المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي - الصفحة 62 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ}ا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 421 - عددالزوار : 129248 )           »          سحور 8 رمضان.. طريقة عمل البيض بالبسطرمة والخضار (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          الأسرة ومواجهة التحديات الشيخ المربي محمد حسين يعقوب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 6 - عددالزوار : 71 )           »          وقفات مع بعض الآيات | د سالم عبد الجليل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 5 - عددالزوار : 111 )           »          فتاوى رمضانية ***متجدد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 832 - عددالزوار : 367648 )           »          العقيدة الصحيحة لفضيلة الشيخ أبي بكر الحنبلي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 6 - عددالزوار : 75 )           »          نور التوحيد الشيخ عادل شوشة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 6 - عددالزوار : 75 )           »          فضل السحور (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          لا مانع من صلاة الفرض داخل صالات التعزية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          أكل وشرب ناسيًا وهو صائم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #611  
قديم 30-12-2025, 12:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون

صـــ92 الى صـــ 101
(611)





اختلف العلماء رحمهم الله في حكم الخنثى المشكل في الميراث فقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله وهو قول أبي يوسف الأول رحمه الله يجعل في الميراث بمنزلة الأنثى إلا أن يكون أسوأ حاله أن يجعل ذكرا فحينئذ يجعل ذكرا وفي الحاصل يكون له شر الحالين وأقل النصيبين ، وفي قول أبي يوسف الآخر له نصف ميراث الذكر ونصف ميراث الأنثى وهو أقرب من قول الشعبي على ما نبينه ، أما بيان الحالة التي تكون الذكورة فيه شرا له بأن تركت المرأة زوجا وأختا لأب وأم وشخصا لأب هو بهذه الصفة مشكل فإن جعل ذكرا لم يرث شيئا ; لأن نصف الميراث للزوج والنصف للأخت لأب وأم فلم يبق للأخ لأب شيء ولو جعل أنثى كان للزوج النصف وللأخت لأب وأم النصف وللأخت لأب السدس تكملة الثلثين فتعول بسهم والقسمة من سبعة فعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله يجعل ذكرا في هذه الحالة ولا شيء له ، وفي قول أبي يوسف الآخر له سهم من أربعة عشر نصف ميراثها أن لو كانت أنثى ، وكذلك لو تركت زوجا وأما وأخا لأم وشخصا هو مشكل لأب وأم فإن جعل هذا المشكل ذكرا فللزوج النصف وللأم السدس وللأخ لأم الثلث ولم يبق للأخ لأب وأم شيء ، وإن كانت أنثى فلها النصف ثلاثة ; لأنها أخت لأب وأم وتعول فريضة المسألة بثلاثة فعندهما يجعل ذكرا ولا شيء له ، وفي قياس قول أبي يوسف الآخر لها ثلاثة من ثمانية عشر نصف ميراثها وأن لو كانت أنثى ، وبيان الحال الذي تكون الأنوثة فيه شرا لها ظاهر فإنه لو ترك ابنة وعصبته وولدا هو مشكل فإن كان هذا المشكل ذكرا فله الثلثان ، وإن كان أنثى فله الثلث فيجعل أنثى في قول أبي حنيفة ومحمد ، وفي قول أبي يوسف الآخر نصف في كل حالة نصف الثلثين ونصف [ ص: 93 ] الثلث فيكون له في الحال نصف المال وللابنة الثلث والباقي وهو السدس للعصبة .

وجه قول أبي يوسف أن متردد والأصل في المسائل اعتبار الأحوال عند التردد ويتوزع المستحق على الأحوال كما في الطلاق المبهم والعتاق المبهم إذا طلق إحدى نسائه الأربع قبل الدخول ، ثم مات يسقط نصف صداقها ويتوزع عليهن باعتبار الأحوال ، وكذلك الميراث بينهن باعتبار الأحوال فكذلك هنا يعتبر الأحوال بل أولى ; لأن الاشتباه هنا أكثر والحاجة إلى اعتبار الأحوال بمعنى الاشتباه .

ووجه قولهما هو أن اعتبار الأحوال ينبني على التيقن بالسبب وسبب استحقاق الميراث الفرضية والعصوبة ولا يتيقن بواحد من السببين بهذا المشكل وبدون التيقن بالسبب لا يعتبر الأحوال لكن لا يعطى إلا القدر الذي يتيقن بأنه مستحق له بخلاف الطلاق والعتاق فقد تيقنا بالسبب المسقط لنصف الصداق هناك وبالسبب الموجب لعتق رقبته ، وإنما وقع الشك في المستحق كذلك فبعد التيقن بالسبب يصار فيه إلى اعتبار الأحوال .

ولو مات وترك ولدا خنثى وعصبة ، ثم مات الولد قبل أن يستبين أمره ومن الاستبانة البول فإن كان يبول من إحدى المبالين فالحكم لذلك ، وإن كان يبول منهما فمن أيهما أسبق فإن خرجا معا ففيه اختلاف يأتيك بيان هذا في كتاب الخنثى ، وإنما الكلام هنا في الميراث فعلى قول أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف أولا لا يعطى إلا ميراث جارية وذلك نصف المال والباقي للعصبة ، وفي قول أبي يوسف الآخر له ثلاثة أرباع المال إما لأنه يستحق الكل في حال والنصف في حال فيعطى نصف الكل ونصف النصف أو لأن النصف اثنان والنصف الآخر يثبت في حال دون حال فيتنصف فله ثلاثة أرباع المال والباقي للعصبة ، فإن كان للميت مع ذلك ابن معروف فعلى قول أبي حنيفة ومحمد للذكر مثل حظ الأنثيين ; لأن أسوأ الحال للخنثى أن يكون أنثى وتكلموا فيما إذا كان الخنثى حيا بعد توهم أن يتبين أمره في الثاني أنه كيف يقسم المال بينهما فمنهم من يقول يدفع الثلث إلى الخنثى والنصف إلى الابن ويوقف السدس كما في الحمل والمفقود فإنه يوقف نصيبهما إلى أن يتبين حالهما ، وأكثرهم على أنه يدفع ذلك إلى الابن ; لأن سبب استحقاقه لجميع المال وهو البنوة معلوم فإنما ينتقص من حقه لمزاحمة الغير والخنثى ما زاحمه إلا في الثلث فما وراء ذلك يبقى مستحقا له .

يوضحه أنا حكمنا بكون الخنثى أنثى حين أعطيناه الثلث مع الابن وبعد ما حكمنا بالأنوثة في حقه يعطى الذكر ضعف ما يعطى الأنثى وبه فارق الحمل والمفقود فإنا لم نحكم فيها بشيء من موت أو حياة فلهذا يوقف نصيبهما [ ص: 94 ] وإذا دفع الثلثين إلى الابن هل يوجد منه الكفيل ؟ قال بعض مشايخنا رحمهم الله على الخلاف المعروف فإن القاضي إذا دفع المال إلى الوارث المعروف لم يأخذ منه كفيلا في قول أبي حنيفة وعندهما يحتاط في أخذ الكفيل منه ، وقيل بل هنا يحتاط في أخذ الكفيل عندهم جميعا ; لأنه إن تبين علامة الذكورة في الخنثى كان هو المستحق لما زاد على النصف مما أخذه الابن فيحتاط لحقه بأخذ الكفيل من الابن ، وإنما لم يجوز أبو حنيفة أخذ الكفيل للمجهول وهنا إنما يؤخذ الكفيل لمعلوم فهو طريق مستقيم يصون به القاضي قضاءه وينظر لمن هو عاجز عن النظر لنفسه وهو الخنثى فيأخذ من الابن كفيلا لذلك ، فإن تبين أن الخنثى ذكر استرد ذلك من أخيه ، وإن تبين أنه أنثى فالمقبوض سالم للابن ، وأما في قياس قول الشعبي فقد اختلف أبو يوسف ومحمد في القسمة بين الخنثى والابن المعروف قال أبو يوسف رحمه الله قياس قوله أن يكون المال بينهما على اثني عشر سهما للابن المعروف سبعة وللخنثى خمسة .

أما بيان قول محمد فظاهر ; لأن الخنثى إن كان ذكرا فالمال بينهما نصفين ، فإن كان أنثى فالمال بينهما أثلاثا فيعطيه نصف كل حالة فاحتجنا إلى حساب ينقسم نصفه نصفين وثلثه نصفين وأقل ذلك اثنا عشر ، فإن كان الخنثى ذكرا فله الستة من اثني عشر ، وإن كان أنثى فله أربعة ، وإما أن تقول له نصف أربعة وهو سهمان ونصف ستة وهو ثلاثة وذلك خمسة وللابن نصف ثمانية وهو أربعة ونصف ستة وهو ثلاثة فيكون سبعة أو تقول الثلث متيقن به للخنثى وهو أربعة وما زاد على ذلك إلى تمام النصف وذلك سهمان يثبت في حال دون حال فينتصف فيكون له خمسة والباقي وهو سبعة للابن فقد فسر محمد قول الشعبي بهذا ولم يأخذ به ، وأما بيان قول أبي يوسف لقول الشعبي أن يقول الخنثى في حال ابن ، وفي حال ابنة فالابنة في الميراث نصف الابن فيجعل له نصف كل حال فيكون ثلاثة أرباع ابن فكأنه اجتمع ابن وثلاثة أرباع ابن فيجعل لكل ربع من الابن سهما فللابن الكامل أربعة أسهم ولثلاثة أرباع ابن ثلاثة فذلك سبعة أو يقول إن الله تعالى جعل للذكر مثل حظ الأنثيين فكأن الذكر بمنزلة الأنثيين ، وإحدى الأنثيين في حق الخنثى معلوم والأنثى الأخرى ثابتة في حال دون حال فينتصف فيكون الخنثى بمنزلة أنثى ونصف .

ولو تصور اجتماع ابنة ونصف مع ابنة فإنه يكون المال على سبعة أسهم للابن أربعة ، وللابنة ونصف ثلاثة فهاهنا أيضا يقسم المال بينهما على سبعة أسهم للابن أربعة وللابنة ونصف ثلاثة ، وأشار في الأصل إلى رجوع أبي يوسف إلى التفسير الذي ذكره محمد رحمه الله [ ص: 95 ] لقول الشعبي قالوا وهذا غلط والصحيح أن رجوعه إلى التفسير الذي ذكره أبو يوسف فإنه رجع إلى قول الشعبي رحمه الله ثم فسر قوله بما ذكرنا عنه .
قال ولو كان مع الخنثى ابنة معروفة فللابنة ثلث المال وللخنثى نصف المال والباقي يكون للعصبة في قياس قول الشعبي ; لأن الخنثى إن كان ذكرا فله ثلث المال ، وإن كان أنثى فلها الثلث فيعطى نصف كل حالة فيكون له نصف المال والباقي للعصبة ; لأنه في حال يستحق ثلث المال وهو أن يكون الخنثى أنثى ، وفي حال لا شيء له فيكون له نصف الثلث وهو السدس ، فإن لم يكن للميت عصبة رد الفضل عليها على قدر ما أخذ . معناه يجعل المال في الحاصل بينهما على خمسة سهمان للابنه المعروفة وثلاثة للخنثى ; لأنه ليس أحدهما بالرد عليه بأولى من الآخر فيكون المردود بينهما على مقدار أصل حقهما .

قال : فإن كان مع الخنثى أب للميت فللخنثى ثلث المال وللأب ثلثه في قياس قول الشعبي ; لأن الخنثى إن كان ذكرا فللأب السدس والباقي للابن فله في هذه الحالة خمسة ، وإن كان أنثى فلها النصف والباقي كله للأب بالفرضية والعصوبة فإما أن يقول : للخنثى نصف كل حالة ونصف ثلاثة سهم ونصف ، ونصف خمسة سهمان ونصف فذلك أربعة هو ثلثا المال ، أو يقول : مقدار ثلثه للخنثى بيقين وما زاد إلى تمام خمسة يثبت في حال دون حال فينتصف فيكون له أربعة والسدس للأب بيقين ، وما زاد عليه إلى تمام النصف وذلك سهمان يثبت في حال دون حال فينتصف فيكون للأب سهمان وهو الثلث وللخنثى أربعة وذلك ثلثان .
وإن ترك ابنة خنثى وابنة ابن خنثى وعصبة ففي قياس قول الشعبي الفريضة من ستة وثلاثين سهما للخنثى الأعلى خمسة وعشرون سهما وللأسفل سبعة أسهم وللعصبة أربعة أسهم ، فإن لم يكن له عصبة فثلاثة أرباع المال للأعلى وربعه لولد الابن ; لأنه ينظر إلى أقل ما يصيب كل واحد منهما وإلى أكثره فيأخذ نصف ذلك ولا ينظر إلى ما بين ذلك ; لأن في اعتبار الأقل والأكثر اعتبار ما بين ذلك فيقول النصف للعليا متيقن به ذكرا كان أو أنثى والسدس لا يدعيه العصبة ; لأن العصبة تقول هما ابنتان فلهما الثلثان والعليا والسفلى كل واحدة منهما تدعي ذلك فيكون ذلك بينهما نصفان ولا ينظر إلى تفاوت ما بينهما في جهة الدعوى فالأعلى يدعي ذلك من وجه واحد وهو نصف الذكورة لنفسه والأسفل من وجهين إما لأنه ذكر والعليا أنثى أو لأنهما ابنتان وهذا لأن المستحق من وجه يكون مستحقا من كل وجه فلا فرق بين أن يكون استحقاقه لهذا السدس من وجه أو من وجهين والثلث الباقي تدعيه العصبة إن كان الخنثيان أنثيين [ ص: 96 ] وتدعيه ابنة الابن إن كانت هي ذكرا والعليا هي أنثى وتدعيه العليا إن كانت ذكرا فلا يفضل فيه البعض على البعض ; لأن المعتبر في حقهم الأكثر والأقل فيكون بينهم أثلاثا كأن أصل الفريضة من ستة وقد انكسر السدس بالأنصاف فصار اثني عشر ، ثم انكسر الثلث بالأثلاث فاضرب اثني عشر في ثلاثة فيكون ستة وثلاثين أخذت العليا مرة ثمانية عشر ومرة نصف السدس ثلاثة ومرة ثلث الثلث أربعة فذلك خمسة وعشرون ، وأخذت السفلى مرة ثلاثة ومرة أربعة فذلك سبعة ، وإنما يسلم للعصبة أربعة أسهم ، وإن لم يكن له عصبة فالنصف وهو ستة من اثني عشر للعليا ثلث والثلث بينهما نصفان لما بينا والثلث الباقي إن كانا ذكرين فهو للأعلى ، وكذلك إن كان الأعلى ذكرا ، فإن كانا أنثيين فللعليا ثلاثة أرباعه بالرد ، وإن كان الأسفل ذكرا والأعلى أنثى فالثلث للأسفل وقد بينا أنه يؤخذ بالأكثر والأقل فيكون هذا الثلث بين الأعلى والأسفل نصفين فقد أخذ الأعلى مرة ستة ومرة سهما ومرة سهمين فذلك تسعة من اثني عشر وهو ثلاثة أرباع المال وأخذ الأسفل مرة سهما ومرة سهمين وذلك ربع المال .
ابنة أخ خنثى وابنة ابن أخ خنثى وابن ابن ابن أخ معروف فعلى قول أصحابنا رحمهم الله المال بينهم أثلاثا ; لأن العليا إن كان ذكرا فله الميراث كله ، وإن كانت أنثى فلا شيء لها والثانية إن كانت أنثى فلا شيء لها ، وإن كان ذكرا والعليا أنثى فالميراث له ، وإن كانتا أنثيين جميعا فالميراث للأسفل ، وإنما يؤخذ في هذا بأكثره وأقله فالذي يسقط من وجه ويرث من وجهين والذي يسقط من وجهين ويرث من وجه سواء في قياس مذهبه ، وإذا كان كل واحد منهم استحق جميع المال من وجه فقد استووا في الاستحقاق فالمال بينهم أثلاثا ، فإن لم يكن للميت وارث غير هذين الخنثيين فالمال كله للعليا في قولنا ; لأنهما ابنتان وابنة الأخ مقدمة في الميراث على ابنة ابن الأخ ، وفي قياس قول الشعبي المال بينهما نصفان ; لأن الذي يرث من وجوه والذي يرث من وجه واحد عنده سواء فالمال كله للأعلى إن كانا ذكرين أو كان هو ذكرا أو كانا أنثيين ، وإن كانت العليا أنثى والآخر ذكرا فالمال كله له فلهذا جعل المال بينهما نصفين .
، فإن ترك ثلاث بنات أخ خناثى بعضهن أسفل من بعض وأسفل من السفلى ابن أخ ففي قياس قول الشعبي المال بينهم أرباعا لكل واحد منهم الربع ; لأن العليا إن كان ذكرا ورث دونهم ، وإن كانت أنثى والثانية ذكرا ورث دونهم ، وإن كانت أنثى والثالثة ذكرا ورث دونهم ، وإن كن إناثا جميعا ورث ابن الأخ الأسفل فكل واحد منهم يستحق جميع المال من وجه وذلك يكفي [ ص: 97 ] للمزاحمة فكان بينهم أرباعا ، فإن لم يكن أسفل منهن ذكر ولم يكن للميت عصبة فالمال بينهم أثلاثا ; لأن كل واحد منهم يرث جميع المال من وجه ، وإنما يوجد في هذا الأقل والأكثر فكان المال بينهم أثلاثا .
، فإن ترك بنتا خنثى وأختا خنثى ومات قبل أن يستبين أمرهما فللابنة النصف والباقي للأخت في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الأول ومحمد رحمهم الله ; لأنها ابنة والأخت مع الابنة تكون عصبة ، وفي قياس قول الشعبي للابنة ثلاثة أرباع المال وللأخت الربع ; لأن النصف للابنة بلا شك والنصف الآخر استوت فيه منازعتهما والابنة إن كانت ذكرا كان هذا النصف له ، وإن كانت أنثى فهذا النصف للأخت ذكرا كان أو أنثى فجعل بينهما نصفين فيجعل للابنة ثلاثة أرباع المال وللأخت ربعه ، وإن ترك أختا خنثى وابنة أخ خنثى ففي قولنا للأخت النصف وللعصبة النصف ; لأن الخنثيين أنثيان فللأخت النصف والباقي للعصبة ولا شيء لابنة الأخ ، وإن لم يكن للميت عصبة فالمال كله للأخت بالفرض والرد فإنه لا شيء لذوي الأرحام مع وجود ذي السهم وابنة الأخ من ذوي الأرحام ، وفي قول الشعبي للأخت الثلثان ولابنة الأخ السدس وللعصبة السدس ; لأن الأخت لها النصف بلا شك وهي تزاحم الأخرى في النصف الباقي فإنه إن كان ذكرا فله الباقي ، وإن كانت هي أنثى والأخ ذكر فالنصف الباقي له ، وإن كانتا أنثيين فالنصف الباقي للعصبة فكان هذا النصف بينهما أثلاثا ، وإن لم يكن للميت عصبة فللأخت ثلاثة أرباع المال ولابنة الأخ ربع المال ; لأن النصف للعليا بلا شك والنصف الآخر للعليا إن كانا ذكرين أو أنثيين ، وإن كانت العليا أنثى والسفلى ذكرا فالنصف الباقي له والذي يسقط من وجه واحد والذي يسقط من وجهين عنده سواء فيكون هذا النصف بينهما نصفين ، وكذلك لو ترك ابنة خنثى وابنة أخ خنثى ولا عصبة له فالجواب على ما وصفنا في الأخت على القولين جميعا ، فإن ترك ابنة خنثى وابنة ابن خنثى وابنة ابن ابن خنثى وعصبة فعلى قولنا الخناثى إناث فللعليا النصف وللوسطى السدس تكملة الثلثين والباقي للعصبة ولا شيء للسفلى .

وإن لم يكن للميت عصبة فالباقي يرد على العليا والوسطى أرباعا على قدر مواريثهما ، وفي قول الشعبي للعليا ثمانية أسهم من اثني عشر وللوسطى سهمان وللسفلى سهم وللعصبة سهم ; لأن النصف للعليا بلا شك والسدس بينهما وبين الوسطى نصفين ; لأن العليا إن كان ذكرا فهذا السدس له ، وإن كانت أنثى فهذا السدس للوسطى ذكرا كان أو أنثى فكان بينهما نصفين وبقي ثلث المال كل واحدة منهن تدعيه وتقول أنا ذكر والثلثان لي والعصبة إناث جميعا تقول [ ص: 98 ] هذا الثلث لنا ، فباعتبار هذا المعنى كان الثلث بينهم أرباعا فقد أخذت العليا مرة ستة ومرة سهما ومرة سهما فذلك ثمانية ثلثا المال ، والوسطى أخذت مرة سهمين ومرة سهمين فذلك الثلث ، وإنما أخذت السفلى سهما والعصبة كذلك وذلك نصف السدس ، وإن لم يكن للميت عصبة فللعليا النصف بلا شك والسدس بينهما وبين الوسطى نصفين لما بينا والثلث بينهن أثلاثا فتكون القسمة من ستة وثلاثين للعليا مرة ثمانية عشر ومرة ثلاثة ومرة أربعة وللوسطى مرة ثلاثة ومرة أربعة وللسفلى أربعة ، فإن ترك ابنة وثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض خناثى كلهن وعصبة فعندنا للابنة النصف وللعليا السدس والباقي للعصبة ; لأن الخناثى إناث ما لم يستبن حالهن ، وإن لم يكن له عصبة فالباقي رد على الابنة وابنة الابن على قدر ميراثهما أرباعا .

وفي قياس قول الشعبي الفريضة من مائة وثمانين سهما للابنة مائة وثمانية عشر سهما وللعليا ثمانية وعشرون سهما وللوسطى ثمانية عشر سهما وللسفلى ثمانية أسهم وللعصبة ثلاثة عشر سهما ; لأن للابنة النصف من غير شك ، والسدس بينهما وبين العليا من بنات الابن نصفين لما بينا وثلث الثلث الباقي بين الابنة والعليا والوسطى وللعصبة أرباعا ; لأن السفلى لا تدعي من ذلك الثلث إلا بثلثه فإنها تقول أنا ذكر والبواقي إناث والثلث بيني وبين الوسطى أثلاثا ; لأن الذكر يعصب من فوقه بدرجة ممن لم يأخذ شيئا كما يعصب من هو في درجته فيخرج ثلث هذا الثلث عن منازعته وكل واحدة من البواقي تدعي ذلك لنفسها بدعواها الذكورة ، والعصبة تدعي ذلك لنفسها أيضا بدعواها أنهن إناث ، وأما ثلث الثلث بينهم جميعا أخماسا ; لأن كل واحدة منهن تدعي ذلك لنفسها بدعواها صفة الذكورة والعصبة كذلك فقد انكسر الثلث بالأثلاث والأرباع والأخماس فيضرب ثلاثة في خمسة فتكون خمسة عشر ، ثم خمسة عشر في أربعة فتكون ستين ، ثم في أصل المال ثلاثة فيكون مائة وثمانين فأما الابنة فقد أخذت النصف تسعين وجعلنا السدس بينها وبين العليا نصفين وذلك ثلاثون لكل واحدة خمسة عشر وجعلنا ثلث الثلث وذلك عشرون بين الأربعة سوى السفلى أرباعا لكل واحدة خمسة وجعلنا ثلثي الثلث وذلك أربعون بين الخمسة أخماسا لكل واحدة ثمانية ، فحصل للابنة مرة تسعون ومرة خمسة عشر ومرة خمسة ومرة ثمانية فذلك مائة وثمانية عشر ، ولابنة الابن مرة خمسة عشر ومرة خمسة ومرة ثمانية فذلك ثمانية وعشرون ، وللوسطى مرة خمسة ومرة ثمانية فذلك ثلاثة عشر .

وكذلك للعصبة ولم يسلم للسفلى إلا ثمانية أسهم فاستقام التخريج ، فإن كان أسفل [ ص: 99 ] منهن غلام معروف فعندنا للابنة النصف وللعليا من بنات الابن السدس تكملة الثلثين والباقي بين الذكر الأسفل وبين الوسطى والسفلى للذكر مثل حظ الأنثيين ; لأنهما بنتان والذكر من أولاد الابن يعصب من فوقه من الإناث ممن لم يأخذ شيئا بالفرضية ، وفي قول الشعبي نصف المال للابنة والسدس بينها وبين العليا نصفين وثلثا سدس المال بين الابنة والعليا والوسطى أثلاثا وثلث سدس المال بينهن وبين السفلى أرباعا وسدس المال الباقي بينهن وبين الغلام أخماسا من قبل أن الغلام يدعي أنهن إناث وأن له نصف ثلث الباقي في الحاصل فنصف الثلث وهو السدس خارج عن دعواه والسفلى تدعي أنه ذكر وأن الثلث الباقي بينه وبين الوسطى أثلاثا فثلثا السدس بزعمه للوسطى وهو ثلث الثلث ، وقد استوت منازعة الابنة العليا والوسطى في هذا الجزء وهو ثلثا السدس كل واحدة منهما تدعي ذلك لنفسها بدعواها صفة الذكورة فيكون بينهما أثلاثا وثلث السدس هما مع السفلى يدعونه فيكون بينهم أرباعا والسدس الباقي هم جميعا مع الغلام يدعونه فيكون ذلك بينهم أخماسا فقد انكسر الثلث بالأرباع والأخماس والأثلاث فإذا ضربت المخارج بعضها في بعض كان ذلك ستين ، ثم في أصل المال وهو ستة فيكون ذلك ثلثمائة وستين فقد أخذت الابنة مرة النصف مائة وثمانين ، ومرة نصف الثلث وذلك ثلاثون فهو مائتان وعشرة ، ومرة ثلث ثلثي السدس أربعين وهو ثلاثة عشر وثلث ، ومرة ربع ثلث السدس وذلك خمسة ، ومرة خمس السدس وذلك اثنا عشر فإذا جمعت ذلك كله كان ذلك مائتين وأربعين وثلثا ، وابنة الابن أخذت مرة ثلاثين ، ومرة ثلاثة عشر وثلثا ، ومرة خمسة ، ومرة اثني عشر فذلك ستون وثلث ، والوسطى أخذت مرة ثلاثة عشر وثلثا ، ومرة خمسة ، ومرة اثني عشر فذلك ثلاثون وثلث ، والسفلى أخذت مرة خمسة ، ومرة اثني عشر ، وما أخذ الغلام إلا اثني عشر فاستقام التخريج .

فإن كانت الوسطى أو السفلى معروفتان أيهما ابنتان والمسألة بحالها ففي قول الشعبي للابنة النصف والسدس بينها وبين العليا نصفين ومن الثلث الباقي للابنة ثلاثة وللعليا ثلاثة والثلث بين الوسطى والسفلى والغلام للذكر مثل حظ الأنثيين فصار هذا الثلث مقسوما على اثني عشر سهما فحاجتنا إلى حساب ينقسم ثلثه أرباعا فيكون جملة المال على ستة وثلاثين سهما نصف ذلك ثمانية عشر للابنة الصلبية بغير شك والسدس وهو ستة بينها وبين العليا نصفين ; لأن كل واحدة منهما تدعي ذلك بدعواها صفة الذكورة ولا ينازعهما في ذلك الوسطى والسفلى والغلام ; لأنهم يزعمون أنهما ابنتان وأن الثلثين لهما فلهذا [ ص: 100 ] قسم هذا السدس بينهما نصفين ، وأما الثلث الباقي فالوسطى والسفلى لا يدعيان شيئا من ذلك لأنفسهما إلا بالغلام الذي دونهما ; لأنهما ابنتان معروفتان حالهما فيعصبهما الغلام الذي هو دونهما في الباقي فقد استوى في هذا الثلث دعوى الغلام ودعوى العليا وابنة الصلب فيكون ثلاثة لابنة الصلب وثلاثة للعليا باعتبار أن كل واحدة منهما تدعي جميع ذلك لنفسها بدعوى صفة الذكورة . يبقى الثلث فهو بين الغلام والوسطى والسفلى للذكر مثل حظ الأنثيين فحصل لابنة الصلب مرة ثمانية عشر ، ومرة ثلاثة ، ومرة أربعة فذلك خمسة وعشرون وحصل للعليا مرة ثلاثة ، ومرة أربعة فذلك سبعة وحصل للغلام سهمان وللوسطى والسفلى لكل واحدة سهم .

وإن كانت السفلى هي المعروفة أنها ابنة والباقون خناثى فعلى قياس قول الشعبي للابنة النصف والسدس بين الابنة والعليا نصفين ونصف السدس بين الابنة والعليا والوسطى أثلاثا والباقي بينهم جميعا أرباعا للابنة ربعه وللعليا ربعه وللوسطى ربعه وربعه بين السفلى والغلام للذكر مثل حظ الأنثيين ، فيحتاج إلى حساب ينقسم ثلثه أسداسا وأرباعا وأثلاثا وذلك بأن تضرب ستة في أربعة فيكون أربعة وعشرين ، ثم في ثلاثة فيكون اثنين وسبعين ، ثم في ثلاثة فيكون مائتين وستة عشر النصف من ذلك مائة وثمانية للابنة بغير شك ، والسدس ستة وثلاثون بين الابنة والعليا نصفين لكل واحدة ثمانية عشر ; لأنه لا ينازعهما في الثلثين أحد والثلث نصفان ; لأن لكل واحدة ثمانية عشر ; لأنه لا ينازعهما في الثلثين أحد والثلث الباقي وذلك اثنان وسبعون فربعه وهو نصف السدس بين الابنة والعليا والوسطى أثلاثا ; لأن السفلى إنما تدعي هذا الثلث بالغلام والغلام يزعم أن الوسطى أنثى وأن الثلث الباقي بينه وبين الوسطى والسفلى للذكر مثل حظ الأنثيين أرباعا فربع هذا الثلث لا يدعيه الغلام والسفلى وقد استوى فيه دعوى العليا والوسطى والابنة كل واحدة تزعم أنها ذكر فيكون بينهم أثلاثا لكل واحدة ستة والباقي وهو ثلاثة أرباع الثلث وذلك أربعة وخمسون سهما استوى فيه دعوى الابنة والعليا والوسطى والغلام فيكون أرباعا ربعه للابنة وربعه للعليا وربعه للوسطى وربعه بين الغلام والسفلى للذكر مثل حظ الأنثيين ; لأن الغلام مقر أن ما يصيبه من هذا الميراث بينه وبين السفلى للذكر مثل حظ الأنثيين وإقراره حجة في حقه وربعه ثلاثة عشر ونصف فإذا جعل بينهما أثلاثا كان للغلام تسعة وللسفلى أربعة ونصف ، وإن أردت دفع الكسر بالأنصاف فاضعف الحساب

. امرأة تركت زوجها وأمها وأختا لأب وأم خنثى فماتت قبل أن يستبين [ ص: 101 ] أمرها ففي قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله للزوج النصف وللأم الثلث والباقي للخنثى ; لأنهم يجعلون للخنثى أسوأ حالة وأسوأ الأحوال هنا أن يكون ذكرا ، وفي الحقيقة لا يحكم بأنه ذكر ولا أنثى وكيف يحكم بذلك من غير دليل ولكن يعطيه أقل النصيبين ; لأنه هو المتيقن به وأقل النصيبين هنا نصف الذكر ; لأنه إذا جعل أنثى يستحق النصف وتعول الفريضة بسببها وإثبات العول بدون التيقن لا يجوز ولهذا جعلنا للأخ ما بقي ، وفي قياس قول الشعبي الفريضة من ثمانية وأربعين سهما ; لأن الخنثى إن كان ذكرا فالفريضة من ستة ، وإن كانت أنثى فالفريضة من ثمانية للزوج ثلاثة وللأم سهمان وللأخت ثلاثة فتعول بسهمين فالسبيل أن يضرب ستة في ثمانية فيكون ثمانية وأربعين ثلاثة أثمان ذلك وهو ثمانية عشر للزوج يعني وما زاد على ذلك إلى تمام النصف وهو ستة يستحقه في حال وهو أن يكون الخنثى ذكرا ، ولا يستحقه في حال فيعطيه نصف ذلك فيكون للزوج أحد وعشرون والأم لها اثنا عشر يعني وما زاد على ذلك إلى تمام الثلث وهو أربعة يستحقه في حال دون حال فيكون لها نصف ذلك فلها أربعة عشر والخنثى لها ثمانية يعني وما زاد على ذلك إلى تمام ثمانية عشر يستحق في حال دون حال فلها نصف ذلك فحصل لها ثلاثة عشر وللأم أربعة عشر فذلك سبعة وعشرون ، وللزوج أحد وعشرون فذلك ثمانية وأربعون ، وإن كان مع ذلك أخ لأم فللخنثى والزوج مثل ما كان لهما في الوجه الأول في قياس قول الشعبي وللأم والأخ لأم مثل ما كان للأم في الفريضة الأولى بينهما نصفين ; لأن في الفريضة الأولى للأم سهمان من ستة أو من ثمانية وهنا للأم سهم وللأخ لأم سهم من ستة أو من ثمانية فعرفنا أن نصيبهما هنا مثل نصيب الأم هناك وأن حالهما فيه على السواء فيقسم أربعة عشر بينهما نصفين وعلى قولنا هذا والأول سواء ; لأن نصيب الأخ لأم مع الخنثى يحول نصيب الأم إلى السدس ويكون السدس للأخ لأم فإنما يجعل للخنثى ما بقي وهو السدس باعتبار أنه أقل النصيبين له .
رجل مات وترك امرأته وأخوين لأمه وأختا لأب وأم هي خنثى فعندنا للمرأة الربع وللأخوين لأم الثلث وما بقي فهو للأخت الخنثى ; لأن أقل النصيبين له نصيب الذكر فإنه يأخذ خمسة من اثني عشر ولو جعلت أنثى كان لها ستة من ثلاثة عشر فلهذا جعلنا له الباقي ، وأما في قياس قول الشعبي الفريضة من مائة وستة وخمسين سهما ; لأن الخنثى إن كان ذكرا فالفريضة من اثني عشر ، وإن كان أنثى فالفريضة من ثلاثة عشر للمرأة سبعة وثلاثون ونصف ; لأنه ثلاثة أجزاء [ ص: 102 ] من ثلاثة عشر جزءا وذلك ستة وثلاثون لها يعني والربع تسعة وثلاثون فما زاد على ذلك إلى تمام الربع لها في حال دون حال فلها سبعة وثلاثون ونصف وللأخوين خمسون ; لأن مقدار ثمانية وأربعين لهما بيقين وما زاد على ذلك إلى تمام الثلث وهو أربعة يثبت في حال دون حال فينتصف وللخنثى ثمانية وستون ونصف ; لأن خمسة أجزاء ذلك ستون له بيقين وما زاد على ذلك إلى تمام سبعة وسبعين وذلك سبعة عشر لها في حال دون حال فينتصف فيكون لها ثمانية وستون ونصف ، فإن كان ترك مع ذلك أما ففي قولنا للأم السدس سهمان من اثني عشر وللمرأة الربع ثلاثة وللأخوين لأم أربعة وللخنثى ما بقي ; لأن أقل النصيبين نصيب الذكر هناك ، وفي قول الشعبي الفريضة من مائة وعشرين سهما ; لأن الخنثى إن كان ذكرا فالفريضة من اثني عشر ، وإن كانت أنثى فلها ستة وللأم السدس سهمان وللأخوين لأم أربعة وللمرأة ثلاثة تعول بثلاثة فتكون من خمسة عشر إلا أن بين خمسة عشر وبين اثني عشر موافقة بالثلث سيقتصر على الثلث من أحدهما وذلك أربعة ، ثم تضربه في خمسة فيكون ذلك ستين منه تصح المسألة .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #612  
قديم 30-12-2025, 03:19 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون

صـــ102 الى صـــ 111
(612)





وإن خرج كما في بعض النسخ من ضعف ذلك وهو مائة وعشرون فقد يخرج مستقيما من ستين فأما مقدار اثني عشر يعني وما زاد على ذلك إلى تمام الربع خمسة عشر وذلك ثلاثة لها في حال دون حال فيكون لها ثلاثة عشر ونصف قلنا ، وإنما إن مقدار اثني عشر لها بيقين ; لأن أقل النصيبين لها ثلاثة من خمسة عشر وهو الخمس وخمس ستين اثنا عشر فللأم ثمانية بيقين وما زاد على ذلك إلى تمام السدس سهمان وهو عشرة لها في حال دون حال فيكون لها تسعة وللأخوين لأم ستة عشر بيقين وما زاد على ذلك إلى تمام عشرين في حال دون حال فيكون لها ثمانية عشر بيقين وما زاد على ذلك إلى تمام أربعة وعشرين لها في حال دون حال فيكون تسعة عشر ونصفا ، وإنما خرجه في بعض النسخ من مائة وعشرين للتحرز عن الكسر بالأنصاف ، فإن ترك ابنة وثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض خناثى كلهن ولا عصبة له ففي قياس قول الشعبي الفريضة من مائة وثمانية أسهم من قبل أن النصف للابنة ثابت بغير شك والسدس سهمان بينهما وبين العليا نصفين ; لأن الوسطى والسفلى لا يدعيان ذلك فإنهما يزعمان أنهما ابنتان وأن الثلثين لهما ، ثم السفلى تزعم أنها ذكر وأن الوسطى أنثى والثلث الباقي بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين فهو لا يدعي ثلث هذا الثلث والوسطى والعليا والابنة كل واحدة تدعي ذلك لنفسها بدعواها صفة الذكورة فيكون بينهم أثلاثا يبقى ثلثا الثلث استوت فيه منازعتهن كل واحدة [ ص: 103 ] تدعي ذلك لنفسها فيكون بينهن أرباعا فيحتاج إلى حساب ينقسم ثلثه أثلاثا وأرباعا فالسبيل أن يضرب أربعة في ثلاثة فيكون اثني عشر ، ثم اثني عشر في ثلاثة فيكون ستة وثلاثين ، ثم ستة وثلاثين في أصل المال وهو ثلاثة فيكون مائة وثمانية للابنة مرة أربعة وخمسون وهو النصف ، ومرة نصف السدس تسعة فذلك ثلاثة وستون ، ومرة أربعة وهو ثلث ثلث الثلث ، ومرة ربع ثلثي الثلث وذلك ستة فستة وأربعة يكون عشرا إذا ضممت ذلك إلى ثلاثة وستين يكون ثلاثة وسبعين وللعليا مرة تسعة ، ومرة أربعة ، ومرة ستة فذلك تسعة عشر وليس للسفلى إلا ستة عشر فإذا جمعت بين هذه السهام كانت مائة وثمانية فاستقام التخريج والله أعلم بالصواب
كتاب الخنثى

( قال رضي الله عنه ) ذكر عن أبي يوسف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن مولود ولد في قوم له ما للمرأة وما للرجل كيف يرث فقال النبي صلى الله عليه وسلم من حيث يبول } وهكذا روي عن علي رضي الله عنه وهكذا نقل عن جابر بن زيد وعن قتادة وعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أنه يرث من حيث يبول ، وهذا حكم كان عليه العرب في الجاهلية على ما يحكى أن قاضيا فيهم رفعت إليه هذه الحادثة فجعل يقول هو رجل وامرأة فاستبعد قومه ذلك فتحير ودخل بيته في الاستراحة فجعل يتقلب على فراشه ولا يأخذه النوم لتحيره في هذه الحالة وكانت له بنية فغمزت رجليه فسألته عن تفكره فأخبرها بذلك وقالت دع الحال وابتغ المبال فخرج إلى قومه وحكم بذلك فاستحسنوا ذلك منه فعرفنا أن حكمه كان في الجاهلية قرره رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيجيء من المعنى ما يدل عليه فإن ما يقع به الفصل بين الذكر والأنثى عند الولادة الآلة ، وذلك في الآدمي وفي سائر الحيوانات ، وعند انفصال الولد من الأم منفعة تلك الآلة خروج البول منها وما سوى ذلك من المنافع يحدث بعد ذلك فعرفنا أن المنفعة الأصلية في الآلة أنها المبال ، فإذا كان يبول من مبال الرجل عرفنا أن آلة الفصل في حقه هذا وأن الآخر زيادة خرق في البدن ، فإذا كان يبول من مبال النساء عرفنا أن الآلة هذا وأن هذا بمنزلة مبالين في البدن ، فإن كان يبول منهما جميعا فالحكم لأسبقهما خروجا للبول منه ; لأن الترجيح [ ص: 104 ] بالسبق عند المعارضة ، والمساواة أصل في الشرع ، ولأنه كما خرج البول من أحدهما فقد حكم باعتبار أنه على تلك الصفة ( ألا ترى ) أنه لو لم يخرج من المبال الآخر بعد ذلك كان ما خرج علامة تمام الفصل وبعد ما حكم له بأحد الوصفين لا يتغير ذلك بخروج ذلك البول من الآلة الأخرى فهو بمنزلة رجل أقام بينة على نكاح امرأة وقضى له بها ثم أقام الآخر البينة لا يلتفت للبينة الثانية وكذلك لو ادعى نسب مولود وأقام البينة وقضى له به ثم ادعاه آخر وأقام البينة لا يلتفت إلى ذلك . وإن كان يبول منهما جميعا معا قال أبو حنيفة رحمه الله لا علم لي بذلك وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يورث بأكثرهما بولا ; لأن الترجيح عند المعارضة بزيادة القوة ، وذلك يكون بالكثرة كما يكون بالسبق إذ لا مزاحمة بين القليل والكثير كما لا مزاحمة بين اللاحق والسابق فالظاهر أن الذي يخرج منه البول أكثر هو المبال فالحكم للمبال ، وأبو حنيفة أبى ذلك لوجهين : أحدهما أن كثرة البول تدل على سعة المخرج ولا معتبر لذلك فمخرج بول النساء أوسع من مخرج بول الرجال ، والثاني أن الكثرة والقلة تظهر في البول لا في المبال ، والآلة الفصل المبال دون البول ، وباعتبار السبق يأخذ السابق اسم المبال قبل أن يأخذ الآخر ذلك الاسم ، وأما إذا خرج منهما جميعا فقد أخذا اسم المبال في وقت واحد على صفة واحدة ; لأن هذا الاسم لا يختلف بكثرة ما يخرج منه البول وقلته ثم إن أبا حنيفة رحمه الله استقبح الترجيح بالكثرة على ما يحكى عنه أن أبا يوسف رحمه الله لما قال بين يديه يورث من أكثرهما بولا قال يا أبا يوسف وهل رأيت قاضيا يكيل البول بالأواني ؟ ، فقد استبعد ذلك لما فيه من القبح وتوقف في الجواب ; لأنه لا طريق للتمييز بالرجوع إلى المعقول ولم يجد فيه نصا فتوقف وقال : لا أدري ، وهذا من علامة فقه الرجل وورعه أن لا يخبط في الجواب على ما حكي أن ابن عمر رضي الله عنه سئل عن مسألة فقال لا أدري ثم قال بخ بخ ، لابن عمر سئل عما لا يدري فقال لا أدري وكذلك أبو يوسف ومحمد قالا إذا استويا في المقدار لا علم لنا بذلك ولم ينقل عن أحد منهم أنه علم ذلك أو وقف فيه على دليل ليكون قول أبي حنيفة وأصحابه لا علم لنا به بقضايا فيهم والله أعلم .

وهذا الذي هو مشكل لا يخلو إذا بلغ هذه المعالم وإنما لا يبقى الإشكال فيه بعد البلوغ فلا بد أن يزول الإشكال بظهور علامة فيه فإنه إذا جامع بذكره أو خرجت له لحية أو احتلم كما يحتلم الرجال فهو رجل وقوله في ذلك مقبول ; لأنه أمر في باطنه لا يعلمه غيره ، وقول الإنسان شرعا مقبول فيما يخبر عما في باطنه مما لا يعلمه غيره ، وإن [ ص: 105 ] كان له ثديان مثل ثديي المرأة أو رأى حيضا كما ترى النساء أو كان يجامع ؟ كالمرأة أو ظهر به حبل أو نزل في ثدييه لبن فهو امرأة ; لأن هذه علامات الفصل للبلوغ ولا بد أن يظهر عليه بعضها عند بلوغه ; فإنه لا يخلو إذا بلغ عن هذه المعالم . قلنا لا يبقى الإشكال فيه بعد البلوغ وإنما يكون ذلك في صغره إذا مات قبل أن يبلغ وقد بينا اختلاف العلماء في ميراثه قبل أن يستبين أمره فيما سبق .

وإن مات قبل أن يستبين أمره وقد راهق لم يغسله رجل ولا امرأة ولكن ييمم الصعيد ; لأن الأصل أن النظر إلى العورة حرام وبالموت لا تنكشف هذه الحرمة إلا أن نظر هذا الجنس أخف فلأجل الضرورة أبيح النظر للجنس عند الغسل ، والمراهق كالبالغ في وجوب ستر عورته ، فإذا كان هو مشكلا لا يوجد له جنس أو لا يعرف جنسه أنه من الرجال أو من النساء فيعذر عليه لانعدام من يغسله وهو بمنزلة ما لو تعذر غسله لانعدام ما يغسل به فييمم الصعيد ، وهو نظير امرأة تموت بين رجال ليس معهم امرأة فإنها تتيمم الصعيد فهذا مثله ، فإن كان من ييممه من النساء يممته بغير خرقة ، وكذلك إن كان من الرجال من ذوي الرحم المحرم له ، وإن كان أجنبيا عنه يممه بخرقة ولا بأس بأن ينظر إلى وجهه ويعرض بوجهه عن ذراعيه لجواز أن يكون امرأة ، وفي هذا أخذ بالاحتياط فيما بني أمره على الاحتياط وهو السن والنظر إلى العورة .

وإن سجى دبره فهو أحب إلي ; لأن فيه نوع احتياط فلعله امرأة ومبنى حالها على الستر ولا بأس بأن يسجي دبر الرجل عند العذر كالحر والبرد والمطر ، واشتباه حاله في العذر أبلغ من ذلك ، وإن حمل على السرير مقلوبا فهو أحب إلي ; لأن الرجل يحمل على السرير مستويا بغير نعش والمرأة تحت نعش فإن حمل على السرير بغير نعش وهو امرأة كان فيه تشبيه النساء بالرجال ، وإن جعل على سريره النعش كان فيه تشبيه الرجال بالنساء إذا كان رجلا فأولى الوجهين أن يحمل على سريره مقلوبا ، وإن جعل على السرير النعش فيه المرأة فهو جائز أيضا ; لأنه أقرب إلى الستر والستر مندوب إليه عند اشتباه الأمر ، ويدخله قبره ذو رحم محرم منه لقوله تعالى { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض } ولأنه إذا كان أنثى فينبغي أن يرمسه من هو ذو رحم محرم منه ، وإن كان ذكرا فلا بأس بأن يرمسه محرمه عند الإدخال في قبره فكان هذا أحوط الوجهين ، ويكفن كما تكفن الجارية فهو أحب إلي ; لأنه أقرب إلى الستر ولأن الزيادة في كفن الرجل عند الحاجة جائزة ، واشتباه أمره من أقوى أسباب العذر فلهذا يكفن كما تكفن الجارية .

( ألا ترى ) أن في حالة الحياة يؤمر بالستر وينهى عن الكشف [ ص: 106 ] فكذلك بعد الموت ما كان أقرب إلى الستر في حقه فهو أولى والأصل فيه قوله عليه السلام { ما اجتمع الحلال والحرام في شيء إلا غلب الحرام الحلال . }
وأكره في حياته لبس الحلي والحرير ; لأن { النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الذهب بيمينه والحرير بشماله وقال هذان حرامان على ذكور أمتي حل لإناثها } فإنما أباح اللبس بشرط أنوثة اللابس ، وهذا الشرط غير معلوم في الخنثى ، ثم ما يتردد بين الحظر والإباحة يترجح معنى الحظر فيه لقوله عليه السلام { الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك } وترك لبس الحرير لا يريبه ولبسه يريبه ، يوضحه أن الاجتناب عن الحرام فرض والإقدام على المباح ليس بفرض فكان الاحتياط في ترك لبس الحرير لكي لا يكون مواقعا للحرام إن كان رجلا ، وإن قبله رجل بشهوة لم يتزوج أمه حتى يستبين أمره ; لأنه إن كان أنثى فتقبيله بعد ما راهق يثبت حرمة المصاهرة فتكون أمه حراما عليه من هذا الوجه ، وترك نكاح امرأة تحل له أولى من نكاح امرأة هي محرمة عليه ، وإن زوجه أبوه رجلا أو امرأة فلا علم لي بنكاحه وهو موقوف إلى أن يبلغ ; لأن الذكر يدخل في النكاح دخول المالكين ، والأنثى تصير مملوكة بالنكاح ولا يمكن إثبات واحد من الوصفين في حقه من غير دليل ، ولا وجه لإبطال إنكاح الولي في حال قيام ولايته ما لم يعلم أنه لم يصادف محله فيكون موقوفا إلى أن يبلغ ، فإن ظهرت فيه علامة الرجال وقد زوجه أبوه امرأة حكم بصحة النكاح من حين عقد الأب ; لأنه تبين أن تصرفه صادف محله ، وإن لم يصل إليها أجل كما يؤجل العنين ، وإن كان زوجه أبوه من رجل ثم ظهر به علامة الرجال فقد تبين أن هذا التصرف لم يصادف محله فكان باطلا .

وإن أحرم وقد راهق قال أبو يوسف لا علم لي بلباسه ; لأن الرجل في إحرامه يحرم عليه لبس المخيط ، والمرأة في إحرامها يلزمها لبس المخيط ويحرم عليها الاكتفاء بلبس الإزار والرداء فلما استوى الجانبان لا يمكن ترجيح أحدهما بغير حجة فتوقف فيه وقال لا علم لي بلباسه ، وقال محمد يلبس لباس المرأة ; لأنه أقرب إلى الستر ، ومبنى حاله على الستر كما في غير حالة الإحرام ولأن لبس المخيط للرجل في إحرامه جائز عند العذر ، واشتباه أمره من أبلغ الأعذار ، ولا شيء عليه في ذلك ; لأنه لم يبلغ ، وكفارة الإحرام بارتكاب المحظور لا تجب على غير البالغ عندنا ويصلي بقناع أحب إلي ; لأنه أقرب إلى الستر ولأنه إن كان رجلا فالتقنع لا يمنع جواز صلاته ، وإن كان أنثى فإنها تؤمر بالتقنع في صلاتها إذا كانت مراهقة ، فعند الاشتباه يترجح هذا الجانب ، ويجلس في صلاته [ ص: 107 ] كجلوس المرأة معناه يخرج رجليه من جانب ويفضي بأليتيه إلى الأرض ; لأنه أقرب إلى الستر ولأن الرجل لا بأس بأن يجلس كذلك عند العذر ، واشتباه الحال أبين الأعذار ، ويكون في الجماعة خلف صف الرجال وأمام صف النساء ; لأن تمام الاحتياط فيه ; فإنه إن كان رجلا فوقوفه في صف النساء يفسد صلاته ، وإن كانت امرأة فوقوفها يفسد صلاة من عن يمينها وعن يسارها ومن خلفها من الرجال بحذائها ; لأن المراهقة في هذا كالبالغة استحسانا فإذا وقف في صف الرجال أمام صف النساء نتيقن بجواز صلاته وصلاة جميع القوم ، فإن وقف في صف النساء فأحب إلي أن يعيد الصلاة ; لأن سبب وجوب الصلاة عليه معلوم والسقوط بهذا الأداء مشتبه والأخذ بالاحتياط في باب العبادات أحب إلي إلا أنه لم يلزمه الإعادة قطعا ; لأن المسقط وهو الأداء معلوم والمفسد وهو محاذاة المرأة الرجل في صلاة مشتركة موهوم فللتوهم أحب له أن يعيد الصلاة ، وإن أقام في صف الرجال فصلاته تامة ; لأنا نتيقن بجواز صلاته ذكرا كان أو أنثى ويعيد الذي عن يمينه وعن يساره ومن خلفه سجدات صلاتهم والمراد على طريق الاستحباب لما بينا أن محاذاة المرأة الرجل في حقهم موهوم ومبنى العبادة على الاحتياط فيستحب لهم أن يعيدوا صلاتهم لهذا .
وإن مات هذا الخنثى المشكل فصلى عليه وعلى رجل وامرأة وضع الرجل مما يلي الإمام والخنثى خلفه مما يلي القبلة والمرأة خلف الخنثى اعتبارا بحالة الحياة فإن صف الرجال أقرب إلى الإمام من صف الخناثى لقوله عليه السلام { ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم } فقد أمر بأن يقرب منه من هو أفضل والأصل فيه قوله تعالى { ويؤت كل ذي فضل فضله } وللرجال زيادة درجة على النساء فينبغي أن تكون جنازة الرجل أقرب إلى الإمام من جنازة النساء والخنثى المشكل لتردد الحال فيه تجعل جنازته خلف جنازة الرجل وأمام جنازة المرأة ، فإن دفنوا في قبر واحد من عذر فلا بأس بذلك ; لأن { النبي صلى الله عليه وسلم أمر يوم أحد أن يدفن جماعة من الشهداء في قبر واحد وأن يجعل بين كل ميتين حاجز من التراب } فيفعل كذلك هنا ويوضع الرجل مما يلي القبلة ثم خلفه الخنثى ثم خلفه المرأة ; لأن جهة القبلة أشرف فيكون الرجل بالقرب منه أحق .

( ألا ترى ) في حديث أحد روي أن { النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتقديم أكثرهم أخذا للقرآن إلى جانب القبلة } ويجعل بين كل ميتين حاجز من الصعيد فيصير ذلك في حكم قبرين .

وإن قذف رجلا بعد ما بلغ قبل أن يستبين أمره أو سرق منه أقيم الحد عليه ; لأنه صار بالبلوغ مخاطبا وحد القذف [ ص: 108 ] والسرقة لا يختلف بالذكورة والأنوثة ، واشتباه حاله لا يمنع بتحقق قذفه موجبا للحد عليه ولا تحقق سرقته والسرقة منه موجب القطع ، وإن قذفه رجل فلا حد على قاذفه بمنزلة المجنون والرتقاء إذا قذفها رجل ، وهذا لأن القاذف يستوجب الحد بنسبة الرجل إلى فعل يباشره ونسبة المرأة إلى التمكين من فعل يباشره غيرها ، ومع اشتباه أمره لا يتقدر السبب ولا يدري أن قاذفه إلى أي فعل نسبه ، فإن كان نسبه إلى مباشرة الفعل وهو امرأة كان قد نسبه إلى محال فيكون بمنزلة قاذف الرتقاء والمجنون ، وإن كان قد نسبه إلى التمكين وهو رجل كان قد نسبه إلى ما هو قاصر في حقه غير موجب للحد عليه ، وعند اشتباه الأمر لا يمكن إقامة الحد على القاذف .

وإذا قطع رجل يده أو امرأة قبل أن يستبين أمره فلا قصاص على القاطع ; لأن حكم القصاص فيما دون النفس يختلف بالذكورة والأنوثة لا يجري القصاص بين الرجال والنساء وفي الأطراف ، فإن كان القاطع رجلا لم يجب القصاص إذا كانت هي امرأة ، وإن كان القاطع امرأة لم يجب القصاص إذا كان هو رجلا ، فعند الاشتباه يتمكن فيه الشبهة ، والقصاص عقوبة تندرئ بالشبهات وبه فارق القصاص في النفس فإنه لا يختلف بالذكورة والأنوثة سواء قتله رجل أو امرأة كان عليه القصاص لتيقننا بوجوبه وتقرر سببه ، ولو قطع هذا الخنثى يد رجل أو امرأة أو قتله لم يكن عليه قصاص ولكن الدية على عاقلته ; لأنه صغير لم يبلغ فعمده وخطؤه سواء ، ولو صلى بغير قناع قبل أن يدرك لم آمره بالإعادة ; لأن أسوأ أحواله أن يكون أنثى والمراهقة إذا صلت بغير قناع لا تؤمر بالإعادة استحسانا زاد في بعض النسخ ، وإن كان بالغا فصلى بغير قناع أمرته أن يعيد ، وهذا بطريق الاحتياط ولكن لا يتصور بقاؤه مشكلا بعد البلوغ ، وإن تصور يحكم بهذا ، وأكره له أن ينكشف قدام الرجال وقدام النساء إذا كان قد راهق حتى يستبين أمره لتوهم أن يكون امرأة والمرأة عورة مستورة ، وهذه المسألة تدل على أن نظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى ذوات محارمه لا كنظر الرجل إلى الرجل ; لأنه لو كان كنظر الرجل إلى الرجل لجاز للخنثى التكشف من النساء فإنه ليس المراد من التكشف إبداء موضع العورة ; لأن ذلك لا يحل لغير الخنثى أيضا ولكن المراد أن يكونا في إزار واحد وفي هذا الفصل روايتان بيناهما في الاستحسان .

وأكره أن يخلو به من ليس بمحرم له من رجل أو امرأة لقوله عليه السلام { ألا لا يخلون رجل بامرأة ليس منها بسبيل فإن ثالثهما الشيطان } وإذا خلى الخنثى برجل فمن الجائز أنه امرأة فتكون هذه خلوة رجل بامرأة أجنبية [ ص: 109 ] وإذا خلا بامرأة فمن الجائز أنه ذكر خلا بأجنبية والمراهقة في المنع من هذه الخلوة كالبالغة ; لأن المنع لخوف الفتنة . وكذلك يكره أن تسافر معه امرأة محرما كانت أو غير محرم ; لأن من الجائز أن الخنثى أنثى فتكون هذه مسافرة امرأتين بغير محرم لهما وذلك حرام ، ويكره أن يسافر الخنثى إلا مع محرم من الرجال ثلاثة أيام فصاعدا ; لأن من الجائز أنه أنثى ، ولا يجوز شهادته حتى يدرك ; لأن الصغير يعدم أهلية الشهادة ، وأكره له أن يلبس الحلي والذهب حتى يستبين أمره لجواز أن يكون ذكرا .
ولو كان لرجل ولدان خنثيان فمات أبوهما أحرزا ميراثه كله في قول الشعبي ; لأن عنده يرث كل واحد منهما نصف ميراث رجل ونصف ميراث أنثى ، وعندنا ما زاد على نصيب الابنتين موقوف حتى يستبين أمرهما وقد بينا هذا في فرائض الخنثى ولا يرث الخنثى بولاء الغير ما لم يستبن أمره ; لأنه في حكم الميراث أنثى .
ولو أوصى رجل لما في بطن امرأة بألف درهم إن كان غلاما وبخمسمائة إن كانت جارية فولدت هذا الخنثى قال يوقف الخمسمائة الفاضلة في قوله حتى يتبين أمره ; لأن الوصية أخت الميراث وقد جعلناه في الميراث كالأنثى ما لم يتبين أمره ، وهذا لأنا لا نعطيه إلا بالمتيقن به والمتيقن به هو الأقل وفي قياس قول الشعبي ينبغي أن يكون له سبعمائة ; لأنه يجعل الخنثى في الميراث بمنزلة نصف رجل ونصف امرأة فكذلك في الوصية ، وهذا لأن اعتبار الأحوال عند الاشتباه أصل معتبر في الشرع ، ولو قال إن كان أول ولد تلدينه غلاما فأنت طالق أو قال لأمته إن كان أول ولد تلدينه جارية فأنت حرة فولدت الحرة والأمة هذا الخنثى المشكل لم يقع الطلاق ولا العتاق حتى يتبين أمره ; لأن المتعلق بالشرط لا ينجز ما لم يوجد الشرط حقيقة ومع الإشكال لا يتبين وجود الشرط فهذا نظير ما لو قال إن لم أدخل دار فلان فعبده حر ثم مات ولا يعلم أدخل أو لم يدخل لا يحكم بوقوع العتق لهذا المعنى فكذلك هنا ، فإن فرض لهذا الخنثى في الغنيمة لم يجز حتى يستبين أمره وإن شهد الوقعة وصح له بسهم ; لأنه صغير ما دام مشكل الحال وقد بينا أن الإشكال لا يبقى بعد البلوغ ولأنه متردد الحال فلا يثبت في حقه إلا أدنى الأمرين وكذلك الرضخ دون السهم .
وإن أخذ الخنثى أسيرا من الكفار أو ارتد بعد الإسلام لم يقتل ; لأن القتل عقوبة يندرئ بالشبهات فإما أن يكون هذا في حال الصغر والصغير لا يستوجب العقوبة أو بعد البلوغ فيتوهم كونه أنثى ، وإن كان الخنثى من أهل الذمة لم يوضع عليه خراج رأسه لهذين المعنيين وكذلك لا يدخل الخنثى في القسامة مع العقلاء ولتوهم الأنوثة .
ولو قال رجل [ ص: 110 ] كل عبد لي حر أو قال كل أمة لي حرة وله مملوك خنثى لم يعتق حتى يستبين أمره ، وإن قال القولين جميعا عتق ; لأنه عند تيقن الجمع فإن الإيجاب يتناوله بأحد اللفظين ، وعند الانفراد بأحد اللفظين لا يتيقن ذلك والرق فيه يقين ، وكذلك إن قال إن ملكت عبدا فامرأته طالق فاشترى الخنثى لم تطلق وكذلك إن قال القولين جميعا طلقت بشراء الخنثى لتيقننا بوجود الشرط .
وإن قال الخنثى أنا رجل أو قال أنا امرأة لم يقبل قوله إن كان قد علم أنه مشكل ; لأنه يحارف عما يخبر به عن نفسه فإنه لا يعلم من ذلك إلا ما يعلم غيره .
ويكره أن تجسسه رجل وامرأة حتى يبلغ ويستبين أمره ; لأن المراهق بمنزلة البالغ في وجوب ستر عورته ، ونظر الجنس إلى خلاف الجنس لا يباح في حالة الاختيار فسواء جسسه رجل أو امرأة يتوهم نظر خلاف الجنس ولكن يشتري له جارية عالمة بذلك من ماله تجسسه ; لأنه يملكها بالشراء حقيقة فإن كان الخنثى امرأة فهذا نظر الجنس إلى الجنس فإن كان رجلا فهذا نظر المملوكة إلى مالكها ، قال محمد رحمه الله إن كان معسرا اشترى له الإمام جارية بمال بيت المال فتجسسه ثم باعها وجعل ثمنها في بيت المال ، وأبو حنيفة وأبو يوسف لا يخالفان محمدا رحمه الله في هذا ولكنه خص قوله ; لأنه لم يحفظ جوابهما ثم مال بيت المال معد لمصالح المسلمين ، وهذا من جملتها وفيه إقامة ما هو ظهره بمنزلة المستحقة شرعا فيكون للإمام أن يحصل ذلك بمال بيت المال ولم يذكر في الكتاب أنه يزوج امرأة خناثة وكأن الشيخ الإمام رحمه الله يقول إنما لم يذكر ذلك ; لأنه لم يتيقن بصحة نكاحه ما لم يتبين أمره ، ولكن لو فعل مع هذا كان مستقيما ; لأن الخنثى إن كان امرأة فهذا نظر الجنس إلى الجنس والنكاح لغو ، وإن كان رجلا فهذا نظر المنكوحة إلى زوجها ، وإن زوجه أبوه قبل أن يبلغ رجلا أو زوجه امرأة فإن ذلك موقوف لا يجيزه ولا يبطله ولا يتوارث حتى يستبين أمره . أما لا نبطله لأن العاقد ولي ولا نجيزه ; لأنا لا نعلم بمصادفة هذا العقد محله ، ولا يتوارث ; لأن التوارث من حكم انتهاء العقد الصحيح بالموت ، وإن قتل خطأ قبل أن يستبين أمره فعلى قول الشعبي على القاتل نصف دية المرأة ونصف دية الرجل باعتبار الأحوال ، وعندنا القول قول القاتل وعلى أولياء القتيل البينة ; لأن القاتل منكر للزيادة فكان القول قوله مع يمينه وعلى مدعي الزيادة إثباتها بالبينة .
رجل مات وترك ابنا وامرأة وولد من هذه المرأة خنثى فمات الخنثى بعد أبيه فادعت أمه أنه كان غلاما يبول من حيث يبول الغلام وادعى الابن أنه كان يبول من حيث [ ص: 111 ] تبول الجارية فالقول قول الابن ; لأنها تدعي الزيادة في ميراثها منه والابن منكر للزيادة فالقول قوله مع يمينه على علمه ; لأنه يستحلف على فعل الغير ، والبينة بينة الأم سواء أقامت هي وحدها أو أقاما جميع البينة ; لأنها تثبت الزيادة في حقها والابن ينفي بينة تلك الزيادة ، ولو أقامت الأم بينة على ذلك وأقام رجل البينة أن الميت زوجه هذه الصبية على ألف درهم وأنها كانت تبول من حيث تبول النساء وطلب ميراثه منها قال فالبينة بينة الزوج ; لأن في بينته زيادة إثبات ; فإنه يثبت صحة النكاح والميراث لنفسه فكانت بينته أولى بالقبول ، ثم للأم نصيبها من الصداق وغيره ، ولا يقال هي تنكر وجوب الصداق فكيف تأخذ نصيبها منه لأنها صارت مكذبة فيما زعمت في الحكم ، وقد بينا أن زعم الزاعم يسقط اعتباره إذا جرى الحكم بخلافه ، وكذلك إن أقام كل واحد منهما البينة أنه كان يبول من المبال الذي ادعاه ولم يكن يبول من المبال الآخر ; لأن قوله ولم يكن يبول نفي والشهادة بلفظ النفي لا تكون مقبولة فوجود هذه الزيادة كعدمها .
ولو أقامت امرأة البينة أن أباها زوجها إياه في حال حياته وأمهرها عنه ألف درهم وأنه كان غلاما يبول من حيث يبول الغلام خاصة وأقامت الأم البينة أنه كان يبول من حيث تبول النساء فالبينة بينة المرأة لما فيها من إثبات الزيادة وهو أصل النكاح والمهر والميراث ، وكذلك لو صدقتها الأم فيما ادعت وأقام الابن البينة أنه كان جارية فالبينة بينة المرأة لما بينا ، ولو أقامت هذه المرأة البينة على ما وصفنا وأقام الزوج البينة على ما وصفنا في المسألة الأولى فالبينة بينة المرأة وهو إثبات الصداق فتترجح بذلك ; لأن البينتين تعارضتا في إثبات النكاح والميراث وفي بينة المرأة زيادة وهو إثبات الصداق فتترجح لذلك ، وإن وقعت البينتان في وقتين فالوقت الأول أولى ; لأن صاحب الوقت الأول يثبت عقده وحده في الخنثى في وقت لا ينازعه غيره فيه وبعد ما ثبت ذلك في الوقت الأول الذي استند إليه تصير البينة الثانية محالا ، وإن كان الخنثى حيا أبطلت ذلك كله ولم أقض بشيء منه ; لأن في حال حياته المقصود هو الحل وقد تعارضت البينتان فيه وانتفتا لاستحالة أن يكون الشخص الواحد زوجا وزوجة بخلاف ما بعد موته فالعقد قد ارتفع هناك على أي وجه كان وإنما المقصود المهر والميراث فصرنا إلى الترجيح بإثبات الزيادة ، وهو نظير أختين ادعيا نكاح رجل بعد موته وأقامت كل واحدة منهما البينة قضي لهما بالميراث منه ولو كان الرجل حيا لكان يبطل البينتين إذا لم يوقتا .

وكذلك لو ادعى رجلان نكاح امرأة فهو على هذا في [ ص: 112 ] الفرق بين ما بعد الموت وقبله . قال : وليس يكون الخنثى مشكلا بعد الإدراك على حال من الحالات ; لأنه إما أن تحبل أو تحيض أو تخرج له لحية أو يكون له ثديان كثديي المرأة وبهذا يتبين حاله ، وإن لم يكن له شيء من ذلك فهو رجل ; لأن عدم نبات الثديين يكون دليلا شرعيا على أنه رجل ، وإذا قال أبوه أو وصيه هو غلام أو قال هي جارية فالقول قوله إذا كان لا يعلم ، فإن كان لا يعلم أنه مشكل لم يقبل قوله ; لأنه قائم مقام الصغير فيكون إخباره بذلك كإخبار الخنثى بنفسه ، وإذا مات الخنثى بعد موت أبيه وهو مراهق فأقام الرجل البينة أن أباه زوجه على هذا الوصيف فأمر بدفعه إليها وأنه كان يبول من مبال النساء وأنه قد طلقها في حياته قبل أن يدخل بها فوجب له نصف هذا العبد ، وأقامت امرأة البينة أن أباها زوجها إياه في حياته على ألف درهم وأنه كان يبول من مبال الغلام فإن وقتت البينتان وقتين فصاحب الوقت الأول أولى ; لأنه أثبت دعواه في وقت لا ينازعه غيره فيه والإبطال للمعارضة وقد انعدم هذا ، وإن لم توقت البينتان ولا يعرف أيهما أول أبطلت ذلك كله ; لأن البينتين استويا في معنى الإثبات ففي كل واحد منهما إثبات النكاح والميراث وإثبات المهر أيضا ; لأن الرجل يثبت ببينته الملك لنفسه في نصف الوصيف والمرأة تثبت المهر ، والجمع بينهما ممتنع فللتعارض قلنا بأنه تبطل البينتان بخلاف ما تقدم فهناك إثبات المهر في بينة المرأة دون بينة الرجل ، وكذلك لو أقام الرجل البينة أن أباه زوجها إياه برضاها وأنه دخل بها فولدت هذا الغلام أبطلت ذلك كله ; لأنه في كل واحدة من البينتين إثبات النكاح والنسب والميراث فاستويا والجمع بينهما محال ، وإذا لم يعرف الحق منهما أبطلت ذلك كله ، ولو قامت إحدى البينتين وقضى القاضي بها ثم جاءت الأخرى لم يلتفت إليها ; لأنا نتيقن بكذب أحد الفريقين فمن ضرورة القضاء بصدق الفريق الأول الحكم بكذب الفريق الثاني هذا هو الصحيح من الجواب .

وقع في بعض ذلك تشويش في الرواية فقال إذا لم يكن هناك ولد وقامت البينتان ولم يوقتا ولم يقض القاضي بواحدة منهما فإني أبطل ذلك كله وأرده ، وهذا الجواب إنما يكون في حال حياة الخنثى فأما بعد موته فقد بينا أن بينة المرأة أولى لما في بينتها من إثبات الزيادة وهو المهر .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #613  
قديم 30-12-2025, 03:30 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون

صـــ112 الى صـــ 121
(613)






ولو كان الخنثى من أهل الكتاب فادعى مسلم أن أباه زوجه إياها على مهر مسمى وأقام بينة من أهل الكتاب وادعت امرأة من أهل الكتاب أنه زوجها وأقامت بينة من أهل الكتاب [ ص: 113 ] قضيت ببينة المسلم ; لأن المسلم أقام ما هو حجة عليها وهي أقامت ما ليست بحجة عليه ، وكذلك لو كان الرجل من أهل الكتاب وبينته من أهل الإسلام قضيت بها له ; لأن إبطال البينتين بحكم المعارضة والمساواة ولا معارضة بين شهادة المسلمين وشهادة الكفار فلا يجوز أن تجعل شهادة المسلمين مردودة لمكان شهادة الكفار .
وإذا مات هذا الخنثى فادعت أمه ميراث غلام وجحد الورثة ذلك وأقر الوصي به قال إذا جاءت الأموال والديون لم أصدق الوصي ; لأن عند الدعوى والجحود الحاجة إلى حجة حكمية ، وقول الوصي لا يكفي لذلك في حق الورثة بخلاف ما إذا لم يكن هناك دعوى المال فأخبر الوصي أنه غلام أو جارية فإنه يقبل قوله ; لأن الوصي قائم مقامه وهو لو أخبر بنفسه في حياته كان قوله مقبولا إذا لم يعرف خلاف ذلك منه إلا فيما يرجع إلى إلزام الغير فكذلك قول الوصي بعد موته ، وإن كان الوصي أخاه فزوجه امرأة ثم مات الخنثى فقال الوصي هو غلام وقال بقية الورثة هو جارية لم يصدق الأخ إلا في نصيبه يرث من ذلك القدر معه ; لأن الوصي أحد ورثة الخنثى وقد أقر بصحة نكاحه وأن لها منه ميراث النساء ، وأحد الورثة إذا أقر بوارث آخر بسبب القرابة أو النكاح صدق في نصيب نفسه وإن لم يثبت أصل النسب بإقراره ، فإن كان له أخ آخر فأقر أنه جارية وزوجه رجلا ثم مات الخنثى وهو مراهق لم يتبين حاله فنكاح الأول جائز على الزوج دون غيره ، ولا يجوز نكاح الثاني على الثاني ولا على غيره من الورثة ; لأن كل واحد من الأولين يستند بالعقد كأنه ليس معه غيره فحين زوجه أحدهما لا يحكم ببطلان النكاح ليكون المزوج وليا ، ولو جعلنا النكاح من الثاني معتبرا كان من ضرورته الحكم ببطلان النكاح الأول وذلك لا وجه له ولأنه لما استويا ترجح الأول بالسبق فيتعين جهة البطلان في العقد الثاني وبالعقد الباطل لا يستحق الميراث ، فإن لم يعرف أيهما أول أبطلت ذلك كله ولم أورثهما شيئا لتحقق المعارضة والمساواة بينهما وتنافي الجمع بينهما ، ويجوز عتق هذا الخنثى عن الرقبة الواجبة ; لأن الواجب رقبة مطلقة يستوي فيه الذكر والأنثى والخنثى على أحد الوصفين لا محالة . ولا يحضر - إن كان مراهقا - غسل امرأة ولا رجل كما لا يغسله إذا مات رجل ولا امرأة لتوهم نظر الجنس إلى خلاف الجنس .

وإذا زوج خنثى من خنثى وهما مشكلان على أن أحدهما رجل والآخر امرأة لم أجز النكاح ولم أبطله حتى يتبين أمرهما ; لأن العقد صدر بين الوليين فلا يحكم ببطلانه ما لم يعلم أنه لم يصادف محله ولا يحكم بجوازه لتوهم كونهما أنثيين [ ص: 114 ] أو ذكرين أو على عكس ما قدره الوليان ، وإن ماتا لم يتوارثا ; لأن الإرث إنما يكون بعد الحكم بصحة النكاح ، وإن كان لم يعرف كل واحد منهما أنه مشكل أجزت النكاح إذا كان الأبوان هما اللذان زوجا ; لأن أب الزوج منهما أخبر أنه غلام ، وأب المرأة منهما أخبر أنها امرأة وخبر كل واحد منهما مقبول شرعا ما لم يعرف خلاف ذلك فوجب الحكم بصحة النكاح بناء على ذلك ، فإن ماتا بعد ذلك الأبوين وأقام كل واحد من ورثتهما البينة أنه هو الزوج وأن الأخرى هي الزوجة لم أقض بشيء من ذلك ، فأما إذا قامت البينة بخلاف ما جرى الحكم به فهو مردود بلا إشكال ، وإن لم يعلم أيهما كان الزوج فقد تعارضت البينتان واستويا في أن كل واحدة منهما تنقض الأخرى ، وإن قامت إحدى البينتين أولا واتصل القضاء بها تعين البطلان للبينة الأخرى .
وإذا شهد شهود على خنثى أنه غلام وشهد شهود آخرون أنه جارية فإن كان يطلب ميراثا بهذه البينة قضيت بشهادة الشهود الذين شهدوا أنه غلام ; لأن فيه إثبات الزيادة ، وإن كان لا يطلب ميراثا وكان رجل يدعي أنها امرأته قضيت بأنها جارية ; لأن في هذه البينة إثبات النكاح والحل ، وإن كان لا يطلب شيئا ولا يطلب من قبله شيء لم أسمع هذه البينة ; لأن قبول البينة تنبني على دعوى صحيحة ولا تصح الدعوى لصحة الذكورة والأنوثة إذا لم يدع بها شيئا فلهذا لا تقبل البينة وهو بمنزلة من أثبت الأخوة بالبينة وهو لا يدعي بذلك شيئا إذ الثابت بالبينة كالثابت بالإقرار ، وقد بينا أنه بعد ما عرف كونه مشكلا إذا أقر أنه على أحد الوصفين لم يقبل إقراره بذلك إذا قامت البينة به والله أعلم بالصواب
كتاب حساب الوصايا قال الشيخ الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله اعلم بأن مسائل هذا الكتاب من تفريع الحسن بن زياد وقد كان هو المقدم في علم الحساب من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله ويوجد غير هذه المسائل في تصنيف له سماه التكملات وإنما جمعها محمد بن الحسن رحمه الله في هذا التصنيف بعد ما صنف كتب الحساب وسماه حساب الوصايا ; لأن مقصوده تحقيق طريق التعميم الذي هو الأصل لأهل الكوفة في تخريج مسائل الحساب عليه والحساب قل ما يعتمدون ذلك الطريق ولكن الفقهاء رحمهم الله قدموه على سائر الطرق ; لأنه أقرب إلى طريق الفقه ، ومن سلك طريق [ ص: 115 ] الورع من أصحابنا لا يشتغل في شرح مسائل كتب الحساب بطريق الحساب .

ويقولون : إنا لا نقف على حقيقة تلك الطرق ولا ندري أنها توافق فقه الشريعة أم لا ، وليس في الاشتغال بها كثير فائدة فيكتفى بما هو طريق الفقهاء رحمهم الله ومنهم من اشتغل بذكر ذلك الطريق وقالوا : إن الحساب كسبي في الابتداء ضروري في الانتهاء ، وفي الفقه كسبي في الابتداء والانتهاء ; لأن المجتهد في الابتداء لا يدري أيصيب يقينا أم لا وبعد ما اجتهد لا يدري أنه أصاب يقينا أم لا وفي الحساب نتيقن إن أصاب في الابتداء فهو ضروري في الانتهاء فذكر طريق الحساب في مسائل الفقه لبيان أنه قد يستدل بطريق الفقه على ما يكون بمنزلة الضروري في الانتهاء وقد ذكرنا طرق الحساب في بعض ما تقدم من المسائل فيكتفى في بيان مسائل هذا الكتاب بما اعتمده محمد رحمه الله وهذا طريق التعميم وقد سماه ثم الكسر والتعميم هو الأصل فنقول رجل مات وترك ابنا وابنة وأوصى بمثل نصيب الابن فأجاز الابن ولم تجز الابنة فالقسمة من خمسة وأربعين سهما للابنة عشرة وللابن ثمانية عشر وللموصى له سبعة عشر ; لأنا نصحح الوصية لو أجازا جميعا فنقول : عند إجازتهما تكون الفريضة من خمسة أسهم ; لأن قبل الوصية المال بين الابن والابنة أثلاثا وقد أوصى بمثل نصيب الابن ومثل الشيء غيره فيزداد للموصى له سهمان فتكون الفريضة من خمسة ثم تصحح الفريضة ; لو لم يجز فنقول : الفريضة من تسعة ; لأن الموصى له يأخذ ثلث المال والباقي بين الابن والابنة أثلاثا فتكون الفريضة من تسعة فإذا أجاز أحدهما ولم يجز الآخر فالسبيل أن نضرب تسعة في خمسة فيكون خمسة وأربعين خمسة عشر سهما وهو الثلث من ذلك للموصى له بلا منة الإجازة وللابنة ثلث ما بقي عشرة أسهم ; لأنها لم تجز الوصية فتأخذ كمال حقها من الثلثين والابن قد أجاز الوصية وباعتبار الإجازة حقه في خمسي المال وكل خمس تسعة ; فله ثمانية عشر فهو يأخذ من الباقي ثمانية عشر ويدفع سهمين إلى الموصى له فيحصل للموصى له سبعة عشر وللابن ثمانية عشر وإذا لم تجز الابنة أخذت حقها عشرة فانتقص بما كان يسلم للموصى له بالإجازة سهم وبقي سهمان وضرر الإجازة يكون عليهما بقدر نصيبهما والتفاوت ما بين حالة الإجازة وعدم الإجازة للموصى له ثلاثة أسهم سهمان من ذلك من نصيب الابن وسهم من نصيب الابنة ، والابن قد رضي بالتزام هذا الضرر ورضاه يعمل في نصيبه دون نصيب الابنة فلهذا دفع سهمين من نصيبه إلى الموصى له .

فإن قيل ترك ثلاث بنين وأوصى لشخص بمثل نصيب أحدهم ولآخر [ ص: 116 ] بثلث ما بقي من الثلث فالقسمة من ثلاثة وثلاثين للموصى له بمثل نصيب أحدهم ثمانية وللآخر سهم ولكل ابن ثمانية .

والطريق في تخريجه أن تأخذ عدد البنين وهو الثلاثة فتزيد عليها سهما للوصية بمثل النصيب ثم تضرب ذلك في ثلاثة لمكان وصيته بثلث ما بقي من الثلث فيكون اثنا عشر ثم ادفع منه ما زدت للنصيب وهو واحد ; لأن الوصية بثلث ما بقي بعد النصيب فيبقى أحد عشر سهما فهو الثلث وجملة المال ثلاثة وثلاثون .

وإذا أردت أن تعرف النصيب فخذ النصيب وهو السهم واضربه في ثلاثة فيكون تسعة ثم ارفع منه سهما كما رفعته من أصل الثلث يبقى ثمانية فهو النصيب إذا رفعت ذلك من الثلث يبقى ثلاثة للموصى له بثلث ما بقي سهم وترد الباقي ، وذلك سهمان على ثلثي المال فيكون أربعة وعشرين مقسوم بين ثلاثة بنين لكل ابن ثمانية مثل النصيب قال في الأصل فإن أردت أن تحسبه بالجامع ومراده طريق الخطأين وفي تخريجه ثلاث طرق أحدها يسمى طريق التقدير والآخر يسمى طريق الجامع الأصغر ، والآخر طريق الجامع الأكبر فالذي ذكر في الكتاب أن قال : خذ مالا فوق العشرة له ثلث وهو اثنا عشر فأخرج ثلثه وهو أربعة وأعط بالنصيب منه سهما وبثلث ما يبقى من الثلث سهما بقي سهمان فردهما على ثلثي المال فيصير عشرة وحاجتك إلى ثلاثة فظهر الخطأ بسبعة فاحفظ ذلك معك وخذ مالا آخر له ثلث وهو أحد وعشرون فأخرج منه الثلث سبعة ثم أعط بالنصيب سهما وبثلث ما يبقى سهمين بقي أربعة فزدها على الثلثين فيكون ثمانية عشر وحاجتك إلى ثلاثة فظهر الخطأ الثاني بزيادة خمسة عشر فاضرب الثلث الأول وهو أربعة في الخطإ الثاني وهو خمسة عشر فيكون ستين وثلث الثاني وهو سبعة في الخطإ الأول وهو سبعة فيكون تسعة وأربعين ، اطرح الأقل من الأكثر يبقى أحد عشر وهو الثلث ومعرفة النصيب أن تطرح أقل الخطأين من أكثرهما بلا ضرب فإن طرحت سبعة من خمسة عشر بقيت ثمانية فهو النصيب فهو الذي أشار إليه الجامع الأكبر والفقهاء رحمهم الله يعبرون عنه بتضعيف الثلث سوى النصيب فهو كذلك فقد جعل الثلث الأول أربعة والثلث الثاني سبعة وعلى طريق التقدير في الخطأين أن تقول : لما ظهر الخطأ الأول بزيادة سبعة تجعل ثلث المال أربعة ثم تعط بالنصيب سهمين وبثلث ما يبقى ثلثا سهم يبقى سهم وثلث تضمه إلى ثلثي المال فيصير تسعة وثلثا وحاجة الورثة إلى ستة ظهر الخطأ بزيادة الثلاثة وثلث وكان الخطأ الأول بزيادة سبعة ، فلما زدنا في النصيب سهما أذهب خطأ ثلاثة وثلاثين ويبقى خطأ ثلاثة .

[ ص: 117 ] وثلث فتزيد في النصيب ما يذهب الخطأ الباقي وذلك عشرة أجزاء من أحد عشر جزءا ; لأن كل سهم يؤثر في أحد عشر فتنفذ الوصية في سهمين وعشرة أجزاء بقي سهم وجزء من أحد عشر جزءا للموصى له بثلث ما يبقى ثلث ذلك فقد انكسر فتضرب أربعة في أحد عشر فيكون أربعة وأربعين النصيب من ذلك اثنان وثلاثون يبقى من الثلث اثنا عشر للموصى له بثلث ما يبقى ثلث ذلك وهو أربعة ، والباقي وهو ثمانية رده على ثلثي المال ثمانية وثمانين فيكون ستة وتسعين بين ثلاث بنين لكل ابن اثنان وثلاثون مثل النصيب وبين هذه الأجزاء موافقة بالربع فإذا اقتصرت على ذلك كان الثلث أحد عشر والنصيب ثمانية وثلث يبقى من الثلث واحد وعلى طريق الجامع الأصغر تقول : لما ظهر أن الخطأ الأول بزيادة سبعة والثاني بزيادة ثلاثة وثلث فتضرب ثلث الأول وهو أربعة في الخطإ الثاني وهو ثلاثة فيكون اثني عشر وثلث ثلث الثاني هو أربعة في الخطإ الأول وهو سبعة فيكون ثمانية وعشرين ، اطرح الأقل من الأكثر يبقى أربعة عشر وثلثان وقد انكسر بالأثلاث فاضربه في ثلاثة فيكون أربعة وأربعين .

ومعرفة النصيب أن تضرب نصيب الأول وهو سهم في الخطإ الثاني وهو الثلاثة والثلث ونصيب الثاني في الخطإ الأول وهو سبعة فيكون أربعة عشر ، ثم اطرح الأقل من الأكثر يبقى عشرة وثلثان اضربه في ثلاثة فيكون اثنين وثلاثين فهو النصيب .

وإذا أردت الاقتصار فبين هذه الأعداد موافقة بالربع كما بينا .

وحاصل طريق الخطأين أنه متى كان الخطأ إلى زيادة أو نقصان فالسبيل طرح الأقل من الأكثر ومتى كان أحدهما إلى زيادة والآخر إلى نقصان فالسبيل هو الجمع بينهما ومسائل الحساب تخرج مستقيما على طريق الخطأين إذا لم يخالطه حذر فإن خالطه ذلك فقد يخرج مستقيما وفي الأغلب لا يخرج مستقيما فلهذا لا يشتغل به أكثر أهل الحساب .
قال فإن ترك ثلاث بنين وأوصى بمثل نصيب أحدهم والثلث والربع مما يبقى من الثلث فالثلث أحد وأربعون سهما والنصيب منه تسعة وعشرون والثلث والربع مما يبقى من الثلث سبعة وثمانون وطريق التخريج أن تأخذ عدد البنين ثلاثة فتزيد عليه سهما بوصيته بمثل النصيب ثم تضرب ذلك في اثني عشر لحاجتنا إلى حساب له ثلث وربع لأنه أوصى بالثلث والربع مما بقي من الثلث فيصير ثمانية وأربعين سهما ثم اطرح من ذلك سبعة وهو ثلث اثني عشر وربعه ; لأن هاتين الوصيتين بعد النصيب فيبقى أحد وأربعون سهما فهو ثلث المال والثلثان اثنان وثمانون وإذا أردت معرفة النصيب فخذ النصيب وهو واحد .

[ ص: 118 ] واضربه في ثلاثة يكون ثلاثة ثم اضربه في اثني عشر فيكون ستة وثلاثين ، ثم اطرح من ذلك سبعة ثلث اثني عشر وربعه ; يبقى تسعة وعشرون فهو النصيب إذا رفعته من أحد وأربعين بقي اثنا عشر للموصى له الآخر ثلث هذا الباقي وربعه وهو سبعة يبقى خمسة فتضم ذلك إلى ثلثي المال فيكون سبعة وثمانين مقسوما بين ثلاث بنين لكل ابن تسعة وعشرون مثل النصيب الكامل فكان مستقيما ولو أوصى بثلث نصيب أحدهم وربع وثلث وسدس ما يبقى من الثلث الآخر والثلث مما يبقى من ذلك الآخر فالثلث ثمانية وثلاثون والنصيب ستة وعشرون ويبقى من الثلث اثني عشر فثلثها وربعها وسدسها تسعة وثلث ما يبقى بعد ذلك سهم واحد وهذا من التعميم الكثير أيضا فطريق التخريج فيه أن تأخذ عدد البنين الثلاثة فتزيد عليه النصيب واحدا ، ثم تضربه في مال له ثلث وربع وسدس وثلث ما يبقى بعد ذلك وذلك اثنا عشر إذا ضربت أربعة في اثني عشر تكون ثمانية وأربعين ، ثم اطرح من ذلك ثلث اثني عشر وهو أربعة ، وربعه وهو ثلاثة ، وسدسه وهو اثنان ، وثلث ما يبقى بعد ذلك وهو واحد فيكون جملة ما طرحته عشرة يبقى ثمانية وثلاثون فهو ثلث المال ومعرفة النصيب وهو واحد فتضربه في ثلاثة ثم في اثني عشر فيكون ستة وثلاثين ثم اطرح من ذلك عشرة كما طرحته من الثلث وهو ثلث اثني عشر وربعه وسدسه وثلث ما بقي بعد ذلك يبقى ستة وعشرون فهو النصيب إذا رفعته من ثمانية وثلاثين يبقى من الثلث اثنا عشر فللموصى له الآخر ثلثها وربعها وسدسها وذلك تسعة يبقى ثلاثة للموصى له الآخر ثلث ذلك وهو سهم يبقى سهمان تضمهما إلى ثلثي المال ستة وسبعين فيصير ثمانية وسبعين بين ثلاث بنين لكل ابن ستة وعشرون مثل النصيب الكامل فاستقام التخريج .

وإن ترك خمسة بنين وأوصى بمثل نصيب أحدهم وثلث ما يبقى من الثلث فالثلث سبعة عشر والنصيبان أربعة عشر والباقي بعدهما من الثلث ثلاثة فيعطى ثلثيها وهو سهمان ويرد السهم الباقي إلى الثلثين وطريق التخريج فيه أن تأخذ عدد البنين خمسة فتزيد عليه النصيبين وهو اثنان فيصير سبعة ثم تضرب في ثلاثة لمكان وصيته بثلثي ما يبقى من الثلث لكنا نطرح باعتبار كل نصيب سهما فإذا كانت الوصية بثلثي ما يبقى من الثلث تطرح باعتبار كل نصيب سهمين ; لأن الثلثين ضعف الثلث ، وهذا هو الأصل في هذا الجنس فإذا طرحنا أربعة من أحد وعشرين يبقى سبعة عشر وهو الثلث ومعرفة النصيبين أن تأخذ النصيبين وذلك اثنان فتضرب ذلك في ثلاثة فيصير ستة ثم ستة في ثلاثة فتكون ثمانية عشر ثم تطرح من ذلك

[ ص: 119 ] أربعة باعتبار النصيبين لما بينا يبقى أربعة عشر فهو مقدار النصيبين كل نصيب سبعة إذا رفعت ذلك من سبعة عشر يبقى ثلاثة للموصى له بثلثي ما يبقى من الثلث سهمان ثلثا ذلك ويبقى من الثلث سهم فرده على ثلثي المال أربعة وثلاثين فيكون خمسة وثلاثين بين خمس بنين لكل ابن سبعة مثل النصيب الواحد ولو كان قال وثلث ما بقي من الثلث كان الثلث تسعة عشر والنصيبان ستة عشر والطريق فيه أن تزيد على عدد البنين سهمين فيكون سبعة ، ثم تضرب ذلك في ثلاثة فيكون أحدا وعشرين ثم تطرح باعتبار النصيبين هنا سهمين ; لأنه أوصى بثلث ما يبقى من الثلث فيبقى تسعة عشر سهما فهو الثلث وإذا أردت معرفة النصيبين فخذ اثنين واضربهما في ثلاثة فتصير ستة ، ثم ستة في ثلاثة فتصير ثمانية عشر ثم ارفع من ذلك اثنين يبقى ستة عشر فهو النصيبان كل نصيب ثمانية ، فإذا رفعت من الثلث ستة عشر يبقى ثلاثة فللموصى له بثلث ما يبقى ثلث ذلك ; يبقى سهمان فردهما على ثلثي المال وهو ثمانية وثلاثون ; فيصير أربعين بين خمسة بنين لكل ابن ثمانية مثل النصيب .

قال : ولو ترك ثلاث بنين وأوصى بمثل نصيب أحدهم إلا ثلث ما يبقى من الثلث بعد النصيب فالثلث ثلاثة عشر والنصيب عشرة والاستثناء سهم واحد وطريق التخريج فيه أن تأخذ عدد البنين ثلاثة فتزيد عليه للوصية بالنصيب سهما ثم اضربه في ثلاثة فيصير اثني عشر سهما ، ثم زد عليه مقدار النصيب وهو واحد ; لأن الوصية الثانية هنا بطريق الاستثناء فيكون المستثنى من النصيب فكان الطريق فيه الزيادة بقدر النصيب بخلاف ما سبق فهناك الوصية الثانية كانت بما بقي من الثلث بعد النصيب فكان الطريق طرح الزيادة والنصيب من الجملة فإذا زدت سهما على اثني عشر يكون ثلاثة عشر فهو ثلث المال ، وإذا أردت معرفة النصيب فخذ واحدا واضربه في ثلاثة فيصير تسعة ، ثم زد عليه واحدا كما زدت على أصل الثلث فيكون عشرة فهو النصيب إذا رفعته من الثلث يبقى ثلاثة فاسترجع من النصيب مثل ثلث ما يبقى من الثلث وهو سهم واحد فيحصل في يدك من الثلث أربعة وتسلم للموصى له بالنصيب تسعة ثم تزيد هذه الأربعة على ثلثي المال ستة وعشرين فيصير ثلاثين سهما بين ثلاثة بنين لكل ابن عشرة مثل نصيب الكامل .

ولو ترك ثلاثة بنين وأوصى بمثل نصيب ابن رابع لو كان وثلث ما يبقى من الثلث ; فالثلث اثنان وأربعون والنصيبان أربعة وعشرون وثلث الباقي ستة والطريق فيه أن تأخذ عدد البنين ثلاثة ، وتزيد عليه النصيب وهو واحد فيصير أربعة ثم اضرب ذلك في ثلاثة فيصير اثني عشر فإن قسمته بين ثلاث [ ص: 120 ] بنين ; كان لكل ابن أربعة وإن قسمته بين أربعة ; كان لكل واحد ثلاثة فتبين أن نصيب الرابع لو كان ثلاثة فزدنا على الاثني عشر مثل نصيب رابع لو كان وهو ثلاثة أسهم فيصير خمسة عشر سهما ، ثم اضرب خمسة عشر في ثلاثة ; لأنه قال : وثلث ما يبقى من الثلث ; فيصير خمسة وأربعين ثم اطرح منه نصيب رابع لو كان وهو ثلاثة يبقى اثنان وأربعون فهو ثلث المال فإذا أردت معرفة النصيب فخذ مثل نصيب رابع من اثني عشر وهو ثلاثة فاضربه في ثلاثة فيكون تسعة ثم تسعة في ثلاثة فيكون سبعة وعشرين ثم اطرح منه أيضا ثلاثة يبقى أربعة وعشرون فهو نصيب رابع لو كان إذا رفعت ذلك من الثلث يبقى ثمانية عشر سهما للموصى له بثلث ما يبقى ثلث ذلك وهو ستة يبقى من الثلث اثنا عشر فزده على ثلثي المال وهو أربعة وثمانون فيصير ستة وتسعين سهما إن قسمته بين ثلاثة بنين ; كان لكل ابن اثنان وثلاثون سهما ولو قسمته بين أربعة كان لكل ابن أربعة وعشرون سهما فعرفنا أن نصيب رابع لو كان أربعة وعشرين وقد نفذنا الوصية للموصى له في ذلك القدر فاستقام .
رجل ترك ثلاثة بنين وأوصى لرجل بمثل نصيب أحدهم ولآخر بربع ماله فأجازوا فالمال ستة عشر للموصى له بالربع منه أربعة وللموصى له بمثل النصيب ثلاثة والطريق فيه أن تأخذ عدد البنين وذلك ثلاثة ، فتزيد عليه بالنصيب واحدا لوصيته بمثل النصيب ، ثم تزيد عليه للوصية الأخرى مثل ثلثه وذلك سهم وثلث ; لأنك إذا زدت على العدد مثل ثلثه تكون الزيادة ربع الكل ثم تضرب خمسة وثلثا في ثلاثة فتصير ستة عشر فهو مبلغ المال وقد أوصى لأحدهم بربع جميع المال وذلك أربعة من ستة عشر فإذا أخذ ذلك يبقى اثنا عشر للموصى له بمثل النصيب ثلاثة ; لأنا جعلنا النصيب واحدا وضربنا كل سهم في ثلاثة فإذا أخذ ذلك يبقى تسعة بين ثلاث بنين لكل ابن ثلاثة مثل النصيب وسمي هذا في الأصل : المنكوس ; لأن الأصل فيه أن تزيد أقل مما أوصى به فإنه إن كان أوصى بربع ماله تزيد مثل ثلث ما معك وإن كان أوصى بخمس ماله تزيد مثل ربع ما معك وإن كان أوصى بسدس ماله تزيد مثل خمس ما معك ; فلهذا سماه المنكوس فإن ترك ثلاثة بنين وأوصى بربع ماله وبثلث ماله وبدرهم فالمال على أربعة وعشرين فالسبيل في تخريجه أن تأخذ حسابا له ثلث وربع وذلك اثنا عشر فتطرح منه الثلث وهو أربعة والربع وهو ثلاثة فيبقى خمسة ثم تطرح منه الدرهم فيبقى أربعة فإذا قسمته بين البنين الثلاثة لم تستقم سهامهم صحاحا فتعول إلى اثني عشر فتعزل منه الثلث والربع ولا تعزل منه الدرهم فيبقى .

[ ص: 121 ] خمسة وكان قد بقي في المرة الأولى أربعة فإذا جمعت بينهما كان تسعة وهو مستقيم بين البنين الثلاثة لكل ابن من ذلك ثلاثة فاضرب أصل الحساب وهو اثنا عشر في اثنين وإنما ضربت ذلك في اثنين ; لأنك جمعت ما بقي من المال الأول والمال الآخر فصار مرتين فلهذا تضرب أصل الحساب في اثنين فيصير أربعة وعشرين فهو المال الذي تخرج منه الوصايا فإذا رفعت منه الثلث وهو ثمانية يبقى ستة عشر وإذا رفعت منه الربع أيضا للوصية الأخرى وهو ستة يبقى عشرة فإذا رفعت منه الدرهم لوصيته به تعول بدرهم يبقى تسعة مثل عدد الباقي من المالين بعد ما جمعت بينهما فيكون مقسوما بين ثلاث بنين لكل ابن ثلاثة أسهم .
ولو ترك ثلاثة بنين وأوصى بمثل نصيب أحدهم ودرهم وثلث وربع ما يبقى من الثلث ودرهم فالمال كله على مائة وتسعة وعشرين سهما والنصيب ثلاثون سهما وخرج هذه المسألة على طريق الخطأين بطريق الجامع الأصغر فقال : السبيل أن تأخذ مالا إذا رفعت منه النصيب والدرهم كان له الثلث والربع والدرهم وأقل ذلك أربعة عشر فتجعل ثلث المال أربعة عشر وتعطي بالنصيب واحدا فيبقى ثلاثة عشر ثم تعطي واحدا آخر بقوله ودرهم فيبقى اثنا عشر فتعطي بالوصية الثانية ثلث وربع ما يبقى وذلك سبعة فيبقى خمسة فتعطي منه واحدا آخر بقوله ودرهم فيبقى أربعة فتزيدها على ثلثي المال وهو ثمانية وعشرون فيصير اثنين وثلاثين ثم تخرج منه نصيب البنين ثلاثة ; لأنا جعلنا النصيب واحدا فتكون حاجة البنين إلى ثلاثة أسهم فظهر الخطأ بزيادة تسعة وعشرين فعد إلى الأصل وخذ مالا آخر فوق المال الأول بواحد وهو خمسة عشر فارفع منه النصيب اثنين فبقي ثلاثة عشر فارفع منه الدرهم يبقى اثنا عشر فارفع من ذلك الثلث والربع والدرهم يبقى أربعة فرده على ثلثي المال وهو ثلاثون فيصير أربعة وثلاثين وحاجة البنين إلى ستة ; لأنا جعلنا النصيب سهمين فظهر الخطأ الثاني بزيادة ثمانية وعشرين فاضرب المال الأول وهو أربعة عشر في الخطإ الثاني وهو ثمانية وعشرون فيصير ثلاثمائة واثنين وتسعين ثم اضرب المال الثاني وهو خمسة عشر في الخطإ الأول وهو سبعة وعشرون فيصير أربعمائة وخمسة ثم اطرح الأقل من الأكثر فيبقى ثلاثة وأربعون سهما فهو ثلث المال وجملة المال مائة وتسعة وعشرون .

ومعرفة النصيب أن تأخذ نصيب الأول وذلك سهم فتضربه في الخطإ الثاني وهو ثمانية وعشرون فيكون ثمانية وعشرين فتأخذ النصيب الثاني وذلك اثنان فتضربه في الخطإ الأول وهو تسعة وعشرون فيصير ثمانية وخمسين اطرح الأقل من الأكثر يبقى ثلاثون فإذا رفعت من الثلث [ ص: 122 ] بالنصيب ثلاثين فيبقى ثلاثة عشر ثم ترفع واحدا بقوله ودرهم يبقى اثنا عشر فترفع بالوصية الأخرى ثلثها وربعها ودرهما وذلك ثمانية يبقى أربعة فرده على ثلثي المال وهو ستة وثمانون فيصير تسعين سهما بين ثلاث بنين لكل ابن ثلاثون مثل النصيب ثم خرج المسألة على الجامع الأكبر أيضا على نحو ما خرجنا عليه بعض ما تقدم من المسائل الأول وحاصل الفرق بين الطريقين أن في الجامع الأصغر بعد الخطإ الأول تزيد في النصيب خاصة فتضعفه وفي الجامع الأكبر بعد الخطإ الأول تضعف المال سوى النصيب فمن حيث إن التضعيف هناك أكبر سماه الجامع الأكبر ومن حيث التضعيف هنا أقل سماه الجامع الأصغر وعلى هذا النحو تخريج ما ذكر بعده .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #614  
قديم 30-12-2025, 03:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون

صـــ122 الى صـــ 131
(614)





إذا أوصى بمثل نصيب أحدهم ودرهم فإنك تطلب حسابا إذا رفعت بالنصيب منه واحدا ودرهما يبقى ماله ثلث ثم التخريج إلى آخره كما بينا .
رجل ترك ثلاث بنين وامرأة وترك عشرين درهما وثوبين وأوصى بمثل نصيب امرأته وثلث ما يبقى من الثلث ودرهم فصار أحد الثوبين بقيمته لأجل البنين فالثوب الآخر بقيمته لامرأته ما قيمة كل ثوب فالسبيل في معرفة ذلك على طريق الجامع أن ننظر أولا كم نصيب المرأة من نصيب الابن فنقول : أصل الفريضة من ثمانية والقسمة من أربعة وعشرين للمرأة الثمن ثلاثة ولكل ابن سبعة فظهر أن نصيب المرأة ثلاثة أسباع نصيب الابن فنقول الابن يأخذ العشرين الذي ترك ويقوم الثوب الذي أخذه الابن بأربعة دراهم والثوب الآخر الذي أخذته المرأة بالدرهم وخمسة أسباع درهم ثلاثة أسباع أربعة فيجمع بينهما فتكون خمسة وعشرين وخمسة أسباع ثم يخرج الثلث منها ; لأنه أوصى من الثلث فذلك ثمانية وأربعة أسباع درهم فتعطى منها مثل نصيب المرأة وهو درهم وخمسة أسباع درهم يبقى ستة دراهم وستة أسباع فتعطى بالوصية الثانية ثلثها وذلك درهمان وسبعان فيبقى أربعة دراهم وأربعة أسباع درهم فتعطى منها درهم بقوله ودرهم فيبقى ثلاثة وأربعة أسباع فتجمعه إلى الثلثين وهو سبعة عشر درهما وسبع فيكون عشرين درهما وخمسة أسباع فتقسمه بين البنين والمرأة لكل ابن أربعة دراهم وللمرأة درهم وخمسة أسباع فيكون ذلك ثلاثة عشر درهما وخمسة أسباع إذا رفعنا ذلك من عشرين درهما وخمسة أسباع يبقى سبعة دراهم فقد ظهر الخطأ بزيادة سبعة فاحفظها وعد إلى الأصل فقوم الثوب الذي أخذه الابن بسبعة دراهم والثوب الذي أخذته المرأة بثلاثة دراهم ; لأن نصيبها مثل ثلاثة أسباع نصيب الابن فيكون عشرة ثم يضم ذلك إلى عشرين درهما .

[ ص: 123 ] التي تركها الميت فيكون ثلاثين الثلث منها عشرة فتعطى منها بالوصية بالنصيب ثلاثة مثل نصيب المرأة وبالوصية الأخرى درهمين وثلثا ; لأن ثلث ما بقي من الثلث وهو سبعة هذا ، يبقى أربعة وثلثا درهم فتعطى درهما أيضا بقوله " ودرهم " فيبقى ثلاثة دراهم وثلثا درهم فتزيده على الثلثين الباقيين وذلك عشرون فتصير ثلاثة وعشرين وثلثي درهم فاقسمه بين البنين والمرأة لكل ابن سبعة وللمرأة ثلاثة فجملة ذلك أربعة وعشرون ظهر الخطأ الثاني بنقصان ثلث درهم وقد بينا أن الخطأين متى كان إلى الزيادة أحدهما والآخر إلى النقصان فالطريق هو الجمع بينهما وإذا جمعت بينهما كان سبعة وثلثا فانكسر بالأثلاث فاضربه في ثلاثة فيكون اثنين وعشرين بالأجزاء فاحفظ هذا ثم اضرب الخطأ الأول وهو سبعة في القيمة الثانية لثوب الابن وهو سبعة فيكون تسعة وأربعين ثم اضرب الخطأ الثاني وهو ثلث في قيمة الثوب الأول وهو أربعة فيكون درهما وثلثا ثم تجمع بينهما فيكون خمسين وثلثا ثم يضرب ذلك في ثلاثة للكسر بالثلث كما ضرب سبعة وثلث فيكون مائة وأحدا وخمسين ثم تقسمها على الأجزاء التي حفظتها وذلك اثنان وعشرون وإذا قسمت مائة وأحدا وخمسين على اثنين وعشرين فكل قسم من ذلك ستة دراهم وتسعة عشر جزءا فهذا هو نصيب الابن .

وتبين أن قيمة ثوب الابن ستة دراهم وتسعة عشر جزءا ونصيب المرأة مثل ثلاثة أسباع نصيب الابن فظهر أن قيمة ثوبها درهمان وعشرون جزءا وخمسة أسباع جزء فظهر المقصود وهو معرفة قيمة كل ثوب .

ولو ترك خمسة بنين وأوصى بدرهم من ماله وبسدس ماله بعد الدرهم فتخرج المسألة من سبعة ; لأنك تأخذ عدد البنين خمسة فتزيد عليها درهما لوصيته بسدس ماله ; لأن الطريق في مثله أن تزيد مثل خمس ما معك والذي معك خمسة وواحد فيصير معك ستة ثم تزيد درهما من أجل الوصية الأولى وهو الوصية بدرهم قبل السدس فيكون سبعة ترفع من ذلك بالوصية الأولى درهما وبالوصية الثانية سدس ما معك بعد الدرهم والذي معك ستة فسدسها درهم ثم يبقى خمسة بين البنين لكل ابن سهم فكان مستقيما .
ولو كان ترك أربعة بنين وأوصى بدرهم وبسدس ماله بعد الدرهم ودرهم بعد السدس فهو يخرج من سبعة أيضا ; لأنك تأخذ عدد البنين أربعة فتزيد عليها درهما من أجل قوله ودرهم بعد السدس فإن ذلك بمنزلة الوصية بمثل نصيب أحدهم فيكون معك خمسة ثم تزيد عليها خمسها وهو درهم من أجل وصيته بسدس ماله فيكون ستة ثم تزيد عليها درهما من أجل الوصية الأولى وهو الوصية بدرهم فيكون [ ص: 124 ] ذلك سبعة رفع منها درهم بالوصية الأولى وبالوصية الثانية سدس ما بقي وهو درهم أيضا وبالوصية الثالثة درهم ; لأنه قال وبدرهم بعد السدس فيبقى أربعة بين أربعة بنين مستقيم لكل ابن درهم .

فإن ترك ثلاث بنين وأبوين وأوصى بمثل نصيب إحدى البنات لبعضهم وبثلث ما يبقى من الثلث لأخرى وأوصى لإحدى البنات بتكملة الثلثين مع نصيبها فأجازوا فالثلث خمسون والنصيب عشرون وثلث الباقي عشرة والتكملة ثلاثون والطريق في ذلك أن تأخذ أصل الفريضة وهو ثمانية عشر لحاجتك إلى حساب ينقسم ثلثاه بين البنات أثلاثا وذلك ثمانية عشر : للبنات الثلثان ، اثنا عشر بينهن لكل واحدة أربعة وللأبوين السدسان وهو ستة لكل واحد ثلاثة ثم تضرب ثمانية عشر في ثلاثة من أجل وصيته بثلث ما يبقى من الثلث فيصير أربعة وخمسين ثم تطرح منها أربعة أسهم مثل سهام إحدى البنات من أصل الفريضة فيبقى خمسون فهو ثلث المال والثلثان ضعف ذلك فيكون جملة المال مائة وخمسين إذا أردت قسمتها فالسبيل أن ترفع منها ثلثها يبقى مائة ثم تأخذ من هذه المائة مثل أصل الفريضة ثمانية عشر ، مرة بعد مرة حتى يكون الباقي منها دون ثمانية عشر فإذا رفعت منها خمس مرات ثمانية عشر يكون ذلك تسعين فيبقى عشرة فاحفظ هذه العشرة واقسم التسعين أولا فأعط الأبوين ثلثها وذلك ثلاثون لكل واحد منهما السدس خمسة عشر ونقسم ستين سهما بين البنات لكل واحدة عشرين فتبين أن نصيب كل ابنة عشرون فادفع إلى الموصى له بمثل النصيب من الثلث الذي عزلت عشرين فيبقى ثلاثون ثم ادفع للموصى له بثلث ما يبقى من الثلث ثلث الباقي وهو عشرة فبقي عشرون فاجمع بينهما وبين العشرة التي بقيت معك من المائة فيكون ثلاثين فردها على نصيب الابنة التي أوصى لها بتكملة الثلثين فإذا زدت الثلاثين على عشرين تبلغ الجملة خمسين وهو ثلث المال فاستقام التخريج .
رجل مات وترك ثلاثة بنين وأوصى بمثل نصيب أحدهم وبثلث ما يبقى من الثلث ودرهم فالمال ثلاثون سهما والثلث عشرة والنصيب سبعة وثلث ما يبقى من الثلث سهم فالسبيل في ذلك أن تأخذ مالا له ثلث صحيح وذلك ثلاثة فترفع بالنصيب واحدا وبالدرهم آخر فيبقى واحد فاقسمه بين البنين الثلاثة لكل ابن ثلثا درهم ثم تأخذ عدد البنين وذلك ثلاثة فرده على نصيب أحدهم وهو الثلث فيكون ثلاثة وثلثا اضربه في ثلاثة فيصير ذلك عشرة فهو ثلث المال والثلثان ضعف ذلك فيكون المال ثلاثون وإذا أردت معرفة النصيب فانظر ما بين المال الذي أخذته أول مرة وهو ثلاثة وبين الثلث وهو عشرة فتجد ذلك سبعة .

[ ص: 125 ] فهو النصيب إذا رفعت سبعة من الثلث يبقى ثلاثة للموصى له بثلث ما يبقى ثلث ذلك وهو سهم وللموصى له بالدرهم مثل ذلك يبقى من الثلث واحد فرده على ثلثي المال وذلك عشرون وهو مقسوم بين ثلاثة بنين لكل ابن سبعة مثل النصيب ، وإن كان قال وبربع ما يبقى من الثلث وبدرهم فتخريجه على هذا النحو أن تأخذ مالا له ربع وهو أربعة فترفع بالنصيب منه واحدا وترفع الدرهم الذي قال يبقى سهمان فاقسمهما بين البنين الثلاثة لكل ابن ثلثي سهم فرد ما أصاب واحدا منهم على أصل الفريضة وهو أربعة فيصير أربعة وثلاثين اضرب ذلك في ثلاثة فيصير أربعة عشر فهو الثلث .

وإذا أردت معرفة النصيب نظرت إلى ما بين أصل الفريضة وهو أربعة وبين الثلث وهو أربعة عشر فذلك عشرة فهو النصيب إذا رفعته من الثلث يبقى أربعة للموصى له بربع ما يبقى من الثلث سهم وللموصى له بالدرهم آخر يبقى سهمان فردهما على ثلثي المال وهو ثمانية وعشرون فيكون ثلاثين بين البنين الثلاثة لكل ابن عشرة مثل النصيب فإن قال وبثلث وربع ما يبقى من الثلث ودرهم فهو على هذا القياس تأخذ مالا له ثلث وربع وهو اثنا عشر فترفع منه الثلث وهو أربعة والربع وهو ثلاثة يبقى خمسة فترفع منه الدرهم أيضا يبقى أربعة يقسم ذلك بين البنين الثلاثة لكل ابن سهم وثلث ثم تزيد ما أصاب أحدهم وهو سهم وثلث على أصل الفريضة وهو اثنا عشر فيصير ثلاثة عشر وثلثا ، اضربه في ثلاثة فيصير أربعين سهما فهو الثلث وإذا أردت معرفة النصيب فانظر ما بين المال الأول وهو اثنا عشر وبين الثلث وهو أربعون فتجد ما بينهما ثمانية وعشرين فهو النصيب إذا رفعت ذلك من الثلث يبقى اثنا عشر فتعطي الموصى له بثلث ما يبقى وهو أربعة والموصى له بربع ما يبقى ثلاثة والموصى له بالدرهم درهما يبقى أربعة فرد ذلك على ثلثي المال وهو ثمانون ثم اقسمه بين البنين الثلاث لكل ابن ثمانية وعشرون مثل النصيب .
فإن ترك خمس بنين وأوصى بمثل نصيب أحدهم وثلث ما يبقى من الثلث ودرهم صحيح يعني لا كسر فيه فإنا إلى الآن خرجنا على حساب وقع فيه كسر فالسبيل في ذلك أن تأخذ أدنى مال يكون له ثلث ولثلثه ثلث وأقل ذلك تسعه إلا أنك تبتلى فيه بالتضعيف أيضا فلا يستقيم من تسعة فالسبيل أن تضعفه فيكون ثمانية عشر فاطرح ثلثها ثم اطرح منها الثلث ، والدرهم الثلث سهمان والدرهم سهم يبقى ثلاثة فاحفظها ثم عد إلى الأصل إلى الحساب فخذ عدد البنين خمسة وزد عليها واحدا من أجل الوصية بمثل نصيب أحدهم فتكون ستة فارفع .

[ ص: 126 ] ثلثها ودرهما يبقى ثلاثة فرد هذه الثلاثة على اثني عشر ثلثي الثمانية عشر الفريضة الأولى فيكون خمسة عشر ثم اقسم هذه الخمسة عشر على الثلاثة التي حفظت من الحساب الأول فيكون كل قسم خمسة فهو النصيب ثم زد هذه الخمسة على الستة وهو ثلث الفريضة الأولى التي أخذت فيكون أحد عشر وهو ثلث المال وجملة المال ثلاثة وثلاثون ثم ترفع النصيب وهو خمسة من الثلث يبقى ستة فأعط الموصى له بثلث ما يبقى ثلث ذلك سهمين وأعط الآخر درهما يبقى ثلاثة تضم ذلك إلى ثلثي المال وذلك اثنان وعشرون فيصير خمسة وعشرين مقسوم بين خمسة بنين لكل ابن خمسة مثل النصيب وهذا هو الفرق في التخريج بناء على طريق الحساب في الفرق بين الصحاح والكسور ثم ذكر محمد رحمه الله في آخر الكتاب أن هذا شيء وضعه الحساب لا نأخذ به في القضاء ; لأن الميت إذا أوصى بالدرهم إنما يضرب في الثلث بدرهم من مال الميت فأما أن تجعل له سهما بتسمية الدرهم ثم تشتغل بالفرق بين أن تقول صحيح أو لا يقول فهذا ليس بطريق القضاء ولكنه بيان على طريق الحساب .

فإن ترك ابنا وابنة فاختلس كل واحد منهما مالا ثم قال الابن أنا أرد مما اختلسته الثلث وتردين أنت الربع فيصير ما يبقى في يد كل واحد منا على قدر ميراثه ويقسم ما يزيد على فرائض الله تعالى كم كان مع كل واحد منهما فالجواب أنه كان مع الابنة اثنا عشر ومع الابن سبعة وعشرون والطريق في تخريجه أن تأخذ مالا له ربع صحيح وهو أربعة فتجعله في يد الابنة تطرح منه الربع يبقى ثلاثة ثم تنظر مالا إذا ألقيت منه ثلاثة يبقى ستة وهو تسعة تجعله في يد الابن فتطرح منه الثلث ثم تجمع بين ما طرحت من المالين وذلك ثلاثة وواحد فيكون أربعة فلا يستقيم قسمها على فرائض الله تعالى بين الابن والابنة أثلاثا فاضرب أصل ما مع كل واحد منهما في ثلاثة فالذي كان مع الابنة أربعة إذا ضربته في ثلاثة يكون اثني عشر والذي مع الابن تسعة إذا ضربته في ثلاثة يكون سبعة وعشرين فيرد الابن من سبعة وعشرين الثلث وهو تسعة يبقى له ثمانية عشر وترد الابنة من اثني عشر الربع وهو ثلاثة يبقى تسعة فهو بينهما على فرائض الله تعالى للابن ثمانية عشر وللابنة تسعة ثم تجمع بين تسعة وثلاثة فيكون اثني عشر فاقسمها بينهما على فرائض الله تعالى للابن ثمانية وللابنة أربعة فيصير مع الابن ستة وعشرون ومع الابنة ثلاثة عشر على فرائض الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين .
فإن ترك خمسة بنين وأوصى لأحدهم بتكملة الثلث وللآخر بثلث ما يبقى من الثلث .

فالثلث ثلاثة [ ص: 127 ] عشر والنصيب ستة والتكملة سبعة وطريق تخريج هذه المسألة أن تأخذ عدد البنين وهم خمسة وتطرح نصيب أحدهم وهو الموصى له بالتكملة فيبقى أربعة ثم تضرب ذلك في ثلاثة لوصيته بثلث ما يبقى من الثلث فيكون اثني عشر ثم تزيد عليه ما طرحته في الابتداء وهو سهم فيكون ثلاثة عشر فهو الثلث ومعرفة النصيب أن تأخذ النصيب وهو واحد فتضربه في ثلاثة ثم تطرح منه واحدا كما فعلت في الابتداء يبقى سهمان فاضربهما في ثلاثة كما ضربت أربعة فيكون ستة فهو النصيب إذا رفعت ستة من الثلث وهو ثلاثة عشر يبقى سبعة فظهر أن الوصية بتكملة الثلث إنما كانت بسبعة أسهم فإذا رفعت سبعة من الثلث يبقى ستة للموصى له بثلث ما يبقى ثلث ذلك سهمان يبقى أربعة فرده على ثلثي المال وهو ستة وعشرون فيكون ثلاثين إذا قسمته بين خمسة بنين كان لكل ابن ستة مثل النصيب فاستقام التخريج .

فإن كان أوصى لأحدهم بتكملة الثلث ولآخر بثلث ما دخل على هذا من الرفع فتخريجه على قياس ما سبق بأن تأخذ عدد البنين وهم خمسة فتطرح منه نصيب أحدهم يبقى أربعة فاضربه في ثلاثة فيصير اثني عشر ثم اطرح منه واحدا يبقى أحد عشر فهو ثلث المال وإذا أردت معرفة النصيب فخذ النصيب وهو واحد فاضربه في ثلاثة ثم اطرح منه النصيب وهو واحد يبقى سهمان اضربهما في ثلاثة فيصير ستة ثم اطرح منه واحدا كما فعلت في أصل الحساب يبقى خمسة فهو النصيب إذا رفعت النصيب وهو خمسة من أحد عشر يبقى ستة وهو مقدار الربع أي الميل الذي مال به الموالي للموصى له بالتكملة وإن أوصى لآخر بثلث هذا وهو سهمان إذا رفعتهما يبقى من الثلث ثلاثة فرد ذلك على ثلثي المال وذلك اثنان وعشرون فيكون خمسة وعشرين بين خمسة بنين لكل ابن خمسة مثل النصيب فإن كان أوصى لأحدهم بتكملة الثلث ولآخر منهم بتكملة الربع ولآخر بثلث ما يبقى من الثلث له لثلث أربعة وأربعون والنصيب ثمانية عشر وتكملة الثلث ستة وعشرون وتكملة الربع خمسة عشر وتخريج هذا أيضا على قياس ما تقدم بأن تأخذ عدد البنين خمسة فتطرح منه سهما نصيب الموصى له بتكملة الثلث وسهما آخر نصيب الموصى له بتكملة الربع ثم انظر إلى تفاوت ما بين الثلث والربع وذلك واحد فإن الثلث من اثني عشر أربعة والربع ثلاثة فتفاوت ما بينهما واحد فخذ ذلك للموصى له بالثلث وثلثا آخر للموصى له بالربع فذلك ثلثا سهم ضمه إلى ما بقي من خمسة وهو ثلاثة فيكون ثلاثة وثلثين ثم اضرب ذلك في ماله ثلث وربع وهو اثنا عشر فإذا ضربت ثلاثة وثلثين .

[ ص: 128 ] في اثني عشر يكون ذلك أربعة وأربعين ; لأن الثلاثة في اثني عشر ستة وثلاثون وثلثان في اثني عشر ثمانية فذلك أربعة وأربعون فهو ثلث المال والثلثان ضعف ذلك فيكون المال كله مائة واثنين وثلاثين سهما ومعرفة النصيب أن تأخذ مالا له ثلث وربع وذلك اثنا عشر فتطرح منه الثلث والربع ; يبقى خمسة ثم تنظر إلى تفاوت ما بين الثلث والربع وذلك واحد فتجمع بينه وبين النصيبين فيكون ذلك ثلاثة أسهم فتأخذ ثلث ذلك وهو سهم فتزيده على الخمسة التي بقيت من اثني عشر فتصير ستة ثم اضرب هذه الستة في ثلاثة فتصير ثمانية عشر فهو النصيب وثلث المال أربعة وأربعون فإذا رفعت منه النصيب وهو ثمانية عشر يبقى ستة وعشرون فهو الوصية للموصى له بتكملة الثلث وربع المال يكون ثلاثة وثلاثين إذا رفعت منه ثمانية عشر يبقى خمسة عشر فهو الوصية بتكملة الربع فإذا رفعت من الثلث وهو أربعة وأربعون ستة وعشرين للموصى له بتكملة الثلث وخمسة عشر للموصى له بتكملة الربع يبقى ثلاثة للموصى له بثلث ما بقي ثلث ذلك وهو سهم يبقى سهمان فردهما على ثلثي المال وهو ثمانية وثمانون فيكون تسعين مقسوما بين خمسة بنين لكل ابن ثمانية عشر مثل النصيب فاستقام تخريج الجواب والله أعلم بالصواب

كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ( رحمهما الله تعالى ) ( قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله ) اعلم أن أبا يوسف رحمه الله كان يختلف إلى ابن أبي ليلى رحمه الله في الابتداء فتعلم بين يديه تسع سنين ثم تحول إلى مجلس أبي حنيفة وكان تسع سنين أيضا ، وقيل كان سبب تحوله إلى أبي حنيفة تقلد ابن أبي ليلى القضاء فإن أبا يوسف كره له تقلد القضاء فحمله ذلك إلى التحول إلى مجلس أبي حنيفة رحمه الله تعالى فابتلاه الله تعالى حتى تقلد القضاء وصار ذلك صفة له يعرف بها من بين أصحاب أبي حنيفة فيقال أبو يوسف القاضي ولا يقال ذلك لأحد سواه ممن تقلد منهم القضاء وممن لم يقلد وقيل كان سببه أنه كان تبع ابن أبي ليلى وقد شهد ملاك رجل فلما نثر السكر أخذ أبو يوسف رحمه الله بعضا فكره له ذلك ابن أبي ليلى وأغلظ له القول وقال أما علمت أن هذا لا يحل فجاء أبو يوسف إلى أبي حنيفة رحمه الله فسأله عن ذلك فقال لا بأس بذلك بلغنا { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه رضي الله عنهم [ ص: 129 ] كان في ملاك رجل من الأنصار نثير الثمر فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع ذلك ويقول لأصحابه انتهبوا } وبلغنا { أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع لما نحر مائة بدنة أمر بأن يؤخذ له من كل بدنة قطعة ثم قال من شاء أن يقتطع فليقطع } فهذا ونحوه من الهبة مستحسن شرعا فلما تبين له تفاوت ما بينهما تحول إلى مجلس أبي حنيفة وقيل كان سبب ذلك أنه كان يناظر زفر رحمه الله وتبين بالمناظرة معه تفاوت ما بين فقه أبي حنيفة رحمه الله وابن أبي ليلى فتحول إلى مجلس أبي حنيفة ثم أحب أن يجمع المسائل التي كان فيها الاختلاف بين أستاذيه فجمع هذا التصنيف وأخذ ذلك محمد رحمه الله وروى عنه ذلك إلا أنه زاد بعض ما كان سمع من غيره فأصل التصنيف لأبي يوسف والتأليف لمحمد رحمة الله عليهما فعد ذلك من تصنيف محمد ولهذا ذكره الحاكم رحمه الله في المختصر ثم بدأ فقال :

رجل غصب جارية من رجل فباعها وأعتقها المشتري فالبيع والعتق باطل في قول أبي حنيفة وبه نأخذ وهو قول أبي يوسف ومحمد وقال ابن أبي ليلى عتقه جائز وعلى الغاصب القيمة ، وجه قوله أن البيع منعقد فإن انعقاد البيع لوجود الإيجاب والقبول ممن هو من أهله في محله وقد وجد في الإيجاب كلام الموجب وهو تصرف منه في حقه ، والمحل قابل للعقد ولهذا ينفذ العقد فيه بإجازة المالك ولو كان هذا العقد بإذن المالك كان نافذا ، ولا تأثير للإذن في إثبات الأهلية والمحلية ، فإذا ثبت انعقاد العقد ثبت أنه موجب للملك لأن الأسباب الشرعية غير مطلوبة لعينها بل لحكمها والحكم الخاص بالبيع والشراء الملك فإنما يثبت العتق بعد الملك لقوله صلى الله عليه وسلم { لا عتق إلا فيما يملكه ابن آدم } .

وإذا نفذ العتق تعذر على الغاصب رد العين فيجب عليه ضمان القيمة وقد صار هو متلفا للجارية بتمليكها من المشتري وتسليط المشتري على إعتاقها فيجعل كأنه أتلفها بالقتل فيضمن قيمتها ، ويتقرر الثمن على المشتري لأنه بالعتق صار قابضا منهيا لملكه فيها ، ويكون الثمن للبائع لأنه وجب بعقده ولأنه بضمان القيمة قد ملكها والثمن بدل الملك فيكون للغاصب . وحجتنا في ذلك أن العتق من المشتري لم يصادف ملكه ولا عتق فيما لا يملكه ابن آدم وهذا لأن عين المملوك محفوظة على المالك بصفة المالكية فكما لا يجوز إبطال حق الملك عن المالكية بإعتاق يصدر من غيره فكذلك لا يجوز إبطال حقه من غير ملكه .

( ألا ترى ) أن الغاصب لو أعتقه بنفسه لم ينفذ عتقه مراعاة لحق المالك فكذلك المشتري منه .

فأما قوله العقد موجب للملك وقد انعقد ، ففيه طريقان لنا أحدهما [ ص: 130 ] أن العقد انعقد بصفة التوقف قلنا والحكم يثبت بحسب السبب فإنما يثبت بالعقد الموقوف ملكا موقوفا .

( ألا ترى ) أن بالعقد النافذ الصحيح يثبت ملك حلال وبالعقد الفاسد يثبت ملك حرام بحسب السبب ، فبالعقد الموقوف يثبت ملك موقوف ، والملك الموقف دون الملك الثابت للمكاتب والمكاتب لا يملك الإعتاق بذلك النوع من الملك فكذلك بالملك الموقوف لأن الإعتاق إنهاء للملك والموقوف لا يحتمل ذلك ، والثاني : أن الأسباب الشرعية لا تكون خالية عن الحكم ولكن لا يشترط اتصال الحكم بالسبب بل يقترن به تارة ويتأخر عنه أخرى ( ألا ترى ) أن البيع بشرط الخيار للبائع منعقد ويتأخر الحكم إلى سقوط الخيار ، والبيع الفاسد منعقد ويتأخر الحكم وهو الملك إلى ما بعد القبض ، والبيع الموقوف منعقد ويتأخر الحكم إلى ما بعد إجازة المالك ، وهذا لأن الضرر مدفوع وليس في انعقاد العقد ضرر بالمالك .

فأما في ثبوت الملك للمشتري إضرار بالمالك فربما يكون المشترى قريب المشتري فيعتق عليه لو ثبت الملك بنفس الشراء وفيه ضرر بالمالك لا محالة فيتأخر الملك إلى وجود الرضا من المالك بإجازة العقد فإذا لم يجز ذلك بطل البيع والعتق جميعا فردت الجارية عليه .

وإذا اشترى جارية فوطئها ثم استحقها رجل قضى له القاضي بها وبمهرها على الواطئ لأن الحد قد سقط عنه بشبهة فلزمه المهر ; إذ الوطء في غير الملك لا ينفك عن حد أو مهر وهذا الوطء حصل في غير الملك عندنا فوجب المهر وعند ابن أبي ليلى الملك وإن ثبت للمشتري فهو ليس بملك متقرر يستفاد به حل الوطء فيجب المهر كالمشتري شراء فاسدا إذا قبض الجارية ووطئها ثم استردها البائع فعلى المشتري في أظهر الروايتين وإن كان هو بالقبض قد ملكها ، ثم الواطئ يرجع بالثمن على البائع ولا يرجع بالمهر عندنا ، وقال ابن أبي ليلى يرجع بالثمن والمهر لأنه صار مغرورا من جهة البائع فإنه أخبره أن الجارية ملكه وأن منفعة الوطء تسلم للمشتري بغير عوض بعد ما يشتريها منه فإذا لم يسلم له ذلك رجع به على البائع كما يرجع بقيمة الولد لو استولدها .

وذلك الحكم وإن كان مخصوصا من القياس باتفاق الصحابة رضي الله عنهم ولكن من أصل أبي حنيفة أن المخصوص من القياس لا يقاس عليه غيره وحجتنا في ذلك أن المهر إنما لزمه عوضا عما استوفى بالوطء وهو المباشر للاستيفاء ومنفعة المستوفى له حصلت له فلا يرجع ببدله على غيره كمن وهب طعاما لإنسان فأكله الموهوب له ثم استحقه رجل وضمن الآكل لم يرجع به على الواهب ، وإنما الغرور إنما يكون سببا للرجوع باعتبار المعاوضة ، والثمن إنما كان عوضا [ ص: 131 ] عن العين دون المستوفى بالوطء وفي حق المستوفى بالوطء لا فرق بين أن يكون الملك ثابتا بالشراء أو بالهبة ، وبه فارق قيمة الولد لأن الولد حر ومتولد من العين مع أن ذلك حكم ثبت بخلاف القياس باتفاق الصحابة رضي الله عنهم والمخصوص من القياس عندنا لا يقاس عليه غيره لأن قياس الأصل يعارضه ثم الغرور بمنزلة العيب في إثبات حق الرجوع فإنما يثبت ذلك الحكم في العين وفيما هو متولد من العين .

فأما المستوفى بالوطء في حكم الثمرة فلا يثبت فيه حكم الرجوع بسبب العيب فلهذا لا يرجع بالمهر .

وإذا اشترى الرجل أرضا وفيها نخل له ثمرة ولم يشترطها فإن أبا حنيفة قال النخل للمشتري والثمرة للبائع إلا أن يشترطها المشتري وبه أخذ محمد رحمه الله وقال ابن أبي ليلى رحمه الله الثمرة للمشتري وإن لم يشترطها لأن الثمرة متصلة بالمبيع اتصال خلقة فتدخل في المبيع من غير ذكر كأطراف العبد وأغصان الشجر والدليل عليه أن النخل جعل تبعا للأرض بسبب الاتصال حتى يدخل في بيع الأرض من غير ذكر فكذلك الثمرة لأن الاتصال موجود فيها وحجتنا في ذلك حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { من اشترى نخلا قد أثمر فثمرته للبائع إلا أن يشترط المبتاع ومن اشترى غلاما وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط ذلك المشتري } والمعنى فيه أن الثمرة بمنزلة المتاع الموضوع في الأرض لأن اتصالها بالنخل ليس بالقرار بل للفصل إذا أدرك .

( ألا ترى ) أنه يجد بعد الإدراك وأنه يسقط أو يفسد إذا ترك كذلك فكان الاتصال في معنى العارض فيجعل كالمنفصل لا يدخل في المبيع إلا بالذكر ، بخلاف النخل فاتصاله بالأرض بالقرار ما بقي بمنزلة البناء فكما يدخل البناء في بيع الأرض من غير ذكر فكذلك يدخل النخل ، وقال أبو يوسف إن اشترى الأرض بحقوقها ومرافقها دخل الثمار في العقد وإلا لم تدخل .

فأما على قول محمد وهو قول أبي حنيفة لا تدخل الثمار إلا بالتنصيص عليها سواء ذكر الحقوق أو لم يذكر بمنزلة المتاع الموضوع في الأرض وحكي أن أبا يوسف رحمه الله كان أملى هذه المسألة على أصحابه وكان محمد حاضرا في المجلس فلما ذكر هذا القول قال محمد رحمه الله في نفسه ليس الأمر كما يقول فبادأه المستملي هنا من يخالفك رحمك الله فقال : من هو ؟ فقال : محمد بن الحسن فقال أبو يوسف : ما نصنع بقول رجل قعد عن العلم أي ترك الاختلاف إلينا فسكت محمد ولم يجبه احتراما له .

وإذا اشترى الرجل دابة فوجد بها عيبا وقال بعتني وهذا العيب بها وأنكره البائع ولا بينة للمشتري فعلى البائع اليمين وإنما أراد بهذا عيبا يتوهم حدوثه في مثل [ ص: 132 ] تلك المدة وهو عارض فيحال بحدوثه على أقرب الأوقات

وهذا حال كونها في يد المشتري فإذا ادعى استناد العيب إلى وقت سابق وأنكره البائع كان القول قول البائع مع اليمين ولأن مقتضى مطلق البيع اللزوم فالمشتري يدعي لنفسه حق الفسخ بسبب العيب والبائع ينكر ذلك فكان القول قوله مع يمينه ، فإن قال البائع أنا أرد اليمين عليه يعني يحلف المشتري حتى أقبله منه فعندنا لا يرد اليمين عليه وكان ابن أبي ليلى إذا اتهم المدعي في ذلك رد عليه اليمين قال لأن المشتري من وجه منكر ; فإنه ينكر لزوم العقد إياه ووجوب إبقاء الثمن عليه ولكنه في الظاهر مدع فاعتبرنا الظاهر إذا لم يكن هو متهما .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #615  
قديم 30-12-2025, 03:50 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون

صـــ132 الى صـــ 141
(615)



فأما إذا اتهمه استحلفه لاعتبار معنى الإنكار في كلامه وهذا لأن الاستحلاف مشروع لدفع التهمة فإن المدعى عليه يثبت في جانبه نوع تهمة فيحلف المدعى عليه لأنه أتى بخبر متمثل بين الصدق والكذب فلا يكون حجة بنفسه ولكن يورث تهمة فيحلف المدعى عليه لدفع تلك التهمة عنه ، فإذا أوجد مثل تلك التهمة في جانب المدعي رد عليه اليمين ، ولكنا نستدل بقوله عليه السلام { البينة على المدعي واليمين على من أنكر } فقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم جنس اليمين في جانب المنكر فلا يبقى يمين في جانب المدعي ، ولا يجوز تحويل اليمين عن موضعها الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، والمشتري مدع هنا حق الفسخ فلا يمين في جانبه وهذا لأن اليمين في موضعها لإبقاء ما كان على ما كان والمدعي يحتاج إلى إثبات حق غير ثابت له فلا يكون اليمين حجة في جانبه وهذا لأن اليمين مشروعة للنفي في موضعه لا يثبت بها حكم النفي حتى لو أوجد المدعي البينة فأقامها وقضى له بعد اليمين فهي في غير موضعها لأنها لا يثبت بها ما لم يكن ثابتا أولا .

وإذا اشترى الرجل شيئا فادعى رجل فيه دعوى حلف المشتري ألبتة عندنا ، وقال ابن أبي ليلى على العلم لأن المشتري يحلف البائع في الملك كما أن الوارث يحلف المورث ثم فيما يدعى في التركة إنما يستحلف الوارث على العلم فكذلك المشتري وهذا لأن أصل الدعوى على البائع ( ألا ترى ) أن المدعي لو أقام البينة صار البائع مقضيا عليه حتى رجع المشتري على البائع بالثمن فكان هذا في معنى الاستحلاف على فعل الغير فيكون على العلم ، وحجتنا في ذلك أن الشراء سبب متجدد للملك فإنما يثبت به ملك متجدد للمشتري وصار ثبوت هذا الملك له بالشراء كثبوته بالاصطياد والاسترقاق ثم هناك إذا ادعى إنسان في المملوك دعوى يستحلف المالك على الثبات فهذا مثله بخلاف الإرث فإن موت المورث [ ص: 133 ] ليس بسبب متجدد لإثبات ملك الوارث ، ثم يقول المدعي يدعي على المشتري وجوب تسليم العين إليه وأنه غاصب في أخذه ومنعه منه ولو ادعى عليه أنه غصبه منه كان الاستحلاف على الثبات فهنا كذلك أيضا وهكذا يقول في الوارث إذا أخذ عين التركة فادعى إنسان أن العين ملكه يستحلف على الثبات لهذا المعنى وهذا لأن أصل الاستحلاف على الثبات ، وإنما اليمين على العلم لدفع الضرر عن الخصم في موضع لا يمكنه أن يحلفه على الثبات ، ولما كان الشراء من ذي اليد شيئا موجبا للملك له كان ذلك مطلقا له اليمين على دعوى المدعي فلا حاجة إلى استحلافه ، قال والبراءة من كل عيب جائزة روي عن عمر رضي الله عنه أنه باع عبدا له بثمانمائة درهم بالبراءة فطعن المشتري بعيب فخوصم إلى عثمان بن عفان فقال يمينك ما بعته وبه عيب علمته وكتمته فأبى أن يحلف فرده عليه فصلح عنده فباعه بألف درهم وأربعمائة درهم وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه باع بالبراءة وعن شريح رحمه الله قال لا يبرأ منه حتى يسمي كل عيب وكان ابن أبي ليلى يقول لا يبرأ حتى يسمي العيوب بأسمائها وقد بينا المسألة في كتاب البيوع والصلح وفيها حكاية قال : إن أبا حنيفة رحمه الله وابن أبي ليلى اجتمعا في مجلس أبي جعفر الدوالقي فأمرهما بالمناظرة في هذه المسألة وكان من مذهب ابن أبي ليلى أنه لا يبرأ حتى يرى المشتري موضع العيب فقال أبو حنيفة أرأيت لو باع جارية حسناء في موضع المأتي منها عيب أكان يحتاج البائع إلى كشف عورتها ليري المشتري ذلك العيب ، .

أرأيت لو أن بعض حرم أمير المؤمنين باع غلاما حبشيا على رأس ذكره برص أكان يحتاج إلى كشف ذلك ليريه المشتري فما زال يشنع عليه بمثل هذا حتى أفحمه وضحك الخليفة فجعل ابن أبي ليلى بعد ذلك يقول : يحتاج إلى أن يسمي العيوب بأسمائها لأن صفة المبيع وماهيته إنما تصير معلومة بتسمية ما به من العيوب ، ولكنا نقول الإبراء عن العيوب إسقاط للحق والمسقط يكون متلاشيا فالجهالة لا تمنع صحته ، ثم البائع بهذا الشرط يمنع من التزام تسليم العين على وجه لا يقدر على تسليمه فربما يلحقه الجرح في تسمية العيوب والجرح مدفوع وأكثر ما فيه أنه يمكن جهالة في الصفة بترك تسمية العيوب ولكن البائع يلاقي العين دون الصفة فيصح البيع بشرط البراءة عن العيوب ويصح الإبراء عن الجهالة لكونه إسقاطا .

وإذا كان لرجل على رجل مال من ثمن بيع قد حل فأخره عنه إلى أجل فهو جائز وليس له أن يرجع عنه عندنا وقال ابن أبي ليلى له أن يرجع في الأجل إلا أن يكون ذلك على وجه الصلح [ ص: 134 ] بينهما وذهب في ذلك أن التأجيل معتاد جرى فيما بينهما أن لا يطالبه بالمال إلا بعد مضي المدة ، والمواعيد لا يتعلق بها اللزوم إلا أن يكون شرطا في عقد لازم ، ولهذا لا يثبت الأجل في القرض والعارية لأنه ليس بمشروط في عقد لازم فكذلك لا يثبت في الثمن وغيره من الديون إلا أن يكون شرطا في عقد لازم .

وكذلك الصلح أو أصل البيع إذا ذكر فيه الأجل ، ولكنا نقول لو باعه بثمن مؤجل في الابتداء يثبت الأجل فكذلك إذا أجله في الثمن في الانتهاء لأن هذا التأجيل يلتحق بأصل العقد بمنزلة الزيادة في الثمن والمثمن بأصل العقد ويصير كالمذكور فيه ، والدليل عليه أن الأجل بمنزلة الخيار لأنه يؤثر في تغير حكم العقد فإن توجه المطالبة في الحال من حكم العقد ويتغير بالأجل وثبوت الملك في الحال من حكم العقد ويتغير بشرط الخيار ، ثم الخيار لا فرق بين أن يكون مشروطا في أصل العقد أو يجعله أحدهما لصاحبه بعد العقد فكذلك في حكم الأجل وهذا لأن العقد قائم بينهما يملكان التصرف فيه بالرفع والإبقاء فيملكان التصرف فيه بما يغير حكمه على وجه هو مشروع وتعتبر حالة الانتهاء بحالة الابتداء وبهذه المعاني يظهر الفرق بين الثمن وبدل القرض .

ولو كان لرجل على رجل مال فتغيب حتى حط الطالب بعضه ثم ظهر لم يكن له أن يرجع فيما حط عنه وقال ابن أبي ليلى له أن يرجع فيه لأنه كان مضطرا في هذا الحط فإنه كان لا يتمكن من خصمه ليستوفي منه كمال حقه ، وبهذا النوع من الضرورة ينعدم تمام الرضا منه بالحط كما ينعدم بالإكراه فكما أنه لو أكره على الحط لم يصح حطه لعدم تمام الرضا فكذلك هنا ، ولكنا نقول الحط إسقاط وهو يتم بالمسقط وحده فإذا أسقطه وهو طائع صح ذلك منه فلا رجوع له فيه بعد ذلك لأن المسقط يكون متلاشيا وإنما يتحقق الرجوع في القائم دون المتلاشي والدليل عليه أن إسقاط البعض معتبر بإسقاط الكل ولو أبرأه عن جميع دينه لم يكن له أن يرجع فيه وإن ظهر خصمه بعد ذلك فكذلك إذا حط بعضه .

وقوله إنه مضطر ، قلنا : لا كذلك فإنه متمكن من أن يصير إلى أن يظهر خصمه فالتأخير لا يفوت شيئا من حقه ، فإذا لم يكن يفعل كان مختارا طائعا في الحط والصلح بمنزلة المغصوب منه إذا أخذ القيمة بعد ما أبق المغصوب ثم عاد من إباقه لم يكن له على العبد سبيل ولهذا المعنى صححنا إبراءه عن الكل وفرقنا بينه وبين المكره على الإبراء فكذلك الحط .
وإذا اشترى الرجل ثمرا قبل أن يبلغ من أصناف الثمار كلها أو اشترى طلعا حين يخرج جاز العقد عندنا وقال ابن أبي ليلى لا خيار في شيء من ذلك واستدل [ ص: 135 ] في ذلك بما روي أن { النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها } وفي رواية حتى تشقح أي تدرك وفي رواية حتى تزهو أي تنجو من العاهة وهذا بالإدراك وحجتنا في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام { من باع نخلا مؤبرة فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع } والمؤبرة هي التي يخرج طلعها فإذا شرط المبتاع ذلك فقد صار مشتريا الثمرة مقصودة فإنها لم تدخل في العقد إلا بالذكر فهذا تنصيص على جواز بيعها قبل الإدراك ولأن محل البيع عين هو مال متقوم والمالية بالتمول التقوم بكونه منتفعا به شرعا وعرفا وقد تم هذا كله في الثمار قبل الإدراك ، والعقد متى صدر من أهله في محله كان صحيحا ولا معنى لقوله أنه غير مقدور التسليم إلا بالقطع وفيه ضرر فيكون ذلك مفسدا للعقد كبيع الجذع في السقف لأن البائع قادر على التسليم من غير ضرر يلحقه في ذلك وإنما يلحق الضرر المشتري وهو قد رضي بالتزام هذا الضرر فلا يمتنع صحة العقد بسببه ، وتأويل الحديث أن المراد بيعها مدركة قبل الإدراك بدليل أنه عليه السلام قال في آخر الحديث { أرأيت لو أذهب الله تعالى الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه } والمراد به السلم في الثمار قبل أن يبدو صلاحها بدليل أنه قال في بعض الروايات { لا تتلقوا في الثمار حتى يبدو صلاحها } فيحمل على ذلك ليكون جمعا بينه وبين ما روينا .

فإن كانت الثمار قد تلفت يعني انتهى عظمها فاشتراها بشرط الترك إلى أجل معلوم فالعقد فاسد عندنا وقال ابن أبي ليلى العقد صحيح هكذا قال محمد رحمه الله فيما إذا شرط الترك مدة يسيرة لأنه بعد ما يتناهى عظمها لا تزداد من ملك البائع وإنما تنضجها الشمس بتقدير الله تعالى وتأخذ اللون من القمر والذوق من النجوم بتقدير الله تعالى فليس في هذا اشتراط شيء مجهول من ملك البائع وهو شرط متعارف بين الناس فيكون سالما للعقد باعتبار العرف وباعتبار أن العرف فيه تقريب إلى مقصود المشتري بمنزلة ما لو اشترى بغلا وشراكين بشرط أن يحدوها البائع أو اشترى حطبا في المصر بشرط أن يوفيه في منزله ، وجه قولنا أن هذه إعارة أو إجارة مشروطة في البيع فيبطل بها البيع { لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة } وبيانه أنه إن كان بمقابلة منفعة الترك في شيء من البدل فهي إجارة مشروطة في البيع ، وإن لم يكن بمقابلها شيء من البدل فهي إعارة مشروطة في البيع والعرف إنما يعتبر إذا لم يكن هناك نص بخلافه .

فأما مع وجود النص فلا إذ العرف لا يعارض النص وهكذا كان ينبغي في القياس أن لا يجوز العقد فيما استشهد به ولكن تركنا القياس هناك للعرف فإنه لا نص فيه بخلافه .

[ ص: 136 ] ثم هذا ليس في معنى ذلك لأن في هذا الشرط حيلولة بين البائع وبين ما لم يدخل تحت العقد من ملكه وهو النخيل ومثل هذا الشرط لا يلائم العقد وفيه يعتبر ما يتناوله العقد فيكون بمنزلة ما لو اشترى حنطة بشرط أن يطحنها البائع وذلك مفسد للعقد فكذلك هنا إذا شرط الترك إلى مدة يفسد بها العقد .

وإذا اشترى الرجل مائة ذراع مكسرة من أذرع مقسومة أو عشرة أجربة من أرض غير مقسومة لم يجز الشراء في قول أبي حنيفة وقال ابن أبي ليلى هو جائز وبه أخذ أبو يوسف ومحمد وقد بينا هذا في البيوع أن الذراع اسم لجزء شائع عندهم بمنزلة السهم إلا أن السهم غير معلوم المقدار في نفسه وإنما يصير معلوما بالإضافة فسهم من سهمين النصف وسهم من عشرة العشر فلا بد من أن يبين سهما من كذا سهما والذراع معلوم المقدار في نفسه فلا حاجة إلى أن يقول من كذا كذا ذراعا والجريب كذلك معلوم المقدار بالذراع فإن اشترى عشرة أجربة وجملة الأرض مائة جريب فإنما اشترى عشرها وذلك مستقيم .

وكذلك إن اشترى مائة ذراع فإذا ذرع الكل فكان ألف ذراع عرفنا أنه اشترى عشرها ، والمكسرة المعروفة من الذراع بين الناس سميت مكسرة لأنها كسرت من ذراع الملك قبضة وأبو حنيفة يقول الذراع اسم لجزء معين من الأرض وهو ما يقع عليه الذراع فإذا اشترى مائة ذراع أو عشرة أجربة فإنما سمى في العقد جزءا معينا وهو عشر معلوم في نفسه فإن جوانب الأرض تختلف في الجودة والمالية فتتمكن المنازعة بهذا السبب بين البائع والمشتري في التسليم وذلك مفسد للعقد كما لو اشترى بيتا من بيوت الدار ، ثم إذا جاز العقد عندهم فإن كانت مائة ذراع فهي للمشتري ، وإن كانت مائتي ذراع فالمشتري يكون شريكا بقدر مائة ذراع ، وإن كانت دون مائة ذراع فللمشتري أن يردها إن شاء لتغيير شرط العقد عليه وإن شاء أخذها بحصتها من الثمن لأنه سمى جملة الثمن بمقابلة مائة ذراع فإذا لم يسلم له إلا خمسون ذراعا لم يكن عليه إلا نصف الثمن وهذا بخلاف ما لو اشترى الأرض على أنها مائة ذراع فوجدها خمسين ذراعا واختار أخذها لزمه جميع الثمن لأن هناك الثمن بمقابلة العين وذكر الذراع على وجه بيان الصفة وهنا الثمن بمقابلة ما سمي من الذراع هنا لبيان مقدار المعقود عليه فإذا لم يسلم له إلا نصف المسمى لا يلزمه إلا نصف الثمن كما لو اشترى عشرة أقفزة حنطة فوجدها خمسة أقفزة .
وقال ابن أبي ليلى لا يجوز عتق من قد فلسه القاضي وحبسه في الدين ، وعندنا ينفذ عتقه إلا أن عند أبي حنيفة لا سعاية على العبد وعلى [ ص: 137 ] قول أبي يوسف ومحمد يلزمه السعاية في قيمته للغرماء وهو بناء على مسألة الحجر بسبب الدين وقد بينا ذلك في كتاب الحجر .

فأما ابن أبي ليلى قال : إن ماله بالتفليس والحبس صار حقا لغرمائه فإعتاقه صادف محلا هو حق الغير وفيه إضرار بمنزلة الحق فلا ينفذ عتقه لدفع الضرر عن صاحب الحق عملا بقوله عليه السلام { لا ضرر ولا ضرار في الإسلام } وهذا قريب من قول الشافعي في المرهون أنه لا ينفذ عتق الراهن لاشتغاله بحق المرتهن وقد بينا ذلك في الرهن ولكنا نقول العبد لا يزول عن ملكه بالتفليس والحبس في الدين ولا يصير مملوكا للغريم ( ألا ترى ) أن شيئا من تصرفات الغريم لا ينفذ فإذا بقي على ملك صاحبه نفذ عتقه فيه لأن شرط نفوذ العتق ملك المحل والأهلية في العتق وبعد وجودهما لا يمتنع نفوذه لدفع الضرر عن الغير .

( ألا ترى ) أن عتق أحد الشريكين ينفذ في نصيبه وإن كان يتضرر به صاحبه وكذلك عتق المشتري في المبيع قبل القبض ينفذ وإن كان يتضرر به البائع خصوصا إذا كان المشتري مفلسا .

وإذا أعطى الرجل الرجل متاعا يبيعه له ولم يسم بالنقد ولا بالنسيئة فباعه بالنسيئة فالبيع جائز ولا ضمان على البائع عندنا وقال ابن أبي ليلى البائع ضامن لقيمة المتاع يدفعها إلى الآمر لأن مطلق الأمر بالبيع معتبر بمطلق إيجاب البيع وذلك منصرف إلى النقد خاصة فكذلك هذا وإذا انصرف إلى النقد كان هو مخالفا إذا باعه بالنسيئة فيكون بمنزلة الغاصب ضامنا قيمته للآمر ولأن الإنسان إنما يأمر غيره ببيع متاعه لحاجته إلى الثمن إما لقضاء الدين أو للإنفاق على عياله والثابت بالعرف كالثابت بالنص ولو صرح بهذا للوكيل كان هو مخالفا في بيعه بالنسيئة فكذلك إذا ثبت بالعرف ولكنا نقول الأمر مطلق فتقييده بالبيع بالنقد يكون زيادة ومثل هذه الزيادة لا تثبت إلا بدليل والعرف لا يصلح مقيدا لهذا فالعرف مشترك لأن الإنسان قد يأمر غيره بالبيع للاسترباح ، والربح إنما يحصل أكثره بالبيع بالنسيئة ثم يفسد المطلق في معنى نسخ حكم الإطلاق فلا يثبت بمجرد العرف لأن العرف لا يعارض النص والشيء لا ينسخه ما دونه بخلاف ما إذا نص على التقييد وليس هذا نظير إيجاب البيع لأن العمل هناك بالإطلاق غير ممكن فإن البيع لا يكون إلا بثمن مقيد بوصف إما النقد أو النسيئة .

( ألا ترى ) أنه لو قال بعته منك بألف درهم إن شئت بالنقد وإن شئت بالنسيئة ; لم يجز العقد بخلاف التوكيل فإن العمل بالإطلاق هنا ممكن بدليل أنه لو قال : بعه بالنقد أو بالنسيئة كان صحيحا وهذا لأن البيع قد نفذ بسبب حرام وهذه الحرمة كانت لحق الأمر فعليه أن [ ص: 138 ] يدفع الفضل إلى الآمر ، وإن كان أقل من القيمة لم يرجع البائع على الآمر بشيء لأنه هو الذي أضر بنفسه حين باعه بأقل من قيمته على وجه صار مخالفا وهو البيع بالنسيئة فيكون الخسران عليه .

وإذا باع الرجل جارية بجارية وتقابضا ثم وجد أحدهم بالجارية التي قبض عيبا فإنه يردها ويأخذ جاريته عندنا وقال ابن أبي ليلى يردها ويأخذ قيمتها صحيحة .

وكذلك هذا في كل حيوان أو عرض .

وجه قوله أن كل واحد منهما في العوض الذي من جهة صاحبه مشترى اشتراه بعوضه وفي العوض الذي من جانبه بائع والبيع غير الشراء فإذا وجد عيبا بما اشترى فرده يبطل الشراء ولكن لا يبطل البيع وإذا بقي العقد في العوض الآخر كان على صاحبه تسليم البدل إليه كما التزمه بالعقد صحيحا وقد عجز عن ذلك فيلزمه رد قيمته كما في النكاح إذا وجدت المرأة بالصداق عيبا فاحشا فردت رجعت على الزوج بقيمته وكل واحد منهما عقد معاوضة فإذا كان هناك حكم الرد يقتصر على المردود ولا يتعدى إلى العوض الآخر فكذلك هنا يوضحه أن القيمة سميت قيمة لقيامها مقام العين فصارت قدرته على تسليم قيمتها صحيحة كقدرته على تسليم عينها فيبقى العقد في البدل الموجود على شرط العقد بقيمة الآخر .

وجه قولنا إن بالرد بالعيب ينفسخ القبض في المردود من الأصل ويتحقق عجز بائعها عن تسليمها كما أوجبه العقد وذلك مبطل للعقد .

( ألا ترى ) أنه لو هلك أحد العوضين قبل القبض يبطل العقد فيهما جميعا فكذلك إذا ردتا بالعيب ، وبه فارق النكاح فإن هناك لو تعذر التسليم بالهلاك قبل القبض لزمه قيمته فكذلك إذا تعذر التسليم بالرد بالعيب وهذا لأن العجز عن التسليم في الابتداء هناك لا يمنع صحة العقد والتسمية بأن يزوج امرأة على عبد الغير فإن التسمية تصح .

وإذا عجز عن تسليم المسمى يجب قيمته فهنالك العجز في الانتهاء وهنا العجز عن التسليم في الابتداء يمنع صحة العقد فإنه لو اشترى جارية بعبد الغير لا يصح الشراء فكذلك إذا عجز عن التسليم في الانتهاء بطل العقد فيلزمه رد المقبوض بحكمه ، ثم القيمة إنما تقوم مقام العين ، والحاجة هنا إلى تسليم ما تناوله العقد وهي جارية صحيحة لا إلى تسليم العين لأن العين قد كانت مسلمة إليه فلو قلنا بأنه يأخذ قيمتها لكان يأخذ بحكم العقد ولا يجوز أن يستحق بالعقد القيمة دينا في الذمة فلهذا لا يبقى العقد بعد ردها بالعيب ، ولهذا لو اشتراها بالدراهم ثم ردها بالعيب استرد دراهمه ولم يرجع بقيمتها فهذا مثله .

وإذا اشترى الرجل سلعة فطعن فيها بعيب قبل أن ينقد الثمن فله أن يردها إذا أقام البينة على العيب عندنا وقال [ ص: 139 ] ابن أبي ليلى لا تقبل شهادة شهود على العيب حتى ينقد الثمن لأن قبول البينة ينبني على دعوى صحيحة وإنما تصح الدعوى من المشتري عند وجود العيب لأنه يطالب البائع برد الثمن عليه وذلك لا يتحقق قبل إنقاد الثمن وبدون دعوى صحيحة لا يقبل منه البينة .

وحجتنا في ذلك أن الرد بخيار العيب كالرد بخيار الشرط والرؤية وذلك صحيح قبل نقد الثمن ; إذ الرد بحجة البينة معتبر بالرد بالإقرار ، ولو أقر البائع بالعيب كان للمشتري أن يرد عليه قبل نقد الثمن فكذلك إذا أقام البينة على العيب ، قوله بأن دعواه لا يصح قلنا لا كذلك فإنه يطالب البائع بتسليم الجزء الفائت وذلك حق مستحق له بالعقد فيصح منه دعوى المطالبة بالتسليم ثم إذا تحقق عجز البائع عن تسليمه رد عليه بالعيب ، ثم هو يدعي براءة ذمته عن الثمن بعد رد العين عليه ، ودعوى سبب البراءة من الديون دعوى صحيحة فتقبل بينته على ذلك والعقد لازم من حيث الظاهر في حق كل واحد منهما فهو يدعي انعدام لزومه في جانبه بسبب العيب وهذه دعوى صحيحة منه كدعوى شرط الخيار .

وإذا باع الرجل على ابنه وهو كبير دارا أو متاعا من غير حاجة ولا عذر لم يجز ذلك عندنا وقال ابن أبي ليلى بيعه جائز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال { أنت ومالك لأبيك } وقال عليه السلام { إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده لمن كسبه فكلوا من كسب أولادكم } ففي الحديثين دليل على أن مال الولد مملوك للوالد بمنزلة مال نفسه فينفذ تصرفه ، ففي الحقيقة المسألة تنبني على هذا فإن عنده مال الولد في حكم المملوك للوالد ولهذا قال : له أن يطأ جارية ابنه إذا لم تكن محرمة عليه ، وعندنا لا ملك له في مال ولده ولا حق ملك لأن الكسب إنما يملك بملك الكاسب وليس له في ولده ملك فكذلك في كسب ولده والدليل عليه أن الولد مالك لكسبه حقيقة حتى ينفذ تصرفه فيه من الوطء وغير ذلك وينفذ فيه إعتاقه ، وإنما يخلف الكاسب غيره في الملك إذا لم يكن هو من أهل الملك .

فأما إذا كان هو من أهل حقيقة الملك لا يملك غيره الكسب على وجه الخلافة عنه ولا يملكه ابتداء لأن ثبوت الملك ابتداء يستدعي سببا له ولم يوجد ذلك وإنما كان يتصرف في حال ضره بولايته عليه نظرا للولد لأنه كان عاجزا عن التصرف والنظر وقد زال هذا المعنى ببلوغه فلهذا لا ينفذ تصرفه فيه .

( ألا ترى ) أن تصرفه في نفسه بالتزويج كان ينفذ قبل بلوغه لحاجته إلى ذلك ثم لا ينفذ بعد البلوغ لانعدام الحاجة فكذلك في ماله .

وإذا باع الرجل متاعا لرجل وهو حاضر ساكت لم يجز ذلك عليه عندنا وقال ابن أبي ليلى سكوته إقرار بالبيع أي هو [ ص: 140 ] بمنزلة الإجازة فينفذ به البيع لنفسه لأنه لو لم يتعين جهة الرضا بسكوته تضرر به المشتري وصار المالك بسكوته كالغار له والغرور حرام والضرر مدفوع فهو قياس سكوت المولى عن النهي عند رؤيته تصرف العبد أنه يجعل إذنا له في التجارة لهذا المعنى ولأن العادة أن صاحب المال لا يسكت إذا رأى غيره يبيع ما أمر بتسليمه ولم يكن من قصده الرضا به فباعتبار العادة يجعل سكوته دليل الرضا .

وكذلك لا يحل له السكوت شرعا إذا لم يكن من قصده الرضا وفعل المسلم محمول على ما يحل شرعا فجعل سكوته دليل الرضا لهذا كما جعل الشرع سكوت البكر رضا منها بالنكاح .

وحجتنا في ذلك أن سكوته محتمل قد يكون بطريق الرضا وقد يكون بطريق التهاون وقلة الالتفات إلى تصرف الفضولي وقد يكون بطريق التعجب أي لماذا يفعل هذا في ملكه بغير أمره وإلى ماذا تئول عاقبة فعله والمحتمل لا يكون حجة وملك المالك ثابت في العين بيقين فلا يجوز إزالته بدليل محتمل وهذا هو القياس فيما استشهد به من سكوت المولى وسكوت البكر إلا أنا تركنا القياس في سكوت البكر بالنص ، وهذا ليس في معنى ذلك فإن الحياء يحول بينها وبين التصريح بالإجازة هناك وليس هنا ما يحول الحياء بينه وبين النطق ، ولو تعين جهة الرضا في سكوت المولى لم يلزمه بذلك شيء لأن بمجرد الإذن للعبد في التجارة لا يجب على المولى شيء ولا يبطل ملكه عن شيء ; فإنه يتمكن من الحجر عليه قبل أن يلحقه دين ، وهنا لو تعين جهة الرضا زال ملك المالك ولزمه حكم تصرف الفضولي ، وحاصل هذا الكلام أن هناك لو لم يجعل السكوت رضا تضرر به من عامل العبد ولو جعلنا السكوت إذنا لم يتضرر به المولى في الحال فرجحنا جانب دفع الضرر ، وهنا لو جعلنا السكوت رضا تضرر به المالك ولزمه حكم تصرف الفضولي لأن ملكه يزول ، ولو لم نجعله رضا تضرر به المشتري فرجحنا جانب المالك لأن حقه في العين أسبق والمشتري هو المقر حين لم يسأل المالك أن البائع وكله أم لا واعتمد سكوتا محتملا ، ثم الحاجة هنا إلى التوكيل لأن المتصرف يكون نائبا عن المالك ولهذا يرجع عليه بما لحقه من العهدة ، والتوكيل بالسكوت لا يثبت .

فأما الإذن في التجارة إسقاط من المولى حقه في المنع من التصرف فإن العبد لا يصير نائبا عن المولى في التصرف ولهذا لا يرجع عليه بالعهدة وسكوته إعراض منه عن الرد فيمكن أن يجعل إسقاطا لحقه بمنزلة التصريح بالإذن .

وإذا باع الرجل نصيبا في دار غير مقسوم فقد بينا هذه المسألة بوجوهها في آخر الشفعة ولكن هناك ذكر قول أبي يوسف وحده وأن البيع جائز إن لم [ ص: 141 ] يعلم المشتري بنصيب البائع وله الخيار إذا علم به وذكر هنا قول محمد مع قول أبي يوسف فعن محمد فيه روايتان قال ابن أبي ليلى : إذا كانت الدار بين اثنين أو ثلاثة أجزت بيع النصيب وإن لم يسم وإن كانت سهاما كثيرة لم أجزه حتى يسمي لأن عند كثرة الشركاء تتفاحش الجهالة والتفاوت إذا لم يكن نصيب البائع معلوما للمشتري ، وعند قلة الشركاء يقل التفاوت والجهالة وفي البيع تفصيل بين الجهالة المتفاحشة والجهالة اليسيرة ( ألا ترى ) أن بيع أحد الأثواب الثلاثة مع اشتراط الخيار للمشتري إذا سمى ثمن كل ثوب منها يجوز وفيما زاد على الثلاثة لا يجوز وكان ذلك باعتبار تفاحش الجهالة وقلة الجهالة ، ولكنا نقول البيع إنما يتناول نصيب البائع ، وذلك لا يختلف بكثرة الشركاء وقلة الشركاء فقد يقل نصيبه مع قلة الشركاء وقد يكثر نصيبه مع كثرة الشركاء فلا معنى للفرق بينهما ، والمعنى الذي لأجله لا يجوز العقد عند كثرة الشركاء جهالة المعقود عليه على وجوه تفضي إلى المنازعة بين البائع وبين المشتري ، وهذا المعنى موجود عند قلة الشركاء ; فالمشتري يقول : نصيب البائع النصف والبائع يقول نصيبي من الدار العشر فلهذا لا يجوز العقد ، وشراء أحد الأثواب الثلاث مستحسن من القياس فلا يقاس عليه غيره ثم الجهالة هناك لا تفضي إلى المنازعة إذا شرط الخيار للمشتري .
وإذا ختم الرجل على شراء لم يكن ذلك تسليما للبيع عندنا .

وقال ابن أبي ليلى هو تسليم للبيع وبيان هذا أن الرجل إذا شهد على بيع الدار فكتب شهادته وختمها ثم ادعى بعد ذلك أن الدار له وأقام البينة فإن بينته تكون مقبولة على المشتري عندنا ويقضى له بالملك وقال ابن أبي ليلى الدار سالمة للمشتري وهذا بناء على ما تقدم فإن على أصله لما جعل السكوت من المالك رضى بالبيع فختم الشهادة أولى أن يكون رضا بالبيع ، قال كتبه الشهادة للتوثق وهذا التوثق إنما يحتاج إليه إذا صح شراؤه فيجعل إقدام الشاهد على ذلك إقرارا منه بصحة شراء المشتري ، ولكنا نقول كتبه الشهادة محتمل قد يكون على وجه تسليم المبيع وقد يكون للتعجب حتى ينظر كيف يقدر البائع على تسليم ملكه أو تحمل الشهادة على معنى التوثق إذا بدا له أن يجيز المبيع أو يحتمل أن يكون الشاهد لم يعلم عند تحمل الشهادة أن المبيع داره فلعله ظن أن المبيع دار أخرى حدودها توافق حدود داره وبالمحتمل لا يزول الملك فلا يجعل ذلك تسليما منه للبيع .

وإذا بيع الرقيق أو المتاع في عسكر الخوارج وذلك من مال أهل العدل غلبوهم عليه لم يجز البيع عندنا ، وقال ابن أبي ليلى هو جائز وإن قتل الخوارج قبل أن يبيعوه وهو بعينه رد على أهله عندهم جميعا [ ص: 142 ] فابن أبي ليلى جعل منعه للخوارج كمنعه أهل الحرب باعتبار أن المقابلة بين الفريقين تتناول الدين ، والتأويل الذي للخوارج أقرب إلى الصحة من تأويل الكفار فإذا كان هناك باعتبار المنعة والتأويل يملكون ما أخذوا من أموال المسلمين حتى ينفذ تصرفهم فيه فكذلك الخوارج يملكون ذلك حتى ينفذ تصرفهم فيه إلا أنه إذا قتل الخوارج فلم يبق لهم منعة ، وثبوت هذا الحكم كان باعتبار المنعة فإذا لم يبق وجب ردها على أهلها وبهذا لا يستدل على أنهم لا يملكونها كما لو استولى المشركون على أموال المسلمين ثم وقعت في الغنيمة فوجدها أصحابها قبل القسمة ، ردت عليهم محاباة وإن كان المشركون قد ملكوها فهذا مثله والدليل على التسوية أن الخوارج لا يضمنون ما أتلفوا من أموال أهل العدل ونفوسهم ، كما لا يضمن أهل الحرب ذلك للمسلمين فإذا سوى بين الفريقين في حكم الضمان فكذلك في حكم الملك ، وحجتنا في ذلك أن حكم الإسلام ثابت في حق الخوارج فهذا استيلاء المسلم على مال المسلم فلا يوجب الملك كغصب بعض المسلمين مال بعضهم ، وتقرير هذا الكلام أن منعة الخوارج من جملة دار الإسلام ، والملك بطريق القهر لا يثبت ما لم يتم القهر وتمامه بالإحراز بدار تخالف دار صاحب المال وذلك لا يوجد بعد إحراز الخوارج المال بمنعتهم بخلاف أهل الحرب فإن قهرهم يتم بالإحراز بدارهم ، وما كان منعة الخوارج في دار الإسلام إلا كمنعة أهل الحرب في دار الإسلام وهم لا يملكون أموالنا ما داموا في دارنا وإن كانوا ممنوعين فكذلك الخوارج فلا فرق فإنا لو قدرنا على الخوارج استبيناهم ورددنا المال على صاحبه كما لو أنا قدرنا على أهل الحرب في دار الإسلام عرضنا عليهم الإسلام ورددنا المال على صاحبه ، يوضحه أن المال ما دام محرزا بدار الإسلام لا يملك بالقهر لأنه بالإحراز معصوم والقهر يوجب الملك في محل مباح لا في محل معصوم .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #616  
قديم 30-12-2025, 04:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون

صـــ142 الى صـــ 151
(616)






( ألا ترى ) أن الصيد المباح يملك بالأخذ والصيد المملوك لا يملك بالأخذ ، فبإحراز المشركين المال بدارهم يبطل حكم الإحراز والعصمة في ذلك المال فلهذا لا يملكونه بإحراز الخوارج المال بمنعتهم ولا يبطل حكم الإحراز والعصمة في ذلك المال فلهذا لا يملكونه ولهذا لو قتل الخوارج وهو باق بعينه رد على صاحبه ، ولو صار ذلك مملوكا لهم لكان ميراثا عنهم إذا قتلوا .

فأما سقوط الضمان فهو حكم ثبت باتفاق الصحابة بخلاف القياس على ما روي عن الزهري قال وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون فاتفقوا على أن [ ص: 143 ] كل دم أريق بتأويل القرآن فهو موضوع وكل فرج استحل بتأويل القرآن فهو موضوع وكل مال أتلف بتأويل القرآن فهو موضوع ، وهذا ليس في معنى ذلك المنصوص فإن مع بقاء الإحراز القسمة قد تسقط بالضمان بأسباب ولكن بقاء الإحراز والعصمة لا يملك المال بحال .

ثم ذكر مسألة الشهادات إذا باع مسلم دابة من نصراني فاستحقها نصراني من يد المشتري ببينة من النصارى وقد بينا خلاف أبي يوسف في هذه المسألة في كتاب الشهادات وقول ابن أبي ليلى كقول أبي يوسف .
وإذا استهلك الرجل الغني مال ولده الكبير فهو ضامن عندنا وقال ابن أبي ليلى لا ضمان عليه وهو ينبني على الأصل الذي بيناه أن عنده الأب مالك مال ولده شرعا ، وإتلاف الإنسان ملكه لا يوجب الضمان عليه ، وعندنا ليس له في مال ولده ملك ولا حق ملك فهو ضامن له إذا أتلفه ، وإن ثبت له شرعا حق التناول منه بالمعروف عند الحاجة فذلك لا ينفي الضمان عند عدم الحاجة كالمرأة فإن لها أن تنفق من مال زوجها بالمعروف فإن أتلفت شيئا من ماله بدون الحاجة كانت ضامنة فالأب كذلك .
وإذا اشترى الرجل عبدا مع الجارية وزاد معها مائة درهم ثم وجد بالعبد عيبا وقد ماتت الجارية عند المشتري فإنه يرد العبد ويأخذ المائة وقيمة الجارية ، وإن كانت الجارية هي التي وجد بها العيب وقد مات العبد ردت الجارية وقسمت قيمة العبد على مائة درهم وعلى قيمة الجارية فيكون له ما أصاب المائة ويرد ما أصاب من قيمة الجارية من قيمة العبد عندنا وقال ابن أبي ليلى إن وجد بالعبد عيب رده وأخذ قيمته صحيحة وكانت الدراهم للذي هي في يديه وهذا بناء على ما تقدم فإن عند ابن أبي ليلى برد العبد بالعيب لا ينتقض البيع في الجارية ولكن يرجع بقيمة العبد .

وإذا بقي العقد في حصة الجارية من العبد عندنا يبقى في حصة المائة أيضا لأن العقد في ذلك الجزء من العبد وإن كان بيع بدراهم ولكنه بيع كبيع المقابضة وحكم التبع حكم الأصل فلهذا لا فيبطل العقد فيه ويأخذ قيمته لما تعذر على بائع العبد تسليم عينه صحيحا .

فأما عند العقد في الجارية يبطل ما يقابله من العبد بالعيب فإذا بطل العقد وجب على قابض الجارية ردها وقد تعذر الرد بهلاكها في يده فيرد قيمتها بمنزلة المشتراة شراء فاسدا إذا هلكت في يد المشتري .

وأما في حصة المائة فالعبد كان بيع بالدراهم فإذا رد المعيب بالعيب وجب الرجوع بما يقابله من الثمن ، وإن كان العيب بالجارية فردت وقد مات العبد فقد انتقض العقد فيما يقابل الجارية من العبد لأن في بيع المقابضة هلاك أحد العوضين لا يمنع فسخ العقد برد الآخر بالعيب فإن العقد إنما ينفسخ في [ ص: 144 ] المردود مقصودا ويثبت حكم الفسخ فيما بقي ولا ينفسخ في المردود مقصودا ويثبت حكم الفسخ فيما بقي ولا ينفسخ العقد في حصة المائة من العبد لأن ذلك كان بيعا بالدراهم وقد هلك في يد المشتري فلا يمكن فسخ العقد فيه بعد ذلك فلهذا يقسم العبد على المائة وعلى قيمة الجارية فيغرم مشتري العبد ما أصاب قيمة الجارية من قيمة العبد ويسقط عنه ما أصاب المائة الدرهم لبقاء البيع بينهما في ذلك الجزء .

وإذا اشترى الرجل ثوبين وقبضهما فهلك أحدهما ووجد بالآخر عيبا فرده ثم اختلفا في قيمة الهالك فالقول فيها قول البائع عندنا وقال ابن أبي ليلى القول قول المشتري لأن البائع يدعي زيادة في قيمة الهالك عند المشتري والمشتري ينكر تلك الزيادة فيكون القول قوله مع يمينه ولأن البائع يدعي زيادة في حقه قبل المشتري بعد رد الثوب الآخر فيقول قيمة المردود ألف وقيمة الهالك في يدي ألف فلي عليك نصف الثمن والمشتري يقول قيمة الهالك في يدي كان خمسمائة فإنما هلك على ثلث الثمن فيكون القول قول المشتري لإنكاره الزيادة كما لو قبض أحد الثوبين وهلك الآخر في يد البائع ثم اختلفا في قيمة الهالك عند المشتري فإنه يكون القول قول المشتري لهذين المعنيين ، وحجتنا في ذلك أن الثمن كله قد تقرر على المشتري بقبض ثوبين ثم رد أحدهما بالعيب يسقط عنه حصته من الثمن فالمشتري يدعي زيادة فيما سقط عنه من الثمن لأنه يقول كان قيمة الهالك في يدي خمسمائة وقيمة المردود ألفا فسقط عنه ثلثا الثمن والبائع يقول قيمة الهالك في يدك كان ألفا فإنما يسقط عنك نصف الثمن وبعد ما تقرر الثمن على المشتري لو أنكر البائع سقوط شيء من الثمن عنه كان القول قوله فكذلك إذا أنكر سقوط الزيادة عنه واعتبار هذا الجانب أولى لأن المقصود ليس هو عين قيمة الهالك بل المقصود سقوط الثمن عن المشتري بالرد وتقرره عليه بالهلاك في يده فإنما ينظر إلى الدعوى والإنكار فيما هو المقصود ، وهذا بخلاف ما إذا هلك أحد الثوبين في يد البائع والآخر في يد المشتري لأن هناك أن جميع الثمن لم يتقرر على المشتري لأن تقرر الثمن عليه بالقبض وهو ما قبض جميع المعقود عليه فالاختلاف بينهما في مقدار ما تقرر على المشتري من الثمن فالبائع يدعي عليه الزيادة وهو ينكرها لأن الاختلاف هناك في مقدار ما قبض من المعقود عليه ، ولو أنكر القبض أصلا كان القول قوله فكذلك إذا أنكر قبض الزيادة ، وهذا الاختلاف في مقدار ما رد من المعقود عليه ولو أنكر البائع رد شيء عليه كان القول قوله فكذلك إذا أنكر رد الزيادة .
وإذا اشترى [ ص: 145 ] دارا وبنى فيها بناء ثم حضر الشفيع فإنه ينقض بناء المشتري ويأخذ الدار عندنا وعلى قول ابن أبي ليلى يأخذ الشفيع الدار والبناء ويعطي الثمن وقيمة البناء إن شاء وهو رواية عن أبي يوسف وهو قول الشافعي وقد بينا هذا في كتاب الشفعة .
وإذا وجبت الشفعة لليتيم وعلم بها الوصي أو الأب فلم يطلبها فليس لليتيم شفعة إذا أدرك عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وعلى قول محمد وزفر له الشفعة إذا أدرك وهو قول ابن أبي ليلى وقد بيناها في الشفعة ، والصلح على الإنكار جائز عندنا وقال ابن أبي ليلى لا يجوز الصلح على الإنكار وقد بينا هذا في كتاب الصلح .

وكذلك إذا صالح رجل عن المطلوب والمطلوب متغيب أو أخر الطالب عنه الدين وهو متغيب جاز عندنا وعلى قول ابن أبي ليلى لا يجوز شيء من ذلك لأن التأخير تبرع عن المطلوب بالأجل ولو تبرع عليه بالمال لم يتم في حال غيبته فكذلك إذا تبرع عليه بالأجل ، ولكنا نقول التأجيل إسقاط للمطالبة إلى مدة والإسقاط يتم بالمسقط وحده بمنزلة الإبراء وهذا لأنه تصرف من الطالب في حق نفسه فإن المطالبة خالص حقه وليس في التأجيل إلا إسقاط المطالبة فإذا كان تصرفه لا يمس جانب المطلوب كان صحيحا مع غيبته كالعفو عن القصاص في حال غيبة القاتل وإيقاع الطلاق والعتاق في حال غيبة العبد والمرأة .

وكذلك الصلح من الفضولي لا يمس المطلوب فإن الطالب يسقط حقه بعوض يلزمه المتوسط وقد صح التزام من المتوسط لأن ذلك تصرف منه في ذمته أو في ماله فغيبة المطلوب لا تمنع صحته بمنزلة ما لو طلق امرأته على مال شرطه على أجنبي وضمن الأجنبي ذلك فإنه يقع الطلاق مع غيبة المرأة ويجب المال على الضامن .
وإذا صالح الرجل عن صلح أو باع بيعا أو أقر بدين ثم أقام البينة أن الطالب أكرهه على ذلك فإن أبا حنيفة قال ذلك جائز ولا أقبل البينة بأنه أكرهه وقال ابن أبي ليلى أقبل بينته على ذلك وأرده وقال أبو يوسف ومحمد إذا كان ذلك إكراها في موضعه قبلت البينة عليه وهذه تنبني على ما بينا في كتاب الإكراه أن عند أبي حنيفة الإكراه إنما يتحقق من السلطان فإكراه الرعية ليس بإكراه وعندهما يتحقق الإكراه ممن يكون قادرا على إيقاع ما هدد به سلطانا كان أو غيره فيقولا الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ولو غائبا أو أكره من عامله على ذلك لم يمتنع نفوذه عند أبي حنيفة وعندهما يمتنع نفوذه فكذلك إذا ثبت ذلك بالبينة إلا أن عندهما إنما تقبل البينة على هذا إذا كان في موضعه بأن كان يتصور الإكراه من مثله له .

وعند ابن أبي ليلى تقبل بينته على ذلك على كل حال [ ص: 146 ] لأنه أثبت السبب المبطل للعقد أو للدفع لصفة اللزوم بالبينة والثابت بالبينة كالثابت باتفاق الخصم ولو ساعده الخصم على ذلك بطل الصلح والبيع فكذلك إذا أثبت بالبينة .

وإذا اختصم رجلان عند القاضي فأقر أحدهما بحق صاحبه بعد ما قاما من عنده وقامت عليه البينة بإقراره وهو يجحد فهو جائز في قول علمائنا رحمهم الله وكان ابن أبي ليلى يقول لا إقرار لمن خاصم إلا عندي ولا صلح لهم إلا عندي وكان لا يقبل البينة على الإقرار والصلح بعد ما قاما من عنده قال لأن القاضي سمع إنكار الخصم وصار له في ذلك علم يقين فكيف يسمع البينة على ما يعلم يقينا بخلافه يوضحه أنهما لما خاصما بين يديه فقد ثبت له ولاية الحكم بينهما بما هو موجب الشرع وهذا أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر وفي الصلح والإقرار من الخصم إبطال هذه الولاية له فلا يكون إلا بمحضر منه ولا يكون صحيحا فهذا أولى .

وجه قولنا أنه لو أقام الخصم البينة على إقرار خصمه أو على الصلح بينهما في المجلس الأول كانت بينته مقبولة فكذلك إذا أقام البينة على ذلك في المجلس الثاني لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ولو عاين القاضي صلحهما أو إقرار الخصم يقضي بذلك فكذلك إذا أثبته بالبينة قوله إذا كان علم إنكاره قلنا نعم ولكن بقاؤه على ذلك الإنكار غير معلوم للقاضي إلا بطريق استصحاب الحال والبينة أقوى من استصحاب الحال وقوله : إنه ثبت للقاضي ولاية الحكم بموجب الشرع قلنا نعم ولكن الحكم عليه بالإقرار الثابت بالبينة ، والصلح الثابت بالبينة من موجب الشرع فيكون هذا راجعا إلى تقرير ولاية القاضي وهذا لأن الشرع أمر القاضي أن لا يقضي بشيء مما غاب عنه علمه إلا بشهادة شاهدين وهذا الصلح والإقرار مما غاب عنه علمه فإذا ثبت عنده شهادة شاهدين كان عليه أن يقضي بها بمنزلة صلح أو إقرار كان منهما قبل الخصومة أو يجعل الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم .

وقال ابن أبي ليلى إذا كفل رجل لرجل بدين له على آخر فليس للطالب أن يأخذ الأصل بالمال ما لم يتو على الكفيل وإن كان كل واحد منهما كفيلا عن صاحبه أخذ به أيهما شاء وقد بينا هذه المسألة في كتاب الكفالة أن الكفالة عندنا لا توجب براءة الأصيل وللطالب أن يأخذ أيهما شاء وعنده مطلق الكفالة بمنزلة الحوالة فإنما يطالب الكفيل بالمال ولا يطالب الأصيل ما لم يتو المال على الكفيل إلا أن يشترط أن يكون كل واحد منهما كفيلا عن صاحبه فحينئذ يطالب أيهما شاء بالمال لمكان الشرط وبعد ما طالب أحدهما له أن يطالب الآخر وعلى قول ابن شبرمة إذا اشترط [ ص: 147 ] هذا الشرط ثم طالب أحدهما فليس له أن يطالب الآخر بعد ذلك ، ويجعل اختياره مطالبة أحدهما إبراء للآخر بمنزلة الغاصب مع صاحب المغصوب إلا أن يشترط أن يؤاخذهما جميعا فحينئذ بعد ما طالب أحدهما له أن يطالب الآخر ، قال : وقد قال بعض مشايخنا أيضا وقيل هو شريك بن عبد الله إن شرط هذه الزيادة ثم اختار أحدهما لم يكن له أن يعود على الآخر إلا أن يفلس هذا ، أو يموت ولا يترك شيئا وقد بينا وجوه هذه الأقاويل في كتاب الكفالة فإن محمدا ذكر هناك صكا يشتمل على هذه الشرائط وقد بينا أنه إنما شرط هذه الزيادات للتحرز من هذه الأقاويل في كتاب الكفالة قال :

وكان ابن أبي ليلى لا يجوز الضمان بشيء مجهول غير مسمى كقوله ما كان لك عليه من حق فهو علي أو ما قضى لك القاضي عليه فهو علي لأنه يلزم المال بعقد معتمد تمام الرضا فمع الجهالة المتفاحشة لا يصح التزامه بمنزلة الالتزام بسائر المعاوضات وبيان الجهالة المتفاحشة هنا أنه مجهول الجنس والقدر والصفة ولا جهالة أبلغ من هذا ولكنا نقول الجهالة هنا لا تمنع صحة الالتزام ولكنها جهالة تفضي إلى المنازعة وهذه الجهالة لا تفضي إلى تمكن المنازعة فإن الطالب لا يطالب الكفيل إلا بما ثبت له على الأصيل ولا تتمكن المنازعة بعد ما ثبت له الحق على الأصيل بالحجة أو بعد ما قضى القاضي به عليه ثم الالتزام بالكفالة بمنزلة الالتزام بالإقرار فإنه ليس بمقابلة عوض يجب للكفيل على الطالب وجهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار فكذلك جهالة المكفول به ثم ذكر مسألة الكفالة عن الميت المفلس وبينا أن قول ابن أبي ليلى فيه كقول أبي يوسف ومحمد رحمهم الله وقد بيناها وقال : على قول أبي حنيفة إن كان ترك الأصيل شيئا ضمن الكفيل بقدر ما ترك لأن صحة الضمان عنده باعتبار الوفاء على معنى أنه يجعل المال خلفا عن الذمة في بقاء الواجب باعتباره لأن المال محل صالح لقضاء الدين منه والوجوب غير مطلوب لعينه بل للاستيفاء فإن ما بقي من المال في ذمة الأصيل بقدر ما يصلح أن يكون تركة خلفا وصحة الكفالة باعتبار بقاء المال في ذمة الأصيل في أحكام الدنيا فلهذا لا يصح ضمانه إلا بقدر تركة الأصيل

وقال ابن أبي ليلى كفالة العبد المأذون جائزة لأن الكفالة من صنيع التجارة وهو منفك الحجر عنه فيما هو من صنيع التجار ولأنه التزام بعوض فإن الكفيل يرجع على الأصيل بما يؤدي والعبد المأذون من أهل هذا النوع من الالتزام وقد جعل أبو حنيفة رحمه الله الكفالة من جنس التجارة فقال إذا كفل أحد المتعاوضين بمال يلزم شريكه فلما جعل في حق المتعاوضين هذا [ ص: 148 ] بمنزلة التجارة فكذلك في حق العبد المأذون ولكنا نقول لا تصح كفالة المأذون في حالة رقه لأن الحاجز وهو الرق قائم وإنما أصل الحجر عنه بالإذن فيما هو تجارة أو من توابع التجارة والكفالة ليست بهذه الصفة فإن التجار يتحرزون عن الكفالة غاية التحرز لهذا قيل : الكفالة أولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها غرامة ، فبقي محجورا عنه على ما كان قبل الإذن ثم الكفالة بمنزلة الإقراض فإنه تبرع في الالتزام وإن كان عند الأداء يرجع كما أن المقرض تبرع بأداء المال وإن كان له حق الرجوع في المال والعبد المأذون لا يملك الإقراض في حق مولاه فكذلك لا يملك الكفالة وهذا بخلاف المتعاوضين لأن الكفالة في الابتداء تبرع ولكن في الانتهاء معاوضة ولا بد من تصحيحه من المعاوض الذي باشره وإن كان تبرعا فإذا صح منه انقلب معاوضة فيطالب به الشريك أما هنا باعتبار كونه تبرعا لا يصح من العبد المأذون في الابتداء فلا ينقلب معاوضة .

وقال ابن أبي ليلى إذا أفلس المحتال عليه رجع الطالب على المحيل وهو بناء على ما سبق أن عند ابن أبي ليلى التفليس والحجر يتحقق وقوله فيه كقولهما أو أبلغ منه لأن عنده بعد التفليس والحبس لا ينفذ عتق المديون في عبده فيتحقق بالتوى بالتفليس على قوله .

وإذا توى المال على المحتال عليه كان للطالب أن يرجع على المحيل لقوله عليه السلام { لا توى على مال امرئ مسلم } .

فأما على قول أبي حنيفة التوى لا يتحقق لأن التوى أن يهلك عين الشيء أو محله الذي كان قائما به والدين لا يتصور هلاكه حقيقة ومحله قائم بعد الإفلاس ببقاء الذمة محلا صالحا لالتزام الحقوق وإنما يتأخر الاستيفاء بالإفلاس وهذا تأخير يزول ساعة فساعة لأن المال غاد ورائح بخلاف ما إذا مات فإن محل الدين خرج من أن يكون صالحا لالتزام الحقوق وإنما يتأخر الاستيفاء في أحكام الدنيا بخلاف ما لو جحد وحلف لأن الدين هناك صار تاويا حكما حتى انقطع طريق الوصول إليه عن بينة أو إقرار الخصم .
وقال ابن أبي ليلى : للوكيل أن يوكل بما وكل به إذا مرض أو أراد سفرا فأما إذا كان حاضرا صحيحا فلا وعندنا بمطلق الوكالة ليس له أن يوكل غيره إلا أن يكون قال له ما صنعت من شيء فهو جائز فحينئذ يكون له أن يوكل غيره به سواء كان حاضرا صحيحا أو غائبا أو مريضا وجه قوله إن الوكيل بقبول الوكالة قد التزم أداء هذه الأمانة وتحصيل مقصود الموكل ; فلا يملك أن ينيب غيره منابه في ذلك إلا في حالة العذر من مرض أو سفر بمنزلة شاهد الأصل فإنه لا يكون له أن يؤدي الشهادة بالثابت وهو شاهد الفرع إلا عند السفر أو المرض فهذا . [ ص: 149 ] مثله .

ولكنا نقول الموكل إنما رضي برأي الموكل فلا يكون له أن يقيم رأي غيره مقام رأي نفسه لأن الناس يتفاوتون في الرأي ومقصود الموكل لا يحصل برأي غيره ثم العذر هنا لا يتحقق بسفره ومرضه لأن الموكل قادر على النظر لنفسه وتحصيل مقصوده بمباشرته بخلاف شاهد الأصل فإن العذر هناك يتحقق عند المرض والسفر لأن صاحب الحق لا يتمكن من إحياء حقه بطريق آخر ولا يكون له أن يطالب شاهدي الأصل بالحضور لأداء الشهادة عند العذر فلهذا قبلت شهادة شهود الفرع على شهادته .

فأما إذا قال ما صنعت من شيء فهو جائز فقد رضي هناك برأيه على العموم والتوكيل من رأيه وليس الوكيل في هذا كالوصي لأن الوصي قائم مقام الموصي وثبت له من الولاية ما كان ثابتا للموصي فيملك بولايته التوكيل والإيصال إلى الغير كما كان يملك الموصي ولهذا يستوي فيه حالة العذر وغير حالة العذر .

وكان ابن أبي ليلى لا يجوز إقرار الوكيل على الموكل وهو قول زفر والشافعي وقد بينا المسألة في كتاب الوكالة .
وقال ابن أبي ليلى تقبل الوكالة في القصاص والحدود وإنما أراد به في الاستيفاء لا في الإثبات وعندنا لا تقبل الوكالة في القصاص والحدود على معنى لا يستوفى في حال غيبة الموكل هو لكون القصاص محض حق العبد والتوكيل من صاحب الحق باستيفاء سائر حقوقه صحيح فكذلك باستيفاء القصاص والحد حق الله تعالى يقيمهما الإمام عند ظهور السبب عنده وقد ظهر بخصومة الوكيل ولكنا نقول لو استوفى في حال غيبة الموكل كان استيفاء مع تمكن الشبهة لأنه يتوهم العفو عن الموكل في القصاص والتصديق من المقذوف بالحد وما يندرئ بالشبهات لا يجوز استيفاؤه مع تمكن الشبهة بخلاف سائر الحقوق التي ثبتت مع الشبهات ولئن كان المراد بهذا التوكيل الثبات فقد بينا الاختلاف في هذه المسألة بين أصحابنا رحمهم الله في كتاب الوكالة .

وإذا كان لرجل على رجل مال وللمطلوب على الطالب مثله فهو قصاص عندنا وقال ابن أبي ليلى لا يكون قصاصا حتى يتراضيا به اعتبارا للدين الذي لكل واحد منهما في ذمة صاحبه بالعين التي لكل واحد منهما في يد صاحبه ولو كان لرجل في يد غيره مائة درهم ولآخر في يده مثل ذلك لم يكن أحدهما قصاصا بالآخر وكان لكل واحد منهما أن يطالب صاحبه بملكه فهذا مثله بل أولى فإن مبادلة العين بالعين صحيح ومبادلة الدين بالدين باطل ; فلا يمكن أن يجعل كل واحد منهما مستوفيا حقه بطريق المبادلة لأنه مبادلة الدين بالدين ولا يمكن أن يجعل مستوفيا باعتبار أنه عين حقه لأن ما في ذمته حق غيره [ ص: 150 ] وحجتنا في ذلك أن مطالبة كل واحد منهما صاحبه بدراهمه اشتغال بما لا يفيد لأنه يستوفى من صاحبه ويرد عليه من ساعته ما كان له قبله ولا يجوز الاشتغال بما لا يفيد وهذا بخلاف العين لأن في الأعيان للناس أغراضا ولا يوجد مثل ذلك الغرض في الدين فإن الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها فلا فائدة لواحد منهما في مطالبة صاحبه هنا لأن التفاوت بين المعنيين متحقق في معنى من المعاني ولا يتحقق التفاوت بين الدينين إذا استويا من كل وجه وإنما يتحقق التفاوت إذا اختلفا في صفة الجودة والحلول ولا أحد يقول عند ذلك لا تقع المقاصة بينهما ومبادلة الدين بالدين إنما تجوز فيما لا يحتاج إلى قبض في المجلس وهنا يحتاج إلى القبض .

( ألا ترى ) أنهما لو تراضيا على المقاصة كان جائزا ومبادلة الدين بالدين حرام شرعا وإن وجد التراضي { لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الكالئ بالكالئ } .

وإذا كتب الرجل على نفسه صك حق يعوض ثم أقام البينة أن أصله مضاربة لم تقبل بينته عندنا وقال ابن أبي ليلى أقبل بينته وأجعله مضاربة كذلك لو أقر على نفسه بمال في صك حق من ثمن متاع ثم أقام البينة أنه ربا لم تقبل بينته عندنا وكان ابن أبي ليلى يقبلها منه ويرده إلى رأس المال والقياس ما قلنا لأن قبول البينة ينبني على صحة الدعوى وبعد ما أقر أن المال عليه قرضا لا يصح دعواه أنه مضاربة لأنه مناقض في ذلك وبدون الدعوى لا تقبل البينة .

وكذلك بعد ما أقر أن المال واجب عليه من ثمن متاع لا يسمع دعواه أنه ربا لكونه مناقضا في ذلك فإن الربا لا يكون واجبا عليه وبدون الدعوى لا تقبل بينته واستحسن ابن أبي ليلى رحمه الله في الفصلين جميعا لأنه وجد في ذلك عرفا ظاهرا بين الناس أنهم يكتبون القرض للاحتياط وإن كانوا دفعوا المال مضاربة ويقرون بثمن المتاع وإن كان أصل المعاملة قرضا والزيادة ربا شرط عليه فللعرف الظاهر قال تقبل بينته على ذلك ولكن هذا ليس بقوي فهذا العرف يدل على شهادة الظاهر له وذلك دليل قبول قوله مع يمينه لا دليل قبول بينته وبالاتفاق لا يقبل قوله مع يمينه لما سبق من الإقرار فكذلك لا تقبل بينته ولو أقر بمال في صك حق من ثمن بيع ثم قال لم أقبض المبيع فقد بينا هذه المسألة في كتاب البيوع أن على قول أبي حنيفة ومحمد لا يصدق وصل أم فصل ، وفي قول أبي يوسف الأول إن وصل صدق وإن فصل لا يصدق ثم رجع فقال إذا فصل يسأل المقر له عن سبب وجوب المال فإن أقر أنه من ثمن بيع فالقول قول المقر إني لم أقبض المبيع وهو قول محمد وفي قول ابن أبي ليلى سواء فصل أم وصل فالقول قوله بأني لم أقبض المبيع ولا يلزمه شيء حتى يأتي [ ص: 151 ] الطالب ببينة على قبض المتاع للعرف الظاهر أن المشتري يقر بوجوب الثمن عليه بعد البيع قبل القبض فلا يكون إقدامه على الإقرار بذلك دليلا على قبضه المبيع فإذا قال لم أقبض فهو منكر للقبض بالحقيقة فالقول قوله مع يمينه وعلى الطالب البينة على تسليم المبيع ولكنا نقول إذا لم يكن المبيع معينا فثمنه لا يكون واجبا عليه إلا بعد القبض وفي إقراره بوجوب المال عليه دليل الإقرار بالقبض فإذا قال بعد ذلك لم أقبض فهو مناقض في كلامه .
وإذا شهدت الشهود على زنا قديم أو سرقة قديمة فعلى قولنا لا يقام الحد في ذلك وعند ابن أبي ليلى يقام الحد وقد بينا المسألة في الحدود وفيه حديث عمر رضي الله عنه حيث قال أيما قوم شهدوا على حد لم يشهدوا عند حضرة ذلك فإنما شهدوا على ضغن فلا شهادة لهم .
وعن ابن أبي ليلى في حد السكران إن أتي به وهو غير سكران فلا حد عليه لانعدام العلة الموجبة للحد ولكنا نقول الموجب للحد هو الشرب إلى غاية السكر ولا ينعدم ذلك وإن زال ما به من السكر إلا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله فإنهما يشترطا بقاء الرائحة لإقامة الحد عليه وعند محمد لا يشترط ذلك وقد بيناه في الحدود .

وإذا ادعى الرجل دينا على ميت شهد له به شاهدان ثم شهد هو وآخر على دين لرجل آخر فشهادتهما جائزة عندنا وعلى قول ابن أبي ليلى لا تجوز شهادته لأن التركة مشغولة بحق الغرماء وهي كالمستحقة لهم بدينهم فهذا في معنى شهادة أحد الشريكين لشريكه ولكنا نقول الغريم يتضرر بهذه الشهادة لأن بدون هذه الشهادة كان هو أحق بالتركة والآن يثبت لغيره المزاحمة معه في التركة وفي هذا ضرر عليه وإنما تتمكن التهمة في شهادته إذا كان للشاهد منفعة فيها وأما إذا كان عليه ضرر في شهادته فالتهمة لا تتمكن فيها فيجب قبول الشهادة وقد تقدم بيان نظائر هذه المسألة في الوصايا .
وإذا أقر الرجل بالزنا عند غير قاض أربع مرات فشهد به عليه الشهود لم يحد عندنا ويحد في قول ابن أبي ليلى رحمه الله اعتبارا للإقرار بالزنا بالإقرار بسائر الأسباب الموجبة للعقوبة كالقتل والقذف فكما أن هناك تقبل البينة على إقراره بذلك ويجعل الثابت من إقراره بالبينة كالثابت بالمعاينة فكذلك هنا ولكنا نقول الرجوع عن الإقرار صحيح في باب الزنا والحدود التي هي محض حق الله تعالى .

( ألا ترى ) { أن ماعزا رضي الله عنه لما هرب ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال عليه السلام هلا خليتم سبيله } وإنما قال ذلك لأنه جعل هربه دليل رجوعه عن الإقرار فإذا ثبت أن الرجوع صحيح هنا قلنا البينة لا تقبل إلا على منكر وإنكاره رجوع عما سبق من الإقرار لا محالة فإنما شهد [ ص: 152 ] الشهود على إقرار باطل وبه فارق القتل والقذف فالرجوع عن الإقرار فيهما لا يكون صحيحا يوضحه أن الإقرار بالزنا في معنى الشهادة ولهذا يشترط فيه عدد الأربع ويصح الرجوع عنه بمنزلة الشهادة وكما أن الشهادة التي تقوم في غير مجلس القضاء لا يقام بها الحدود فكذلك الإقرار عند غير القاضي لا يجوز إقامة الحد به .

وإذا شهد قوم من أهل الكوفة أن ذلك الشاهد فاسق فإن شهادتهم لا تكون مقبولة عندنا وقال ابن أبي ليلى رحمه الله تقبل وترد شهادة الشاهد لأن فسقه لو صار معلوما للقاضي بخبر المخبر رد شهادته فإذا صار معلوما له بشهادة الشهود أولى ولأن الفسق مانع من العمل بشهادته بمنزلة الرق وكونه محدودا في قذف ولو قامت البينة على ذلك لم يجز القضاء بشهادته فكذلك إذا شهد الشهود بفسقه .

وجه قولنا أن المقصود بهذه الشهادة النفي لا الإثبات والبينات للإثبات لا للنفي وبيان الوصف أن المقصود نفي وجوب العمل بشهادته وبه فارق الرق وإقامة الحد عليه لأن تلك البينة تقوم لإثبات الرق عليه ولإثبات فعل القاضي في إقامة الحد عليه ثم يتضمن ذلك بطلان شهادته حكما يوضحه أن صفة الفسق ليست بصفة لازمة فإن الفاسق إذا تاب لا يبقى فاسقا فالشاهد لا يعلم بقاء هذا الوصف فيه عند شهادته حقيقة وإنما يقول ذلك باستصحاب الحال وذلك يطلق له الخبر دون الشهادة فكان محارفا في هذه الشهادة بخلاف الرق وإقامة الحد عليه فإن ذلك صفة لازمة له فيجوز للشاهد أن يشهد على ذلك إذا كان قد علم سببه حقيقة ولأن الفسق يثبت بأسباب يختلف الناس في بعضها فلعل الشاهد بذلك يعتمد لسبب عنده أن ذلك فسق وعند القاضي ليس بفسق فلا يجوز له أن يعتمد مجرد شهادته أنه فاسق بخلاف الرق وإقامة الحد عليه .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #617  
قديم 30-12-2025, 07:11 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون

صـــ152 الى صـــ 161
(617)





وإذا سافر المسلم فحضره الموت وأشهد على وصيته رجلين من أهل الكتاب لم تجز شهادتهما عندنا وقال ابن أبي ليلى رحمه الله تجوز شهادتهما وهو قول شريح رحمه الله فإنه كان يقول لا تقبل شهادة أهل الكتاب على المسلمين في شيء إلا في الوصية ولا تقبل في الوصية إلا في حالة السفر وقد نقل ذلك عن إبراهيم النخعي لظاهر قوله تعالى { اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم } يعني من غير أهل دينكم بدليل قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } ولكن نقل عن إبراهيم أنه قال هذه الآية منسوخة نسخها قوله تعالى { وأشهدوا ذوي عدل منكم } وقد نقل عن عكرمة أن المراد من قوله عز وجل { أو آخران من غيركم } أي من غير قبيلتكم وهذا لأن العداوة بين القبائل في الجاهلية كانت ظاهرة فبين الله تعالى أنه لا معتبر بها بعد [ ص: 153 ] الإسلام وأن شهادة بعضهم على بعض مقبولة .

( ألا ترى ) أن الله تعالى قال { تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله } وذلك إنما يكون في حق المسلمين الذين يصلون وقد صح الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لا تقبل شهادة أهل ملة على أهل ملة أخرى إلا المسلمين فإن شهادتهم مقبولة على أهل الملل } كلها والمعنى الذي لأجله لا تقبل شهادتهم علينا في سائر الحقوق انقطاع ولايتهم عنا وهذا المعنى موجود في الوصية والمعنى الذي لأجله لا تقبل شهادتهم على وصية المسلم في غير حالة السفر موجود في حالة السفر .

وإذا اختلف الشاهدان في المواطن التي شهدا فيها على عمل من قتل أو غصب لم تقبل شهادتهما ولا يعزران على ذلك عندنا وكان ابن أبي ليلى ربما ضربهما وعاقبهما لتمكن تهمة الكذب والمجازفة في الشهادة ولكنا نقول لا ندري أيهما الكاذب منهما فضرب كل واحد منهما عبث ولا بد من تقرر السبب في حقه حتى يجوز الإقدام على ضربه وذلك لا يوجد في حق كل واحد منهما .

وكذلك لو شهدا بأكثر مما ادعى فعلى قول ابن أبي ليلى يؤدبان على ذلك لتهمة الكذب والمجازفة ولكنا نقول لعل المدعي هو الغالط والكاذب والشهود صادقون في شهادتهم وبدون تقرر السبب لا تجب عليهم العقوبة وإن كان لا يعمل بشهادتهم لتكذيب المدعي إياهم .

وإذا لم يطعن الخصم في الشاهد فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله لا يسأل عنه القاضي وعند ابن أبي ليلى يسأل عنه وهو قول أبي يوسف ومحمد لأن السؤال عن الشهود لصيانة قضائه فإنه ممنوع شرعا من القضاء بشهادة الفاسق وأبو حنيفة يقول العدالة ثابتة بظاهر الإسلام كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { المسلمون عدول بعضهم على بعض } فيعتمد القاضي هذا الظاهر ما لم يطعن الخصم فإذا طعن اشتغل بالسؤال لأن الظاهر من حال الطاعن أنه لا يكذب أيضا فإنه مسلم وقد بينا هذه المسألة بفصولها في أدب القاضي .

وشهادة الصبيان بعضهم على بعض لا تكون مقبولة عندنا وكان ابن أبي ليلى يجيزها في الجراحات وتمزيق الثياب التي تكون بينهم في الملاعب ما لم يتفرقوا فإن كانوا تفرقوا لم تجز شهادتهم لأن العدول قل ما يحضرون ملاعب الصبيان فكانت الضرورة داعية إلى قبول شهادة بعضهم على بعض بمنزلة شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال ولكن هذا ما لم يتفرقوا .

فأما إذا تفرقوا وعادوا إلى بيوتهم فإنهم يلقنون الكذب هذا هو العادة فلا تقبل شهادتهم لذلك ولكنا نقول المعنى الذي لأجله لا تكون لهم شهادة على البالغين انقطاع الولاية فإن الصبي ليس من أهل الولاية على أحد وهذا المعنى موجود في شهادة بعضهم على بعض .

[ ص: 154 ] والضرورة التي اعتادوها لا تتحقق فإنا أمرنا أن نمنعهم من الاجتماع للعب فتندفع هذه الضرورة بمنعنا إياهم عن ذلك .

ولا يستحلف المدعي شهوده عندنا وكان ابن أبي ليلى يقول عليه اليمين مع شهوده على قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولكنا لا نأخذ به لقوله عليه السلام { البينة على المدعي واليمين على من أنكر } فهذا دليل على أنه لا يمين في جانب المدعي ولأن التقسيم الذي ذكره صاحب الشرع عليه السلام دليل على أنهما لا يجتمعان في جانب واحد يعني البينة واليمين .

وإذا لم يكن للمدعي شهود كان اليمين على المدعى عليه فإن قال المدعى عليه أنا أرد اليمين فإنه لا ترد اليمين عليه عندنا وقال ابن أبي ليلى إذا اتهمت المدعي رددت اليمين عليه في دعوى الديون لأنها مشروعة لدفع التهمة بها ولكنا نقول : اليمين لإبقاء ما كان على ما كان لا لإثبات ما لم يكن وحاجة المدعي إلى إثبات ما لم يكن ثابتا واليمين لا تصلح حجة في ذلك ثم هو مخالف للنص فإن { النبي صلى الله عليه وسلم قال للمدعي ليس لك إلا هذا شاهداك أو يمينه } فهو تنصيص على أنه لا يمين في جانب المدعي قال وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يستحلف على الصلح في الميراث وغيره ونحن نقول أيضا يستحلف على الصلح في الميراث وغيره فإما أن يكون مراده من ذلك أنه كان يستحلف المدعي فيتحقق فيه الخلاف أو مراده أنه كان يستحلف في ذلك من غير طلب المدعي فيتحقق فيه الخلاف لأن عندنا لا يستحلف في ذلك من غير طلب فيتحقق فيه الخلاف لأن عندنا لا يستحلف إلا عند طلب المدعي فإن اليمين حق المدعي بدليل ما روينا فيه فإنما يستحلف عند طلبه أو يكون مراده أنه يستحلف على العلم في الصلح في الميراث وغيره وعندنا يستحلف على الثبات إذا كان يدعي عليه صلحا باشره لأنه استحلاف على فعل نفسه فيكون على الثبات .

وإذا مات الرجل وترك امرأة وولدا ولم يقر بحبل امرأته فجاءت بولد بعد موته بأيام وشهدت امرأة على ولادتها لم يثبت نسبه فلم يرث في قول أبي حنيفة وقال ابن أبي ليلى رحمه الله يثبت نسبه وهو يرث وهو قول أبي يوسف ومحمد وقد تقدم بيان المسألة في كتاب الطلاق أن عند أبي حنيفة شهادة المرأة الواحدة لا تكون حجة على الولادة في إثبات النسب إلا أن يكون هناك حبل ظاهر أو فراش قائم أو إقرار من الزوج بالحبل وعند انعدام هذه المعاني لا يثبت النسب إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين وعند أبي يوسف ومحمد شهادة القابلة على الولادة حجة تامة لإثبات النسب بدون هذه الشروط وقول ابن أبي ليلى رحمه الله كقولهما .
وإذا كان للرجل عبدان ولدا في ملكه [ ص: 155 ] من أمته فأقر في صحته أن أحدهما ابنه ثم مات ولم يبين لم يثبت نسب واحد منهما عندنا ويسعى كل واحد منهما في نصف قيمته .

وكذلك الأمتان وكان ابن أبي ليلى يقول يثبت نسب أحدهما ويورثهما ميراث ابن واحد ويوجب على كل واحد منهما السعاية في نصف قيمته لأن النسب مما لا يحتمل الدفع بعد ثبوته فالإقرار به للمجهول صحيح كالعتق والطلاق فإنه لو أقر بعتق أحد عبديه أو طلاق أحد المرأتين كان ذلك صحيحا والدليل عليه أنه يعتق أحدهما في هذا الموضع باتفاق وثبوت الحرية لا يكون إلا بعد صحة الإقرار وهو إنما أقر بالنسب فلو لم يصح إقراره بذلك لم تثبت الحرية لواحد منهما ثم قد يختلط ولده بولد أمته فلا يعرف ولده الذي هو ثابت النسب منه من ولد أمته فلو لم يصح إقراره مع هذه الجهالة أدى إلى إلحاق الضرر به ولكنا نقول النسب مما لا يحتمل التعليق بالشرط ، وما لا يحتمل التعليق بالشرط لا يصح إيجابه في المجهول كالنكاح والبيع وهذا لأن الإيجاب في المجهول بمنزلة التعليق بخطر البيان والنسب لا يحتمل التعليق بسائر الأخطار فكذلك بخطر البيان بخلاف العتق والطلاق إلا أن إقراره وإن لم يعتبر في حق النسب فإنه يكون معتبرا في حق العتق بمنزلة ما لو أقر لمن هو معروف النسب من الغير أنه ابنه لا يقبل إقراره وإن لم يعتبر في حق النسب فإنه يكون معتبرا في حق العتق بمنزلة ما لو أقر لمن هو معروف النسب من الغير أنه ابنه لا يقبل إقراره وإن لم يعتبر في حق النسب فإنه يكون معتبرا في حق العتق تميز أحدهما بغير عينه وهو عتق في الصحة فيسعى كل واحد منهما في نصف قيمته .

وعند ابن أبي ليلى لما ثبت نسب أحدهما ثبت العتق أيضا وليس أحدهما بأولى من الآخر فيسعى كل واحد منهما في نصف قيمته ويرثان ميراث ابن واحد لثبوت نسب أحدهما واعتبرا هذا بولد جارية بين رجلين ادعياه ثم مات الولد فإنهما يرثانه ميراث أب واحد إلا أن نقول هناك هو ثابت النسب منهما كما قال عمر وعلي رضي الله عنهما وهو ابنهما يرثهما ويرثانه وهنا لا نقول بأن نسبهما ثابت منه ولا يمكن إثبات نسب أحدهما بغير عينه والميراث لا يكون قبل ثبوت النسب .

( ألا ترى ) أن في معروف النسب وإن ثبت العتق بإقراره لا يثبت الميراث فكذلك هنا قال وكان ابن أبي ليلى لا يورث مولى الموالاة شيئا وهو قول زيد بن ثابت وقد بينا المسألة في كتاب الفرائض .
وإذا اشترك الرجلان شركة مفاوضة ولأحدهما ألف درهم وللآخر أكثر من ذلك فعندنا هذه ليست بمفاوضة لكنها عنان عام وقال ابن أبي ليلى هي [ ص: 156 ] مفاوضة والمال بينهما نصفان فبيننا وبينه اتفاق أن من شرط المفاوضة المساواة في رأس المال وقلنا لما انعدم ما هو شرط صحة المفاوضة لم تكن الشركة مفاوضة بينهما ولكنه عنان عام فكأنهما باشرا شركة العنان ولقباها بلقب فاسد وهو يقول قصدا بصحيح المعاوضة ولا وجه لتصحيحهما إلا بعد أن يصير أحدهما مملكا بعض رأس ماله من صاحبه ليستوي به فيجعل كأنه وهب منه بعض رأس المال حتى يحصل مقصودهما بمنزلة ما لو قال لغيره اعتق عبدك عني على ألف درهم بدرج التملك في كلامه ليحصل مقصودهما وهذا مستقيم على أصله فإنه يجوز هبة المتاع فيما يحتمل القسمة من الشريك وهذا لا يجوز عندنا والظاهر أنهما لم يقصداه لأن اشتراط المساواة في رأس المال في هذه الشركة من دقائق العلوم لا يعرفه إلا الخواص من الناس وبين العلماء رحمهم الله فيه اختلاف فلعل المتعاقدين بنيا هذا العقد على قول من يرى جوازه مع التفاوت في رأس المال ولا يجوز إبطال شيء من الملك على أحدهما بالاحتمال .

قال ابن أبي ليلى رحمه الله في عبد بين رجلين كاتبه أحدهما بغير إذن شريكه فالمكاتبة جائزة وليس للشريك أن يردها لأن المكاتبة توجب استحقاق الولاء والعتق فإذا نفذ من أحد الشريكين في ملكه لا يجوز للآخر أن يبطله كحقيقة الإعتاق والكتابة بمنزلة البيع من حيث إنه يعتمد الفسخ ويعتمد التراضي ولا يجوز إلا بتسمية البدل فكما أن أحد الشريكين إذا باع نصيبه لم يكن للآخر أن يبطله فكذلك الكتابة وعندنا للآخر أن يرد الكتابة لأن في إبقاء هذا العقد ضررا على شريكه من حيث إنه يتعذر عليه التصرف في نصيبه وتتعذر عليه استدامة الملك بعد أداء بدل الكتابة ومن تصرف في ملكه تصرفا يلحق الضرر بغيره فإن ذلك الغير يتمكن من دفع الضرر عن نفسه .

( ألا ترى ) أن للشفيع أن يأخذ الشقص بالشفعة لدفع الضرر عن نفسه وهذا العقد يحتمل الفسخ فقلنا يدفع الشريك الضرر عن نفسه بفسخه .

( ألا ترى ) أن المكاتب إذا كسر نجما أو نجمين كان للمولى أن يفسخ الكتابة لدفع الضرر عن نفسه وأن المكاتب متى عجز عن أداء بدل الكتابة كان له أن يفسخ العقد لدفع الضرر عن نفسه وبه فارق حقيقة العتق فإنه غير محتمل للفسخ فدفع الضرر عنه يكون بالتضمين هناك وبه فارق البيع لأنه لا ضرر على الشريك في إبقاء البيع في نصيب الشريك فإذا أعتقه الشريك الآخر نفذ عتقه في نصيبه عندنا لبقاء ملكه في نصيبه بعد الكتابة على ما كان قبله وعند أبي ليلى لا ينفذ عتقه حتى ينظر ما يصنع المكاتب فإن أدى بدل الكتابة عتق وعلى الذي كاتبه نصف قيمته والولاء [ ص: 157 ] كله له لأنه استحق ولاءه بعقد الكتابة فلا يملك الشريك إبطال هذا الاستحقاق عليه بالإعتاق كما لا يملكه بفسخ الكتابة عنده وهو بناء على أصله أن الكتابة لا تجزأ فإذا أدى البدل عتق الكل من جهته فصار ضامنا نصف قيمته لشريكه إما لأنه يملك نصيب شريكه أو لأنه أفسد على شريكه نصيبه وإن عجز المكاتب نفذ العتق من الآخر حينئذ لأن المانع قد زال وهو أن للمكاتب حق الولاء وعند أبي حنيفة الكتابة تجزأ فالمكاتب لم يصر مستحقا نصيب الشريك فلهذا نفذ العتق من الشريك في نصيبه ويسعى المكاتب في بدل الكتابة وإن شاء في نصف قيمته للشريك الآخر وهذا الخيار عنده باعتبار أن العتق يحتمل التجزؤ .

ولو أن مملوكا بين اثنين دبره أحدهما لم يكن للآخر أن يبيع حصته عندنا وله ذلك عند ابن أبي ليلى وهذا بناء على أن استحقاق العتق يثبت بالتدبير عندنا حتى يمتنع على المدبر بيع نصيبه فيمتنع على الشريك أيضا بيع نصيبه اعتبارا لحق العتق بحقيقة العتق ولابن أبي ليلى أحد الطريقين أما أن يقال التدبير تعليق العتق بالشرط فلا يثبت به استحقاق العتق ولا يمتنع البيع في نصيب المدبر ولا في نصيب شريكه كما هو مذهب الشافعي أو يقول استحقاق العتق بالتدبير باعتبار أنه تعليق بمطلق الموت وهذا المعنى وجد في حق المدبر خاصة فلا يظهر الاستحقاق في حق الشريك ولكن يجعل في حق الشريك هذا كالتعليق بسائر الشروط فلا يمتنع البيع وعلى هذا قال إذا دبره أحدهما ثم أعتقه الآخر فالعتق جائز والتدبير باطل لأن في حق المعتق التدبير بمنزلة التعليق بشرط آخر والعتق عنده لا يتجزأ فينفذ العتق في جميعه ومن ضرورة نفوذ العتق بطلان التدبير فيضمن المعتق نصف قيمته لشريكه إن كان موسرا كما لو أعتقه قبل التدبير ولكن قد ثبت لنا أن بالتدبير يثبت استحقاق العتق كما يثبت بالاستيلاد وقد قررنا هذا في العتق كما أنه إذا نفذ الاستيلاد من أحدهما في نصيبه لم يبطل ذلك بإعتاق الآخر فكذلك إذا نفذ التدبير وهذا لأن الولاء بالتدبير صار مستحقا له حتى إذا عتق بعد موته يكون ولاؤه له فلا يتمكن الآخر من إبطال هذا الولاء عليه .
وإذا ورث أحد المتفاوضين مالا ; فهو له دون شريكه عندنا وقال ابن أبي ليلى هو بينهما نصفين لأن مقتضى عقد المفاوضة الشركة بينهما في الملك الذي يحدث لأحدهما بعده كما لو ملك أحدهما شيئا بسبب التجارة ولكنا نقول عقد المفاوضة إنما يوجب الشركة بينهما فيما يحصل بطريق التجارة لأن كل واحد منهما يكون وكيلا لصاحبه في ذلك التصرف وهذا في الإرث لا يتحقق ثم الملك [ ص: 158 ] بالميراث ليس بحادث فإن الوراثة خلافة فيبقى للوارث الملك الذي كان ثابتا للمورث وسبب هذه الخلافة لم يوجد في حق الشريك ولو قلنا بأن المفاوضة توجب الشركة بينهما في الموهوب والموروث لبطلت في نفسها لأنها تصير في معنى القمار والمخاطرة وذلك باطل شرعا .

وإذا كان الموروث للوارث خاصة فإن كان ذلك من النقود التي تصلح أن تكون رأس مال الشركة بطلت المفاوضة لوجود التفاوت في رأس المال والطارئ بعد العتق قبل حصول المقصود به كالمقترن بالسبب .

وإذا كاتب الرجل عبدا وللعبد مال فماله لمولاه إلا أن يشترطه المكاتب عندنا وقال ابن أبي ليلى المال للمكاتب لأن المولى يعقد الكتابة بقصد تمكينه من التصرف ليؤدي بدل الكتابة من الكسب الحاصل بتصرفه ولا يتمكن من التصرف إلا برأس المال فباعتبار هذا المعنى يجعل كأنه شرط له ما في يده من المال بخلاف بيعه من غيره فالمقصود هناك تمليك العين وذلك حاصل وإن لم يدخل ماله في العقد وهو نظير الشرب والطريق يدخل في الإجازة من غير ذكر لتحصيل مقصوده وهو الانتفاع وإن كان لا يدخل في البيع إلا بالذكر وقيل في تأويل قوله تعالى { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } أن المراد هذا وهو أن يترك له ما في يده من الكسب ليتصرف فيه .

لكنا نقول : ما اكتسبه قبل عقد الكتابة ملك المولى فهو بمنزلة مال آخر للمولى في يده فلا يستحقه المكاتب بمطلق الكتابة وهذا لأن الاستحقاق بالعقد إنما يثبت فيما يضاف إليه العقد وإنما أضيف العقد هنا إلى رقبته دون ماله فلا يستحق به المال كما في البيع ونحن نسلم أنه بعقد الكتابة يمكنه من التصرف ولكن يمكنه من ذلك لمنافعه لا لماله وبعقد الكتابة يصير هو أحق بمنافع نفسه عندنا ثم يجوز فسخ الكتابة عند غير القاضي عندنا كما يجوز عقد الكتابة وعند ابن أبي ليلى لا يكون رد المكاتب في الرق إلا عند القاضي لأنه ينبني على العجز عنده أداء بدل الكتابة ولا يتحقق العجز إلا بقضاء القاضي وقد بينا هذا في كتاب المكاتب وقول ابن أبي ليلى كقول أبي يوسف أنه لا يرد إلى الرق حتى يجتمع عليه نجمان .
وقال ابن أبي ليلى كفالة المكاتب ونكاحه باطلان لأن النكاح يعتمد الولاية والرق يبقي الولاية ، وعندنا لا يملك أن يزوج نفسه ولا عبده ولكن يملك أن يزوج أمته لما فيه من اكتساب المال وبطلان كفالته عنده ليس بطريق أنه ينزع ولكن بطريق انعدام المحلية لأن الكفالة التزام المال في الذمة عنده ولهذا يوجب براءة الأصل ، وقيام الرق فيه يخرجه من أن يكون أهلا لالتزام المال في ذمته عنده فلهذا قال لا تنفذ [ ص: 159 ] كفالته بعد ما عتق بخلاف الإعتاق والهبة فإن ذلك منه موقوف عنده فإن عتق بأداء بدل الكتابة نفذ ذلك كله وإن عجز فرد رقيقا بطل ذلك كله لأنه قد ثبت له في كسبه حكم ملك وحقيقة الملك فيه موقوفة فإن عتق تم له الملك بذلك السبب الذي باشره فنفذ تصرفه فإن عجز تم الملك للمولى فتبين أن تصرفه لا في ملك الغير .

فأما عندنا عتقه وهبته باطلان عجز أو عتق لأن نفوذ هذا التصرف باعتبار حقيقة الملك والرق ينافي الأهلية لذلك .

وأما كفالته فلا تكون صحيحة ما لم يعتق فإذا عتق نفذ بمنزلة كفالة العبد فإن ذمته خالص حقه ولكن الدين لا يجب في ذمة الرقيق إلا شاغلا مالية رقبته وذلك حق المولى فباعتبار أن تصرفه لاقى محلا هو حقه كان صحيحا في حقه وباعتبار أنه معلق بمالية المولى قلنا ثانية تؤخر المطالبة عنه إلى حالة العتق ولو كفل إنسان عنه ببدل الكتابة لمولاه لم يجز عندنا لأن الكفالة تستدعي دينا صحيحا وقيام الرق يمنع وجوب دين صحيح للمولى على مملوكه لأنه التزام للمطالبة والمطالبة ببدل الكتابة لا تقوى في حق المكاتب ولهذا يملك أن يعجز نفسه .

وعند ابن أبي ليلى الكفالة صحيحة بمنزلة التبرع بالأداء لأن عنده الكفالة توجب أصل المال في ذمة الكفيل فكما يجوز أن يكون المتبرع مؤديا بدل الكتابة عن المكاتب من مال نفسه يجوز أن يكون ملتزما بدل الكتابة في ذمة نفسه للمولى .

رجل قال لعبده إن بعتك فأنت حر فباعه لم يعتق عندنا ، وقال ابن أبي ليلى يعتق من مال البائع وهذا بناء على أصل مختلف فيه بيننا وبينه أن في اليمين بالطلاق والعتاق عندنا يشترط قيام الملك عند وجود الشرط لحصول الجزاء وعنده لا يشترط ويعتبر قيام الملك في المحل بالأهلية في المتصرف وذلك لا يشترط عند وجود الشرط حتى أن من قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر ثم جن الحالف ثم وجد الشرط يقع الطلاق والعتاق ومعلوم أن تأثير الأهلية أكثر من تأثير الملك في المحل .

فأما إذ كان يسقط اعتبار الأهلية عند وجود الشرط فلأنه يسقط اعتبار الملك في المحل أولى ، ولكنا نقول المتعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز فكما أن تنجيز العتق لا يصح إلا عند قيام الملك في المحل فكذلك بزوال الجزاء عند وجود الشرط إلا أنه يصير كالمنجز بذلك الكلام السابق وذلك الكلام صح منه في حال إقامته والجنون إنما ينافي الأهلية للتكلم بالطلاق والعتاق على وجه يكون إيقاعا في حقه وهذا غير معتبر عند وجود الشرط إذا عرفنا هذا فنقول إذا قال إن بعتك فأنت حر فهذا التعليق عنده صحيح لأن الملك عند التعليق موجود ولا يشترط [ ص: 160 ] وجود الملك عند وجود الشرط على مذهبه وقد وجد الشرط هنا بالبيع فيترك العتق بالسبب الذي صح منه قبل البيع ويصير به معلقا رقبته فيبطل البيع ويعتق من مال البائع وعندنا يشترط قيام الملك في المحل عند نزول الجزاء لأن الإيجاب إنما يتصل بالمحل بعد وجود الشرط والشرط هنا هو البيع فإذا زال ملكه بالبيع فقد انعدم الملك في المحل عند وجود الشرط فينحل اليمين ولا يعتق العبد بل يبقى على ملك المشتري وعلى هذا الأصل لو قال لعبده إن كلمت فلانا فأنت حر ثم باعه ثم كلم فلانا أو قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إن كلمت فلانا ثم طلقها واحدة بائنة وانقضت عدتها ثم كلمت فلانا عندنا لا يقع الثلاث وعند ابن أبي ليلى يقع .

وإذا استأجر دابة إلى مكان فجاوز بها المكان ثم عطبت بعد ضمن قيمتها عندنا ولم يسقط عنه الأجر وعلى قول ابن أبي ليلى ليس عليه شيء من الأجر لأن الأجر والضمان لا يجتمعان وقد تقرر عليه الضمان ولأنه بالضمان ملك المضمون ولا يوجب عليه الأجر بسبب الانتفاع بملك نفسه ولكنا نقول لما انتهى إلى ذلك المكان فقد انتهى العقد نهايته وتقرر الأجل دينا في ذمته ثم بالمجاوزة صار غاصبا ضامنا فلا يسقط عنه الأجر بذلك بمنزلة ما لو ردها على صاحبها ثم غصبها منه وهذا لأن الملك بالضمان إنما يثبت له من وقت وجوب الضمان عليه وذلك بعد المجاوزة والأجر إنما لزمه بمقابلة منافع استوفاها قبل ذلك .
وإذا أدرك الرجل الإمام وهو راكع فكبر معه ولم يركع حتى رفع رأسه فعندنا يسجد معه ولا يعتد بتلك الركعة وعند ابن أبي ليلى يركع ويسجد ويعتد بها لأن حالة الركوع بمنزلة حالة القيام فإن القائم إنما يفارق القاعد في استواء النصف الأسفل منه دون النصف الأعلى والراكع في هذا والمنتصف سواء ولهذا لو ركع معه كان مدركا للركعة فكان إدراكه إياه في حالة الركوع وإدراكه في حالة القيام سواء ولو أدركه قائما ثم سبقه الإمام بالركوع والسجود فإنه يتابعه يركع ويسجد ويكون مدركا للركعة فكذلك هنا ولكنا نقول شرط إدراك الركعة أن يشارك الإمام في حقيقة القيام أو فيما هو مشبه بالقيام وهو الركوع حتى يكون مدركا للركعة فإذا رفع الإمام رأسه قبل أن يركع هو فقد انعدمت المشاركة بينهما في القيام أو فيما هو مشبه بالقيام وهو الركوع فإذا أدركه قائما فقد شاركه في حقيقة القيام وكان مدركا للركعة .

وأما إذا أدركه راكعا فهو لم يشاركه في حقيقة القيام فلا بد من أن يشركه فيما هو مشبه بالقيام وهو الركوع حتى يكون مدركا للركعة فإذا رفع الإمام رأسه قبل أن يركع فقد انعدمت المشاركة بينهما في [ ص: 161 ] القيام وفيما هو مشبه للقيام فلا يعتد بتلك الركعة كما لو أدرك في السجود يوضحه أن المسبوق لا يمكنه أن يقضي ما فاته قبل أن يشارك الإمام فيما أدرك معه وذلك عمل بالمنسوخ فيكون مفسدا لصلاته فلهذا يسجد ولا يعتد بتلك الركعة .

فأما إذا ركع قبل أن يرفع الإمام رأسه فهو مشارك للإمام في القيام والركوع جميعا أما في الركوع فلا يشكل وفي القيام لأن حالة الركوع كحالة القيام فبهذا الحرف يقع الفرق بين الفصلين .

فإذا أهل الرجل بعمرة ثم أفسدها فقدم مكة فقضاها فإنه يجزئه أن يقضيها من التنعيم عندنا وقال ابن أبي ليلى لا يجزئه أن يقضيها لا من وقت بلاده لأنه إنما يقضي ما فاته فعليه أن يقضيها كما فاته ثم القضاء بصفة الأداء فإذا كان هو في أداء هذه العمرة إنما أحرم لها من الميقات فكذلك في القضاء ولكنا نستدل بحديث { عائشة رضي الله عنها فإنها لما حاضت بسرف بعدما أحرمت قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفضي عمرتك واصنعي جميع ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ثم أمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه أن يعمرها من التنعيم مكان عمرتها التي فاتتها } ولأن ما يلزمه بالشروع معتبر بما يلزمه بالنذر ومن نذر عمرة فأداها من التنعيم خرج عن موجب نذره ولأنه وصل إلى مكة بالإحرام الفاسد فيجعل كما لو وصل إليها بإحرام صحيح فكما أن هناك يكون هو بمنزلة أهل مكة في الإحرام في الحج والعمرة ، الواجب وغير الواجب في ذلك سواء فكذلك هنا هو بمنزلة أهل مكة في حكم قضاء هذه العمرة .
ولا بأس بأن يخرج الرجل من تراب الحرم وحجارته إلى الحل عندنا وقال ابن أبي ليلى أكره ذلك لما روي عن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهما كرها ذلك ولكنا نقول ما جاز الانتفاع به في الحرم يجوز إخراجه من الحرم كالنبات وما لا يجوز إخراجه من الحرم لا يجوز الانتفاع به في الحرم كالصيد وبالإجماع له أن ينتفع بالحجارة والتراب في الحرم فيكون له أيضا إخراج ذلك من الحرم وما روي عن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما شاذ فقد ظهر عمل الناس بخلافه فإنهم تعارفوا إخراج القدور من الحرم من غير نكير منكر وإخراج التراب الذي يجمعونه من كنس سطح البيت ونحو ذلك ويتبركوا بذلك وكل أثر شاذ يكون عمل الناس ظاهرا بخلافه فإنه لا يكون حجة .
وأما إذا اقتتل القوم فأحلوا عن قتيل ولا يعلم أيهم أصابه فعلى قول أبي حنيفة ومحمد على عاقلة القبيلة الذين اقتتلوا جميعا وإليه رجع أبو يوسف ذكرنا هنا قوله وقد بينا المسألة في الديات .
وإذا قتل الرجل رجلا ضربه بعصا أو [ ص: 162 ] حجر أو ضربه ضربات حتى مات من ذلك فإن أبا حنيفة رحمه الله قال : لا قصاص بينهما وقال ابن أبي ليلى بينهما القصاص وهو قول أبي يوسف ومحمد وإذا وقع موقع السلاح وقد بينا المسألة في الديات إلا أن هناك يذكران عندهما إنما يجب القصاص في القتل بالحجر الكبير والعصا الكبير .

فأما القتل بالعصا الصغير بالضرب بالموالاة لا يجب القصاص عندنا وإنما يجب عند الشافعي وهنا نص على الخلاف في هذا الفصل أيضا وهكذا ذكره الطحاوي رحمه الله وكان الطحاوي إنما اعتمد هذه الرواية فيما أورده في كتابه وهو الأصح فالمعتبر عندهما القصد إلى القتل بما لا تطيق النفس احتماله والعصا الصغير مع الموالاة في ذلك بمنزلة العصا الكبير .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #618  
قديم 30-12-2025, 07:19 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون

صـــ162 الى صـــ 171
(618)






إذا عض رجل يد رجل فانتزع المعضوض يده من فم العاض فقلع شيئا من أسنانه فعندنا لا ضمان عليه في السن وعند ابن أبي ليلى هو ضامن العضة لأنه صار قالعا سنه بنزع اليد من فمه إلا أنه معذور في ذلك وذلك لا يسقط الضمان عنه كالخاطئ والمضطر .

( ألا ترى ) أنه لو جنى على موضع آخر من جسده ليدفع به أذاه عن نفسه كان ضامنا فكذلك إذا نزع يده من فمه ولكنا نقول هو فيما صنع دافع للأذى غير مباشر للجناية فلا يكون ضامنا بمنزلة ما لو قصد قتله فدفعه عن نفسه فسقط فمات يوضحه أن صاحب السن هو الجاني بعضه يد غيره على وجه يسقط سنه بنزع اليد وهذا بخلاف ما إذا جنى على موضع آخر من جسده لأن المعضوض يده هو المباشر لتلك الجناية من غير ضرورة فإنه يتمكن من دفع الأذى عن نفسه بنزع اليد من فمه فإذا اشتغل بالجناية على جسده في محل آخر كان ضامنا لذلك وهنا لا يتمكن من دفع الأذى إلا بنزع اليد من فمه .
وإذا قال الخصم للقاضي لا أقر ولا أنكر فإن أبا حنيفة رحمه الله قال لا يجبره القاضي على ذلك ولكن يدعو المدعي بشهوده وقال ابن أبي ليلى لا أدعه حتى يقر أو ينكر لأن الجواب مستحق عليه فإذا امتنع من إيفاء ما هو مستحق عليه مع قدرته على ذلك أجبره القاضي على إيفائه بالحبس ثم شرط قبول البينة إنكار المدعى عليه فلا بد أن يجبره القاضي حتى يجيب بالإقرار فيتوصل به المدعي إلى حقه أو بالإنكار فيتمكن من إثبات حقه بالبينة ولكنا نقول الإنكار حق المنكر لأنه يدفع به المدعي عن نفسه ويثبت به حق نفسه فلا يجوز أن يجبر على الإتيان به ثم السكوت قائم مقام الإنكار لأن المنكر مانع والساكت كذلك والإنكار منازعة بالقول وفي السكوت منازعة بالفعل وهو الامتناع عن التسليم ومن الجواب بعد ما طولب به فيكون ذلك قائما مقام إنكاره ويتمكن [ ص: 163 ] المدعي من إثبات حقه بالبينة عند ذلك قال أبو يوسف ومحمد يستحلفه على حق المدعي ويجبره أنه يلزمه القضاء إن لم يحلف فإن لم يحلف قضى عليه بالنكول وإن حلف دعا المدعي شهوده فهما يجعلان سكوته أيضا بمنزلة إنكار إلا أن على قولهما إذا طلب المدعي يمين المدعى عليه استحلفه القاضي فإن زعم المدعي أن له شهودا على حقه فعند أبي حنيفة إنما يشتغل بالاستحلاف إذا قال المدعي لا بينة لي .

فأما إذا كانت له بينة لا يشتغل بالاستحلاف لأن { النبي صلى الله عليه وسلم قال للمدعي ألك بينة قال لا فقال عليه السلام إذا لك يمينه } ولأنه إنما يشتغل بالاستحلاف في موضع ينقطع المنازعة باليمين وإنما يكون ذلك إذا لم يكن للمدعي بينة .

فأما إذا كان له بينة فالمنازعة لا تنقطع بالاستحلاف لأن المدعي يقيم البينة بعده فليس في الاشتغال بالاستحلاف هنا فائدة قطع الخصومة وهما يقولان البينة واليمين كل واحد منهما حق المدعي فله في الاستحلاف مقصود صحيح وهو وصوله إلى حقه في أقرب الأوقات لعلمه أن الخصم لا يحلف كاذبا فكان له أن يطلبه بذلك وعلى القاضي إجابته إليه .

( ألا ترى ) أنه يسأله الجواب في الابتداء رجاء أن يقر فلا يحتاج إلى إقامة البينة فكذلك له أن يستحلفه رجاء أن ينكل عن اليمين فلا يحتاج إلى إقامة البينة .

وإذا أنكر الخصم الدعوى ثم جاء بالشهود على الحرج منها فإن ذلك مقبول منه عندنا وكان ابن أبي ليلى لا يقبله وتفسير ذلك أن يدعي قبله مالا فيقول ما له قبلي شيء ثم يقيم الطالب البينة على ماله ويقيم الآخر البينة أنه قد أوفاه فابن أبي ليلى يقول هو مناقض في دعواه الإيفاء بعد إنكاره أصل المال خصوصا إذا قال ما كان له علي ساقط ، وقبول البينة ينبني على دعوى صحيحة ومع التناقض لا تصح الدعوى .

. ( ألا ترى ) أنه لو قال ما كان له علي شيء قط ولا أعرفه لم تقبل منه البينة على الإيفاء بعد ذلك لهذا المعنى ولكنا نقول دعواه الإيفاء بعد جحود أصل المال دعوى صحيحة إما باعتبار أنه لا شيء عليه في الحال أو أنه لم يكن عليه شيء قط لكنه ادعى مرة هذه الدعوى الباطلة واستوفى المال بها فإذا كانت الدعوى صحيحة بهذا الطريق من التوثق كان متمكنا من إثباتها بالبينة ثم الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم بخلاف ما إذا قال ما كان له علي شيء قط ولا أعرفه لأن مع ذلك الزيادة في الإنكار متعذر التوفيق بين كلاميه من الوجه الذي قلنا .


وإذا ادعى الرجل قبل رجل دعوى وقال : عندي منها المخرج فليس هذا بإقرار منه عندنا وقال ابن أبي ليلى هو إقرار لأن المخرج منها إنما يتحقق بعد الدخول فيها فكان هذا وقوله أوفيتها إياه أو أبرأني منها سواء وذاك إقرار [ ص: 164 ] بأصل المال .

ولكنا نقول هو ادعى المخرج من دعواه لا من المال فلا يكون ذلك إقرارا بالمال صريحا ولا دلالة وهكذا يقول في الإبراء فإنه لو قال أبرأني من هذه الدعوى لا يكون ذلك إقرارا بالمال ثم المخرج من الدعوى ببيان وجه الفساد فيه ووجه الفساد غير متعين قد يكون ذلك ببيان أنه ما كان واجبا قط وقد يكون ذلك ببيان المسقط بعد الوجوب ومع الاحتمال لا يجب المال .

وإذا أقر الرجل عند القاضي بشيء فلم يقض به ولم يثبته في ديوانه ثم خوصم إليه فيه بعد ذلك فعندنا القاضي يقضي به إذا كان يذكره وعند ابن أبي ليلى لا يقضي بذلك عليه وإن كان ذاكرا حتى يثبته في ديوانه والقياس ما قلنا لأن القاضي حين سمع إقراره بذلك كان له أن يقضي به لو طلب الخصم ذلك فكذلك بعد ما مضى على ذلك مدة إذا كان القاضي يذكر ذلك والمقصود من الإثبات في ديوانه أن يتذكر ذلك بالنظر فيه عند الحاجة فإذا كان ذاكرا فما هو المقصود حاصل ولكن استحسن ابن أبي ليلى رحمه الله وقال القاضي لكثرة اشتغاله ربما يشتبه عليه ذلك ولهذا يثبته في ديوانه ليرجع إليه فينبغي له الشهود فإذا لم يثبته في ديوانه لو قضى به كان قضاء مع تمكن الشبهة وربما ينسب به إلى الميل فعليه أن يحتاط في ذلك ولا يقضي بمجرد كونه ذاكرا حتى يثبته في ديوانه .
وإذا قال الرجل للرجل لست من بني فلان وأمه أمة أو نصرانية وأبوه مسلم فلا حد عليه عندنا وقال ابن أبي ليلى : عليه الحد وهذا بناء على الأصل الذي بيناه في كتاب الحدود أن قوله لغيره لست من بني فلان يكون قذفا لأمه عندنا فإذا كانت أمه أمة أو نصرانية فهي غير محصنة وقذف غير المحصنة لا يوجب الحد وعند ابن أبي ليلى هذا قذف له في نفسه لأنه يلحقه العار بكونه ولد الزنا كما يلحقه العار بنسبته إلى الزنا فكما أنه لو نسبه إلى الزنا يكون قاذفا له فكذلك إذا أنفاه من أبيه يكون قاذفا له وهو محصن في نفسه فعلى قاذفه الحد .
ولو قال لرجل يا ابن الزانيين وقد مات أبواه فعليه الحد عندنا لأن المغلب في حد القذف عندنا حق الله تعالى فعند الاجتماع يتداخل والمقصود يحصل بإقامة حد واحد وهو معنى الزجر للقاذف ودفع العار عن المقذوف وعند ابن أبي ليلى يضرب حدين لأن عنده المغلب في حد القذف حق العبد كما هو مذهب الشافعي وقد بينا هذا في الحدود وذكر أن ابن أبي ليلى فعل ذلك في مقام واحد في المسجد وهذه هي المسألة التي قال أبو حنيفة رحمه الله فيها : إن القاضي أخطأ فيها في سبع مواضع فإن معتوهة كانت بالكوفة آذاها رجل فقالت له يا ابن الزانيين فأتى بها إلى ابن أبي ليلى فاعترفت فأقام عليها [ ص: 165 ] حدين فذكر ذلك لأبي حنيفة فقال إنه أخطأ في سبع مواضع ثم فسر ذلك فقال بنى الحكم على إقرار المعتوهة وإقرارها هدر وألزمها الحد والمعتوهة ليست من أهل العقوبة وأقام عليها حدين ومن قذف جماعة لا يقام عليه إلا حد واحد وأقام حدين معا ومن اجتمع عليه حدان لا يوالي بينهما ولكن يضرب أحدهما ثم يترك حتى يبرأ ثم يقام الآخر وأقام الحد في المسجد وليس للإمام أن يقيم الحد في المسجد وضربها قائمة وإنما تضرب المرأة قاعدة وضربها لا بحضرة وليها وإنما يقام الحد على المرأة بحضرة وليها حتى إذا انكشف شيء من بدنها في اضطرابها ستر الولي ذلك عليها فانتشر بالكوفة أن القاضي أخطأ في مسألة واحدة في سبع مواضع .
وإذا قال الرجل لامرأته لا حاجة لي فيك وأراد الطلاق لم تطلق عندنا وقال ابن أبي ليلى هي تطلق ثلاثا لأنه نفى حاجته فيها على الإطلاق وحقيقة ذلك إذا صارت محرمة عليه وأما ما دامت محللة في حقه فله فيها حاجة طبعا أو شرعا لأن النساء خلقن لحوائج الرجال إليهن فكان هذا وقوله أنت محرمة علي سواء .

ولكنا نقول : قوله لا حاجة لي فيك بمنزلة قوله لا أشتهيك ولا أريدك ولا أهواك ولا أحبك وليس في شيء من هذه الألفاظ ما يدل على الطلاق ، والنية متى تجردت عن لفظ يدل عليه كان باطلا والأصل فيه ما روي { أن امرأة عرضت نفسها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرغبها رغبة فقال : لا حاجة لي إلى النساء } الحديث . ومعلوم أنه ما كان الطلاق من محتملات لفظه ذلك .

ولو قال لها أنت طالق إن شاء فلان وفلان غائب لا يدري أحي هو أم ميت أو فلان ميت علم بعد ذلك لم تطلق عندنا وقال ابن أبي ليلى هي طالق لأنه لا يتحقق مشيئة فلان بعد موته ويبقى أصل الإيقاع فيقع الطلاق ولكنا نقول التعليق بشرط لا يكون له تحقيقا للنفي فيخرج به كلامه من أن يكون إيقاعا وهذا لأن التعليق بالشرط يخرج كلامه من أن يكون إيقاعا إلى أن يوجد الشرط فإذا كان الشرط مما يتحقق كونه يخرج كلامه من أن يكون إيقاعا إلى أن يوجد الشرط وإذا كان مما لا يتحقق كونه يخرج كلامه من أن يكون إيقاعا أصلا .
وكذلك إذا تزوج العبد بغير إذن مولاه فقال مولاه طلقها فهذا لا يكون إجازة للنكاح عندنا وعند ابن أبي ليلى هو إجازة لأنه أمره بإيقاع الطلاق والطلاق لا يقع إلا بعد صحة النكاح ولكنا نقول قوله طلقها بمنزلة قوله فارقها أو دعها أو اتركها أو خل سبيلها وشيء من هذا لا يكون إجازة للنكاح يوضحه أن الطلاق مشتق من الإطلاق الإرسال وفي إجازة النكاح إثبات القيد فالأمر بالإرسال لا [ ص: 166 ] يكون إثباتا للقيد منه .

وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في صحته فجحد ذلك الزوج وادعته المرأة ثم مات الرجل بعد أن استحلفه القاضي على ذلك فلا ميراث لها منه عندنا لوجود الإقرار منها بارتفاع النكاح في حالة الصحة ولأنها تعلم أن سبب الإرث غير متحقق وهو انتهاء النكاح بالوفاة وعلى قول ابن أبي ليلى لها الميراث منه إلا أن يقر بعد موته أنه قد كان طلقها ثلاثا لأن الزوج لما حلف وقضى القاضي بقيام النكاح بينهما كان ذلك تكذيبا منه لها في ذلك الإقرار والمقر متى صار مكذبا شرعا في إقراره يبطل حكم ذلك الإقرار فلهذا كان لها الميراث إلا أن يقر بعد موته إقرارا مستقبلا أنه كان طلقها ثلاثا ولكنا نقول القاضي بعد يمين الزوج لا يقضي بالنكاح ولا يبطل الطلاق الواقع ولكن يمنعها من المنازعة والخصومة من غير حجة ويبقى ما كان على ما كان فلا يتضمن ذلك الحكم تكذيبها في الدعوى .

( ألا ترى ) أن البينة بعد اليمين لا تكون مقبولة وإذا تقرر هذا المعنى كان الإقرار السابق منها والموجود بعد موت الزوج في الحكم سواء .
وإذا قال الزوج لامرأته إن ضممت إليك أخرى فأنت طالق واحدة فطلقها واحدة وانقضت عدتها ثم تزوج امرأة أخرى ثم تزوج امرأته هذه التي حلف عليها فإنها لا تطلق عندنا وقال ابن أبي ليلى تطلق لأن عنده اليمين انعقد صحيحا في الملك والشرط وجد في الملك أيضا لأن الشرط ضم امرأة أخرى إليها وهذا الضم إنما يتحقق إذا اجتمعتا في نكاحه وذلك بعد ما تزوج بها ، ولكنا نقول : قوله إن ضممت إليك امرأة أخرى بمنزلة قوله : إن تزوجت عليك وهذا لأن ضم غيرها إليها إنما يتحقق إذا تزوج الأخرى وهي في نكاحه .

فأما إذا تزوج الأخرى بعد انقضاء عدتها ثم تزوجها فإنما ضمها هي إلى الأخرى .

( ألا ترى ) أن الشرع حرم ضم الأمة إلى الحرة في النكاح ولو تزوج أمة ثم تزوج حرة بقي نكاح الأمة صحيحا بخلاف ما إذا تزوج حرة ثم تزوج عليها أمة .

ولو قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله فدخلت الدار لم تطلق عندنا وهو قول ابن أبي ليلى أيضا لقوله عليه الصلاة والسلام { من حلف بطلاق أو عتاق واستثنى ; فلا حنث عليه } ولأن الاستثناء الموصول يخرج الكلام من أن يكون عزيمة ; قال الله تعالى { ستجدني إن شاء الله صابرا } ولم يصبر ولم يعاتب على ذلك والوعد من الأنبياء كالعهد من غيرهم وقد قررنا هذا في الأيمان .

ولو قال أنت طالق إن شاء الله ولم يقل إن دخلت الدار فكذلك عندنا وقال ابن أبي ليلى يقع الطلاق هنا .

وكذلك العتاق وهذا لأن الاستثناء إنما يعمل عنده في اليمين بالطلاق وبالعتاق .

[ ص: 167 ] وقوله أنت طالق أو أنت حرة ليس بيمين ثم قوله إن شاء الله في مثل هذا إنما يراد به التحقيق ولا يراد التعليق لأن قوله أنت طالق أو أنت حرة ذكر وصف فيليق به معنى التحقيق ولا يليق به معنى التعليق ، ولكنا نقول : قوله إن شاء الله تأثيره في إخراج الكلام من أن يكون عزيمة والإيقاع في هذا والتعليق سواء والأصل فيه قوله تعالى { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله } .

وقال أبو حنيفة لا بأس بنثر السكر والجوز اللوز في العرس والختان وأخذ ذلك إذا أذن لك أهله فيه وإنما يكره من ذلك أن يأخذ بغير إذن أهله وبه نأخذ وكان ابن أبي ليلى يكره نثر ذلك وأن يؤخذ منه شيء وقد بينا هذا في أول الكتاب والقياس ما ذهب إليه ابن أبي ليلى قال : هذا تمليك من المجهول لأنه لا يدري من يأخذ وأي مقدار يأخذ والتمليك من المجهول باطل .

وإذا بطل التمليك كان النثر تضييعا للمال ولكن تركنا هذا القياس بما روينا فيه من الآثار ، وفي التعامل الظاهر بين الناس أنهم يفعلون ذلك ولم ينقل من أحد أنه تحرز عن نثر ذلك أو عن تحرز أخذه وفي الأخذ بطريق القياس في هذا إيقاع الناس في الحرج وقد أمرنا بترك العسر لليسر قال الله تعالى { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } وعلى هذا قلنا لا بأس بالشرب من ماء السقاية فقد يكون الواضع عند الوضع آذنا للناس بالتناول ولا بأس بالتناول مما لا يجري بين الناس فيه الشح والظنة كالثوب ونحو ذلك فإن من غرس الشجرة على ضفة نهر في الطريق فالظاهر أنه أذن للناس في الإصابة من ثمرها فيما لا يجري فيه الشح بين الناس فيجوز التناول منه بهذا النوع من الظاهر وكذلك التقاط النوى وقشور الرمان وقد بينا بعض ذلك في كتاب اللقطة قال وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يكره النبيذ في المزفت والنقير للنهي الوارد في الباب وقال أبو حنيفة رحمه الله لا بأس بذلك لورود النسخ وهو قوله عليه السلام { كنت نهيتكم عن الشرب في الدباء والمزفت فاشربوا في الظروف ولا تشربوا سكرا } وفي رواية فإن الظرف لا يحل شيئا ولا يحرمه فلثبوت النسخ قلنا : لا بأس بالشرب في هذه الأواني والله أعلم بالصواب .

قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله : اعلم بأن علم الشروط من آكد العلوم ، وأعظمها صنعة فإن الله - تعالى - أمر [ ص: 168 ] بالكتاب في المعاملات فقال عز وجل { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالكتاب في المعاملة بينه وبين من عامله ، وأمر بالكتاب فيما قلد فيه عماله من الأمانة وأمر بالكتاب في الصلح فيما بينه وبين المشركين ، والناس تعاملوه من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بعلم الشرط فكان من آكد العلوم وفيه المنفعة من أوجه : أحدها : صيانة الأموال ، وقد أمرنا بصيانتها ونهينا عن إضاعتها .

والثانية : قطع المنازعة فإن الكتاب يصير حكما بين المتعاملين ويرجعان إليه عند المنازعة فيكون سببا لتسكين الفتنة ، ولا يجحد أحدهما حق صاحبه مخافة أن يخرج الكتاب وتشهد الشهود عليه بذلك فيفتضح في الناس .

والثالثة : التحرز عن العقود الفاسدة ; لأن المتعاملين ربما لا يهتديان إلى الأسباب المفسدة للعقد ليتحرزا عنها فيحملهما الكاتب على ذلك إذا رجعا إليه ليكتب .

والرابعة : رفع الارتياب فقد يشتبه على المتعاملين إذا تطاول الزمان مقدار البدل ومقدار الأجل فإذا رجعا إلى الكتاب لا يبقى لواحد منهما ريبة ، وكذلك بعد موتهما تقع الريبة لوارث كل واحد منهما بناء على ما ظهر من عادة أكثر الناس في أنهم لا يؤدون الأمانة على وجهها فعند الرجوع إلى الكتاب لا تبقى الريبة بينهم فينبغي لكل أحد أن يصرف همته إلى تعلم الشروط لعظم المنفعة فيها ولأن الله - تعالى - عظمها بقوله - جل جلاله - : { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله } فقد أضاف الله - تعالى - تعليم الشروط إلى نفسه كما أضاف تعليم القرآن إلى نفسه فقال - عز وجل - : { الرحمن علم القرآن } وأضاف تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى نفسه فقال - جل جلاله - : { وعلمك ما لم تكن تعلم } وأبو حنيفة رحمه الله سبق العلماء رحمهم الله ببيان علم الشروط ، وبذلك يستدل على أن مذهبه أقوى المذاهب فإنه يبعد أن يقال : المبتدئ ببيان ما أخبر الله - تعالى - أنه هو المعلم له لم يكن على غير صواب .

ثم بدأ الكتاب فقال : إذا أراد الرجل أن يشتري دارا كتب : هذا ما اشترى فلان بن فلان من فلان بن فلان ، وبعض أهل الشروط رحمهم الله لم يستحسن هذا اللفظ ، وقال : هذا إشارة إلى البياض الذي كتب فيه فظاهره يوهم أن المشترى ذلك البياض ولكن ينبغي أن يكتب هذا كتاب فيه ذكر ما اشترى ، ولكنا نقول : إنما اختار أصحابنا رحمهم الله هذا اللفظ اقتداء بالكتاب والسنة فإن الله - تعالى - قال : { هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ } ولم يقل هذا كتاب فيه ذكر ما توعدون ولما { اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 169 ] من العداء عبدا كتب ما اشترى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من العداء بن خالد بن هوذة الحنفي } ولا شك أن الأحسن ما وافق الكتاب والسنة ثم في هذا إيجاز وحذف لما يحتاج إليه فكل أحد يعرف أن المراد هذا كتاب فيه ذكر ما اشترى ، وقوله : فلان بن فلان من فلان بن فلان إنما يستقيم الاكتفاء بهذا على قول أبي يوسف فإن عنده التعريف يتم بذكر اسم الرجل واسم أبيه ، فأما عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يتم التعريف إلا بذكر اسمه واسم أبيه واسم جده أو اسم أبيه وذكر قبيلته ، واحتج أبو يوسف بما روي { في صلح الحديبية كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ما صالح محمد بن عبد الله وسهل بن عمرو على أهل مكة } فقد اكتفى بذكر اسم الأب ، والمعنى فيه : أن التعريف يتم بما يمتاز به من غيره وبمجرد اسمه لا يحصل ذلك فالمسمى بذلك الاسم كثير في الناس ، فإذا ضم إلى اسمه اسم أبيه يحصل المقصود باعتبار الظاهر فإنه لا يتفق اسم رجلين واسم أبيهما إلا نادرا فلا يعتبر ذلك النادر لبقاء ذلك مع ذكر اسم الجد فإنه كما يتوهم اتفاق اسمين يتوهم اتفاق أسام ثلاثة ، ويسقط اعتبار ذلك ; لأنه مخالف للعادة ، فكذلك هذا ، وهما يستدلان بما روينا { أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب : هذا ما اشترى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من العداء بن خالد بن هوذة } ففي هذا دليل أن من كان مشهورا يكتفى في تعريفه بذكر اسمه ونعته ، كما ذكر في حق نفسه وأن من لم يكن معروفا فإتمام تعريفه بذكر اسم أبيه واسم جده ، كما ذكره في حق العداء ، ولا يعارض هذا حديث صلح الحديبية ; لأن الصلح ما كان في ذلك الوقت إلا واحدا ، فكان لا يقع الالتباس فيه فيحتاج إلى تمام التعريف .

( ألا ترى ) أنه في نظره قد اكتفى بذكر الاسم أيضا ، وهو { فيما كتبه لأكيدر بن عبد الملك فقال : هذا ما كتب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام ، وخلع الأنداد والأصنام ثم أتم الكتاب } ; لأنه ما كان يقع الاشتباه في ذلك فاكتفى بذكر اسمه ، وفي المعاملة لما كان يقع الاشتباه ذكر اسم من عامله واسم أبيه واسم جده .

والدليل على أن تمام التعريف بما قلنا أن من له أب واحد في الإسلام لا يكون كفؤا لمن له أبوان في الإسلام ومن له أبوان في الإسلام يكون كفؤا لمن له عشرة آباء في الإسلام وقيل : المعتبر ما يتم به التعريف في الإسلام ، وذلك يحصل بالأب والجد ، ولا يحصل بالأب وحده ، وهذا لأنه قد يتفق اسم رجلين واسم أبيهما في العادة فلا يمتاز أحدهما من الآخر إلا بذكر اسم الجد أو بذكر القبيلة .

والتعريف في حق الغائب والميت بما يمتاز به عن [ ص: 170 ] غيره فإذا كان تمام الامتياز بما قلنا كان على الكاتب أن يكتب ذلك ، ويكنيه في الكتاب أيضا إن كان معروفا بكنيته ، وإن كان له لقب لا يغيظه ذلك ، ولا يشينه يذكر ذلك أيضا لزيادة التعريف فأما ذكر الصناعة ذكر الطحاوي عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه لا يعتبر ذلك في التعريف ; لأنه قد يتحول من صناعة إلى صناعة قال الطحاوي رحمه الله : وأما نحن فنعتبر ذلك كما اعتبر المالك في حق المكاتب للتعريف أن يكتب مكاتب فلان وقد يتحول منه إلى العتق ، ولكنا نقول : مراد أبي حنيفة رحمه الله مما قال : ليس ما ذكره الطحاوي رحمه الله بل مراده أنه ليس المقصود بالصناعات التعريف فلا يذكر ذلك عند التعريف ، وإنما يذكر ما يكون المقصود به التعريف ، وهو الاسم والنسب وأما كتبه الحلية فهو حسن للمبالغة في التعريف ، ولكن لا يحصل به أصل التعريف ; لأن الحلية تشبه الحلية كما أن النعمة تشبه النعمة .

ثم قال : اشترى منه جميع الدار في بني فلان ، وإنما أعاد لفظة الشراء ; لأن من عادة أهل اللسان أنه إذا تخلل بين الخبر والمخبر عنه كلام آخر فإنه يعاد الخبر للتأكيد ، وقوله : جميع الدار للتأكيد أيضا فإن المقصود يحصل بقوله : الدار التي في بني فلان ، ولكن يتوهم أن يكون المراد بعضها فذكر الجميع لقطع هذا الوهم ثم كما لا بد من تعريف المتعاقدين لا بد من تعريف المشترى ، وتعريف المشترى إذا كان محدودا بذكر الحدود والبلدة إلا أن في ظاهر الرواية عندنا يبدأ بالأعم من ذلك ، وهو ذكر البلدة ثم المحلة ثم الحدود وأبو زيد البغدادي رحمه الله يذكر في شروطه أن الأحسن أن يبدأ بالأخص من ذلك ثم يترقى إلى الأعم بمنزلة التعريف بالنسب فإنه يبدأ باسمه ; لأنه أخص به ثم باسم أبيه ثم باسم جده ولكنا نقول : العام يعرف بالخاص والخاص لا يعرف بالعام فكانت البداية بالأعم أحسن لهذا المعنى .

وفي الحقيقة لا فرق بين هذا وبين النسب ، فإن هناك يبدأ باسمه ; لأن ذلك أعم ، فالمسمى بذلك الاسم يكثر في الناس عادة ثم بذكر اسم أبيه يصير أخص به ثم بذكر اسم جده يصير أخص فكذلك يبدأ بذكر البلدة ثم بذكر المحلة ليصير أخص ثم بذكر الحدود .

وإذا ذكر الحدود فالأحسن أن يقول : أحد حدودها ينتهي إلى كذا ، وبعض أهل الشروط يكتب : أحد حدودها لزيق كذا أو يلاصق كذا ، وإنما ذكروا هذه الألفاظ ; لأنه لو كتب : أحد حدودها دار فلان ثم كتب اشتراها بحدودها دخلت الحدود في البيع .

وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة أنه لا بأس بأن يكتب : أحد حدودها الداخلة أو الطريق العام ثم يكتب : اشتراها بحدودها ; لأنه لا يسبق إلى وهم أحد بهذا اللفظ لشراء الدجلة [ ص: 171 ] وما يدخل تحت البيع ، وقد روي عن محمد رحمه الله أنه استحسن في آخر عمره أن يكتب : أحد حدودها يلي كذا ، ولكن ما ذكرنا أحسن ; لأن الشيء قد يلي الشيء ، وإن كان لا يتصل به قال عليه السلام { ليليني منكم أولو الأرحام والنهى } ، والمراد به : القرب دون الاتصال فإذا قلنا : ينتهي إلى كذا أو يلاصق كذا يفهم الاتصال من هذا اللفظ لا محالة .

ثم ذكر الحدود الأربعة للتحرز عن الاختلاف وقد قال بعض العلماء رحمهم الله : إن التعريف يحصل بذكر حد واحد ، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يحصل بذكر حدين وعندنا يحصل بذكر ثلاث حدود وعلى قول زفر لا يحصل إلا بذكر الحدود الأربعة ، وقد بينا هذا في الشهادات والكتاب يكتب على أحوط الوجوه ويتحرز فيه عن مواضع الخلاف فلهذا يكتب فيه الحدود الأربعة ثم قال : اشترى منه هذه الدار المحدود في كتابنا هذا ، ومن أهل الشروط من يقول : الأحسن أن يقول في هذا الكتاب هو اختيار هلال وأبي يوسف بن خالد رحمهما الله ; لأنه إذا قال في كتابنا : فظاهره يوهم أن الكتاب مشترك بينهما فربما يحول البائع بين المشتري وبين الكتاب احتجاجا بهذا اللفظ ، ولكنا نقول : هذا مما لا يسبق إلى الأوهام ، واللفظ المذكور في الكتاب أقرب إلى موافقة كتاب الله تعالى { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق } ثم قال بحدودها كلها .

وعن أبي يوسف ومحمد رحمه الله قال : لا أرى أن يكتب بحدودها ; لأن الحد غير المحدود ، والمشترى المحدود دون الحد فإذا قال : اشتراها بحدودها دخل في العقد الحدود التي تسمى ، ولكنا نقول : قد ذكرنا أنه إذا كتب : أحد حدودها ينتهي إلى كذا فقوله : اشتراها بحدودها ينصرف إلى المنتهي دون المنتهى إليه والمنتهي داخل في العقد فيستقيم أن يكتب اشتراها بحدودها ، وعلى ما قاله أبو حنيفة إذا كانت الحدود مما لا يدخل تحت العقد فلا يسبق إلى وهم أحد ذلك فيكتب اشتراها بحدودها كلها وأرضها وبنائها وسفلها وعلوها ، ومن أصحاب الشروط من يختار سفله وعلوه ، وقال : السفل والعلو للبناء لا للدار فالأحسن أن يكتب : ومنها سفله وعلوه ; لأن البناء مذكور لكن الأول أحسن ; لأنه ربما يكون في الأرض سرداب ، فإذا قال : سفله وعلوه لا يدخل السرداب ; لأن ذلك ليس ببناء والبناء ما يكون على الأرض ، فإذا قال : سفلها وعلوها دخل جميع ذلك فإن قيل : إذا قال : سفلها وعلوها يدخل الهواء في ظاهر هذا اللفظ ، وبيع الهواء لا يجوز فيفسد به العقد قلنا : هذا لا يسبق إليه وهم أحد ويعلم أن المراد ما يدخل تحت العقد دون ما لا يدخل فيه

ثم قال : طريقها ومرافقها وذكر الطحاوي أن أكثر أهل الشروط يذكرون [ ص: 172 ] الطريق والمختار عندنا تركه ، وكذلك المسيل ; لأنهم إن ذكروا الطريق مطلقا يتناول ذلك الطريق العام الذي لا يحوزه ، وكذلك الميزاب ربما يصب في جزء من طريق العامة ، فإذا أطلق ذلك يدخل في البيع ما لا يجوز بيعه فيفسد به العقد ، وإن كان قال وطريقها ، وسبيل مائها الذي من حقوقها فربما لا يكون للدار طريق خاص هو من حقوقها فيصير جامعا في العقد بين المعدوم والموجود .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #619  
قديم 30-12-2025, 07:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون

صـــ172 الى صـــ 181
(619)





والأحسن : أن لا يذكر الطريق والمسيل أصلا ; لأن المقصود حاصل بذكر المرافق فإنه إن كان لها طريق خاص أو مسيل ماء خاص دخل ذلك في العقد بذكر المرافق ، وإن لم يكن فإنما ينصرف هذا اللفظ إلى ما وراءهما من المرافق ثم قال : وكل قليل وكثير هو فيها أو منها وعند أبي يوسف لا يكتب هذا اللفظ ; لأنه إذا كتب هذا دخل في العقد الأمتعة الموضوعة فيها فإن ذلك كله مما يحتمل البيع ، وعند زفر بذكر هذا اللفظ يدخل ما يحتمل البيع ، وما لا يحتمل من زوجة أو ولد للبائع ، ومن حشرات هي فيها ; لأنه من القليل والكثير التي فيها فزفر رحمه الله يعتبر حقيقة اللفظ ، وأبو يوسف يعتبر ما يكون صالحا للعقد محلا له ; لأن قصد المتعاقدين إيراد العقد على ما يكون محلا له قال محمد رحمه الله : أرى أن يقيد ذلك الكتاب فيقول بما هو فيها أو منها من حقوقها فبهذا القيد يتبين أن المراد ما يكون من حقوق المبيع دون ما ليس من حقوقه من الأمتعة الموضوعة في الدار ثم في هذا الكتاب يقول بكل قليل أو كثير هكذا ذكر في كتاب الشفعة ، وفي كتاب الوقف قال : بكل قليل أو كثير ، والذي ذكر هنا أحسن ; لأن أو للشك ، وإنما يدخل عند ذكر حرف أو أحد المذكورين لا كلاهما ، ثم قال : وكل حق هو لها داخل فيها وخارج منها وذكر الطحاوي رحمه الله أن المختار عندنا أن يكتب بكل حق هو لها داخل فيها وكل حق هو لها خارج منها ; لأنه إذا قال وخارج منها فإنما يتناول هذا شيئا واحدا منعوتا بالنعتين جميعا ، وهذا لا يتصور والمشروط في العقد خارج منها بخلاف قوله : وكل كثير وقليل ; لأن القليل جزء من الكثير فلا حاجة إلى أن يقول بكل قليل وكل كثير ، وهنا الحقوق الداخلة غير الحقوق الخارجة ; فلهذا يذكرهما جميعا على نحو ما بينا .

ثم قال كذا بكذا درهما وزن سبعة ، وهذا إذا كان في البلد نقد واحد فينصرف مطلق تسمية الدراهم إلى ذلك النقد ، ويحتاج إلى بيان مقداره وبيان وزنه ، وأنه وزن سبعة أي كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل ، وإن كانت النقود مختلفة ، وكلها في الرواج سواء فلا بد من بيان صفة الدراهم ; لأن العقد لا يجوز بدونه ثم قال : وقد نقده فلان الثمن كله وافيا ، وبرئ إليه منه ; لأن [ ص: 173 ] من العلماء رحمهم الله من يقول : لا يستفيد المشتري البراءة بقبض البائع إذا لم ينقده المشتري فيكتب هذا اللفظ للتحرز عن قول ذلك القائل ثم قال : فما أدرك فلان بن فلان من درك أبي في هذه الدار فعلى فلان بن فلان خلاصه حتى يسلمه له ، وذكر أبو القاسم الصفار رحمه الله أنه ينبغي أن يكتب الدرك على وجه الشرط فيقول على أن ما أدرك فلان ; لأنه إذا كتب : فما أدرك فلان يكون ذلك ابتداء كلام لا على وجه الشرط ، فيذكر على وجه الشرط ولكن الأول أصح ; لأن الرجوع بالدرك لا يكون باعتبار الشرط ، ولكنه سواء شرط أو لم يشرط فحق الرجوع بالدرك ثابت ، وإنما الاختلاف فيما يرجع به عند لحوق الدرك على ما نبينه في موضعه .

وقد روي عن أبي يوسف أن الأحسن أن يكتب فما أدرك من يحق له الرجوع من درك ولا يسمى المشترى لجواز أن يلحق الدرك بعد موته فإنما يكون الرجوع لوارثه ولكنا نقول : حق الرجوع بالدرك يثبت بالعقد فإنما يثبت لمن باشر العقد ، والدرك هو الاستحقاق الذي يسبق العقد فأما الاستحقاق بسبب يعترض بعد العقد لا يسمى دركا وبالسبب الذي يسبق العقد فإنما يلحق الدرك المشتري حيا كان أو ميتا فلهذا كتب فما أدرك فلان بن فلان من درك في هذه الدار ، ومن أهل الشروط من يزيد من درهم فما فوقها تحرزا عن قول ابن أبي ليلى رحمه الله إن ضمان الدرك لا يصح إلا بتسمية المقدار فللتحرز عن قوله : يكتبون هذه الزيادة ، ثم قال : فعلى فلان ابن فلان خلاصه حتى يسلمه له . معناه يرد عليه ثمن ما لحق الدرك فيه فهو المراد بالخلاص عندنا على ما نبينه .
ثم قال : شهد أي شهد عليه الشهود المسمون ، ومن أهل الشروط من يكتب هذا اللفظ في أول الكتاب فيقول : هذا ما شهد عليه الشهود ، والأحسن عندنا : أن يذكره في الكتاب ; لأن الشهود إنما تكون شهادتهم في آخر الكتاب فالأحسن ذكر هذا اللفظ في الموضع الذي يثبت الشهود فيه أساميهم فإن أخذ منه كفيلا بالدرك كتب فما أدرك فلان من درك في هذه الدار فعلى فلان بن فلان وفلان بن فلان خلاص ذلك ، وإنما اخترنا لفظ الدرك دون لفظ العهد كما يكتبه بعض أهل الشروط فما لحقه في ذلك من عهدة ; لأن العهدة عند بعضهم اسم للصك ، وعند بعضهم اسم للعقد الذي جرى بينهما فاخترنا لفظ الدرك لهذا والمراد بالخلاص المذكور رد الثمن عند استحقاق المبيع عندنا ، وهو قول شريح رحمه الله فإنه كان يقول : من شرط الخلاص فهو أحمق سلم ما بعت أو رد ما قبضت ، ولا خلاص وكان سوار بن عبد الله القاضي رحمه الله يجوز اشتراط الخلاص ويقول : إن عجز البائع عن تسليم المبيع فعليه تسليم مثله فيما له مثل [ ص: 174 ] وتسليم قيمته فيما لا مثل له إذا شرط الخلاص ، وقد روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما قضيا بالخلاص ، وكان عبد الله بن الحسن القاضي رحمه الله يقول : عليه أن يخلص المبيع من يد المستحق بما يقدر عليه بتسليمه إلى المشتري إذا شرط الخلاص ، وهذا كله غير صحيح عندنا ; لأن التزام ما لا يقدر على تسليمه بالعقد لا يصح ، فإنما عليه تسليم المبيع إن قدر عليه ، ورد الثمن إن عجز عنه ، ومن العلماء رحمهم الله من يقول : إن أقر البائع أن المبيع غير مملوك له واشترط الخلاص فعليه تسليمه أو تسليم مثله عند الاستحقاق ، فإن زعم أنه ملكه فعليه رد الثمن عند الاستحقاق ثم ينبغي أن يكتب في ضمان الدرك من غير أن يكون ذلك شرطا بينهما في العقد ; لأنه إذا شرط كفالة إنسان بالدرك ففي القياس يفسد به العقد وفي الاستحسان إذا كان فلان حاضرا في المجلس ، وكفل يصح ، وإن كان غائبا عن المجلس لا يصح فللتحرز عن ذلك يكتب من غير أن يكون ذلك شرطا في العقد .

ويكتب : وكل واحد منهما ضامن لجميع ما أدرك فلان فيها ، وأيهما شاء فلان يأخذه بذلك تحرزا عن قول ابن أبي ليلى : إن مطلق الكفالة يوجب براءة الأصيل ، ويكتب : إن شاء أخذهما جميعا ، وإن شاء أخذ أحدهما تحرزا عن قول ابن شبرمة فإن على قوله بعد ما اختار مطالبة أحدهما ليس له أن يطالب الآخر فيكتب من شاء وكما شاء تحرزا من قول بعض العلماء : إنه بعد ما اختار مطالبة أحدهما ليس له أن يطالب الآخر إلا أن يتوى حقه على الذي طالبه به ثم يكتب حتى يسلما له هذه الدار أو يردا عليه ثمنها ، وهو كذا درهما فيكون ذلك تفسيرا للخلاص ، وليحصل به التحرز عن قول ابن أبي ليلى رحمه الله : إن الكفالة بالمال المجهول لا تصح ثم تفسير الدرك أن يستحق المبيع كله أو بعضه فأما إذا هلك قبل التسليم أو وجد به عيبا فرده فهذا لا يكون دركا حتى لا يرجع على ضامن الدرك بشيء إلا في رواية عن أبي يوسف رحمه الله
قال إذا باع جارية من إنسان ، وضمن له آخر تسليمها فهلكت فإنه يكون له أن يرجع على الضامن بالثمن ; لأن الضامن بهذا اللفظ التزم ما هو مستحق على البائع ، والمستحق على البائع تسليم المبيع بالمال ، فإن عجز عنه يرد الثمن فالضامن بهذا اللفظ يكون ملتزما ذلك أيضا ، وإن ضمن الدرك فحينئذ لا يكون عليه رد الثمن .
وإن كان المشتري منه رجلين ، فأراد أن يضمن كل واحد منهما ما أدركه فيه كتب فلان وفلان كفيلان ضامنان لما أدرك فلان من درك في هذه الدار ، وكل واحد منهما كفيل ضامن لما أدرك فلان من درك فلان فيها وأهل الشروط رحمهم الله يقولون : يريد في هذا الكتاب اشترى منهما صفقة واحدة [ ص: 175 ] لأن حكم العقد يختلف بالشراء من رجلين في اتحاد الصفقة واختلاف الصفقة ، ويكتب أيضا ، وكان العقد من كل واحد منهما بإذن صاحبه فإن على قول بعض العلماء ينصرف إيجاب كل واحد منهما عند الإطلاق إلى نصيبه ونصيب صاحبه ، فإذا لم يكتب هذه الزيادة عند الإطلاق لا ينفذ عقده عنده في نصيب صاحبه ويكتب على أن كل واحد منهما ضامن له ما يلحقه من العهدة ، أو ما أدركه فيه من درك ; لأن العلماء رحمهم الله يختلفون في أن الرجوع بالعهدة يكون على الوكيل أو على الموكل ، وكل واحد منهما في نصيب صاحبه يكون بمنزلة الوكيل باعتبار إذن صاحبه فللتحرز عن هذه الأقاويل يكتب هذه الزيادة ، وإن لم يقل : كفيل ضامن فهو مستقيم أيضا بقوله فما أدرك فلان من درك فيها إن شاء أخذهما بذلك جميعا ، وإن شاء أخذ أحدهما حتى يسلما له الدار أو يردا عليه الثمن ، وهو كذا كذا درهما فإن هذا تفسير للكفالة والضمان وبعد ما صرح بمعنى العقد فلا معنى للتصريح بلفظ العقد .

وإن اشترى منزلا في دار كتب حدود الدار ثم ذكر حدود المنزل ، وموضعه من الدار أنه على يمين الداخل أو على يساره أو مقابله ، ووصف فيما يذكر من حقوق طريقه في ساحة الدار إلى باب الدار الأعظم مسلما ، والأحوط أن يبين عرض الطريق وطوله فمن العلماء رحمهم الله من يقول : إذا لم يبين ذلك فسد العقد لجهالة مقدار الطريق ، وعندنا : لا يفسد العقد ; لأن ذلك معلوم بطريق العرف ، ولكن الأحوط ذكره للتحرز ، ولو كتب المقصورة ، وهو منزل عليه حجرة على حدة فهذا مستقيم أيضا ، وكذلك لو كتب المسكن أو كتب الحجرة والأبيات التي فيها ، وهي كذا كذا بيتا ، فذلك كله مستقيم ، وهو تفسير للمنزل ثم يبين بعد هذا ما يدخل في العقد بدون ذكر الحقوق ، وما لا يدخل إلا بذكر الحقوق ، وفي الحاصل هذه ثلاثة فصول : الدار والمنزل والبيت ، فإن اشترى دارا ، ولم يقل بكل حق هو لها كان له بناؤها والجذوع والأبواب وغير ذلك ; لأن الدار اسم لما أدير عليه الحائط فيدخل فيه السفل والعلو فأما الظلة التي على الهواء أحد جانبيها على حائط الدار ، والجانب الآخر على حائط دار الجار فعند أبي حنيفة لا تدخل إلا بذكر الحقوق ، وعند أبي يوسف ومحمد إذا كانت مفتحة في الدار فهو داخل في العقد بدون ذكر الحقوق ، والطريق الخاص لهذه الدار في دار قوم لا يدخل إلا بذكر الحقوق ، وعن أبي يوسف أنه يدخل أيضا كالظلة ، وفي الأمالي فرق بينهما فقال : الظلة تدخل فأما الطريق الخاص أو مسيل خاص في دار قوم لا يدخل إلا بذكر الحقوق ، والطريق التي في السكة العظمى لهذه الدار داخل ، وإن لم يذكر [ ص: 176 ] الحقوق .
وإن اشترى منزلا ، فإن قال بحقوقه دخل فيه العلو ، وإن لم يذكر ذلك لم يدخل العلو ، وإن اشترى بيتا لم يدخل العلو سواء ذكر الحقوق أو لم يذكرها ما لم ينص على العلو والسفل ; لأن البيت اسم لمسقف واحد يبات فيه والعلو في هذا كالسفل فلا يكون أحدهما من حقوق الآخر ومرافقه وأما المنزل فهو الموضع الذي يسكنه المرء بأهله وثقله والأصل في ذلك السفل ولكن تمام مرافقه بالعلو ، فإن ذكر الحقوق والمرافق دخل فيه العلو وإلا فلا . ثم المنزل دون الدار وفوق البيت فلكونه دون الدار قلنا : لا يدخل العلو إذا أطلق اسم المنزل ولكونه فوق البيت قلنا بأنه يدخل إذا ذكر الحقوق أو المرافق .
وإن اشترى نصيبا من الدار غير مسمى فهو باطل ; لأن المعقود عليه مجهول جهالة تفضي إلى المنازعة .
وإن اشترى أذرعا مسماة من الدار لم يجز في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وفي قولهما يجوز وتذرع الدار فيكون المشتري شريكا بتلك الأذرع المسماة إن كانت ذراعان والدار أكثر من ذلك ، وإن كانت أقل فهو بالخيار إن شاء أخذه بجميع الثمن ، وإن شاء تركه إلا أن يكون سمى لكل ذراع ثمنا فحينئذ يأخذ كل ذراع بالثمن المسمى ، وقد بينا هذا في البيوع .

والمأذون وإن اشترى نصيب البائع من الدار ، فإن كانا يعلمان ذلك أو يعلمه المشتري جاز العقد ، وإن كان المشتري لا يعلم ذلك لم يجز في قول أبي حنيفة ، وفي قول أبي يوسف يجوز للمشتري الخيار إذا علم نصيب البائع ، وقول محمد مضطرب ذكر هنا مع أبي يوسف ، وقد تقدم بيانها في آخر الشفعة ، فإن كان سمى ربعا أو ثلثا أو سهما من كذا كذا سهما فذلك جائز ، وكذلك إن سمى كذا أجزأ من كذا جزءا بعد الثلث أو كذا سهما من كذا سهما بعد الربع فهذا كله جائز ، وإن سمى كذا ذراعا من كذا ذراعا من دار لم يجز في قول أبي حنيفة وجاز عندهما ، وكذلك إن سمى كذا جريبا من كذا جريبا ; لأن الجريب معلوم المقدار بالذراع فكان تسميته كتسمية الذراع وعندهما تسمية الذراع كتسمية السهم ; لأن ذراعا من ذراعين نصف الدار وذراعا من عشرة أذرع عشر الدار وأبو حنيفة رحمه الله يقول : الذراع اسم لجزء معلوم يقع عليه الذراع ، وذلك يتفاوت بتفاوت جانب الدار فبعض الجوانب يكون عامرا وبعضها غامرا وهذه الجهالة تفضي إلى المنازعة ، فبطل العقد بها .
وقال يكتب في شراء نصيب دار من امرأة اشترى جميع نصيبها من هذه الدار المحدودة في كتابنا هذا ، وهو كذا سهما من كذا سهما من جميع هذه الدار بحدوده كله وأرضه وبنائه وطريقه ومرافقه ، وكل قليل أو كثير هو فيه أو منه قلت لم كتبه بحدوده وأرضه ، ولم [ ص: 177 ] يثبت بحدودها وأرضها كما في الكتاب المتقدم قال : لأن النصيب مذكر فلما أضفته إليه ذكرته ، وإن كتب بحدودها أرضها فهو جائز ; لأن عند ذلك الإضافة إلى الدار ، وهي مؤنثة ، والأول أحبهما إلي وأوضحهما فإن المشترى النصيب دون الدار وذكر هذه الأشياء لبيان المشتري وحقوقه .
وإذا اشترى منزلا في دار وفوقه منزل واشترط كل حق هو له ، وكان العلو لغيره فهو بالخيار إن شاء أخذ السفل ، وإن شاء تركه ; لأن اشتراط كل حق في المنزل اشتراط العلو فكأنه شرط العلو أيضا ، فإذا ظهر استحقاق العلو فقد تغير عليه شرط عقده فكان له الخيار في الباقي بخلاف ما إذا لم يشترط كل حق هو له ، وإذا اشترى البيت سواء ذكر كل حق أو لم يذكر لا يدخل العلو ، فإذا استحق العلو لم يكن له خيار في السفل ، وفي الدار سواء ذكر كل حق أو لم يذكر إذا استحق العلو أو بعضه يخير فيما بقي ; لأن ذلك داخل في العقد بمطلق اسم الدار .
وإن كان للدار طريق خاص في دار إنسان فمنع صاحب تلك الدار الطريق فالقول قوله إلا أن يقيم البائع البينة ، فحينئذ يثبت له استحقاق الطريق ، فإن كان ذكر الحقوق والمرافق كان ذلك للمشتري ، وإن عجز البائع عن إقامة حق البينة يثبت للمشتري حق الفسخ ; لأنه تغير عليه شرط عقده ، وإن كان طريق دار أخرى للبائع في هذه الدار ، فإذا لم يذكرها لم يستحق البائع ذلك ; لأنه أوجب للمشتري ما كان له من الملك في هذه البقعة فيدخل فيه الطريق ، وغير الطريق إلا أن يستثنى الطريق بخلاف ما إذا كان الطريق لغير البائع ، فإن البائع إنما أوجب للمشتري ما هو حقه إلا أن يكون المشتري غير عالم لم يكن الطريق لغيره ، فحينئذ الخيار للمشتري ; لأن هذا يعد في الناس عيبا وينتقص - باعتباره - الثمن .
فإن اشترى بيت سفل في دار ليس له علو كتب اشترى منه جميع البيت الذي كان في الدار - التي في بني فلان - أحد حدود هذا البيت فيذكر حدوده ; لأن البيت في الدار كما أن الدار في المحلة فكما أن في شراء الدار ينبغي له أن يذكر المحلة ففي شراء البيت لا بد من إعلام الدار التي فيها البيت ، وإعلامها بذكر حدودها ثم العقد يتناول بقعة معلومة من الدار ، وهو موضع البيت فلا بد من إعلام ذلك على وجه لا يتمكن بينهما المنازعة وإعلامه بذكر حدوده ثم يكتب اشترى منه هذا البيت الذي حددنا في هذه الدار المحدودة في كتابنا هذا بحدوده كله وأرضه وبنائه وطريقه في ساحة الدار إلى باب الدار الأعظم مسلما ; لأن المشترى بيت ، وهو مذكر فيقول بحدوده كله ويذكر طريقه في ساحة الدار ; لأن ذلك لا يدخل بالذكر [ ص: 178 ] والانتفاع من حيث السكنى والبيتوتة لا يتأتى إلا بذلك ، وقال أبو يوسف رحمه الله : أرى أن يكتب الحدود الحد الأول ، ومن قبل القبلة دار فلان ، والحد الثاني في شرقي الدار دار فلان والحد الثالث : دبر القبلة دار فلان والحد الرابع : الغربي دار فلان ; لأن جهة القبلة أشرف الجهات فالبداية أولى منها ، وإن شاء بدأ بالغربي ودار عليها ، وإن شاء بدأ بالذي هو دبر القبلة ثم سمى الذي يليه ، وهو قول محمد رحمه الله أيضا ، وإن لم يكتب ذلك أيضا لم يضره ; لأن المقصود هو الإعلام وبذكر الحدود صار معلوما ، وإن لم يقل من قبل القبلة أو دبر القبلة ، والكلام في قوله أحد حدودها دار فلان وانتهى إلى دار فلان أو لزيق دار فلان كما بينا .
وإن كان المشترى بيتا علوا في الدار ليس له سفل كتب اشترى منه البيت الذي في علو الدار التي في بني فلان ويذكر حدود الدار ثم يقول : وهذا البيت على البيت الذي من هذه الدار في موضع كذا ; لأنه قد ينهدم ذلك البيت فيحتاج المشتري إلى إعادته ، ولا يتمكن من ذلك إلا بعد أن يكون موضعه من الدار معلوما ، وإعلام موضعه بإعلام موضع البيت الذي هذا علوه فيكتب ، وهو علو سفله لفلان أحد حدود البيت الذي هذا البيت عليه ، والرابع : أنه ليس للعلو حدود ، وإنما الحدود للسفل وذكر الطحاوي رحمه الله قال : هذا إذا لم يكن حول هذا العلو حجرة ، فإن كان ذلك فعليه أن يذكر حدود العلو أيضا ; لأن المبيع هو العلو ، وإنما يثبت إعلام المبيع بذكر حدوده ، فإن أمكن ذلك فلا بد من ذكر حدود المبيع ، ثم يكتب أشتري منه هذا البيت الذي حددنا سفله في هذه الدار المحدودة في كتابنا هذا بحدوده كله وأرضه وبنائه وطريقه في الدرج ، وفي ساحة الدار إلى باب الدار الأعظم ، وإلى علو البيت مسلما ، قالوا وينبغي أن يبين موضع الدرج من الدار أيضا ; لأن ذلك ينقل من موضع إلى موضع فربما ينتفع به صاحب العلو في جانب ويتضرر به في جانب آخر ، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله نرى أن يكتب ، وقد نقد فلان بن فلان الثمن كله ، وقبضه فلان منه ، وهو كذا درهما ; لأن من العلماء من يقول : لا يجبر البائع على قبض الثمن إذا نقده المشتري ولا يستفيد المشتري بالبراءة ما لم يقبضه البائع منه فللتحرز عن هذا القول تذكر هذه الزيادة .
وإن كان بيت فوقه بيت فاشتراهما جميعا كتب : أشتري منه بيتين من الدار التي في بني فلان أحدهما فوق الآخر ; لأن مطلق اسم البيتين يتناول بيتين متلاصقتين كل واحد منهما سفل فيذكر : أحدهما فوق الآخر ، ويكتب : هذا البنيان من هذه الدار من موضع كذا ، أحد حدود البيت الأسفل كذا ; لأن الحدود للبيت [ ص: 179 ] السفل وبذكرها يصير العلو معلوما ثم يكتب : اشترى منه هذين البيتين اللذين حددنا أسفلهما في هذه الدار المحدودة في كتابنا هذا بحدودها كلاهما وأرضهما وبنائهما وطريقهما في الدرج ، وفي ساحة الدار ، ويحد به على ما وصفنا ; لأن كل واحد من البيتين أصل هنا لا يدخل في العقد إلا بالذكر فلا بد من أن يسميهما عند ذكر الحدود والمرافق .
وإذا اشترى دارا من رجلين ، وهي صحراء كتب : اشترى منهما الدار التي في بني فلان أحد حدودها ، والرابع : اشترى منهما هذه الدار المحدودة في كتابنا هذا وهي صحراء ليس فيها بناء ; لأن اسم الدار يتناول الصحراء كما يتناول المبنى بدليل مسألة الأيمان إذا حلف لا يدخل هذه الدار فدخلها بعد ما صارت صحراء كان حانثا في يمينه ولكن في العرف إنما يفهم المبنى عند إطلاق الاسم ، وربما يبنيهما المشتري فيستحق بناءه ، فإما أن يفسخ العقد أو يرجع بقيمة البناء ، فإذا لم يبين في صك الشراء أنها كانت يومئذ صحراء ربما يقضي القاضي له بذلك بناء على العرف الظاهر فلهذا يكتب هذه الزيادة في هذا الكتاب .
قال وقال أبو يوسف ومحمد نرى أن يكتب في الضمان قيمة البناء يعني إذا اشترى هذه وضمن له إنسان الدرك ينبغي أن يذكر في آخر الكتاب : وكل واحد منهما كفيل ضامن بجميع ما أدرك في هذه الدار وقيمة ما بني فيها من بناء من بين كذا إلى كذا درهما ، وإنما استحسن التنصيص على قيمة البناء في الضمان لاختلاف العلماء رحمهم الله فإن على قول أهل المدينة عند الاستحقاق المشتري لا يرجع بقيمة البناء الذي بناه على البائع إلا أن يكون البائع أمره بالبناء وعلى قول الشافعي لا يرجع بقيمة البناء والأشجار إلا إذا ضمن البائع له ذلك نصا ; لأن البناء ليس بمتولد من عين المبيع ، وإنما يثبت حكم الغرور في المبيع ، وفيما يكون متولدا منه كالأول وعندنا يرجع بقيمة البناء ، ومن غير شرط باعتبار أن مطلق العقد يقتضي صفة السلامة ولا عيب فوق الاستحقاق ، والبائع بمطلق العقد يصير ضامنا للمشتري قرار البناء ، فإذا لم يسلم له ذلك كان له أن يرجع بقيمة البناء فللتحرز عن هذا الخلاف يكتب ضمان قيمة البناء وينص أيضا على مقدار ذلك بقوله : ما بين كذا إلى كذا درهما ; لأن على قول ابن أبي ليلى الكفالة بالمجهول لا تصح فكان بيان المقدار في الوثيقة للتحرز عن ذلك ثم قال إلى كذا درهما بقيمة عدل يوم يستحق الدار من يده ; لأن حق الرجوع إنما يثبت له بقيمة البناء عند الاستحقاق فإن المستحق ينقض بناءه فإنه يسلم النقض إلى البائع ويرجع عليه بقيمة البناء مبنيا وقت الاستحقاق ، وإنما يرجع بقيمة عدل ، وهو ما فوق الوكس ودون الشطط .
، ومن أهل [ ص: 180 ] الشروط رحمهم الله من استحسن أيضا أن يكتب وذلك البناء قائم يستحق من ذلك ; لأن المشتري قد يبني ثم ينهدم البناء قبل الاستحقاق فعند الاستحقاق لا يرجع بقيمة ما انهدم من البناء الذي أحدثه فيكتب ، وذلك البناء قائم فيما يستحق من ذلك ، ولا يقول : في هذه الدار ; لأنه قد يستحق نصف الدار ، فإنما يكون رجوعه بقيمة نصف البناء عند ذلك ، وإن كان على قول مالك : العقد يبطل كله باستحقاق النصف ، ويكون له أن يرجع بقيمة جميع البناء ولكن هذا فاسد عندنا ، فإن الرجوع بحكم الاستحقاق ، فإنما يثبت بمقدار ما يوجد فيه الاستحقاق ; فلهذا يكتب بقيمة ما يستحق من ذلك ، وبعض أهل الشروط يكتب قيمة البناء والعرش وغير ذلك ، وهذا غير مستحق عندنا ; لأنه يتناول هذا اللفظ ما لا رجوع له من مرمة ليست بعين مال أو حفر فإن المشتري إنما يرجع بقيمة البناء باعتبار أنه يسلم النقض إلى البائع ولا ينافي ذلك في هذه الأشياء ، فاشتراطه في العقد يفسد العقد حتى لو قالوا لو حفر بئرا في الدار وطواها فالحفر ليس من البناء في شيء ، والعلو من البناء فيكون له أن يرجع بقيمة ما هو بناء مطوي ويكتب بعض أهل الشروط الرجوع بما أنفق في البناء ، وهذا مستحسن عندنا فإن رجوع المشتري بقيمة البناء باعتبار أنه يملك النقض من البائع ، وهذا المعنى لا يوجد فيه ; لأنه أنفقه لنفسه على ملكه فلا يرجع به عند الاستحقاق ; فلهذا كان المختار اللفظ الذي ذكره محمد رحمه الله في الكتاب ، وإنما يكتب : إن كل واحد منهما ضامن لجميع ذلك ; لأنه لو لم يكتب هذا رجع على كل واحد من البائعين بنصف قيمة البناء ، فإن كل واحد منهم إنما باعه النصف ، وإنما ضمن له السلامة باعتبار عقده فلمعنى النظر للمشتري يكتب هذا اللفظ حتى يكون له أن يرجع على أيهما شاء بجميع قيمة البناء ; لأن في النصف هو بائع ، وفي النصف الآخر هو ضامن عن صاحبه ، ويكون ضمانه كضمان أجنبي آخر .
وإن اشترى بيتين متفرقين في دار واحدة أحدهما علو ، والآخر سفل كتب أشتري منه بيتين في الدار التي في بني فلان ; أحد حدود هذه الدار التي فيها هذان البيتان والرابع : وأحد هذين البيتين في موضع كذا من هذه الدار من سفل علوه له ; لأن أحد حدود البيت السفل فيذكر حدوده ثم يذكر حدود البيت الآخر علو سفله لفلان ويحد البيت فيذكر حدوده ثم يجريه على ما وصفنا ، وقد بينا هذا في السفل المشترى وحده ، والعلو المشترى وحده بدون السفل ، فكذلك إذا اشترى سفل بيت وعلو بيت آخر وهما في دار واحدة فلا بد من إعلام كل واحد منهما بذكر الموضع والتحديد وإعلام العلو [ ص: 181 ] وبتحديد السفل إذا لم يكن حول العلو بناء ، وإن كان فتحديده ممكن في نفسه على ما فسره الطحاوي رحمه الله .
وإن اشترى منه طريقا في دار كتب أشتري منه طريقا من الدار التي في بني فلان ويحددها ، وهذا الطريق من هذه الدار ما بين موضع كذا من دار فلان التي إلى جانب هذه الدار إلى باب هذه الدار المحدودة في كتابنا هذا ، عرض هذا الطريق عرض باب الدار ; لأنه لا بد من إعلام المعقود عليه ، وإعلام الطريق بذكر طوله وعرضه ثم يكتب : أشتري منه هذا الطريق الذي ضمنا في هذه الدار المحدودة في كتابنا هذا بحدوده كلها وأرضه مسلما إلى باب الدار ، وقد استحسن بعض أهل الشروط أن يبين ذلك بالذراع طولا وعرضا ; لأن في قوله عرضه عرض باب الدار بعض الإبهام فقد يبدل بالباب باب آخر ولكن يجوز محمد رحمه الله بهذا القدر من الإبهام ; لأن عرض باب الدار طريق متفق عليه ، وعند المنازعة يرد المختلف فيه إلى المتفق عليه ، والمقصود من الطريق التطرق ، وهذا المقصود إنما يتم إذا كان الطريق بقدر عرض باب الدار ، فإن ما لا يدخل في ذلك الباب لا يمكنه أن يحمله في الطريق قال : ولو لم يسم عرض الطريق كان يجوز أيضا لهذا المعنى ، وهو أن التسمية للرجوع إليه وقطع المنازعة به عند الحاجة ، وهذا حاصل بمعرفة باب الدار فلا حاجة إلى ذكر ذلك ، وإن كان على هذا الطريق علو لغيره ينبغي أن يكتب : علوه لفلان لقطع المنازعة فإن بمطلق التسمية يستحق المشتري ذلك الموضع من الأرض ، فربما ينقض العلو الذي للغير عليه أو يمنع صاحب العلو من أن يبني عليه علوا بعد الانهدام .
وإن اشترى حائطا كتب : أشتري منه الحائط التي في الدار الذي في بني فلان ، وهذا الحائط من هذه الدار في موضع كذا ما بين كذا إلى كذا عرضه كذا ; لأن بتناول الطول والعرض يصير المشترى - وهو البناء وموضعه من الأرض - معلوما ، ثم يقول : أشتري منه هذا الحائط الذي سمينا بحدوده كله أرضه وبناءه ; لأنه إذا لم ينص على ذلك دخل فيه اختلاف شبهة العلماء دخول الأصل في البيع .

وإن اشترى دارا غير بيت فيها كتب : أشتري منه الدار التي في بني فلان غير بيت واحد من هذه الدار ، وطريقه ، وهذا البيت من هذه الدار من موضع كذا ، وعين حدوده ; لأن البيت المستثنى باق على ملك البائع ، ولا يمكنه الانتفاع به إلا بالطريق إليه في حاجة الدار ، فإذا لم يذكر الطريق فيما يستثنى تضرر البائع في تسليم المعقود عليه ; لأنه يتعذر عليه الانتفاع بما ليس بمعقود عليه ، وذلك مفسد للعقد ; فلهذا يقول : غير هذا البيت ، وطريقه إلى باب الدار الأعظم ثم يكتب في آخره ، وقد رأى [ ص: 182 ] فلان هذا البيت ، وعرفه لئلا يكون له الخيار إذا رآه ; لأنه لما لم ير المستثنى تتمكن به جهالة في صفة المعقود عليه ، فإن بيوت الدار تختلف في المنفعة والمالية ; ولهذا لو اشترى بيتا من الدار بغير عينه لا يجوز .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #620  
قديم 30-12-2025, 07:48 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثلاثون

صـــ182 الى صـــ 191
(620)





وإذا اشترى بيتا لم يره كان له الخيار ، وإن كان قد رأى ما سواه من البيوت فكذلك إذا رأى المستثنى بيتا لم يره كان له الخيار في الباقي
وإن اشترى منزلا في دار ونصف ساحة تلك الدار ونصف مخرجها والطريق كتب : أشتري منه منزلا في الدار التي في بني فلان وأشتري منه أيضا نصف ساحة هذه الدار ونصف مخرج فيها سوى هذا المنزل ثم يحدد هذا الدار ثم يكتب ، وهذا المنزل من هذه الدار في موضع كذا ويذكر حدود المنزل ثم يكتب ، وهذا المخرج من هذه الدار في موضع كذا ويذكر حدوده ثم يذكر حدود ساحة الدار ; لأن العقد يتناول كل ذلك إما كله أو بعضه فلا بد من أن يحدد جميع ذلك ثم يكتب اشترى منه هذا المنزل الذي حددنا ونصف هذا المخرج ونصف ساحة هذه الدار بحدودها كلها وأرضها وبنائها وطريقها إلى باب الدار ، وإلى المخرج مسلما ثم يجريه على ما وصفنا .

وإن اشترى دارا بناؤها للمشتري يكتب على رسم ما لو اشتراها كلها إلا أنه لا يكتب وبناءها ; لأن البناء مملوكا له وشراؤه إنما يتناول ملك البائع لا ملك نفسه ، ومن أهل الشروط من يقول : الأحسن أن يكتب اشترى أرض دار بناؤه للمشتري ; لأن اسم الدار مطلقا في العرف يتناول المسمى والأولى أن يستعمل أخص الألفاظ فيما يرجع إلى إعلام المشتري .
وإن اشترى نصف دار ونصفها الآخر للمشتري وأراد أن يبينه كتب أشتري منه نصف الدار التي في بني فلان وهذه الدار التي نصفها لفلان أحد حدودها والرابع ، وإنما يذكر حدود جميع الدار ، وإن كان المشترى نصفها ; لأن تحديد نصف الدار غير ممكن .
وإن اشترى دارا لغيره وأراد أن يكتب اسمه في الشراء كتب اشترى فلان لفلان من فلان وأكثر أهل الشروط رحمهم الله يكتبون اشترى لفلان بأمره وماله وذلك غير مستحسن عندنا ; لأن الثمن بالشراء يجب في ذمة المشتري فلا يتصور أن يكون مشتريا بمال الغير ; لأن ما يجب في ذمته بعقد لا يتصور أن يكون مالا للغير ثم في هذا ضرر على البائع ; لأن الموكل إذا حضر وأنكر الوكالة كان له أن يسترد المال من البائع لإقرار البائع أن المال له ثم هو يحتاج إلى الرجوع على المشترى بالثمن وربما لا يقدر على ذلك قال الطحاوي رحمه الله ، وفيه إفساد آخر أيضا ، وهو على أن قول زفر والشافعي النفوذ يتعين في العقد ، فإذا أنكر الموكل الأمر ورجع [ ص: 183 ] بدراهمه انفسخ العقد فلهذا لم يذكر محمد رحمه الله هذه الرواية ، وإنما ذكر اشترى فلان لفلان من فلان ويجري الكتاب على رسمه إلى أن يكتب في آخره فما أدرك فلان بن فلان من درك فيما اشترى له فلان فعلى فلان خلاصه حتى يسلمه له فقد ذكر ضمان الدرك للوكيل ; لأن الوكيل بالعقد فيما هو من حقوق العقد ينزل منزلة العاقد لنفسه ولكن إنما ذكر هذا ; لأن الوكيل بالتسليم يخرج من الوسط فالاستحقاق بعد ذلك يكون للموكل والدرك إنما يلحق الموكل .

( ألا ترى ) أنه ليس للمستحق الخصومة مع الوكيل بعد التسليم وذكر الخصاف أن محمد بن الحسن رحمه الله حين كان بالرقة كتب للرشيد كتابا بهذه الصفة وكتب فما أدرك أمير المؤمنين من درك فعلى فلان خلاصه حتى يسلمه له أو يرد الثمن على المشتري ، وهو فلان فقال له بعض من حضر المجلس من أصحابه لماذا كتبت الدرك للمشترى له فقال هكذا كتب أبو حنيفة رحمه الله فقال إذا كتب الدرك له فلماذا لم تكتب رد الثمن عليه قال لأن رد الثمن عند الاستحقاق إنما يكون على من وجب عليه الثمن بالعقد والثمن بالعقد وجب على الوكيل دون الموكل فكذلك الرد يكون عليه عند الاستحقاق قيل فإن كتب كاتب أو يرد الثمن على المشترى له قال أكره ذلك ولا أفسد به العقد وكأنه سلك في هذا طريقة الاستحسان على قياس الوكيل بالبيع إذا قبض الموكل الثمن بنفسه ، فإن كتب كاتب فما أدرك فلان المشتري قال أكره ذلك أيضا ولا أفسد به العقد ; لأن الدرك قد يلحق الوكيل قبل أن يسلمه إلى الموكل ولكن لو كتب في ضمان قيمة البناء أنه ضامن لقيمة ما يبني المشتري كان ذلك يفسد العقد ; لأن الوكيل في البناء في هذه الدار كأجنبي آخر فإنه ليس له أن يبني بدون رضا الموكل فاشتراط ضمان بنائه في العقد كاشتراط ضمان أجنبي آخر وذلك مفسد للعقد .

وإن اشترى دارا فيها حمام كتب على نحو ما وصفنا في شراء الدار والدارين قال ويسمي فيها قدر الحمام ، وهذا تنصيص على أن قدر الحمام لا تدخل في العقد من غير شرط بخلاف الأبواب والسرر المركبة في شراء الدار ; لأن القدر لا يركب في موضعه ليكون على البناء ولكنه يوضع على الأبواب ويطين ما حوله لكي لا يخرج النار والدخان من جوانبه ، وهو بمنزلة المتاع الموضوع لا يدخل إلا بالتسمية وأكثر أصحاب الشروط رحمهم الله يكتبون بعد ذكر الحمام بحدودها وقدرها وآنيتها وملقى رمادها وشرفاتها وبئرها والبكرة والدلو والرشاء التي فيها ومستنقع ما فيها من حقوقها وبعض هذا دخل في العقد من غير ذكر ولكنهم يذكرونه للمبالغة في [ ص: 184 ] ذكر ما يختص به الحمام من سائر المحدودات .
وإن اشترى دارا من ثلاثة نفر لأحدهم نصفها وللآخرين النصف كتب بعد ذكر الحدود أشتري منهم هذه الدار المحدودة في كتابنا هذا ، ومن فلان كذا ، ومن فلان كذا ; لأن الأنصباء قد تفاوتت ، والحكم يختلف باختلاف ذلك يعني فيما يستوجب كل واحد منهم الثمن فيما يكون للمشتري فيما يستوجب كل واحد منهم من الثمن ، وفيما يكون للمشتري من حق الرجوع على كل واحد منهم عند لحوق الدرك فلا بد من ذكر نصيب كل واحد منهم نفسه ثم يكتب وقد نقدهم الثمن كله وبرئ إليهم منه فقبض فلان من ذلك كذا وفلان كذا ; لأن عند الاستحقاق إنما يرجع على كل واحد منهم بما نقده من الثمن ; لأنه لو لم يفسره بكذا ربما يدعي صاحب النصف أنه لم يصل إليه إلا ثلث الثمن ويحتج بمطلق إقراره فإنه نقدهم الثمن ثم قال فما أدرك فلان من ذلك في هذه الدار فعلى فلان وفلان خلاص ذلك على قدر أنصبائهم التي اشترى منهم حتى يسلموه له على قدر ما اشترى منهم .
وإن اشترى ثلاثة نفر من واحد كتب اشتروا منه هذه الدار المحدودة في كتابنا هذا اشترى منه فلان كذا وفلان كذا ، وهذا على ما عليه العادة من إعادة الخبر إذا تخلل بينه وبين المخبر عنه كلام آخر فيكتب اشترى منه فلان كذا وفلان كذا ويكتب وقد نقده الثمن كله وافيا من أموالهم على قدر أنصبائهم التي اشتروا منه نقد فلان من ذلك كذا وفلان كذا وفلان كذا وبرئوا إليه منه فصار لفلان من هذه الدار كذا ولفلان كذا ولفلان كذا فما أدركهم من ذلك في ذلك فعلى فلان خلاص ذلك إلى آخره .
وإن اشترى دارا لابنه الصغير كتب اشترى فلان لابنه فلان وأهل الشروط رحمهم الله يكتبون اشترى لابنه الصغير بماله وبولايته عليه مميزا لماله ، وقد بينا في الشراء للغير أن الأحسن أن لا يذكر المال فكذلك في الشراء لابنه واتفق أهل الشروط هنا على أنه يكتب اسم الأب قبل اسم الابن ، وفي الشراء للغير منهم من يقدم اسم الموكل فيكتب اشترى لفلان فلان ، ومنهم من يقدم اسم المشتري فيكتب اشترى فلان لفلان الوكيل ولكن يكتب اشترى لفلان الآمر بأمره فلان بن فلان وأهل الشروط يزيدون في هذا الكتاب عند ذكر الثمن ، وهو ثمن مثل هذه الدار ، ولم يذكر محمد رحمه الله هذه الزيادة ; لأن أهل الشروط بنوا على أنه اشترى بمال الصغير فذكروا هذه الزيادة ; لأن الشراء بماله بغبن فاحش لا ينفذ عليه ، ومحمد رحمه الله لم يذكر ماله أصلا فلهذا لم يتعرض لهذه [ ص: 185 ] الزيادة في الابتداء إلا أنه ذكر في آخره ، وقد نقد فلان الثمن كله وافيا ، ومن مال ابنه فلان ، وإنما ذكر هذا ليكون فيه نظر للولد فربما يدعي الأب أنه نقد الثمن من مال نفسه فيرجع به عليه أو يدعي ذلك سائر الورثة بعد موته ، ويكون القول قولهم فلهذا ذكر هذه الزيادة ، ويكتب وهو يومئذ صغير في عيال أبيه ; لأن من العلماء رحمهم الله من يقول : إذا لم يكن الولد في عياله فليس له ولاية التصرف في ماله ، وإن كان الولد صغيرا فللتحرز عن ذلك يكتب هذه الزيادة ثم يكتب فما أدرك فلانا من درك فيما اشترى له فلان فعلى فلان خلاصه ; لأن بعد بلوغ الولد إنما يلحق الابن دون الأب ، وقد استحسن بعضهم أن يكتب هنا ، وفي الشراء للغير أيضا ، وقد وكل فلان يعني المشتري فلانا بالخصومة فيما يلحقه من العهدة في هذه الدار إما وكالة مطلقة في الدار في الحال أو مضافة إلى ما بعد البلوغ في حق الولد ويزيدون أيضا على أنه كلمة عز له فهو وكيل من جهته توكيلا جديدا ، وفي هذا النوع احتياط للموكل وللابن فإنه إذا دفعت الحاجة إلى الخصومة بالعيب لا يتمكن الموكل ولا الابن من خصومة البائع وربما يكون المشتري غائبا أو حاضرا ويمتنع من مباشرة الخصومة بنفسه قد ذكر هذا التوكيل لكي لا يتعذر على المشتري له الوصول إلى حقه .
إذا باع رجل داره من ابنه ، وهو صغير في عياله كتب هذا كتاب من فلان بن فلان لفلان بن فلان ابنه إني بعتك الدار التي في بني فلان ويحددها ويجري الكتاب على الرسم بكذا درهما وقبضت الثمن كله منك وبرئت إلي منه وأنت يومئذ صغير في عيالي فما أدركك من ذلك في هذه الدار فعلي خلاصه ، وفي هذا تنصيص على أن الأب لا يحتاج إلى لفظين في البيع من ولده لنفسه .

ويحكى عن أبي علي الشاشي رحمه الله أنه كان يقول : يحتاج إلى ذلك ; لأنه في جانب الولد فيما يعامل نفسه فيكون نائبا ولا يكون كالمباشر للعقد حتى إن العهدة بعد البلوغ فيه تكون على الولد بخلاف ما يعامل غيره فإن الأب فيه مباشر للعقد والعهدة عليه بعد بلوغ الولد ، وهو في لفظ واحد لا يصلح أن يكون مباشرا للعقد وسفيرا فلا بد من لفظ هو يكون مباشرا فيه من جانب نفسه ، ومن لفظ آخر يكون هو سفيرا فيه عن الابن بخلاف المولى يزوج وليته ممن هو وليه فالعاقد في النكاح يكون بمنزلة السفير من الجانبين ، وهو باللفظ الواحد يستقيم أن يكون سفيرا عن جماعة ولكن الأصح ما ذكره محمد رحمه الله ، وقد أشار إليه في الزيادات أيضا أنه في البيع يتم بقوله بعت منه بكذا ، وفي الشراء يتم بقوله اشتريت منه بكذا ; لأن اللفظ الذي به يلتزم العهدة ، ويكون مباشرا [ ص: 186 ] يكون أقوى من اللفظ الذي يكون سفيرا والقوي ينتظم الضعيف ولا يظهر في مقابلته ففي حق من يكون مباشرا يسقط اعتبار اللفظ الذي يكون به معبرا عن غيره في العقد حتى قالوا لو ذكر اللفظ الذي هو سفير فيه فقال اشتريت مني هذه الدار بكذا ، وفي الشراء قال بعت هذه الدار لابني من نفسي لا يتم ; لأن الضعيف لا ينتظم القوي فلا بد من التصريح باللفظ الذي به يلتزم العهدة وذلك في البيع بالإيجاب ، وفي الشراء بالقبول قال وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إذا كان في الرسم لفلان فكل شيء أضفته إليه فاجعله بالكاف ولا تجعله بالياء ، وإذا كان الكتاب من رجل فكل شيء أضفته إليه فاجعله بالياء ولا تجعله بالكاف والصواب فاجعله بالهاء ومعنى هذا الكلام أنه إذا كتب : هذا الكتاب من فلان بن فلان ، يكتب : إني قد بعتك ، وكذلك ما بعده كله بالكاف ، وإذا كتب : هذا الكتاب من رجل لابنه فلان بن فلان أنه باع منه فيذكر هذا ، وما بعده بالهاء .

وإذا اشترى رجل دارا بدين له على البائع كتب هذا كتاب لفلان بن فلان أنه كان لك على هذا كذا درهما ، وهو جميع ما كان لك علي وإني بعتك بذلك كله الدار التي في بني فلان ويجريه على الرسم حتى يقول : بجميع الدين الذي لك علي ، وهو كذا درهما ولا يكتب ، وقد قبضته منك ولكن يكتب ، وقد برئت إلي من الثمن كله ، ولم يستحسن بعض أهل الشروط هذا اللفظ أيضا وقالوا هذا إقرار بالقبض ، وفي الشراء بالدين يسقط الدين إذا تم الشراء إلا أن يصير المديون قابضا له ; لأنه لا يجوز أن يكون قابضا دين الغير من نفسه ولكنا نقول لا يجوز أن يكون قابضا دين الغير من نفسه للغير ولكن يجوز أن يكون قابضا لنفسه فيجعله قابضا الثمن لنفسه ولكن قبض حكمي لا حسي فيكتب : وقد برئت إلي من الثمن كله ولا يكتب ، وقد قبضته منك ; لأن ذلك عبارة عن القبض الحسي ثم يكتب ، وقد قبضت هذه الدار مني ، وقد برئت إليك منها وبرئت أنا مما كان لك علي من الدين وهذه زيادة لا يحتاج إليها ولكن من الألفاظ ما جرى الرسم بذكره للتأكيد فيذكر محمد رحمه الله بعض تلك الألفاظ كما هو عادة أهل الشروط ، فإن أراد الذي عليه الدين أن يكتب براءة من الدين كتب هذا كتاب من فلان أنه كان لي عليك كذا ، وهو جميع ما كان لي عليك وأنك بعتني به دار كذا وقبضتها منك وبرئت إلي منه فما ادعيت قبلك من دعوى في هذا الدين أو غيره بعد هذه البراءة فإني فيما ادعيت من ذلك مبطل وأنت مما ادعيت من ذلك كله بريء وهذه زيادة زيادات لا يحتاج إليها ، ولم يستحسن بعض أهل الشروط قوله أو [ ص: 187 ] غيره ; لأنه إن كان المراد غير هذا الدين مما كان واجبا له عليه فهو ما برئ من ذلك بهذا الشراء ، وإن كان المراد به غيره مما يجب له عليه بعد هذا الشراء فهو لا يبرأ من ذلك بهذا الشراء ، وإن كان المراد غيره مما ليس بواجب فهو مبطل في دعوى ذلك كتب هذا أو لم يكتب فلا فائدة في هذه الزيادة ولكن جرى الرسم بكتب هذه الزيادة لطمأنينة القلوب .
وإذا كان الشراء من وكيل كتب كتاب الوكالة وشهادة الشهود عليها على حدة وكتب كتاب الشراء من الوكيل باسمه مجردا وجعل تاريخه بعد تاريخ كتاب الوكالة فإن كتاب الوكالة حجة الوكيل من وجه وكتاب الشراء وثيقة للمشتري فينبغي أن يفصل أحدهما عن الآخر ، وإن كتب الكل في بياض واحد وبدأ بكتاب الوكالة ثم بكتاب الشراء فهو مستقيم أيضا ; لأن مقصودهما بذلك يحصل ، وإنما يجعل تاريخ كتاب الشراء بعد تاريخ كتاب الوكالة ; لأن صحة البيع تنبني على صحة الوكالة ، وإنما يكتب كتاب الشراء من الوكيل باسمه ; لأن الوكيل بالبيع بمنزلة البائع لنفسه فيما هو من حقوق العقد .

( ألا ترى ) أن عند لحوق العهدة إنما يخاصم المشتري الوكيل خاصة ولا حاجة إلى حضرة الموكل ، وكذلك إن كان وكيلا من قبل القاضي في بيع مال الميت أو كان وصيا لميت فهو بمنزلة ما تقدم ; لأن وكيل القاضي تلحقه العهدة وينزل منزلة العاقد لنفسه والوصي كذلك فإن القاضي نائب عن الميت في هذا التوكيل فيكون بمنزلة توكيل الميت إياه في حياته ، وفي هذه المواضع يكتب اشترى منه الدار التي في بني فلان ولا ينسب الدار إلى أحد ; لأن نسبتها إلى العاقد تكون كذبا في الحقيقة وإلى غيره لا يكون مستقيما ; لأنه لم يجز ذكر غيره في كتاب الشراء .

وإذا هلك صك الشراء فطلب المشتري من البائع أن يكتب له كتابا آخر فإنه ينبغي له أن يكتب كتاب الشراء كما وصفنا ويكتب في آخره وقد كنت كتبت لك هذه الدار شراء مني في صك فهلك ذلك وسألتني أن أشهد لك على شرائك هذه الدار مني فكتبت لك هذا الكتاب وأشهدت لك عليه الشهود المسمين في هذا الكتاب .
وإذا ضمن رجل للمشتري ما أدركه في الدار من درك ثم استحقت فعلى الضامن رد الثمن الذي أخذه البائع وليس عليه ضمان قيمة البناء ; لأنه سمى له في الضمان الدرك وقيمة البناء ليس بضمان في شيء ، فإن صرح به في الضمان كان له أن يطالبه به ، وإن ذكر الدرك خاصة لم يكن له أن يطالبه بضمان قيمة البناء ; لأن رجوع المشتري على البائع بقيمة البناء إنما يكون بسبب الغرور ، وضمان الغرور بمنزلة ضمان العيب والكفيل بالدرك لا يلحقه شيء بسبب العيب فكذلك لا يضمن قيمة البناء ولأن [ ص: 188 ] البائع إنما يضمن قيمة البناء باعتبار أن المشتري يملكه النقض إذا رجع عليه ، وهذا لا يوجد في حق الكفيل فإنه لا يملك شيئا من النقض فلا يكون عليه شيء من قيمة البناء ، وإن استحق من الدار سدسها للمشتري أن يرد ما بقي ; لأن التبعيض في الأملاك المجتمعة عيب ولكنه لا يرجع على الكفيل إلا بسدس الثمن ، وهو حصة ما استحق ; لأن لحوق الدرك كان في ذلك الجزء ، وإنما رد الباقي بسبب العيب ولو رد الكفيل بالعيب لم يرجع على الكفيل بشيء من الثمن ولو استحق الكل رجع على الكفيل بجميع الثمن ، فإذا استحق البعض ورد البعض يجب اعتبار كل جزء بجملته .
وإذا قال الرجل للرجل بعتك هذه الدار كل ذراع بدرهم على أنها ألف ذراع فهو جائز ; لأن ببيان جملة الذرعان يصير جملة الثمن معلوما ولأنه سمى بمقابلة كل ذراع درهما ، وإنما يذرع بذراع وسط ، وهو الذي يسمى الذراع المكسرة ; لأن الذراع الأطول ذراع الملك ولكن الناس ما اعتادوا الذرع به غالبا ومطلق التسمية في العقد تنصرف إلى المتعارف ، وهو الذراع الوسط ، فإن ذرعها ووجدها ألف ذراع فهي له بألف درهم ولا خيار له في ذلك ; لأنه وجد المعقود عليه كما شرط له ، وإن وجدها أقل أو أكثر فله الخيار : إن شاء أخذها كل ذراع بدرهم ، وإن شاء ترك ; لأنه إن وجدها أقل فقد وجدها أضيق مما شرط له في الدار ، والسعة في الدار مقصودة فبتغير ما هو المقصود يثبت الخيار للمشتري ، وإن وجدها أكثر فلأنه يلزمه زيادة في الثمن ، وهو لم يرض بالتزام هذه الزيادة فربما لا يجد من المال أكثر من ألف درهم فهو يرغب في شراء الدار بها ولا يرغب في شرائها بأكثر من ألف فلهذا يثبت له الخيار في الوجهين ، فإن اشتراها على أنها ألف ذراع بمائتي درهم فكانت ألفا أو أكثر فهي لازمة للمشتري ; لأنها لا تلزمه في الثمن زيادة باعتبار زيادة الذرع فإنه سمى الثمن جملة بمقابلة الدار والذرع فيها صفة وليس بمقدار ، وإنما يقابل الثمن العين دون الوصف فلا يزداد الثمن بزيادة الوصف بخلاف الأول فقد جعل الذراع هناك مقصودا حتى سمى بإزاء كل ذراع درهما ، وهذا ; لأن هناك إذا وجدها ألفي ذراع فلو جعلنا الثمن ألفا كان بإزاء كل ذراع نصف درهم ، وهو بخلاف ما نص عليه المتعاقدان ، وإن وجدها أقل من ألف ذراع فالمشتري بالخيار ; لأنه يقر عليه شرطه ، وإذا أخذها بجميع الثمن ; لأن الثمن هنا بمقابلة العين وبنقصان الذراع إنما يتمكن النقصان في الوصف ولا يسقط باعتباره شيء من الثمن .
وكذلك لو اشترى أرضا معلومة على أنها عشرون جريبا وعشرون نخلة بكذا درهما فزادت الأرض والنخل فهي للمشتري بما [ ص: 189 ] سمى ; لأن النخل صفة في الأرض بمنزلة البناء حتى أنها تدخل من غير الذكر وزيادة الصفة لا توجب زيادة في الثمن ولا تثبت الخيار للمشتري .

ثم بعد هذا ثلاث فصول أحدها أن يشتري براح أرض فيها نخل مطلقا أو يشتريها بدون النخل أو يشتري النخل الذي فيها دونها فأما إذا اشتراها مطلقا دخل في العقد ما فيها من النخل والأشجار المثمرة وغير المثمرة والطرفاء والحطب والقصب في ظاهر الرواية ، وإن لم يذكر الحقوق والمرافق وروى بشر عن أبي يوسف أن القصب لا يدخل في البيع إلا بذكر الحقوق ولا خلاف في قصب السكر والدريرة أنه لا يدخل في البيع بدون ذكر الحقوق ; لأن ذلك من جملة ريع الأرض بمنزلة الزرع ولهذا يجب فيه العشر وأبو يوسف ألحق القصب الفارسي بقصب السكر فإن كل واحد منهما يقطع إذا أدرك ، وفي ظاهر الرواية القصب الفارسي ليس من ريع الأرض ولهذا لا يجب فيه العشر فهو بمنزلة النخل والشجر يدخل في البيع من غير ذكر ، والثمار التي على رءوس الأشجار لا تدخل بدون ذكر الحقوق والمرافق إلا على قول ابن أبي ليلى وعند ذكر الحقوق والمرافق يدخل في قول أبي يوسف رحمه الله ، وفي ظاهر الرواية ، وهو قول محمد رحمه الله لا يدخل إلا بالتنصيص عليها أو بذكر كل قليل أو كثير هو فيها أو منها من غير أن يقول ومن حقوقها ، وقد بينا هذا فيما سبق .

والزرع الذي في الأرض لا يدخل في العقد بدون ذكر الحقوق ، وما عليه من الحمل لا يدخل إلا بذكر الحقوق ; لأن شجره لا يعد من زرع الأرض ولهذا لا يجب فيه العشر .

( ألا ترى ) أنه يوجد منه جملة من غير أن يقطع من أصله كما يؤخذ الثمر من الشجر والورد من الشجرة فكما أن شجر الورد والياسمين يدخل في بيع الأرض بدون ذكر الحقوق ولا يدخل ما عليه من الورد والياسمين فكذلك ما سبق .

وإن اشترى الأرض بدون النخل فالشراء صحيح ; لأن النخل في الأرض بمنزلة البناء فكما يجوز استثناء البناء في الأرض يجوز استثناء النخل ثم يكتب أنه اشترى البراح بكل حق هو له بمنزلة النخل التي فيه في موضع كذا ، وهو كذا نخلة فإنها لم تدخل فيما اشتراه بطريقها إلى باب البراح ، وإنما يستثنى الطريق لكي لا يتعطل على البائع الانتفاع بملكه الذي استثناه لنفسه ، وهو النخل فإن بذكر النخل يصير مستثنيا أصول النخل في الصحيح من الرواية ; لأنها إنما تكون نخلا إذا كانت ثابتة على أصولها فأما بدون ذلك جذوعا ولهذا لو رفع البائع تلك النخل كان له أن يغرس في منابتها نخيلا آخر أو يضع في ذلك الموضع أسطوانة أو ما أحب .
وإن [ ص: 190 ] اشترى النخل الذي في الأرض دون الأرض فهو جائز بمنزلة شراء البناء بدون الأرض ; لأن ما يجوز استثناؤه من الأرض يجوز إيراد العقد عليه مقصودا بمنزلة الجزء الشائع ، وما لا يجوز إيراد العقد عليه لا يجوز استثناؤه من العقد بمنزلة أطراف العبد ثم يكتب حدود البراح في كتاب الشراء وحدود الموضع الذي فيه النخل ويكتب أنه اشترى النخل بمواضعها من الأرض وطريقه في البراح ; لأنه إذا لم يذكر : بمواضعها من الأرض يتمكن فيه اختلاف الروايات ، وفي النوادر يذكر فيه اختلافا بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله في دخول مواضعها من الأرض على قولين أحدهما لا يدخل ; لأنه سمى في العقد النخل ، واسم النخل لا يتناول الأرض والنخل تبع للأرض والأصل لا يصير مذكورا بذكر التبع وعلى القول الآخر يدخل ; لأنه لا يسمى نخلا إلا وهو ثابت في الأرض فكان دخوله في الأرض من ضرورة ما سماه في العقد فلهذا يذكر مواضعها من الأرض حتى لا يتمكن فيه منازعة بينهما ، ولم يذكر هذا فيما إذا اشترى النخيل ولا فرق بينهما في الحقيقة بل الأحوط أن يذكر ذلك في الموضعين ويذكر طريق النخل في البراح ; لأنه إذا لم يذكر ذلك الطريق بدون ذكر الحقوق فلا يتمكن المشتري من الانتفاع بملكه ويذكر عدد النخلات هنا ; لأنها صارت مقصودة بالعقد فلا بد من بيانها على وجه لا يبقى بينهما منازعة ما بعد التسليم والتسليم لا يكون إلا بذكر عدد النخلات وربما يقلع البائع بعضها قبل التسليم أو يستحق بعضها فيسقط عن المشتري حصة ذلك من الثمن .
وإذا اشترى أرضا فيها عيون النفط والغاز فالعين تدخل في الشراء عندنا ، وما هو حاصل من النفط والغاز لا يدخل إلا بذكر ; لأن الحاصل فيه بمنزلة الريع للأرض وأما العين فهي جزء من الأرض فتدخل في العقد بدون ذكر ، وهذا بخلاف الماء الذي في البئر فإنه لا يدخل ذلك في شراء الأرض والدار ; لأن الماء قبل الإحراز لا يكون مملوكا لأحد فلا يتناوله البيع ذكر أو لم يذكر بخلاف النفط والغاز فإنه مال مملوك بمنزلة الملح في المملحة ، ومن العلماء من قال العين لا تدخل في بيع الأرض بدون الذكر ; لأن اسم الأرض يتناول الموضع الذي يمكن الانتفاع به بالزراعة أو السكنى والعين ليس من ذلك في شيء فلا تدخل في العقد بدون الذكر فللتحرز عن هذا الخلاف ذكر أنه يكتب اشترى منه الأرض التي يقال لها كذا والعيون التي فيها الغاز والنفط ، أحد حدود هذه الأرض التي فيها العيون اشترى منه هذه الأرض المحدودة في كتابنا هذا والعيون التي فيها النفط والغاز ، وما في العيون من النفط والغاز بحدودها كلها .

وإذا [ ص: 191 ] قال المشتري للشفيع : أنا أبيعكها بما اشتريتها به فقال : قد قبلت ذلك فأبى المشتري بعد ذلك أن يعطيه فلا شفعة له ; لأنه أظهر الرغبة في شراء مستقبل وذلك يتضمن إسقاط حقه في الشفعة ولا يتم البيع بينهما بما جرى من اللفظ ; لأن تمام البيع بلفظين هما عبارة عن الماضي وقول المشتري : أبعتها عبارة عن المستقبل فهو وعد لا إيجاب ، والمواعيد لا يتعلق بها اللزوم .
وإذا اقتسم القوم دارا فإنه ينبغي لهم أن يكتبوا للقسمة بينهم كتابا ; لأن في قسمة الدار معنى المعاوضة ، فكل واحد منهم يسلم لأصحابه بعض ملكه عوضا عما يأخذ منهم من أنصبائهم والقسمة تكون مستدامة بينهم فينبغي أن يكتب منهم الوثيقة ، وصفة ذلك : هذا ما اقتسم عليه فلان وفلان وفلانة بنو فلان اقتسموا الدار التي هي في بني فلان أحد حدودها والرابع اقتسموها على فرائض الله - تعالى - وكان ذرع جميع هذا الدار كذا ذراعا مكسرة ، وكان جميع الذي لفلان من هذه الدار بكل حق هو له كذا ذراعا مكسرة فأصابه ذلك عند القسمة في موضع كذا من هذه الدار وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله نرى أن يكتب ما أصابه ذلك في موضع كذا من هذه الدار أحد حدود الذي أصابه كذا والرابع ، وهذا قولهم جميعا فإن أبا حنيفة رحمه الله لا يخالفهما في تحديد الموضع الذي أصاب كل واحد منهم عند القسمة ; لأن كل واحد منهم عند المشتري في معنى المشتري لذلك الموضع فقبل هذه القسمة كان حقه شائعا في جميع الدار ، وقد تعين الآن في موضع منها فلا بد من تحديد الموضع الذي أصاب كل واحد منهم حتى يصير معلوما بذكر الحدود فيتم الكتاب وتنقطع المنازعة .
وإذا كان الحائط بين رجلين نصفين ولأحدهما عليه خشب كان للآخر أن يضع عليه من الخشب مثل ما وضع صاحبه ; لأنهما لما استويا في أصل الملك ينبغي أن يستويا في الانتفاع بالمملوك ، فالانتفاع بالحائط من حيث وضع الخشب فللشريك أن يضع عليه من الخشب مثل ما وضع صاحبه وليس له أن يرفع شيئا من خشب صاحبه ; لأن فيه ضررا بصاحبه من حيث هدم البناء عليه ، وإنما له حق الانتفاع بالملك المشترى ولا يكون له حق الإضرار بشريكه وقيل هذا إذا كان الحائط بحيث يحتمل مثل ذلك الخشب أن لو وضعه عليه .

فإن كان يعلم أنه لا يحتمل ذلك ، وهما متصادقان في أن أصل الحائط بينهما نصفان فحينئذ يكون له أن يأمر صاحبه برفع بعض الخشب حتى يضع عليه من الخشب مثل ما يبقى لصاحبه ما يحتمله الحائط ، وهذا لأنه إن وضع الزيادة بغير إذن الشريك فهو غاصب ، وإن وضعها عليه بإذنه فالشريك معير نصيبه من الحائط منه وللمعير أن يسترد العارية [ ص: 192 ] وإن أراد أحدهما أن يزيد عليه خشبة واحدة على صاحبه أو بفتح كوة أو يتخذ عليه سترة أو يفتح فيه بابا لم يكن له ذلك إلا بإذن صاحبه ; لأنه تصرف في الملك المشترك وأحد الشريكين لا ينفرد بالتصرف في الملك المشترى ، وإنما ينفرد بالتصرف في نصيبه خاصة ، وهذه التصرفات لم تكن في نصيبه خاصة ، ولأن في هذا التصرف ضررا من حيث توهين البناء أو زيادة الحمل عليه وليس لأحد الشريكين ولاية إلحاق الضرر بشريكه ; فلهذا كان ممنوعا من هذه التصرفات إلا بإذن شريكه .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 369.79 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 363.94 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (1.58%)]