقَدْ تَكَافَئُوا فِي عَمَلِهِمْ بِأَيْدِيهِمْ. فَإِذَا كَانَ إجَارَةُ مَا أَخْرَجُوا مِنْ الْمَتَاعِ مُعْتَدِلًا، فَقَدْ أَكْرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَتَاعَهُ بِمَتَاعِ صَاحِبِهِ، وَكَانَتْ الشَّرِكَةُ صَحِيحَةً.
أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ أَرَادُوا أَنْ يَشْتَرِكُوا - وَالْمَتَاعُ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمْ - فَاكْتَرَوْا مِنْهُ ثُلُثَيْ مَا فِي يَدَيْهِ، لَجَازَتْ شَرِكَتُهُمْ إذَا اعْتَدَلَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بَيْنَهُمْ؟ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ عَلَى حِدَةٍ، وَكِرَاؤُهُمْ مُعْتَدِلًا، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَأَنَّهُ أَكْرَى مَتَاعَهُ بِمَتَاعِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا أَعْطَى مَنْ لَهُ فَضْلٌ مَا بَقِيَ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَمْ تَكُنْ الدَّوَابُّ رُءُوسَ أَمْوَالٍ مِثْلُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إذَا اخْتَلَفَتْ، بِأَنْ يُخْرِجَ هَذَا مِائَتَيْنِ وَهَذَا مِائَةً وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا شَطْرَيْنِ وَالْوَضِيعَةُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ الرِّبْحُ لِرَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَاجِرَ وَالرِّجَالُ يُؤَاجِرُونَ، فَيُقَسِّمُ الْفَضْلَ عَلَى الْمَالِ وَيُعْطِي الرِّجَالَ الَّذِينَ تَجُوزُ إجَارَتُهُمْ عَمَلَ مِثْلِهِمْ، فِيمَا أَعَانُوا مَنْ لَهُ الْفَضْلُ فِي رَأْسِ مَالِهِ، كَانَ فِي ذَلِكَ رِبْحٌ أَوْ وَضِيعَةٌ. أَوْ لَا تَرَى لَوْ أَنَّ صَاحِبَ الْمِائَتَيْنِ، شَرَطَ عَلَى صَاحِبِ الْمِائَةِ الْعَمَلَ لَكَانَ فَاسِدًا.
فَإِنْ وَقَعَ فَضْلٌ أَوْ كَانَتْ وَضِيعَةٌ، فَعَلَى الْمَالِ وَلِلْمَالِ، لِأَنَّهُ لَا يُؤَاجِرُ وَهُوَ رَأْسُ الْمَالِ. وَأَعْطَى الْعَامِلَ أُجْرَةَ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ فِي صَاحِبِ الْمِائَتَيْنِ؟ أَوْ لَا تَرَى أَنَّ الَّذِينَ اشْتَرَكُوا بِأَيْدِيهِمْ وَأَخْرَجُوا الرَّحَا وَالْبَيْتَ وَالْبَغْلَ، لَمَّا شَرَطُوا الْعَمَلَ عَلَى رَبِّ الْبَغْلِ، كَانَ الرِّبْحُ لَهُ وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَجْرُ الرَّحَا وَالْبَيْتِ، لِأَنَّ لَهُمْ أَجْرَهُ وَصَارَ عَمَلُهُ كَأَنَّهُ رَأْسُ الْمَالِ؟ وَهَذَا مَذْهَبُ أَصْلِ قَوْلِ مَالِكٍ

[فِي الصَّانِعَيْنِ الْمُشْتَرِكَيْنِ بِعَمَلِ أَيْدِيهِمَا يَمْرَضُ أَحَدُهُمَا أَوْ يَغِيبُ]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَصَّارَيْنِ أَوْ حَدَّادَيْنِ أَوْ أَهْلَ الصِّنَاعَاتِ كُلَّهُمْ اشْتَرَكَا، أَهْلُ نَوْعٍ، عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا، فَمَرِضَ أَحَدُهُمَا وَعَمِلَ الْآخَرُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا اشْتَرَكَا وَكَانَا فِي حَانُوتٍ، فَمَرِضَ أَحَدُهُمَا وَعَمِلَ الْآخَرُ، وَالْعَمَلُ بَيْنَهُمَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَكَذَلِكَ إنْ غَابَ أَحَدُهُمَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَعَمِلَ الْآخَرُ، فَالْعَمَلُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ جَائِزٌ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَكِنْ إنْ مَرِضَ فَتَطَاوَلَ بِهِ مَرَضُهُ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، وَغَابَ فَتَطَاوَلَ ذَلِكَ، فَهَذَا يَتَفَاحَشُ. فَإِنْ عَمِلَ الْحَاضِرُ وَالصَّحِيحُ، فَأُحِبُّ أَنْ يَجْعَلَ نِصْفَ الْعَمَلِ لِشَرِيكِهِ الْغَائِبِ أَوْ الْمَرِيضِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، كَانَ بَيْنَهُمَا فِي أَصْلِ الشَّرِكَةِ أَنَّهُ: مَنْ مَرِضَ مِنَّا الْمَرَضَ الطَّوِيلَ، أَوْ غَابَ مِثْلَ الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ، فَمَا عَمِلَ الْآخَرُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا الشَّرْطُ، وَأَرَادَ الْعَامِلُ أَنْ يُعْطِيَ الْمَرِيضَ أَوْ الْغَائِبَ نِصْفَ مَا عَمِلَ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ بَيْنَهُمَا فَالشَّرِكَةُ فَاسِدَةٌ. قُلْتُ: تَحْفَظُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَرَضِ الطَّوِيلِ وَالْغَيْبَةِ الطَّوِيلَةِ؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: يَتَعَاوَنُ الشَّرِيكَانِ


فِي الْمَرَضِ وَالشُّغْلِ فَحَمَلْتُ أَنَا ذَلِكَ عَلَى الْمَرَضِ الْخَفِيفِ وَالْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ بَيْنَهُمَا وَأَفْسَدَتْ هَذِهِ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا، كَيْفَ يَصْنَعُ بِمَا عَمِلَا؟ قَالَ: يَكُونُ مَا عَمِلَا إلَى يَوْمِ مَرِضَ أَوْ غَابَ، بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِمَا.
وَمَا عَمِلَ الصَّحِيحُ بَعْدَ الْمَرِيضِ أَوْ الْحَاضِرُ بَعْدَ الْغَائِبِ فَذَلِكَ لِلْعَامِلِ، وَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِهِ فِيهِ شَيْءٌ.

[فِي الصَّانِعَيْنِ الشَّرِيكَيْنِ بِعَمَلِ أَيْدِيهِمَا يَضْمَنُ أَحَدُهُمَا مَا دَفَعَ إلَيْهِ شَرِيكِهِ يَعْمَلُهُ]
فِي الصَّانِعَيْنِ الشَّرِيكَيْنِ بِعَمَلِ أَيْدِيهِمَا يَضْمَنُ أَحَدُهُمَا مَا دَفَعَ إلَى شَرِيكِهِ يَعْمَلُهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَصَّارَيْنِ اشْتَرَكَا أَوْ خَيَّاطَيْنِ، أَيَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَقْبَلُ صَاحِبُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: شَرِكَتُهُمَا جَائِزَةٌ. فَأَرَى ضَمَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَائِزًا عَلَى صَاحِبِهِ، وَصَاحِبُهُ ضَامِنٌ لِمَا ضَمِنَ هَذَا. فَأَرَى أَنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَمَانَ مَا ضَمِنَ صَاحِبُهُ مِنْ عَمَلِهِمَا.

[الشَّرِيكَيْنِ بِعَمَلِ أَيْدِيهِمَا يَدْفَعُ إلَيْهِ أَحَدِهِمَا الْعَمَلَ يَعْمَلُهُ فَيَغِيبُ أَوْ يُفَاصِلُ شَرِيكَهُ أَيُلْزَمُ بِمَا دَفَعَ إلَيْهِ شَرِيكِهِ]
الشَّرِيكَيْنِ بِعَمَلِ أَيْدِيهِمَا يَدْفَعُ إلَى أَحَدِهِمَا الْعَمَلَ يَعْمَلُهُ فَيَغِيبُ أَوْ يُفَاصِلُ شَرِيكَهُ أَيُلْزَمُ بِمَا دَفَعَ إلَى شَرِيكِهِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا لِيَخِيطَهُ، فَغَابَ الَّذِي دَفَعْت إلَيْهِ الثَّوْبَ فَأَصَبْتُ شَرِيكَهُ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أُلْزِمَهُ بِخِيَاطَةِ الثَّوْبِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ افْتَرَقَا، فَلَقِيتُ الَّذِي لَمْ ادْفَعْ إلَيْهِ الثَّوْبَ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أُلْزِمَهُ بِخِيَاطَةِ الثَّوْبِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: لِمَ وَقَدْ افْتَرَقَا؟ قَالَ: لِأَنَّ عُهْدَتَكَ وَقَعَتْ عَلَيْهِمَا قَبْلَ فُرْقَتِهِمَا، فَلَكَ أَنْ تَأْخُذَ أَيَّهُمَا شِئْتَ بِعَمَلِكَ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ.

قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَنِّي بِعْتُ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ، ثُمَّ افْتَرَقَا، فَلَقِيتُ الَّذِي لَمْ أَبِعْهُ شَيْئًا بَعْد فُرْقَتِهِمَا، أَيَكُونُ لِي أَنْ آخُذَهُ بِالدَّيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ عُهْدَتَكَ وَقَعَتْ عَلَيْهِمَا قَبْلَ فُرْقَتِهِمَا. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِمَا عَلَى صَاحِبِهِ

[فِي شَرِكَةِ الْأَطِبَّاءِ وَالْمُعَلِّمِينَ]
َ قُلْتُ: هَلْ تَجُوزُ شَرِكَةُ الْأَطِبَّاءِ، يَشْتَرِكُ رَجُلَانِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، يُعَالِجَانِ وَيَعْمَلَانِ، فَمَا رَزَقَ اللَّهُ فَبَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْمُعَلِّمَيْنِ يَشْتَرِكَانِ فِي تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ، عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ فَبَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؟ قَالَ: إنْ كَانَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ: وَإِنْ تَفَرَّقَا فِي مَجْلِسِهِمَا فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَكَذَلِكَ الْأَطِبَّاءُ عِنْدِي، إذَا كَانَ مَا يَشْتَرِيَانِهِ مِنْ الْأَدْوِيَةِ، إنْ كَانَ لَهُ رَأْسُ مَالٍ يَكُونُ بَيْنَهُمَا جَمِيعًا بِالسَّوِيَّةِ.


[فِي شَرِكَةِ الْحَمَّالَيْنِ عَلَى رُءُوسِهِمَا أَوْ دَوَابِّهِمَا]
قُلْتُ: هَلْ تَجُوزُ الشَّرِكَةُ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - بَيْنَ الْجَمَّالِينَ وَالْبَغَّالِينَ وَالْحَمَّالِينَ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَجَمِيعِ الْأَكْرِيَاءِ الَّذِينَ يَكْرُونَ الدَّوَابَّ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. قُلْتُ: لِمَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؟ وَلِمَ لَا يُجْعَلُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الشَّرِكَةِ فِي عَمَلِ الْأَيْدِي؟ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا، لَمْ يُجَوِّزْ الشَّرِكَةَ فِي عَمَلِ الْأَيْدِي إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا فِي حَانُوتٍ وَاحِدٍ، وَيَكُونَ عَمَلُهُمَا نَوْعًا وَاحِدًا، سَرَّاجَيْنِ أَوْ خَيَّاطَيْنِ، وَدَوَابُّ هَذَا تَعْمَلُ فِي نَاحِيَةٍ، وَدَوَابُّ هَذَا تَعْمَلُ فِي نَاحِيَةٍ، فَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ، إلَّا أَنْ يَعْمَلَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لَا يَخْتَلِفَانِ، مِثْلُ أَنْ يَتَقَبَّلَا الشَّيْءَ يَحْمِلَانِهِ جَمِيعًا، وَيَتَعَاوَنَانِ فِيهِ جَمِيعًا. أَلَا تَرَى أَيْضًا أَنَّ الشَّرِكَةَ لَا تَجُوزُ بَيْنَ أَهْلِ الصِّنَاعَاتِ إذَا كَانَتْ الْأَدَاةُ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ؟ وَلَمْ يُجَوِّزْ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا إذَا كَانَتْ الْأَدَاةُ بَعْضُهَا مِنْ هَذَا وَبَعْضُهَا مِنْ هَذَا، إذَا كَانَتْ الْأَدَاةُ كَثِيرَةً لَهَا قِيمَةٌ مُخْتَلِفَةٌ، حَتَّى يَكُونَا شَرِيكَيْنِ فِي جَمِيعِ الْأَدَاةِ. فَتَكُونُ الْأَدَاةُ الَّتِي يَعْمَلَانِ بِهَا بَيْنَهُمَا جَمِيعًا، فَمَا ضَاعَ مِنْهَا أَوْ تَلِفَ، فَمِنْهُمَا جَمِيعًا. وَمَا سَلِمَ مِنْهَا فَمِنْهُمَا جَمِيعًا. وَإِنْ كَانَتْ الْأَدَاةُ تَافِهَةً يَسِيرَةً، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَاوَلَ بِهَا أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. فَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ بِالدَّوَابِّ غَيْرُ جَائِزَةٍ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الَّذِي لَا أَدَاةَ لَهُ مَنْ شَرِيكِهِ نِصْفَ الْأَدَاةِ، وَاشْتَرَكَا كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا عَلَى مِثْلِ الشَّرِكَةِ فِي الْأَرْضِ. وَقَدْ فَسَّرْتُ لَكَ ذَلِكَ.

قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ رَوَى ابْنُ غَانِمٍ فِي شَرِكَةِ الْحَرْثِ عَنْ مَالِكٍ اخْتِلَافًا فِيمَا يُخْرِجَانِ مِنْ الْبَقَرِ وَالْأَدَاةِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ الْبَقَرُ وَالْأَدَاةُ بَيْنَهُمَا، فَتَكُونَ الْمُصِيبَةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا. وَرَوَى غَيْرُهُ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ - إذَا كَانَ مَا يُخْرِجُ هَذَا مِنْ الْبَقَرِ وَالْأَدَاةِ، وَيُخْرِجُ مِنْ الْمُمْسِكِ وَالْأَرْضِ مُسْتَوِيَةً فِي كِرَائِهِ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بَعْدَ أَنْ يَعْتَدِلَا فِي الزَّرِيعَةِ. قُلْتُ: فَمَا تَقُولُ فِي الدَّابَّةِ، تَكُونُ لِرَجُلٍ، فَيَأْتِيهِ رَجُلٌ فَيَسْتَأْجِرُ نِصْفَهَا، ثُمَّ يَشْتَرِكَانِ فِي الْعَمَلِ عَلَيْهَا، فَمَا أَصَابَا فَبَيْنَهُمَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَمَا سَمِعْتُ فِي هَذَا شَيْئًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِي بَغْلٌ وَلِصَاحِبِي بَغْلٌ، فَاشْتَرَكْنَا عَلَى الْحُمُولَةِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَى الْبَغْلَيْنِ؟ قَالَ: مَا أَرَى بَأْسًا إذَا كَانَا يَحْمِلَانِ جَمِيعًا. فَيَحْمِلَانِ عَلَى دَابَّتَيْهِمَا، لِأَنَّ هَذَيْنِ يَصِيرُ عَمَلُهُمَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ. وَهَذَا رَأْيِي، مِثْلُ أَنْ يَتَقَبَّلَا الشَّيْءَ يَحْمِلَانِهِ إلَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَا يَعْمَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ فَلَا خَيْرَ فِيهِ.

[فِي الرَّجُلَيْنِ يَشْتَرِكَانِ عَلَى أَنْ يَحْتَشَّا أَوْ يَحْتَطِبَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ دَوَابِّهِمَا]
قُلْتُ: هَلْ يَجُوزُ لِلشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَشْتَرِكَا، عَلَى أَنْ يَحْتَطِبَا الْحَطَبَ، فَمَا احْتَطَبَا مَنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؟ قَالَ: إنْ كَانَا يَعْمَلَانِ جَمِيعًا مَعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَا يَحْتَطِبَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ، فَمَا حَطَبَ هَذَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا وَمَا


حَطَبَ هَذَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ، مِثْلُ مَا قَالَ فِي الْخَيَّاطَيْنِ يَعْمَلَانِ، هَذَا فِي حَانُوتٍ وَهَذَا فِي حَانُوتٍ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَحْتَشَّا الْحَشِيشَ، أَوْ يَجْمَعَا بَقْلَ الْبَرِّيَّةِ وَأَثْمَارَ الْبَرِّيَّةِ فَيَبِيعَانِهِ، فَمَا بَاعَا بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، أَوْ اشْتَرَكَا عَلَى أَنَّهُمَا إذَا جَمَعَا ذَلِكَ اقْتَسَمَاهُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: إنْ كَانَا يَعْمَلَانِ ذَلِكَ مَعًا، فَمَا احْتَشَّا اقْتَسَمَاهُ بَيْنَهُمَا، أَوْ مَا جَمَعَا مِنْ الثِّمَارِ أَوْ بَاعَا مِنْ ذَلِكَ، فَالثَّمَنُ بَيْنَهُمَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَحْتَطِبَا عَلَى دَوَابِّهِمَا، أَوْ عَلَى غِلْمَانِهِمَا، أَوْ يَحْتَشَّا عَلَيْهِمْ، أَوْ يَلْقُطَا الْحَبَّ أَوْ الثِّمَارَ، أَوْ يَحْمِلَاهُ عَلَى الدَّوَابِّ فَيَبِيعَانِ ذَلِكَ، أَتَجُوزُ هَذِهِ الشَّرِكَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: إذَا كَانَا جَمِيعًا، يَعْمَلَانِ فِي عَمَلٍ وَاحِدٍ لَا يَفْتَرِقَانِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ. وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ لَوْ عَمِلَا بِأَيْدِيهِمَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الزَّرْعِ يَشْتَرِكَانِ فِيهِ، فَيَأْتِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِثَوْرِهِ وَبِغُلَامِهِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ أَدَاةِ الْحَرْثِ - قَالَ مَالِكٌ: هَذَا جَائِزٌ، وَهَذَا بِمَنْزِلَتِهِ.

قُلْتُ: فَمَا تَقُولُ فِي الرَّجُلَيْنِ يُخْرِجَانِ دَابَّتَيْهِمَا، عَلَى أَنْ يُكْرِيَاهُمَا، وَيَعْمَلَا جَمِيعًا مَعًا، فَمَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي هَذَا، لِأَنَّ الْكِرَاءَ، رُبَّمَا أَكْرَى أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُكْرِ الْآخَرُ، وَلَيْسَ هُوَ أَمْرًا يَدُومُ الْعَمَلَ عَلَيْهِمَا، مِثْلُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ يَعْمَلَانِ بِأَيْدِيهِمَا، ذَانِكَ يَعْمَلَانِ فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ مِمَّا اسْتَعْمَلَا، وَلَوْ أَجَزْتُ لَكَ هَذَا لَأَجَزْتُ لَكَ أَنْ يَشْتَرِكَ الرَّجُلَانِ، عَلَى أَنْ يَحْمِلَا عَلَى رِقَابِهِمَا. فَهَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى أَنْ يَكُونَا حَمَّالَيْنِ عِنْدِي، لِأَنَّ هَذَا يَحْمِلُ إلَى حَارَةِ بَنِي فُلَانٍ، وَهَذَا إلَى حَارَةِ بَنِي فُلَانٍ، وَالْعَمَلُ مُفْتَرَقٌ. وَلَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ فِيهِ، وَكِرَاءُ الدَّوَابِّ كَذَلِكَ عِنْدِي، وَهُوَ مُفْتَرِقٌ. وَلَا أَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا أَقُومُ لَك عَلَيْهِ السَّاعَةَ، إلَّا أَنْ يَكُونَا مُجْتَمَعَيْنِ فِي كُلِّ مَا يَعْمَلَانِ وَلَا يَفْتَرِقَانِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ مِنْ افْتِرَاقِهِمَا فَلَا خَيْرَ فِيهِ.

[اشْتَرَكَا فِي صَيْدِ سَمَك أَوْ طَيْر أَوْ وَحْش فِي نَصْبِ الشَّرَكِ وَصَيْد الْبُزَاة وَالْكِلَابِ]
ِ قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَكَا عَلَى صَيْدِ السَّمَكِ وَصَيْدِ الطَّيْرِ وَصَيْدِ الْوَحْشِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَا يَعْمَلَانِ جَمِيعًا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَكَ صَيَّادَانِ، يَصِيدَانِ السَّمَكَ أَوْ الطَّيْرَ بِالشِّبَاكِ أَوْ الشَّرَكِ أَوْ الْوَحْشِ، فَهُوَ عَلَى مَا وَصَفْتَ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا فِي نَصْبِ الشَّرَكِ وَالْحِبَالَاتِ لِلطَّيْرِ وَالْوَحْشِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: إذَا كَانَا يَعْمَلَانِ جَمِيعًا فَلَا بَأْسَ بِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا فِي صَيْدِ الْبُزَاةِ وَصَيْدِ الْكِلَابِ، عَلَى أَنَّ مَا صَادَا بِبَازَيْهِمَا أَوْ بِكَلْبَيْهِمَا فَذَلِكَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْبُزَاةُ وَالْكِلَابُ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَكُونَ الْبَازَانِ يَتَعَاوَنَانِ وَالْكَلْبَانِ، فَيَكُونَ طَلَبُهُمَا وَاحِدًا وَأَخْذُهُمَا وَاحِدًا، فَلَا يَفْتَرِقَانِ فِي ذَلِكَ.


[فِي الشَّرِكَةِ فِي حَفْرِ الْقُبُورِ وَالْمَعَادِنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا فِي حَفْرِ الْقُبُورِ وَحَفْرِ الْمَعَادِنِ وَالْآبَارِ وَالْعُيُونِ وَبِنَاءِ الْبُنْيَانِ وَعَمَلِ الطِّينِ وَضَرْبِ اللَّبِنِ وَطَبْخِ الْقَرَامِيدِ وَقَطْعِ الْحِجَارَةِ مِنْ الْجِبَالِ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ كُلُّهُ عِنْدَ مَالِك لِأَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي هَذَا جَمِيعًا مَعًا. فَإِنْ كَانَ يَعْمَلُ هَذَا فِي نَاحِيَةٍ وَهَذَا فِي نَاحِيَةٍ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْأَعْمَالِ بِالْأَيْدِي، لَا يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَعْمَلَا، إلَّا فِي حَانُوتٍ وَاحِدٍ. فَكَذَلِكَ هَذَانِ، لَا يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَعْمَلَا إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا فِي حَفْرِ الْمَعَادِنِ؟ قَالَ: مَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، إذَا كَانَا يَعْمَلَانِ جَمِيعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، يَحْفِرَانِ فِيهِ، وَلَا يَعْمَلُ هَذَا فِي غَارٍ وَهَذَا فِي غَارٍ. قُلْتُ: فَإِذَا عَمِلَا فِي الْمَعَادِنِ جَمِيعًا، فَمَا أَدْرَكَا مِنْ نَيْلٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ مَا أَدْرَكَا النَّيْلَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الْمَعَادِنِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، لِأَنَّهَا إذَا مَاتَ صَاحِبُهَا الَّذِي عَمِلَهَا، أَقْطَعَهَا السُّلْطَانُ لِغَيْرِهِ، فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا. فَأَرَى الْمَعَادِنَ لَا تُورَثُ، لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ صَاحِبُهُ رَجَعَ إلَى السُّلْطَانِ يَرَى فِيهِ رَأْيَهُ، وَيُقْطِعُهُ لِمَنْ يَرَى.
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّا ظَهَرَ مِنْ الْمَعَادِنِ، مِثْلُ مَعَادِنِ إفْرِيقِيَّةَ مَاذَا تَرَى فِيهَا؟ قَالَ: أَرَى ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ يُقْطِعُهَا لِلنَّاسِ يَعْمَلُونَهَا، وَلَا يَرَاهَا لِأَهْلِ الْبَلَدِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا فِي حَفْرِ الْكُحْلِ وَالزِّرْنِيخِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، أَيَكُونُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَجْعَلَهُ مِثْلَ الْمَعَادِنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ أَمْ يَجْعَلُهُ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ؟ وَمَا كَانَ مِنْ مَعَادِنِ النُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَالْجَوْهَرِ كُلُّهُ، كَيْفَ يَكُونُ سَبِيلُهُ؟ قَالَ: أَرَى سَبِيلَهُ مِثْلَ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي مَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، إذَا مَاتَ الْعَامِلُ صَنَعَ السُّلْطَانُ فِيهَا، مِثْلَ مَا يَصْنَعُ فِي مَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.

[فِي الشَّرِكَةِ فِي طَلَبِ اللُّؤْلُؤِ وَالْعَنْبَرِ وَمَا يَقْذِفُ الْبَحْرُ]
ُ قُلْتُ: أَتَجُوزُ الشَّرِكَةُ فِي اسْتِخْرَاجِ اللُّؤْلُؤِ مِنْ الْبَحْرِ، وَطَلَبِ الْعَنْبَرِ عَلَى ضِفَّةِ الْبَحْرِ، وَجَمِيعِ مَا يَقْذِفُ بِهِ الْبَحْرُ، وَالْغَوْصِ فِي الْبَحْرِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، إذَا كَانَا يَعْمَلَانِ جَمِيعًا بِمَنْزِلَةِ مَا يَكُونَانِ فِي الْمَرْكَبِ، يَرْكَبَانِ جَمِيعًا وَيَقْذِفَانِ جَمِيعًا وَيَتَعَاوَنَانِ جَمِيعًا. وَكَذَلِكَ الصَّيَّادَانِ يَخْرُجَانِ جَمِيعًا فِي الْمَرْكَبِ، فَيَقْذِفَانِ جَمِيعًا وَيَصْطَادَانِ وَيَتَعَاوَنَانِ جَمِيعًا فِيمَا يَحْتَاجَانِ إلَيْهِ. قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِذَا كَانَا يَعْمَلَانِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِثْلُ مَا وَصَفْتُ لَكَ

[الشَّرِكَةُ فِي طَلَبِ الْكُنُوزِ]
ِ قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَطْلُبَا الْكُنُوزَ وَالرِّكَازَ وَكُلَّ مَا كَانَ مَنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ


غَسْلِ تُرَابِهِمْ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْجِبُنِي الطَّلَبَ فِي بُيُوتِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا فِي قُبُورِهِمْ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا أَرَاهُ حَرَامًا. وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ تُطْلَبَ الْأَمْوَالُ فِي قُبُورِهِمْ وَآثَارِهِمْ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَغَسْلُ تُرَابِهِمْ عِنْدِي خَفِيفٌ، وَكُلُّ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ، فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، إذَا كَانَا يَعْمَلَانِ جَمِيعًا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ سَوَاءٌ.

[فِي الشَّرِكَةِ فِي الزَّرْعِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مِنْ عِنْدِي، وَالْبَقَرُ مَنْ عِنْدِ شَرِيكِي، وَالْبَذْرُ مِنْ عِنْدِنَا جَمِيعًا، وَالْعَمَلُ عَلَيْنَا جَمِيعًا، أَتَجُوزُ هَذِهِ الشَّرِكَةُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ كِرَاءُ الْأَرْضِ وَكِرَاءُ الْبَقَرِ سَوَاءٌ، جَازَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَكُمَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ الْبَقَرُ أَكْثَرَ كِرَاءٍ، أَوْ الْأَرْضُ أَكْثَرَ كِرَاءٍ، أَتَجُوزُ هَذِهِ الشَّرِكَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّهَا حَتَّى يَعْتَدِلَا. قَالَ: وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ فِي الْأَرْضِ الَّتِي لَا كِرَاءَ لَهَا - مِثْلُ أَرْضِ الْمَغْرِبِ الَّتِي لَا تُكْرَى -: إنَّمَا يَمْنَحُونَهَا. قَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخْرَجَ أَرْضًا مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ فَأَلْغَاهَا، وَتَكَافَآ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ النَّفَقَاتِ وَالْبَذْرِ وَالْعَمَلِ، لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا. وَأَمَّا كُلُّ أَرْضٍ لَهَا كِرَاءٌ، قَالَ مَالِكٌ: فَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ تَقَعَ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا إلَّا عَلَى التَّكَافُؤِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا، فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْبَذْرَ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَخْرَجَ الْآخَرُ الْأَرْضَ مَنْ عِنْدِهِ وَتَكَافَئَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْعَمَلِ، وَكِرَاءُ الْأَرْضِ وَقِيمَةُ الْبَذْرِ سَوَاءٌ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ. قُلْتُ: وَلِمَ؟ وَقَدْ تَكَافَئَا فِي الْعَمَلِ، وَقِيمَةُ كِرَاءِ أَرْضِهِ مِثْلُ قِيمَةِ بَذْرِ هَذَا؟ قَالَ: لِأَنَّ هَذَا، كَأَنَّهُ أَكْرَاهُ نِصْفَ أَرْضِهِ بِنِصْفِ بَذْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكْرِيَهُ الْأَرْضَ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ. قُلْتُ: وَلَا تَصْلُحُ الشَّرِكَةُ فِي الزَّرْعِ عِنْدَ مَالِكٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ بَيْنَهُمَا، وَيَتَكَافَآ جَمِيعًا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْعَمَلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَخْرَجَا الْبَذْرَ مِنْ عِنْدِهِمَا جَمِيعًا، ثُمَّ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْبَقَرَ وَالْآخَرُ الْأَرْضَ، أَوْ كَانَ الْعَمَلُ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا وَالْبَقَرُ وَالْأَرْضُ مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ، وَقِيمَةُ ذَلِكَ سَوَاءٌ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ مَا أَخْبَرْتُكَ مِنْ الْبَذْرِ، أَنْ يَكُونَ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا وَالْأَرْضُ مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ، لِأَنَّ هَذَا يَصِيرُ كِرَاءَ الْأَرْضِ بِالطَّعَامِ.
فَأَمَّا مَا سِوَى هَذَا فَلَا بَأْسَ بِهِ، أَنْ يُخْرِجَ هَذَا بَعْضَ مَا يَصْلُحُهُمْ مِنْ أَدَاةِ الْحَرْثِ، وَهَذَا بَعْضَ مَا يَصْلُحُهُمْ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قِيمَةُ مَا يُخْرِجُ هَذَا مِثْلَ قِيمَةِ مَا يُخْرِجُ هَذَا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيَا الْأَرْضَ جَمِيعًا مِنْ رَجُلٍ، وَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْبُذُورَ وَأَخْرَجَ الْآخَرُ الْبَقَرَ وَجَمِيعَ الْعَمَلِ، وَكَانَ قِيمَةُ الْبَذْرِ وَقِيمَةُ كِرَاءِ الْبَقَرِ وَجَمِيعُ عَمَلِ الزَّرْعِ سَوَاءٌ؟ قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، لِأَنَّهُمَا قَدْ سَلِمَا مِنْ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالطَّعَامِ، وَقَدْ تَكَافَئَا بِحَالِ مَا ذَكَرْتُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، عَلَى


أَنَّ الْعَمَلَ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ، وَالْبَذْرُ مِنْ عِنْدَهُمَا كَذَلِكَ عَلَى الثُّلُثَيْنِ وَالثُّلُث، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا تَكَافَئَا عَلَى ذَلِكَ.

وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الرَّجُلِ يُعْطِي الرَّجُلَ الْأَرْضَ يَزْرَعُهَا، وَيُعْطِي مِنْ الْبَذْرِ لِلْعَامِلِ مِثْلَ مَا يُخْرِجُ هُوَ لِزِرَاعَتِهَا عَلَى نِصْفَيْنِ، يُعْطِيهِ أَرْضَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَهِيَ أَرْضٌ مَأْمُونَةٌ لَا يَكَادُ يُخْطِئُهَا عَامٌ، فِي أَنْ تُرْوَى مِنْ الْمَاءِ - فَيَعْمَلُ الْعَامِلُ فِيهَا مِنْ سَنَتِهِ - وَإِنَّمَا هِيَ أَرْضٌ تُحْرَثُ الْآنَ لِيُكْرِمَهَا بِالْحَرْثِ وَيَتْرُكَهَا، فَإِذَا كَانَ قَابِلًا إذَا احْتَاجَ إلَى زِرَاعَتهَا زَرَعَهَا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا كَانَتْ أَرْضًا مَأْمُونَةً لَا يُخْطِئُهَا أَنْ تُرْوَى فِي كُلِّ عَامٍ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ. فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْمُونَةٍ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ، لِأَنَّهُ حِينَ حَرَثَ الْأَرْضَ، كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَدْ انْتَفَعَ بِحَرْثِ الْعَامِلِ فِيهَا بِحَرْثِهِ إيَّاهَا، وَبِكَرَمِهِ لَهَا بِالْحَرْثِ بِمَا يَرْجُو مِنْ زِرَاعَتِهَا. فَحِينَ حَرَثَهَا وَتَأَخَّرَ الْمَطَرُ عَنْهَا وَلَمْ تُرْوَ انْفَسَخَ الْعَمَلُ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَصَارَ هَذَا قَدْ انْتَفَعَ بِعَمَلِ صَاحِبِهِ فِيهَا.
فَلَا أُحِبُّهُ أَنَا، وَأَكْرَهُهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَعَجَّلَ النَّقْدَ فِي بَيْعٍ بَاعَهُ أَوْ كِرَاءٍ أَكْرَاهُ، مِمَّا لَا يَجُوزُ فِيهِ تَعْجِيلُ النَّقْدِ، فَيَكُونُ مِنْ تَعَجُّلِ النَّقْدِ، أَنَّهُ قَدْ انْتَفَعَ بِمَا وَصَلَ إلَيْهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ أَوْصَلَهُ إلَى صَاحِبِهِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، اشْتَرَكُوا فِي زَرْعٍ، فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمْ الْأَرْضَ، وَالْآخَرُ الْبَقَرَ، وَالْآخَرُ الْعَمَلَ، وَالْبَذْرُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا؟ قَالَ: هَذَا جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ، إذَا تَكَافَئُوا فِي الْعَمَلِ وَكَانَ الْبَذْرُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ رَجُلَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ، وَمِنْ عِنْدِ الْآخَرِ الْأَرْضُ وَجَمِيعُ الْعَمَلِ؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا. قُلْتُ: فَلِمَنْ الزَّرْعُ؟ قَالَ: لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَيُعْطِي هَذَانِ بَذْرَهُمَا. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي. وَقَالَ ابْنُ غَانِمٍ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: يَكُونُ الزَّرْعُ لِصَاحِبَيْ الزَّرِيعَةِ، وَيَكُونُ عَلَيْهِمَا كِرَاءُ الْأَرْضِ، وَكِرَاءُ عَمَلِ الْعَامِلِ بِمَنْزِلَةِ الْقِرَاضِ، إذَا كَانَ الْعَمَلُ فِيهِ فَاسِدًا، فَيَكُونُ النَّمَاءُ وَالرِّبْحُ لِلْمَالِ، وَيَكُونُ لِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ، لِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يُؤَاجِرُ فَالرِّبْحُ لَهُ، وَالنَّمَاءُ وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِ. وَلِمَا يُؤَاجِرُ أَجْرُ مِثْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذُكِرَ نَحْوُ هَذَا عَنْ النَّبِيّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الزَّرِيعَةِ وَلِلْآخَرَيْنِ أَجْرُ مِثْلِهِمْ» قَالَ سَحْنُونٌ: وَذَكَرَ ابْنُ غَانِمٍ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ هَذَا، وَهُوَ عِنْدِي أَعْدَلُ وَبِهِ أَقُولُ أَنَا.

[فِي الشَّرِكَةِ بِالْعُرُوضِ]
ِ قُلْتُ: هَلْ تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالْعُرُوضِ، يَكُونُ عِنْدِي ثِيَابٌ وَعِنْدَ صَاحِبِي حِنْطَةٌ أَوْ دَوَابُّ، فَاشْتَرَكْنَا فِي ذَلِكَ، أَتَجُوزُ الشَّرِكَة فِيمَا بَيْنَنَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ عِنْدِي، إذَا اشْتَرَكَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ سِلْعَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيَكُونُ الْعَمَلُ عَلَى كُلِّ وَاحِدِ مِنْهُمَا بِقَدْرِ رَأْسِ مَالِهِ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #233  
قديم 03-01-2026, 04:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,860
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الثالث
من صــ 604الى صــ 613
الحلقة(233)






الْوَضِيعَةِ بِقَدْرِ رَأْسِ مَالِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ رَأْسُ مَالِهِمَا عَرْضًا مَنْ الْعُرُوضِ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِكَا بِهِ عَلَى الْقِيمَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَيْفَ يُقَوِّمَانِ مَا فِي أَيْدِيهِمَا، وَكَيْفَ يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ؟ أَيَبِيعُ هَذَا نِصْفَ مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ صَاحِبِهِ بِنِصْفِ مَا فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ إذَا كَانَتْ الْقِيمَةُ سَوَاءً، أَوْ يُقَوِّمَانِ وَلَا يَبِيعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ صَاحِبِهِ بِنِصْفِ مَا فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ؟ قَالَ: إذَا قَوَّمَا مَا فِي أَيْدِيهِمَا، وَكَانَ قِيمَةُ مَا فِي أَيْدِيهِمَا سَوَاءً، وَأَشْهَدَا عَلَى أَنَّهُمَا قَدْ تَشَارَكَا بِالنِّصْفِ، فَقَدْ بَاعَهُ نِصْفَ مَا فِي يَدَيْهِ بِنِصْفِ مَا فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ إذَا قَوَّمَا، وَكَانَ قِيمَتُهُمَا سَوَاءً، ثُمَّ أَشْهَدَا عَلَى الشَّرِكَةِ، فَقَدْ بَاعَهُ نِصْفَ سِلْعَتِهِ بِنِصْفِ سِلْعَةِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا الْبَيْعَ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا بِسِلْعَتِهِمَا، عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَالْوَضِيعَةَ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، وَعَلَى أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَاشْتَرَكَا فِي هَاتَيْنِ السِّلْعَتَيْنِ، فَلَمَّا قَوَّمَا السِّلْعَتَيْنِ، كَانَتْ إحْدَاهُمَا الثُّلُثَيْنِ وَالْأُخْرَى الثُّلُثَ، كَيْفَ يَصْنَعَانِ؟ وَكَيْفَ تَقَعُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إنْ كَانَا لَمْ يَعْمَلَا، وَأُدْرِكَتْ السِّلْعَتَانِ رُدَّتَا إلَى صَاحِبَيْهِمَا وَفُسِخَتْ الشَّرِكَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ فَاتَتْ السِّلْعَتَانِ كَانَا عَلَى الشَّرِكَةِ عَلَى مَا بَلَغَتْهُ كُلُّ سِلْعَةٍ، وَيُعْطَى الْقَلِيلُ الرَّأْسِ الْمَالِ أَجْرُهُ فِي الزِّيَادَةِ الَّتِي عَمِلَ فِيهَا مَعَ صَاحِبِهِ. وَإِنْ كَانَتْ وَضِيعَةٌ فُضَّتْ الْوَضِيعَةُ عَلَى جَمِيعِ الْمَالِ، فَمَا أَصَابَ الْكَثِيرَ الرَّأْسِ الْمَالِ كَانَ عَلَى صَاحِبِ الْكَثِيرِ رَأْسُ الْمَالِ، وَمَا أَصَابَ الْقَلِيلَ كَانَ عَلَى الْقَلِيلِ الرَّأْسُ الْمَالِ، وَالرِّبْحُ إنْ كَانَ فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ رَأْسَ مَالِهِمَا كَانَ عَلَى مَا بَلَغَتْهُ سِلْعَتَاهُمَا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى مَا شَرَطَا وَلَا يَكُونُ عَلَى صَاحِبِ السِّلْعَةِ الْقَلِيلَةِ ضَمَانٌ فِي فَضْلِ سِلْعَةِ صَاحِبِهِ عَلَى سِلْعَتِهِ وَلَيْسَ فَضْلُ سِلْعَةِ صَاحِبِهِ مِمَّا وَقَعَ بَيْنَهُمَا فِيهِ بَيْعٌ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَأْتِي بِمِائَةٍ وَيَأْتِي رَجُلٌ آخَرُ بِمِائَتَيْنِ، فَيَشْتَرِكَانِ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا، وَالنُّقْصَانَ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ وَالْعَمَلَ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ، قَالَ مَالِكٌ: الْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، وَالرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا. وَيُعْطَى صَاحِبُ الْمِائَةِ أَجْرَ مِثْلِهِ، فِيمَا أَعَانَ صَاحِبَ الْمِائَتَيْنِ فِي فَضْلِ الْمِائَتَيْنِ وَلَمْ يَجْعَلْهَا سَلَفًا، وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ إيَّاهَا عَلَى أَنْ يُشَارِكَهُ. وَلَوْ كَانَ سَلَفًا لَكَانَ لَهُ رِبْحُ الْخَمْسِينَ الَّتِي أَعْطَاهُ إيَّاهَا، حَتَّى يُسَاوِيَهُ فِي رَأْسِ الْمَالِ، وَلَكَانَ ضَامِنًا أَيْضًا لِلْخَمْسِينَ. وَتَكُونُ أَيْضًا شَرِكَةً فَاسِدَةً، لِأَنَّهَا شَرِكَةٌ وَسَلَفٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: أَرَاهُ إنَّمَا أَسْلَفَهُ الْخَمْسِينَ، عَلَى أَنْ أَعَانَهُ بِالْعَمَلِ. قَالَ: فَأَرَاهُ مَفْسُوخًا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْخَمْسِينَ، وَضَمَانُ الْخَمْسِينَ عَلَى صَاحِبِ الْمِائَتَيْنِ وَرِبْحُهَا لَهُ وَوَضِيعَتُهَا عَلَيْهِ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ لِصَاحِبِ الْمِائَةِ أَجْرُهُ فِيمَا أَعَانَهُ فِيهَا. فَلَوْ كَانَتْ الدَّنَانِيرُ تَكُونُ هَاهُنَا عِنْدَ مَالِكٍ سَلَفًا، لَكَانَ يَكُونُ ضَمَانُهَا مِنْهُ إنْ جَاءَ بِنُقْصَانٍ، وَلَكَانَ الْمَتَاعُ فِي الشَّرِكَةِ الْأُولَى تَبَعًا، يَلْزَمُ الْقَلِيلَ الرَّأْسِ الْمَالِ بِنِصْفِ قِيمَةِ مَا يَفْضُلهُ بِهِ صَاحِبُهُ. فَلَمَّا لَمْ يُضَمِّنْ مَالِكٌ

الشَّرِيكَيْنِ فِي الْعَيْنِ - إذَا فَضَلَ فَضْلُ أَحَدِهِمَا - وَلَمْ يَجْعَلْهُ سَلَفًا، وَأَسْقَطَ عَنْهُ الضَّمَانَ، وَجَعَلَ لَهُ الْأَجْرَ، أَسْقَطْتُ أَنَا عَنْهُ نِصْفَ قِيمَةِ فَضْلِ الْمَتَاعِ، وَأَعْطَيْتُهُ لِعَمَلِهِ فِي ذَلِكَ مَعَ شَرِيكِهِ نِصْفَ عَمَلِ مِثْلِهِ، وَلَمْ أَرَهُ بَيْعًا

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا بِمَا يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ، اشْتَرَكَا بِأَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، أَخْرَجَ هَذَا مِسْكًا وَأَخْرَجَ هَذَا عَنْبَرًا وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ، فَاشْتَرَكَا عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ؟ قَالَ: هَذَا جَائِزٌ. قُلْتُ: وَلِمَ؟ وَهَذَا مِمَّا يُوزَنُ وَيُكَالُ.
قَالَ: إنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ، مَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ مِمَّا يُكَالُ وَيُوزَنُ فِي الشَّرِكَةِ، إذَا كَانَا مِنْ نَوْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُمَا سَوَاءً، لِأَنَّ مَحْمَلَهُمَا فِي الْبُيُوعِ قَرِيبٌ مِنْ الصَّرْفِ. فَكَمَا كَرِهَ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الشَّرِكَةَ إنْ كَانَ قِيمَتُهُمَا سَوَاءً، فَكَذَلِكَ كَرِهَ لِي مَالِكٌ، كُلَّ مَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُشْبِهُ الصَّرْفَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعُرُوضَ وَمَا سِوَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، مِمَّا يُوزَنُ وَيُكَالُ وَمِمَّا لَا يُوزَنُ وَلَا يُكَالُ، هَلْ يُجَوِّزُ مَالِكٌ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا، إذَا كَانَ رَأْسُ مَالِهِمَا نَوْعَيْنِ مُفْتَرِقَيْنِ، وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ وَالْعَمَلُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ؟ قَالَ؛ نَعَمْ، هَذَا جَائِزٌ، لِأَنِّي سَأَلْتُ مَالِكًا غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ، عَلَى الْعُرُوضِ يَشْتَرِكَانِ بِهِ فِي نَوْعَيْنِ مُفْتَرِقَيْنِ، إذَا كَانَتْ الْقِيمَةُ سَوَاءً وَالْعَمَلُ بِالسَّوِيَّةِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ. قَالَ: وَلَمْ أَسْأَلْ مَالِكًا عَمَّا يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ، وَلَكِنْ إنَّمَا سَأَلْتُهُ عَنْ الْعُرُوضِ فَجَوَّزَهَا لِي. فَمَسْأَلَتُكَ هِيَ مِنْ الْعُرُوضِ، فَأَرَى الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا جَائِزَةً. قُلْتُ: فَالشَّرِكَةُ بِالْعُرُوضِ جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ بِحَالِ مَا وَصَفْتَ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَتَجُوزُ الشَّرِكَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، بِالْعُرُوضِ وَبِالدَّنَانِيرِ بِحَالِ مَا وَصَفْتَ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَتَجُوزُ أَيْضًا بِالطَّعَامِ وَالدَّرَاهِمِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ بِحَالِ مَا وَصَفْتَ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَبِالْعُرُوضِ وَالطَّعَامِ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَرِيكَيْنِ اشْتَرَكَا بِالْعُرُوضِ، شَرِكَةً فَاسِدَةً أَوْ صَحِيحَةً، فَافْتَرَقَا بَعْدَ مَا قَدْ عَمِلَا. كَيْفَ يُخْرِجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَأْسَ مَالِهِ؟ أَيَكُونُ لَهُ رَأْسُ مَالِهِ يَوْمَ يَقْتَسِمَانِ، أَوْ رَأْسُ مَالِهِ يَوْمَ وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ، فَاسِدَةً كَانَتْ أَوْ صَحِيحَةً؟ قَالَ: أَمَّا الصَّحِيحَةُ، فَعَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا عَلَى مَا قَوَّمَا عَلَيْهِ سِلْعَتَيْهِمَا وَاشْتَرَكَا.
وَأَمَّا الشَّرِكَةُ الْفَاسِدَةُ، فَيَرُدَّانِ إلَيْهِ مَا بَلَغَ رَأْسُ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مِمَّا بَلَغَتْهُ بِهِ سِلْعَتَاهُمَا فِي الْبَيْعِ، وَيَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: أَمَّا فِي الصَّحِيحَةِ فَنَعَمْ، هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَأَمَّا فِي الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ، فَهُوَ رَأْيِي، مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ مِنْ الْأُخْرَى إذَا اشْتَرَكَا بِهَا: إنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَأْسَ مَالِهِ يَوْمَ وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا، وَالرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ وَالْوَضِيعَةُ، فَكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ الْفَاسِدَةُ فِي الْعُرُوضِ


قُلْتُ: وَالْعُرُوضُ إذَا اشْتَرَكَا بِهَا شَرِكَةً فَاسِدَةً، وَقَدْ كَانَا قَوَّمَا الْعُرُوضَ؟ قَالَ: لَا يُنْظَرُ إلَيْهِ مَا قَوَّمَا بِهِ عُرُوضَهُمَا، وَلَكِنْ يُنْظَرُ إلَيْهِ مَا بَاعَا بِهِ الْعُرُوضَ، فَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنَ عَرْضِهِ الَّذِي بِيعَ بِهِ عَرْضُهُ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ بِالْعُرُوضِ صَحِيحَةً، وَقَدْ قَوَّمَا عُرُوضَهُمَا، فَبَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِلْعَتَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا قَوَّمَا بِهِ سِلْعَتَهُ أَوْ بِدُونِ ذَلِكَ، ثُمَّ افْتَرَقَا، كَيْفَ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَأْسَ مَالِهِ؟ أَيَأْخُذُ الْقِيمَةَ الَّتِي قَوَّمَا بِهَا سِلْعَتَهُ؟ أَمْ يَأْخُذُ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَا بِهِ سِلْعَتَيْهِمَا؟ قَالَ: إذَا كَانَتْ الشَّرِكَةُ صَحِيحَةً، أَخَذَ قِيمَتَهَا يَوْمَ اشْتَرَكَا إذَا تَفَرَّقَا، وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِ مَا بَاعَا بِهِ السِّلْعَةَ، لِأَنَّهُمَا حِينَ قَوَّمَا الْعَرْضَيْنِ فِي الشَّرِكَةِ الصَّحِيحَةِ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ بَاعَ نِصْفَ سِلْعَتِهِ بِنِصْفِ سِلْعَةِ صَاحِبِهِ، وَضَمِنَ هَذَا نِصْفَ سِلْعَةِ هَذَا وَهَذَا نِصْفَ سِلْعَةِ هَذَا، وَفِي الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ، لَا يَقَعُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي سِلْعَةِ صَاحِبِهِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. فَلِذَلِكَ، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، ثَمَنُ سِلْعَتِهِ الَّذِي بَاعَ بِهِ سِلْعَتَهُ فِي الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ.

[فِي الشَّرِكَةِ بِالْحِنْطَةِ]
ِ قُلْتُ: هَلْ تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالْحِنْطَةِ، أُخْرِجُ أَنَا عَشَرَةَ أَرَادِبَ حِنْطَةً، وَصَاحِبِي عَشَرَةَ أَرَادِبَ حِنْطَةً، فَنَشْتَرِكُ، وَالْحِنْطَتَانِ فِي الْجَوْدَةِ سَوَاءٌ؟ قَالَ: أَرَى أَنَّ الشَّرِكَةَ فِيمَا بَيْنَهُمَا جَائِزَةٌ. قَالَ: وَسَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِي: لَا أَرَى الشَّرِكَةَ جَائِزَةً فِيمَا بَيْنَهُمَا، فَأَبَى مَالِكٌ أَنْ يُجِيزَ هَذِهِ الشَّرِكَةَ لَنَا. قَالَ: وَأَنَا أَرَى أَنَّ هَذِهِ الشَّرِكَةَ جَائِزَةٌ، إذَا اشْتَرَكَا عَلَى الْكَيْلِ وَلَمْ يَشْتَرِكَا عَلَى الْقِيمَةِ. وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَشْتَرِكَا وَإِحْدَى الْحِنْطَتَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبَتِهَا. فَيَشْتَرِكَانِ عَلَى قِيمَةِ الْحِنْطَتَيْنِ أَوْ بِكَيْلِ الْحِنْطَتَيْنِ، يَكُونُ لِهَذَا سَمْرَاءُ وَلِهَذَا مَحْمُولَةٌ، وَأَثْمَانُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ أَوْ سَوَاءٌ. فَيَشْتَرِكَانِ عَلَى أَنَّ لِصَاحِبِ السَّمْرَاءِ مِثْلَ سَمْرَائِهِ إذَا افْتَرَقَا، وَلِصَاحِبِ الْمَحْمُولَةِ مِثْلَ مَحْمُولَتِهِ إذَا افْتَرَقَا. قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا. قُلْتُ: وَإِنْ اشْتَرَكَا عَلَى أَنَّهُمَا إذَا افْتَرَقَا، أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةَ حِنْطَتِهِ، وَكَانَتْ قِيمَةُ الْحِنْطَتَيْنِ لَيْسَ سَوَاءً حِينَ اشْتَرَكَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، لِأَنَّ رَأْسَ مَالِ هَؤُلَاءِ لَمْ يَسْتَوِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا عَلَى قِيمَةِ حِنْطَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَعَلَى أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ رَأْسِ مَالِهِ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تُعْجِبُنِي هَذِهِ الشَّرِكَةُ، وَلَيْسَتْ بِجَائِزَةٍ بَيْنَهُمَا عَلَى كَيْلِ الْحِنْطَةِ وَلَا عَلَى قِيمَتِهَا. فَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ الشَّرِكَةُ فِي الطَّعَامِ، إلَّا عَلَى الْكَيْلِ، يَتَكَافَآنِ فِي الْكَيْلِ وَيَتَكَافَآنِ فِي الْجَوْدَةِ وَفِي الْعَمَلِ، وَإِلَّا لَمْ تَصْلُحْ الشَّرِكَةُ. قَالَ: وَرَجَعَ مَالِكٌ عَنْ إجَازَةِ الشَّرِكَةِ بِالطَّعَامِ وَإِنْ تَكَافَآ، لَمْ يُجِزْهُ لَنَا مُنْذُ لَقِينَاهُ. قُلْتُ: لِمَ كَرِهَهُ مَالِكٌ؟ قَالَ: مَا رَأَيْتُ لَهُ فِيهِ حُجَّةً، أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ كَرِهَهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا، فَأَخْرَجَ هَذَا حِنْطَةً وَهَذَا شَعِيرًا فَقَوَّمَا، فَكَانَتْ قِيمَةُ الْحِنْطَةِ مِثْلَ قِيمَةِ الشَّعِيرِ


فَاشْتَرَكَا عَلَى ذَلِكَ، أَوْ بَاعَ هَذَا نِصْفَ شَعِيرِهِ مِنْ هَذَا بِنِصْفِ حِنْطَةِ هَذَا، وَاشْتَرَكَا عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَالْوَضِيعَةُ كَذَلِكَ، وَعَلَى أَنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ، هَلْ تَجُوزُ هَذِهِ الشَّرِكَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: لِمَ لَا تَجُوزُ هَذِهِ الشَّرِكَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لِأَنَّ الشَّرِكَةَ لَا تَصْلُحُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، إذَا كَانَتْ الدَّنَانِيرُ مِنْ عِنْدِ هَذَا وَالدَّرَاهِمُ مِنْ عِنْدِ هَذَا وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّنَانِيرِ مِثْلَ قِيمَةِ الدَّرَاهِمِ لَمْ تَصْلُحْ هَذِهِ الشَّرِكَةُ عِنْدَ مَالِكٍ. وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ سَوَاءً، وَكَذَلِكَ الطَّعَامَانِ إذَا اخْتَلَفَا، تَمْرٌ وَشَعِيرٌ أَوْ تَمْرٌ وَزَبِيبٌ أَوْ حِنْطَةٌ وَشَعِيرٌ أَوْ سَمْنٌ وَزَبِيبٌ، فَإِنَّمَا مَحْمَلُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ، مَحْمَلُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.

قُلْتُ: لِمَ جَوَّزَ مَالِكٌ الشَّرِكَةَ فِي الْعُرُوضِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ فِي الطَّعَامِ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لِأَنَّ الطَّعَامَ عِنْدَ مَالِكٍ بِمَنْزِلَةِ الصَّرْفِ وَالْعُرُوضُ، إنَّمَا هُوَ بَيْعٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ. قُلْتُ: وَلَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَلَى حَالٍ، كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا أَوْ أَنْوَاعًا مُفْتَرِقَةً؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الطَّعَامِ عَلَى حَالٍ، إذَا كَانَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الطَّعَامُ وَمِنْ عِنْدِ هَذَا الطَّعَامُ نَوْعًا وَاحِدًا كَانَ أَوْ مُخْتَلِفًا. قُلْتُ: وَأَصْلُ هَذَا، قَوْلُ مَالِكٍ فِي الشَّرِكَةِ. أَنَّ كُلَّ مَا يُوزَنُ وَيُكَالُ مِمَّا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَشْتَرِكَا بِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَإِنْ كَانَ رَأْسُ مَالِهِمَا نَوْعًا وَاحِدًا أَوْ مُخْتَلِفًا. وَجَوَّزْتَهُ أَنْتَ، إذَا كَانَ رَأْسُ مَالِهِمَا نَوْعًا وَاحِدًا فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَا اشْتَرَكَا بِالطَّعَامِ شَرِكَةً فَاسِدَةً، فَعَمِلَا ثُمَّ افْتَرَقَا كَيْفَ يُخْرِجَانِ رُءُوسَ أَمْوَالِهِمَا؟ أَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَكِيلَةَ طَعَامِهِ، أَوْ قِيمَةَ طَعَامِهِ يَوْمَ وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فَاسِدَةً؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ، إلَّا أَنِّي أَرَى، أَنْ يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنَ طَعَامِهِ يَوْمَ بِيعَ. قُلْتُ: وَلِمَ أَعْطَيْتَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنَ طَعَامِهِ يَوْمَ بِيعَ، وَلِمَ لَا تُعْطِيهِ مِثْلَ مَكِيلَةِ طَعَامِهِ؟ قَالَ: لِأَنَّ هَذَيْنِ، إنَّمَا يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنَ طَعَامِهِ يَوْمَ بِيعَ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ ضَامِنًا لِطَعَامِهِ حَتَّى بَاعَهُ، فَلَمَّا كَانَ ضَامِنًا لِطَعَامِهِ حَتَّى بَاعَهُ، لَمْ يُعْطِيَا - إذَا افْتَرَقَا - إلَّا الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَا بِهِ طَعَامَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَا قَدْ خَلَطَا طَعَامَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَبِيعَاهُ ثُمَّ بَاعَاهُ؟ قَالَ: يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةَ طَعَامِهِ يَوْمَ خَلَطَاهُ.

[فِي الشَّرِكَةِ بِالْمَالَيْنِ الْمُتَفَاضِلَيْنِ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ وَالْوَضِيعَةَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَرَجْت أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَخْرَجَ رَجُلٌ آخَرُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، فَاشْتَرَكْنَا، عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَنَا وَالْوَضِيعَةَ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهَا فَاسِدَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: فَإِنْ عَمِلَا عَلَى هَذِهِ الشَّرِكَةِ فَرَبِحَا؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا عِنْدَ مَالِكٍ، وَيَكُونُ لِلْقَلِيلِ رَأْسُ الْمَالِ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ بِحَالِ مَا


وَصَفْتُ لَكَ. قُلْتُ: فَإِنْ عَمِلَا فَوَضَعَا نِصْفَ رَأْسِ الْمَالِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمَا؟ قَالَ: الْوَضِيعَةُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَيْهِمَا، عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، لِأَنَّ الْفَضْلَ الَّذِي يَفْضُلُهُ بِهِ صَاحِبُهُ عَلَى رَأْسِ مَالِهِ، إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ الْفَضْلُ فِي ضَمَانِ صَاحِبِهِ، الَّذِي الْفَضْلُ لَهُ، وَلَمْ يَضْمَنْ لَهُ شَرِيكُهُ مِنْ ذَلِكَ الْفَضْلِ شَيْئًا. أَلَا تَرَى أَنَّ رِبْحَ ذَلِكَ الْفَضْلِ، إنَّمَا هُوَ لِلَّذِي لَهُ الْفَضْلُ.
فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَةَ فِي الْفَضْلِ مِنْ الَّذِي لَهُ الْفَضْلُ. قُلْتُ: فَإِنْ ذَهَبَ رَأْسُ الْمَالِ خَسَارَةً، أَوْ رَكِبَهُمَا ثَلَاثَةُ آلَافِ دِينَارٍ مِنْ تِجَارَتِهِمَا بَعْدَ وَضِيعَتِهِمَا رَأْسَ الْمَالِ كُلَّهُ، كَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ الْوَضِيعَةُ عَلَيْهِمَا، وَالشَّرِكَةُ فَاسِدَةٌ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ، وَقَدْ كَانَ شَرْطُهُمَا عَلَى أَنَّ الْوَضِيعَةَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؟ قَالَ: أَرَى الدَّيْنَ الَّذِي لَحِقَهُمَا مِنْ تِجَارَتِهِمَا، يَكُونُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، فَيَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الْأَلْفِ ثُلُثُ هَذَا الدَّيْنِ وَيَكُونُ عَلَى الَّذِي كَانَ رَأْسُ مَالِهِ أَلْفَيْنِ ثُلُثَا هَذَا الدَّيْنِ، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ إنَّمَا وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا بِالْمَالِ لَيْسَ بِالْأَبْدَانِ. فَمَا لَحِقَهُمَا مِنْ دَيْنٍ، فُضَّ عَلَى الْمَالِ الَّذِي بِهِ وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ رَأْسُ أَمْوَالِهِمَا، فَيَكُونُ عَلَى الَّذِي رَأْسُ مَالِهِ أَلْفٌ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لَحِقَ الثُّلُثُ، وَعَلَى الَّذِي رَأْسُ مَالِهِ أَلْفَانِ الثُّلُثَانِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى الشَّرْطِ الَّذِي شَرَطَاهُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ الشَّرْطَ كَانَ فَاسِدًا. قَالَ: وَهَذَا الْآخَرُ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّهُ رَأْيِي، مِثْلُ مَا قَالَ لِي مَالِكٌ مِنْ الْوَضِيعَةِ فِي رَأْسِ الْمَالِ

[فِي الشَّرِكَةِ بِالْمَالَيْنِ يَشْتَرِطُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْمَلَ وَلَا يَعْمَلَ الْآخَرُ]
ُ قُلْتُ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ أُخْرِجَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَرَجُلٌ آخَرُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَنَشْتَرِكُ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ وَالْوَضِيعَةَ عَلَيْنَا نِصْفَيْنِ، عَلَى أَنْ يَعْمَلَ أَحَدُنَا دُونَ صَاحِبِهِ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ هَذِهِ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا، إلَّا أَنْ يَسْتَوِيَا فِي رَأْسِ الْمَالِ وَفِي الْعَمَلِ. قُلْتُ: فَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَالْآخَرُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، فَاشْتَرَكَا عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَالْوَضِيعَةَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، أَوْ اشْتَرَطَا أَنَّ الْوَضِيعَةَ وَالرِّبْحَ عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، عَلَى أَنْ يَعْمَلَ صَاحِبُ الْأَلْفِ بِجَمِيعِ الْمَالِ وَحْدَهُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَحْدَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذِهِ الشَّرِكَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَصْنَعُ فِيهَا إنْ عَمِلَ صَاحِبُ الْأَلْفِ بِجَمِيعِ الْمَالِ، فَرَبِحَ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ فِي الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ، وَيَأْخُذُ صَاحِبُ الْأَلْفَيْنِ رَأْسَ مَالِهِ أَلْفَيْنِ وَصَاحِبُ الْأَلْفِ رَأْسَ مَالِهِ أَلْفًا.
ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، وَلِلْعَامِلِ الَّذِي عَمِلَ فِي الْمَالِ مِنْ الْأَجْرِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ. قَالَ: وَأَصْلُ هَذَا، أَنَّ الشَّرِكَةَ لَا تَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ، إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا فِي الْعَمَلِ، يَتَكَافَآنِ فِيهِ عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ صَاحِبَ الْأَلْفِ الَّذِي عَمِلَ فِي جَمِيعِ الْمَالِ فِي أَلْفِهِ وَأَلْفَيْ شَرِيكِهِ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا، أَوْ عَلَى أَنَّ لَهُ ثُلُثَيْ الرِّبْحِ، لِمَ لَا تَجْعَلُهُ


مُقَارِضًا فِي الْأَلْفَيْنِ اللَّذَيْنِ أَخَذَهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، وَتَجْعَلُ لِلْعَامِلِ صَاحِبِ الْأَلْفِ ثُلُثَ الرِّبْحِ لِلْأَلْفِ الَّتِي هِيَ رَأْسُ مَالِهِ، وَتَجْعَلُهُ كَأَنَّهُ أَخَذَ الْأَلْفَيْنِ مِنْ شَرِيكِهِ مُقَارَضَةً بِالسُّدُسِ، لِأَنَّهُ شَرَطَ نِصْفَ رِبْحِ الْأَلْفِ، فَكَانَ ثُلُثُ الرِّبْحِ لَهُ بِأَلْفِهِ، وَسُدُسُ رُبْعِ الْجَمِيعِ بِمَا عَمِلَ فِي رَأْسِ مَالِ صَاحِبِهِ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ، لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَأْخُذْ الْأَلْفَيْنِ عَلَى الْقِرَاضِ، إنَّمَا أَخَذَهَا عَلَى شَرِكَةٍ فَاسِدَةٍ، فَيُحْمَلُ مَحْمَلَ الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ. وَلَا يَجْتَمِعُ أَيْضًا عِنْدَ مَالِكٍ شَرِكَةٌ وَقِرَاضٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَصْلُحُ أَنْ يَقُولَ: أُقَارِضُك بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تُخْرِجَ مَنْ عِنْدِكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، عَلَى أَنْ تَخْلِطَهَا بِأَلْفَيْ هَذِهِ نَعْمَلُ بِهِمَا جَمِيعًا، فَكَرِهَ مَالِكٌ هَذِهِ. فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ مَسْأَلَتَكَ لَا تَكُونُ مُقَارَضَةً. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا عَلَى أَنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا رُبْعًا وَالْآخَرُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعٍ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، فَتَطَوَّعَ صَاحِبُ الرُّبْعِ فَاشْتَرَى بِجَمِيعِ الْمَالِ تِجَارَةً، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي عَمَلِهِ ذَلِكَ أَجْرٌ

[فِي الشَّرِيكَيْنِ بِالْمَالِ يَشْتَرِطُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمَالُ عَلَى يَدَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ]
ِ قُلْتُ: أَتَجُوزُ الشَّرِكَةُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، وَرَأْسُ مَالِهِمَا سَوَاءٌ، وَالرِّبْحُ عَلَى الْمَالِ وَالْوَضِيعَةِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَالُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ.
وَأَرَى إنْ كَانَ هَذَا الَّذِي اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ عَلَى يَدِهِ، هُوَ الَّذِي يَشْتَرِي وَيَبِيعُ دُونَ صَاحِبِهِ، فَأَرَى الشَّرِكَةَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ غَيْرَ جَائِزَةٍ، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَكُونُ عَلَى الْأَمْوَالِ وَالْأَمَانَةِ أَيْضًا. وَهَذَا لَمْ يَأْتَمِنْ صَاحِبَهُ حِينَ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ عِنْدَهُ دُونَ صَاحِبِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَشْتَرِي وَيَبِيعُ دُونَ صَاحِبِهِ. وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا، هُمَا اللَّذَانِ يَشْتَرِيَانِ وَيَبِيعَانِ، غَيْرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا الَّذِي يَكُونُ الْمَالُ فِي يَدِهِ دُونَ صَاحِبِهِ، فَلَا أَرَى بِهَذَا بَأْسًا وَأَرَاهَا شَرِكَةً صَحِيحَةً

[اشْتَرَكَا وَرَأْسُ الْمَالِ سَوَاءٌ وَفَضَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي الرِّبْحِ]
فِي الشَّرِيكَيْنِ بِالْمَالِ بِالسَّوِيَّةِ يَفْضُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي الرِّبْحِ وَفِي الشَّرِكَةِ بِالْمَالِ الْغَائِبِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا وَرَأْسُ الْمَالِ سَوَاءٌ، وَفَضَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي الرِّبْحِ، أَتَجُوزُ هَذِهِ الشَّرِكَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ هَذِهِ الشَّرِكَةُ عِنْدَ مَالِكٍ.

قُلْتُ: هَلْ تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالْمَالِ الْغَائِبِ؟ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا، أَخْرَجَ هَذَا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَخْرَجَ صَاحِبُهُ خَمْسَمِائَةٍ، وَقَالَ: لِي أَلْفُ دِرْهَمٍ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الَّذِي لَهُ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَخَرَجَ الَّذِي كَانَتْ أَلْفُهُ غَائِبَةً إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ الْأَلْفُ الَّتِي زَعَمَ أَنَّهَا لَهُ هُنَاكَ، لِيُجَهِّزَ بِجَمِيعِ الْمَالِ عَلَى صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ


عَلَى أَلْفِهِ الَّتِي زَعَمَ أَنَّهَا هُنَاكَ، فَاشْتَرَى بِالْأَلْفَيْنِ تِجَارَةً؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الرِّبْحِ قَدْرَ رَأْسِ مَالِهِ، وَلَمْ يَرَ لِصَاحِبِ الْأَلْفِ الْغَائِبَةِ فِي الشَّرِكَةِ، إلَّا قَدْرَ الْخَمْسِمِائَةِ الَّتِي أَخْرَجَ. قُلْتُ: فَهَلْ جَعَلَ لَهُ مَالِكٌ أَجْرَ عَمَلِهِ؟ قَالَ: لَا، مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ أَجْرَ عَمَلِهِ. قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ هَذَا عِنْدِي مُتَطَوِّعٌ بِعَمَلِهِ، لِأَنَّهُ، لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَكَ هُوَ وَرَجُلٌ، عَلَى أَنَّ لِهَذَا ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْمَالِ.
وَلِهَذَا الرُّبْعَ، عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، فَتَطَوَّعَ صَاحِبُ رُبْعِ الْمَالِ، فَخَرَجَ فَاشْتَرَى بِجَمِيعِ الْمَالِ تِجَارَةً، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي عَمَلِهِ ذَلِكَ أَجْرٌ، فَكَذَلِكَ هَذَا. قَالَ: فَمَسْأَلَتُكَ الَّتِي سَأَلَتْنِي عَنْهَا مِنْ الشَّرِكَةِ فِي الْمَالِ الْغَائِبِ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي رَأْيِي إنْ أَخْرَجَ ذَلِكَ الْمَالَ

[فِي الشَّرِيكَيْنِ فِي الْمَالَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْ السِّكَّةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكْنَا، أَخَرَجْت أَنَا مِائَةَ دِينَارٍ هَاشِمِيَّةً، وَأَخْرَجَ صَاحِبِي مِائَةَ دِينَارٍ دِمَشْقِيَّةً، وَلِلْهَاشِمِيَّةِ صَرْفٌ غَيْرُ صَرْفِ الدِّمَشْقِيَّةِ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ هَذَا السَّاعَةَ عَنْ مَالِكٍ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُعْجِبُنِي، إذَا كَانَتْ لِلْهَاشِمِيَّةِ صَرْفٌ غَيْرُ صَرْفِ الدِّمَشْقِيَّةِ لَهَا قَدْرٌ وَقِيمَةٌ كَبِيرَةٌ، فَلَا يُعْجِبُنِي هَذَا. وَإِنْ كَانَ فَضْلُ صَرْفِ الْهَاشِمِيَّةِ شَيْئًا قَلِيلًا لَا قَدْرَ لَهُ، وَلَيْسَ لَهَا كَبِيرُ فَضْلِ صَرْفٍ، فَلَا أَرَى بِالشَّرِكَةِ بَأْسًا فِيمَا بَيْنَهُمَا. قُلْتُ: لِمَ كَرِهْتَهُ إذَا كَانَ لِلْهَاشِمِيَّةِ فَضْلٌ كَبِيرٌ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْهَاشِمِيَّةَ، إذَا كَانَ لَهَا فَضْلٌ كَبِيرٌ، فَاشْتَرَكَا عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، وَالرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَقَدْ تَفَضَّلَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي رَأْسِ الْمَالِ، وَذَلِكَ الْفَضْلُ هُوَ فِي الْعَيْنِ الَّذِي تَزِيدُ دَنَانِيرُهُ الْهَاشِمِيَّةُ عَلَى دَنَانِيرِ صَاحِبِهِ الدِّمَشْقِيَّةِ، فَلَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ رَأْسِ مَالٍ مِنْ صَاحِبِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا. فَهُمَا إنْ أَرَادَا أَيْضًا أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى قِيمَةِ الدَّنَانِيرِ الْهَاشِمِيَّةِ وَالدِّمَشْقِيَّةِ، وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ دَنَانِيرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ أَيْضًا، لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَشْتَرِكَا بِهَا عَلَى الْقِيمَةِ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ، الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ عَلَى الْوَزْنِ، وَلَا تَجُوزُ عَلَى الْقِيمَةِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا، عَلَى أَنَّ رَأْسَ مَالِ أَحَدِهِمَا أَلْفٌ يَزِيدِيَّةٌ، وَرَأْسَ مَالِ الْآخَرِ أَلْفٌ مُحَمَّدِيَّةٌ؟ قَالَ: إذَا كَانَ لِفَضْلِ الْعَيْنِ قِيمَةٌ كَبِيرَةٌ، لَا تَصْلُحُ الشَّرِكَةُ، وَإِنْ كَانَ تَافِهًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَقَدْ فَسَّرْتُ لَكَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا عَلَى رَأْسَ مَالِ هَذَا أَلْفُ دِينَارٍ هَاشِمِيَّةٌ، وَرَأْسَ مَالِ هَذَا أَلْفُ دِينَارٍ دِمَشْقِيَّةٌ، وَهُمَا فِي الصَّرْفِ يَوْمَ اشْتَرَكَا سَوَاءٌ؟ قَالَ: الشَّرِكَةُ جَائِزَةٌ. قُلْتُ: فَإِنْ افْتَرَقَا وَقَدْ حَالَ الصَّرْفُ غَلَتْ الْهَاشِمِيَّةُ وَرَخُصَتْ الدِّمَشْقِيَّةُ، مَا يَكُونُ لِصَاحِبِ الدِّمَشْقِيَّةِ فِي رَأْسِ مَالِهِ، وَمَا يَكُونُ


لِصَاحِبِ الْهَاشِمِيَّةِ فِي رَأْسِ مَالِهِ؟ قَالَ: لَا يُنْظَرُ إلَى مَا حَالَ إلَيْهَا الصَّرْفُ، وَلَكِنْ إذَا أَرَادَا الْفُرْقَةَ، اقْتَسَمَا مَا فِي أَيْدِيهِمَا بِالسَّوِيَّةِ عَرْضًا كَانَ أَوْ طَعَامًا أَوْ عَيْنًا، لِأَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمَا إذَا اشْتَرَكَا عَلَى السَّوِيَّةِ فِي رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، فَقَدْ صَارَ مَا فِي أَيْدِيهِمَا بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ فِي الْعُرُوضِ عَلَى الْقِيمَةِ إذَا اسْتَوَتْ الْقِيمَتَانِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَا شَرِيكَيْنِ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ فِي رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ السَّاعَةَ وَلَكِنْ هَذَا رَأْيِي.

[فِي الشَّرِكَةِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ]
ِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الشَّرِيكَيْنِ، يُخْرِجُ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ وَالْآخَرُ دَنَانِيرَ، ثُمَّ يَشْتَرِكَانِ بِهَا. أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ. قُلْتُ: وَلَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - بِالدَّرَاهِمِ مِنْ عِنْدِ هَذَا وَالدَّنَانِيرِ مِنْ عِنْدِ هَذَا؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: وَأَصْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الشَّرِكَةِ، أَنَّهَا لَا تَجُوزُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِهِمَا نَوْعًا وَاحِدًا مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا، جَاءَ هَذَا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَجَاءَ هَذَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، جَهِلَا ذَلِكَ، فَعَمِلَا عَلَى هَذَا حَتَّى رَبِحَا مَالًا، كَيْفَ يَصْنَعَانِ فِي رَأْسِ مَالِهِمَا؟ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَأْسُ مَالِهِ، وَيُضْرَبُ لَهُ رِبْحُهُ عَلَى قَدْرِ رِبْحِ الدَّنَانِيرِ لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ، وَالدَّرَاهِمُ مِثْلُهُ، وَالْوَضِيعَةُ كَذَلِكَ. بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، إذَا اشْتَرَكَا: أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ، فَإِنْ فَاتَ، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَأْسُ مَالِهِ، وَيُضْرَبُ لَهُ الرِّبْحُ عَلَى رَأْسِ مَالِهِ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْمَتَاعُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ؟ قَالَ: ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا بِعَيْنِهِ، يُبَاعُ وَيَقْتَسِمَانِهِ، فَيَأْخُذُ هَذَا مِنْهُ بِقَدْرِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَهَذَا بِقَدْرِ مِائَةِ دِينَارٍ، فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ كَانَ لِلْعَشَرَةِ دَرَاهِمَ دِرْهَمٌ، وَلِلْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ دِينَارٌ، وَإِنْ كَانَتْ وَضِيعَةٌ فَعَلَى هَذَا أَيْضًا يَكُونُ. وَاَلَّذِي بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: فَإِنْ اشْتَرَكَا عَلَى هَذَا كَيْفَ يَكُونُ؟ قَالَ: يَكُونُ لِهَذَا رَأْسُ مَالِهِ مِنْ الذَّهَبِ، وَلِهَذَا رَأْسُ مَالِهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى الْعَشَرَة أَحَدَ عَشَرَ، لِلدَّرَاهِمِ: لِلْعَشَرَةِ دَرَاهِمَ دِرْهَمٌ، وَلِلدَّنَانِيرِ: لِلْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ دِينَارٌ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: إنْ عَرَفَ مَا اشْتَرَى بِالدَّنَانِيرِ، وَعَرَفَ مَا اشْتَرَى بِالدَّرَاهِمِ، فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا شَرِكَةٌ فِي سِلْعَةِ صَاحِبِهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ رُءُوسُ أَمْوَالِهِمَا لَا تَعْتَدِلُ، فَيَكُونَ لِصَاحِبِ الْقَلِيلِ الرَّأْسِ الْمَالِ عَلَى صَاحِبِ الْكَثِيرِ الرَّأْسِ الْمَالِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِيمَا أَعَانَهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ - وَفِي الْمَالِ فَضْلٌ أَوْ نُقْصَانٌ - قُسِّمَ الْفَضْلُ عَلَى قَدْرِ الدَّرَاهِمِ مِنْ الدَّنَانِيرِ، إنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ مِنْ الدَّنَانِيرِ يَوْمَ اشْتَرَكَا النِّصْفَ، اقْتَسَمَاهُ عَلَى النِّصْفِ.
وَإِنْ كَانَتْ الثُّلُثَ فَعَلَى ذَلِكَ. وَيَرْجِعُ الْقَلِيلُ الرَّأْسِ الْمَالِ عَلَى الْكَثِيرِ


الرَّأْسِ الْمَالِ بِأَجْرِ مِثْلِهِ فِيمَا أَعَانَهُ، لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ السِّلَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ رَأْسِ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ الطَّعَامِ إذَا اشْتَرَكَا بِهِ شَرِكَةً فَاسِدَةً، فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى اخْتَلَطَا وَاشْتَرَيَا بِهِ، فَإِنَّهُمَا يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ قَمْحِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ قَمْحِ صَاحِبِهِ، عَلَى مَا فِي صَدْرِ الْكِتَابِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَرَجْت أَنَا أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَخْرَجَ صَاحِبِي مِائَةَ دِينَارٍ، فَبِعْتُهُ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ بِخَمْسِينَ دِينَارًا، فَاشْتَرَكْنَا أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: لِمَ قَالَ: لِأَنَّ هَذَا صَرْفٌ وَشَرِكَةٌ فَلَا يَجُوزُ وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ وَلَا خَيْرَ فِيهِ. قُلْتُ: فَإِنْ أَخْرَجَ رَجُلٌ خَمْسِينَ دِينَارًا وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَخْرَجَ صَاحِبُهُ خَمْسِينَ دِينَارًا وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَاشْتَرَكَا جَمِيعًا، أَتَجُوزُ هَذِهِ الشَّرِكَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: مَا فَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؟ قَالَ: لِأَنَّ فِي الْأُولَى مَعَ الشَّرِكَةِ صَرْفٌ، وَهَذِهِ لَيْسَ فِيهَا صَرْفٌ. قُلْتُ: وَكَانَ مَالِكٌ يُجِيزُ أَنْ يَشْتَرِكَا، مِنْ عِنْدِ هَذَا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، وَمِنْ عِنْدِ صَاحِبِهِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ ذَهَبٌ مِثْلُ ذَهَبِ هَذَا، وَفِضَّةٌ مِثْلُ فِضَّةِ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ.

[فِي الشَّرِكَةِ بِالدَّنَانِيرِ وَالطَّعَامِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا حِنْطَةٌ، وَمِنْ عِنْدِ الْآخَرِ دَرَاهِمُ، بَعْدَ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْحِنْطَةِ وَالدَّرَاهِمِ سَوَاءً، أَتَرَى بَأْسًا أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى ذَلِكَ، وَيَكُونَ الْعَمَلُ عَلَيْهِمَا، النُّقْصَانُ وَالرِّبْحُ وَالْعَمَلُ بِالسَّوِيَّةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ الثُّلُثَيْنِ، وَقِيمَةُ الْحِنْطَةِ الثُّلُثَ، فَاشْتَرَكَا عَلَى أَنَّ عَلَى صَاحِبِ الدَّرَاهِمِ ثُلُثَيْ الْعَمَلِ، وَعَلَى صَاحِبِ الْحِنْطَةِ ثُلُثَ الْعَمَلِ، وَالرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْحِنْطَةِ الثُّلُثَيْنِ، وَالدَّرَاهِمُ الثُّلُثَ، فَاشْتَرَكَا عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، وَعَلَى أَنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَمَلِ عَلَى قَدْرِ رَأْسِ مَالِهِ وَرِبْحِهِ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ أَيْضًا عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا دَنَانِيرُ، وَمِنْ عِنْدِ الْآخَرِ عُرُوضٌ، وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ أَوْ قِيمَتُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ، فَذَلِكَ جَائِزٌ أَيْضًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، بِحَالِ مَا وَصَفْتَ لِي فِي الدَّرَاهِمِ وَالْحِنْطَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَبِالْعُرُوضِ وَبِالدَّنَانِيرِ وَبِالدَّرَاهِمِ، جَائِزٌ أَيْضًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ بِحَالِ مَا وَصَفْتَ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَلِمَ جَوَّزَ مَالِكٌ الشَّرِكَةَ إذَا كَانَ مَنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا طَعَامٌ وَمِنْ عِنْدِ الْآخَرِ دَرَاهِمُ، وَالدَّرَاهِمُ الثُّلُثَانِ وَقِيمَةُ الطَّعَامِ الثُّلُثُ، إذَا كَانَ الْعَمَلُ عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا وَالرِّبْحُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَدْخُلْهُ قَرْضٌ وَشَرِكَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَدْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا أَلْفَانِ، وَمِنْ عِنْدِ الْآخَرِ أَلْفٌ، عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، وَالْعَمَلَ عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا؟ فَالطَّعَامُ وَالدَّرَاهِمُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ وَالْعُرُوضُ وَالدَّرَاهِمُ


بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، وَكَذَلِكَ الطَّعَامُ وَالْعُرُوضُ، إذَا زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، إذَا اشْتَرَطَا الْعَمَلَ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، وَالرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا.

[فِي الشَّرِيكَيْنِ بِالْمَالَيْنِ يُضَيَّعُ أَحَدُ الْمَالَيْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ، مِنْ عِنْدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَأَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفَهُ فَصَرَّهَا، وَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفَهُ عِنْدَهُ، وَلَمْ يَخْلِطَاهَا حَتَّى ضَاعَتْ إحْدَى الْأَلْفَيْنِ؟ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْهَا فَقَالَ: إذَا كَانَ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَرَاهِمُهُ وَلَمْ يَخْلِطَاهَا، فَضَاعَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَهُوَ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِهِ الَّذِي ضَاعَ مِنْهُ، لِأَنَّ هَذَيْنِ لَمْ يَخْلِطَا الْمَالَ الَّذِي اشْتَرَكَا بِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَلَوْ كَانَا قَدْ صَرَّا كُلَّ أَلْفٍ فِي خِرْقَةٍ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ جَمَعَاهُمَا عِنْدَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، أَوْ جَعَلَاهُمَا فِي خُرْجِ أَحَدِهِمَا، فَضَاعَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا، كَانَتْ الْمُصِيبَةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي خَرِيطَتِهَا لَمْ يَخْلِطَاهَا. قَالَ: وَسَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الرَّجُلَيْنِ، يَشْتَرِكَانِ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ، يُخْرِجُ أَحَدُهُمَا مِائَةَ دِينَارٍ عِتْقًا، وَهَذَا مِائَةَ دِينَارٍ هَاشِمِيَّةً، فَاشْتَرَكَا، ثُمَّ ضَاعَتْ إحْدَى الْمِائَتَيْنِ وَقَدْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي خَرِيطَةٍ؟ قَالَ: إنْ كَانَتَا كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَعَ صَاحِبِهَا، فَمُصِيبَتُهَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَا قَدْ جَمَعَاهَا فِي خُرْجٍ أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا، إلَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَصْرُورَةٌ عَلَى حِدَةٍ فَأُصِيبَتْ إحْدَاهُمَا. قَالَ مَالِكٌ: الْمُصِيبَةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا إذَا جَعَلَاهَا عِنْدَ أَحَدِهِمَا، أَوْ جَمَعَاهَا فِي خُرْجِ أَحَدِهِمَا. فَلَوْ كَانَ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ مَكْرُوهًا لَقَالَ لَنَا لَا خَيْرَ فِي هَذِهِ الشَّرِكَةِ، وَلَكَانَ يَنْبَغِي فِي قَوْلِهِ إنْ كَانَ هَذَا مَكْرُوهًا، أَنْ يَجْعَلَ الْمُصِيبَةَ فِيهِ مِنْ الَّذِي ذَهَبَتْ دَنَانِيرُهُ. قَالَ: وَإِنَّمَا جَوَّزَهُ مَالِكٌ عِنْدِي، لِأَنَّهُ لَا فَضْلَ فِيمَا بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْهَاشِمِيَّةِ فِي الْعَيْنِ، وَعَلَى هَذَا حَمَلَهُ مَالِكٌ أَنَّهُ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #234  
قديم 03-01-2026, 04:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,860
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي




اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الثالث
من صــ 614الى صــ 623
الحلقة(234)






قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَرِيكَيْنِ اشْتَرَكَا، وَرَأْسُ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفُ دِرْهَمٍ، عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا جَمِيعًا التِّجَارَاتِ. وَأَلْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَهُ لَمْ يَخْلِطَاهَا، حَتَّى اشْتَرَى أَحَدُهُمَا بِأَلْفِهِ جَارِيَةً عَلَى الشَّرِكَةِ، وَتَلِفَتْ الْأَلْفُ الَّتِي لِشَرِيكِهِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا شَرِيكُهُ سِلْعَةً؟ قَالَ: أَرَى الْجَارِيَةَ بَيْنَهُمَا، وَمُصِيبَةُ الْأَلْفِ مِنْ صَاحِبِ الْأَلْفِ. لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي غَيْرَ مَرَّةٍ، فِي الرَّجُلَيْنِ يَشْتَرِكَانِ بِمَالَيْنِ، وَرَأْسُ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ، وَهِيَ فِي يَدَيْ صَاحِبِهَا، قَالَ: مُصِيبَةُ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَخْلِطَا ذَلِكَ أَوْ يَجْمَعَا ذَلِكَ فِي خُرْجٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ أَلْفٍ مَصْرُورَةً عَلَى حِدَةٍ، فَضَاعَتْ أَلْفُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ مَا فَعَلَا مَا وَصَفْتُ لَكَ؟ قَالَ مَالِكٌ: فَالْمُصِيبَةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
وَاَلَّذِي ذَكَرْتُ أَنَّهُمَا لَمْ يَخْلِطَا، فَهَذَا لَمَّا اشْتَرَى الْجَارِيَةَ، فَقَدْ فَعَلَ فِي أَلْفِهِ مَا أَمَرَهُ بِهِ صَاحِبُهُ. فَمُصِيبَةُ الْجَارِيَةِ مِنْهُمَا جَمِيعًا،

وَضَيَاعُ الْأَلْفِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْ فِيهَا صَاحِبُهَا شَيْئًا مِنْ صَاحِبِهَا. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ لَا يَنْعَقِدُ بَيْنَهُمَا شِرْكٌ، لِأَنَّ الشِّرْكَ لَا يَكُونُ إلَّا أَنْ يَخْلِطَا الْمَالَ. أَلَا تَرَى أَنَّ صَاحِبَ الْمِائَةِ الَّتِي اشْتَرَى بِهَا، يَقُولُ لَمْ أَرْضَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعِي نَصِيبٌ فِي مَالِي، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِي مَعَهُ نَصِيبٌ فِي مَالِهِ، فَإِذَا كَانَ لَمْ يَنْعَقِدْ لِي فِي مَالِهِ شَرِكَةٌ، فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي مَالِي. أَوْ لَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَدْ قَالَ، فِي الَّذِي أَخْرَجَ مِائَتَيْنِ، وَأَخْرَجَ الْآخَرُ مِائَةً، فَاشْتَرَكَا عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَالنُّقْصَانَ عَلَيْهِمَا، فَفَعَلَا وَاشْتَرَيَا عَلَى ذَلِكَ: لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُمَا بِاَلَّذِي يُوجِبُ لِصَاحِبِ الْقَلِيلِ الرَّأْسِ الْمَالِ فِي مَالِ صَاحِبِهِ الْكَثِيرِ الرَّأْسِ الْمَالِ نِصْفَهُ، وَقَدْ فَعَلَا عَلَى الرِّضَا مِنْهُمَا، وَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُمَا، إنْ وَقَعَتْ وَضِيعَةٌ أَنْ يَضْمَنَ الْقَلِيلُ الرَّأْسِ الْمَالِ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ الْكَثِيرِ الرَّأْسِ الْمَالِ شَيْئًا، فَلَا تَكُونُ شَرِكَةً إلَّا مَا خَلَطَا وَجَمَعَا.

[فِي الشَّرِيكَيْنِ فِي الْبَلَدَيْنِ يُجَهِّزُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ كَيْفَ نَفَقَتُهُمَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكْنَا بِمَالٍ كَثِيرٍ، وَهُوَ فِي بَلَدٍ وَأَنَا فِي بَلَدٍ، يُجَهِّزُ عَلَيَّ وَأُجَهِّزُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. قُلْتُ: تَحْفَظْهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، كَيْفَ يَصْنَعَانِ فِي نَفَقَتِهِمَا؟ قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الشَّرِيكَيْنِ يَكُونَانِ فِي بَلَدَيْنِ، يُجَهِّزُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَأَسْعَارُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ، فَيُنْفِقُ هَذَا هَاهُنَا وَيُنْفِقُ هَذَا هَاهُنَا، أَتَرَى أَنْ يَحْسِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا أَنْفَقَ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى ذَلِكَ، وَأَرَى أَنْ تُلْغَى نَفَقَةُ هَذَا وَنَفَقَةُ هَذَا جَمِيعًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الْمُنْفَرِدُ بِيَدَيْهِ لَا عِيَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، وَالْآخَرُ لَهُ عِيَالٌ وَوَلَدٌ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا، رَأَيْتُ أَنْ يَحْسُبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا أَنْفَقَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا عَلَى ذَلِكَ، رَأَيْتُ أَنْ تُلْغَى النَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَا فِي بَلَدَيْنِ، فَاخْتَلَفَتْ الْأَسْعَارُ: إنَّ النَّفَقَةَ تُلْغَى بَيْنَهُمَا، فَإِذَا كَانَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، فَذَلِكَ أَحْرَى أَنْ تُلْغَى النَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا، لَا شَكَّ فِي هَذَا إذَا كَانَ لَهُمَا عِيَالٌ.

[الشَّرِكَةُ فِي الْمُفَاوَضَةِ]
ِ قُلْتُ: هَلْ يَعْرِفُ مَالِكٌ شَرِكَةَ عِنَانٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ، وَلَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ يَعْرِفُهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَا اشْتَرَكَا فِيهِ، إنْ كَانَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ فَقَدْ تَفَاوَضَا، وَإِنْ كَانَا إنَّمَا اشْتَرَكَا فِي أَنْ اشْتَرَيَا نَوْعًا وَاحِدًا مِنْ التِّجَارَةِ مِثْلَ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ، فَقَدْ تَفَاوَضَا فِي ذَلِكَ النَّوْعِ. فَأَمَّا الْعِنَانُ، فَلَا يُعْرَفُ وَلَا نَعْرِفُهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إلَّا مَا وَصَفْتُ لَكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَكَا فِي شِرَاءِ الرَّقِيقِ وَحْدَهَا، أَتَرَاهُمَا مُتَفَاوِضَيْنِ فِي شِرَاءِ الرَّقِيقِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ هَذَا جَائِزٌ إذَا اشْتَرَكَا عَلَى أَصْلِ مَالٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ مُفَاوَضَةٌ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ عَلَى الثُّلُثَيْنِ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَيَكُونَانِ مُتَفَاوِضَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ هَذَا جَائِزٌ إنْ اشْتَرَكَا عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ


[الشَّرِكَةُ فِي مَالِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ]
ِ قُلْتُ: هَلْ يَكُونَانِ مُتَفَاوِضَيْنِ، وَلِأَحَدِهِمَا مَالٌ دُونَ صَاحِبِهِ عَرْضٌ أَوْ نَاضٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَلَا تَفْسُدُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا، إذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ أَوْ عَرْضٌ دُونَ صَاحِبِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا تَفْسُدُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ عَلَى رَجُلٍ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ مُفَاوَضَةٌ فِي جَمِيعِ مَالِهِ أَيَكُونُ جَمِيعُ مَا فِي يَدَيْ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَيْنَهُمَا، إلَّا مَا أَقَامَا عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، أَنَّهُ وَرِثَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ، أَوْ وُهِبَ لَهُ، أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ، أَوْ كَانَ لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَفَاوَضَا وَأَنَّهُ لَمْ يُفَاوِضْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ هَذَا مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّهُ رَأْيِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا فَضْلُ مَالٍ، دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ وَرِثَهَا، أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ، أَتَنْقَطِعُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا تَنْقَطِعُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا لِذَلِكَ، وَيَكُونُ مَا وَرِثَ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ، لَهُ خَاصَّةً دُونَ صَاحِبِهِ.

[اشْتَرَى أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ مِنْ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَيَلْزَمُ شَرِيكَهُ]
فِي الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَلْزَمُ صَاحِبَهُ مِنْ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ وَالْمُدَايِنَةِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا اشْتَرَى أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ مِنْ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، أَيَلْزَمُ شَرِيكَهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: ذَلِكَ لَازِمٌ لِشَرِيكِهِ. قَالَ: وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ فُقَهَاءَ يَعْرِفُونَ مَا يَشْتَرُونَ وَمَا يَبِيعُونَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَذَلِكَ لَازِمٌ لِشَرِيكِهِ إذَا فَاتَ كَمَا كَانَ يَلْزَمُهُ وَحْدَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَرِيكٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا اشْتَرَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مَنْ طَعَامٍ أَوْ كُسْوَةٍ، لِنَفْسِهِ أَوْ لِعِيَالِهِ، أَيَكُونُ لِبَائِعِ الطَّعَامِ أَوْ الْكُسْوَةِ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ مِنْ أَيِّ الشَّرِيكَيْنِ قَدَرَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: مَا اشْتَرَيَا مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَفَقَةٍ أَنْفَقَاهَا عَلَيْهِمَا أَوْ عَلَى عِيَالِهِمَا، كَانَ ذَلِكَ فِي مَالِ التِّجَارَةِ، لِأَنَّهُ يُلْغِي ذَلِكَ إذَا كَانَا جَمِيعًا لَهُمَا عِيَالٌ.
فَلَمَّا قَالَ مَالِكٌ: تُلْغَى النَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا، عَلِمْنَا أَنَّ مَا أَنْفَقَا إنَّمَا هُوَ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ وَالْكُسْوَةُ، لَهُمَا أَوْ لِعِيَالِهِمَا، إنَّمَا هُوَ أَيْضًا مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ يُلْغِي الْكُسْوَةَ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: تُلْغَى النَّفَقَةُ، فَالْكُسْوَةُ مِنْ النَّفَقَةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ كُسْوَةً لَيْسَ مِمَّا يَبْتَذِلُهَا الْعِيَالُ، وَإِنَّمَا هِيَ كُسْوَةٌ مِثْلُ الْقَصَبِيِّ وَالشَّطَوِيِّ وَالْوَشِيِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ لَا يُلْغَى. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا اشْتَرَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، أَيَكُونُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ بِالثَّمَنِ الشَّرِيكَ الْآخَرَ، الَّذِي لَمْ يَشْتَرِ مِنْهُ شَيْئًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَا مُتَفَاوِضَيْنِ، لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا اشْتَرَى صَاحِبُهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الدَّيْنَ يَكُونُ عَلَى رَجُلٍ لِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ فَيَقْبِضُهُ شَرِيكُهُ؟ قَالَ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ

[فِي مُفَاوَضَةِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ]
ِ قُلْتُ: هَلْ تَجُوزُ مُفَاوَضَةُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، وَذَلِكَ


أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَارِضَ الْعَبْدُ الْحُرَّ، إذَا كَانَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالَهُ مُقَارَضَةً.

قُلْتُ: وَشَرِكَةُ الْعَبِيدِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ جَائِزَةٌ؟ قَالَ: جَائِزَةٌ فِي رَأْيِي إذَا أُذِنَ لَهُمْ فِي التِّجَارَةِ.

[فِي شَرِكَةِ الْمُسْلِمِ النَّصْرَانِيَّ وَالرَّجُلِ الْمَرْأَةَ]
َ قُلْتُ: أَتَصْلُحُ شَرِكَةُ النَّصْرَانِيِّ الْمُسْلِمَ، وَالْيَهُودِيِّ الْمُسْلِمَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يَغِيبُ النَّصْرَانِيُّ وَالْيَهُودِيُّ عَلَى شَيْءٍ، فِي شِرَاءٍ وَلَا بَيْعٍ وَلَا قَبْضٍ وَلَا صَرْفٍ وَلَا تَقَاضِي دَيْنٍ إلَّا بِحَضْرَةِ الْمُسْلِمِ مَعَهُ. فَإِنْ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا الَّذِي وَصَفْتُ لَكَ وَإِلَّا فَلَا. قُلْتُ: هَلْ تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا عَلِمْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا كَرَاهِيَةً، وَلَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يَشُكُّ فِي هَذَا، وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا قُلْتُ: وَكَذَلِكَ شَرِكَةُ النِّسَاءِ مَعَ النِّسَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: أَيُشَارِكُ الْمُسْلِمُ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ؟ فَقَالَ: فَلَا يَفْعَلُ، لِأَنَّهُمْ يُرْبُونَ وَأَنَّ الرِّبَا لَا يَحِلُّ لَكَ. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مِثْلُهُ، قَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ. وَقَالَ اللَّيْثُ مِثْلَهُ.

[فِي الشَّرِيكَيْنِ يَتَفَاوَضَانِ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا وَيَبِيعَا وَيَتَدَايَنَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا مَالًا، وَأَخْرَجَ الْآخَرُ مَالًا مِثْلَهُ، ثُمَّ اشْتَرَكَا وَتَفَاوَضَا، عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا بِهَذَا الْمَالِ وَبِالدَّيْنِ أَيْضًا، وَيَبِيعَا بِالدَّيْنِ أَيْضًا، فَمَا رَزَقَهُمَا اللَّهُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَفَاوَضَا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا بِأَكْثَرَ مِنْ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ، إلَّا عَلَى الْأَمْوَالِ. فَإِنْ فَعَلَا فَاشْتَرَيَا بِالدَّيْنِ، كَانَ مَا اشْتَرَيَا بَيْنَهُمَا أَيْضًا. قَالَ سَحْنُونُ: وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ بِهَذِهِ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ، اللَّذَيْنِ لَمْ يَخْلِطَا وَهَذِهِ الَّتِي تَحْتَهَا مِثْلُهَا.

قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَى هَذَا سِلْعَةً عَلَى حِدَةٍ بِالدَّيْنِ بِأَكْثَرَ مِنْ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا، وَاشْتَرَى صَاحِبُهُ كَذَلِكَ، أَيَكُونُ مَا اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ، أَمْ يَكُونُ مَا اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ خَاصَّةً، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا بِالدَّيْنِ بِأَكْثَرَ مِنْ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا لَا يُعْجِبُكَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَرَى كُلَّ مَا اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ، لِأَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ عَلَيْهِ، فَأَرَى مَا اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصِيرُ نِصْفُهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَنِصْفُهُ عَلَيْهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَفَاوَضَ رَجُلَانِ بِمَالٍ أَخْرَجَاهُ، عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا الرَّقِيقَ وَيَبِيعَا، أَوْ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا جَمِيعَ السِّلَعِ وَيَبِيعَا تَفَاوُضًا، وَلَمْ يَذْكُرَا بَيْعَ الدَّيْنِ فِي أَصْلِ شَرِكَتِهِمَا. فَبَاعَ أَحَدُهُمَا بِالدَّيْنِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ شَرِيكُهُ، وَقَالَ: لَا أُجِيزَ لَكَ أَنْ تَبِيعَ عَلَيَّ بِالدَّيْنِ.
أَيَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى شَرِيكِهِ بِالدَّيْنِ أَمْ لَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَأَرَى ذَلِكَ جَائِزًا عَلَى شَرِيكِهِ.


[فِي الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَشْتَرِي أَحَدُهُمَا لِنَفْسِهِ جَارِيَةً أَوْ طَعَامًا مِنْ الشَّرِكَةِ]
ِ قُلْتُ: فَإِنْ تَفَاوَضَا فِي شِرَاءِ التِّجَارَاتِ كُلِّهَا، بِمَالٍ اشْتَرَكَا فِيهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَالٌ دُونَ صَاحِبِهِ، فَاشْتَرَى أَحَدُهُمَا جَارِيَةً، فَقَالَ شَرِيكُهُ: هِيَ بَيْنِي وَبَيْنَك، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: إنَّمَا اشْتَرَيْتهَا لِنَفْسِي؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هِيَ بَيْنَهُمَا، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهَا بِمَا فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ الْمَالِ الَّذِي اشْتَرَكَا فِيهِ. وَلَوْ أَنَّهُ أَشْهَدَ حِينَ اشْتَرَاهَا، أَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِيهَا لِنَفْسِهِ مَا جَازَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَكَانَ شَرِيكُهُ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ، لِأَنَّهُمَا قَدْ تَفَاوَضَا فِي جَمِيعِ مَا فِي أَيْدِيهِمَا مِمَّا يَمْلِكَانِ مِنْ أَمْوَالِهِمَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَفَاوَضَا وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَالٌ دُونَ صَاحِبِهِ، ثُمَّ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا جَارِيَةً لِلْوَطْءِ أَوْ لِلْخِدْمَةِ، بِمَالٍ مِنْ شَرِكَتِهِمَا، أَتَكُونُ الْجَارِيَةُ لَهُ أَمْ تَكُونُ مِنْ الشَّرِكَةِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهَا بِمَالِ الشَّرِكَةِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا مُتَفَاوِضَيْنِ، كَانَا يَشْتَرِيَانِ الْجَوَارِيَ. فَيَشْتَرِيَانِ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ، فَيَشْتَرِي هَذَا الْجَارِيَةَ فَيَطَؤُهَا، فَإِذَا بَاعَهَا رَدَّ ثَمَنَهَا فِي رَأْسِ الْمَالِ، وَيَفْعَلُ شَرِيكُهُ كَذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا. قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: إنَّهُ قِيلَ لَهُمَا لَا خَيْرَ فِي هَذَا، فَكَيْفَ يَفْعَلَانِ بِمَا فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ الْجَوَارِي مِمَّا قَدْ اشْتَرَيَا عَلَى هَذَا الشِّرَاءِ؟ قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يَتَقَاوَمَاهَا فِيمَا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ اشْتَرَاهَا الَّذِي هِيَ عِنْدَهُ، كَانَتْ عَلَيْهِ بِرَأْسِ مَالٍ قَدْ عَرَفَهُ، وَالْآخَرُ مِثْلُ ذَلِكَ، فَيَحِلُّ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَطَأَهَا.
قُلْتُ: وَلِمَ لَا يَكُونُ الْمُشْتَرِي مِنْ هَذَيْنِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، حِينَ اشْتَرَى الْجَارِيَةَ مِنْ مَالٍ هُوَ بَيْنَهُمَا اشْتَرَاهَا لِلْوَطْءِ أَوْ لِلْخِدْمَةِ، أَنْ لَا يَجْعَلَهُ مَالِكٌ غَاصِبًا لِلدَّنَانِيرِ حَتَّى اشْتَرَى بِهَا جَارِيَةً لِغَيْرِ التِّجَارَةِ، وَيَجْعَلَ الْجَارِيَةَ جَارِيَتَهُ، وَيَجْعَلَ عَلَيْهِ مِثْلَ نِصْفِ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ؟ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ غَصَبَ مِنْ رَجُلٍ دَنَانِيرَ، فَاشْتَرَى بِهَا جَارِيَةً، عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ مِثْلَ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ، وَلَا تَكُونُ الْجَارِيَةُ لِلَّذِي غُصِبَتْ مِنْهُ الدَّنَانِيرُ وَإِنْ قَالَ الْمَغْصُوبُ أَنَا آخُذُ الْجَارِيَةَ، لِأَنَّهَا إنَّمَا اُشْتُرِيَتْ بِدَنَانِيرِي، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ؟ قَالَ: فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا، أَنَّ الْمُفَاوِضَ مَأْمُورٌ، لِأَنَّهُ، كَأَنَّهُ رَجُلٌ أَبْضَعَ مِنْهُ بِضَاعَةً، أَمَرَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا سِلْعَةً، فَخَالَفَ، فَرَبُّ الْمَالِ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَأْخُذَ مَا اشْتَرَى الْمُبْضَعُ مَعَهُ، أَوْ يُسَلِّمَهَا وَيَأْخُذَ رَأْسَ مَالِهِ. فَهَذَا إنَّمَا يَشْتَرِي بِمَالِ الشَّرِكَةِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ. فَشَرِيكُهُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَنْفَذَهَا لَهُ بِمَا اشْتَرَاهَا الْمُشْتَرِي، وَإِنْ شَاءَ قَاوَمَهُ إيَّاهَا. قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ: إنْ شَاءَ أَنْفَذَهَا لَهُ بِالثَّمَنِ، وَلَكِنْ هَكَذَا رَأْيِي. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: الشَّرِيكُ لَا أُقَاوِمُهُ وَلَا أَنْفُذُهَا لَهُ، وَلَكِنِّي أَرُدُّ الْجَارِيَةَ فِي الشَّرِكَةِ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ يَتَقَاوَمَانِهَا. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: ذَلِكَ لَهُ. قُلْتُ: فَهَذَا خِلَافُ الْمُبْضَعِ مَعَهُ، لِأَنَّ الْمُبْضَعَ مَعَهُ رَبُّ الْمَالِ، مُخَيَّرٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إنْ


شَاءَ أَخْذَهَا وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ مَالَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ مُخَالِفٌ لَهُ. وَأَمَّا هَذَا الْمُشْتَرِي الْمُفَاوِضُ فَقَدْ وَطِئَ جَارِيَةً هِيَ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ جَارِيَةً بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا وَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُ، أَنَّهَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وَطِئَهَا.
فَهَذَا الْمُفَاوِضُ لَمَّا وَطِئَ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بُدٌّ مِنْ أَنْ يَتَقَاوَمَاهَا، لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ مَالًا بَيْنَهُمَا فَاشْتَرَى بِهِ وَهُوَ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ لَهُ جَائِزٌ. وَأَنَّ الْمُبْضَعَ مَعَهُ إنَّمَا اشْتَرَى لِنَفْسِهِ لِيَسْتَأْثِرَ بِالرِّبْحِ، وَلِيَقْطَعَ عَنْ صَاحِبِهِ مَنْفَعَةَ مَا أَبْضَعَ مَعَهُ فِيهِ. وَإِنَّمَا قُلْتُ لَكَ هَذَا، لِأَنَّ التَّعَدِّيَ لَيْسَ كُلُّهُ بِوَاحِدٍ، أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَوْدَعَ مَالًا، ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ جَارِيَةً، لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْوَدِيعَةِ مِنْ الْجَارِيَةِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. فَهَذَا أَيْضًا - فِي هَذَا الْوَجْهِ - مُخَالِفٌ لِلْبِضَاعَةِ وَالْقِرَاضِ، وَقَدْ كَانَا جَمِيعًا أَمِينَيْنِ فِيمَا فِي أَيْدِيهِمَا، مُصَدَّقًا قَوْلَهُمَا فِيمَا فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ ذَلِكَ، فَلِكُلِّ مُتَعَدٍّ سُنَّةٌ يُحْمَلُ عَلَيْهَا، فَمَنْ غَصَبَ دَنَانِيرَ مِنْ رَجُلٍ، فَاشْتَرَى بِهَا سِلْعَةً، لَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ إلَّا مِثْلُ دَنَانِيرِهِ. وَمَنْ اسْتَوْدَعَ دَنَانِيرَ، فَاشْتَرَى بِهَا سِلْعَةً، لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الدَّنَانِيرِ إلَّا مِثْلُ دَنَانِيرِهِ أَيْضًا. وَمَنْ أُبْضِعَ مَعَهُ أَوْ قُورِضَ فَخَالَفَ، كَانَ رَبُّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ، وَإِنَّمَا حُمِلَ الشَّرِيكَانِ، عَلَى أَنَّ الْجَارِيَةَ الَّتِي اشْتَرَاهَا لِلْوَطْءِ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ، أَنَّهَا بَيْنَهُمَا فَلِذَلِكَ أَمَرَهُمَا أَنْ يَتَقَاوَمَاهَا. قُلْتُ: وَاَلَّذِي ذَكَرْتَ لِي مِنْ أَمْرِ الْغَصْبِ الْوَدِيعَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْبِضَاعَةِ إذَا تَعَدَّوْا، هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا اشْتَرَى طَعَامًا لِيَأْكُلَهُ أَوْ لِبَيْتِهِ، فَطَلَبَ صَاحِبُهُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي ذَلِكَ الطَّعَامِ؟ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ، وَلَا أَرَى هَذَا مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ عَرَفَ حِينَ اشْتَرَكَا، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُنْفِقُ فِي مَنْزِلِهِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا لِمَنْزِلِهِ لِيَأْكُلَهُ، مِنْ قَمْحٍ أَوْ سَمْنٍ أَوْ لَحْمٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَوْ كُسْوَةٍ مِمَّا يُعْرَفُ أَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهَا لِعِيَالِهِ، ابْتَغَى لِصَاحِبِهِ أَنْ يُدَارِكَهُ وَيَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ.

[أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَبِيعُ وَيُؤَخِّرُ بِالدَّيْنِ]
ِ وَيَضَع ثَمَن السَّلَع طَلَب الْفَضْل وَالِاسْتِغْزَار
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، بَاعَ أَحَدُهُمَا سِلْعَةً بِالدَّيْنِ إلَى أَجَلٍ، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ، أَخَّرَهُ الشَّرِيكُ الْآخَرُ، أَوْ أَخَّرَهُ الشَّرِيكُ الَّذِي بَاعَهُ السِّلْعَةَ، هَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَكِيلِ يَكُونُ لِلرَّجُلِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ، يَبِيعُ لَهُ مَتَاعَهُ وَيَقْتَضِي لَهُ الثَّمَنَ، فَبَاعَ بَعْضَ مَتَاعِهِ إلَى أَجَلٍ، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَّرَ الْوَكِيلُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، قَالَ: إذَا كَانَ تَأْخِيرُهُ إيَّاهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِرَبِّ الْمَتَاعِ، إنَّمَا أَخَّرَهُ لِيَسْتَأْنِفَهُ فِي الشِّرَاءِ مِنْهُ، وَلَمْ يُؤَخِّرْهُ لِمَعْرُوفٍ صَنَعَهُ الْوَكِيلُ بِهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ، لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْوَكِيلِ هَذَا، إنَّمَا هُوَ نَظَرً لِرَبِّ الْمَتَاعِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ التِّجَارَةِ. وَإِنْ أَخَّرَهُ طَلَبُ مَعْرُوفٍ صَنَعَهُ الْوَكِيلُ


بِالْمُشْتَرِي، فَهَذَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَصْنَعَ الْمَعْرُوفَ فِي مَالِ رَبِّ الْمَتَاعِ إلَّا بِأَمْرِهِ. فَكَذَلِكَ الشَّرِيكَانِ اللَّذَانِ سَأَلْتَنِي عَنْهُمَا، لَا يَجُوزُ أَنْ يَصْنَعَ أَحَدُهُمَا الْمَعْرُوفَ فِي مَالِ صَاحِبِهِ إلَّا بِأَمْرِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ وَجْهِ التِّجَارَةِ فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى صَاحِبِهِ. فَإِذَا أَخَّرَهُ إرَادَةُ اسْتِئْلَافِ الْمُشْتَرِي لِيَشْتَرِيَ مِنْهُ، فَذَلِكَ جَائِزٌ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ وَضَعَ أَحَدُهُمَا لِلْمُشْتَرِي مِنْ رَأْسِ الْمَالِ بَعْدَ مَا وَجَبَ الْبَيْعُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ، فِي الْوَكِيلِ الَّذِي وَصَفْتُ لَكَ: إنَّهُ إذَا وَضَعَ عَنْ الْمُشْتَرِي إرَادَةَ الِاسْتِغْزَارِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِرَبِّ الْمَتَاعِ وَاسْتِئْلَافِ الْمُشْتَرِي، فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى رَبِّ الْمَتَاعِ. فَكَذَلِكَ الشَّرِيكَانِ الْمُتَفَاوِضَانِ أَيْضًا، يَجُوزُ عَلَيْهِمَا عِنْدِي مَا جَوَّزَ مَالِكٌ عَلَى رَبِّ الْمَتَاعِ، فِيمَا وَضَعَ الْوَكِيلُ عَنْ الْمُشْتَرِي.

[فِي أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَضَعُ مِنْ ثَمَنِ السِّلَعِ وَيُؤَخِّرُ بِالدَّيْنِ إرَادَةَ الْمَعْرُوفِ]
ِ قُلْتُ: فَإِنْ وَضَعَ الْوَكِيلُ أَوْ الشَّرِيكُ عَنْ الْمُشْتَرِي إرَادَةَ مَعْرُوفٍ يَصْنَعُهُ إلَيْهِ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّرِيكَيْنِ، إذَا وَضَعَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْمُشْتَرِي عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ، أَوْ أَخَّرَ الْمُشْتَرِي عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي حِصَّتِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ فِي حِصَّتِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ السَّاعَةَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا صَنَعَ الْوَكِيلُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ التَّأْخِيرِ وَالْوَضِيعَةِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ جَائِزًا لِلْمُشْتَرِي؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَيَرُدُّ الْمُشْتَرِي مَا صَنَعَ بِهِ الْوَكِيلُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِرَبِّ الْمَتَاعِ أَنْ يَرُدَّ مَا صَنَعَ الْوَكِيلُ فِي مَالِهِ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: فَإِنْ ضَاعَ مَا صَنَعَ الْوَكِيلُ فِي مَالِ رَبِّ الْمَتَاعِ مِنْ الْمَعْرُوفِ، أَيَضْمَنُ الْوَكِيلُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْوَكِيلِ، هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ كُلُّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.

[أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بَاعَ جَارِيَة إلَيْهِ أَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا الْآخَرُ بِثَمَنٍ أَقَلَّ قَبْلَ الْأَجَلِ]
أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بَاعَ جَارِيَة إلَى أَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا الْآخَرُ بِثَمَنٍ أَقَلَّ قَبْلَ الْأَجَلِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ جَارِيَةً بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، بَاعَهَا أَحَدُهُمَا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ، أَيَصْلُحُ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ قَبْلَ الْأَجَلِ نَقْدًا؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا، إلَّا بِمَا يَصْلُحُ لِبَائِعِهَا أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِهِ.

[فِي أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يُبْضِعُ الْبِضَاعَةَ ثُمَّ يَمُوتُ أَحَدُهُمَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَبْضَعَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ مَعَ رَجُلٍ دَنَانِيرَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ لِيَشْتَرِيَ بِهَا سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ، فَمَاتَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَعَلِمَ بِذَلِكَ الْمُبْضَعُ مَعَهُ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي أَبْضَعَهُ مَعَهُ مِنْ شَرِكَتِهِمَا، فَلَا يَشْتَرِي بِهِ شَيْئًا وَيَرُدُّهُ عَلَى الْبَاقِي وَعَلَى الْوَرَثَةِ.


قُلْتُ: وَسَوَاءٌ إنْ كَانَ الَّذِي دَفَعَ الْبِضَاعَةَ هُوَ الْمَيِّتُ أَوْ هُوَ الْحَيُّ مِنْهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ سَوَاءٌ. قُلْتُ: وَلِمَ نَهَيْتَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا وَاَلَّذِي أَبْضَعَ ذَلِكَ مَعَهُ هُوَ حَيٌّ؟ قَالَ: لِأَنَّ الشَّرِكَةَ قَدْ انْقَطَعَتْ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، وَصَارَ الْمَالُ لِلْوَرَثَةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَلَكِنْ افْتَرَقَا وَعَلِمَ بِذَلِكَ الْمُبْضَعُ مَعَهُ؟ قَالَ: يَشْتَرِي بِمَا أَبْضَعَ مَعَهُ، وَلَا يُشْبِهُ افْتِرَاقُهُمَا فِي الشَّرِكَةِ مَوْتَ أَحَدِهِمَا، لِأَنَّهُمَا إذَا افْتَرَقَا فَإِنَّمَا يَقَعُ مَا اشْتَرَى الْمُبْضَعُ مَعَهُ لَهُمَا، وَفِي الْمَوْتِ إنَّمَا يَقَعُ لِلْوَرَثَةِ، وَالْوَرَثَةُ لَمْ يَأْمُرُوهُ بِذَلِكَ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنْ هَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ.

[فِي أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يُبْضِعُ أَوْ يُقَارِضُ أَوْ يَسْتَوْدِعُ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، هَلْ يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يُبْضِعَ أَحَدُهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ، أَوْ يُقَارِضَ دُونَ صَاحِبِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَا تَفَاوَضَا كَمَا وَصَفْتُ لَكَ، قَدْ فَوَّضَ هَذَا إلَى هَذَا وَهَذَا إلَى هَذَا، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: اعْمَلْ بِاَلَّذِي تَرَى قُلْتُ: وَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَسْتَوْدِعَ؟ قَالَ: إذَا احْتَاجَ إلَى أَنْ يَسْتَوْدِعَ، جَازَ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي، وَذَلِكَ أَنَّا سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ، يَسْتَوْدِعُ الرَّجُلَ الْوَدِيعَةَ فَيَسْتَوْدِعُهَا غَيْرَهُ فَتَهْلَكُ، هَلْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ؟ قَالَ: إنْ كَانَ رَجُلًا أَرَادَ سَفَرًا، أَوْ كَانَ بَيْتُهُ مُعْوِرًا، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْعُذْرِ، فَأَرَى أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ هَذَا فَأَرَاهُ ضَامِنًا. قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَالْمُسَافِرُ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلُ الْبِضَاعَةَ فِي سَفَرِهِ يَرْفَعُهَا لَهُ فَيَدْفَعُهَا إلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ضَامِنٌ، وَلَمْ يَرَهُ مِثْلَ الْحَاضِرِ، لِأَنَّ الْمُسَافِرَ قَدْ عَرَفَ نَاحِيَتَهُ وَأَنَّهُ فِي سَفَرٍ. فَالشَّرِيكُ الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ إذَا نَزَلَ الْبَلَدَ، فَخَافَ عَلَى مَا مَعَهُ فَاسْتَوْدَعَهَا رَجُلًا، لِأَنَّ التُّجَّارَ مَنَازِلُهُمْ فِي الْغُرْبَةِ مَا عَلِمْتَ إنَّمَا هِيَ الْفَنَادِقُ وَالْمَوَاضِعُ الَّتِي يَتَخَوَّفُونَ فِيهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ بِهَذِهِ الْحَالِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ فَاسْتَوْدَعَهَا رَأَيْتُهُ ضَامِنًا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا دَفَعَ إلَيَّ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَدِيعَةً مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ، فَرَدَدْتُهَا عَلَى شَرِيكِهِ، أَيَكُونُ عَلَيَّ الضَّمَانُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْكَ إذَا صَدَقَكَ بِذَلِكَ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَوْدَعَنِي أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَدِيعَةً مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ، أَوْ بَايَعَنِي، فَرَدَدْتُ الْوَدِيعَةَ عَلَى شَرِيكِهِ، أَوْ دَفَعْت الثَّمَنَ إلَى شَرِيكِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَبِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَكَذَّبَنِي شَرِيكُهُ وَقَالَ: لَمْ تَدْفَعْ لِي شَيْئًا؟ قَالَ: أَنْتَ ضَامِنٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَكَ بَيِّنَةٌ عَلَى هَذَا الشَّرِيكِ أَنَّهُ قَدْ قَبَضَ مِنْكَ ذَلِكَ الدَّيْنَ أَوْ تِلْكَ الْوَدِيعَةَ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى وَكِيلِهِ بِمَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ هَذَا الْمَبْعُوثُ مَعَهُ الْمَالُ: قَدْ دَفَعْتُ الْمَالَ إلَى


وَكِيلِكَ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْوَكِيلُ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عَلَى الرَّسُولِ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ الْمَالَ إلَى الْوَكِيلِ، وَإِلَّا ضَمِنَ الْمَالَ. قُلْتُ: وَالْمُفَاوِضُ إذَا قَالَ لِشَرِيكِهِ: قَدْ أَخَذْتُ مِنْ فُلَانٍ الْوَدِيعَةَ الَّتِي أَوْدَعْتُهُ، أَوْ ثَمَنَ السِّلْعَةِ الَّتِي بِعْتُهَا مِنْهُ، كَانَ فُلَانٌ ذَلِكَ بَرِيئًا مِمَّا اسْتَوْدَعَ وَمِمَّا اشْتَرَى؟ قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَدِيعَةً مِنْ تِجَارَتِهِمَا عِنْدَ رَجُلٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ الْمُسْتَوْدَعُ: قَدْ دَفَعْتهَا إلَيْك، وَكَذَّبَهُ الَّذِي أَوْدَعَهُ، أَيَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ إذَا قَالَ قَدْ رَدَدْتُهَا إلَى الَّذِي أَوْدَعَنِي، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِبَيِّنَةٍ اسْتَوْدَعَهُ، فَلَا يَبْرَأُ بِقَوْلِهِ قَدْ رَدَدْتُهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ، إلَّا أَنْ يَقُولَ قَدْ هَلَكَتْ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَهَا إلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ

قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَوْدَعَ رَجُلًا وَلَهُ شَرِيكٌ مُفَاوِضٌ، فَاسْتَوْدَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مَا اسْتَوْدَعَ شَرِيكَهُ؟ قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فِيمَا وَصَفْتُ لَكَ، مِنْ عَوْرَةِ بَيْتِ أَوْ سَفَرٍ أَرَادَهُ عَلَى مِثْلِ مَا يَجُوزُ لَهُ فِي غَيْرِ شَرِكَةٍ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَهُوَ ضَامِنٌ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي أَوْدَعْت أَحَدَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَدِيعَةً، وَهُمَا مُتَفَاوِضَانِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَالٌ دُونَ صَاحِبِهِ، أَتَكُونُ الْوَدِيعَةُ عِنْدَهُمَا جَمِيعًا، أَوْ عِنْدَ الَّذِي اسْتَوْدَعْت؟ قَالَ: لَا تَكُونُ إلَّا عِنْدَ الَّذِي اسْتَوْدَعْتَهَا إيَّاهُ. قُلْتُ:، فَإِنْ مَاتَ هَذَا الَّذِي اسْتَوْدَعْتُهَا إيَّاهُ وَلَا تُعْرَفُ بِعَيْنِهَا؟ قَالَ: تَكُونُ دَيْنًا فِي مَالِ هَذَا الْمَيِّتِ الْمُسْتَوْدَعِ وَحْدَهُ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْوَدِيعَةِ فِي مَالِ شَرِيكِهِ الْمُفَاوَضِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَسْتَوْدِعُ الْوَدِيعَةَ فَتَهْلِكُ وَلَا تُعْرَفُ بِعَيْنِهَا عِنْدَهُ: إنَّهُ ضَامِنٌ لَهَا فِي مَالِهِ، فَالشَّرِيكُ الْمُسْتَوْدَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ ضَامِنٌ لَهَا إذَا لَمْ تُعْرَفْ بِعَيْنِهَا، وَإِنَّمَا جَعَلْتُهَا فِي مَالِهِ دُونَ صَاحِبِهِ، لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ لَيْسَتْ مِنْ التِّجَارَةِ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعْت رَجُلًا وَدِيعَةً، أَوْ أَبْضَعْتُ مَعَهُ بِضَاعَةً، أَوْ قَارَضْتُهُ بِمَالٍ فَمَاتَ، وَلَا يَعْلَمُ مَا صَنَعَ بِتِلْكَ الْأَشْيَاءِ وَلَهُ مَالٌ، أَتَكُونُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ دَيْنًا فِي مَالِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ كُلُّهُ دَيْنٌ فِي مَالِهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ ضَرَبَ صَاحِبُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَعَ الْغُرَمَاءِ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَحَدَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ اسْتَوْدَعَ وَدِيعَةً، فَعَمِلَ فِيهَا وَتَعَدَّى فَرَبِحَ، أَيَكُونُ لِشَرِيكِهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: إنْ كَانَ شَرِيكُهُ قَدْ عَلِمَ بِمَا تَعَدَّى صَاحِبُهُ فِي تِلْكَ الْوَدِيعَةِ، وَرَضِيَ بِأَنْ يَتَّجِرَ بِهَا بَيْنَهُمَا، فَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا، وَهُمَا ضَامِنَانِ لِلْوَدِيعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى شَرِيكِهِ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، وَيَكُونُ الرِّبْحُ لِلْمُتَعَدِّي، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَلَا يَكُونُ عَلَى شَرِيكِهِ الضَّمَانُ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا وَهُوَ رَأْيِي. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ رَضِيَ الشَّرِيكُ وَعَمِلَ مَعَهُ،


فَإِنَّمَا لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا أَعَانَهُ وَهُوَ ضَامِنٌ مَعَهُ، وَإِنْ رَضِيَ وَلَمْ يَعْمَلْ مَعَهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ رِضَاهُ إذَا لَمْ يَقْبِضْهَا وَيُغَيِّبْ عَلَيْهَا وَيُقَلِّبْهَا، فَلَيْسَ رِضَاهُ بِاَلَّذِي يُضَمِّنُهُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ بِالرِّضَا رِبْحُ مَا لَمْ يَعْمَلْ، وَلَا إجَارَةُ مَا لَمْ يَعْمَلْ إلَّا مِنْ وَجْهِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِلرَّجُلِ: لَكَ نِصْفُ مَا أَرْبَحُ فِي هَذِهِ السِّلْعَةِ، فَطَلَعَ فِيهَا رِبْحٌ، فَلَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ فَيَأْخُذَهُ، مَا لَمْ يَمُتْ أَوْ يُفْلِسْ أَوْ يَذْهَبْ.

[أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يُشَارِكُ رَجُلًا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ شَرِيكَيْنِ مُتَفَاوِضَيْنِ، شَارَكَ أَحَدُهُمَا شَرِيكًا آخَرَ فَاوَضَهُ بِمَالٍ بِغَيْرِ أَمْرِ شَرِيكِهِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى شَرِيكِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: إنْ كَانَ إنَّمَا يُشَارِكُهُ شَرِكَةً لَيْسَتْ بِشَرِكَةِ مُفَاوَضَةٍ، مِثْلُ السِّلْعَةِ يَشْتَرِكَانِ فِيهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ جَائِزٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ تِجَارَةٌ مِنْ التِّجَارَاتِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يُشَارِكُهُ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ، حَتَّى يَكُونَ شَرِيكًا لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَتِجَارَاتِهِمْ يَقْضِي فِي ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، هَلْ يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يُقَارِضَ أَحَدَهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَا تَفَاوَضَا كَمَا وَصَفْتُ لَكَ، قَدْ فَوَّضَ هَذَا إلَى هَذَا وَهَذَا إلَى هَذَا يَعْمَلُ بِاَلَّذِي يَرَى

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَحَدَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ إنْ أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا، أَيَكُونُ لِصَاحِبِهِ فِي هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَرَى عَلَى صَاحِبِهِ شَيْئًا مِنْ ضَمَانِ هَذِهِ الْمُقَارَضَةِ إنْ تَعَدَّى أَحَدُهُمَا، وَلَا أَرَى لَهُ مِنْ رِبْحِهَا شَيْئًا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَخَذَهَا مَعَ صَاحِبِهَا، لِأَنَّ الْمُقَارَضَةَ لَيْسَتْ مِنْ التِّجَارَةِ، إنَّمَا هُوَ أَجِيرٌ آجَرَ نَفْسَهُ فِيهَا، فَلَا يَكُونُ لِشَرِيكِهِ فِيهَا شَيْءٌ.

[فِي أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَسْتَعِيرُ الْعَارِيَّةَ لِتِجَارَتِهِمَا فَتَتْلَفُ أَيَضْمَنَاهَا جَمِيعًا أَمْ لَا.]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا اسْتَعَارَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ مِنْ شَيْءٍ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا شَيْئًا مَنْ تِجَارَتِهِمَا أَوْ لِغَيْرِ تِجَارَتِهِمَا فَتَلِفَ، أَيَضْمَنَانِهِ جَمِيعًا؟ أَوْ يَكُونُ الضَّمَانُ عَلَى الَّذِي اسْتَعَارَ وَحْدَهُ؟ قَالَ: الضَّمَانُ عَلَى الَّذِي اسْتَعَارَ وَحْدَهُ، وَلَا يَكُونُ عَلَى شَرِيكِهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. لِأَنَّ شَرِيكَهُ يَقُولُ: أَنَا لَمْ آمُرْكَ بِالْعَارِيَّةِ، إنَّمَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَسْتَأْجِرَ عَلَيَّ، لِأَنَّكَ إذَا اسْتَأْجَرْتَ لَمْ أَضْمَنْ. فَأَمَّا مَا يَدْخُلُ عَلَيَّ فِيهِ الضَّرَرُ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ التِّجَارَةِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَكَ. فَيَكُونُ الْقَوْلُ مَا قَالَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ الرَّجُلَ يَسْتَعِيرُ الدَّابَّةَ قِيمَتُهَا مِائَةُ دِينَارٍ، وَالسَّفِينَةَ قِيمَتُهَا أَيْضًا كَذَلِكَ، وَهُوَ لَوْ تَكَارَاهَا، كَانَ كِرَاؤُهَا دِينَارًا فَهَذَا يُدْخِلُ عَلَى صَاحِبِهِ الضَّرَرَ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِهِ. قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ السَّاعَةَ.


قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: وَهَذِهِ الدَّوَابُّ عَارِيَّةٌ لَا تُضْمَنُ، إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى الْمُسْتَعِيرُ. وَلَوْ اسْتَعَارَاهَا جَمِيعًا، فَتَعَدَّى أَحَدُهُمَا لَمْ يَضْمَنْ إلَّا الْمُتَعَدِّي فِي مُصَابَتِهِ، وَلَا يَضْمَنُ صَاحِبُهُ، لِأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ جَانٍ وَصَاحِبُهُ لَا يَضْمَنُ جِنَايَتَهُ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَارَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا طَعَامًا مِنْ تِجَارَتِهِمَا، فَخَالَفَهُ شَرِيكُهُ فَحَمَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ أَمَرَهُ طَعَامًا مِنْ تِجَارَتِهِمَا، فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ، أَيَضْمَنُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا بِعَيْنِهِ، وَلَكِنِّي لَا أَرَى عَلَيْهِ الضَّمَانَ، لِأَنَّ هَذَا قَدْ فَعَلَ مَا كَانَ يَجُوزُ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَفْعَلَ. وَإِنَّمَا اسْتَعَارَهَا شَرِيكُهُ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا سِلْعَةً مِنْ تِجَارَتِهِمَا، فَإِنَّمَا حَمَلَ عَلَيْهَا هَذَا مَا اسْتَعَارَهَا فِيهِ صَاحِبُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ وَلَكِنَّهُ رَأْيِي سَحْنُونُ: وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا اسْتَعَارَ شَيْئًا لِمَصْلَحَةِ تِجَارَتِهِمَا، فَعَمِلَهُ الْآخَرُ، فَكَأَنَّهُ وَكِيلٌ لَهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَهُ لَهُ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَارَ رَجُلٌ دَابَّةً، لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا غُلَامًا لَهُ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ، فَرَبَطَهَا فِي الدَّارِ، فَأَتَى إنْسَانٌ فَحَمَلَ عَلَيْهَا ذَلِكَ الْغُلَامَ الَّذِي اسْتَعَارَهَا سَيِّدُهُ لَهُ، فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَأَرَاهُ ضَامِنًا، لِأَنَّهُ حَمَلَ عَلَى دَابَّةِ رَجُلٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَبِغَيْرِ وَكَالَةٍ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #235  
قديم 03-01-2026, 04:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,860
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي



[فِي أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يُعِيرُ أَوْ يَهِبُ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ]
ِ قُلْتُ: هَلْ يَجُوزُ لِلشَّرِيكِ أَنْ يُعِيرَ شَيْئًا مَنْ مَتَاعِ الشَّرِكَةِ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَسَّعَ لَهُ فِي ذَلِكَ شَرِيكُهُ، أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الشَّيْءِ الْخَفِيفِ، مِثْلُ الْغُلَامِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَسْقِيَ الدَّابَّةَ لِرَجُلٍ، فَهَذَا أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. وَالْعَارِيَّةُ إنَّمَا هِيَ مَعْرُوفٌ، فَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَفْعَلَ الْمَعْرُوفَ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ اسْتِئْلَافًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ مَا وَضَعَ أَحَدُهُمَا أَوْ أَعَارَ أَوْ وَهَبَ قَالَ: فَذَلِكَ أَيْضًا لَا يَجُوزُ عِنْدِي، إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ لِيَجْتَرَّ بِهِ فِي الشِّرَاءِ وَالِاسْتِغْزَارِ مِنْ سِلَعِهِ الَّتِي يَبِيعُ، فَلَا يَكُونُ بِهِ بَأْسٌ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ ضَمَانٌ فِيمَا ضَيَّعَ، لِأَنَّ هَذَا يَصِيرُ مِنْ تِجَارَتِهِمَا. وَأَمَّا إنْ صَنَعَ ذَلِكَ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ، وَإِنَّمَا صَنَعَهُ مَعْرُوفًا مِنْهُ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى شَرِيكِهِ، وَيَضْمَنُ حِصَّةَ شَرِيكِهِ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا مَا اجْتَرَّ بِهِ مَنْفَعَةً: قُلْتُ. أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ جَارِيَةً مِنْ شَرِكَتِهِمَا، ثُمَّ وَهَبَ الثَّمَنَ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا فِي حِصَّتِهِ سَحْنُونُ وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ، لَا مِنْ حِصَّتِهِ وَلَا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُنْقِصُ مِنْ الْمَالِ، وَيُدْخِلُ الضَّرَرَ عَلَى شَرِيكِهِ، لِأَنَّهُ إذَا وَهَبَ لِرَجُلٍ مِنْ حِصَّتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ لِلْآخَرِ فِي الْبَيْعِ، فَقَدْ أَضَرَّ بِصَاحِبِهِ وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ الضَّعْفَ فِي رَأْسِ الْمَالِ، فَلَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ فِعْلُهُ وَتَبْقَى الشَّرِكَةُ، وَلَكِنْ فِعْلُهُ جَائِزٌ عَلَيْهِ فِيمَا وَهَبَ أَوْ وَضَعَ، وَتَنْفَسِخُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا.

[فِي أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يُكَاتِبُ الْعَبْدَ مِنْ تِجَارَتِهِمَا أَوْ يَأْذَنُ لَهُ بِالتِّجَارَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ عَبْدًا بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ شَرِكَتِنَا وَنَحْنُ مُتَفَاوِضَانِ، أَذِنَ لَهُ أَحَدُنَا فِي التِّجَارَةِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ. قُلْتُ: تَحْفَظْهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا، وَهُوَ رَأْيِي أَنَّهُ يَجُوزُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَاتَبَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ عَبْدًا مِنْ تِجَارَتِهِمَا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى شَرِيكِهِ؟ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ مِمَّا فِي يَدِ الْعَبْدِ، فَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ عِنْدِي، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا عَلَى أَنْ يُعْتِقَهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، لَرَأَيْتُ ذَلِكَ جَائِزًا، لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ إيَّاهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الثَّمَنِ وَضِيعَةٌ عَنْ قِيمَتِهِ، لَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا. وَالْعِتْقُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ إلَّا خَيْرًا وَإِنَّمَا هُوَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ.

[فِي كَفَالَةِ أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَغَصْبِهِ وَجِنَايَتِهِ أَيَلْزَمُ شَرِيكَهُ أَمْ لَا]
قُلْتُ: أَيَلْزَمُ كَفَالَةُ أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ شَرِيكَهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ شَرِيكَهُ، لِأَنَّ هَذَا مَعْرُوفٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا اغْتَصَبَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، أَوْ عَقَرَ دَابَّةً أَوْ أَحْرَقَ ثَوْبًا أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، أَوْ آجَرَ نَفْسَهُ فَعَمِلَ الطِّينَ وَالطُّوبَ، أَوْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ نَحْوَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، أَوْ جَنَى جِنَايَةً، أَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ شَرِيكَهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَى شَرِيكِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَلَا يَكُونُ لَهُ فِيمَا أَصَابَ شَيْءٌ. قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ هَذَا رَأْيِي.

[أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بَاعَ جَارِيَة فَوُجِدَ بِهَا الْمُشْتَرِي عَيْبًا فَأَرَادَ رَدَّهَا عَلَى شَرِيكِهِ الْآخَرِ]
فِي أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ يَبِيعُ الْجَارِيَةَ فَيَجِدُ بِهَا الْمُشْتَرِي عَيْبًا فَيُرِيدُ رَدَّهَا عَلَى شَرِيكِهِ الْآخَرِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ جَارِيَةً مِنْ شَرِكَتِهِمَا، فَأَصَابَ الْمُشْتَرِي بِهَا عَيْبًا، أَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى الشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَبِعْهُ؟ .
قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ مَعَهُ مُقِيمًا، أَوْ غَابَ غَيْبَةً قَرِيبَةً، فَيَنْظُرُ حَتَّى يَأْتِيَ لَعَلَّ لَهُ حُجَّةً إذَا كَانَ إنَّمَا غَيْبَتُهُ الْيَوْمَ وَنَحْوَهُ. وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا، فَأَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ، أَنَّهُ اشْتَرَى بَيْعَ الْإِسْلَامِ وَعُهْدَةَ الْإِسْلَامِ نَظَرَ فِي الْعَيْبِ. فَإِنْ كَانَ قَدِيمًا لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ رَدَّهَا، وَإِنْ كَانَ يَحْدُثُ مِثْلُهُ قِيلَ لَهُ أَقِمْ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْعَيْبَ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَإِلَّا حَلَفَ شَرِيكُ الْبَائِعِ بِاَللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ كَانَ بِهَا عِنْدَنَا وَيَبْرَأُ. وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، قِيلَ لِلْمُشْتَرِي احْلِفْ مَا حَدَثَ عِنْدَكَ ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ.


[الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَبِيعَانِ السِّلْعَةَ مِنْ تِجَارَتِهِمَا إلَيْهِ أَجَلٍ ثُمَّ يَفْتَرِقَانِ]
فِي الْمُتَفَاوِضَيْنِ يَبِيعَانِ السِّلْعَةَ مِنْ تِجَارَتِهِمَا إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَفْتَرِقَانِ فَيَقْضِي الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ أَحَدَهُمَا أَوْ يَكُونُ لَهُمَا الدَّيْنُ فَيَقْضِيَاهُ أَحَدَهُمَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ شَرِيكَيْنِ مُتَفَاوِضَيْنِ، بَاعَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا مِنْ تِجَارَتِهِمَا بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ، ثُمَّ افْتَرَقَا فَعَلِمَ الْمُشْتَرِي بِافْتِرَاقِهِمَا، فَقَضَى الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَهُ الْعَبْدَ، أَيَضْمَنُ لِلشَّرِيكِ الْآخَرِ شَيْئًا أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ ضَامِنٌ لِمَا اُسْتُحِقَّ لِلشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَبِعْهُ الْعَبْدَ مِنْ الثَّمَنِ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِافْتِرَاقِهِمَا، فَقَضَى الَّذِي لَمْ يَبِعْهُ الْعَبْدَ؟ قَالَ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا قَضَاهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِافْتِرَاقِهِمَا، وَذَلِكَ سَوَاءٌ قَضَى الَّذِي بَاعَهُ أَوْ الَّذِي لَمْ يَبِعْهُ لَا يَضْمَنُ، إذَا قَضَى وَاحِدًا مِنْهُمَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ وَكِيلًا لِرَجُلٍ، قَدْ فَوَّضَ إلَيْهِ تِجَارَتَهُ وَبَيْعَهُ وَشِرَاءَهُ وَبِأَنْ يَقْتَضِيَ دَيْنَهُ وَأَشْهَدَ لَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ حَجَرَ عَلَيْهِ وَتَبَرَّأَ مِنْ وَكَالَتِهِ، أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ وَكَالَتِهِ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ، وَلَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ جَمِيعُ غُرَمَائِهِ، فَلَقِيَ الْوَكِيلُ غَرِيمًا مِنْ غُرَمَاءِ الَّذِي كَانَ وَكَّلَهُ فَقَضَاهُ الْغَرِيمُ، أَنَّ ذَلِكَ لَا يُبَرِّئُهُ مِنْ دَيْنِ صَاحِبِهِ وَلَوْ كَانَ الْوَكِيلُ هُوَ الَّذِي بَاعَهُ فَقَضَاهُ الْغَرِيمُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ الْوَكَالَةِ، كَانَ دَيْنًا مِنْ الدَّيْنِ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ أَيْضًا وَهُوَ رَأْيِي.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَكُونُ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ فَيَقْبِضُهُ شَرِيكُهُ الْآخَرُ، أَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ كَانَ الْوَكِيلُ قَدْ عَلِمَ بِأَنَّهُ قَدْ فَسَخَ أَمْرَهُ، فَاقْتَضَى بَعْدَ هَذَا وَاَلَّذِي قَضَاهُ يَعْلَمُ أَوْ لَا يَعْلَمُ، فَالْغَرِيمُ لَهُ ضَامِنٌ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ الْوَكِيلُ وَقَضَاهُ الْغَرِيمُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَلَا تِبَاعَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ يَعْلَمُ بِفَسْخِ الْوَكَالَةِ وَالْوَكِيلُ لَا يَعْلَمُ فَالْغَرِيمُ ضَامِنٌ.

[فِي أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ يَبْتَاعُ مِنْ شَرِيكِهِ الْعَبْدَ مِنْ تِجَارَتِهِمَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَبْدًا مَنْ تِجَارَتِهِمَا مَنْ شَرِيكِهِ، أَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، شِرَاؤُهُ جَائِزٌ قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِك؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي، مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ، فِي الْجَارِيَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَهُمَا فَيَطَؤُهَا أَحَدُهُمَا: إنَّهُمَا يَتَقَاوَمَانِهَا حَتَّى تَصِيرَ لِأَحَدِهِمَا. فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ مَالِكًا يُجِيزُ شِرَاءَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ السِّلْعَةَ، فَيَشْتَرِيهَا مِنْ شَرِيكِهِ وَهِيَ مِنْ تِجَارَتِهِمَا. قُلْتُ: وَسَوَاءٌ عِنْدَكَ إنْ اشْتَرَاهَا مِنْ شَرِيكِهِ لِتِجَارَةٍ أَوْ لِيَقْنِيَهَا، قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ سَوَاءٌ عِنْدِي.

[أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ ابْتَاعَ الْعَبْدَ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَقَبْلَهُ وَأَبَى ذَلِكَ شَرِيكُهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَبْدًا مِنْ تِجَارَتِهِمَا، فَأَصَابَ بِهِ عَيْبًا فَقَبِلَهُ


بَعْدَ مَا اشْتَرَاهُ الْمُشْتَرِي بِعَيْبِهِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الشَّرِيكِ أَمْ لَا؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ. قُلْتُ: فَإِنْ أَصَابَ الْمُشْتَرِي بِهِ عَيْبًا، فَقَبِلَهُ الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يَشْتَرِهِ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي أَنَا أَرُدُّهُ أَوْ قَدْ رَدَدْتُهُ بِعَيْبِهِ، وَقَالَ صَاحِبُهُ قَدْ قَبِلْتُهُ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ رَدَّهُ بِعَيْبِهِ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ شَرِيكُهُ الْآخَرُ وَقَدْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَبِالرَّدِّ، لَزِمَ ذَلِكَ شَرِيكَهُ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ

[فِي أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ يُوَلِّي أَوْ يُقِيلُ مِنْ الشَّرِكَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا بَاعَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَوْ وَلَّى أَوْ أَقَالَ، أَلَيْسَ ذَلِكَ جَائِزًا عَلَى شَرِيكِهِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا بَاعَ أَحَدُ الشِّرْكَيْنِ جَارِيَةً مَنْ شَرِكَتِهِمَا وَأَقَالَهُ شَرِيكُهُ الْآخَرُ أَتَجُوزُ الْإِقَالَةُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ حَابَاهُ فِي الْإِقَالَةِ، يَعْلَمُ النَّاسُ أَنَّ إقَالَتَهُ مُحَابَاةٌ، لِإِبْضَاعِ ثَمَنِهَا وَكَثْرَةِ مَا بَاعَهَا بِهِ صَاحِبُهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَأَنَّ صَاحِبَهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا مَلِيءٌ بِالثَّمَنِ. فَلَوْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ أَخَذَهُ فَأَقَالَهُ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ إلَّا قَدْرَ حِصَّتِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْنَعَ الْمَعْرُوفَ فِي مَالِ شَرِيكِهِ، إلَّا مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ التِّجَارَةَ وَمَا يَجُرُّ بِهِ إلَى التِّجَارَةِ، وَالْمَعْرُوفُ كُلُّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُضِيفَهُ فِي مَالِ شَرِيكِهِ، وَهُوَ يَجُوزُ عَلَيْهِ هُوَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ حِصَّتِهِ، وَلَوْ كَانَ إنَّمَا أَقَالَهُ لِعَدَمٍ بِهِ خَافَ أَنْ يَذْهَبَ الثَّمَنُ كُلُّهُ فَأَقَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ وَلِشَرِيكِهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى شَرِيكِهِ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَهَذَا شِرَاءٌ حَادِثٌ. قُلْتُ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي.

[فِي إقْرَارِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بِدَيْنٍ لِذِي قَرَابَتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِمْ]
ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَرَّ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِأَبِيهِ وَلِأُمِّهِ، أَوْ لِوَلَدِهِ أَوْ لِزَوْجَتِهِ، أَوْ لِجَدِّهِ بِدَيْنٍ أَوْ لِجَدَّتِهِ مِنْ شَرِكَتِهِمَا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى شَرِيكِهِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: أَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. قُلْتُ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقِرَّ بِدَيْنٍ مِنْ شَرِكَتِهِمَا لِأَبِيهِ؟ قَالَ: يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدِي، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُقِرَّ بِدَيْنٍ مَنْ تِجَارَتِهِمَا لِصَدِيقٍ مُلَاطِفٍ، وَلَا كُلِّ مَنْ يُتَّهَمُ فِيهِ. قُلْتُ: وَإِنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدِي، عَلَيْهِمَا جَمِيعًا إذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ تِجَارَتِهِمَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُتَفَاوِضَيْنِ فِي تِجَارَةٍ، أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِدَيْنٍ مِنْ تِجَارَتِهِمَا؟ قَالَ: يَلْزَمُ صَاحِبَهُ إقْرَارُهُ، إذَا كَانَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِالدَّيْنِ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ شَرِيكَيْنِ فِي دَارٍ أَوْ مَتَاعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُرُوضِ، أَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ بِنِصْفِ ذَلِكَ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمَا؟ قَالَ: يَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ مَعَ إقْرَارِ هَذَا الْمُقِرِّ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ، لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ، وَلِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي أَحَدِ الْوَرَثَةِ إذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ: إنَّ الْمُقَرَّ لَهُ يَحْلِفُ مَعَ إقْرَارِ هَذَا وَيَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ.


[الْقَضَاءُ فِي أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ يَمُوتُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا مَاتَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ؟ قَالَ: إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَكُنْ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا أَنْ يُحْدِثَ فِي الْمَالِ الْبَاقِي، وَلَا فِي السِّلَعِ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، إلَّا بِرِضَا الْوَرَثَةِ، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ حِينَ مَاتَ أَحَدُهُمَا انْقَطَعَتْ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَصَارَ نَصِيبُ الْمَيِّتِ لِلْوَرَثَةِ، وَهَذَا رَأْيِي.

[الدَّعْوَى فِي الشَّرِكَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ شَرِيكَيْنِ اشْتَرَكَا شَرِكَةً صَحِيحَةً، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَدْ ابْتَاعَ سِلْعَةً وَضَاعَتْ مِنْهُ وَكَذَّبَهُ شَرِيكُهُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يُصَدَّقَ فِي قَوْلِهِ الَّذِي قَالَ: اشْتَرَيْتُ وَضَاعَ مِنِّي، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ إنَّمَا وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا، عَلَى أَنْ يَأْتَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُتَفَاوِضَيْنِ مَاتَ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ الْبَاقِي مِنْهُمَا: قَدْ رَهَنَّا مَتَاعًا كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ مَنْ شَرِكَتِنَا عِنْدَ فُلَانٍ، فَقَالَتْ وَرَثَةُ الْهَالِكِ: لَمْ تَرْهَنَاهُ وَلَكِنَّك أَعْطَيْته هَذَا الْمَتَاعَ بَعْدَ مَوْتِ صَاحِبِنَا؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَكُونَ لِلَّذِي فِي يَدَيْهِ الْمَتَاعُ، حِصَّةُ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ أَنَّهُ رَهَنَ وَهُوَ الْحَيُّ مِنْهُمَا، وَيُقَالُ لِلَّذِي فِي يَدَيْهِ الْمَتَاعُ الرَّهْنُ: احْلِفْ لِأَنَّ لَكَ شَهَادَةَ هَذَا، وَاسْتَحِقَّ النِّصْفَ الَّذِي لِلْمَيِّتِ أَنَّهُ رَهَنَ فِي يَدِكَ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ هَلَكَ وَتَرَكَ أَوْلَادًا، فَأَقَرَّ بَعْضُ وَلَدِهِ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِ وَأَنْكَرَ الْبَقِيَّةُ، قَالَ: إنْ أَحَبَّ صَاحِبُ الدَّيْنِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ، لِأَنَّهُ شَاهِدٌ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ دَيْنَهُ كُلَّهُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ كُلِّهِ، وَإِنْ أَبَى أَخَذَ حِصَّتَهُ مِنْ نَصِيبِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ دَيْنَهُ كُلَّهُ مِنْ حِصَّةِ هَذَا الشَّاهِدِ وَحْدَهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ شَرِيكَيْنِ مُتَفَاوِضَيْنِ، جَحَدَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا لَهُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ. فَتَلِفَ الْمَالُ الَّذِي فِي يَدِ الْجَاحِدِ، أَيَضْمَنُ حِصَّةَ صَاحِبِهِ مِنْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ لِذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَحَدَ كَانَ مَانِعًا لِحِصَّةِ صَاحِبِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يَبْرَأُ مِنْ حِصَّةِ صَاحِبِهِ حَتَّى يَدْفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ. قَالَ: فَإِنْ هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَحَدَهُ صَارَ مَانِعًا مُتَعَدِّيًا

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّرِيكَ إذَا مَاتَ فَأَقَامَ صَاحِبُهُ الْبَيِّنَةَ، أَنَّ مِائَةَ دِينَارٍ مَنْ الشَّرِكَةِ كَانَتْ عِنْدَهُ، فَلَمْ يَجِدُوهَا وَلَمْ يَعْلَمُوا لَهَا مَسْقَطًا؟ قَالَ: أَرَى إنْ كَانَ مَوْتُهُ قَرِيبًا مِنْ أَخْذِهَا فِيمَا يُظَنُّ أَنَّ مِثْلَهُ لَمْ يَشْغَلْهَا فِي تِجَارَةٍ، فَأَرَى ذَلِكَ فِي حِصَّتِهِ فِي مَالِهِ، وَأَمَّا مَا تَطَاوَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي عَلَى صَاحِبِهِ، وَيَشْتَرِي عَلَيْهِ وَيَقْضِي عَنْهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي مِثْلِ هَذَا. أَرَأَيْتَ لَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَدْ قَبَضَ مَالًا مُنْذُ سَنَةٍ، وَهُمَا يَبِيعَانِ وَيَشْتَرِيَانِ، أَكَانَ يَكُونُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ؟ أَيْ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ


[كِتَابُ الْقِرَاضِ] [الْقِرَاضُ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْفُلُوسِ]
ِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْقِرَاضُ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْفُلُوسِ قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَصْلُحُ الْمُقَارَضَةُ إلَّا بِالدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ. قُلْتُ: فَهَلْ تَصْلُحُ بِالْفُلُوسِ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَاهُ جَائِزًا، لِأَنَّهَا تُحَوِّلُ إلَى الْكَسَادِ وَالْفَسَادِ، فَلَا تُنْفَقُ. وَلَيْسَتْ الْفُلُوسُ عِنْدَ مَالِكٍ بِالسِّكَّةِ الْبَيِّنَةِ، حَتَّى تَكُونَ عَيْنًا بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَقَدْ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ خَالِدٍ أَنَّ مَالِكًا كَانَ يُجِيزُ شِرَاءَهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ نَظِرَةً، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ مُنْذُ أَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ: أَكْرَهُهُ وَلَا أَرَاهُ حَرَامًا، كَتَحْرِيمِ الدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ. فَمِنْ هَاهُنَا كَرِهْتُ الْقِرَاضَ بِالْفُلُوسِ. وَأَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَنْ يُونُسَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: الْمُقَارَضَةُ الَّتِي عَلَيْهَا أَصْلُ الْمُقَارَضَةِ: أَنْ تُقَارِضَ مَنْ قَارَضْتَهُ مَالًا، عَلَى أَنَّ رَأْسَ مَالِكَ الَّذِي يُدْفَعُ إلَيْنَا عَيْنًا مَا دَفَعْتَ إلَيْهِ مِنْ وَزْنِ ذَلِكَ وَضَرْبِهِ، يَبْتَغِي فِيهِ صَاحِبُهُ مَا ابْتَغَى، فَيُدِيرُ مَا أَدَارَ مِنْهُ عَلَى مَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ زَكَاةٍ، حَتَّى إذَا حَضَرَتْ الْمُحَاسَبَةُ وَنَضَّ الْقِرَاضُ، فَمَا وَجَدْتَ بِيَدِهِ أَخَذْتَ مِنْهُ رَأْسَ مَالِكَ، وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ رِبْحٍ تَقَاسَمْتُمَاهُ عَلَى مَا تَقَارَضْتُمَاهُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْزَاءِ الرِّبْحِ، شَطْرَيْنِ كَانَ أَوْ غَيْرَهُ لَا يَحِلُّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَضْمَنَ لِصَاحِبِهِ رِبْحًا يَأْتِيهِ بِهِ، وَلَا يَحِلُّ قِرَاضٌ عَلَى الضَّمَانِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: الْقِرَاضُ لَا يَكُونُ لَا فِي الْعَيْنِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَعَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا قَالَا: لَا تَكُونُ مُقَارَضَةٌ إلَّا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ قَالَ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَرِهَ الْبَزَّ مُضَارَبَةً.


[الْمُقَارَضَةُ بِنَقْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّقْرَ الْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ أَيَجُوزُ الْقِرَاضُ بِهَا؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، أَخْبَرَنَا أَنَّ مَالِكًا سَهَّلَ فِيهَا، وَكَانَ اللَّيْثُ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِهَا وَكَانَ يَكْرَهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً وَيَقُولُ: لَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ إلَّا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، فَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِي مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِنَقْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.

[الْمُقَارَضَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقِرَاضَ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، أَيَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ جَهِلَا فَأَخَذَا حِنْطَةً قَرْضًا فَبَاعَهَا وَعَمِلَ فَرَبِحَ قَالَ: يُعْطَى أَجْرَ مِثْلِهِ فِي بَيْعِهِ الْحِنْطَةَ، وَيُرَدُّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ يَوْمَ يَنُضُّ الْمَالُ فِيمَا عَمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ شَرَطَ لَهُ نِصْفَ الرِّبْحِ قَالَ: لَا يُنْظَرُ إلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُرَدُّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ. قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ أَصْلَهُ كَانَ فَاسِدًا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقِرَاضَ بِمَا يُوزَنُ وَيُكَالُ، لِمَ كَرِهْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ خَطَرٌ يَأْخُذُ الْحِنْطَةَ أَوْ الشَّعِيرَ، وَقِيمَتُهُ يَوْمَ أَخَذَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَيَعْمَلُ بِهِ فَتَصِيرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ يَرُدَّهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَيَغْتَرِقُ رِبْحُهُ أَوْ تَكُونُ قِيمَتُهَا حِينَ يَرُدَّهَا خَمْسِينَ دِرْهَمًا فَيَكُونُ قَدْ رَبِحَ فِيهَا. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ نَافِعٍ وَأَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: الْقِرَاضُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْعَيْنِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُقَارِضَ أَحَدًا مَالًا عَلَى كَذَا وَكَذَا مِنْ الرِّبْحِ، وَزِيَادَةِ كَذَا وَكَذَا مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، أَوْ بِشَيْءٍ مُسَمًّى، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الزِّيَادَاتِ قَالَ: عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَلَا تَشْتَرِطْ أَيُّهَا الْمُقَارِضُ الَّذِي لَكَ الْمَالُ، أَنَّك تُعِينُهُ بِنَفْسِكَ، وَلَا تَبِعْ مَعَهُ وَلَا تَبْتَعْ مِنْهُ وَلَا تُعِينُهُ بِغُلَامٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّرَاهِمِ تُزِيدُهُ إيَّاهَا مَعَ مَا سَمَّى لَكَ مِنْ الرِّبْحِ، وَلَا تَخْلِطَنَّ مَالَ الْقِرَاضِ بِغَيْرِهِ. وَلَيْسَ الْقِرَاضُ بِأَنْ تَدْفَعَ إلَى صَاحِبِكَ سِلْعَةً أَوْ غَيْرَهَا مَا كَانَتْ، ثُمَّ تُسَمِّي لَهُ مَا قَامَ بِهِ عَلَيْكَ، وَتَقُولُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ رِبْحٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. وَلَيْسَ هَذَا الْقِرَاضَ، وَلَكِنَّ هَذَا بَابٌ مِنْ الْإِجَارَةِ لَا يَصْلُحُ. قَالَ: وَتَفْسِيرُهُ: أَنَّكَ كَأَنَّكَ اسْتَأْجَرْتَهُ يَبِيعَ لَكَ سِلْعَتَكَ، وَلَهُ نِصْفُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الرِّبْحِ، فَإِنْ لَمْ يَرْبَحْ ذَهَبَ عَمَلُهُ بَاطِلًا، وَمَوْضِعُ الْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ، إذَا كَانَ يَحْسِبُ لَهُ مَنْ يُبْصِرُ لَهُ ذَلِكَ أَجَرَهُ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ، وَيَكُونُ مَا كَانَ فِي سِلْعَتِكَ مِنْ رِبْحٍ أَوْ نُقْصَانٍ لَكَ وَعَلَيْكَ.

[الْقِرَاضُ الْوَدِيعَةِ وَالدَّيْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لِي عِنْدَ رَجُلٍ وَدِيعَةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: اعْمَلْ بِهَا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ، فِي الْمَالِ إذَا كَانَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالَ لَهُ


رَبُّ الْمَالِ: اعْمَلْ بِالدَّيْنِ الَّذِي لِي عَلَيْكَ قِرَاضًا، قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا، إلَّا أَنْ يَقْبِضَ دَيْنَهُ ثُمَّ يُعْطِيَهُ بَعْدَ مَا يُقْبِضُهُ، فَأَرَى الْوَدِيعَةَ مِثْلَ هَذَا، لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَنْفَقَ الْوَدِيعَةَ فَصَارَتْ عَلَيْهِ دَيْنًا. قُلْتُ لَهُ: فَإِنْ قُلْتُ لَهُ: اقْتَضِ دَيْنِي الَّذِي لِي عَلَى فُلَانٍ وَاعْمَلْ بِهِ قِرَاضًا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: فَإِنْ اقْتَضَاهُ وَعَمِلَ عَلَى هَذَا فَرَبِحَ أَوْ وَضَعَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يُعْطِيَهُ أَجْرَ مِثْلِهِ فِي تَقَاضِيهِ وَيَرُدَّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ دَيْنًا لِي عَلَى رَجُلٍ، أَمَرْتُهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ قِرَاضًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: خَوْفًا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا اعْتَزَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِالدَّيْنِ وَيَزِيدَهُ فِي دَيْنِهِ.

[الْمُقَارِضِ يَدْفَعُ الدَّرَاهِمَ إلَيْهِ الْعَامِلِ وَيَقُولُ لَهُ اصْرِفْهَا دَنَانِيرَ وَاعْمَلْ بِهَا قِرَاضًا]
الْمُقَارِضِ يَدْفَعُ الدَّرَاهِمَ إلَى الْعَامِلِ وَيَقُولُ لَهُ اصْرِفْهَا دَنَانِيرَ وَاعْمَلْ بِهَا قِرَاضًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْطَاهُ دَرَاهِمَ، فَقَالَ اصْرِفْهَا دَنَانِيرَ وَاعْمَلْ بِهَا قِرَاضًا؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي هَذَا، لِأَنَّ فِي هَذَا مَنْفَعَةً لِرَبِّ الْمَالِ، وَهِيَ مِثْلُ الْأُولَى الَّتِي فَوْقَهَا فِيمَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ الْعَمَلِ فِيهِ إذَا وَقَعَ وَعَمِلَ بِهِ.

[الْمُقَارَضِ يُدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالُ يَشْتَرِي بِهِ جُلُودًا فَيَعْمَلُهَا خِفَافًا بِيَدِهِ يَبِيعُهَا عَلَى النِّصْفِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ جُلُودًا، فَيَعْمَلَهَا بِيَدِهِ خِفَافًا أَوْ نِعَالًا أَوْ سِفْرًا ثُمَّ يَبِيعَهَا، فَمَا رَزَقَ اللَّهُ فِيهَا فَهُوَ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا، وَالْمَدْفُوعُ إلَيْهِ صَائِغٌ عَلَى أَنْ يَصُوغَ وَيَعْمَلَ، فَمَا رَبِحَ فِي الْمَالِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَاشْتَرَطَ صِيَاغَةَ يَدِهِ فِي الْمَالِ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ. قَالَ: فَإِنْ عَمِلَ رَأَيْتُهُ أَجِيرًا، وَمَا كَانَ فِي الْمَالِ مِنْ رِبْحٍ أَوْ وَضِيعَةٍ فَلِصَاحِبِ الْمَالِ قَالَ سَحْنُونُ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ وَسَالِمًا عَنْ الْمُقَارَضَةِ وَالْبِضَاعَةِ، يَكُونُ ذَلِكَ بِشَرْطٍ. فَقَالَ: لَا يَصْلُحُ مِنْ أَجْلِ الشَّرْطِ الَّذِي كَانَ فِيهِ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ قَالَ؛ لَا يَصْلُحُ أَنْ تَدْفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا مُضَارَبَةً، وَتَشْتَرِطَ مِنْ الرِّبْحِ حَاصِلَةً لَكَ دُونَهُ وَلَوْ كَانَ دِرْهَمًا وَاحِدًا، وَلَكِنْ تَشْتَرِطُ نِصْفَ الرِّبْحِ لَكَ، وَنِصْفُهُ لَهُ، أَوْ ثُلُثَهُ لَكَ وَثُلُثَاهُ لَهُ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ مَا دَامَ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ شِرْكٌ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَلَالٌ، وَهُوَ قِرَاضُ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ سَحْنُونُ: فَكَيْفَ بِمَنْ شَرَطَ عَمَلَ الْعَامِلِ بِيَدِهِ؟ فَذَلِكَ أَعْظَمُ لِلزِّيَادَةِ، وَأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ قِرَاضِ الْمُسْلِمِينَ.


[فِي الْمُقَارَضَةِ عَلَى الْأَجْزَاءِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُقَارَضَةَ عَلَى النِّصْفِ أَوْ الْخُمْسِ أَوْ السُّدُسِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ قَالَ: فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْطَيْته مَالًا قِرَاضًا عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لِلْعَامِلِ كُلَّهُ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُعْطِي الرَّجُلَ الْمَالَ، يَعْمَلُ بِهِ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لِلْعَامِلِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْعَامِلِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: قَدْ أَحْسَنَ وَلَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يُعْطِي الرَّجُلَ النَّخْلَ مُسَاقَاةً، عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ لِلْعَامِلِ، قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، وَلَمْ أُسَمِّ لَهُ ثُلُثًا وَلَا رُبْعًا وَلَا نِصْفًا، وَلَا أَكْثَرَ مَنْ أَنْ قُلْتُ لَهُ: خُذْ هَذَا الْمَالَ قِرَاضًا فَعَمِلَ فَرَبِحَ وَتَصَادَقَ رَبُّ الْمَالِ وَالْعَامِلُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: يَرُدُّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، فَلَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقُلْتُ لَهُ: اجْعَلْهُ عَلَى الثُّلُثَيْنِ لِي وَالثُّلُثُ لَكَ، أَوْ الثُّلُثَانِ لِلْعَامِلِ وَلِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثُ، وَقَدْ عَمِلَ بِالْمَالِ فَفَعَلَ؟ قَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ.

[دَفَعَ إلَيْهِ رَجُلَيْنِ مَالًا قِرَاضًا عَلَى أَنَّ النِّصْفَ لَهُ وَالثُّلُثَ لِلْآخَرِ وَالسُّدُسَ لِلْآخَرِ]
فِي الْمُقَارِضِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلَيْنِ الْمَالَ قِرَاضًا عَلَى أَنَّ النِّصْفَ لِلْمُقَارِضِ وَالثُّلُثَ لِلْآخَرِ وَالسُّدُسَ لِلْآخَرِ قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعْت إلَى رَجُلَيْنِ مَالًا قِرَاضًا، عَلَى أَنَّ نِصْفَ الرِّبْحِ لِي وَثُلُثَ الرِّبْحِ لِأَحَدِهِمَا، وَسُدُسَ الرِّبْحِ لِلْآخَرِ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا، لِأَنَّ الْعَامِلَيْنِ فِي الْمَالِ لَوْ اشْتَرَكَا عَلَى مِثْلِ هَذَا لَمْ يَجُزْ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ هَذَا، إذَا عَمِلَ الْعَامِلَانِ عَلَى مِثْلِ مَا يَجُوزُ فِي الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا. أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَهُمَا يَأْخُذُ بَعْضَ رِبْحِ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ؟ قُلْتُ: أَوْ لَيْسَ قَدْ يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْمَالِ، أَنْ يَدْفَعَ الْمَالَ قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: فَلِمَ لَا يَجُوزُ لِهَذَيْنِ الْعَامِلَيْنِ، وَلِمَ لَا تَجْعَلْهُمَا كَأَنَّ رَبَّ الْمَالِ جَعَلَ لِأَحَدِهِمَا السُّدُسَ وَلِلْآخَرِ السُّدُسَ وَزَادَ أَحَدَهُمَا السُّدُسَ؟ قَالَ: لَيْسَ هَذَا هَكَذَا، وَلَكِنَّ هَذَا كَأَنَّ رَبَّ الْمَالِ قَالَ لِلْعَامِلِ الَّذِي عَمِلَ بِالثُّلُثِ: اعْمَلْ مَعَ هَذَا عَلَى أَنَّ لَكَ رِبْحَ بَعْضِ عَمَلِ هَذَا.

[فِي الْمُتَقَارِضَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي أَجْزَاءِ الرِّبْحِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَيْهِ الْمَالَ قِرَاضًا عَلَى الثُّلُثَيْنِ، وَلَمْ أُبَيِّنْ لِمَنْ الثُّلُثَانِ أَلِرَبِّ الْمَالِ أَوْ لِلْعَامِلِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ، فِي الْعَامِلِ وَرَبِّ الْمَالِ إذَا اخْتَلَفَا، فَقَالَ: رَبُّ الْمَالِ إنَّمَا عَمِلْتُ عَلَى أَنَّ الثُّلُثَ لَكَ، وَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ عَمِلْتُ عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثَ


وَالثُّلُثَيْنِ لِي قَالَ: الْقَوْلُ مَا قَالَ الْعَامِلُ، إذَا كَانَ يُشْبِهُ قِرَاضَ مِثْلِهِ. فَأَرَى أَنَّ مَسْأَلَتَكَ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ: أَنَّ الثُّلُثَيْنِ لَهُ وَالثُّلُثُ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَامِلِ، إذَا كَانَ يُشْبِهُ عَمَلَ مِثْلِهِ وَإِلَّا رُدَّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ.
قَالَ: وَأَرَى الْمُسَاقَاةَ فِي هَذَا مِثْلَ الْقِرَاضِ، وَمَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ شَيْئًا فِي الْمُسَاقَاةِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْتُ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَاخْتَلَفْنَا، فَقُلْتُ: إنَّمَا دَفَعْت إلَيْك الْمَالَ، عَلَى أَنَّ الثُّلُثَ لَكَ، وَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ دَفَعْت إلَيَّ عَلَى أَنَّ الثُّلُثَيْنِ لِي، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُعْمَلَ فِي الْمَالِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَتَرَادَّانِ إلَّا أَنْ يَرْضَى أَنْ يَعْمَلَ عَلَى مَا قَالَ رَبُّ الْمَالِ قُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ إذَا اخْتَلَفَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْمَالِ فِي الرِّبْحِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ دَفَعَ إلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا فَاخْتَلَفَا فِي أُجْرَةِ الْخِيَاطَةِ قَالَ الْخَيَّاطُ: إجَارَتِي دِرْهَمَانِ، وَقَالَ رَبُّ الثَّوْبِ: إجَارَتُك دِرْهَمٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ فَكَذَلِكَ الْمُقَارِضُ، الْقَوْلُ قَوْلُهُ إذَا أَتَى بِأَمْرٍ يُشْبِهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَادَّعَيْتُ أَنِّي دَفَعْت الْمَالَ إلَيْهِ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ، عَلَى أَنَّ ثُلُثَ الرِّبْحِ لِلْعَامِلِ، وَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ دَفَعْت إلَيَّ الْمَالَ عَلَى النِّصْفِ؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ إذَا أَتَى بِأَمْرٍ يُشْبِهُ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا اخْتَلَفَا فِي الرِّبْحِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ إذَا أَتَى بِأَمْرٍ يُشْبِهُ، فَهَذَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْحَلَالِ، فَكَيْفَ إنْ قُلْتَ فِي الْحَرَامِ؟ فَذَلِكَ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَامِلِ إذَا أَتَى بِأَمْرٍ يُشْبِهُ فَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ هُوَ الَّذِي ادَّعَى الثُّلُثَ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ وَقَالَ: بَلْ قَارَضْتُكَ عَلَى النِّصْفِ أَوْ الثُّلُثِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَلَالِ مِنْهُمَا إذَا أَتَى بِأَمْرٍ يُشْبِهُ.

[فِي الْمُقَارِضَيْنِ يَشْتَرِطَانِ عِنْدَ مُعَامَلَتِهِمَا ثُلُثَ الرِّبْحِ لِلْمَسَاكِينِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُقَارِضَيْنِ يَشْتَرِطَانِ عِنْدَ مُعَامَلَتِهِمَا ثُلُثَ الرِّبْحِ لِلْمَسَاكِينِ أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: فَهَلْ يَرْجِعَانِ فِيمَا جَعَلَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا، وَلَيْسَ يُقْضَى بِذَلِكَ عَلَيْهِمَا، وَلَا أُحِبُّ لَهُمَا فِيمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ اللَّهِ أَنْ يَرْجِعَا فِيمَا جَعَلَا.

[فِي الْمُقَارِضِ يَكُونُ لَهُ شِرْكٌ فِي الْمَالِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لَهُ: اعْمَلْ، عَلَى أَنَّ لَكَ شِرْكًا فِي الْمَالِ أَيُرَدُّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا، وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَلَا مَالِ رَبِّ الْمَالِ فَعَمِلَ، فَهَؤُلَاءِ يُرَدُّونَ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِمْ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: إذَا قَالَ لَكَ شِرْكٌ فِي الْمَالِ وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا وَتَصَادَقَا فَذَلِكَ النِّصْفُ.


[فِي أَكْلِ الْعَامِلِ مِنْ الْقِرَاضِ]
ِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّمَا يَأْكُلُ الْعَامِلُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، إذَا شَخَصَ فِي الْمَالِ مِنْ بَلَدِهِ، وَلَيْسَ حِينَ يَشْتَرِي وَيَتَجَهَّرُ فِي بَلَدِهِ، وَلَكِنْ حِينَ يَخْرُجُ إذَا تَوَجَّهَ وَقَالَ: لِلْعَامِلِ إذَا سَافَرَ النَّفَقَةُ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِ شَيْئًا عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ بَعْدَ النَّفَقَةِ إلَى صَاحِبِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَافَرَ سَفَرًا قَرِيبًا، أَيَأْكُلُ مَنْ مَالِ الْقِرَاضِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، يَأْكُلُ مِنْهُ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا. فَإِذَا رَجَعَ إلَى مِصْرِهِ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَمْ يَكْتَسِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ إذَا كَانَ سَفَرًا قَرِيبًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُقِيمًا بِمَوْضِعِ إقَامَةٍ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْكِسْوَةِ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ غَرِيبٍ قَدِمَ الْفُسْطَاطَ مَالًا قِرَاضًا، عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ بِهِ بِالْفُسْطَاطِ يُقِيمُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ غَرِيبٌ، وَبِالْفُسْطَاطِ أَعْطَيْته الْمَالَ، إلَّا أَنَّهُ غَرِيبٌ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُ قَوْلَ مَالِكٍ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا قَالَ الَّذِي قَالَ مَالِكٌ، لَا يُنْفِقُ فِي الْمَالِ حَتَّى يَطْعَنَ مَنْ هُوَ فِي أَهْلِهِ مِنْ الْفُسْطَاطِ، أَوْ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْفُسْطَاطِ، وَلَيْسَ لَهُ بِهَا أَهْلٌ فَأَمَّا الْغُرَبَاءُ الَّذِينَ احْتَبَسُوا عَلَى الْعَمَلِ بِمَالِ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُنْفِقُوا، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يَسْكُنُ الْبَلَدَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهَا أَهْلٌ، أَوْ قَدِمَ يَسْكُنُ فَلَا أَرَى لَهُ نَفَقَةً.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ظَعَنَ إلَى الْمَدِينَةِ فِي مَالِ قِرَاضٍ أَخَذَهُ لِيَتَّجِرَ بِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ تَزَوَّجَ بِهَا وَأَوْطَنَ بِهَا، أَتَكُونُ نَفَقَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ حِينَ أَوْطَنَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت مَالًا قِرَاضًا بِالْفُسْطَاطِ، وَلِي أَهْلٌ بِالْمَدِينَةِ وَأَهْلٌ بِالْفُسْطَاطِ، فَكُنْتُ أَتَّجِرُ فِيمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالْفُسْطَاطِ؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَنْ أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا فِي بَلَدٍ لَيْسَ فِيهِ أَهْلُهُ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ أَهْلُهُ فَتَجَرَ هُنَاكَ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فَلَا نَفَقَةَ لَهُ فِي ذَهَابِهِ إلَى أَهْلِهِ، وَلَكِنْ لَهُ النَّفَقَةُ فِي رُجُوعِهِ. وَأَرَى فِي مَسْأَلَتِكَ أَنْ لَا يَكُونَ لِهَذَا نَفَقَةٌ، لَا فِي ذَهَابِهِ وَلَا فِي رُجُوعِهِ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَهْلِهِ وَرَجَعَ إلَى أَهْلِهِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ وَسَالِمًا عَنْ الْمُقَارَضِ، أَيَأْكُلُ مِنْ الْقِرَاضِ وَيَرْكَبُ أَوْ مِنْ مَالِهِ؟ فَقَالَا: يَأْكُلُ وَيَكْتَسِي وَيَرْكَبُ مِنْ الْقِرَاضِ، إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي سَبَبِ الْقِرَاضِ، وَفِيمَا يَنْبَغِي لَهُ بِالْمَعْرُوفِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَالُ يَحْمِلُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ بَعْدَ الزَّكَاةِ وَالنَّفَقَةِ وَأَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْلَا أَنَّ الْمُقَارَضَ يَأْكُلُ مِنْ الْمَالَ وَيَكْتَسِي، لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْقِرَاضُ وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا، فَإِنَّمَا يَكُونُ طَعَامُ الْعَامِلِ وَكِسْوَتُهُ وَنَفَقَتُهُ مِنْ الْمَالِ فِي غَيْرِ سَرَفٍ، إذَا كَانَ الْمَالُ يَحْمِلُ ذَلِكَ، وَلَا يُحْسَبُ ذَلِكَ فِي رِبْحِ الْعَامِلِ، وَلَكِنْ بَلَغَنِي، وَقَالَ اللَّيْثُ مِثْلَهُ. إذَا سَافَرَ الرَّجُلُ فِي الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا بِالْبَلَدِ




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #236  
قديم 03-01-2026, 04:08 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,860
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الثالث
من صــ 634الى صــ 643
الحلقة(236)






يَشْتَرِي وَيَبِيع، فَلَا يُسْتَنْفَقُ إلَّا أَنْ يَشْتَغِلَ فِي السُّوقِ يَشْتَرِي وَيَبِيع، يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إلَى أَهْلِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَغَدَّى بِالْأَفْلُسِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي بِشْرٌ وَمَسْلَمَةُ أَنَّهُمَا سَمِعَا الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ: سَأَلْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ الرَّجُلِ يَأْخُذُ الْمَالَ مُضَارَبَةً، مَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ؟ قَالَ: مِثْلُ الَّذِي يَأْكُلُ فِي أَهْلِهِ فِي غَيْرِ إسْرَافٍ، وَلَا يَضُرُّ بِنَفْسِهِ، وَلَا يُهْدِي مِنْهُ هَدِيَّةً، وَلَا يَصْنَعُ مِنْهُ طَعَامًا يَدْعُو عَلَيْهِ.

[فِي الْمُقَارَضِ يَسْتَأْجِرُ الْأُجَرَاءَ وَالْبُيُوتَ مِنْ الْقِرَاضِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُقَارَضَ، أَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأُجَرَاءَ يَعْمَلُونَ مَعَهُ فِي الْمُقَارَضَةِ، وَيَسْتَأْجِرَ الْبُيُوتَ لِيَجْعَلَ فِيهَا مَتَاعَ الْمُقَارَضَةِ، وَيَسْتَأْجِرَ الدَّوَابَّ يَحْمِلُ عَلَيْهَا مَتَاعَ الْقِرَاضِ؟ قَالَ: نَعَمْ، عِنْدَ مَالِكٍ هَذَا جَائِزٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا يَخْدِمَهُ فِي سَفَرِهِ، أَتَكُونُ إجَارَةُ الْأَجِيرِ مَنْ الْقِرَاضِ؟ قَالَ: إذَا كَانَ مِثْلَهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ، وَالْمَالُ يَحْمِلُ ذَلِكَ، فَذَلِكَ لَهُ. وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَجْهُ الْقِرَاضِ الْمَعْرُوفِ الْجَائِزِ بَيْنَ النَّاسِ: أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ الْمَالَ مِنْ صَاحِبِهِ، عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَنَفَقَةُ الْعَامِلِ فِي الْمَالِ، وَطَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ فِي سَفَرِهِ، وَمَا يُصْلِحُهُ بِالْمَعْرُوفِ، بِقَدْرِ الْمَالِ إذَا شَخَصَ فِي الْمَالِ وَكَانَ الْمَالُ يَحْمِلُ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ مُقِيمًا فِي أَهْلِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُ مِنْ الْمَالِ وَلَا كِسْوَةَ، وَأَنَّ لِلْعَامِلِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ الْمَالِ إذَا كَانَ كَثِيرًا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ بَعْضَ مَنْ يَكْفِيهِ بَعْضَ مُؤْنَتِهِ، وَمِنْ الْأَعْمَالِ أَعْمَالٌ لَا يَعْلَمُهَا الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ، وَلَيْسَ مِثْلُهُ يَعْمَلهَا، فَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ الْمَالِ إذَا كَانَ كَثِيرًا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْعَامِلِ أَنْ يَهَبَ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا يُوَلِّيَ مِنْهُ وَلَا يُعْطِيَ مِنْهُ أَحَدًا، وَلَا يُكَافِئَ فِيهِ أَحَدًا. فَأَمَّا أَنْ يَجْتَمِعَ هُوَ وَقَوْمٌ فَيَأْتُونَ بِطَعَامٍ وَيَأْتِي بِطَعَامٍ، فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاسِعًا - إنْ شَاءَ اللَّهُ - إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ أَنْ يُفَضَّلَ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ تَعَمَّدْ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ، فَإِنْ حَلَّلَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يُحَلِّلَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَهُ بِمِثْلِهِ، إذَا كَانَ ذَلِكَ شَيْئًا لَهُ مُكَافَأَةٌ. وَذَلِكَ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَقَالَ اللَّيْثُ مِثْلَهُ.

[فِي التَّاجِرِ الْحَاجِّ يَأْخُذُ مَالًا قِرَاضًا]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ: قُلْنَا لِمَالِكٍ: إنَّ عِنْدَنَا تُجَّارًا قَدْ عَرَفُوا أَيَّامَ الْمَوْسِمِ، يَأْخُذُونَ الْمَالَ قِرَاضًا، فَيَشْتَرُونَ الْبِغَالَ وَالرَّقِيقَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَيَخْرُجُونَ فَيَشْهَدُونَ بِهَا الْمَوْسِمَ، فَلَوْلَا ذَلِكَ مَا خَرَجُوا إلَى الْمَوْسِم فِيمَا يَظُنُّ بِهِمْ، أَفَتَرَى لَهُمْ نَفَقَةً فِي مَالِ الْقِرَاضِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَخْرُجُ حَاجًّا، وَتَكُونُ نَفَقَتُهُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَأَبَى ذَلِكَ وَقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَهُ وَلَا لِلْغَازِي قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَفِي رُجُوعِهِ؟ فَقَالَ: وَلَا فِي رُجُوعِهِ

إلَى بَيْتِهِ، لَا تَكُونُ لَهُ نَفَقَةٌ. قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: فَالرَّجُلُ يَقْدَمُ مَنْ بَلَدِهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ، فَيَأْخُذُ الْمَالَ قِرَاضًا فَيَسِيرُ إلَى بَلَدِهِ وَفِيهَا التِّجَارَةُ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَتَّجِرَ فِيهَا؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا نَفَقَةَ لَهُ فِي ذَهَابِهِ، وَلَا فِي إقَامَتِهِ فِي أَهْلِهِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَهُ النَّفَقَةُ فِي رُجُوعِهِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِثْلَ الْحَاجِّ وَلَا الْغَازِي وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَتَجَهَّزُ بِمَالٍ أَخَذَهُ قِرَاضًا وَأَرَادَ سَفَرًا، فَتَكَارَى بِهِ وَاشْتَرَى ثِيَابًا لِنَفْسِهِ وَطَعَامًا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَرَادَ الْخُرُوجَ، أَتَاهُ رَجُلٌ بِمَالٍ فَقَالَ لَهُ: خُذْ هَذَا قِرَاضًا فَكَيْفَ تَرَى أَنْ تَكُونَ لَهُ النَّفَقَةُ، مَنْ الْمَالِ الْأَوَّلِ؟ أَمْ تَكُونَ نَفَقَتُهُ عَلَى الْمَالَيْنِ جَمِيعًا؟ قَالَ: بَلْ نَفَقَتُهُ عَلَى الْمَالَيْنِ جَمِيعًا عَلَى قَدْرِهِمَا.

[الْمُقَارَضُ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِهِ فِي الْقِرَاضِ حَتَّى يَقْدَمَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا، فَخَرَجَ بِهِ فَأَنْفَقَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ فِي سَفَرِهِ لِيَقْتَضِيَهُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، فَأَنْفَقَ ثُمَّ ضَاعَ الْمَالُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى بِالْمَالِ الْقِرَاضِ سِلَعًا، فَاكْتَرَى لَهَا دَوَابَّ فَحَمَلَ عَلَيْهَا فَاغْتَرَقَ الْكِرَاءُ السِّلَعَ وَزَادَ، قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ

قُلْتُ أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَاشْتَرَى الْمُقَارَضُ بِجَمِيعِ الْمَالِ ثِيَابًا، ثُمَّ صَبَغَ الثِّيَابَ أَوْ قَصَّرَهَا بِمَالٍ مِنْ عِنْدِهِ، أَيَرْجِعُ بِهِ فِي ثَمَنِ الثِّيَابِ إذَا بَاعَ الثِّيَابَ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُقَارَضِ إذَا اشْتَرَى سِلَعًا بِمَالِ الْقِرَاضِ، فَزَادَ فِي ثَمَنِهَا مِنْ عِنْدِهِ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: رَبُّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا زَادَ، وَتَكُونُ السِّلْعَةُ كُلُّهَا عَلَى الْقِرَاضِ، وَإِنْ كَرِهَ رَبُّ الْمَالِ ذَلِكَ كَانَ الْعَامِلُ شَرِيكًا لِرَبِّ الْمَالِ بِمَا زَادَ مِنْ مَالِهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ، إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، ثُمَّ اشْتَرَى بِجَمِيعِهِ بَزًّا، ثُمَّ اكْتَرَى عَلَى الْبَزِّ مَنْ مَالِهِ، أَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ لِلْعَامِلِ فِي الْقِرَاضِ؟ أَيَكُونُ شَرِيكًا بِالْكِرَاءِ أَمْ مَاذَا يَكُونُ، أَمْ تَرَاهُ دَيْنًا فِي الْمَالِ الْقِرَاضِ؟ قَالَ: أَرَاهُ دَيْنًا فِي مَالِ الْقِرَاضِ يَسْتَوْفِيهِ مِنْ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلَا يَكُونُ الْعَامِلُ شَرِيكًا لِرَبِّ الْمَالِ بِهَذَا الْكِرَاءِ. قُلْتُ: فَإِنْ صَبَغَ الْبَزَّ بِمَالٍ مِنْ عِنْدِهِ، وَقَدْ كَانَ اشْتَرَى بِجَمِيعِ مَالِ الْقِرَاضِ بَزًّا قَالَ: أَمَّا الصَّبْغُ فَيُقَالُ لِرَبِّ الْمَالِ: ادْفَعْ إلَيْهِ الْمَالَ الَّذِي صَبَغَ بِهِ، وَإِلَّا كَانَ شَرِيكًا مَعَكَ بِمَا صَبَغَ مِنْ الثِّيَابِ قَالَ: وَاَلَّذِي يُبَيِّنُ لَكَ الْفَرْقَ فِيمَا بَيْنَ الصَّبْغِ وَالْكِرَاءِ، أَنَّ الصَّبْغَ رَأْسُ مَالٍ، يُحْسَبُ لِلصَّبْغِ رَأْسُ مَالِهِ وَرِبْحُهُ، مِثْلَ مَا يُحْسَبُ لِرَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَالِ وَرِبْحِهِ إذَا بَاعَهُ مُرَابَحَةً، وَلَمْ يُجْعَلْ لِلْكِرَاءِ رِبْحٌ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: يُحْمَلُ الْكِرَاءُ عَلَى الْمَالِ وَلَا يُجْعَلُ لِلْكِرَاءِ رِبْحٌ.
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْكِرَاءِ فِي الْمُرَابَحَةِ رِبْحٌ، لَمْ يَكُنْ بِهِ شَرِيكًا؛ لِأَنَّهُ غَيَّرَ


سِلْعَةً قَائِمَةً فِي الْبَزِّ. وَإِنَّمَا تَكُونُ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا فِي سِلْعَةٍ قَائِمَةٍ، يَكُونُ فِيهَا النَّمَاءُ وَالنُّقْصَانُ وَالصَّبْغُ سِلْعَةً قَائِمَةً بِعَيْنِهَا، وَالْكِرَاءُ لَيْسَ بِسِلْعَةٍ قَائِمَةٍ، وَإِنَّمَا الْكِرَاءُ هَاهُنَا سَلَفٌ أَسْلَفَهُ الْعَامِلُ رَبَّ الْمَالِ فَإِنْ رَضِيَ رَبُّ الْمَالِ بِذَلِكَ، أَدَّاهُ، وَإِلَّا قِيلَ لِلْعَامِلِ: اقْبِضْهُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ أَلْفَ دِينَارٍ قِرَاضًا، فَيَبْتَاعُ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ عَلَى رَبِّ الْمَالِ: إنَّ رَبَّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَإِلَّا كَانَ الْمُبْتَاعُ شَرِيكًا. وَجَعَلَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الْمَتَاعَ بِمَالِ قِرَاضٍ، فَيَتَكَارَى لَهُ مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ يَبِيعُهُ، أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالْكِرَاءِ فِي الْمَالِ الْقِرَاضِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْكِرَاءُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمَتَاعِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ شَيْءٌ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِ الْمَتَاعِ فَعَلَى هَذَا رَأَيْتُ لَكَ أَيْضًا الْكِرَاءَ. وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْكِرَاءِ وَالْمُرَابَحَةِ، حِينَ لَمْ يَجْعَلْهُ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ الْقَائِمِ بِعَيْنِهِ قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ إلَى الْعَامِلِ قِيمَةَ الصَّبْغِ، لَمْ يَكُنْ الصَّبْغُ عَلَى الْقِرَاضِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ الثِّيَابِ، ضَمِنَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ، فَيَكُونَ لَهُ مِنْ الْقِيمَةِ قَدْرُ رَأْسِ الْمَالِ وَرِبْحِهِ. وَإِنْ أَبَى أَنْ يَضْمَنَهُ كَانَ شَرِيكًا بِقِيمَةِ الصَّبْغِ مِنْ قِيمَةِ الثِّيَابِ وَإِنَّمَا لَمْ يَرَ إنْ أَعْطَاهُ قِيمَةَ الصَّبْغِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَنْ يَدْفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَيَشْتَرِيَ بِهِ سِلَعًا، ثُمَّ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالًا آخَرَ قِرَاضًا عَلَى أَنْ يَخْلِطَهُ الْمَالَ الْأَوَّلَ. فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَإِنْ رَضِيَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يُعْطِيَهُ فِيهِ قِيمَةَ الصَّبْغِ، فَلَا أَرَى أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّ الصَّبْغَ مُشْتَرًى بَعْد مَا اشْتَرَى بِالْمَالِ الْأَوَّلِ الثِّيَابَ، وَالْمَالُ الْأَوَّلُ رُبَّمَا رَبِحَ فِيهِ، وَرُبَّمَا خَسِرَ فِيهِ.
فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ فِي الِابْتِدَاءِ أَنْ يُعْطِيَهُ رَبُّ الْمَالِ مَالًا ثَانِيًا بَعْدَ مَا أَشْغَلَ الْأَوَّلَ عَلَى أَنْ يَخْلِطَهُ، فَكَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجَازَ فِعْلُ الْعَامِلِ بَعْدَ مَا شَغَلَ الْمَالَ الْأَوَّلَ، بِأَنْ يَخْلِطَ الثَّانِيَ بِالْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَا يُشْبِهُ هَذَا مَسْأَلَةَ مَالِكٍ، الَّتِي قَالَ فِي الرَّجُلِ يُعْطِي الرَّجُلَ مَالًا عَلَى الْقِرَاضِ، فَيَزِيدُ الْعَامِلُ مَنْ عِنْدِهِ مَالًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا، فَيَشْتَرِيَ بِجَمِيعِهِ سِلْعَةً يُرِيدُ بِمَا زَادَ سَلَفَ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْمَالَيْنِ جَمِيعًا حِينَ اشْتَرَى بِهِمَا جَمِيعًا صَفْقَةً وَاحِدَةً، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ زَادَ الْعَامِلَ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ اشْتَرَيْت بَزًّا بِجَمِيعِ مَالِ الْقِرَاضِ، ثُمَّ اكْتَرَيْت لِنَفْسِي مِنْ مَالِي وَأَنْفَقْت عَلَى نَفْسِي مِنْ مَالِي، أَيَكُونُ لِي كِرَائِي وَمَا أَنْفَقْت مِنْ مَالِي عَلَى نَفْسِي دَيْنًا أَرْجِعُ بِهِ فِي ثَمَنِ الْمَتَاعِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ قُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي فِي الَّذِي يَخْرُجُ وَيُنْفِقُ مِنْ عِنْدِهِ: إنَّهُ يَحْسِبُ نَفَقَةَ مِثْلِهِ فِي الْمَالِ الْقِرَاضِ، فَيَفُضُّ ذَلِكَ عَلَى الْمَالِ الْقِرَاضِ، وَعَلَى نَفَقَةِ مِثْلِهِ؟ قَالَ: إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ: إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ


وَيُجَهِّزَ، ثُمَّ أَتَاهُ رَجُلٌ فَدَفَعَ إلَيْهِ مَالًا قِرَاضًا، فَخَرَجَ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ وَفِي الْقِرَاضِ، وَهَذَا إنَّمَا خَرَجَ فِي الْقِرَاضِ وَحْدَهُ.

[فِي الرَّجُلِ يَأْخُذُ الْمَالَ الْقِرَاضَ مِنْ الرَّجُلِ كَيْفَ تَكُونُ نَفَقَتُهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُقَارَضَ، إذَا أَخَذَ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا فَسَافَرَ بِهَا، وَبِعَشَرَةِ آلَافٍ مَنْ عِنْدِهِ أَوْ بِعَشَرَةِ آلَافٍ قِرَاضًا فَسَافَرَ بِهَا، وَبِأَلْفِ دِرْهَمٍ مَنْ مَالِهِ، كَيْفَ تَكُونُ النَّفَقَةُ الَّتِي يُنْفِقُهَا عَلَى نَفْسِهِ فِي سَفَرِهِ؟ قَالَ: عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ نَفْضُ النَّفَقَةِ عَلَى الْمَالَيْنِ، فَيُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ بِحِسَابِ ذَلِكَ مِنْ الْعَشَرَةِ آلَافٍ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، وَمِنْ الْأَلْفِ جُزْءًا وَاحِدًا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، كَيْفَ تَكُونُ نَفَقَتُهُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا الَّذِي أَخْبَرْتُكَ أَنِّي سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَتَجَهَّزَ فِيهِ فِي جِهَازِ نَفْسِهِ وَسَفَرِهِ، وَتَكَارَى يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ إلَى بَلَدٍ مَنْ الْبُلْدَانِ يَشْتَرِي هُنَاكَ مَتَاعًا، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَرَفَعَ إلَيْهِ مَالًا قِرَاضًا، عَلَى مَنْ تَرَى نَفَقَتَهُ؟ قَالَ مَالِكٌ: نَفَقَتُهُ مِنْ الْمَالَيْنِ جَمِيعًا، فَأَمَّا مَسْأَلَتُكَ، فَقَدْ تَجَهَّزَ بِالْمَالِ وَاشْتَرَى وَتَكَارَى عَلَى الْبَزِّ، فَهَذَا كُلُّهُ عَلَى رَبِّ الْبَزِّ وَحْدَهُ. وَأَمَّا نَفَقَةُ الْعَامِلِ وَكِرَاؤُهُ، فَهُوَ عَلَى الْمَالَيْنِ جَمِيعًا مِثْلُ الَّذِي أَخْبَرْتُكَ.

[زَكَاةِ الْقِرَاضِ]
فِي زَكَاةِ الْقِرَاضِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُخْرِجُ الْعَامِلُ زَكَاةَ الْقِرَاضِ إلَّا بِحَضْرَةِ رَبِّ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَتْ الزَّكَاةُ قَدْ وَجَبَتْ مُنْذُ قَبَضَهَا الْعَامِلُ فَإِنْ رَبِحَ فِيهَا الْعَامِلُ وَحَالَ الْحَوْلُ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُخْرِجُ شَيْئًا مِنْ زَكَاةِ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَا مِنْ رِبْحِهِ، حَتَّى يَحْضُرَ رَأْسُ الْمَالِ وَيَحْضُرَ رَبُّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ مَالِكٍ، لَا رِبْحَ لَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ. وَقَالَ: إنَّمَا يُخْرِجُ الزَّكَاةَ عِنْدَ الْمُقَاسَمَةِ قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: أَفَيُزَكِّيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً لِمَا مَضَى مِنْ السِّنِينَ، أَوْ لِكُلِّ سَنَةٍ مَضَتْ زَكَاةٌ؟ قَالَ: بَلْ لِكُلِّ مَا مَضَى مِنْ السِّنِينَ، لِكُلِّ سَنَةٍ زَكَاةٌ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدِي فِي الْمَالِ الَّذِي يُدَارُ، إذَا كَانَ الْعَامِلُ يُدِيرُهُ. وَإِنَّمَا يُزَكِّي لِكُلِّ سَنَةٍ قِيمَةَ مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ الْمَتَاعِ لِكُلِّ سَنَةٍ إنْ كَانَ - أَوَّلَ السَّنَةِ - قِيمَةُ الْمَتَاعِ مِائَةً، وَالسَّنَةَ الثَّانِيَةَ مِائَتَيْنِ، وَالسَّنَةَ الثَّالِثَةَ ثَلَاثَمِائَةٍ، فَإِنَّمَا يُزَكِّي كُلَّ سَنَةٍ قِيمَةَ مَا كَانَ يُسَوِّي الْمَتَاعَ.
فَإِنَّمَا يُزَكِّي أَوَّلَ السَّنَةِ مِائَةً، وَالسَّنَةَ الثَّانِيَةَ مِائَتَيْنِ، وَالسَّنَةَ الثَّالِثَةَ ثَلَاثَمِائَةٍ، إلَّا مَا يُنْقِصُهُ الزَّكَاةُ كُلَّ سَنَةٍ قُلْتُ: فَلَوْ رَبِحَ الْعَامِلُ دِينَارًا وَاحِدًا فِي الْمَالِ، وَالْمَالُ تِسْعَةَ عَشَرَ دِينَارًا وَإِنَّمَا عَمِلَ فِي الْمَالِ يَوْمًا وَاحِدًا فَرَبِحَ هَذَا الدِّينَارُ، فَبَدَا لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْقِرَاضَ، وَقَدْ كَانَتْ إقَامَةُ التِّسْعَةَ


عَشَرَ دِينَارًا عِنْدَ رَبِّهَا سَنَةً، أَيَكُونُ عَلَى الْمُقَارَضِ فِي نِصْفِ دِينَارِهِ هَذِهِ الَّذِي رَبِحَهُ فِي عَمَلِ يَوْمِهِ ذَلِكَ، فَصَارَ لَهُ فِي حِصَّتِهِ زَكَاةٌ؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَيْسَ فِي رَأْسِ مَالِهِ وَرِبْحِهِ زَكَاةٌ، وَرِبْحُ الْعَامِلِ لَيْسَ هُوَ لِرَبِّ الْمَالِ، فَلَيْسَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَكَاةٌ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، وَقَدْ زَكَّى مَالَهُ ذَلِكَ، وَمَضَى لِمَالِهِ ذَلِكَ بَعْدَ مَا زَكَّاهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَعَمِلَ الْعَامِلُ بِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ اقْتَسَمَا، فَأَخَذَ رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ وَحِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَأَخَذَ الْعَامِلُ حِصَّتَهُ مَنْ الرِّبْحُ، ثُمَّ مَضَتْ السَّنَةُ مِنْ يَوْمِ زَكَّى رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ. قَالَ: رَبُّ الْمَالِ: يُزَكِّي مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَرِبْحِهِ الَّذِي صَارَ لَهُ فِي حِصَّتِهِ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يُزَكِّيَ مَا صَارَ لَهُ فِي رِبْحِهِ، إلَّا أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَى مَا صَارَ لَهُ فِي رِبْحِهِ، مِنْ يَوْمِ اقْتَسَمَا وَأَخَذَ حِصَّتَهُ، وَفِي يَدَيْهِ عِشْرُونَ دِينَارًا فَصَاعِدًا مِنْ رِبْحِهِ، أَوْ مِنْ مَالٍ كَانَ لَهُ قَبْلَ رِبْحِهِ إنْ ضَمَّهُ إلَى رِبْحِهِ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ إذَا حَالَ عَلَى الْمَالِ الْحَوْلُ، وَرِبْحُهُ مِنْ يَوْمِ أَفَادَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَضُمُّ الْفَائِدَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِهِ قَبْلَ رِبْحِهِ إلَى الرِّبْحِ، فَيَسْتَقْبِلُ بِهِ حَوْلًا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

[فِي الْقِرَاضِ يَتْلَفُ ثُمَّ يَعْمَلُ بِمَا بَقِيَ فَيَرْبَحُ فِيهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا، فَلَمْ يَعْمَلْ بِالْمَالِ حَتَّى ضَاعَ مِنْهُ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ عَمِلَ فَرَبِحَ أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُجْبَرُ رَأْسُ الْمَالِ مِنْ الرِّبْحِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِالْمَالِ حَتَّى ضَاعَ مِنْهُ قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمِلَ فِي الْمَالِ فَخَسِرَ، فَأَتَى إلَى رَبِّ الْمَالِ فَقَالَ: قَدْ وَضَعْت فِي الْمَالِ فَقَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ: اعْمَلْ بِمَا بَقِيَ عِنْدَك، فَعَمِلَ فَرَبِحَ، أَيُجْبَرُ رَأْسُ الْمَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَإِنْ قَالَ الْعَامِلُ: لَا أَعْمَلُ بِهِ حَتَّى تَجْعَلَ هَذَا الْبَاقِيَ رَأْسِ مَالِكَ، وَتُسْقِطَ عَنِّي مَا قَدْ خَسِرْتُ فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: نَعَمْ، اعْمَلْ بِهَذَا، وَقَدْ أَسْقَطْتُ عَنْكَ مَا قَدْ خَسِرْتَ؟ قَالَ: أَرَى أَنَّهُ عَلَى قِرَاضِهِ أَبَدًا، مَا لَمْ يَدْفَعْ إلَى رَبِّ الْمَالِ مَالَهُ وَيُفَاصِلْهُ، وَهُوَ رَأْيِي.
وَلَا يَنْفَعُهُ قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ وَيَتَبَرَّأَ مِنْهُ ثُمَّ يَدْفَعَ إلَيْهِ الثَّانِيَةَ إنْ أَحَبَّ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَحْضَرَهُ وَحَاسَبَهُ مَا لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهِ، فَهُوَ عَلَى الْقِرَاضِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَكَذَلِكَ سَمِعْتُ عَنْ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت مَالًا قِرَاضًا، فَذَهَبَ اللُّصُوصُ بِنِصْفِ رَأْسِ الْمَالِ، أَوْ سَقَطَ مِنِّي نِصْفُ الْمَالِ قَبْلَ أَنْ أَعْمَلَ فِي الْمَالِ، ثُمَّ عَمِلْتُ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي، فَرَبِحْتُ فِيهِ مَالًا، كَيْفَ يَكُون هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ مَالِكٌ: يُتِمُّ رَأْسَ الْمَالِ الَّذِي أَخَذَتْ اللُّصُوصُ، وَاَلَّذِي ضَاعَ مِنْ الرِّبْحِ، وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا، وَلَا


يَكُونُ فِي الْمَالُ رِبْحٌ حَتَّى يُتِمَّ رَأْسَ الْمَالِ. قُلْتُ: مَا فَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الَّذِي أَكَلَهُ الْعَامِلُ فِي الْمَالِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ إذَا أَكَلَهُ فَقَدْ ضَمِنَهُ، وَإِذَا سَقَطَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَتْهُ اللُّصُوصُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَإِنْ رَبِحَ فِي بَقِيَّةِ الْمَالِ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْبُرَ رَأْسَ الْمَالِ فَإِذَا أَكَلَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَكَلَ فَاَلَّذِي ضَمِنَ هُوَ تَمَامُ رَأْسِ الْمَالِ، إلَّا أَنَّهُ لَا رِبْحَ لِلَّذِي ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ. قَالَ: وَمَا أَخَذَ الْعَاشِرُ مِنْهُ ظُلْمًا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا أَخَذَتْ اللُّصُوصُ؟ قَالَ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: مَا أَخَذَتْ اللُّصُوصُ مِنْ الْقِرَاضِ فَهُوَ مِنْ الْقِرَاضِ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَامِلِ شَيْءٌ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا، فَأَكَلَ خَمْسَمِائَةٍ مِنْهَا، ثُمَّ تَجَرَ فِي الْمَالِ فَرَبِحَ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَيْهِ رَجُلٌ مَالًا قِرَاضًا، فَتَسَلَّفَ مِنْهُ مَالًا ثُمَّ عَمِلَ بِمَا بَقِيَ. قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ضَامِنٌ لِمَا تَسَلَّفَ، وَمَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ يَعْمَلُ بِهِ، وَاَلَّذِي فِيهِ الْقِرَاضُ وَلَيْسَ الَّذِي تَسَلَّفَ مِنْهُ عَلَى الْقِرَاضِ فَمَسْأَلَتُكَ أَرَى: الْخَمْسَمِائَةِ الَّذِي عَمِلَ بِهَا، هِيَ رَأْسُ مَالِ الْقِرَاضِ، فَرِبْحُهَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا.
وَالْعَامِلُ ضَامِنٌ لِلْخَمْسِمِائَةِ الَّتِي أَكَلَهَا، وَلَا يُحْسَبُ لَهَا رِبْحٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَامِلِ فِيهَا، إلَّا أَنْ يُخْرِجُهَا قَطُّ.

قُلْتُ: فَإِنْ أَخَذَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مَالًا قِرَاضًا، فَتَجَرَ فِي الْمَالِ فَرَبِحَ أَلْفًا أُخْرَى، فَأَكَلَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْهَا، ثُمَّ تَجَرَ فِي الْأَلْفِ الْبَاقِيَةِ الَّتِي فِي يَدَيْهِ فَأَصَابَ مَالًا. قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ لِلْأَلْفِ الَّتِي أَكَلَ، وَمَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ وَمَا رَبِحَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا. قُلْتُ: فَإِنْ ضَاعَ مَا فِي يَدَيْهِ فَلَمْ يَبْقَ فِي يَدَيْهِ إلَّا الْأَلْفُ الَّتِي أَكَلَهَا؟ قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ لِتِلْكَ الْأَلْفِ لِرَبِّ الْمَالِ، وَيَجْعَلُ تِلْكَ الْأَلْفَ رَأْسَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا رِبْحَ فِي الْمَالِ، إلَّا بَعْدَ مَا يَسْتَوْفِي رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت عَبْدًا مَنْ مَالِ الْقِرَاضِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ جَمِيعُ الْمَالِ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَجَنَى رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْعَبْدِ جِنَايَةً، بِنَقْصِ الْعَبْدِ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، فَبَاعَ الْعَامِلُ الْعَبْدَ بَعْدَ مَا جَنَى عَلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ بِخَمْسِمِائَةٍ، فَعَمِلَ بِالْخَمْسِمِائَةِ فَرَبِحَ فِيهَا رِبْحًا كَثِيرًا أَوْ وَضَعَ، أَيَكُونُ مَا صَنَعَ السَّيِّدُ بِالْعَبْدِ اقْتِضَاءً لِرَأْسِ مَالِهِ وَرِبْحِهِ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ اقْتِضَاءً إلَّا أَنْ يُفَاصِلَهُ وَيُحَاسِبَهُ فَيَحْسُبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَعَمِلَ بِمَا بَقِيَ عِنْدَهُ، فَهَذَا الَّذِي بَقِيَ عِنْدَهُ وَعَمِلَ فِيهِ فَهُوَ عَلَى الْقِرَاضِ كَمَا كَانَ، وَمَا صَنَعَ السَّيِّدُ، فَذَلِكَ دَيْنٌ عَلَيْهِ. وَلَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ عَنْ مَالِكٍ.

[الْمُقَارَضِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ بِمَالِ الْقِرَاضِ فَإِذَا ذَهَبَ يَنْقُدُ وَجَدَ الْقِرَاضَ قَدْ تَلِفَ]
فِي الْمُقَارَضِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ بِمَالِ الْقِرَاضِ فَإِذَا ذَهَبَ يَنْقُدُ وَجَدَ الْقِرَاضَ قَدْ تَلِفَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت مَالًا قِرَاضًا، عَلَى أَنْ أَعْمَلَ فِيهِ عَلَى النِّصْفِ، فَاشْتَرَيْتُ بِهِ


عَبْدًا أَوْ سِلْعَةً، فَجِئْتُ لِأَنْقُدَ الْبَائِعَ الْمَالَ، فَوَجَدْتُ الْمَالَ قَدْ ضَاعَ؟ قَالَ: يُقَالُ لِرَبِّ الْمَالِ: إنْ أَحْبَبْتَ فَادْفَعْ الثَّمَنَ، وَتَكُونُ السِّلْعَةُ قِرَاضًا عَلَى حَالِهَا، وَإِنْ أَبَى لَزِمَ الْمُقَارَضَ أَدَاءُ ثَمَنِهَا وَكَانَتْ لَهُ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ بِيعَتْ عَلَيْهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ النُّقْصَانُ وَلَهُ الرِّبْحُ. قُلْتُ: فَإِنْ نَقَدَ رَبُّ الْمَالِ الْمَالَ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ، كَمْ يَكُونُ رَأْسُ مَالِهِ، أَيَكُونُ رَأْسُ مَالِهِ الْمَالَ الَّذِي تَلِفَ، أَوْ هَذَا الْمَالَ الَّذِي نُقِدَ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ رَأْسُ مَالِهِ عِنْدَ مَالِكٍ، لَا الْمَالُ الْآخَرُ الَّذِي نَقَدَ رَبُّ الْمَالِ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ، هُوَ رَأْسُ مَالِهِ فَقَطْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت بِالْمَالِ الْقِرَاضِ سِلْعَةً، فَضَاعَتْ السِّلْعَةُ وَضَاعَ الثَّمَنُ قَبْلَ أَنْ أَنْقُدَ الثَّمَنَ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَيَغْرَمُ الْمُقَارَضُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت جَارِيَةً، فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْقُدَ الثَّمَنَ، فَقُطِعَ عَلَيَّ الطَّرِيقُ فَذَهَبَ الْمَالُ، أَهَذَا وَضَيَاعُ الْمَالِ سَوَاءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ فِي الْمَالِ بَقِيَّةٌ، فَعَمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ، جُبِرَ بِهِ رَأْسُ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ بَقِيَّةٌ، قِيلَ لِرَبِّ الْمَالِ: ادْفَعْ الثَّمَنَ إنْ شِئْتَ، وَتَكُونُ الْجَارِيَةُ عَلَى الْقِرَاضِ، وَإِنْ كَرِهْتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْكَ. فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ كَانَ رَأْسُ مَالِ الْقِرَاضِ الْمَالَ الَّذِي يَدْفَعُ رَبُّ الْمَالِ إلَى رَبِّ السِّلْعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ، لَزِمَ الثَّمَنُ الْمُشْتَرِيَ الْعَامِلَ، وَكَانَتْ السِّلْعَةُ لَهُ وَرِبْحُهَا لَهُ وَنُقْصَانُهَا عَلَيْهِ.

[فِي الْعَامِلِ الْمُقَارَضِ يَخْلِطُ مَالَهُ بِالْقِرَاضِ]
ِ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الْمَالَ الْقِرَاضَ، فَيَعْمَلُ بِهِ وَلَهُ مَالٌ فَيَتَّجِرُ بِهِ لِنَفْسِهِ فَيَتَخَوَّفُ، إنْ قَدَّمَ مَالَهُ وَأَخَّرَ مَالَ الرَّجُلِ، وَقَعَ الرُّخْصُ فِي الْأَوَّلِ، أَوْ يَخَافُ أَنْ يُقَدِّمَ مَالَ الرَّجُلِ وَيُؤَخِّرَ مَالَهُ، فَيَقَعُ الرُّخْصُ فِي الْآخَرِ، فَكَيْفَ تَأْمُرهُ أَنْ يَعْمَلَ؟ قَالَ: الصَّوَابُ مِنْ ذَلِكَ، أَنْ يَخْلِطَهُمَا جَمِيعًا ثُمَّ يَشْتَرِيَ بِهِمَا جَمِيعًا. قَالَ مَالِكٌ: وَلَكِنْ لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُقَارِضَهُ، عَلَى أَنْ يَخْلِطَ الْمُقَارَضُ مَالَهُ بِمَالِ الْقِرَاضِ قَالَ مَالِكٌ: فَهَذَا لَا يَجُوزُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَخْلِطَ مَالِي بِمَالِهِ، فَخَلَطْتُ مَالَهُ بِمَالِي أَأَضْمَنُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَضْمَنُ لَهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت بِمَالِ الْقِرَاضِ وَبِمَالٍ مَنْ عِنْدِي، مِنْ غَيْر أَنْ يَكُونَ اشْتَرَطَ عَلَيَّ رَبُّ الْمَالِ أَنْ أَخْلِطَهُ بِمَالِي، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. كَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: وَتَكُونُ السِّلْعَةُ عَلَى الْقِرَاضِ وَعَلَى مَا نُقِدَتْ فِيهَا، فَتَكُونُ حِصَّةُ الْقِرَاضِ رَأْسَ مَالِ الْقِرَاضِ، وَتَكُونُ حِصَّتُكَ أَنْتَ مَا نَقَدْتَ فِيهَا مِنْ مَالِكَ.

[الْمُقَارَضُ يُشَارِكُ بِمَالِ الْقِرَاضِ]
ِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِلْمُقَارَضِ أَنْ يُشَارِكَ أَحَدًا، وَإِنَّمَا سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ


الْمُقَارَضِ يَأْتِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَيَأْتِي رَجُلٌ بِأَلْفٍ فَيَعْمَلَانِ بِهِمَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ شَارَكَ فَهُوَ ضَامِنٌ. قَالَ: وَإِنْ عَمِلَا جَمِيعًا فَهُوَ ضَامِنٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، وَدَفَعَ رَبُّ الْمَالِ إلَى رَجُلٍ آخَرَ مَالًا قِرَاضًا، أَيَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَشْتَرِكَا بِالْمَالَيْنِ، فَيَعْمَلَا، وَرَبُّ الْمَالَيْنِ إنَّمَا هُوَ وَاحِدٌ؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي هَذَا، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ، أَنْ يَسْتَوْدِعَ الْمَالَ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ قِرَاضًا، إلَّا عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ الْخَوْفِ فَهَذَا إنْ يُشَارِكْ فِيهِ، فَكَأَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ غَيْرَهُ فَلَا يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَسْتَوْدِعَ مَالًا قَدْ اسْتَوْدَعْتَهُ رَجُلًا، أَنْ تَذْهَبَ فَتَسْتَوْدِعَهُ رَجُلًا آخَرَ، وَإِنْ كَانَ لِرَبِّ الْمَالِ الَّذِي اسْتَوْدَعَكَ عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ وَدَائِعُ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَمْ يَأْذَنْ لَكَ فِي ذَلِكَ.

[فِي الْمُقَارَضِ يَبْضَعُ مِنْ الْقِرَاضِ]
ِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، إنْ أَبْضَعَ الْمُقَارَضُ فَهُوَ ضَامِنٌ. قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٌ مَالًا قِرَاضًا، فَلَمَّا أَخَذْت الْمَالَ مِنْهُ، طَلَبْتُ إلَيْهِ أَنْ يَأْذَنَ لِي أَنْ أَبْضَعَهُ فَأَذِنَ لِي، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ إذَا لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى أَنْ يَبْضَعَ بِهِ. قَالَ: وَلَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَبْضِعَ مَعَ عَبْدٍ لِرَبِّ الْمَالِ اشْتَرَطْتُهُ فِي الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعَانَكَ بِغُلَامِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكَ أَنْ تَبْضِعَ مَعَهُ بِالْمَالِ.

[فِي الْمُقَارَضِ يَسْتَوْدِعُ غَيْرَهُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُقَارَضَ، إذَا أَذِنْت لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِالنَّقْدِ وَبِالنَّسِيئَةِ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَسْتَوْدِعَ غَيْرَهُ؟ قَالَ: لَا، إلَّا عَلَى خَوْفٍ، مِثْلَ مَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْوَدِيعَةِ الَّذِي يَسْتَوْدِعُهَا قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَدِيعَةِ إنْ اسْتَوْدَعَهَا غَيْرَهُ: إنَّهُ ضَامِنٌ، إلَّا مِنْ عُذْرٍ، مِنْ خَرَابِ مَنْزِلٍ أَوْ إرَادَةِ سَفَرٍ، أَوْ لَا يَكُونُ مَنْزِلُهُ حَرِيزًا، أَوْ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ مَنْ يَثِقُ بِهِ، فَيَسْتَوْدِعُهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَمَسْأَلَتُكَ مِثْلُهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَامِلَ، أَلَهُ أَنْ يَسْتَوْدِعَ مَالَ الْقِرَاضِ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ، إلَّا عَلَى وَجْهِ خَوْفٍ، أَوْ إنَّمَا فَعَلَهُ نَظَرًا لِخَوْفٍ، تَخَوَّفَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ وَمَنْزِلُهُ مَعُورٌ. قَالَ مَالِكٌ فِي مِثْلِ هَذَا: إذَا اسْتَوْدَعَهُ غَيْرَهُ مِنْ خَوْفٍ دَخَلَ عَلَيْهِ. قَالَ مَالِكٌ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ اسْتَوْدَعَهُ، إذَا كَانَ بِهَذَا الْحَالِ، فَالْقِرَاضُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ.

[فِي الْمُقَارَضِ يُقَارِضُ غَيْرَهُ]
ُ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يُقَارِضَ غَيْرَهُ إلَّا بِأَمْرِ رَبِّ الْمَالِ. قَالَ:


وَكَذَلِكَ أَيْضًا، لَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يُشَارِكَ بِالْقِرَاضِ، إلَّا بِأَمْرِ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ أَنْ يُقَارِضَ بِأَمْرِ رَبِّ الْمَالِ جَازَتْ لَهُ الشَّرِكَةُ.
قَالَ: وَإِذَا دَفَعَ إلَى الْعَامِلِ الْمَالَ قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، فَدَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ قِرَاضًا عَلَى الثُّلُثَيْنِ فَهُوَ ضَامِنٌ عِنْدَ مَالِكٍ. فَإِنْ عَمِلَ الثَّانِي بِهِ فَرَبِحَ، فَرَبُّ الْمَالِ أَوْلَى بِرِبْحِ نِصْفِ جَمِيعِ الْمَالِ، وَيَكُونُ لِلْمُقَارِضِ الْآخَرِ النِّصْفُ أَيْضًا، وَيَرْجِعُ الْمُقَارِضُ الْآخَرُ عَلَى الْمُقَارَضِ الْأَوَّلِ بِمِثْلِ سُدُسِ الرِّبْحِ، يَأْخُذهُ مِنْهُ ضَامِنًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ ثُلُثَيْنِ فَلَمْ يُتِمَّ لَهُ الثُّلُثَيْنِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ لَهُ ثُلُثَيْ الرِّبْحِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا، وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ سَاقَى رَجُلًا حَائِطًا لَهُ عَلَى النِّصْفِ، فَسَاقَى الْمُسَاقِي رَجُلًا آخَرَ عَلَى الثُّلُثَيْنِ. قَالَ مَالِكٌ: لِلْمُسَاقِي الْأَوَّلِ النِّصْفُ يَأْخُذُهُ مِنْ حَائِطِهِ، وَيَتْبَعُ الْمُسَاقِي الْآخَرُ الْمُسَاقِيَ الْأَوَّلَ بِالسُّدُسِ الَّذِي بَقِيَ لَهُ، فَيَأْخُذهُ مِنْهُ، فَالْقِرَاضُ مِثْلُهُ قُلْتُ: فَإِنْ هَلَكَ بَعْضُ رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى الْمُقَارِضِ الْآخَرِ، وَرَبِحَ الْآخَرُ وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: رَبُّ الْمَالِ أَوْلَى بِرَأْسِ مَالِهِ الَّذِي مَعَ الْمُقَارِضِ الْآخَرِ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَأْسَ مَالِهِ وَرِبْحَهُ مِمَّا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَتْبَعُ الْمُقَارِضُ الْآخَرُ الْمُقَارِضَ الْأَوَّلَ بِمَا كَانَ يُصِيبُهُ مِنْ الرِّبْحِ، عَلَى حِسَابِ الْمَالِ الَّذِي دُفِعَ إلَيْهِ. قَالَ: وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ ثَمَانِينَ دِينَارًا، فَضَاعَ مِنْهَا عِنْدَ الْمُقَارِضِ الْأَوَّلِ أَرْبَعُونَ دِينَارًا، وَبَقِيَ أَرْبَعُونَ دِينَارًا، فَدَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ قِرَاضًا، فَعَمِلَ فِيهَا فَصَارَتْ مِائَةً. فَإِنَّ رَبَّ الْمَالِ يَأْخُذُ مِنْهَا رَأْسَ مَالِهِ ثَمَانِينَ، ثُمَّ يَأْخُذُ نِصْفَ مَا بَقِيَ مِنْ رِبْحِهِ، وَهِيَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، إنْ كَانَ قِرَاضُهُمَا عَلَى النِّصْفِ، وَيَبْقَى لِلْعَامِلِ الثَّانِي فِي يَدِهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْعَامِلُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِعِشْرِينَ؛ لِأَنَّ رِبْحَ الْمَالِ كَانَ سِتِّينَ دِينَارًا، لَهُ مِنْهَا ثَلَاثُونَ، فَلَمْ يَبْقَ فِي يَدَيْهِ إلَّا عَشَرَةٌ، وَبَقِيَتْ لَهُ عِشْرُونَ، وَهَذَا تَفْسِيرُ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: بَلْ رَأْسُ الْمَالِ فِي يَدِ هَذَا الثَّانِي أَرْبَعُونَ، وَلَا يَحْسُبُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ أَخَذَ، فَإِنَّمَا يَأْخُذُ رَبُّ الْمَالِ مِنْهُ مَا دَفَعَ إلَيْهِ وَهُوَ أَرْبَعُونَ دِينَارًا، وَنِصْفُ الرِّبْحِ وَهُوَ ثَلَاثُونَ، وَيَرْجِعُ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْأَوَّلِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَتْلَفَ الْأَرْبَعِينَ الْأُولَى تَعَدِّيًا، رَجَعَ رَبُّ الْمَالِ عَلَيْهِ بِتَمَامِ عَشَرَةٍ وَمِائَةٍ إلَيْهِ مَا أَخَذَ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْبَعُونَ الْأُولَى، إنَّمَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ، رَجَعَ رَبُّ الْمَالِ عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ، وَفِي يَدِ رَبِّ الْمَالِ سَبْعُونَ، فَقَدْ اسْتَوْفَى رَأْسَ مَالِهِ، وَرِبْحُهُ عَشَرَةٌ. وَلَا يَرْجِعُ بِهَذِهِ الْعِشْرِينَ عَلَى الْعَامِلِ الثَّانِي فَيَظْلِمُ عَمَلَهُ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الَّذِي صَيَّرَهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَمِلَ فِي الْمَالِ لَكَانَ مَا صَارَ إلَى الْعَامِلِ الثَّانِي يُجْبَرُ بِهِ رَأْسُ الْمَالِ، وَلِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَجْلِبُهُ الْمَالُ فَالْمَالُ أَوْلَى بِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَأْسَهُ، وَلَكِنَّ الْعَامِلَ الثَّانِيَ لَا يُظْلَمُ عَمَلُهُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَيَكُونُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُتَعَدِّي، وَهُوَ الْأَوَّلُ.


[فِي الْمُقَارَضِ يُوَكِّلُ مَنْ يَتَقَاضَى لَهُ دَيْنَ الْقِرَاضِ فَيَتْلَفُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مُقَارَضًا وَكَّلَ وَكِيلًا يَتَقَاضَى لَهُ دَيْنًا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَتَقَاضَاهُ فَتَلِفَ مِنْهُ، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا قَارَضَ الْمُقَارَضُ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّ الْمَالِ، ضَمِنَ. فَهَذَا أَرَاهُ ضَامِنًا إنْ تَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ، إلَّا أَنَّهُ لَوْ اسْتَوْدَعَ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ضَمِنَ.

[فِي الْمُقَارَضِ يَسْتَأْجِرُ غُلَامَهُ بِمَالِ الْقِرَاضِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُقَارَضَ إنْ أَرْسَلَ غُلَامَهُ إلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ بِبَعْضِ مَالِ الْقِرَاضِ يَتَّجِرُ لَهُ، أَوْ يَشْتَرِي لَهُ هُنَاكَ بَعْضَ السِّلَعِ، أَيَضْمَنُ فِي قَوْل مَالِكٍ؟ قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْضَعَ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ بِذَلِكَ.

[فِي الْعَامِلِ بِالْقِرَاضِ يَبِيعُ بِالنَّقْدِ وَيُؤَخِّرُ رَبَّ الْمَالِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُقَارَضًا بَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ مَنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَأَخَّرَهُ رَبُّ الْمَالِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ جَائِزٌ فِي حَظِّ رَبِّ الْمَالِ، وَلَا يَجُوزُ فِي حَظِّ الْمُقَارَضِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ. قَالَ: وَإِنْ نَوَى حَظّ رَبِّ الْمَالِ، وَقَدْ اقْتَضَى الْعَامِلُ فِي الْمَالِ حَقَّهُ، لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ وَهَبَ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَجُوزُ ذَلِكَ فِي حَظِّهِ.

[فِي الْمَأْذُونِ لَهُ يَأْخُذُ مَالًا قِرَاضًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَالًا قِرَاضًا أَوْ يُعْطِيَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا فَتَلِفَ. قَالَ مَالِكٌ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. قُلْتُ: وَيُعْطِي مَالًا قِرَاضًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَالًا قِرَاضًا أَوْ يُعْطِيَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ الْمَالَ قِرَاضًا. وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ فِي أَنْ يُعْطِيَ هُوَ الْمَالَ قِرَاضًا شَيْئًا، وَلَا بَأْسَ بِهِ أَيْضًا عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُ بِالدَّيْنِ وَيَشْتَرِي.

[فِي الْمُقَارَضِ يَأْخُذُ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ مَالًا قِرَاضًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذَ رَجُلٌ مَالًا قِرَاضًا مِنْ رَجُلٍ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَالًا آخَرَ مَنْ رَجُلٍ آخَرَ قِرَاضًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِ الْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #237  
قديم 03-01-2026, 04:18 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,860
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الثالث
من صــ 644الى صــ 653
الحلقة(237)




قِرَاضِ الْأَوَّلِ، لِكَثْرَةِ مَالِ الْأَوَّلِ. فَإِذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا، فَلَا يَكُون لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْآخَرِ حِينَئِذٍ شَيْئًا. قُلْتُ: وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَخْلِطَ الْمَالَيْنِ إذَا أَخَذَهُمَا وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْعَمَلَ بِهِمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا أَخَذَ الْمَالَيْنِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ مِنْ الثَّانِي الَّذِي يَدْفَع إلَيْهِ، أَنْ يَخْلِطَهُمَا خَلَطَهُمَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.

[فِي الَّذِي يُقَارِضُ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى عَبْدِهِ مَالًا قِرَاضًا؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت أَجِيرًا لِلْخِدْمَةِ، فَدَفَعْتُ إلَيْهِ مَالًا قِرَاضًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ إلَى عَبْدِهِ مَالًا قِرَاضًا، فَإِنْ كَانَ الْأَجِيرُ مِثْلَ الْعَبْدِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ.

[مُقَارَضَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ]
فِي مُقَارَضَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُقَارِضَ رَجُلًا لَا يَعْرِفُ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، وَإِنْ كَانَ رَجُلًا مُسْلِمًا، فَلَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يُقَارِضَ مَنْ يَسْتَحِلُّ شَيْئًا مِنْ الْحَرَامِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنْ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: لَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَارِضَ الرَّجُلُ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ. قَالَ اللَّيْثُ: وَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَارِضَ رَجُلًا يَسْتَحِلُّ فِي دِينِهِ أَكْلَ الْحَرَامِ.

[فِي الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ يُقَارِضَانِ بِأَمْوَالِهِمَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبْضَعَ، أَوْ يَأْخُذَ مَالًا قِرَاضًا، أَوْ يُعْطِيَ مَالًا مُقَارَضَةً؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا حَدًّا أَخَذَهُ، إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ كُلُّ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، فَهَذَا كُلُّهُ جَائِزٌ.

[فِي أَخْذِ الْمُسْلِمِ الْمَالَ مِنْ النَّصْرَانِيِّ قِرَاضًا]
قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا وَابْنَ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ، أَيَأْخُذُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ الْمَالَ قِرَاضًا؟ فَكَرِهَا ذَلِكَ جَمِيعًا، قَالَ: وَمَا أَظُنُّ أَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُمَا كَرِهَا لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ، لِئَلَّا يَذِلَّ نَفْسَهُ فَأَظُنُّهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَرِهَا ذَلِكَ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَ الْمُسْلِمُ إلَى النَّصْرَانِيِّ كَرْمَهُ مُسَاقَاةً، إذْ لَمْ يَكُنْ النَّصْرَانِيُّ يَعْصِرُ حِصَّتَهُ خَمْرًا.
قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الْمُسْلِمِ يَأْخُذُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ مُسَاقَاةً شَيْئًا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: أَكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ النَّصْرَانِيِّ مَالًا قِرَاضًا. وَلَا أَرَى أَنْ يَأْخُذَ الْمُسْلِمُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ مُسَاقَاةً بِمَنْزِلَةِ مَا كَرِهَ مَالِكٌ مِنْ الْقِرَاضِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَخَذَهُ لَمْ أَرَهُ حَرَامًا.

[فِي الْقِرَاضِ الَّذِي لَا يَجُوزُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مِائَتَيْ دِينَارٍ قِرَاضًا، عَلَى أَنْ يَعْمَلَ بِكُلِّ مِائَةٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ، عَلَى أَنَّ رِبْحَ مِائَةٍ مِنْهُمَا بَيْنَنَا، وَرِبْحُ الْمِائَةِ الْأُخْرَى لِلْعَامِلِ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ تَخَاطَرَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَرْبَحْ فِي الْمِائَةِ الَّتِي جَعَلَ رِبْحَهَا بَيْنَهُمَا، وَرَبِحَ فِي الْأُخْرَى، كَانَ قَدْ غَبَنَ الْعَامِلُ رَبَّ الْمَالِ وَإِنْ رَبِحَ فِي الْمِائَةِ الَّتِي أَخَذَهَا بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَرْبَحْ فِي الْأُخْرَى، كَانَ رَبُّ الْمَالِ قَدْ غَبَنَ الْعَامِلَ فِيهِ، فَقَدْ تَخَاطَرَا عَلَى هَذَا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى أَنَّهُ أُجْبِرَ فِي الْمِائَتَيْنِ وَيَكُونُ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا، عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ فِي خَمْسِمِائَةٍ مِنْهَا بِعَيْنِهَا فَذَلِكَ لِلْمُضَارِبِ، وَمَا رَزَقَ اللَّهُ فِي خَمْسِمِائَةٍ مِنْهَا بِعَيْنِهَا فَذَلِكَ لِرَبِّ الْمَالِ، فَعَمِلَ بِكُلِّ مَالٍ عَلَى حِدَةٍ؟ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا، لِأَنِّي سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ مِائَتَيْ دِينَارٍ، عَلَى أَنَّ إحْدَاهُمَا عَلَى النِّصْفِ وَالْأُخْرَى عَلَى الثُّلُثِ، يَعْمَلُ بِهَذِهِ عَلَى حِدَةٍ وَهَذِهِ عَلَى حِدَةٍ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا. قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ الْحَائِطَانِ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَأْخُذَهُمَا مُسَاقَاةً، هَذَا عَلَى النِّصْفِ وَهَذَا عَلَى الثُّلُثِ يُسَاقِيهِمَا جَمِيعًا صَفْقَةً وَاحِدَةً، إلَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا عَلَى النِّصْفِ، أَوْ جَمِيعًا عَلَى الثُّلُثِ قُلْتُ: وَلِمَ كَرِهَ مَالِكٌ هَذَا فِي الْمُسَاقَاةِ وَفِي الْقِرَاضِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّ فِيهِ خَطَرًا؛ لِأَنَّ الْحَائِطَيْنِ رُبَّمَا قَلَّ ثَمَرُ هَذَا أَوْ كَثُرَ ثَمَرُ هَذَا. فَكَأَنَّمَا خَاطَرَهُ وَقَالَ لَهُ: اعْمَلْ لِي هَذَا الْحَائِطَ بِثُلُثِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ، فَقَالَ: لَا أَعْمَلُ لَكَ بِالثُّلُثِ فِي هَذَا الْحَائِطِ، إلَّا أَنْ تُعْطِيَنِي حَائِطَكَ هَذَا الْآخَرَ أَعْمَلُ فِيهِ بِالنِّصْفِ، فَقَدْ تَخَاطَرَا إنْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَائِطُ الَّذِي بِالثُّلُثِ وَأَثْمَرَ، كَانَ الْعَامِلُ قَدْ غَبَنَ رَبَّ الْحَائِطِ فِي الْحَائِطِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ بِالنِّصْفِ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ الْحَائِطُ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى الثُّلُثِ، كَانَ رَبُّ الْمَالِ قَدْ غَبَنَهُ فِيهِ.

[فِي الْمُقَارِضِ يَشْتَرِطُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ خَالِصًا لَهُ دُونَ الْعَامِلِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذَ الْمَالَ، عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ دِرْهَمًا مَنْ الرِّبْحِ خَاصًّا، وَمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، فَعَمِلَ عَلَى ذَلِكَ فَرَبِحَ أَوْ وَضَعَ؟ قَالَ: يَكُونُ الرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَالنُّقْصَانُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ لِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ. قُلْتُ: وَيَكُون الْعَامِلُ أَحَقَّ بِرِبْحِ الْمَالِ مِنْ غُرَمَاءِ صَاحِبِهِ إنْ فَلِسَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ أَجْرَ عَمَلِهِ؟ قَالَ: لَا، وَهُوَ أُسْوَةُ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ بِأُجْرَتِهِ فِي الْمَالِ الَّذِي كَانَ فِي يَدَيْهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، وَفِي جَمِيعِ مَالِ الْمُفْلِسِ قُلْتُ: فَإِنْ ضَاعَ الْمَالُ كُلُّهُ بَعْدَ مَا عَمِلَ أَيَكُونُ لِلْعَامِلِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَجْرُ مِثْلِهِ أَيْضًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ كَتَبْنَا شَرْطَ الزِّيَادَةِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَمَنْ قَالَهُ.


[فِي الْمُقَارِضِ يَشْتَرِطُ لِنَفْسِهِ أَوْ يَشْتَرِطُ عَلَى نَفْسِهِ ضَمَانًا]
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يُعْطِي الْمَالَ قِرَاضًا لِرَجُلٍ، عَلَى أَنْ يُسَلِّفَهُ رَبُّ الْمَالِ سَلَفًا قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ وَجَمِيعُ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ مَالًا قِرَاضًا، عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ ضَامِنٌ لِلْمَالِ؟ قَالَ مَالِكٌ: يُرَدُّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ أُعْطِيَ مَالًا قِرَاضًا إلَى سَنَةٍ، رُدَّ فِيهِ أَيْضًا إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ قُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ فِي الْقِرَاضِ شَرْطُ سَلَفٍ، إنَّهُ يُرَدُّ إلَى إجَارَةِ مِثْلِهِ؟ وَقَالَ فِي الْقِرَاضِ: إذَا اشْتَرَطَ الْعَامِلُ الضَّمَانَ، أَنْ يُرَدَّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ؟ وَقَالَ ذَلِكَ أَيْضًا فِيهِ: إذَا كَانَ إلَى أَجَلِ سَنَةٍ، إنَّهُ يُرَدُّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ؟ فَمَا فَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ فِي بَعْضٍ: يُرَدُّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ، وَفِي بَعْضِهِ إلَى إجَارَةِ مِثْلِهِ؟ قَالَ: لِأَنَّ سَلَفَهُ زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا أَحَدُهُمَا فِي الْقِرَاضِ، وَلِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الْقِرَاضِ لَمْ يَزْدَدْهُ، فَرُدَّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ، وَالضَّمَانُ أَمْرٌ قَدْ ازْدَادَهُ، وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ إنَّمَا كَانَ فِي الْمَالِ لَمْ تَكُنْ مَنْفَعَتُهُ خَارِجَةً مِنْهُ فِي رِبْحٍ وَلَا سَلَفٍ، فَحُمِلَ عَلَى سَنَةِ الْقِرَاضِ، وَفُسِخَ عَنْهُمَا مَا اشْتَرَطَا فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ سَنَتِهِ، وَرُدَّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِمَا مِمَّنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، كَمَا يُرَدُّ مِنْ شَرْطِ الضَّمَانِ، وَهَذَا وَجْهُ مَا اسْتَحْسَنْتُ مِمَّا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا يَتَّجِرُ فِيهِ سَنَةً، ثُمَّ يَتَحَاسَبَانِ فَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا. قَالَ: لَا يَحِلُّ أَنْ يَضْرِبَ لِلْمُقَارَضِ أَجَلًا، وَلَا يَشْتَرِطَ فِي رِبْحِهِ خَاصَّةً مَضْمُونَةً لِأَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِهِ. قَالَ: وَمَنْ وَضَعَ الْقِرَاضَ عَلَى غَيْرِ الَّذِي وُضِعَ الْقِرَاضُ عَلَيْهِ، فَلَا يَصْلُحُ فِيهِ شَرْطٌ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا يَضَعَ مَالَهُ فِي شَيْءٍ يَخْشَى غَرَرَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ يُشْتَرَطُ فِي الْقِرَاضِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ وَسَالِمًا عَنْ الْقِرَاضِ وَالْبِضَاعَةِ، يَكُونُ ذَلِكَ بِشَرْطٍ؟ فَقَالَا: لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الشَّرْطِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ.

[فِي الْمُقَارَضِ يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ عِنْدِهِ مِثْلَ الْقِرَاضِ يَعْمَلُ فِيهِمَا]
قُلْتُ: لِمَ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ أَدْفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ عِنْدِهِ أَلْفًا أُخْرَى يَعْمَلُ بِهِمَا جَمِيعًا، عَلَى أَنَّ لِي رُبْعَ مَا يَخْرُجُ فِي جَمِيعِ الْمَالِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، اغْتَزَى كَثْرَةَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَلَا يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ يُدْخِلُ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةً لِرَبِّ الْمَال. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَارِضَ بِمَالِهِ وَيَشْتَرِطَ مَنْفَعَةً لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ رِبْحِ الْمَالِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَصْلُحُ أَنْ يَقُولَ: أُقَارِضُكَ بِأَلْفٍ، عَلَى أَنْ تُخْرِجَ مِنْ عِنْدِكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، عَلَى أَنْ تَخْلِطَهُمَا بِأَلْفَيْ هَذِهِ تَعْمَلُ بِهَا جَمِيعًا، فَكَرِهَ مَالِكٌ


هَذَا. قُلْتُ: وَلَمْ كَرِهَ مَالِكٌ هَذَا، أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا، عَلَى أَنْ يُخْرِجَ الْمُقَارَضُ أَلْفًا مِنْ عِنْدِهِ، فَيَخْلِطَهَا بِهَا يَعْمَلُ بِهِمَا جَمِيعًا؟ قَالَ: لِاسْتِغْزَارِ الشِّرَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا، كَانَ أَعْظَمَ لِلتِّجَارَةِ وَأَكْثَرَ لِلشِّرَاءِ وَأَحْرَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَى مَا يُرِيدُ مِنْ الشِّرَاءِ وَأَكْثَرَ لِرِبْحِهِ وَفَضْلِهِ؟ فَيَصِيرُ الَّذِي دَفَعَ الْمَالَ قِرَاضًا، قَدْ جَرَّ إلَى نَفْسِهِ مَنْفَعَةَ مَالٍ غَيْرِ مَالِهِ، بِمُقَارَضَةِ مَالِهِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَجُرَّ إلَى نَفْسِهِ مَنْفَعَةً غَيْرَ مَالِهِ.

[فِي الْمُقَارَضِ يَأْخُذُ مَالًا قِرَاضًا وَيَشْتَرِطُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ مَعَهُ رَبُّ الْمَالِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت مَالًا قِرَاضًا، عَلَى أَنْ يَعْمَلَ مَعِي رَبُّ الْمَالِ فِي الْمَالِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا قُلْتُ: فَإِنْ نَزَلَ هَذَا؟ قَالَ: يُرَدُّ الْعَامِلُ إلَى إجَارَةِ مِثْلِهِ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: فَإِنْ عَمِلَ رَبُّ الْمَالِ بِغَيْرِ شَرْطٍ؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَمَلًا يَسِيرًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت مَالًا قِرَاضًا، فَاشْتَرَيْتُ بِهِ جَوَارِيَ، فَأَخَذَ رَبُّ الْمَالِ جَارِيَةً فَبَاعَهَا؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا، وَبَيْعُهُ فِيهَا بَاطِلٌ، إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْعَامِلُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ كَتَبْنَا مَا كَرِهَ عَبْدُ الْعَزِيزِ مِنْ اشْتِرَاطِ عَوْنِ رَبِّ الْمَالِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.

[فِي الْمُقَارَضِ يَشْتَرِطُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ غُلَامًا يُعَيِّنُهُ]
ُ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ الْغُلَامَ يُعَيِّنُهُ فِي الْمَالِ، إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يُعَيِّنَهُ فِي غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الدَّابَّةُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالدَّابَّةُ عِنْدِي مِثْلُهُ. قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنْ بَلَغَنِي عَنْهُ ذَلِكَ فِي الدَّابَّةِ، أَنَّهُ أَجَازَهَا فِي الْمُسَاقَاةِ. وَهِيَ عِنْدِي فِي الْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ - إذَا اشْتَرَطَهَا - جَائِزَةٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَطَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْعَامِلِ عَوْنَ دَابَّتِهِ أَوْ غُلَامِهِ، أَيَصْلُحُ؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ، وَقَدْ قَالَ اللَّيْثُ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ فِي اشْتِرَاطِ الْعَامِلِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ الْغُلَامَ يُعَيِّنُهُ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَشْتَرِطَ شَيْئًا، أَوْ أَنْ يَكُونَ الْقِرَاضُ عَلَى سَنَتِهِ، فَإِنْ وَقَعَ جَازَ.

[فِي الْمُقَارَضِ يُدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالُ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ بِهِ إلَيْهِ بَلَدٍ يَشْتَرِي بِهِ]
فِي الْمُقَارَضِ يُدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالُ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ بِهِ إلَى بَلَدٍ يَشْتَرِي بِهِ قُلْتُ: فَلَوْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، عَلَى أَنْ يَخْرُجَ بِالْمَالِ إلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ يَشْتَرِي فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ تِجَارَةً؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ.
قَالَ مَالِكٌ: يُعْطِيهِ الْمَالَ وَيَقُودُهُ كَمَا يَقُودُ الْبَعِيرَ قَالَ: وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ مِنْ هَذَا، أَنَّهُ يَحْجِزَ عَلَيْهِ، أَنَّهُ لَا يَشْتَرِي إلَّا أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ الْبَلَدَ.


[الْمُقَارَضِ يُدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالُ عَلَى أَنْ يَبْتَاعَ بِهِ عَبْدَ فُلَانٍ ثُمَّ يَبِيعَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدَ فُلَانٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ بَعْد مَا يَبِيعُ عَبْدَ فُلَانٍ مَا شَاءَ بِثَمَنِهِ مِنْ السِّلَعِ؟ قَالَ: أَمَّا قَوْلُهُ: يَشْتَرِي عَبْدَ فُلَانٍ، فَهَذِهِ أُجْرَةٌ لَيْسَ فِيهَا قِرَاضٌ عِنْد مَالِكٍ. وَأَمَّا مَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ قِرَاضٌ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُقَارِضُ الرَّجُلَ بِالْعَرَضِ يَكُونُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي بَيْعِهِ الْعُرُوضَ وَتَقَاضِيهِ الثَّمَنَ، ثُمَّ يَكُونُ بَعْد ذَلِكَ فِيمَا عَمِلَ عَلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى مَا شَرَطَا مِنْ الشَّرْطِ فِيمَا بَيْنَهُمَا نِصْفًا وَلَا ثُلُثًا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعُقْدَةَ الَّتِي كَانَ بِهَا الْقِرَاضُ كَانَتْ فَاسِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَارَضُ بِالْعُرُوضِ، فَلِذَلِكَ رُدَّ إلَى قِرَاضِ مِثْلِهِمَا، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى مَا اشْتَرَطَا فِيمَا بَيْنَهُمَا وَجَعَلَ لَهُ فِيمَا بَاعَ أَجْرَ مِثْلِهِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ. وَلَقَدْ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ نَخْلًا مُسَاقَاةً وَفِيهَا ثَمَرَتُهَا قَدْ طَابَتْ، عَلَى أَنْ يَسْقِيَهَا فَتَكُونَ فِي يَدَيْ الْعَامِلِ سِنِينَ مُسَاقَاةً، عَلَى أَنَّ هَذَا الثَّمَرَ الَّذِي فِي رُءُوسِ النَّخْلِ مُسَاقَاةٌ بَيْنَهُمَا. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقَامُ لِلْعَامِلِ قِيمَةُ مَا أَنْفَقَ فِي هَذِهِ الثَّمَرَةِ وَأَجْرُ عَمَلِهِ فِيهَا، وَتَكُونُ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِصَاحِبِهَا. قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ إنْ عَمِلَ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا، وَلَكِنْ يَكُونُ عَلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ بِالشَّرْطِ الَّذِي كَرِهَهُ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَرَبِيعَةُ، فَهَذَا مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ.

[الْمُقَارَضِ يَقُولُ لِلْعَامِلِ اشْتَرِ وَأَنَا أَنْقُدُ عَنْكَ أَوْ يَضُمُّ مَعَهُ رَجُلًا يُبْصِرُهُ بِالتِّجَارَةِ]
ِ قُلْتُ: هَلْ يَجُوزُ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَحْبِسَهُ عِنْدَهُ وَيَقُولَ لِلْعَامِلِ: اذْهَبْ وَاشْتَرِ، وَأَنَا أَنْقُدُ عَنْكَ وَاقْبِضْ أَنْتَ السِّلَعَ، فَإِذَا بِعْتُ قَبَضْتُ الثَّمَنَ، وَإِذَا اشْتَرَيْت نَقَدْتُ الثَّمَنَ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا الْقِرَاضُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا الْقِرَاضُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَالَ إلَيْهِ قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَلَوْ ضَمَّ إلَيْهِ رَجُلًا جَعَلَهُ يَقْتَضِي الْمَالَ وَيَنْقُدُ، وَالْعَامِلُ يَشْتَرِي وَيَبِيعُ وَلَا يَأْمَنُ الْعَامِلَ وَجَعَلَ هَذَا أَمِينًا. قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ الْمَالَ قِرَاضًا إلَى رَجُلٍ لَهُ أَمَانَةٌ وَبَصَرٌ، وَيَضُمُّ ابْنَهُ مَعَهُ وَلَا بَصَرَ لِابْنِهِ وَلَا أَمَانَةَ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الْمَالَ، لَأَنْ يَضُمَّ ابْنَهُ إلَيْهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ قِرَاضًا؛ لِأَنَّ ابْنَهُ لَا بَصَرَ عِنْدَهُ وَلَا يَأْمَنُ ابْنَهُ؟ قَالَ: فَقَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا الْقِرَاضِ. قَالَ: وَإِنَّمَا كَرِهَهُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ فِيهِ الْمَنْفَعَةَ، يُخْرِجُ لَهُ ابْنَهُ وَيُعَلِّمُهُ قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ مَكَانَ ابْنِهِ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ لَيْسَ قِبَلَهُ بَصَرٌ بِالتِّجَارَةِ، فَجَعَلَهُ رَبُّ الْمَالِ مَكَانَ ابْنِهِ؟ قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا مَا أَخْبَرْتُكَ، فَإِنْ كَانَ لِرَبِّ الْمَالِ فِيهِ الْمَنْفَعَةُ مِثْلَ مَا كَانَتْ فِي ابْنِهِ، أَنْ


يَكُونَ صَدِيقًا لَهُ أَرَادَ أَنْ يَنْفَعَهُ فِي تَخْرِيجِهِ وَتَعْلِيمِهِ، فَلَا أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا. قَالَ سَحْنُونٌ: وَهَذَا مِمَّا يُفْسِدُ مِنْ اشْتِرَاطِ الزِّيَادَةِ وَالشَّرْطِ فِي الْقِرَاضِ.

[فِي الْمُقَارَضِ يُدْفَعُ إلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ عَلَى النِّصْفِ فَرَبِحَ فِيهَا أَلْفًا أُخْرَى فَيَأْتِيهِ رَبُّ الْمَالِ بِأَلْفٍ أُخْرَى عَلَى أَنْ يَخْلِطَهَا عَلَى النِّصْفِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا بِالنِّصْفِ، فَعَمِلَ بِهَا فَرَبِحَ أَلْفًا أُخْرَى، ثُمَّ أَتَاهُ رَبُّ الْمَالِ فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ أُخْرَى خُذْهَا قِرَاضًا بِالنِّصْفِ وَاخْلِطْهَا بِالْمَالِ الْأَوَّلِ، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ حِينَ قَالَ لَهُ اخْلِطْهَا وَفِي الْمَالِ رِبْحٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اخْلِطْهَا بِالْمَالِ الْأَوَّلِ.
فَإِنْ وَضَعْتَ فِي هَذَا الْمَال الثَّانِي، جَبَرْتَهُ مِنْ الرِّبْحِ الَّذِي فِي يَدَيْكَ مِنْ الْمَالِ الْأَوَّلِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُل دَفَعَ إلَى رَجُلٌ مَالًا قِرَاضًا، فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً، ثُمَّ دَفَعَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى رَبُّ الْمَالِ مَالًا آخَرَ، فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً أُخْرَى، ثُمَّ بَاعَ السِّلْعَتَيْنِ جَمِيعًا فَرَبِحَ فِي إحْدَاهُمَا وَخَسِرَ فِي الْأُخْرَى؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَالٍ مِنْهُمَا عَلَى قِرَاضِهِ، وَلَا يُجِيزُ نُقْصَانَ هَذَا الْمَالِ مِنْ رِبْحِ هَذَا الْمَالِ. قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعْت إلَيْهِ مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ حَتَّى دَفَعْت إلَيْهِ مَالًا آخَرَ قِرَاضًا بِالثُّلُثِ، عَلَى أَنْ يَخْلِطَ الْمَالَيْنِ جَمِيعًا، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنِّي سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الْمِائَتَيْ دِينَارٍ، عَلَى أَنَّ وَاحِدَةً مِنْ الْمِائَتَيْنِ - قِرَاضًا - عَلَى الثُّلُثِ، وَالْأُخْرَى قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ إذَا كَانَ لَا يَخْلِطُهُمَا.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِذَا كَانَ عَلَى أَنْ يَخْلِطَهُمَا فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ يُرْجِعُ حِسَابَهُ إلَى جُزْءٍ مَعْرُوفٍ، وَكَذَلِكَ الَّذِي دَفَعَ مَالًا بَعْدَ مَالٍ قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ، ثُمَّ أَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَالٍ آخَرَ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ قِرَاضًا بِالنِّصْفِ، عَلَى أَنْ يَخْلِطَهُ بِالْمَالِ الْأَوَّلِ، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا يُعْجِبُنِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ خَطَرٌ بَيِّنٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنْ نَقَصَ فِي الْمَالِ الْآخَرِ وَرَبِحَ فِي الْمَالِ الْأَوَّلِ جَبَرَهُ بِرِبْحِ الْمَالِ الْأَوَّلِ وَقَدْ كَانَ رِبْحُهُمَا لِلْعَامِلِ؟ وَإِنْ نَقَصَ فِي الْمَالِ الْأَوَّلِ وَرَبِحَ فِي الْآخَرِ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا؟ قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قِيمَةِ السِّلْعَةِ فَضْلٌ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ الْأَوَّلِ؟ قَالَ: هَذَا لَا يُعْرَفُ؛ لِأَنَّ الْأَسْوَاقَ تَتَحَوَّلُ، وَلَا يُعْجِبُنِي عَلَى حَالٍ قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ حَتَّى زَادَهُ مَالًا آخَرَ قِرَاضًا عَلَى أَنْ يَخْلِطَهُ بِالْمَالِ الْأَوَّلِ؟ قَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، وَهَذَا كَأَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ كُلَّهُ جُمْلَةً قَالَ: وَلَمْ


أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ. وَأَنَا أَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا بِالنِّصْفِ، فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً، ثُمَّ جِئْتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقُلْتُ لَهُ: خُذْ هَذَا الْمَالَ أَيْضًا قِرَاضًا وَاعْمَلْ بِهِ عَلَى حِدَةٍ بِالثُّلُثِ أَوْ بِالنِّصْفِ، أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَ السِّلْعَةَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِأَنْ يَخْلِطَهُ بِالْمَالِ الْأَوَّلِ، فَنَضَّ فِي يَدِهِ الْمَالُ الْأَوَّلُ، وَفِيهِ خَسَارَةٌ أَوْ رِبْحٌ أَوْ مِثْلُ رَأْسِ مَالِهِ سَوَاءٌ، فَجَاءَ رَبُّ الْمَالِ بِمَالٍ آخَرَ فَقَالَ: خُذْ هَذَا قِرَاضًا؟ قَالَ: إنْ كَانَ بَاعَ بِرَأْسِ الْمَالِ - سَوَاءً - فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالًا عَلَى مِثْلِ قِرَاضِهِ الْمَالَ الْأَوَّلَ لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نُقْصَانَ، وَإِنْ كَانَ بَاعَ بِرِبْحٍ أَوْ وَضِيعَةٍ، فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالًا عَلَى مِثْلِ مَا قَارَضَهُ، وَلَا بِأَدْنَى وَلَا بِأَكْثَرَ.
قُلْتُ: وَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَخْلِطَهُ بِالْمَالِ الْأَوَّلِ لَمْ يُعْجِبْكَ أَيْضًا؟ قَالَ: هَذَا بَيِّنُ الْفَسَادِ لَا خَيْرَ فِيهِ، إذَا كَانَ خَسِرَ فِي الْمَالِ الْأَوَّلِ أَوْ رَبِحَ قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالًا آخَرَ عَلَى مِثْلِ قِرَاضِ الْأَوَّلِ، نَقْدًا لَا يَخْلِطُهُ بِالْأَوَّلِ إذَا كَانَ فِيهِ رِبْحٌ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إذَا دَفَعَهُ إلَيْهِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ بِكُلِّ مَالٍ عَلَى حِيَالِهِ، وَقَدْ اشْتَرَى بِالْمَالِ الْأَوَّل سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ؟ قَالَ: هَذَا جَائِزٌ قُلْتُ: وَإِنْ بَاعَ السِّلْعَةَ وَنَضَّ فِي يَدَيْهِ ثَمَنُهَا، فَجَاءَ رَبُّ الْمَالِ بِمَالِ آخَرَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ بِهِ قِرَاضًا وَقَدْ نَضَّ فِي يَدَيْهِ رِبْحٌ أَوْ وَضِيعَةٌ؟ قُلْتُ: لَا يَجُوزُ هَذَا إذَا اشْتَرَطَ أَنْ يَخْلِطَهُ بِالْمَالِ الْأَوَّلِ، أَوْ اشْتَرَطَ أَنْ لَا يَخْلِطَهُ قُلْتُ: فِيهِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ عَلَى حَالٍ لِمَ كَرِهْتَهُ؟ قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ إذَا دَفَعَ إلَى الرَّجُلِ مَالًا قِرَاضًا فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً، ثُمَّ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَابْتَاعَ بِهِ سِلْعَةً أُخْرَى قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَالٍ عَلَى حِدَةٍ وَلَمْ يَرَ بِهَذَا بَأْسًا قَالَ: وَهَكَذَا قَالَ لَنَا مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ الْمَالَيْنِ قِرَاضًا، عَلَى أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَالٍ عَلَى حِدَةٍ، وَرَبِحَ هَذَا عَلَى النِّصْفِ وَرَبِحَ هَذَا عَلَى الثُّلُثِ، وَلَا يَخْلِطْهُمَا: إنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَلَوْ كَانَ الْمَالُ الْأَوَّلُ قَدْ صَرَفَهُ فِي عَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ، كَانَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ حَتَّى يَبِيعَهُ، فَإِذَا نَضَّ الْمَالُ الْأَوَّلُ، وَكَانَ عَيْنًا فِي يَدِ الْعَامِلِ، ثُمَّ زَادَهُ مَالًا آخَرَ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي رَأْسِ الْمَالِ الْأَوَّلِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ، لَمْ يَصْلُحْ حَتَّى يَقْبِضَ مَالَهُ فَيُقَاسِمَهُ رَبُّ الْمَالِ، ثُمَّ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ وَيَزِيدَهُ مِنْ عِنْدِهِ مَا شَاءَ، فَيَكُونَ قِرَاضًا مُبْتَدَأً.

[فِي الْمُقَارَضِ يُؤْمَرُ أَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا بِالنَّسِيئَةِ فَيَبِيعَ بِالنَّقْدِ]
ِ قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، وَأَمَرْته أَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا بِالنَّسِيئَةِ، فَبَاعَ بِالنَّقْدِ، أَيَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَكُونُ هَذَا الْقِرَاضُ جَائِزًا، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا،


وَلَا أَرَاهُ جَائِزًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذَا مُتَعَدٍّ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِثْلُ مَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْطَى رَجُلًا قِرَاضًا، عَلَى أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا صِنْفَ كَذَا وَكَذَا، الصِّنْفُ غَيْرُ مَوْجُودٍ كَانَ قِرَاضًا لَا يَجُوزُ فَلَوْ اشْتَرَى غَيْرَ مَا أَمَرْتُهُ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، وَيَكُونُ الْفَضْلُ إنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ لِرَبِّ الْمَالِ.
وَإِنْ كَانَتْ وَضِيعَةً فَعَلَيْهِ، وَلَا أَجْرَ لَهُ فِي الْوَضِيعَةِ وَيُعْطَى مِنْ الْفَضْلِ إذَا كَانَ فِي السِّلْعَةِ عَلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ، لِأَنِّي إنْ ذَهَبْتُ أُعْطِيهِ أَجْرَ مِثْلِهِ وَقَدْ تَعَدَّى، فَلَعَلَّ أَجْرَ مِثْلِهِ يَذْهَبُ بِالْفَضْلِ وَبِنِصْفِ رَأْسِ الْمَالِ، فَيَكُونُ هَذَا قَدْ نَالَ بِتَعَدِّيهِ وَجْهَ مَا طَلَبَ وَأَرَادَ وَقَدْ قَالَ رَبِيعَةُ فِي الْمُتَعَدِّي فِي الْقِرَاضِ: إنْ وَضَعَ ضَمِنَ، وَإِنْ رَبِحَ أُدِّبَ، بِأَنْ يُحْرَمَ الرِّبْحَ الَّذِي أَرَادَ، وَيُعْطَى مِنْهُ عَلَى قَدْرِ شَرْطِهِ. فَالْمُتَعَدِّي فِي الْقِرَاضِ الْفَاسِدِ كَذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[فِي الْمُقَارَضِ يَبِيعُ بِالنَّسِيئَةِ]
ِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِلْمُقَارَضِ أَنْ يَبِيعَ بِالنَّسِيئَةِ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ، وَهُوَ ضَامِنٌ إذَا بَاعَ بِالنَّسِيئَةِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ. فِي الْمُقَارِضِ يَشْتَرِطُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالِهِ إلَّا سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا أَمَرَهُ أَنْ لَا يَعْدُوَ الْبَزَّ يَشْتَرِيهِ بِمُقَارَضَتِهِ، فَلَا يَعْدُوهُ إلَى غَيْرِهِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَارِضَهُ عَلَى أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا الْبَزَّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَزُّ مَوْجُودًا فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَمَرَهُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا الْبَزَّ فَاشْتَرَاهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الْبَزَّ بِالْعَرَضِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ فَقَدْ صَارَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ غَيْرَ الْبَزِّ. قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَجِئْتُهُ قَبْلَ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي شَيْءٍ، فَقُلْتُ لَهُ: لَا تَتَّجِرْ بِهَا إلَّا فِي الْبَزِّ؟ قَالَ: ذَلِكَ لَكَ إذَا كَانَ الْمُقَارَضُ لَمْ يَصْرِفْهَا فِي شَيْءٍ، وَكَانَ الْبَزُّ مَوْجُودًا لَا يَخْلُفُ فِي شِتَاءٍ وَلَا صَيْفٍ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ وَحَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَسَدِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، أَنَّهُ كَانَ يَدْفَعُ الْمَالَ الْمُقَارَضَةُ إلَى الرَّجُلِ، وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْزِلَ بِهِ بَطْنَ وَادٍ، وَلَا يَبْتَاعَ بِهِ حَيَوَانًا، وَلَا يَحْمِلَهُ فِي بَحْرٍ، وَلَا يَشْتَرِيَ بِلَيْلٍ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ ضَمِنَ الْمَالَ، وَإِنْ تَعَدَّى أَمْرَهُ ضَمِنَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَكَانَ السَّبْعَةُ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ مَعَ مَشْيَخَةٍ سِوَاهُمْ أَهْلِ فَضْلٍ وَفِقْهٍ


[فِي الْمُقَارِضِ يَشْتَرِطُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ بِمَالِهِ سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَنَهَيْتُهُ عَنْ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ، فَاشْتَرَى مَا نَهَيْتُهُ عَنْهُ، أَيَكُونُ ضَامِنًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ضَامِنٌ إنْ كُنْتُ إنَّمَا دَفَعْتُ إلَيْهِ الْمَالَ حِينَ دَفَعْتُهُ عَلَى النَّهْيِ وَتَنْهَاهُ عَنْ تِلْكَ السِّلْعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى، إنْ كُنْتَ إنَّمَا نَهَيْتَهُ بَعْدَ مَا دَفَعْتَ الْمَالَ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ، إنَّهُ ضَامِنٌ أَيْضًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَحَبَّ أَنْ يُضَمِّنَهُ مَالَهُ ضَمَّنَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُقِرَّهُ عَلَى الْقِرَاضِ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَاعَ مَا اشْتَرَى، فَإِنْ كَانَ فِيمَا بَاعَ فَضْلٌ، كَانَ عَلَى الْقِرَاضِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ، كَانَ ضَامِنًا لِرَأْسِ الْمَالِ قُلْتُ: وَلِمَ قَالَ مَالِكٌ هَذَا؟ قَالَ: لِأَنَّهُ قَدْ فَرَّ بِالْمَالِ مِنْ الْقِرَاضِ حِينَ تَعَدَّى لِيَكُونَ لَهُ رِبْحُهُ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، وَنَهَيْته أَنْ لَا يَشْتَرِيَ حَيَوَانًا فَاشْتَرَى، فَكَانَ قِيمَةُ الْحَيَوَانِ أَقَلَّ مَنْ رَأْسِ الْمَالِ، أَوْ تَجَرَ بِهَا تَعَدِّيًا فَخَسِرَ، فَجَاءَنِي، وَمَعَهُ سِلَعٌ لَيْسَ فِيهَا وَفَاءٌ بِرَأْسِ مَالِي، أَوْ جَاءَ، وَمَعَهُ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ أَقَلُّ مِنْ رَأْسِ مَالِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أُضَمِّنَهُ وَآخُذَ مَا وَجَدْت فِي يَدَيْهِ وَأُتْبِعَهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ رَأْسِ مَالِي. وَقَامَتْ الْغُرَمَاءُ عَلَى الْعَامِلِ وَقَالُوا: نَحْنُ فِي هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ أُسْوَةٌ؛ لِأَنَّكَ إذَا ضَمَّنْتَهُ فَلَسْتَ أَوْلَى بِهَذِهِ السِّلَعِ مِنَّا وَلَا هَذِهِ الدَّنَانِيرِ وَلَا هَذِهِ الدَّرَاهِمِ، وَأَنْتَ أَوْلَى بِهَا مِنَّا لَوْ لَمْ تُضَمِّنْهُ؟ قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ، فَرَبُّ الْمَالِ أَوْلَى بِهَا.
وَإِنْ كَانَ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَاسْتَسْلَفَهُ الْعَامِلُ مَالًا فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً لِنَفْسِهِ، قَالَ: إنْ بَاعَ فَرَبِحَ فَلِصَاحِبِ الْمَالِ رِبْحُهُ عَلَى شَرْطِهِ، وَإِنْ نَقَصَ كَانَ ضَامِنًا لِمَا نَقَصَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَأَرَاهُ أَوْلَى بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَأَمَّا السِّلَعُ فَإِنْ أَتَى بِالسِّلْعَةِ لَمْ يَبِعْهَا، خُيِّرَ رَبُّ الْمَالِ، قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهَا، إنْ شَاءَ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَأَخَذَ رَأْسَ الْمَالِ، أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ.
فَأَرَى فِي السِّلَعِ، إنْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَنَّهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيهَا سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي الزِّنَادِ وَنَافِعٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: إذَا خَالَفَ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَهَلَكَ ضَمِنَ، وَإِنْ رَبِحَ فَلَهُمْ. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: قَدْ كَانَ النَّاسُ يَشْتَرِطُونَ عَلَى مَنْ قَارَضُوا مِثْلَ هَذَا. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: الرِّبْحُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ؛ لِأَنَّهُ عَصَى مَا قَارَضْتَهُ عَلَيْهِ وَالضَّمَانُ عَلَيْهِ.

[فِي الْمُقَارَضِ يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُسَافِرَ بِالْمَالِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، وَأَمَرْته أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ فَخَرَجَ بِهِ إلَى أَفْرِيقِيَّةَ وَتَعَدَّى، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ بِالْمَالِ شَيْئًا، وَلَمْ يُحَرِّكْهُ حَتَّى رَجَعَ إلَى مِصْرَ فَتَجَرَ فِي الْمَالِ فِي أَرْضِ مِصْرَ، فَخَسِرَ أَوْ ضَاعَ مِنْهُ لَمَّا رَجَعَ إلَى أَرْضِ مِصْرَ قَبْلَ أَنْ


يَتَّجِرَ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَدَّهُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي لَوْ تَلِفَ فِيهِ لَمْ يَضْمَنْ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ وَدِيعَةً اسْتَوْدَعَهَا رَجُلٌ رَجُلًا، بِمِصْرَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ مِصْرَ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا كَانَ ضَامِنًا لَهَا إنْ تَلِفَتْ، وَإِنْ لَمْ تَتْلَفْ حَتَّى يَرُدَّهَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَوْدَعَهُ فِيهِ رَبُّ الْمَالِ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَسْتَوْدِعُ الرَّجُلَ الْمَالَ فَيَأْخُذُ مِنْهُ بَعْضَهُ فَيُنْفِقُهُ، أَوْ يَأْخُذُهَا كُلَّهَا فَيُنْفِقُهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا مَكَانَهَا فَتَضِيعُ: إنَّ الضَّمَانَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ، وَإِنَّهُ حِينَ رَدَّهَا سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ فَكَذَلِكَ الْقِرَاضُ الَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ الْوَدِيعَةُ الَّتِي خَرَجَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرِ رَبِّهَا ثُمَّ رَدَّهَا.

قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَاشْتَرَى الْعَامِلُ بِهِ مَتَاعًا وَجِهَازًا يُرِيدُ بِهِ بَعْضَ الْبُلْدَانِ، فَلَمَّا اشْتَرَاهُ أَتَاهُ رَبُّ الْمَالِ فَنَهَاهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَمْنَعَهُ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اشْتَرَى وَعَمِلَ.
فَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُفْسِدَ ذَلِكَ وَيُبْطِلَ عَلَيْهِ عَمَلَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَيْضًا، أَنَّهُ إنْ اشْتَرَى بِهِ سِلَعًا، ثُمَّ أَرَادَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَبِيعَ عَلَى الْعَامِلِ السِّلَعَ مَكَانَهُ، أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ لِرَبِّ الْمَالِ. وَلَكِنْ يَنْظُرُ السُّلْطَانُ فِي ذَاكَ، فَإِنْ كَانَ إنَّمَا اشْتَرَاهَا لِسُوقٍ يَرْجُوهُ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى بَيْعِ تِلْكَ السِّلَعِ. وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهَا إلَى تِلْكَ الْأَسْوَاقِ الَّتِي يَرْجُوهَا لِئَلَّا يَذْهَبَ عَمَلُ هَذَا الْعَامِلِ بَاطِلًا ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَ اللَّيْثُ مِثْلَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ طَعَامًا يَخَافُ عَلَيْهِ السُّوسَ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ فَيَتْلَفَ رَأْسُ الْمَالِ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ حِينَئِذٍ بِالْبَيْعِ.

قُلْتُ: فَإِنْ تَجَهَّزَ الْعَامِلُ وَاشْتَرَى مَتَاعًا يُرِيدُ بِهِ بَعْضَ الْبُلْدَانِ فَهَلَكَ رَبُّ الْمَالِ، أَيَكُونُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَخْرُجَ بِهَذَا الْمَتَاعِ؟ قَالَ: نَعَمْ.

[فِي الْمُقَارَضِ يُسَافِرُ بِالْقِرَاضِ إلَيْهِ الْبُلْدَانِ]
فِي الْمُقَارَضِ يُسَافِرُ بِالْقِرَاضِ إلَى الْبُلْدَانِ قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعْت إلَيْهِ مَالًا قِرَاضًا، وَلَمْ أَقُلْ لَهُ: اتَّجِرْ بِهِ هَاهُنَا وَلَا هَاهُنَا دَفَعْت إلَى الْمَالَ وَسَكَتَ عَنْهُ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ بِهِ فِي أَيِّ الْمَوَاضِعِ أَحَبَّ، وَيَخْرُجَ بِهِ إلَى أَيِّ الْبُلْدَانِ شَاءَ فَيَتَّجِرُ بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، عِنْدَ مَالِكٍ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُقَارَضَ، أَلَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِالْمَالِ إلَى الْبُلْدَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَهَاهُ، وَقَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ حِينَ دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ بِالْفُسْطَاطِ: لَا تَخْرُجْ بِهِ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ وَلَا مِنْ الْفُسْطَاطِ.

[الْمُقَارَضِ يُدْفَعُ لَهُ الْمَالُ عَلَى أَنْ يَجْلِسَ بِهِ فِي حَانُوتٍ أَوْ يَزْرَعَ بِهِ]
ِ قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الْمَالَ قِرَاضًا، عَلَى أَنْ يَجْلِسَ بِهِ فِي حَانُوتٍ مَنْ الْبَزَّازِينَ أَوْ السَّقَّاطِينَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ يَعْمَلُ فِيهِ وَلَا يَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَعَ ذَلِكَ كَانَ فِيهِ أَجِيرًا يُقَامُ لَهُ أَجْرُ عَمَلِ مِثْلِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ رِبْحٍ أَوْ نُقْصَانٍ فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ، وَلَهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: عَلَى



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #238  
قديم 03-01-2026, 04:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,860
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الثالث
من صــ 654الى صــ 663
الحلقة(238)




أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةَ فُلَانٍ أَوْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا مِنْ فُلَانٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: اجْلِسْ فِي هَذَا الْحَانُوتِ وَأُعْطِيكَ مَالًا تَتَّجِرُ فِيهِ، فَمَا رَبِحْتَ فِيهِ فَلَكَ نِصْفُهُ فَهَذَا أَجِيرٌ. قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّمَا يَجْلِسُ بِهِ فِي حَانُوتٍ وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ عَلَيْهِ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ. قَالَ: وَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَأْخُذُ الْمَالَ قِرَاضًا وَيُشْتَرَطُ عَلَيْهِ أَنْ يَزْرَعَ بِهِ، قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ.

قُلْتُ: فَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ الْقِرَاضَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ اشْتَرَطَهُ، فَزَرَعَ بِهِ أَيَكُونُ قِرَاضًا جَائِزًا؟ قَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، إنَّمَا هِيَ تِجَارَةٌ مِنْ التِّجَارَاتِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ زَرَعَ بِهِ فِي ظُلْمٍ بَيِّنٍ يَرَى أَنَّهُ قَدْ خَاطَرَ بِهِ فِي ظُلْمِ الْعَامِلِ، فَأَرَى أَنَّهُ ضَامِنٌ فَأَمَّا أَنْ يَزْرَعَ عَلَى وَجْهٍ يُعْرَفُ وَعَلَى وَجْهِ عَدْلٍ وَأَمْرٍ بَيِّنٍ فَلَا أَرَاهُ ضَامِنًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا كَرِهَ مَالِكٌ مِنْ الشَّرْطِ فِي الْقِرَاضِ، أَنَّهُ يَزْرَعُ بِهِ وَيَعْمَلُ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِيهِ، وَأَرَى أَنْ يُرَدَّ إلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَيَكُونَ جَمِيعُ الزَّرْعِ لِصَاحِبِ الْمَالِ، وَهُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: خُذْ هَذَا الْمَالَ قِرَاضًا وَلَا تَشْتَرِ بِهِ إلَّا دَابَّةَ فُلَانٍ، أَوْ لَا تَشْتَرِ بِهِ إلَّا سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا لِسِلْعَةٍ غَيْرِ مَوْجُودَةٍ وَلَا مَأْمُونَةٍ فَهَذَا وَاَلَّذِي اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَزْرَعَ بِالْمَالِ الْقِرَاضِ سَوَاءٌ، هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أُجَرَاءُ قُلْتُ: فَإِنْ أَعْطَاهُ مَالًا قِرَاضًا وَقَالَ لَهُ: اُقْعُدْ بِهِ فِي الْقَيْسَارِيَّةِ، اشْتَرِ وَبِعْ وَمَا رَبِحْتَ فَبَيْنَنَا؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ الْحَوَانِيتَ والْقَيْسَارِيَّة. وَالْحَوَانِيتُ عِنْدِي سَوَاءٌ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَارِضَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِمَالٍ وَيَقُولَ لَهُ: عَلَى أَنْ لَا تَشْتَرِيَ إلَّا مِنْ فُلَانٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ نَزَلَ كَانَ أَجِيرًا.

[فِي الْمُقَارَضِ يَزْرَعُ بِالْقِرَاضِ أَوْ يُسَاقِي بِهِ]
ِ قُلْتُ: فَلَوْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَاشْتَرَى بِهِ أَرْضًا أَوْ اكْتَرَاهَا أَوْ اشْتَرَى زَرِيعَةً وَأَزْوَاجًا فَزَرَعَ فَرَبِحَ أَوْ خَسِرَ، أَيَكُونُ ذَلِكَ قِرَاضًا وَيَكُونُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ خَاطَرَ بِهِ فِي مَوْضِعِ ظُلْمٍ أَوْ عَدُوٍّ يَرَى أَنَّ مِثْلَهُ قَدْ خَاطَرَ بِهِ فَيَضْمَنُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ أَمْنٍ وَعَدْلٍ فَلَا يَضْمَنُ قُلْتُ: أَوَلَيْسَ مَالِكٌ قَدْ كَرِهَ هَذَا؟ قَالَ: إنَّمَا كَرِهَهُ مَالِكٌ إذَا كَانَ يُشْتَرَطُ إنَّمَا يُدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالُ قِرَاضًا عَلَى هَذَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْطَيْته مَالًا قِرَاضًا، فَذَهَبَ وَأَخَذَ نَخْلًا مُسَاقَاةً فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، أَيَكُونُ هَذَا مُعْتَدِيًا أَمْ تَرَاهُ قِرَاضًا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَاهُ مُعْتَدِيًا وَأَرَاهُ يُشْبِهُ الزَّرْعَ.

[الْمُقَارَضِ يَشْتَرِي سِلْعَةً بِالْقِرَاضِ كُلِّهِ ثُمَّ يَشْتَرِي أُخْرَى بِمِثْلِ الْقِرَاضِ عَلَى الْقِرَاضِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ دَفَعَ إلَيَّ رَجُلٌ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَرْضًا، فَاشْتَرَيْتُ سِلْعَةً مَنْ السِّلَعِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَمْ أَنْقُدْ حَتَّى اشْتَرَيْت سِلْعَةً أُخْرَى بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى الْقِرَاضِ، أَتَكُونُ السِّلْعَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى الْقِرَاضِ أَمْ لَا؟ وَإِنَّمَا فِي يَدِي مِنْ الْمَالِ الْقِرَاضِ أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: سَأَلْتُ

مَالِكًا عَنْ قَوْمٍ يَدْفَعُونَ إلَى أَقْوَامٍ مَالًا قِرَاضًا، فَيَجْلِسُونَ بِهَا فِي الْحَوَانِيتِ فَيَشْتَرُونَ بِأَكْثَرَ مِمَّا دُفِعَ إلَيْهِمْ وَيَضْمَنُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُعْطُونَ الَّذِي قَارَضَهُمْ مِنْ رِبْحِ جَمِيعِ ذَلِكَ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا، فَأَرَى مَسْأَلَتَكَ تُشْبِهُ هَذَا، وَلَيْسَ مِنْ سُنَّةِ الْقِرَاضِ فِيمَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ، أَنْ يَشْتَرِيَ عَلَى الْقِرَاضِ بِدَيْنٍ يَكُونُ الْعَامِلُ ضَامِنًا لِلدَّيْنِ، وَيَكُونُ الرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ.

[الْمُقَارَضِ بِأَلْفٍ يَبْتَاعُ عَبْدَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً بِأَلْفَيْنِ نَقْدًا أَوْ بِأَلْفِ نَقْدًا وَأَلْفٍ إلَى أَجَلٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُقَارَضَةً، فَذَهَبَ فَاشْتَرَى عَبْدَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً بِأَلْفَيْنِ؟ قَالَ: يَكُونُ شَرِيكًا مَعَ رَبِّ الْقِرَاضِ، يَكُونُ نِصْفُهَا عَلَى الْقِرَاضِ وَنِصْفُهَا لِلْعَامِلِ عِنْدَ مَالِكٍ.
وَقَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مِائَةَ دِينَارٍ قِرَاضًا، فَاشْتَرَى سِلْعَةً بِمِائَتَيْ دِينَارٍ فَنَقَدَ مِائَةً، وَمِائَةٌ إلَى سَنَةٍ، قَالَ: أَرَى أَنْ تُقَوَّمَ السِّلْعَةُ بِالنَّقْدِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا خَمْسِينَ وَمِائَةً، كَانَ لِرَبِّ الْمَال الثُّلُثَانِ مِنْ السِّلْعَةِ، وَكَانَ لِلْعَامِلِ الثُّلُثُ، فَهَذِهِ تُشْبِهُ مَسْأَلَتَكَ الَّتِي فَوْقَ هَذِهِ، إلَّا أَنَّ مَسْأَلَتَكَ شِرَاؤُهُ بِالنَّقْدِ. قَالَ سَحْنُونٌ: إنَّمَا تُقَوَّمُ الْمِائَةُ الْآجِلَةُ وَتُفَضُّ قِيمَةُ السِّلْعَةِ عَلَيْهَا وَعَلَى الْمِائَةِ النَّقْدِ.

[فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ يَقْصُرُ مَالَهُ عَنْهَا فَيَأْخُذُ عَلَيْهِ قِرَاضًا يَدْفَعُهُ فِي ثَمَنِهَا]
قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ فَيَقْصُرُ مَالُهُ عَنْهَا، فَيَأْتِي إلَى رَجُلٍ فَيَقُولُ لَهُ: ادْفَعْ إلَيَّ مَالًا قِرَاضًا، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ مَالَهُ فِي ثَمَنِ بَقِيَّةِ تِلْكَ السِّلْعَةِ الَّتِي اشْتَرَى وَيَجْعَلُهُ قِرَاضًا؟ قَالَ مَالِكٌ: إنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَغْلَاهَا، فَيَدْخُلَ مَالُ الرَّجُلِ فِيهِ فَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ سِلْعَةً، فَأَتَى إلَى رَجُلٍ فَقَالَ: ادْفَعْ إلَيَّ مَالًا أَدْفَعُهُ فِي ثَمَنِهَا وَيَكُونُ قِرَاضًا، قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا، فَإِنْ وَقَعَ لَزِمَ صَاحِبَ السِّلْعَةِ رَدُّ الْمَالِ إلَى صَاحِبِهِ، وَيَكُونُ لَهُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ رِبْحٍ وَعَلَيْهِ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ وَضِيعَةٍ، وَأَرَاهُ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَسْلَفَ رَجُلًا مِائَةَ دِينَارٍ، فَنَقَدَهَا فِي سِلْعَةٍ اشْتَرَاهَا، عَلَى أَنَّ لَهُ نِصْفَ مَا رَبِحَ فِيهَا وَعَلَيْهِ مَا كَانَ فِيهَا مَنْ وَضِيعَةٍ.

[الْمُقَارَضِ يَبِيعُ السِّلْعَةَ فَيُوجَدُ بِهَا عَيْبٌ فَيَضَعُ مِنْ الثَّمَنِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ أَوْأَقَلَّ]
الْمُقَارَضِ يَبِيعُ السِّلْعَةَ فَيُوجَدُ بِهَا عَيْبٌ فَيَضَعُ مِنْ الثَّمَنِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْبِ أَوْ أَقَلَّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُقَارَضَ إذَا بَاعَ سِلْعَةً، فَظَهَرَ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ فَحَطَّ مِنْ الثَّمَنِ أَكْثَرَ مَنْ


قِيمَةِ الْعَيْبِ أَوْ أَقَلَّ، أَوْ اشْتَرَى مَنْ أَبِيهِ أَوْ مِنْ وَلَدِهِ، أَيَجُوزُ هَذَا عَلَى الْمَالِ الْقِرَاضِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ إنَّمَا يَنْظُرُ فِي هَذَا، فَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلَهُ مِنْ هَذَا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ وَلَيْسَ فِيهِ مُحَابَاةٌ فَأَرَاهُ جَائِزًا.

[فِي الْمُقَارَضِ يَبْتَاعُ الْعَبْدَ فَيَجِدُ بِهِ عَيْبًا فَيُرِيدُ رَدَّهُ وَيَأْبَى ذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ]
ِ قُلْتُ: فَلَوْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِرَاضًا، فَاشْتَرَى بِهَا عَبْدًا، ثُمَّ أَصَابَ الْعَامِلُ بِهِ عَيْبًا يَنْقُصُهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَأَرَادَ رَدَّ الْعَبْدِ وَأَبَى ذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ؟ قَالَ: لَا أَرَى لِرَبِّ الْمَالِ هَاهُنَا قَوْلًا؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ يَقُولُ: إنْ أَنَا أَخَذْتُهُ - وَقِيمَتُهُ تِسْعُمِائَةٍ - ثُمَّ عَلِمْتُ بِهِ كَانَ عَلَيَّ أَنْ أُجْبِرَ رَأْسَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا رِبْحَ لِي إلَّا بَعْدَ رَأْسِ الْمَالِ، فَهَذَا يُدْخِلُ عَلَى الْعَامِلِ الضَّرَرَ، لَا أَنْ يَقُولَ رَبُّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ: إنْ أَبَيْتَ فَاتْرُكْ الْقِرَاضَ وَاخْرُجْ؛ لِأَنَّكَ إنَّمَا تُرِيدُ رَدَّهُ وَأَنَا أَقْبَلُهُ فَذَلِكَ لَهُ. قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ مُقَارِضًا اشْتَرَى عَبْدًا بِهِ عَيْبٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، ثُمَّ عَلِمَ بِالْعَيْبِ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَبِلَ الْعَبْدَ، أَيَكُونُ الْعَبْدُ عَلَى الْمُقَارَضَةِ أَوْ تَرَاهُ مُتَعَدِّيًا؟ قَالَ: إنْ حَابَى فَهُوَ مُتَعَدٍّ، وَإِنْ قَبِلَهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ فَهُوَ عَلَى الْقِرَاضِ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُقَارَضِ يَبِيعُ وَيُحَابِي: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ، فَيَجُوزُ قَدْرَ نَصِيبِهِ.

[فِي الْمُقَارَضِ يَبِيعُ بِالْقِرَاضِ وَيَحْتَالُ بِالثَّمَنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا، فَاشْتَرَى بِهِ وَبَاعَ. فَلَمَّا بَاعَ بَعْضَ السِّلْعَةِ احْتَالَ بِالثَّمَنِ عَلَى رَجُلٍ مَلِيءٍ أَوْ مُعْسِرٍ إلَى أَجَلٍ، أَتَرَاهُ ضَامِنًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا بَاعَ الْعَامِلُ بِالدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُ رَبُّ الْمَالِ بِذَلِكَ، فَهُوَ ضَامِنٌ. فَأَرَاهُ إذَا احْتَالَ بِذَلِكَ إلَى أَجَلٍ فَهُوَ ضَامِنٌ كَمَنْ بَاعَ بِالدَّيْنِ.

[الْمُقَارَضِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ وَيَنْقُدُ ثَمَنَهَا فَإِذَا أَرَادَ قَبْضَهَا جَحَدَهُ رَبُّ السِّلْعَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً مَنْ السِّلَعِ فَنَقَدَ الثَّمَنَ رَبَّ السِّلْعَةِ، فَأَرَادَ قَبْضَ السِّلْعَةِ فَجَحَدَهُ رَبُّ السِّلْعَةِ أَنْ يَكُونَ قَبَضَ الثَّمَنَ مِنْهُ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا، وَأَرَاهُ ضَامِنًا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ رَبِّ الْمَالِ حِينَ لَمْ يُشْهِدْ عَلَى الْبَائِعِ حِينَ دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ قُلْتُ: فَإِنْ وَكَّلْت وَكِيلًا وَدَفَعْت إلَيْهِ دَنَانِيرَ يَشْتَرِي لِي بِهَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، فَاشْتَرَى لِي عَبْدًا، فَدَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ فَجَحَدَهُ الْبَائِعُ وَقَالَ: لَمْ آخُذ الثَّمَنَ، أَيَكُونُ عَلَى الْوَكِيلِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ:


لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا أَيْضًا، وَأَرَاهُ ضَامِنًا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ رَبِّ الْمَالِ حِينَ لَمْ يُشْهِدْ قُلْتُ: فَإِنْ عَلِمَ رَبُّ الْمَالِ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ عِنْدَهُ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ جَحَدَ الْبَائِعُ أَنْ يَكُونَ قَبَضَ شَيْئًا، يَطِيبُ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُغْرِمَ الْوَكِيلَ أَوْ الْمُقَارَضَ الثَّمَنَ بِمَا أَتْلَفَ عَلَيْهِ مَالَهُ؟ وَهَلْ يَقْضِي لَهُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ؟ .
قَالَ: نَعَمْ، يَقْضِي لَهُ بِأَنْ يُغْرِمَهُ الثَّمَنَ وَيَطِيبَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَتْلَفَ عَلَيْهِ مَالَهُ حِينَ لَمْ يُشْهِدْ، إلَّا أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ الْوَكِيلُ بِحَضْرَةِ رَبِّ الْمَالِ، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ ضَمَانٌ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا لِيَدْفَعَهُ إلَى فُلَانٍ، فَقَالَ الْمَأْمُورُ قَدْ دَفَعْتُ الْمَالَ إلَى فُلَانٍ الَّذِي أَمَرْتَنِي أَنْ أَدْفَعَهُ إلَيْهِ، وَجَحَدَ الرَّجُلُ فَقَالَ: مَا دَفَعَ إلَيَّ شَيْئًا، قَالَ مَالِكٌ: الْمَأْمُورُ ضَامِنٌ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مَالَهُ حِينَ دَفَعَهُ إلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسْأَلَتِكَ فِي الْوَكَالَةِ وَالْقِرَاضِ قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ رَجُلٍ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ سِلْعَةً فَاشْتَرَاهَا، ثُمَّ دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ ثَمَنَهَا إلَى الْمَأْمُورِ بَعْدَ مَا اشْتَرَى الْمَأْمُورُ السِّلْعَةَ، وَدَفَعَهَا إلَى الْآمِرِ فَدَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ لِيَدْفَعَهُ إلَى الْبَائِعِ، ثُمَّ تَلِفَ قَبْلَ أَنْ يُوَصِّلَهُ الْمَأْمُورُ إلَى الْبَائِعِ، عَلَى أَنَّ عَلَى الْآمِرِ الَّذِي اشْتَرَى لَهُ أَنْ يَغْرَمَ الْمَالَ ثَانِيَةً؟ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الْمَدَنِيِّينَ قَالُوا: لَا يَغْرَمُ رَبُّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَفَعَهُ إلَيْهِ فَضَاعَ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اقْتَضَى فَقَالَ مَالِكٌ: يَغْرَمُ الْآمِرُ وَلَا يَغْرَمُ الْمَأْمُورُ؛ لِأَنَّهُ رَسُولٌ، وَهُوَ مُؤْتَمَنٌ

[فِي الْعَامِلَيْنِ بِالْقِرَاضِ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ يَبِيعُ أَحَدَهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ سِلْعَةً]
ً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، وَدَفَعْت إلَى آخَرَ مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا سِلْعَةً مِنْ صَاحِبِهِ فَحَابَاهُ فِيهَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الَّذِي حَابَى إذَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا فِي يَدَيْهِ فَضْلٌ فِي الْمَالِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحَابِيَ فِي رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ لِلْمُحَابَاةِ حِصَّةً فِيمَا حَابَاهُ بِهِ هَذَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُحَابِي إنَّمَا حَابَاهُ مِنْ فَضْلٍ فِي يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إنْ وَضَعَ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، جُبِرَ رَأْسُ الْمَالِ بِذَلِكَ الْمَالِ الَّذِي حَابَاهُ فِيهِ.
وَلَوْ كَانَ فِي يَدَيْهِ لَجُبِرَ بِهِ رَأْسُ الْمَالِ، وَهُوَ حِينَ حَابَاهُ لَمْ يَجْعَلْهُ كُلَّهُ لِرَبِّ الْمَالِ.

[فِي الْمُقَارَضِ يَشْتَرِي مِنْ رَبِّ الْمَالِ سِلْعَةً]
ً قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ مَالًا قِرَاضًا، فَهَلْ لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ سِلْعَةً إنْ وَجَدَهَا عِنْدَهُ؟ قَالَ: مَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إنْ صَحَّتْ مِنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَأَخَافُ أَنْ لَا تَصِحَّ مِنْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ يُقَارِضُ. فَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُعْمَلَ بِهِ وَوَجْهُ


مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ، أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُقَارَضُ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ سِلْعَةً، وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يَرُدَّ إلَيْهِ رَأْسَ مَالِهِ، وَيَصِيرَ إنَّمَا قَارَضَهُ بِهَذَا الْعَرَضِ. قَالَ سَحْنُونٌ: ذَلِكَ أَصْلٌ جَيِّدٌ، وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ تُوجَدُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ فَرُدَّهَا إلَى هَذِهِ.

[فِي الْمُقَارَضِ يَشْتَرِي وَلَدَ رَبِّ الْمَالِ أَوْ وَالِدَهُ أَوْ وَلَدَ نَفْسِهِ أَوْ وَالِدَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى الْعَامِلُ وَلَدَ رَبِّ الْمَالِ، أَوْ وَالِدَهُ، أَوْ وَلَدَ نَفْسِهِ، أَوْ وَالِدَهُ، عَلِمَ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَالْمُقَارَضُ مُعْسِرٌ أَوْ مُوسِرٌ؟ قَالَ: إنْ اشْتَرَى وَالِدَ نَفْسِهِ أَوْ وَلَدَ نَفْسِهِ وَكَانَ مُوسِرًا وَقَدْ عَلِمَ، رَأَيْتُ أَنْ يُعْتَقَا عَلَيْهِ وَيُدْفَعَ إلَى رَبِّ الْمَالِ رَأْسُ مَالِهِ وَرِبْحُهُ إنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ عَلَى مَا قَارَضَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ وَكَانَ فِيهِمْ فَضْلٌ، يَكُونُ لِلْعَامِلِ فِيهِمْ نَصِيبُ مَا عَتَقُوا عَلَيْهِ، وَيُرَدُّ إلَى رَبِّ الْمَالِ رَأْسُ مَالِهِ وَرِبْحُهُ عَلَى مَا قَارَضَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ فَضْلٌ بِيعُوا، وَأَسْلَمَ إلَى رَبِّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ وَلَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ لَا مَالَ لِلْعَامِلِ، وَكَانَ فِيهِمْ فَضْلٌ بِيعَ مِنْهُمْ بِقَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ، وَرَبِحَ رَبُّ الْمَالِ فَدَفَعَ إلَى رَبِّ الْمَالِ، وَيُعْتِقُ مِنْهُمْ مَا بَقِيَ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَى أَبَا صَاحِبِ الْمَالِ، أَوْ ابْنَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَوْ لَا يَعْلَمُ؟ قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، عَتَقُوا عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ رِبْحٌ دَفَعَ إلَى الْعَامِلِ مِنْ مَالِ صَاحِبِ الْمَالِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ عَلَى مَا قَارَضَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ الْعَامِلُ وَلَهُ مَالٌ، رَأَيْتُ أَنْ يُعْتَقُوا عَلَيْهِ وَيُؤْخَذَ مِنْ الْعَامِلِ ثَمَنُهُمْ، فَيَدْفَعَ إلَى رَبِّ الْمَالِ وَالْوَلَاءُ لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ حِينَ اشْتَرَاهُمْ، أَنَّهُمْ يُعْتَقُونَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، فَأَرَاهُ ضَامِنًا إذَا ابْتَاعَهُمْ بِمَعْرِفَةٍ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ بِيعُوا، فَأَعْطَى رَبَّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ وَرِبْحَهُ وَعَتَقَ مِنْهُمْ حِصَّةَ الْعَامِلِ وَحْدَهُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ وَاخْتَرْتُ لِنَفْسِي.

[فِي الْمُقَارَضِ يُعْتِقُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ عَبْدًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى الْعَامِلُ عَبْدًا بِمَالِ الْقِرَاضِ، قِيمَتُهُ مِثْلُ مَالِ الْقِرَاضِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلُّ، فَأَعْتَقَهُ الْعَامِلُ وَهُوَ مُوسِرٌ أَوْ مُعْسِرٌ؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ الَّذِي حَفِظْنَا عَنْ مَالِكٍ فِي الْعَامِلِ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ فَيَطَؤُهَا فَتَحْمِلُ مِنْهُ، أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أُخِذَ مِنْهُ قِيمَتُهَا، فَيُجْبَرُ بِهِ رَأْسُ الْمَالِ وَأَمَّا مَسْأَلَتُكَ فِي الْعِتْقِ، فَإِنِّي أَرَى إنْ كَانَ الْعَامِلُ مُوسِرًا أُعْتِقَ عَلَيْهِ وَغَرِمَ لِرَبِّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ وَرِبْحَهُ إنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ، وَإِنْ كَانَ مُعْدَمًا لَا مَالَ لَهُ، لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ وَبِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ رَأْسِ مَالِ رَبِّ الْمَالِ وَرِبْحِهِ إنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ، وَيُعْتَقُ مِنْهُ نَصِيبُ الْعَامِلِ. قُلْتُ: فَإِنْ أَعْتَقَهُ رَبُّ الْمَالِ؟ قَالَ: يَجُوزُ عِتْقُهُ وَيَضْمَنُ


لِلْعَامِلِ رِبْحَهُ، إنْ كَانَ فِي قِيمَتِهِ فَضْلٌ عَنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ وَهَذَا رَأْيِي. وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: كُلُّ مَنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا أُطْلِقَتْ لَهُ فِيهِ يَدُهُ، فَبَاعَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ أَعْتَقَهُ، فَالْآمِرُ بِالْخِيَارِ. فَإِنْ أَجَازَ فِعْلَهُ فَقَدْ تَمَّ عِتْقُهُ، وَإِنْ رَدَّ فِعْلَهُ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ إلَّا الْمُقَارَضَ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ فِي الْعَبْدِ فَضْلٌ، فَقَدْ عَتَقَهُ لِلشِّرْكِ الَّذِي لَهُ فِيهِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَالْأَبُ فِي ابْنِهِ الصَّغِيرِ إذَا فَاتَ الْعَبْدَ يُعْتَقُ، لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ وَكَانَ نَظَرًا مِنْهُ لِوَلَدِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ، نَفَذَ عِتْقُهُ وَلَزِمَهُ الثَّمَنُ

[فِي الْمُقَارَضِ يَبْتَاعُ الْعَبْدَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَيَقْتُلُ الْعَبْدُ عَبْدَ رَجُلٍ عَمْدًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قُتِلَ عَبْدٌ مِنْ مَالِ الْمُقَارَضَةِ عَمْدًا، قَتَلَهُ عَبْدُ رَجُلٍ، فَأَرَادَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَقْتَصَّ وَقَالَ الْعَامِلُ: أَنَا أَعْفُو، عَلَى أَنْ آخُذَ الْعَبْدَ، أَوْ قَالَ الْعَامِلُ: أَنَا أَقْتُلُ، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ أَنَا أَعْفُو عَلَى أَنْ آخُذَ الْعَبْدَ؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ عَفَا مِنْهُمَا عَلَى الرَّقَبَةِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَنْ أَرَادَ الْقِصَاصَ، وَلَا أَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَمَنْ عَفَا مِنْهُمَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ، أَيَكُونُ هَذَا الْعَبْدُ عَلَى الْقِرَاضِ كَمَا كَانَ الْعَبْدُ الْمَقْتُولُ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَكَذَلِكَ إنْ قَتَلَهُ سَيِّدُهُ، فَقِيمَةُ الْعَبْدِ فِي الْقِرَاضِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَبْدِ فَضْلٌ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَقَالَ سَيِّدُهُ: أَنَا أَقْتَصُّ، وَأَبَى ذَلِكَ الْعَامِلُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى الْقَوْلَ لِرَبِّ الْمَالِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْقَتْلِ.

[فِي الْمُقَارَضِ وَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ يَبِيعَانِ الْجَارِيَةَ بِثَمَنٍ إلَيْهِ أَجَلٍ وَيَبْتَاعَهَا رَبُّ الْمَال أَوْالسَّيِّدُ بِأَقَلَّ قَبْلَ الْأَجَلِ]
فِي الْمُقَارَضِ وَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ يَبِيعَانِ الْجَارِيَةَ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ وَيَبْتَاعَهَا رَبُّ الْمَال أَوْ السَّيِّدُ بِأَقَلَّ قَبْلَ الْأَجَلِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُقَارَضًا بَاعَ جَارِيَةً بِأَلْفِ دِينَارٍ إلَى سَنَةٍ، وَقَدْ أَذِنَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَبِيعَ بِالدَّيْنِ، فَاشْتَرَاهَا رَبُّ الْمَالِ بِمِائَةِ دِينَارٍ قَبْلَ الْأَجَلِ، أَوْ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ بَاعَ سِلْعَةً بِمِائَةِ دِينَارٍ إلَى أَجَلٍ، أَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا نَقْدًا قَبْلَ الْأَجَلِ؟ قَالَ: أَمَّا مَسْأَلَتُكَ هَذِهِ فِي الْعَبْدِ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ الْعَبْدُ إنَّمَا يَتَّجِرُ بِمَالِ نَفْسِهِ، وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ إنَّمَا يَتَّجِرُ بِمَالِ سَيِّدِهِ، فَلَا يَصْلُحُ، وَكَذَلِكَ الْمُقَارَضُ لَا خَيْرَ فِيهِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَالُهُ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ إذَا جَنَى أَسْلَمَ بِمَالِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَ تَبِعَهُ مَالُهُ إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ سَيِّدُهُ؟ أَوْ لَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَحْنَثُ بِالْعِتْقِ فِي عَبِيدِهِ، فَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ عَبِيدُ عَبِيدِهِ وَيَبْقُونَ فِي أَيْدِي عَبِيدِهِ، الَّذِينَ أَعْتَقُوا عَبِيدًا لَهُمْ؟ أَوْ لَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ زَكَاةٌ، نَظَائِرُ لَهُ كَثِيرَةٌ؟ .


[الدَّعْوَى فِي الْقِرَاضِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا، فَقَالَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ: أَوْدَعْتنِي، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: أَقْرَضْتُك الْمَالَ قِرَاضًا؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ مَالًا، فَقَالَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ: إنَّمَا أَخَذْته قَرْضًا، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: أَعْطَيْتُك الْمَالَ قِرَاضًا، قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ مَعَ يَمِينِهِ قُلْتُ: فَإِنْ ادَّعَى الْعَامِلُ أَنَّهُ قِرَاضٌ، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ بَلْ أَبْضَعْتُهُ مَعَكَ لِتَعْمَلَ بِهِ لِي؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ، وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ إجَارَةُ مِثْلِهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ إجَارَةُ مِثْلِهِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ رِبْحِ الْقِرَاضِ، فَلَا يُعْطِي أَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَى.
فَإِنْ نَكَلَ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا كَانَ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ مِثْلُهُ فِي الْقِرَاضِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى صَبَّاغٍ ثَوْبًا، فَقَالَ صَاحِبُهُ، اسْتَوْدَعْتُك، إيَّاهُ وَلَمْ آمُرْك بِالْعَمَلِ، وَقَالَ الصَّبَّاغُ: بَلْ اسْتَعْمَلْتَنِيهِ، قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الصَّبَّاغِ، وَأَمَّا فِي الْقِرَاضِ، فَإِذَا قَالَ رَبُّ الْمَالِ هُوَ قَرْضٌ، وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ هُوَ قِرَاضٌ، قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ: أَخَذْتَ مِنِّي الْمَالَ عَلَى ضَمَانٍ، وَقَالَ الْعَامِلُ: إنَّمَا أَخَذْتُهُ مِنْكَ عَلَى غَيْرِ ضَمَانٍ فَقَدْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ قَبْلَهُ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْعَامِلُ بِمَخْرَجٍ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: اسْتَوْدَعْتُك، وَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ أَخَذْته قِرَاضًا قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ مُدَّعٍ يُرِيدُ طَرْحَ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ أَيْضًا. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: أَعْطَيْتُك الْمَالَ قِرَاضًا وَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ سَلَفًا؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ مُدَّعٍ هَاهُنَا فِي الرِّبْحِ فَلَا يُصَدَّقُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ: لَكَ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ قِرَاضًا، وَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: بَلْ هِيَ سَلَفٌ، الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ قُلْتُ: فَهَلْ يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ هَذَا: أَخَذْتُ مِنْكَ وَأَخَذْتَ مِنِّي؟ قَالَ: لَا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اخْتَلَفَا فِي رَأْسِ الْمَالِ - الْعَامِلُ وَرَبُّ الْمَالِ - فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: رَأْسُ مَالِي أَلْفَانِ، وَقَالَ الْعَامِلُ: رَأْسُ الْمَالِ أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَهُوَ أَمِينٌ. قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَعَمِلَ فَخَسِرَ. فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ تَعَدَّيْتُ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَمَرْتُك بِالْبَزِّ وَحْدَهُ، وَقَالَ الْعَامِلُ: لِمَ أَتَعَدَّ وَلَمْ تَنْهَنِي عَنْ شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ: لَمْ أَقْتَضِ مِنْكَ رَأْسَ مَالِي، وَقَالَ الْعَامِلُ: قَدْ دَفَعْته إلَيْك وَهَذَا الَّذِي مَعِي رِبْحٌ؟ قَالَ: أَرَى الْقَوْلَ قَوْلَ رَبِّ الْمَالِ مَا دَامَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَأْسَ مَالِهِ، وَعَلَى الْعَامِلِ الْبَيِّنَةُ قُلْتُ: وَلِمَ؟ وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْقَوْلَ قَوْلَ الْعَامِلِ فِي الَّذِي يَدَّعِي أَنَّهُ عَمِلَ عَلَى الثُّلُثَيْنِ وَخَالَفَهُ رَبُّ


الْمَالِ. فَلِمَ لَا تَجْعَلُ الْقَوْلَ قَوْلَ الْعَامِلِ فِي مَسْأَلَتِي؟ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ الْمَالَ وَأَنَّ هَذَا الَّذِي مَعَهُ رِبْحٌ؟ قَالَ: لَيْسَ مِنْ هَاهُنَا أَخَذْتُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ هُوَ رَأْسُ الْمَالِ أَبَدًا حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ رَأْسَ الْمَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مَالٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ مُدَّعَى عَلَيْهِ حِينَ يَقُولُ قَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْكَ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَسَافَرَ بِهِ ثُمَّ قَدِمَ وَمَعَهُ رِبْحُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَنْفَقْت مَنْ مَالِي مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي سَفَرِي، عَلَى أَنْ آخُذَهَا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، أَوْ جَاءَ بِرَأْسِ الْمَالِ وَحْدَهُ وَقَالَ: لَمْ أَرْبَحْ وَقَدْ أَنْفَقْت مِائَةَ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ أَرْجِعَ بِهَا فِي مَالِ الْقِرَاضِ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذَا كُلِّهِ فَقَالَ لِي: ذَلِكَ لَهُ وَهُوَ مُصَدَّقٌ، وَيَرْجِعُ بِمَا قَالَ: أَنْفَقْتُهُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ إذَا كَانَ يُشْبِهُ - مَا قَالَ - نَفَقَةَ مِثْلِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ دَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ وَقَاسَمَهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ يَدَّعِي ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ.

[فِي الْمُقَارِضِ يَبْدُو لَهُ فِي أَخْذِ مَالِهِ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْت مَا لَمْ يَعْمَلْ الْمُقَارَضُ بِالْمَالِ، أَيَكُونُ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الْمَالَ قِرَاضًا، ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ، قَالَ: إذَا كَانَ الْمَالُ عَلَى حَالِهِ، أَخَذَهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُقَارَضُ قَدْ اشْتَرَى بِالْمَالِ أَوْ تَجَهَّزَ بِالْمَالِ يَخْرُجُ بِهِ إلَى سَفَرٍ، فَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَرُدَّهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ قَدْ مَضَى مَعَهُ فِي بَعْضِ سَفَرِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ: ارْجِعْ وَرُدَّ عَلَيَّ مَالِي وَأَنَا أُنْفِقُ عَلَيْكَ فِي رَجْعَتِكَ حَتَّى تَبْلُغَ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ بِهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى الْعَامِلُ بِالْمَالِ سِلْعَةً، فَنَهَيْتُهُ عَنْ الْعَمَلِ فِي الْقِرَاضِ بَعْدَ مَا اشْتَرَى، وَقُلْتُ لَهُ: اُرْدُدْ عَلَيَّ مَالِي، أَيَكُونُ لِي أَنْ أُجْبِرَهُ عَلَى بَيْعِ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ السِّلَعِ، وَآخُذَ الثَّمَنَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَكِنْ يُنْظَرُ فِيمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ السِّلَعِ، فَإِنْ رَأَى السُّلْطَانُ وَجْهَ بَيْعٍ بَاعَ فَأَوْفَاكَ رَأْسَ مَالِكَ، وَكَانَ مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبْحِ عَلَى مَا اشْتَرَطْتُمَا، وَإِنْ لَمْ يَرَ السُّلْطَانُ وَجْهَ بَيْعٍ، أَخَّرَ السِّلَعَ حَتَّى يَرَى وَجْهَ بَيْعٍ، قُلْتُ: وَمَا الَّذِي تُؤَخَّرُ لَهُ السِّلَعُ؟ قَالَ: السِّلَعُ لَهَا أَسْوَاقٌ تُكْرَى إلَيْهِ فِي إبَّانِ شِرَائِهَا، وَتُحْبَسُ إلَيْهِ إبَّانَ سُوقِهَا، فَتُبَاعُ فِي ذَلِكَ الْإِبَّانِ، بِمَنْزِلَةِ الْحُبُوبِ الَّتِي تُشْتَرَى فِي أَيَّامِ الْحَصَادِ، فَيَرْفَعُهَا الْمُشْتَرِي إلَى إبَّانِ نَفَاقِهَا، وَمِثْلُ الضَّحَايَا تُشْتَرَى قَبْلَ أَيَّامِ النَّحْرِ، فَيَرْفَعُهَا إلَى أَيَّامِ النَّحْرِ رَجَاءَ نَفَاقِهَا وَمَا أَشْبَهَهُ.

قُلْتُ: فَلَوْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا، فَبَعَثْتُ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالْمَالِ شَيْئًا فَقُلْتُ: لَا تَشْتَرِ بِالْمَالِ شَيْئًا وَرُدَّهُ عَلَيَّ، فَتَعَدَّى فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً فَرَبِحَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، إلَّا أَنِّي أَرَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِفَارٍّ مِنْ الْقِرَاضِ، وَأَرَاهُ ضَامِنًا


لِلْمَالِ وَالرِّبْحُ لَهُ. وَإِنَّمَا هَذَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، فَتَعَدَّى فَاشْتَرَى بِهَا سِلْعَةً فَرَبِحَ فِيهَا. فَالرِّبْحُ لَهُ وَهُوَ ضَامِنٌ لِلْوَدِيعَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فَارًّا مِنْ الْقِرَاضِ إذَا قَالَ لَهُ: لَا تَشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا، فَذَهَبَ فَاشْتَرَاهَا. فَهَذَا الَّذِي فَرَّ مِنْ الْقِرَاضِ إلَى هَذِهِ السِّلْعَةِ الَّتِي نَهَاهُ عَنْهَا لِيَذْهَبَ بِرِبْحِ الْمَالِ فَجَعَلَ مَالِكٌ الرِّبْحَ عَلَى قِرَاضِهِمَا وَالْوَضِيعَةَ عَلَى الْعَامِلِ لِتَعَدِّيهِ.

[فِي الْعَامِلِ يَبْدُو لَهُ فِي تَرْكِ الْقِرَاضِ وَالْمَالُ عَلَى الرِّجَالِ أَوْ فِي السِّلَعِ]
ِ قُلْتُ: فَإِنْ بَاعَ الْعَامِلُ أَوْ اشْتَرَى، وَقَدْ أَذِنَ لَهُ رَبُّ الْمَال أَنْ يَبِيعَ بِالنَّقْدِ وَبِالنَّسِيئَةِ، فَاشْتَرَى وَبَاعَ حَتَّى صَارَ جَمِيعُ مَالِ الْقِرَاضِ دَيْنًا عَلَى النَّاسِ وَفِيهِ وَضِيعَةٌ، فَقَالَ الْعَامِلُ لِرَبِّ الْمَالِ: أَنَا أُحِيلُك عَلَيْهِمْ وَلَا أَقْتَضِي وَلَا أَعْمَلُ فِيهِ؟ قَالَ: يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَا أَقْتَضِي وَلَا أَقْبِضُ، إلَّا أَنْ يَرْضَى رَبُّ الْمَالِ بِالْحَوَالَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ وَقَدْ صَارَ كُلُّهُ دَيْنًا فَقَالَ لَا أَقْتَضِيهِ، أَيُجْبَرُ عَلَى الِاقْتِضَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُسَلِّمَ جَمِيعَ ذَلِكَ وَيَرْضَى بِذَلِكَ رَبُّ الْمَالُ قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ الْمَالُ دَيْنًا فِي بَلَدٍ، فَأَجْبَرْتُهُ عَلَى أَنْ يَقْتَضِيَهُ وَقَدْ خَسِرَ فِيهِ، أَتَجْعَلُ نَفَقَتَهُ إذَا سَافَرَ لِيَقْتَضِيَهُ فِي الْمَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى سِلَعًا بِجَمِيعِ الْمَالِ يَرْجُو بِهَا الْأَسْوَاقَ، فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ: أَنَا آخُذُ قِيمَةَ رَأْسِ مَالِي مِنْ هَذِهِ السِّلَعِ، وَأُقَاسِمُكَ مَا بَقِيَ عَلَى مَا اشْتَرَطْنَا مِنْ الرِّبْحِ وَيَأْبَى ذَلِكَ الْعَامِلُ؟ قَالَ: ذَلِكَ إلَى الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا أَرْجُو فِي هَذِهِ السِّلَعِ الَّتِي يَأْخُذُهَا رَبُّ الْمَالِ بِقِيمَتِهَا الْيَوْمَ، إنْ ازْدَادَ فِيهَا إذَا جَاءَتْ أَسْوَاقُهَا، لِأَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْعَامِلِ يُرِيدُ بَيْعَ مَا مَعَهُ، فَيَقُولُ رَبُّ الْمَالِ: أَنَا آخُذُهَا بِمَا تَسْوَى: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ وَأَجْنَبِيٌّ مِنْ النَّاسِ سَوَاءٌ

[فِي الْمُقَارِضِ يَمُوتُ أَوْ الْمُقَارَضِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلَيْنِ مَالًا قِرَاضًا فَهَلَكَ الرَّجُلَانِ وَقَدْ عَمِلَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يُدْفَعُ إلَيْهِ الْمَالُ قِرَاضًا يَعْمَلُ فِيهِ ثُمَّ يَمُوتُ الْمُقَارَضُ، قَالَ: إنْ كَانَ وَرَثَتُهُ مَأْمُونِينَ، قِيلَ لَهُمْ: تَقَاضَوْا هَذَا الْمَالَ، وَبِيعُوا مَا بَقِيَ فِي يَدَيْ صَاحِبِكُمْ مِنْ السِّلَعِ، وَأَنْتُمْ عَلَى الرِّبْحِ الَّذِي كَانَ لِصَاحِبِكُمْ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مَأْمُونِينَ، فَأَتَوْا بِأَمِينٍ ثِقَةٍ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ.
وَإِنْ لَمْ يَأْتُوا بِأَمِينٍ ثِقَةٍ، وَلَمْ يَكُونُوا مَأْمُونِينَ، أُسْلِمَ الْمَالُ الدَّيْنُ أَوْ الْعُرُوض وَجَمِيعُ مَالِ الْقِرَاضِ إلَى رَبِّ الْمَالِ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ مِنْ الرِّبْحِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. فَاَلَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ، يُقَالُ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لِوَرَثَةِ هَذَا. قُلْتُ: فَإِنْ مَاتَ رَبُّ الْمَالِ؟


قَالَ: فَهَؤُلَاءِ عَلَى قِرَاضِهِمْ، بِحَالِ مَا كَانُوا إنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ أَخْذَ مَالِهِمْ كَانُوا بِمَنْزِلَةِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي الرَّجُلِ إذَا قَارَضَ رَجُلًا فَاشْتَرَى سِلْعَةً، ثُمَّ أَرَادَ أَخْذَ مَالِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ رَبُّ الْمَالِ، وَالْمَالُ فِي يَدِ الْمُقَارَضِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ بَعْدُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْعَامِلُ بِمَوْتِ رَبِّ الْمَالِ، حَتَّى اشْتَرَى بِالْمَالِ سِلْعَةً بَعْدَ مَوْتِ رَبِّ الْمَالِ؟ قَالَ: هُوَ عَلَى الْقِرَاضِ حَتَّى يَعْلَمَ بِمَوْتِهِ.

[فِي الْمُقَارَضِ يَمُوتُ وَعِنْدَهُ وَدَائِعُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ]
ٌ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ هَلَكَ، وَقَدْ كَانَ أَخَذَ مَالًا قِرَاضًا، وَعِنْدَهُ وَدَائِعُ لِلنَّاسِ، وَعَلَيْهِ دُيُونٌ وَلَمْ يُوجَدْ الْقِرَاضُ وَلَا الْوَدَائِعُ عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ، وَلَمْ يُوصِ بِشَيْءٍ، قَالَ مَالِكٌ: يَتَحَاصُّ أَهْلُ الْوَدَائِعِ وَأَهْلُ الْقِرَاضِ وَأَهْلُ الدَّيْنِ فِيمَا تَرَكَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ قِيلَ لَهُ: رَجُلٌ كَانَ عِنْدَهُ قِرَاضٌ لِرَجُلٍ فَأَفْلَسَ. قَالَ: لِلْقِرَاضِ هَيْئَةٌ لَيْسَتْ لِمَا سِوَاهُ، لَا يُحَاصَّ الْغُرَمَاءَ بِقِرَاضِهِ وَلَكِنْ يَسْتَوْفِيهِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ لِلنَّاسِ قَبْلَ الْقِرَاضِ أَوْ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ فِي الْقِرَاضِ ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَهُ اللَّيْثُ.

[فِي إقْرَارِ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِهِ الْوَدِيعَةِ وَالْقِرَاضِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِوَدِيعَةٍ أَوْ بِمَالِ قِرَاضٍ بِعَيْنِهِ بَعْدَ مَا أَقَرَّ بِالدَّيْنِ؟ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا أَقَرَّ بِهِ بِعَيْنِهِ، فَلَا أُبَالِي كَانَ إقْرَارُهُ قَبْلَ الدَّيْنِ أَوْ بَعْدَ الدَّيْنِ، أَصْحَابُهُ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي هَذَا.
وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا أَقَرَّ بِهِ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، فَهُوَ وَالدَّيْنُ سَوَاءٌ، وَهَذَا رَأْيِي؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا أَقَرَّ بِوَدِيعَةٍ بِعَيْنِهَا، أَوْ بِمَالِ قِرَاضٍ فِي مَرَضِهِ وَعَلَيْهِ دِينٌ فِي صِحَّتِهِ بِبَيِّنَةٍ، إنَّ إقْرَارَهُ جَائِزٌ بِمَا أَقَرَّ بِهِ، وَيَأْخُذُ أَهْلُ الْوَدِيعَةِ وَدِيعَتَهُمْ وَأَهْلُ الْقِرَاضِ قِرَاضَهُمْ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ كَانَ قِبَلَهُ مَالُ قِرَاضٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأَخَذَهُ غُرَمَاؤُهُ، فَقَالَ يَحْيَى: صَاحِبُ الْقِرَاضِ إنْ عَرَفَ مَالَهُ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَتَقُومُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #239  
قديم 03-01-2026, 04:30 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,860
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 3الى صــ 10
الحلقة(239)



[كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ]
ِ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْخَصْمَيْنِ إذَا أَتَيَا إلَى الْقَاضِي، فَتَبَيَّنَ لِلْقَاضِي الْحَقُّ لِأَحَدِهِمَا، فَأَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى الَّذِي اتَّضَحَ الْحَقُّ عَلَيْهِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَهُوَ يَقُولُ مِنْ وَجْهِ الْحُكْمِ فِي الْقَضَاءِ، إذَا أَدْلَى الْخَصْمَانِ بِحُجَّتِهِمَا، وَفَهِمَ الْقَاضِي عَنْهُمَا، فَأَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا، أَنْ يَقُولَ لَهُمَا: أَبَقِيَتْ لَكُمَا حُجَّةٌ؟ فَإِنْ قَالَا: لَا فَصَلَ بَيْنَهُمَا وَأَوْقَعَ الْحُكْمَ، فَإِنْ أَتَيَا بَعْدَ ذَلِكَ يُرِيدَانِ نَقْضَ ذَلِكَ لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُمَا، إلَّا أَنْ يَأْتِيَا بِأَمْرٍ يَرَى أَنَّ لِذَلِكَ وَجْهًا. قُلْتُ: مَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ يَرَى لِذَلِكَ وَجْهًا؟ قَالَ: مَعْنَاهُ، أَنَّهُ إذَا أَتَى بِشَاهِدٍ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ، وَقَالَ الْخَصْمُ لَا أَعْلَمُ لِي شَاهِدًا آخَرَ، فَوَجَّهَ الْقَاضِي عَلَيْهِ الْحُكْمَ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى شَاهِدٍ آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَنَّهُ يَقْضِي بِهَذَا الْآخَرِ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِمَّا قَالَ مَالِكٌ يُعْرَفُ بِهِ وَجْهُ حُجَّتِهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا هَلَكَ الرَّجُلُ فِي السَّفَرِ، وَلَيْسَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَحَدٌ، أَتَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْكُفْرِ الَّذِينَ مَعَهُ إنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يُجِيزُ شَهَادَةَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ، فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ، وَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَمِعَ رَجُلٌ رَجُلًا يَقُولُ: لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، أَوْ يَقُولُ: فُلَانٌ قَتَلَ فُلَانًا، أَوْ يَقُولُ: سَمِعْته قَذَفَ فُلَانًا أَوْ يَقُولُ: سَمِعْت فُلَانًا طَلَّقَ فُلَانَةَ وَلَمْ يَشْهَدْهُ، إلَّا أَنَّهُ مَرَّ بِهِ فَسَمِعَهُ وَهُوَ يَقُولُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، أَيَشْهَدُ بِهَا وَإِنَّمَا مَرَّ فَسَمِعَهُ يَتَكَلَّمُ بِهَا وَلَمْ يَشْهَدْهُ؟ قَالَ: لَا يَشْهَدُ بِهَا، وَلَكِنْ إنْ مَرَّ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا، وَسَمِعَ رَجُلًا يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يُشْهِدَاهُ، قَالَ مَالِكٌ: فَهَذَا الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدَاهُ. قَالَ: فَيَأْتِي مَنْ لَهُ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُ، فَيُعْلِمُهُ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ شَهَادَةً. قَالَ: وَسَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ هَذَا فِي الْحُدُودِ، أَنَّهُ يَشْهَدُ بِمَا سَمِعَ مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ، قَالَ: فَأَمَّا قَوْلُكَ الْأَوَّلُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَمُرُّ بِالرَّجُلَيْنِ وَهُمَا يَتَكَلَّمَانِ فِي الشَّيْءِ وَلَمْ

انتهى المجلد الثالث
يَسْتَشْهِدَاهُ، فَيَدْعُوهُ أَحَدُهُمَا إلَى الشَّهَادَةِ، أَتَرَى أَنْ يَشْهَدَ بِهَا؟ قَالَ: لَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتَوْعَبَ كَلَامَهُمَا، إلَّا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ؛ لِأَنَّ الَّذِي سَمِعَ لَعَلَّهُ كَانَ قَبْلَهُ كَلَامٌ يُبْطِلُ مَا بَعْدَهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، أَتَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ: قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْت قِبَلَ رَجُلٍ الْقِصَاصَ، أَوْ أَنَّهُ ضَرَبَنِي بِالسَّوْطِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا، أَتَسْتَحْلِفُهُ لِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا، وَلَا يُسْتَحْلَفُ، لَكَ إلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِشَاهِدِ عَدْلٍ فَيُسْتَحْلَفَ لَكَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَى رَجُلٌ قِبَلَ رَجُلٍ أَنَّهُ قَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا وَأَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدًا وَاحِدًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ يَمِينًا وَاحِدَةً وَتُقْطَعُ يَدُ الْقَاطِعِ. قَالَ: الْقَاسِمُ: فَإِنْ نَكَلَ الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ عَنْ الْيَمِينِ، اُسْتُحْلِفَ لَهُ الْقَاطِعُ. فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِلَّا حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدًا وَاحِدًا أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ، أَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ؟ قَالَ: إذَا كَانَ عَدْلًا، أَقْسَمَ هُوَ وَبَعْضُ عَصَبَةِ الْمَقْتُولِ الَّذِينَ هُمْ وُلَاتُهُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيُقْتَلُ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَلِمَ قُلْتَ يُقْسِمُ هُوَ وَآخَرُ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْقَسَامَةَ فِي الْعَمْدِ لَا تَكُونُ بِأَقَلَّ مِنْ اثْنَيْنِ. قُلْتُ: لِمَ لَا يَكُونُ لَهُ إنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا أَنْ يَحْلِفَ فِي الْعَمْدِ مَعَ شَاهِدِهِ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيُقْتَلُ، كَمَا يَحْلِفُ فِي الْحُقُوقِ، وَهَلْ الْيَمِينُ إلَّا مَوْضِعُ الشَّاهِدِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّهُ لَا يُقْسِمُ فِي الْقَسَامَةِ فِي الْقَتْلِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْقَاتِلِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ، إلَّا أَنْ يُقْسِمَ مَعَ الشَّاهِدِ رَجُلَانِ فَصَاعِدًا يَقْسِمَانِ خَمْسِينَ يَمِينًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالشَّاهِدُ الْوَاحِدُ الْعَدْلُ فِي الْقَسَامَةِ، إنَّمَا هُوَ لَوْثٌ لَيْسَتْ شَهَادَةً؛ لِأَنَّهُمَا إذَا كَانَا اثْنَيْنِ فَأَقْسَمَا، فَإِنَّمَا هُمَا مَوْقِعُ الشَّهَادَةِ التَّامَّةِ، وَبِالْقَسَامَةِ تَمَّتْ الشَّهَادَةُ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ لَوْثٌ. كَذَلِكَ إذَا قَالَ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ. وَأَمَّا فِي الْحُقُوقِ فَإِنَّمَا جَاءَتْ السُّنَّةُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَالشَّاهِدُ فِي الْحُقُوقِ قَدْ تَمَّتْ بِهِ الشَّهَادَةُ، إلَّا أَنَّ مَعَهُ يَمِينَ طَالِبِ الْحَقِّ، وَجُعِلَ فِي الْقَسَامَةِ لَا يُقْسِمُ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا جُعِلَا جَمِيعًا مَوْقِعَ الشَّهَادَةِ، وَاللَّوْثُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ شَهَادَةً. فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْيَمِينِ فِي الْقَسَامَةِ وَبَيْنَ الْيَمِينِ فِي الْحُقُوقِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْسِمُ فِي الدَّمِ إلَّا مَعَ شَاهِدِ عَدْلٍ، أَوْ أَنْ يَقُولَ الْمَقْتُولُ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، وَلَا يُقْسِمُ الشَّاهِدُ إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الْمَقْتُولُ أَبِي، وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرِي مَنْ يُقْسِمُ مَعِي؟ قَالَ: يُقْسِمُ مَعَكَ عَمُّكَ أَوْ ابْنُ عَمِّكَ، أَوْ رَجُلٌ مِنْ عُصْبَتِهِ الَّذِينَ يَكُونُونَ وُلَاتَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ حَيًّا، إنْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْ الْأَعْمَامِ أَوْ بَنِي الْأَعْمَامِ حُضُورًا. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْأَعْمَامُ وَبَنُو الْأَعْمَامِ حَضَرُوا مَعَهُ فَأَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا مَعَهُ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَحْلِفَ مَعَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الْعَشِيرَةِ؟ قَالَ:


لَا، وَلَا يُقْسِمُ مَعَهُ فِي الْعَمْدِ إلَّا عَصَبَةُ الْمَقْتُولِ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالدَّمِ، وَيَكُونُونَ هُمْ وُلَاتَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ حَيًّا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ رَجُلٌ شَاهِدَيْنِ عَلَى حَقٍّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ، وَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: أَحْلِفْهُ لِي مَعَ شَاهِدَيْهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْلِفُ لَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ يَمِينٌ، إذَا أَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى حَقٍّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ قَضَاهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَأَرَى أَنْ يَحْلِفَ الطَّالِبُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَبَرِئَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ، كَيْفَ يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَيَسْتَحْلِفُهُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، أَمْ يَزِيدُ عَلَى هَذَا: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَسْتَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، لَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا. وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ وَبِهِ مَضَى أَمْرُ النَّاسِ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الَّذِي يَأْخُذُ بِيَمِينِهِ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ، فَإِنَّمَا يَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ لَنَا مَالِكٌ.
قُلْتُ: فَأَيْنَ يَحْلِفَانِ الَّذِي يُدَّعَى قِبَلَهُ الْحَقُّ وَاَلَّذِي يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ مَعَ شَاهِدِهِ أَيْنَ يَسْتَحْلِفُهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ شَيْءٍ لَهُ بَالٌ، فَإِنَّهُ يُسْتَحْلَفُ فِيهِ هَذَانِ جَمِيعًا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ. فَقِيلَ لِمَالِكٍ. عِنْدَ الْمِنْبَرِ؟ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الْمِنْبَرَ إلَّا مِنْبَرَ النَّبِيِّ - عليه الصلاة والسلام -، فَأَمَّا مَسَاجِدُ الْآفَاقِ فَلَا أَعْرِفُ الْمِنْبَرَ فِيهَا، وَلَكِنَّ لِلْمَسَاجِدِ مَوَاضِعَ هِيَ أَعْظَمُ. فَأَرَى أَنْ يُسْتَحْلَفُوا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ عِنْدَهُمْ. قَالَ مَالِكٌ: وَعِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ لَا يُسْتَحْلَفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا. قَالَ: فَقُلْتُ: فَالْقَسَامَةُ، أَيْنَ يُسْتَحْلَفُ فِيهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الْمَسَاجِدِ وَعَلَى رُءُوسِ النَّاسِ وَفِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ. قُلْتُ: فَاللِّعَانُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الْمَسْجِدِ وَعِنْدَ الْإِمَامِ. قُلْتُ: وَلَمْ يَذْكُرْ لَكُمْ مَالِكٌ أَنَّهُمَا يَلْتَعِنَانِ فِي دُبُرِ صَلَاةٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ أَنَّهُمَا يَلْتَعِنَانِ فِي دُبُرِ صَلَاةٍ، وَإِنَّمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي الْمَسْجِدِ وَعِنْدَ الْإِمَامِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: فَالنَّصْرَانِيَّة تَكُونُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ أَيْنَ تَلْتَعِنُ؟ قَالَ مَالِكٌ: فِي كَنِيسَتِهَا وَحَيْثُ يُعَظِّمُونَ وَتَحْلِفُ بِاَللَّهِ. قُلْتُ: وَهَلْ ذَكَرَ لَكُمْ مَالِكٌ أَنَّ النَّصْرَانِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّة يَحْلِفَانِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَيْمَانِهِمَا فِي دَعْوَاهُمَا؟ أَوْ إذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِمَا أَوْ فِي لِعَانِهِمَا، بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ إلَّا يَحْلِفُوا بِاَللَّهِ فَقَطْ. قُلْتُ: فَالْيَهُودُ، هَلْ سَمِعْته يَقُولُ إنَّهُمْ يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى؟ قَالَ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عِنْدَ مَالِكٍ سَوَاءٌ. قُلْتُ: فَهَلْ يَحْلِفُ الْمَجُوسِيُّ فِي بَيْتِ نَارِهِمْ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ لَا يَحْلِفُوا إلَّا بِاَللَّهِ حَيْثُ يُعَظِّمُونَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْقَسَامَةِ فِي أَهْلِ الْقُرَى أَيْنَ يَحْلِفُونَ؟ قَالَ: أَمَّا


أَهْلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَأَرَى أَنْ يُجْلَبُوا إلَيْهَا فَيُقْسِمُونَ فِيهَا. قَالَ: وَأَمَّا أَهْلُ الْآفَاقِ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُسْتَحْلَفُوا فِي مَوَاضِعِهِمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوَاضِعُهُمْ مِنْ الْمِصْرِ قَرِيبًا الْعَشَرَةُ الْأَمْيَالَ وَنَحْوَهَا فَأَرَى أَنْ يُجْلَبُوا إلَى الْمِصْرِ فَيَحْلِفُوا فِي الْمَسْجِدِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا ذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ، مِنْ أَنَّهُمْ يُجْلَبُونَ إلَى هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي الْقَسَامَةِ؟ مِنْ أَيْنَ يُجْلَبُونَ إلَى هَذَا؟ أَوْ مِنْ مَسِيرَةِ كَمْ مِنْ يَوْمٍ أَوْ مِنْ مَسِيرَةِ عَشْرَةِ أَيَّامٍ؟ قَالَ: لَمْ أُوقِفْ مَالِكًا عَلَيْهِ، وَلَمْ أَشُكَّ أَنَّ أَهْلَ عَمَلِ مَكَّةَ حَيْثُ مَا كَانُوا يُجْلَبُونَ إلَى مَكَّةَ، وَأَهْلَ عَمَلِ الْمَدِينَةِ حَيْثُ مَا كَانُوا يُجْلَبُونَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَأَهْلَ عَمَلِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَيْثُ مَا كَانُوا يُجْلَبُونَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحَالِفَ، هَلْ يُسْتَقْبَلُ بِهِ الْقِبْلَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النِّسَاءَ الْعَوَاتِقَ وَغَيْرَ الْعَوَاتِقِ، وَالْإِمَاءَ وَالْعَبِيدَ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْمُكَاتَبِينَ وَالْمُدَبَّرِينَ، أَيَحْلِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ؟ قَالَ: إنَّمَا سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ النِّسَاءِ أَيْنَ يَحْلِفْنَ فَقَالَ: أَمَّا كُلُّ شَيْءٍ لَهُ بَالٌ فَإِنَّهُنَّ يَخْرُجْنَ فِيهِ إلَى الْمَسَاجِدِ. فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ تَخْرُجُ بِالنَّهَارِ أُخْرِجَتْ نَهَارًا فَأُحْلِفَتْ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْرُجُ أُخْرِجَتْ لَيْلًا فَأُحْلِفَتْ فِيهِ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ إنَّمَا هُوَ يَسِيرٌ لَا بَالَ لَهُ، أُحْلِفَتْ فِي بَيْتِهَا إذَا كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْرُجُ، وَأَرْسَلَ الْقَاضِي إلَيْهَا مَنْ يُحَلِّفُهَا لِطَالِبِ الْحَقِّ، فَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، فَسُنَّتُهُمْ سُنَّةُ الْأَحْرَارِ، إلَّا أَنِّي أَرَى أَنَّ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بِمَنْزِلَةِ الْأَحْرَارِ: مِنْهُنَّ مَنْ تَخْرُجُ وَمِنْهُنَّ مَنْ لَا تَخْرُجُ.
قُلْتُ: هَلْ يُجْزِئُ فِي هَذِهِ الْمَرْأَةِ الَّتِي تُسْتَحْلَفُ فِي بَيْتِهَا رَسُولٌ وَاحِدٌ مِنْ الْقَاضِي يَسْتَحْلِفُهَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يُجْزِئَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصِّبْيَانَ، هَلْ عَلَيْهِمْ يَمِينٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، أَيَحْلِفُونَ إذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِمْ، أَوْ يَحْلِفُونَ إذَا كَانَ لَهُمْ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْلِفُ الصِّبْيَانُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، ادَّعَوْا أَوْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَبْلُغُوا. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَهْلَكُ وَيَتْرُكُ أَوْلَادًا صِغَارًا، فَيُوجَدُ لِلْمَيِّتِ ذِكْرُ حَقٍّ فِيهِ شُهُودٌ، فَيَدَّعِي الْحَيُّ أَنَّهُ قَدْ قَضَى الْمَيِّتَ حَقَّهُ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ. قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَفَيَحْلِفُ الْوَرَثَةُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ قَدْ بَلَغَ مِمَّنْ يُظَنُّ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِالْقَضَاءِ أُحْلِفَ، وَإِلَّا فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: فَإِنْ نَكَلَ هَذَا الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِالْقَضَاءِ عَنْ الْيَمِينِ، أَيَسْقُطُ الدَّيْنُ كُلُّهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ كُلُّهُ، وَلَكِنْ يَسْقُطُ مِنْ الدَّيْنِ قَدْرُ حَقِّهِ إذَا حَلَفَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنَّهُ قَدْ قَضَى الْمَيِّتَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الطَّلَاقَ، أَيُحْلَفُ فِيهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا؟


قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْلِفُ لَهَا إلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، فَيَحْلِفَ لَهَا، وَإِنْ أَبَى قَالَ مَالِكٌ: آخِرُ مَا لَقِينَاهُ. قَالَ: يُسْجَنُ حَتَّى يَحْلِفَ، وَثَبَتَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ مَرَّةً يَقُولُ لَنَا: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إذَا أَبَى أَنْ يَحْلِفَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى إنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ وَطَالَ حَبْسُهُ؛ أَنْ يُخَلَّى سَبِيلُهُ وَيُدَيَّنُ فِي ذَلِكَ. قَالَ وَقَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَيْنِي وَبَيْنَهُ خُلْطَةٌ، ادَّعَيْت عَلَيْهِ حَقًّا مِنْ الْحُقُوقِ وَاسْتَحْلَفْته؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَفَ بَرِئَ. قُلْتُ: وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ وَقَالَ أَنَا أَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَيْكَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَبَى أَنْ يَحْلِفَ لَمْ يَقْضِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحَقِّ أَبَدًا، حَتَّى يَحْلِفَ الْمُدَّعِي عَلَى حَقِّهِ. وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي بِالْحَقِّ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ، حَتَّى يَحْلِفَ الْمُدَّعِي. وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينَ الطَّالِبِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي لِلطَّالِبِ بِالْحَقِّ إذَا نَكَلَ الْمَطْلُوبُ عَنْ الْيَمِينِ، حَتَّى يَسْتَحْلِفَ الطَّالِبَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَدَّعِي الْمَطْلُوبُ يَمِينَ الطَّالِبِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَالَ لِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ: لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَعْرِفُ هَذَا، أَنَّهُ إذَا نَكَلَ الْمَطْلُوبُ عَنْ الْيَمِينِ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الطَّالِبِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ، وَنَكَلَ الْمُدَّعِي أَيْضًا عَنْ الْيَمِينِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَبْطُلُ حَقُّهُ إذَا لَمْ يَحْلِفْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْت قِبَلَ رَجُلٍ حَقًّا فَاسْتَحْلَفْتُهُ فَحَلَفَ، ثُمَّ أَصَبْت عَلَيْهِ بَيِّنَةً بَعْدَ ذَلِكَ، أَيَكُونُ لِي أَنْ آخُذَ حَقِّي مِنْهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، لَهُ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْهُ إذَا كَانَ لَمْ يَعْلَمْ بَيِّنَتَهُ. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا اسْتَحْلَفَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ بِبَيِّنَتِهِ تَارِكًا لَهَا فَلَا حَقَّ لَهُ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ الطَّالِبِ غَيْبًا بِبَلَدٍ آخَرَ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمَطْلُوبَ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بِبِلَادٍ أُخْرَى فَاسْتَحْلَفَهُ، ثُمَّ قُدِّمَتْ الْبَيِّنَةُ، أَيُقْضَى لَهُ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ وَيُرَدُّ يَمِينُ الْمَطْلُوبِ الَّتِي حَلَفَ بِهَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، إلَّا أَنِّي أَرَى أَنَّهُ إذَا كَانَ عَارِفًا بِبَيِّنَةٍ وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً عَنْهُ وَرَضِيَ بِالْيَمِينِ مِنْ الْمَطْلُوبِ تَارِكًا لِلْبَيِّنَةِ، لَمْ أَرَ لَهُ حَقًّا وَإِنْ قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ. قُلْتُ: وَمَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ: تَارِكًا لِلْبَيِّنَةِ؟ أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ، فَأَحْلِفْهُ لِي فَإِنْ حَلَفَ فَقَدَّمْتُ بَيِّنَتِي، فَأَنَا عَلَى حَقِّي وَلَسْتُ بِتَارِكٍ لِبَيِّنَتِي؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنِّي أَرَى لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ ادَّعَى بَيِّنَةً بَعِيدَةً وَخَافَ عَلَى الْغَرِيمِ أَنْ يَذْهَبَ، أَوْ أَنْ يَتَطَاوَلَ ذَلِكَ. أَرَأَيْتَ أَنْ يُحَلِّفَهُ لَهُ وَيَكُونَ عَلَى حَقِّهِ إذَا قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ؟ قُلْتُ: وَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ بِبِلَادٍ قَرِيبَةٍ؟ قَالَ: فَلَا أَرَى أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ لَهُ إذَا كَانَتْ بَيِّنَتُهُ قَرِيبَةً الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، وَيُقَالُ لَهُ: قَرِّبْ بَيِّنَتَكَ وَإِلَّا فَاسْتَحْلِفْهُ عَلَى تَرْكِ الْبَيِّنَةِ.

قُلْتُ: أَيْنَ تَحْلِفُ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي كَنَائِسِهِمْ حَيْثُ


يُعَظِّمُونَ. وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَحْلِفُونَ إلَّا بِاَللَّهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ الرَّجُلِ، هَلْ تَجُوزُ لِلصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ الرَّجُلِ تَجُوزُ لِأَخِيهِ إذَا كَانَ عَدْلًا وَلِمَوَالِيهِ، فَالصَّدِيقُ الْمُلَاطِفُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ. قَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي عِيَالِهِ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَمُونُهُ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ لَهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّائِلِ وَلَا الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيِّنَ الْعَدَالَةِ وَإِنَّمَا الَّذِي لَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ السُّؤَالِ، فِي الشَّيْءِ الْكَثِيرِ مِثْلُ الْأَمْوَالِ وَمَا أَشْبَهَهَا. وَأَمَّا الشَّيْءُ التَّافِهُ الْيَسِيرُ فَهُوَ جَائِزٌ إذَا كَانَ عَدْلًا، وَأَمَّا الْأَجِيرُ، فَإِنْ كَانَ فِي عِيَالِهِ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إنْ تَابَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ الْمُغَنِّيَةِ وَالْمُغَنِّي وَالنَّائِحَةِ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ؟ قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الشَّاعِرِ أَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ مِمَّنْ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ، وَيَهْجُوهُمْ إذَا لَمْ يُعْطُوهُ، وَيَمْدَحُهُمْ إذَا أَعْطَوْهُ، فَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُ؟ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ لَا يَهْجُو، وَهُوَ إنْ أُعْطِيَ شَيْئًا، أَخَذَ، وَلَيْسَ يُؤْذِي أَحَدًا بِلِسَانِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَهْجُ، فَأَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا. فَأَمَّا النَّائِحَةُ وَالْمُغَنِّيَةُ وَالْمُغَنِّي، فَمَا سَمِعْتُ فِيهِمْ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَتُهُمْ إذَا كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِذَلِكَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّاةَ، إذَا بَاعَهَا الرَّجُلُ، أَوْ الْبَعِيرَ أَوْ الْبَقَرَةَ، وَاسْتَثْنَى مِنْهَا ثُلُثًا أَوْ رُبُعًا أَوْ نِصْفًا، أَوْ اسْتَثْنَى جِلْدَهَا أَوْ رَأْسَهَا أَوْ فَخِذَهَا أَوْ كَبِدَهَا أَوْ صُوفَهَا أَوْ شَعْرَهَا أَوْ أَكَارِعَهَا، أَوْ اسْتَثْنَى بُطُونَهَا كُلَّهَا أَوْ اسْتَثْنَى مِنْهَا أَرْطَالًا مُسَمَّاةً كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً، أَيَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ كُلُّهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ .
قَالَ: أَمَّا إذَا اسْتَثْنَى ثُلُثًا أَوْ رُبُعًا أَوْ نِصْفًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَمَّا إذَا اسْتَثْنَى جِلْدَهَا أَوْ رَأْسَهَا فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مُسَافِرًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ حَاضِرًا فَلَا خَيْرَ فِيهِ. قُلْتُ: لِمَ أَجَازَهُ مَالِكٌ فِي السَّفَرِ وَكَرِهَهُ فِي الْحَضَرِ؟ قَالَ: السَّفَرُ إذَا اسْتَثْنَى الْبَائِعُ فِيهِ الرَّأْسَ وَالْجِلْدَ فَلَيْسَ لِذَلِكَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ثَمَنٌ. قَالَ مَالِكٌ: وَأَمَّا فِي الْحَضَرِ، فَلَا يُعْجِبنِي وَلَا يَنْبَغِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا يَطْلُبُ بِشِرَائِهِ اللَّحْمَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الْمُشْتَرِي إذَا اشْتَرَى فِي السَّفَرِ وَاسْتَثْنَى الْبَائِعُ جِلْدَهَا وَرَأْسَهَا، فَقَالَ الْمُشْتَرِي لَا أَذْبَحُهَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْبَعِيرَ الَّذِي قَدْ قَامَ عَلَيْهِ بَيْعُهُ مِنْ أَهْلِ الْمِيَاهِ، وَيَسْتَثْنِي الْبَائِعُ جِلْدَهُ وَيَبِيعُهُمْ إيَّاهُ لِيَنْحَرُوهُ فَاسْتَحْيَوْهُ، قَالَ مَالِكٌ: أَرَى لِصَاحِبِ الْجِلْدِ شَرْوَى جِلْدِهِ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: أَوْ قِيمَةُ الْجِلْدِ؟ قَالَ مَالِكٌ: أَوْ قِيمَتُهُ، كُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ. قَالَ: قُلْتُ: مَا مَعْنَى شَرْوَى جِلْدِهِ عِنْدَ مَالِكٍ؟ قَالَ: جِلْدٌ مِثْلُهُ. قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ صَاحِبُ الْجِلْدِ: أَنَا أَرْضَى أَنْ أَكُونَ شَرِيكًا فِي الْبَعِيرِ بِقَدْرِ الْجِلْدِ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، يَبِيعُهُ عَلَى الْمَوْتِ وَيَكُونُ شَرِيكًا عَلَى الْحَيَاةِ، لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ. وَلَيْسَ لَهُ إلَّا قِيمَةُ جِلْدِهِ أَوْ شَرْوَاهُ. فَمَسْأَلَتُكَ فِي الْمُسَافِرِ مِثْلُ


هَذَا.
قَالَ: وَأَمَّا إذَا اسْتَثْنَى فَخِذَهَا، فَلَا خَيْرَ فِيهِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْفَخِذِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَأَمَّا إذَا اسْتَثْنَى كَبِدَهَا، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا خَيْرَ فِي الْبُطُونِ، فَالْكَبِدُ مِنْ الْبُطُونِ.
قَالَ: وَأَمَّا إذَا اسْتَثْنَى صُوفَهَا أَوْ شَعْرَهَا، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ أَنَّهُ جَائِزٌ. قَالَ: وَأَمَّا الْأَرْطَالُ إذَا اسْتَثْنَاهَا؟ قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ، الثَّلَاثَةَ الْأَرْطَالَ وَالْأَرْبَعَةَ، فَذَلِكَ جَائِزٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا اسْتَثْنَيْت أَرْطَالًا فَقَالَ الْمُشْتَرِي لَا أَذْبَحُ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَذْبَحَ عَلَى مَا أُحِبُّ أَوْ أَكْرَهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ عَبْدِي شَهِدَ لِي شَهَادَةً وَهُوَ عَبْدِي، ثُمَّ أَعْتَقْته فَشَهِدَ لِي بِهَا أَتَجُوزُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ الْمَوْلَى لِمَوْلَاهُ جَائِزَةٌ، إذَا كَانَ عَدْلًا. فَأَرَى شَهَادَةَ هَذَا جَائِزَةً لِلَّذِي قَالَ مَالِكٌ مِنْ شَهَادَةِ الْمَوْلَى لِمَوْلَاهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَتَجُوزُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ فِي الْقِصَاصِ؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ، وَلَا فِي الْقِصَاصِ وَلَا فِي الطَّلَاقِ وَلَا فِي النِّكَاحِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ. وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى شَهَادَةٍ، إذَا كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، فِي الْأَمْوَالِ وَفِي الْوَكَالَاتِ عَلَى الْأَمْوَالِ. وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ وَإِنْ كَثُرْنَ عَلَى شَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَلَا رَجُلٍ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ. كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا تَجُوزُ مِنْ النِّسَاءِ إذَا شَهِدَ امْرَأَتَانِ، عَلَى مَالٍ مَعَ يَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَإِذَا كَانَتْ الشَّهَادَتَانِ عَلَى شَهَادَةٍ كَانَتَا بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ، فَلَا تَجُوزُ إلَّا وَمَعَهُ غَيْرُهُ. فَكَذَلِكَ هُنَا لَا تَجُوزُ إلَّا وَمَعَهُمَا رَجُلٌ. وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ وَمَا أَكْثَرُ مِنْهُنَّ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ لَا تَجُوزُ إلَّا وَمَعَهُنَّ رَجُلٌ إلَّا أَنْ يَشْهَدْنَ هُنَّ أَنْفُسُهُنَّ عَلَى حَقٍّ، فَيَكُنَّ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ مَعَ الْيَمِينِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا لَا يَرَاهُ الرِّجَالُ، هَلْ يَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ أَقَلُّ مِنْ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ. لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ اسْتِهْلَالَ هِلَالِ رَمَضَانَ، هَلْ تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا. قُلْتُ: فَشَهَادَةُ رَجُلَيْنِ؟ قَالَ: جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هِلَالَ شَوَّالٍ؟ قَالَ: كَذَلِكَ أَيْضًا، لَا يَجُوزُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ. وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ إذَا كَانَا عَدْلَيْنِ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبِيدَ وَالْإِمَاءَ وَالْمُكَاتَبِينَ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ أَوْ شَوَّالٍ؟ قَالَ: مَا وَقَّفْنَا مَالِكًا عَلَى هَذَا، وَهَذَا مِمَّا لَا يُشَكُّ فِيهِ أَنَّ الْعَبِيدَ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِي الْحُقُوقِ، فَفِي هَذَا أَبْعَدُ أَنْ لَا تَجُوزَ فِيهِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فِي الَّذِينَ قَالُوا إنَّهُ يُصَامُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، قَالَ مَالِكٌ: أَرَأَيْتَ إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِمْ هِلَالُ


شَوَّالٍ، كَيْفَ يَصْنَعُونَ؟ أَيُفْطِرُونَ أَمْ يَصُومُونَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ؟ فَإِنْ أَفْطَرُوا خَافُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْيَوْمُ مِنْ رَمَضَانَ؟ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْمَوْسِمِ: إنَّهُ يُقَامُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ إذَا كَانَا عَدْلَيْنِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ إذَا أَخَذَ شَاهِدَ زُورٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ بِهِ وَمَا يَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ، يَضْرِبُهُ وَيَطُوفُ بِهِ فِي الْمَجْلِسِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: حَسِبْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الْمَجَالِسَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ.
قُلْتُ: وَكَمْ يَضْرِبُهُ؟ قَالَ: قَدْرَ مَا يَرَى. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا وَإِنْ تَابَ وَحَسُنَتْ حَالَتُهُ وَهُوَ رَأْيِي.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت شَاهِدًا عَلَى مِائَةٍ وَآخَرَ عَلَى خَمْسِينَ؟ قَالَ: إنْ أَرَدْتَ أَنْ تَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِكَ الَّذِي شَهِدَ لَكَ بِمِائَةٍ وَتَسْتَحِقَّ الْمِائَةَ فَذَلِكَ لَكَ، وَإِنْ أَبَيْتَ أَنْ تَحْلِفَ وَأَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ خَمْسِينَ فَذَلِكَ لَكَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى حَقٍّ لِي، وَأَبَيْت أَنْ أَحْلِفَ وَرَدَدْت الْيَمِينَ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ؟ قَالَ: يَغْرَمُ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: وَيَغْرَمُهُ وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَيَّ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا أَبَيْتَ أَنْ تَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِكَ وَرَدَدْتَ الْيَمِينَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ غَرِمَ وَلَمْ يُرْجِعْ الْيَمِينَ عَلَيْكَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ: وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلَّذِي لَمْ يَأْتِ بِشَاهِدٍ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا كَانَتْ مَعَ الشَّاهِدِ لِلْمُدَّعِي، وَإِذَا لَمْ يَحْلِفْ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا غَرِمَ وَلِأَنَّ الْيَمِينَ فِي الَّذِي لَا شَاهِدَ لَهُ إنَّمَا كَانَتْ عَلَى الْمُدَّعِي لَا عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْأَجِيرَ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ فِي عِيَالِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ، فَأَرَى الْأَجِيرَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَجِيرًا لَا يَكُونُ فِي عِيَالِهِ وَلَا مُؤْنَتِهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّ لَهُمَا وَلِفُلَانٍ مَعَهُمَا عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا لِفُلَانٍ بِحِصَّتِهِ مَنْ الدَّيْنِ؟ قَالَ: لَا تَجُوزُ.
قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ إذَا شَهِدَ لِرَجُلٍ فِي ذِكْرِ حَقٍّ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْوَصِيَّةِ وَلَا أَعْلَمُهُ إلَّا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى وَصِيَّةٍ قَدْ أَوْصَى لَهُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِهِ شَيْئًا تَافِهًا يَسِيرًا لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ، جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ شَيْئًا كَثِيرًا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ لَمْ تَجُزْ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَالْحُقُوقُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ إذَا أَرَدْتَ شَهَادَتَهُ فِي حَقٍّ لَهُ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ لِغَيْرِهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَازَ بَعْضُ الشَّهَادَةِ وَيُرَدُّ بَعْضُهَا. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَى وَصِيَّةِ رَجُلٍ وَفِيهَا عِتْقٌ وَوَصَايَا لِقَوْمٍ، لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ فِي الْعِتْقِ، وَجَازَتْ لِلْقَوْمِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ. وَإِنَّمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ إذَا شَهِدَ لِغَيْرِهِ إذَا كَانَ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ الرَّجُلِ فِيهِ حَقٌّ. فَهَذَا الَّذِي تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أَحْلَفْتُهُمْ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْوَصِيَّةِ وَفِيهَا الْعِتْقُ وَالثُّلُثُ


لَا يُحْمَلُ؟ قَالَ: إنَّمَا يَكُونُ لَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ مَا فَضَلَ عَنْ الْعِتْقِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَ عِنْدَنَا مَيِّتٌ، فَأَتَى رَجُلٌ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِأَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ، وَلَمْ تَشْهَدْ الشُّهُودُ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، أَتُجِيزُ شَهَادَتَهُمْ وَيُعْطَى هَذَا الْمِيرَاثَ أَمْ لَا يُعْطَى مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْئًا؟ وَهَلْ تَحْفَظُ قَوْلَ مَالِكٍ فِي هَذَا الْوَجْهِ؟ قَالَ: وَجْهُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي هَذَا، أَنْ يَقُولُوا إنَّهُ ابْنُهُ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِذَا لَمْ يَشْهَدْ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، فَأَرَى أَنْ يَنْظُرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ وَيَسْأَلَ وَيَنْظُرَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ عَلَى دَارٍ أَنَّهَا دَارُ جَدِّي، وَلَمْ تَشْهَدْ الشُّهُودُ أَنَّ جَدِّي مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِأَبِي، وَأَنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ، لَمْ يُحَدِّدُوا الْمَوَارِيثَ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ؟ قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْهَا فَقَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي حَاضِرًا بِالْبَلَدِ الَّتِي الدَّارُ بِهَا، وَقَدْ حِيزَتْ دُونَهُ السِّنِينَ يَرَاهُمْ يَسْكُنُونَ وَيَحُوزُونَ بِمَا تُحَازُ بِهِ الدُّورُ، فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَكُنْ بِالْبَلَدِ الَّذِي الدَّارُ بِهِ، وَإِنَّمَا قَدِمَ مِنْ بِلَادٍ أُخْرَى فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا دَارُ أَبِيهِ وَدَارُ جَدِّهِ؛ قَالَ سَحْنُونٌ: وَحَدَّدُوا الْمَوَارِيثَ حَتَّى صَارَ ذَلِكَ إلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: يُسْأَلُ مَنْ الدَّارُ فِي يَدَيْهِ، فَإِنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَصْلِ شِرَاءٍ، أَوْ الْوَجْهِ الَّذِي صَارَتْ بِهِ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَسَمَاعٌ مِنْ جِيرَانِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِيرَانِهِ، أَنَّ جَدَّهُ أَوْ وَالِدَهُ كَانَ اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ هُوَ نَفْسَهُ إذَا طَالَ الزَّمَانُ، فَقَالُوا: طَالَ سَمْعُنَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا، فَهَهُنَا عِنْدَنَا دُورٌ يُعْرَفُ لِمُزَاوِلِهَا تَقَادُمُ الزَّمَانِ، وَلَيْسَ عَلَى أَصْلِ الشِّرَاءِ بَيِّنَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ سَمَاعٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ فُلَانًا اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَتَى الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ بِبَيِّنَةٍ، يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ، اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ أَوْ اشْتَرَاهَا وَالِدُهُ أَوْ اشْتَرَاهَا جَدُّهُ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: سَمِعْنَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا وَلَكِنَّا لَمْ نَسْمَعْ بِاَلَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ مَنْ هُوَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَا أَرَى ذَلِكَ حَتَّى يَشْهَدُوا عَلَى سَمَاعِ صِحَّةٍ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ أَبِي هَذَا الْمُدَّعِي أَوْ جَدِّهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحِيَازَةَ، هَلْ وَقَّتَ مَالِكٌ فِيهَا سِنِينَ مُسَمَّاةً عَشَرَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ؟ قَالَ: لَا، لَمْ يُوَقِّتْ لَنَا مَالِكٌ فِي الْحِيَازَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ قَالَ: عَلَى قَدْرِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهَا حِيَازَةٌ إذَا حَازَهَا السِّنِينَ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا طَرَأَ رَجُلٌ عَلَى قَوْمٍ مِنْ بَلَدٍ وَلَا يَعْرِفُونَهُ فَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ، فَأَقَامَ بَيْنَهُمْ أَمْرًا قَرِيبًا، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: لَسْتَ مِنْ الْعَرَبِ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُضْرَبُ هَذَا الَّذِي قَالَ لَهُ لَسْتَ مِنْ الْعَرَبِ الْحَدَّ، إلَّا أَنْ يَتَطَاوَلَ زَمَانُهُ مُقِيمًا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ، يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ الْعَرَبِ، فَيُولَدُ لَهُ أَوْلَادٌ وَيَكْتُبُ شَهَادَتَهُ وَيَحُوزُ نَسَبَهُ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ لَهُ رَجُلٌ: لَسْتَ مِنْ الْعَرَبِ. قَالَ: فَهَذَا الَّذِي يُضْرَبُ مَنْ قَالَ لَهُ لَسْتَ مِنْ الْعَرَبِ الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَازَ نَسَبُهُ هَذَا الزَّمَانَ كُلَّهُ وَلَا يُعْرَفُ إلَّا بِهِ.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #240  
قديم 03-01-2026, 04:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,860
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 11الى صــ 20
الحلقة(240)






قُلْتُ: أَرَأَيْتَ كُلَّ مِنْ انْتَهَى هُوَ وَعُصْبَتُهُ إلَى جَدٍّ جَاهِلِيٍّ، أَيَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي كُلِّ بِلَادٍ اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، وَكَانَتْ دَارَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ سَكَنَهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ: إنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِأَنْسَابِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُمْ عَلَى أَنْسَابِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا، يُرِيدُ بِذَلِكَ كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ حِينَ أَسْلَمَتْ.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْمٌ تَحَمَّلُوا، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ عَدَدٌ وَكَثْرَةٌ تَوَارَثُوا بِهِ، وَكَذَلِكَ الْحِصْنُ يُفْتَحُ، فَإِنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِأَنْسَابِهِمْ. وَأَمَّا النَّفَرُ الْيَسِيرُ يَتَحَمَّلُونَ مِثْلُ الْعَشَرَةِ وَنَحْوِهِ، فَلَا يَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ، إلَّا أَنْ تَقُومَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ عَلَى الْأَصْلِ، مِثْلُ الْأُسَارَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَكُونُونَ عِنْدَهُمْ فَيَخْرُجُونَ فَيَشْهَدُونَ لَهُمْ. فَإِنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ لِي مَالِكٌ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي الْوَلَاءِ: إنَّهَا جَائِزَةٌ. قَالَ سَحْنُونٌ: يُرِيدُ فِي الْمَالِ لَيْسَ فِي الْوَلَاءِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا فِي يَدَيَّ وَرِثْتهَا عَنْ أَبِي، فَأَقَامَ ابْنُ عَمِّي الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَارُ جَدِّي وَطَلَبَ مُورَثَهُ؟ قَالَ: هَذَا مِنْ وَجْهِ الْحِيَازَةِ الَّتِي أَخْبَرْتُكَ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا وَاخْتُصِمَ إلَيْهِ فِي أَرْضٍ احْتَفَرَ فِيهَا رَجُلٌ عَيْنًا، فَادَّعَى فِيهَا رَجُلٌ دَعْوَى فَاخْتَصَمُوا فِيهَا إلَى صَاحِبِ تِلْكَ الْمِيَاهِ، فَأَوْقَفَهُمْ حَتَّى يَرْتَفِعُوا إلَى الْمَدِينَةِ. فَأَتَى صَاحِبُ الْعَيْنِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا فَشَكَا ذَلِكَ إلَى مَالِكٍ، فَقَالَ مَالِكٌ: قَدْ أَحْسَنَ حِينَ أَوْقَفَهَا وَرَآهُ قَدْ أَصَابَ.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ: اُتْرُكْ عُمَّالِي يَعْمَلُونَ فَإِنْ اسْتَحَقَّ الْأَرْضَ فَلْيَهْدِمْ عَمَلِي. قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى ذَلِكَ، وَأَرَى أَنْ يُوقِفَ، فَإِنْ اسْتَحَقَّ حَقَّهُ أَخَذَهُ وَإِلَّا ثَبَتَتْ. قُلْتُ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَغَيْرِ شَيْءٍ تُوقَفُ هَذِهِ الْأَرْضُ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا أَرَى أَنْ تُوقَفَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يُرَى لِقَوْلِ الْمُدَّعِي وَجْهٌ فَتُوقَفُ عَلَيْهِ الْأَرْضُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى نَسَبٍ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا، أَتُثْبِتُ النَّسَبَ أَمْ تَرُدُّهُ؟ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ قَضَى بِهِ الْقَاضِي ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا فِيهِ، فَالْقَضَاءُ نَافِذٌ وَلَا يُرَدُّ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّاهِدَ، بِمَ يُجَرَّحُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: يُجَرَّحُ إذَا أَقَامُوا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ شَارِبُ خَمْرٍ أَوْ آكِلُ رِبًا، أَوْ صَاحِبُ قِيَانٍ، أَوْ كَذَبَ فِي غَيْرِ شَيْءٍ أَوْ نَحْوِ هَذَا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اخْتَلَطَ دِينَارٌ لِي بِمِائَةِ دِينَارٍ لَكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: يَكُونُ شَرِيكًا لَهُ فِيمَا ضَاعَ مِنْهُمَا، هَذَا بِجُزْءٍ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ وَجُزْءٍ، وَصَاحِبُ الْمِائَةِ بِمِائَةِ جُزْءٍ، كَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى، أَنَّ لِصَاحِبِ الْمِائَةِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ دِينَارًا، وَيُقَسِّمُ صَاحِبُ الْمِائَةِ وَصَاحِبُ الدِّينَارِ الدِّينَارَ الْبَاقِيَ نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ مِنْهَا لِصَاحِبِ الْمِائَةِ، فَكَيْفَ يَدْخُلُ صَاحِبُ الدِّينَارِ فِيمَا يَسْتَيْقِنُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فِيهِ؟ وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ.

[كِتَابُ الْقَضَاءِ]
ِ قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَرَى لِلْقَاضِي إذَا قَضَى بِقَضِيَّةٍ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ غَيْرَ مَا قَضَى بِهِ أَصْوَبُ مِمَّا قَضَى بِهِ، أَلَهُ أَنْ يَرُدَّ قَضِيَّتَهُ وَيَقْضِي بِمَا رَأَى بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ قَضِيَّتُهُ الْأُولَى مِمَّا قَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ؟ قَالَ: إنَّمَا قَالَ مَالِكٌ: إذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْحَقَّ فِي غَيْرِ مَا قَضَى بِهِ رَجَعَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَرْجِعُ فِيمَا قَضَتْ بِهِ الْقُضَاةُ مِمَّا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ لِلْقَاضِي، إذَا دَخَلَهُ وَهْمٌ أَوْ نُعَاسٌ أَوْ ضَجَرٌ أَنْ يَقْضِيَ وَقَدْ دَخَلَهُ شَيْءٌ مَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُكْثِرَ جِدًّا إذَا تَخَلَّطَ، يُرِيدُ بِهَذَا أَنْ لَا يَحْمِلَ عَلَى نَفْسِهِ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ سَمِعْتَ مَالِكًا يَقُولُ: أَيْنَ يَقْضِي الْقَاضِي، أَفِي دَارِهِ أَمْ فِي الْمَسْجِدِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْحَقِّ وَهُوَ مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ.
قَالَ: وَقَدْ كَانَ ابْنُ خَلْدَةَ وَقَاضِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقْضِيَانِ فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ رَضِيَ بِالدُّونِ مِنْ الْمَجْلِسِ، وَوَصَلَ إلَيْهِ الضَّعِيفُ وَالْمَرْأَةُ وَإِذَا احْتَجَبَ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ النَّاسُ.
قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: أَفَيَضْرِبُ الْقَاضِي فِي الْمَسْجِدِ؟ قَالَ: أَمَّا الْأَسْوَاطُ الْيَسِيرَةُ مِثْلُ الْأَدَبِ فَلَا بَأْسَ، وَأَمَّا الْحُدُودُ وَمَا أَشْبَهَهَا فَلَا.
قُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ مَالِكًا يَقُولُ: يَضْرِبُ الْقَاضِي الْخَصْمَ عَلَى اللَّدَدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَضْرِبُ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ قَدْ أَلَدَّ وَأَنَّهُ ظَالِمٌ.

قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُمْ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، يَسْأَلُ فِي السِّرِّ عَنْهُمْ.
قُلْتُ: فَهَلْ يَقْبَلُ تَزْكِيَةَ وَاحِدٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ أَقَلَّ مِنْ رَجُلَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُسْأَلُ عَنْهُمْ وَمَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ مِنْ التَّزْكِيَةِ لِعَدَالَتِهِمْ عِنْدَ الْقَاضِي. قُلْتُ: وَيُزَكَّى الشَّاهِدُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْ الْقَاضِي؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا زُكُّوا فِي السِّرِّ أَوْ الْعَلَانِيَةِ، أَيَكْتَفِي بِذَلِكَ مَالِكٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا زَكَّاهُ رَجُلَانِ أَجْزَأَهُ.

قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يُقِيلُ الشَّاهِدَ إذَا جَاءَ يَسْتَقِيلُ شَهَادَتَهُ؟ قَالَ: أَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِ فَلَا يُقِيلُهُ، إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِيمَا يَسْتَقِيلُ. وَأَمَّا إذَا اسْتَقَالَ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى بِشَهَادَتِهِ، فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا شَكَّ فِي أَنَّهُ يُقَالُ وَلَا تَفْسُدُ بِذَلِكَ شَهَادَتُهُ إذَا ادَّعَى الْوَهْمَ وَالشُّبْهَةَ، إلَّا أَنْ يُعْرَفَ مِنْهُ كَذِبٌ فِي شَهَادَتِهِ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ فِي هَذِهِ وَفِيمَا يَسْتَقِيلُ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا رَأَى خَطَّهُ فِي كِتَابٍ، عَرَفَ أَنَّهُ خَطُّهُ وَفِيهِ شَهَادَتُهُ بِخَطِّ نَفْسِهِ فَعَرَفَ خَطَّ نَفْسِهِ وَلَا يَذْكُرُ شَهَادَتَهُ تِلْكَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَشْهَدُ بِهَا حَتَّى يَسْتَيْقِنَ الشَّهَادَةَ وَيَذْكُرَهَا.
قُلْتُ: فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ هُوَ خَطَّ الْكِتَابَ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ؟ قَالَ: هَكَذَا سَأَلْتُ مَالِكًا أَنَّهُ يَذْكُرُ الْكِتَابَ وَيَعْرِفُهُ وَلَا يَذْكُرُ الشَّهَادَةَ. قَالَ مَالِكٌ: لَا يَشْهَدُ بِهَا


وَلَكِنْ يُؤَدِّيهَا هَكَذَا كَمَا عَلِمَ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: أَفَتَنْفَعُهُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ إذَا أَدَّاهَا هَكَذَا؟ قَالَ: لَا.

فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا عُزِلَ الْقَاضِي أَوْ مَاتَ، وَقَدْ شَهِدَتْ الشُّهُودُ عِنْدَ الْمَعْزُولِ أَوْ الْمَيِّتِ وَأَثْبَتَ ذَلِكَ فِي دِيوَانِهِ، أَيَنْظُرُ هَذَا الَّذِي وُلِّيَ الْقَضَاءَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَيُجِيزُهُ؟ قَالَ: لَا يُجِيزُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَإِنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ لَمْ يَجُزْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا، وَأَمَرَهُمْ هَذَا الْقَاضِي الْمُحْدَثُ أَنْ يُعِيدُوا شَهَادَاتِهِمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ: كُلُّ شَيْءٍ فِي دِيوَانِي قَدْ شَهِدَتْ بِهِ الشُّهُودُ عِنْدِي؟ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ وَلَا أَرَاهُ شَاهِدًا، وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا قَالَهُ.
قُلْتُ: أَفَيَكُونُ لِي عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، مَا هَذِهِ الشَّهَادَةُ الَّتِي فِي دِيوَانِ الْقَاضِي مِمَّا شَهِدَتْ الشُّهُودُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ أَمْضَيْتُ عَلَيْهِ تِلْكَ الشَّهَادَةَ.
قَالَ: وَإِذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ أَحْلَفَ الْمَشْهُودُ لَهُ الطَّالِبَ، وَيَثْبُتُ لَهُ الشَّهَادَاتُ، وَيَنْظُرُ فِيهِ الْقَاضِي الْمُحْدَثُ بِحَالِ مَا كَانَ لِلْمَعْزُولِ يَنْظُرُ فِيهَا؟ قَالَ: وَمَا سَمِعْتُ هَذَا مِنْ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ كُلَّ حُكْمٍ يَدَّعِي الْقَاضِي الْمَعْزُولُ أَنَّهُ قَدْ حَكَمَ بِهِ، أَيَكُونُ شَاهِدًا وَيَحْلِفُ الْمَحْكُومُ لَهُ مَعَ الْقَاضِي أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْحَاكِمُ بِهَذَا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ، أَيَكْرَهُ لَهُ مَالِكٌ أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا مَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَا يُسْتَكْتَبُ أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَتَبَ قَاضٍ إلَى قَاضٍ، فَمَاتَ الَّذِي كَتَبَ الْكِتَابَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْكِتَابُ إلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، أَوْ عُزِلَ أَوْ مَاتَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ، أَوْ عُزِلَ وَوُلِّيَ الْقَضَاءَ غَيْرُهُ، أَيَقْبَلُ هَذَا الْكِتَابَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا، وَإِنَّمَا كُتِبَ الْكِتَابُ إلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا أَدْرِي مَوْتَ أَيِّهِمَا ذَكَرَ، مَوْتَ الَّذِي كَتَبَ أَوْ مَوْتَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، وَهَذَا كُلُّهُ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ. مَنْ عُزِلَ مِنْهُمَا أَوْ مَاتَ مِنْهُمَا أَوْ مَاتَ فَالْكِتَابُ جَائِزٌ، يُنْفِذُهُ هَذَا الَّذِي وُلِّيَ وَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ إنَّمَا كُتِبَ إلَى غَيْرِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ كُتُبَ الْقُضَاةِ، أَتَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ الشُّهُودِ عَلَى الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا جَائِزَةٌ. فَفِي هَذَا مَا يَدُلُّكَ أَنَّ كُتُبَ الْقُضَاةِ فِي ذَلِكَ جَائِزَةٌ فِي رَأْيِي.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ عَلَى حَقٍّ لِي عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ، فَقَدِمَ بَعْدَمَا أَوْقَعْت الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ وَهُوَ غَائِبٌ، ثُمَّ قَدِمَ، أَيَأْمُرُنِي الْقَاضِي بِإِعَادَةِ بَيِّنَتِي أَمْ لَا؟ قَالَ مَالِكٌ: يَقْضِي الْقَاضِي عَلَى الْغَائِبِ، فَلَمَّا قَالَ لَنَا مَالِكٌ: يَقْضِي الْقَاضِي عَلَى الْغَائِبِ، رَأَيْتُ أَنْ لَا يُعِيدَ الْبَيِّنَةَ، وَهُوَ رَأْيِي أَنْ لَا يُعِيدَ الْبَيِّنَةَ، وَلَكِنَّهُ يُعْلِمُ الْخَصْمَ أَنَّهُ قَدْ شَهِدَ عَلَيْهِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ حُجَّةٌ وَإِلَّا حُكِمَ عَلَيْهِ.


قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مِثْلَ وَالِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة إنْ اسْتَقْضَى قَاضِيًا فَقَضَى بِقَضَاءٍ، أَوْ قَضَى وَالِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة نَفْسُهُ بِقَضَاءٍ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: كَانُوا يَأْتُونَ إلَى مَالِكٍ فَيَسْأَلُونَهُ عَنْ أَشْيَاءَ قَدْ قَضَتْ بِهِ وُلَاةُ الْمِيَاهِ، فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا بَيِّنًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا حَكَمَ بِهِ الْوَالِي، وَالِي الْفُسْطَاطِ أَمِيرُ الصَّلَاةِ، أَيَجُوزُ وَيَنْفُذُ كَمَا تَجُوزُ الْقُضَاةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا بَيِّنًا فَيَرُدُّهُ الْقَاضِي. قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلَيْنِ حَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَرَى لِلْقَاضِي أَنْ يُمْضِيَ قَضَاءَهُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَرُدَّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا بَيِّنًا

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا ذَكَرْتَ لِي مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الدَّابَّةَ، فَتُعْرَفُ فِي يَدِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ حَقَّهُ؟ قَالَ: يُخْرِجُ قِيمَتَهَا فَتُوضَعُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، وَتُدْفَعُ إلَيْهِ الدَّابَّةُ بِطَلَبِ حَقِّهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَدَّ الدَّابَّةَ وَقَدْ حَالَتْ أَسْوَاقُهَا أَوْ تَغَيَّرَتْ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ بَيِّنٍ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا وَيَأْخُذَ الْقِيمَةَ الَّتِي وَضَعَهَا عَلَى يَدِي عَدْلٍ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَصَابَهَا نُقْصَانٌ فَهُوَ لَهَا ضَامِنٌ، يُرِيدُ بِذَلِكَ مِثْلَ الْعَوَرِ وَالْكَسْرِ وَالْعَجَفِ.
قَالَ: وَأَمَّا حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا، هَلْ هُوَ فِي الْإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ مِثْلُهُ فِي الدَّابَّةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، إلَّا أَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْأَمَةِ: إنْ كَانَ الرَّجُلُ أَمِينًا وَدُفِعَتْ إلَيْهِ الْجَارِيَةُ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ لَهَا رَجُلًا أَمِينًا يَخْرُجُ بِهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَيُطْبَعُ فِي أَعْنَاقِهِمْ. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: وَلِمَ قُلْتَ يُطْبَعُ فِي أَعْنَاقِهِمْ؟ قَالَ: لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ ثِيَابًا أَوْ عُرُوضًا، أَيُمَكِّنُهُ مِنْهَا وَيَأْخُذُ الْقِيمَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَجْرَ الْقُسَّامِ، أَعَلَى عَدَدِ الْأَنْصِبَاءِ أَمْ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ؟ قَالَ: كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُهُ، فَأَنَا أَرَى إنْ وَقَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ إنْ لَمْ يَشْتَرِطُوا بَيْنَهُمْ شَيْئًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَسَّامَ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُمْ قَسَمُوا هَذِهِ الدَّارَ بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ إنَّمَا ذَلِكَ مِثْلُ شَهَادَةِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا عَلَى فِعْلِ أَنْفُسِهِمْ لِيُجِيزُوهُ. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ قَسَمُوا فَادَّعَى بَعْضُهُمْ الْغَلَطَ فِي الْقِسْمَةِ، أَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِيمَنْ بَاعَ ثَوْبًا فَادَّعَى الْغَلَطَ يَقُولُ: أَخْطَأْتُ بِهِ، أَوْ بَاعَهُ مُرَابَحَةً فَيَقُولُ: أَخْطَأْتُ: إنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ أَمْرٍ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ ثَوْبَهُ ذَلِكَ لَا يُؤْخَذُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ، فَأَرَى الْقِسْمَةَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبُيُوعِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ دَفَعَ مَالًا إلَى رَجُلٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى فُلَانٍ، فَقَالَ الْمَبْعُوثُ مَعَهُ الْمَالُ: قَدْ دَفَعْت الْمَالَ الَّذِي أَمَرَنِي بِهِ الْقَاضِي، وَأَنْكَرَ الَّذِي أَمَرَهُ الْقَاضِي أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ، أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ قَبَضَ الْمَالَ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ.


قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ، أَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ قَاسِمًا مَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ عَبْدًا أَوْ مُكَاتَبًا؟ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي كِتَابِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَا قَدْ أَعْلَمْتُكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا الْعُدُولَ الْمَرْضِيِّينَ، وَهَذَا رَأْيِي. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: كَانَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَمُجَاهِدٌ يَقْسِمَانِ فِي زَمَانِهِمَا وَلَا يَأْخُذَانِ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ إذَا رَأَى مَنْ يَزْنِي أَوْ مَنْ يَسْرِقُ أَوْ مَنْ يَشْرَبُ خَمْرًا، أَيُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا وَجَدَ السُّلْطَانُ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ عَلَى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ رَفَعَ ذَلِكَ إلَى الَّذِي فَوْقَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَآهُ السُّلْطَانُ الْأَعْلَى الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ سُلْطَانٌ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى الْقَاضِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مِثْلَ أَمِيرِ مِصْرٍ، إنْ رَأَى أَحَدًا عَلَى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، أَيَرْفَعُهُ إلَى الْقَاضِي أَوْ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: يَرْفَعُهُ إلَى الْقَاضِي وَيَكُونُ الْأَمِيرُ شَاهِدًا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَمِعَ الْقَاضِي رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا، أَيُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ أَمْ لَا؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إنْ سَمِعَ السُّلْطَانُ رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْعَفْوُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَ السُّلْطَانِ شُهُودٌ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْعَفْوُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ يُرِيدُ سَتْرًا يَخَافُ إنْ لَمْ يَجُزْ عَفْوُهُ عَنْ الْقَاذِفِ أَنْ يَأْتِيَ الْقَاذِفُ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ كَذَلِكَ. فَقِيلَ لِمَالِكٍ: فَكَيْفَ يُعْرَفُ ذَلِكَ؟ قَالَ: يَسْأَلُ الْإِمَامُ فِي السِّرِّ وَيُسْتَحْسَنُ ذَلِكَ، فَإِذَا أُخْبِرَ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ قَدْ سُمِعَ أَجَازَ عَفْوَهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَأَى الْقَاضِي بَعْدَمَا وُلِّيَ الْقَضَاءَ رَجُلًا يَأْخُذُ مَالَ رَجُلٍ أَوْ يَغْصِبُهُ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ، أَيَقْضِي بِذَلِكَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَقْضِيَ بِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تُثْبِتُ إنْ أَنْكَرَهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الْخَصْمَيْنِ يَخْتَصِمَانِ إلَى الْقَاضِي وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ، فَيُقِرُّ أَحَدُهُمَا بِالشَّيْءِ ثُمَّ يَأْتِيَانِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَجْحَدُ أَحَدُهُمَا وَقَدْ أَقَرَّ عِنْدَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، أَتَرَى أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِمَا أَقَرَّ بِهِ؟ قَالَ مَالِكٌ: هُوَ عِنْدِي مِثْلُ الْحَدِّ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَلَا أَرَى أَنْ يَقْضِيَ بِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تُثْبِتُ سِوَاهُ عِنْدَهُ، أَوْ يَرْفَعَهُ إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ، فَيَكُونُ شَاهِدًا، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ فَرَّقُوا بَيْنَ مَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَسْتَقْضِيَ وَبَعْدَمَا يَسْتَقْضِي، فَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ، فَرَآهُ وَاحِدًا. وَرَأَى أَنْ لَا يَقْضِيَ بِهِ وَرَآهُ مِثْلَ الْحَدِّ الَّذِي يَطَّلِعُ عَلَيْهِ فِي حَدِّ الْفِرْيَةِ، إلَّا أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَيَكُونُ شَاهِدًا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَخْبَرَنِي بِهَذَا عَنْ مَالِكٍ مَنْ أَثِقُ بِهِ.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ إذَا بَاعَ مَالَ الْيَتَامَى، أَوْ بَاعَ مَالَ رَجُلٍ مُفْلِسٍ فِي الدَّيْنِ، أَوْ بَاعَ مَالَ مَيِّتٍ وَوَرَثَتُهُ غُيَّبٌ، عَلَى مَنْ الْعُهْدَةُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَصِيِّ: إنَّهُ لَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ الْقَاضِي لَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ. قُلْتُ: فَعَلَى مَنْ عُهْدَةُ الْمُشْتَرِي إذَا بَاعَ الْوَصِيُّ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ؟ قَالَ: فِي مَالِ الْيَتَامَى. قُلْتُ: فَإِنْ


ضَاعَ الثَّمَنُ، أَوْ ضَاعَ مَالُ الْيَتَامَى وَلَا مَالَ لِلْيَتَامَى غَيْرُ ذَلِكَ وَاسْتُحِقَّتْ السِّلَعُ الَّتِي بَاعَ؟ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي بِذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ مَنْ أَثِقُ بِهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا عُزِلَ الْقَاضِي عَنْ الْقَضَاءِ، وَقَدْ حَكَمَ عَلَى النَّاسِ بِأَحْكَامٍ، فَادَّعَوْا أَنَّهُ قَدْ جَارَ عَلَيْهِمْ فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ؟ قَالَ: لَا يُنْظَرُ فِيمَا قَالُوا، وَمَا حَكَمَ الْقَاضِي بِهِ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقَاضِي خُصُومَةٌ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَرَى الْقَاضِي الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ قَضَائِهِ جَوْرًا بَيِّنًا فَيَرُدَّهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاضِي الْأَوَّلِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا وُلِّيَ الْقَضَاءَ رَجُلٌ، أَيَنْظُرُ فِي قَضَاءِ الْقُضَاةِ قَبْلَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَعْرِضُ لِقَضَاءِ الْقُضَاةِ قَبْلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا بَيِّنًا.

قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ مَنْ لَيْسَ بِفَقِيهٍ؟ قَالَ: ذَلِكَ كَانَ رَأْيَهُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ لَنَا مَالِكٌ مَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَكَانَ يُعْجِبُهُ فِيمَا رَأَيْتُ مِنْهُ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ حَتَّى يَكُونَ عَارِفًا بِآثَارِ مَنْ مَضَى، مُسْتَشِيرًا لِذَوِي الرَّأْسِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ، هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُفْتِيَ حَتَّى يَسْتَبْحِرَ فِي الْعِلْمِ؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحِيمِ: لَا يَنْبَغِي لِمَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ أَنْ يُفْتِيَ النَّاسَ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ أَهْلًا لِلْفُتْيَا، فَإِذَا رَآهُ النَّاسُ أَهْلًا لِلْفُتْيَا فَلْيُفْتِ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَقَدْ أَتَى رَجُلٌ فَقَالَ لِابْنِ هُرْمُزَ: إنَّ هَذَا السُّلْطَانَ قَدْ اسْتَشَارَنِي أَفَتَرَى أَنْ أَفْعَلَ؟ قَالَ فَقَالَ ابْنُ هُرْمُزَ: إنْ رَأَيْتَ نَفْسَكَ أَهْلًا لِذَلِكَ وَرَآكَ النَّاسُ أَهْلًا لِذَلِكَ فَافْعَلْ.


[كِتَابُ الشَّهَادَاتِ] [فِي شَهَادَةِ الْأَجِيرِ]
ِ فِي شَهَادَةِ الْأَجِيرِ قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْأَجِيرَ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ هُوَ فِي عِيَالِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ أَجِيرًا لَا يَكُون فِي عِيَالِهِ وَلَا فِي مُؤْنَتِهِ.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَرِّزًا فِي الْعَدَالَةِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَإِذَا كَانَ الْأَجِيرُ فِي عِيَالِهِ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنَّمَا رَدَدْتُ شَهَادَتَهُ إذَا كَانَ فِي عِيَالِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَيْهِ وَجَرُّهُ إلَيْهِ جَرٌّ إلَى نَفْسِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَخَ إذَا كَانَ فِي عِيَالِ أَخِيهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لِجَرِّهِ إلَيْهِ، وَجَرُّهُ إلَيْهِ جَرٌّ إلَى نَفْسِهِ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ وَكَانَ مُبَرِّزًا فِي حَالِهِ، جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ فِي الْأَمْوَالِ وَالتَّعْدِيلِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ وَلَا جَارٍ إلَى نَفْسِهِ» أَشْهَلُ بْنُ حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا أُجِيزَ شَهَادَةَ الْقَرِيبِ وَلَا الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ، وَلَا الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَلَا الْخَصْمِ وَلَا دَافِعِ الْمَغْرَمِ.

[فِي شَهَادَةِ السُّؤَالِ]
ِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السُّؤَالِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ السُّؤَالِ فِي الشَّيْءِ الْكَثِيرِ الْأَمْوَالِ وَمَا أَشْبَهَهَا، وَأَمَّا الشَّيْءُ التَّافِهُ الْيَسِيرُ فَهِيَ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَدْلًا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: لَمْ يَكُنْ السَّلَفُ الَّذِينَ مَضَوْا يُجِيزُونَ شَهَادَةَ الْقَانِعِ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَكَانَ بَعْضُ مَنْ مَضَى لَمْ يَكُنْ يُجِيزُ شَهَادَةَ السَّائِلِ.


[فِي شَهَادَةِ الْمُغَنِّي وَالْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحَةِ وَالشَّاعِرِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ الْمُغَنِّيَةِ وَالْمُغَنِّي وَالشَّاعِرِ وَالنَّائِحَةِ أَتُقْبَلُ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الشَّاعِرِ، أَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ مِمَّنْ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ، وَهُوَ يَهْجُوهُمْ إذَا لَمْ يُعْطُوهُ، وَيَمْدَحُهُمْ إذَا أَعْطَوْهُ، فَلَا أَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَهْجُو أَحَدًا، وَهُوَ مِمَّنْ إذَا أُعْطِي شَيْئًا أَخَذَهُ، وَلَيْسَ يُؤْذِي أَحَدًا بِلِسَانِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَهْجُ؛ فَأَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا.
وَأَمَّا النَّائِحَةُ وَالْمُغَنِّيَةُ وَالْمُغَنِّي، فَمَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُمْ إذَا كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِذَلِكَ.

[فِي شَهَادَةِ اللَّاعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ، أَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ الْمُدْمِنِ عَلَيْهَا، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ إنَّمَا هُوَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، فَأَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا. قُلْتُ: وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يُلْعَبَ بِالشِّطْرَنْجِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا.
قَالَ: نَعَمْ، كَانَ يَرَاهَا أَشَدَّ مِنْ النَّرْدِ.
قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذَا كُلِّهِ، فَأَخْبَرَنِي بِمَا أَخْبَرْتُكَ.

[فِي شَهَادَةِ الْمَوْلَى لِمَوْلَاهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ عَبْدِي شَهِدَ لِي عَلَى شَهَادَةٍ وَهُوَ عَبْدٌ ثُمَّ أَعْتَقْته فَشَهِدَ لِي بِهَا، تَجُوزُ شَهَادَتُهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ الْمَوْلَى لِمَوْلَاهُ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَدْلًا. فَأَرَى شَهَادَتَهُ جَائِزَةً لِلَّذِي قَالَ مَالِكٌ مِنْ شَهَادَةِ الْمَوْلَى لِمَوْلَاهُ، إذَا كَانَ مَا شَهِدَ لَهُ بِهِ لَا يَجُرُّ بِهِ إلَى نَفْسِهِ شَيْئًا وَلَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْهَا شَيْئًا.

[فِي شَهَادَةِ الرَّجُلِ لِعَبْدِ ابْنِهِ وَالرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ الرَّجُلِ لِعَبْدِ ابْنِهِ أَتَجُوزُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِابْنِهِ، فَعَبْدُهُ بِمَنْزِلَتِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَمَةً شَهِدَ لَهَا بِالْعِتْقِ زَوْجُهَا وَرَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ وَلَا الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا.
قَالَ: فَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ وَرَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ، أَنَّ سَيِّدَهَا أَعْتَقَهَا، لَكَانَ أَحْرَى أَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا أَسْفَلَ.

[فِي شَهَادَةِ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالنَّصْرَانِيِّ]
ِّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصَّبِيَّ إذَا شَهِدَ بِشَهَادَةٍ وَهُوَ صَغِيرٌ فَرَدَّهَا الْقَاضِي، أَوْ الْعَبْدَ أَوْ النَّصْرَانِيَّ إذَا شَهِدُوا فَرَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمْ، فَكَبُرَ الصَّبِيُّ وَأُعْتِقَ الْعَبْدُ وَأَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ


ثُمَّ شَهِدُوا بِهَا بَعْدَ أَنْ رُدَّتْ؟ قَالَ: فَإِنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُدَّتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ. سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّهُ قَضَى فِي شَهَادَةِ الْمَمْلُوكِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُشْرِكِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ إذَا شَهِدَ بِهَا الْمَمْلُوكُ بَعْدَ عِتْقِهِ، وَالصَّغِيرُ بَعْدَ كِبَرِهِ، وَالْمُشْرِكُ بَعْدَ إسْلَامِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا رُدَّتْ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَهِيَ مَرْدُودَةٌ أَبَدًا. وَقَالَهُ أَبُو الزِّنَادِ وَمَكْحُولٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ مِثْلَهُ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ فِي الْمُشْرِكِ مِثْلَ قَوْلِ عُثْمَانَ.

[فِي شَهَادَةِ ذَوِي الْقَرَابَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ لِي أَبِي أَوْ ابْنِي، أَنَّ فُلَانًا هَذَا الْمَيِّتَ أَوْصَى إلَيَّ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبِ لِابْنِهِ وَلَا شَهَادَةُ الِابْنِ لِأَبِيهِ. قُلْتُ: تَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِي شَهَادَةِ وَلَدِ الْوَلَدِ لِجَدِّهِمْ، أَوْ شَهَادَةِ الْجَدِّ لِوَلَدِ الْوَلَدِ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ السَّاعَةَ، وَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ.

قُلْتُ: فَهَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِمُكَاتَبِهِ؟ قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِيهِ، وَلَا أَرَاهَا جَائِزَةً.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ، أَوْ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، أَتَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ. قُلْتُ: أَفَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأُمِّ لِابْنِهَا، أَوْ الِابْنِ لِأُمِّهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا.
ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ يَتَّهِمُ سَلَفُ الْمُسْلِمِينَ الصَّالِحُ شَهَادَةَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَلَا الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، وَلَا الْأَخِ لِأَخِيهِ، وَلَا الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ، ثُمَّ دَخَلَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ فَظَهَرَتْ مِنْهُمْ أُمُورٌ حَمَلَتْ الْوُلَاةَ عَلَى اتِّهَامِهِمْ، فَتَرَكَتْ شَهَادَةَ مَنْ يُتَّهَمُ إذَا كَانَتْ مِنْ قَرَابَةٍ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالْأَخِ وَالزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ، لَمْ يُتَّهَمْ إلَّا هَؤُلَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِثْلُهُ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ شُرَيْحٍ الْكِنْدِيِّ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ التَّابِعِينَ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالزَّوْجَيْنِ وَالْأَخِ.
ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: هَؤُلَاءِ دَافِعُوا مَغْرَمٍ، فَلَمْ يَكُنْ يُجِزْ شَهَادَتَهُمْ الْوَلَدُ وَالْوَالِدُ وَالزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ. وَقَدْ قَالَ فِي الشَّهَادَاتِ: وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْهَا لِذَوِي الْقَرَابَاتِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَالَ ذَلِكَ يَرْجِعُ كُلُّهُ إلَى جَرِّ الْمَرْءِ إلَى نَفْسِهِ وَدَفْعِهِ عَنْهَا، أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ وَلَدٌ لِوَالِدٍ وَلَا وَالِدٌ لِوَلَدٍ وَلَا زَوْجٌ لِامْرَأَتِهِ وَلَا امْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا. مِنْ ذَلِكَ شَهَادَتُهُ لَهُ بِالْمَالِ وَشَهَادَتُهُ لَهُ بِالتَّعْدِيلِ، وَجُرْحَتُهُ عَنْهُ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنْ دَفْعِهِ عَنْهُ وَدَفْعِهِ عَنْهُ جَرٌّ إلَيْهِ، وَذَلِكَ يَرْجِعُ إلَيْهِ أَنَّ الْمَرْءَ فِيمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ مِنْهُ كَأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَيَجُرُّ إلَيْهَا، وَالدَّفْعُ عَنْهَا جَرٌّ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا جَرَّ إلَى ابْنِهِ وَأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ وَزَوْجَتِهِ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ عَنْهُمْ، وَدَفْعُهُ عَنْهُمْ جَرٌّ إلَيْهِمْ وَجَرُّهُ إلَيْهِمْ لِمَوْضِعِهِمْ مِنْهُ جَرٌّ إلَى نَفْسِهِ.


[فِي شَهَادَةِ الصَّدِيقِ وَالْأَخِ وَالشَّرِيكِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ الرَّجُلِ، هَلْ تَجُوزُ لِلصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: شَهَادَةُ الرَّجُلِ تَجُوزُ لِأَخِيهِ إذَا كَانَ عَدْلًا وَلِمَوْلَاهُ، فَالصَّدِيقُ الْمُلَاطِفُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ. قَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي عِيَالِهِ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يُمَوِّنُهُ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّرِيكَيْنِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ، إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِشَهَادَةٍ مِنْ غَيْرِ التِّجَارَةِ، أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ لَا يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ شَيْئًا. قُلْتُ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؟: قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ السَّاعَةَ.

ابْنُ مَهْدِيٍّ وَإِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَشُرَيْحًا وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَالْحَسَنَ قَالُوا: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إذَا كَانَ عَدْلًا. وَقِيلَ لِلشَّعْبِيِّ: مَا أَدْنَى مَا يَجُوزُ مِنْ شَهَادَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ؟ فَقَالَ: الْأَخُ لِأَخِيهِ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبِ لِابْنِهِ، وَلَا الِابْنِ لِأَبِيهِ، وَلَا الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ، وَلَا الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا. فَأَمَّا الْأَخُ إذَا كَانَ غِنَاهُ لَهُ غِنًى إنْ أَفَادَ شَيْئًا أَصَابَهُ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ كَانَ فِي عِيَالِهِ، فَإِنِّي لَا أَرَى شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةً، فَأَمَّا إذَا كَانَ مُنْقَطِعًا مِنْهُ لَا تَنَالُهُ صِلَتُهُ وَلَا فَائِدَتُهُ. قَدْ اسْتَغْنَى عَنْهُ وَلَا بَأْسَ بِحَالِهِ رَأَيْتُ شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةً. فَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ ذَا الْوُدِّ لِلرَّجُلِ، الْمُصَافِي لَهُ يَصِلُهُ وَيَعْطِفُ عَلَيْهِ، قُلْتُ: لَا أَرَى شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةً، وَإِذَا كَانَ لَا يَنَالُهُ مَعْرُوفُهُ وَلَا صِلَتُهُ فَأَرَى شَهَادَتَهُ لَهُ جَائِزَةً.

[فِي شَهَادَةِ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا هَلَكَ الرَّجُلُ فِي السَّفَرِ وَلَيْسَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَحَدٌ، أَتَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْكُفْرِ الَّذِينَ مَعَهُ إنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يُجِيزُ شَهَادَةَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ، لَا فِي سَفَرٍ وَلَا فِي حَضَرٍ، وَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُمْ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ وَلَا النَّصْرَانِيِّ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُسْلِمُوا. قَالَ يُونُسُ: وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَيْسَ لِأَهْلِ الْكُفْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَهَادَةٌ، وَلَا يَجْتَمِعُ حُكْمٌ يَكُونُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَبَيْنَ كَافِرٍ، إلَّا كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَمْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النَّصْرَانِيِّ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَلَا فِي أَمْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.

[فِي شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَهْلَ الذِّمَّةِ، تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا.
الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْمِلَلِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَتَجُوزُ



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 428.42 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 422.58 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (1.36%)]