|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#8
|
||||
|
||||
|
وقفات ودروس من سورة آل عمران (8) وقفات في قلب السورة (5) ميسون عبدالرحمن النحلاوي الوقفة التاسعة: الولاء والبراء: عقيدة الولاء والبراء من ثوابت العقيدة، وربما كانت أهم أركانها، فمعها يتضح صدق إيمان المؤمن من نفاقه. وكنا قد ذكرنا في المقدمة أن السورة تأتي على مسألة البراء في موضعين: الأول جاء فيه النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء بحكم قطعيٍّ، فيه من الوعيد الشديد ما تنخلع له القلوب؛ آل عمران [28-30]: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾. وقد جاء هذا النهي مشفوعًا بتبرُّؤ الله عز وجل من كل عبد يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين؛ ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾، ثم يستثني من يفعل ذلك تقية، ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾، وقد فصَّلنا ذلك في الحلقة الثالثة من هذه السلسلة. والموضع الآخر الذي ذُكرت فيه مسألة البراء جاء في سياق تعليميٍّ، يخاطب العقل لمن لا يقتنع إلا بالسياقات العقلية، فبيَّن لهم خبيئة هؤلاء، ولماذا ينهاهم جل في علاه عن موالاتهم، وهو موضوعنا في هذا البسط إن شاء الله. زجر للمؤمنين عن موالاة الكفار والركون إليهم: يقول تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران: 118 - 120]. وفي الآيات زجر للمؤمنين عن الركون إلى الكفار، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ﴾، وهو متصل بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 100]، وفيها نهي للمؤمنين من اتخاذ هؤلاء الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء، يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم، ويقال: كل من كان على خلاف مذهبك ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه. وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل". وروي عن ابن مسعود أنه قال: اعتبروا الناس بإخوانهم. ثم بيَّن تعالى المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال: ﴿ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾ يقول: فسادًا؛ يعني: لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر، فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة. وحكى أبو موسى الأشعري أنه قدم على عمر- رضي الله عنهما- بحساب، فرفعه إلى عمر فأعجبه، وجاء عمر كتاب، فقال لأبي موسى: أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على الناس؟ فقال: إنه لا يدخل المسجد. فقال: لم؟! أجنب هو؟ قال: إنه نصراني؛ فانتهره وقال: لا تدنهم وقد أقصاهم الله، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله، ولا تأمنهم وقد خونهم الله. وعن عمر- رضي الله عنه- قال: لا تستعملوا أهل الكتاب؛ فإنهم يستحلون الرشا، واستعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله تعالى. وقيل لعمر رضي الله عنه: إن ها هنا رجلًا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم، أفلا يكتب عنك؟ فقال: لا آخذ بطانة من دون المؤمنين، فلا يجوز استكتاب أهل الذمة، ولا غير ذلك من تصرُّفاتهم في البيع والشراء والاستنابة إليهم. قلت- والكلام للقرطبي-: وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كَتَبة وأمناء وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء. روى البخاري عن أبي سعيد الخُدْري عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضُّه عليه، فالمعصوم من عصم الله تعالى. ويرى ابن كثير أن هذا النهي يشمل المنافقين أيضًا، فيقول: إن الله عز وجل ينهى عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة؛ أي: يطلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم لا يألون المؤمنين خبالًا؛ أي: يسعون في مخالفتهم، وما يضرُّهم بكل ممكن، وبما يستطيعونه من المكر والخديعة، ويودون ما يعنت المؤمنين ويخرجهم ويشق عليهم. وقوله: ﴿ لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ﴾ [آل عمران: 118]؛ أي: من غيركم من أهل الأديان، وبطانة الرجل: هم خاصة أهله الذين يطلعون على داخل أمره"؛ انتهى ابن كثير. والتاريخ يقف شاهدًا على أن أهم أسباب ضعف، بل وسقوط الخلافات الإسلامية التي قامت وتتالت عبر قرون من الزمن، كان اتخاذ السلاطين بطانة من دونهم في مخالفة للأمر الإلهي. ثم تأتي الآيات على بسط أسباب هذا النهي: خبيئتهم الخبيثة: • ﴿ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾: يقول فسادًا؛ يعني: لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة. • ﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ﴾: والمعنى: ودُّوا عنتكم؛ أي: ما يشق عليكم. والعنت: المشقة. • ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾: فهم لا يتورَّعون عن الكلام بعداوتكم وبغضائكم، ومع ذلك، فهم يقولون بعضًا مما يضمرونه من حقد وبغض تضيق به صدورهم؛ لذلك قال الله جلَّ في علاه. • ﴿ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾: وفي هذا إخبار وإعلام من الله للمؤمنين بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم. كرههم للمسلمين: ﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾: ثم إنكم- أيها المؤمنون- تحبون المنافقين مما يظهرون لكم من الإيمان، فتحبونهم وتظهرون لهم الودَّ على ذلك وهم لا يحبونكم، لا باطنًا ولا ظاهرًا، ولو اضطروا إلى إبداء القبول نفاقًا ومداهنةً. ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ﴾: ثم إنكم تؤمنون بجميع الكتب التي أنزلها الله على رسله، بينما هم لا يؤمنون إلا بما أنزل إليهم، "قال ابن عباس: يعني بالكتب. واليهود يؤمنون بالبعض؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ﴾ [البقرة: 91]؛ تفسير القرطبي. نفاقهم ومخادعتهم للمسلمين: ﴿ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ﴾ [آل عمران: 119]: وهذا نفاقهم ومكرهم، إما خيفة منكم، أو خداعًا لكم كي لا تحذروا ما يبيتونه لكم من مكر، فتحتاطون له... ولكن الله يعلم خبيئتهم، يعلم أنهم إذا خلوا أظهروا غيظهم من ظهوركم على الأمر، و﴿ عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ﴾ وذلك أشد الغيظ والحنق. ﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾:وهذه نهاية الحسد... فمهما بلغ بكم الحسد والغيظ مما أنعم الله به على المؤمنين، فاعلموا أن الله متمٌّ نعمته على عباده المؤمنين، ومكمل دينه، ومُعْلٍ كلمته، ومظهر دينه، فـ﴿ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾؛ أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتكنُّه سرائركم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤملون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، فلا خروج لكم منها. يفرحون لمصائبكم ويستاءون من أفراحكم: ﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾: ومن الطبيعي أنهم يألمون أشد الألم إن أصابكم خير ونصرة وعزّة، ويفرحون أشد الفرح لكل ضرر أو حيف يحيط بكم! الإرشاد الإلهي للخروج من دائرة الكيد والحقد والحسد التي يضمرها أعداء المسلمين ثم يأتي الإرشاد الإلهي للخروج من دائرة الكيد والحقد والحسد التي يضمرها لنا هؤلاء، الذين هم "من دوننا"، والذين حذرنا الله من موالاتهم، ودفع ضررهم عنا، فكان المخرج الذي أرشدنا الله إليه في اثنتين صريحتين وثالثة متضمنة: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران: 120]: • الصبر. • والتقوى. • وتأتي الثالثة، التوكُّل على الله، متضمنة بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾، فإن أيقنَّا بأن الله لا يغيب عن علمه شيء، وأنه في معية عباده المؤمنين دائمًا وأبدًا، توكَّلنا عليه، وعلمنا أنه محيط بأعدائنا، فلا حول ولا قوة لنا إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكَّل عليه كفاه. والله أعلم. ومع هذه الوقفة تكون مقدمات غزوة أُحُد قد انتهت لتمضي بنا السورة الكريمة مع الغزوة. يتبع... الحلقة القادمة: غزوة أُحُد، إن شاء الله.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |