|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الرابع والعشرون صـــ102 الى صـــ 111 (493) ولو أكره بوعيد تلف حتى يحصل عتق عبده في يد هذا الرجل ، أو طلاق امرأته ، ولم يدخل بها ، ففعله ، فطلق ذلك الرجل المرأة ، أو أعتق العبد ، وقع الطلاق ، والعتاق ; لأن الإكراه لا يمنع صحة الإعتاق ، والطلاق ، فكذلك لا يمنع صحة التسليم بها عليه ، وصحة تمليكه من غيره تجعله في يده . ( ألا ترى ) أن الإكراه في هذا كشرط الخيار ، وشرط الخيار كما لا يؤثر في الإعتاق لا يؤثر في تفويض العتق إلى الغير ، ثم القياس فيه أن لا يغرم المكره شيئا ; لأنه ما أكرهه على السبب المتلف ، فإن السبب قول المجعول إليه للعبد أنت حر ، وللمرأة أنت طالق إلا أنه يشترط لحصول التلف بهذا تقدم التفويض من المالك ، فالمكره على ذلك التفويض بمنزلة المكره على شرط العتق ، والدليل عليه ، فصل الشهادة ، فإن شاهدين لو شهدا على رجل أنه جعل أمر عبده في العتق في يد فلان ، أو أمر امرأته في الطلاق ، ثم أعتق فلان العبد ، وطلق المرأة ، ثم رجعا عن شهادتهما لم يضمنا شيئا ، فلما جعل التفويض بمنزلة الشرط في حكم الشهادة ، فكذلك في حكم الإكراه ، ولكنه استحسن ، فقال على المكره ضمان قيمة العبد ، ونصف المهر الذي غرم لامرأته ; لأن هذا إكراه على الأمر بالعتق بعينه ، أو بالطلاق بعينه ، فيصير به متلفا عند وجود الإيقاع من المفوض إليه . ( ألا ترى ) أنه لو أكرهه على أن يجعل ذلك في يد المكره ، ففعل ذلك ، وأوقعه كان ضامنا ، ولا يكون ضامنا بإيقاعه إنما يكون ضامنا بإكراهه على جعل ذلك في يده ، والأخذ بالقياس في هذا الفصل قبيح ; لأنه لو أكرهه على إعتاقه كان المكره متلفا ، فإذا أكرهه على جعل العتق في يد المكره ، فأعتقه المكره كان أولى أن يكون متلفا ، والفرق بين الإكراه ، والشهادة من حيث إن المكره مضار متعنت ، فيتعدى الإكراه إلى ما يتحقق فيه الضرر ، والشاهد محتسب في أداء الأمانة ، فلا تتعدى شهادته عما شهد به إلى غيره . ( ألا ترى ) أن الإكراه على الهبة يجعل إكراها على التسليم ; لأن الضرر به يتحقق ، والشهادة على الهبة لا تكون شهادة على التسليم : يوضحه أن الشاهد مخبر عن تفويض قد كان منه ، والإيقاع من المفوض إليه ليس من جنس الخبر بل هو إنشاء ، فلا يصح أن يكون متمما لما ثبت بإخبار الشاهد ، فأما المكره ، فإنما ألجأه إلى إنشاء التفويض ، فيمكن جعل [ ص: 103 ] إيقاع المفوض إليه متمما لما أكرهه المكره عليه حتى يصير هو متلفا . وفي الكتاب استشهد لإيضاح هذا الفرق ، فقال . ( ألا ترى ) أن شهود الإحصان إذا رجعوا بعد الرجم ، وقالوا شهدنا بالباطل ، ونحن نعلم أنه باطل لم يكن عليهما غرم ، ولو لم يشهدوا بالإحصان ، وقال القاضي علمت أنه غير محصن ، وأنه لا رجم ، ولكني أرجمه ، وأكره الناس حتى رجموه كان ضامنا ، وبهذا تبين الفرق بين الشهادة ، والإكراه ، ثم في هذه المسألة على قول أبي حنيفة رحمه الله الإشكال أن القاضي يضمن الدية ; لأنه لا يرى القود في القتل رجما على من باشره ، فكذلك على من أكره عليه ، وكذلك عند أبي يوسف رحمه الله ; لأنه لا يرى القود على المكره إذا أكره على القتل بالسيف ، فبالحجارة أولى ، فإن عند محمد رحمه الله في القياس يجب القصاص على القاضي ; لأنه يوجب القود على المكره ، والقتل بالحجر عنده كالقتل بالسيف في حكم القصاص ، وهذا قتل بغير حق ، فكان موجبا للقصاص عليه ، ولكنه استحسن ، فجعل عليه الدية في ماله للشبهة التي دخلت من حيث إن السبب المبيح لدمه موجود ، وهو الزنا ، فإن عند ظهور إحصانه إنما يرجم لزناه لا لإحصانه ، فيصير هذا السبب شبهة في إسقاط القود عن القاضي ، ولأن بعض الرجم قائم مقام إقامة الحد المستحق عليه . ( ألا ترى ) أنه بعد ما رجمه القاضي بعض الرجم لو بدا له في ذلك لم يكن له أن يقيم عليه الحد ، فيصير ذلك شبهة في إسقاط القود عن القاضي ، وتلزمه الدية في ماله ; لأن المال ثبت مع الشبهات . ولو أكره على أن يجعل كل مملوك يملكه فيما يستقبل حرا ففعل ، ثم ملك مملوكا بوجه من الوجوه عتق ، ولا ضمان على المكره فيه ; لأن العتق إنما حصل باعتبار صنع من جهته ، وهو مختار فيه ، وهو قبول الشراء ، والهبة ، أو الصدقة أو الوصية ، وذلك منه دليل الرضا بالعتق ، فيكون مانعا من وجوب الضمان على المكره ، وإن ، ورث مملوكا ، فالقياس فيه أن لا يضمن المكره شيئا ; لأنه أكرهه على اليمين ، واليمين تصرف لا يحصل الإتلاف به . ( ألا ترى ) أن العتق لا يحصل إلا بعد انحلال اليمين بوجود الشرط ، فلم يكن الإكراه على اليمين ، أو تعلق العتق بالملك إكراها على ما يحصل به التلف بعينه ، ولكنه استحسن ، فقال : المكره ضامن قيمة المملوك الذي ورثه ; لأن الميراث يدخل في ملكه شاء أو أبى بغير اختيار ، ولا يرتد برده ، وعند وجود الشرط إنما ينزل العتق بتكلمه بكلام العتق ، وقد كان مكرها على ذلك ، فإذا لم يوجد منه ما يدل على الرضا بعد ذلك كان المكره ضامنا . ( ألا ترى ) أنه لو أكرهه على أن يقول : كل مملوك أرثه ، فهو حر فقال ذلك ، ثم ، ورث مملوكا يعتق ، ويصح أن يقال : لا يضمن المكره هنا ; لأن بذلك الإكراه قصد [ ص: 104 ] إتلاف هذا الملك عليه ، ولا بد من إيجاب الضمان عليه ، فكذلك فيما سبق ، ولو أكرهه في هذا كله بحبس لم يضمن المكره شيئا ; لأن الإتلاف لا يصير منسوبا إلى المكره بهذا النوع من الإكراه . . ولو أكرهه على أن قال لعبده : إن شئت ، فأنت حر ، فشاء العبد عتق ، وغرم المكره قيمته ; لأنه عند مشيئته عتق بقوله : أنت حر ، وقد كان مكرها على ذلك القول ، ولم يوجد منه بعد ذلك ما يدل على الرضا به ، وكذلك لو أكرهه على أن قال له : إن دخلت الدار فأنت حر ، ثم دخلها العبد ; لأنه لم يوجد من المولى ما يدل على الرضا بذلك العتق ، فإن قيل : لا كذلك ، فقد كان يمكنه أن يخرج العبد من ملكه قبل أن يدخل الدار ، وإن شاء العتق يبيعه من غيره ، فإذا لم يفعل صار باستدامة الملك فيه راضيا بذلك العتق قلنا لا كذلك ، فالبيع لا يتم به ، وحده إنما يتم به ، وبالمشتري ، وربما لا يجد في تلك الساعة مشتريا يشتريه منه ، فلا يصير هو بهذا الطريق راضيا . ولو كان أكرهه على أن قال لعبده : إن صليت فأنت حر ، أو إن أكلت ، أو شربت ، فأنت حر ، ثم صنع ذلك ، فإن العبد يعتق ، ويغرم المكره قيمته ، وكذلك كل ، فريضة لا يجد المكره بدا من أن يفعل ذلك ; لأنه بمباشرة ذلك الفعل لا يصير راضيا بالعتق ، فإنه يخاف التلف بالامتناع من الأكل ، والشرب ، ويخاف العقوبة بترك الفريضة ، فيكون هو مضطرا في الإتيان بذلك الفعل ، والمضطر لا يكون راضيا ، وهو نظير المريض إذا قال لامرأته : إن أكلت ، أو صليت الظهر ، فأنت طالق ثلاثا ، ففعلت ذلك كان الزوج ، فارا بهذا المعنى ، ولو قال له فلان : إن تقاضيت ديني الذي على فلان ، أو أكلت طعام كذا لطعام خاص بعينه ، أو دخلت دار فلان ، فأنت حر ، ففعل ذلك ، ثم فعل الذي حلف عليه عتق العبد ، ولم يغرم المكره شيئا ; لأنه كان يجد من ذلك الفعل بدا ، فبالإقدام عليه يصير راضيا بالعتق ، ويخرج الإتلاف به من أن يكون منسوبا إلى المكره ، وقد قال في الطلاق إذا قال المريض لامرأته : إن تقاضيت دينك الذي على فلان ، فأنت طالق ثلاثا ، ففعلت ذلك يصير الزوج فارا . والفرق بين الفصلين أن المعتبر هنا انعدام الرضا من المرأة بالفرقة ليصير الزوج ، فارا لا الإلجاء . ( ألا ترى ) أنه لو أكرهها بالحبس حتى سألته الطلاق كان الزوج ، فارا ; لأن الرضا ينعدم بالإكراه بالحبس ، فكذلك الرضا ينعدم منها إذا كانت تخاف هلاك دينها على فلان بترك التقاضي ، فأما في هذا الموضع ، فالمعتبر هو الإلجاء ، والضرورة لإيجاب الضمان على المكره لا انعدام الرضا من المكره . ( ألا ترى ) أنه لو أكره بحبس ، أو قيد على أن يعتق عبده لم يضمن المكره شيئا ، وإنما يتحقق الإلجاء عند خوف التلف على نفسه ، أو خوف العقوبة [ ص: 105 ] بترك الفريضة ، فأما خوفه على الدين الذي له على فلان ، فلا يوجب الضرورة ، والإلجاء ، فلهذا لا يضمن المكره شيئا . . ولو أن رجلا قتل عبده قتلا خطأ ، فاختصموا فيه إلى القاضي ، فأكره القاضي المولى على عتق عبده بوعيد تلف ، فأعتقه ، وهو عالم بالجناية ، فلا ضمان على المولى ; لأنه بالإلجاء خرج من أن يكون مختارا للدية ، أو مستهلكا للعبد ، وإنما الضمان على الذي أكرهه ; لأن تلف العبد منسوب إليه ، فيغرم قيمته ، فيأخذها المولى منه ; لأنه بدل ملكه ، ثم يدفعها إلى ولي الجناية ; لأن الرقبة كانت مستحقة لولي الجناية ، وقد فاتت ، وأخلفت بدلا ، ولو كان الإكراه بحبس ، أو قيد لم يضمن المكره شيئا ; لأن التلف لا يصير منسوبا إلى المكره بهذا التهديد ، ويغرم المولى قيمة العبد لأصحاب الجناية ، ولا يلزمه أكثر منها ; لأنه بالإكراه بالحبس ينعدم الرضا ، فيخرج به من أن يكون مختارا للفداء ملتزما للدية ، ولكنه يكون مستهلكا - للرقبة ، فيغرم قيمته بمنزلة ما لو أعتقه ، وهو لا يعلم بالجناية . . ولو كان المولى أكره بوعيد تلف حتى قتل عبده عمدا كان للمولى أن يقتل الذي أكرهه ; لأن القتل صار منسوبا إلى المكره ، فصار المكره آلة له بالإلجاء ، فيجب القصاص عليه ، ويكون استيفاء القصاص إلى المولى ; لأنه عوض عن العبد ، وهو ملكه ، فباعتبار الملك يخلفه في عوض نفسه خلافة الوارث المورث ، ويبطل حق أصحاب الجناية لفوات محل حقهم ، فالقصاص الواجب غير صالح لإيفاء حقهم منه ، وإن كان إكراهه بحبس ، أو قيد ، فلا شيء على المكره ، وعلى المولى قيمته لأصحاب الجناية ; لأنه مستهلك للعبد ، فإنه لم يصر ملجأ بالإكراه بالحبس ، فكان الفعل مقصورا عليه ، ولكنه لم يصر مختارا للفداء لانعدام الرضا منه بالتزام الدية لأجل الإكراه بالحبس ، فيلزمه قيمته للاستهلاك كما لو قتله ، وهو لا يعلم بالجناية ، والله أعلم بالصواب . ( قال رحمه الله ) ولو أكره بوعيد تلف حتى جعل على نفسه صدقة لله ، أو صوما ، أو حجا ، أو عمرة ، أو غزوة في سبيل الله ، أو بدنة ، أو شيئا يتقرب به إلى الله تعالى لزمه ذلك ، وكذلك لو أكرهه على اليمين بشيء من ذلك ، أو بغيره من الطاعات ، أو المعاصي ، والأصل فيه حديث { حذيفة رضي الله عنه أن المشركين لما أخذوه ، واستحلفوه على أن لا ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حلف مكرها ، ثم أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام [ ص: 106 ] أوف لهم بعهدهم ، ونحن نستعين بالله عليهم } ، وقد بينا أن اليمين بمنزلة الطلاق ، والعتاق في أن الهزل ، والجد فيه سواء ، وهذا ; لأن فيه منع نفسه عن شيء ، وإيجاب شيء على نفسه لحق الله تعالى ، فيكون في معنى الطلاق ، والعتاق الذي يتضمن تحريم الفرج حقا لله تعالى ، فيستوي فيه الكره ، والطوع ، والنذر بمنزلة اليمين في هذا المعنى ، وقال عليه الصلاة والسلام { النذر يمين } ، ولا ضمان على المكره في شيء من ذلك ; لأن التزامه لا يصير منسوبا إلى المكره ، وإنما ينسب إليه التلف الحاصل به ، ولا يتلف عليه شيء بهذا الالتزام ، ثم المكره إنما ألزمه شيئا يؤثر الوفاء به فيما بينه ، وبين ربه من غير أن يجبر عليه في الحكم ، فلو ضمن له شيئا كان يجبر على إيفاء ما ضمن في الحكم ، فيؤدي إلى أن يلزمه أكثر مما يلزم المكره ، وهذا لا يجوز . ولو كان أكرهه على أن يظاهر من امرأته كان مظاهرا ; لأن الظهار من أسباب التحريم ، ثم يستوي فيه الجد ، والهزل ، وقد كان طلاقا في الجاهلية ، فأوجب الشرع به حرمة موقتة بالكفارة ، فكما أن الإكراه لا يؤثر في الطلاق ، فكذلك في الظهار . فإن أكرهه على أن يكفر ، ففعل لم يرجع بذلك على الذي أكرهه ; لأنه أمره بالخروج عن حق لزمه ، وذلك منه حسنة لا إتلاف شيء عليه بغير حق . وإن أكرهه على عتق عبد بعينه عن ظهار ، ففعل عتق ، وعلى المكره قيمته ; لأنه صار متلفا عليه مالية العبد بإكراهه على إبطاله ، ولو لم يكن عتق هذا العبد بعينه مستحق عليه بل المستحق كان ، واجبا في ذمته يؤمر بالخروج عنه فيما بينه ، وبين ربه ، وذلك في حكم العين كالمعدوم ، فلهذا ضمن المكره قيمته بخلاف الأول ; لأن هناك أمره بالخروج عما في ذمته من غير أن يقصد إبطال ملكه في شيء من أعيان ماله ، ثم لا يجزيه عن الكفارة هنا ; لأنه في معنى عتق بعوض ، ولو استحق العوض على العبد بالشرط لم يجز عن الكفارة ، فكذلك إذا استحق العوض على المكره ، فإن قال : أنا أبرئه من القيمة حتى يجزيني من الكفارة لم يجز ذلك ; لأن العتق نقد غير مجزئ عن الكفارة ، والموجود بعده إبراء عن الدين ، وبالإبراء لا تتأدى الكفارة ، وإن قال : أعتقته حين أكرهني ، وأردت به كفارة الظهار ، ولم أعتقه لإكراهه أجزأه عن كفارة الظهار ، ولم يكن له على المكره شيء ; لأنه أقر أنه كان طائعا في تصرفه قاصدا إلى إسقاط الواجب عن ذمته ، وإقراره حجة عليه ، وإن قال أردت العتق عن الظهار كما أمرني ، ولم يخطر ببالي غير ذلك لم يجزه عن كفارة الظهار ، وله على المكره القيمة ; لأنه أجاب المكره إلى ما أكرهه عليه ، وهو العتق عن الظهار ، فلا يخرج به من أن يكون مكرها ، فإذا كان مكرها كان التلف [ ص: 107 ] منسوبا إلى المكره بخلاف الأول ، فإن هناك لو أقر أنه لم يعتقه لإكراهه بل لاختياره إسقاط الواجب عن ذمته به طوعا ، وإن كان أكرهه بحبس ، أو قيد ، فلا ضمان على المكره لانعدام الإلجاء ، وجاز عن كفارته ; لأن العتق حصل بغير عوض ، واقترنت به نية الظهار . ولو أكرهه بوعيد تلف حتى آلى من امرأته ، فهو مول ; لأن الإيلاء طلاق مؤجل ، أو هو يمين في الحال ، والإكراه لا يمنع كل واحد منهما ، فإن تركها أربعة أشهر ، فبانت منه ، ولم يكن دخل بها وجب عليه نصف المهر ، ولم يرجع به على الذي أكرهه ; لأنه كان متمكنا من أن يقربها في المدة ، فإذا لم يفعل ، فهو كالراضي بما لزمه من نصف الصداق ، وإن قربها كانت عليه الكفارة ، ولم يرجع على المكره بشيء ; لأنه ما جرى على سنن إكراهه ، فإنه بالإكراه منعه من القربان ، وقد أتى بضده ; ولأنه لزمه كفارة يعني بها ، فلا يرجع عليه بضمان يحبس به . . ولو أكرهه على أن قال إن قربتها ، فهي طالق ثلاثا ، ولم يدخل بها ، فقربها ، فطلقت ، ولزمه مهرها لم يرجع على المكره بشيء ; لأنه خالف ما أكرهه عليه ، ولأن المهر لزمه بالدخول ، فإنما أتلف عليه بإكراهه ملك النكاح ، وذلك ليس بمتقوم ، فلا يضمن المكره له قيمته ، وإن لم يقربها حتى بانت بمضي أربعة أشهر فعليه نصف الصداق ، ولم يرجع به على الذي أكرهه ; لأنه كان يقدر على أن يجامعها ، فيجب المهر بجماعه إياها لا بما ألجأه إليه المكره ، وأكثر ما فيه أنه بمنزلة الإكراه على الجماع ، وذلك لا يوجب الضمان على المكره ، وكذلك لو أكرهه على أن يقول إن قربتها ، فعبدي هذا حر ، فإن قربها عتق عبده ، ولا ضمان على المكره ; لأنه ما جرى على سنن إكراهه ، وإن تركها ، فبانت بالإيلاء قبل الدخول غرم نصف الصداق ، ولا يرجع على المكره بشيء ; لأنه كان يقدر على أن يبيع عبده في الأربعة الأشهر ، ثم يقربها فيسقط الإيلاء ، ولا يلزمه شيء ، فإن قبل البيع لا يتم به وحده ، وإنما يتم به ، وبالمشتري ، وقد بينا قبل هذا أن تمكنه من البيع غير معتبر في إزالة معنى الإكراه قلنا هناك كان الوقت ضيقا ; لأن العبد يعتق بدخول الدار ، وبمشيئة العتق ، ولا يتفق وجود مشتر في ذلك القدر من المدة ، وهنا الوقت أربعة أشهر ، والظاهر أنه في هذه المدة يجد مشتريا يرغب في شراء العبد منه ، وإن كان مدبرا لا يقدر على بيعه ، وإن كانت جارية هي أم ولد ، فإن قرب المرأة عتق هذا ، ولا ضمان على الذي أكرهه ; لأنه خالف ما أكرهه عليه ، وإن تركها حتى بانت بالإيلاء ، وقد دخل بها لم يرجع على الذي أكرهه أيضا بشيء ; لأنه أتلف عليه النكاح . وإن لم يكن دخل بها لزمه نصف المهر ، وفي القياس لا يرجع على [ ص: 108 ] المكره بشيء ; لأنه كان متمكنا من قربانها في المدة ليسقط به الإيلاء ، فإذا لم يفعل كان في معنى ما لزمه من نصف المهر ، وفي الاستحسان يرجع على المكره بالأقل من نصف الصداق ، ومن قيمة الذي استحلفه على عتقه ; لأنه ملجأ في التزام الأقل ، فإنه إما أن يدخل بها ، فيبطل ملكه عن المدبر ، أو لا يدخل بها ، فيلزمه نصف المهر بوقوع الطلاق قبل الدخول ، فكان ملجأ مضطرا في أقلهما ، والمكره هو الذي ألجأه إلى ذلك ، فلهذا رجع عليه بالأقل . ، وجمع في السؤال بين المدبر ، وأم الولد ، وقيل في أم الولد : الجواب قولهما ، فأما عند تحقيقه ، فلا يرجع بشيء ; لأن رق أم الولد عنده فليس بمال متقوم ، وإنما له عليها ملك المتعة بمنزلة ملك النكاح ، وذلك لا يكون مضمونا على المكره بالإتلاف . . ولو أكرهه على أن قال إن قربتها ، فمالي صدقة في المساكين ، فتركها أربعة أشهر ، فبانت ، ولم يدخل بها ، أو قربها في الأربعة الأشهر ، فلزمته الصدقة لم يرجع على المكره بشيء ; لأنه إن قربها ، فقد خالف ما أمره به المكره ، وإن لم يقربها ، فقد كان هو متمكنا من أن يقربها في المدة ، ويلزمه بالقربان صدقة فيما بينه ، وبين ربه من غير أن يجبره السلطان عليها ، ولهذا لا يرجع على المكره بشيء ، وهو في المعنى نظير ما لو أكرهه على النذر بصدقة ماله في المساكين ، والله أعلم . ( قال رحمه الله ) وإن غلب قوم من الخوارج المتأولين على أرض ، وجرى فيها حكمهم ، ثم أكرهوا رجلا على شيء مما ، وصفنا في إكراه اللصوص ، أو إكراه قوم من المشركين رجلا على شيء مما ذكرنا في إكراه اللصوص ، فهذا في حق المكره فيما يسعه الإقدام عليها ، أو لا يسعه بمنزلة إكراه اللصوص ; لأن الإلجاء تحقق بخوف التلف على نفسه ، وذلك عند قدرة المكره على إيقاع ما هدده به سواء كان من اللصوص ، أو من المشركين ، أو من الخوارج ، فأما ما يضمن فيه اللصوص أويلزمهم به القود في جميع ما ذكرنا ، فإنه لا يجب شيء من ذلك على أهل الحرب ، ولا على الخوارج المتأولين كما لو باشروا الإتلاف بأيديهم ، وهذا ; لأن أهل الحرب غير ملتزمين لأحكام الإسلام ، وإذا انضمت المنعة بالتأويل في حق الخوارج كانوا بمنزلة أهل الحرب في سقوط الضمان عنهم فيما أتلفوا من الدماء ، والأموال للحديث الذي جاء أن الفتنة وقعت ، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا متوافرين ، واتفقوا أنه لا قود في دم استحل بتأويل القرآن ، ولا حد في ، فرج استحل بتأويل القرآن ، ولا ضمان في مال استحل [ ص: 109 ] بتأويل القرآن إلا أن يوجد شيء بعينه ، فيرد إلى أهله ، وقد تقدم بيان هذا في السير . . ولو أن المتأولين الشاهدين علينا بالشرك المستحلين لمالنا اقتسموه ، وأخذوا جوار من جوارينا ، فاقتسموهن فيما بينهم كما تقسم الغنيمة ، واستولدوهن ، ثم تابوا أو ظهر عليهم ردت الجواري إلى مواليهن ; لأنهم لم يتملكوهن إما لانعدام تمام الإحراز ، فتمامه بالإحراز بدار تخالف دار المستولى عليه ، أو لبقاء إحراز الملاك لبقاء الجواري في دار الإسلام ، ولا حد على الواطئ منهن ، ولا عقر ; لأن المستوفى بالوطء في حكم جزء هو عين ، وإتلاف الجزء معتبر بإتلاف الكل ، والأولاد أحرار بعين القيمة ; لأن الواطئ بمنزلة المغرور باعتبار تأويله ، والتأويل الفاسد عند انضمام المنعة بمنزلة التأويل الصحيح ، وولد المغرور حر ثابت النسب من المغرور إلا أن في غير هذا الموضع المغرور يضمن قيمة الأولاد ; لأنه منع حدوث الرق فيهم ، فنزل ذلك منزلة الإتلاف ، وهنا هو لا يضمن الولد بالإتلاف لصاحب الجارية فكذلك لا يغرم قيمته بسبب الغرور ، وكذلك أهل الحرب فيما أخذوا من المسلمين من مدبرة ، أو أم ولد ، أو مكاتبة فولدت لهم ، ثم أسلموا إن هؤلاء لا يملكون بالإحراز ، فيكون حال المشركين فيهم كحال الخوارج في الجواري على ما بيناه ، والله أعلم . . ( قال رحمه الله ) ولو أكره الرجل على أن يهب نصف داره غير مقسوم ، أو لم يسم له مقسوما ، ولا غيره ، وأكره على التسليم ، فوهب الدار كلها ، وسلمها ، فهو جائز ; لأنه أتى بغير ما أكره عليه ، فالجميع غير النصف ، وهبة نصف الدار غير مقسوم هبة فاسدة ، وهو قد أتى بهبة صحيحة عرفنا أن ما أتى به غير ما أكره عليه ، فكان طائعا فيه ، وكذلك لو أمر بهبة الدار ، فتصدق بها عليه ، أو بصدقتها عليه ، فوهبها له ، وهو ذو رحم محرم منه ، أو أجنبي ; لأن الهبة غير الصدقة ، فالهبة تمليك المال من الموهوب له ، والمقصود به العوض ، والصدقة جعل المتصدق به لله تعالى خالصا ، ثم الصرف إلى الفقراء لتكون كفاية من الله تعالى ، والدليل عليه أن صرف الصدقة الواجبة إلى بني هاشم لا تجوز ، والهبة لهم حسن ، وأنه لا رجوع في الصدقة ، وحق الرجوع ثابت للواهب ، وفي الهبة من ذي الرحم المحرم إنما لا يرجع لصيانة الرحم عن القطيعة ، أو لحصول المقصود بالهبة ، وهو صلة الرحم ; لأنه بمنزلة الصدقة إذا ثبت أن ما أتى به غير [ ص: 110 ] ما أكره عليه حقيقة ، وحكما كان طائعا فيه . ولو أمره بالهبة ، فنحلها ، أو أعمرها كان باطلا ; لأن النحلة ، والعمرى هبة ، فهذه ألفاظ مختلفة ، والمقصود بالكل واحد ، وفي الإكراه يعتبر المقصود دل على الفرق أن اختلاف الشاهدين في لفظة الهبة ، والنحلة ، والعمرى لا يمنع قبول الشهادة ، واختلافهما في الهبة ، والصدقة يمنع قبول الشهادة سواء كان الموهوب له ذا رحم محرم ، أو أجنبيا . ولو أكره على الهبة ، والدفع ، فوهب على عوض ، وتقابضا كان جائزا ; لأنه أتى بغير ما أمره به ، فالهبة بشرط العوض بعد التقابض بيع ، فكأنه أكرهه على الهبة فباع ، ولأن مقصود المكره الإضرار بإتلاف ملكه بغير عوض ، ولم يحصل ذلك إذا وهبه على عوض ، وقد يكون المرء ممتنعا من الهبة بغير عوض ، ولا يمتنع من الهبة بعوض ، ولو أكرهه على أن يهبه على عوض ، ويدفعه ، فباعه بذلك ، وتقابضا كان باطلا ، وكذلك لو أكرهه على البيع ، والتقابض فوهبه على عوض ، وتقابضا كان بعد التقابض ، والهبة بشرط العوض بمنزلة البيع حتى يثبت فيه جميع أحكام البيع فيكون هو مجيبا إلى ما طلب المكره في المعنى ، وإن خالفه في اللفظ ، ولأن قصد المكره الإضرار به ، وذلك لا يختلف باختلاف لفظ البيع ، والهبة بشرط العوض . ولو أكره على أن يهبه ، ويدفعه ، ففعل ، فعوضه الآخر من الهبة بغير إكراه ، فقبله كان هذا إجازة منه بهبته حين رضي بالعوض ; لأن العوض إما يكون عن هبة صحيحة فرضاه بالعوض يكون دليل الرضا منه بصحة الهبة ، ودليل الرضا كصريح الرضا ، فإن سلم له العوض ، فإن قبضه بتسليم العوض ، فهو جائز ، ولا رجوع لواحد منهما على صاحبه كما لو كانت الهبة بغير كره ، فعوضه ، وكما في الهبة بشرط العوض ، وإن أبى أن يسلم العوض ، وقال : قد سلمت الهبة حين رضيت بالعوض ، فلا أدفع إليك العوض ، ولا سبيل لك على الهبة لم يكن له ذلك ; لأن الرضا كان في ضمن العوض ، وإنما يكون راضيا بشرط سلامة العوض له ، وإذا لم يسلم له كان له أن يرجع في الهبة كما لو ، وهبه بشرط العوض . ( ألا ترى ) أنه لو قال : قد سلمته على أن يعوضني كذا ، فأبى لم يكن هذا تسليما منه للهبة . ( ألا ترى ) أن رجلا لو وهب جارية رجل بغير أمره لرجل ، وقبضها الموهوب له فقال له رب الجارية : عوضني منها ، فعوضه عوضا ، وقبضه كان هذا إجازة منه للهبة ، وإن أبى أن يعوضه لم يكن هذا إجازة منه للهبة ، فكذلك ما سبق ، وكذلك لو أجبره على بيع عبده بألف درهم ، وعلى دفعه ، وقبض الثمن ، ففعل ذلك ، ثم قال للمشتري : زدني في الثمن ألف درهم لم يكن هذا إجازة للبيع الأول إلا أن يزيده ، فإن زاده جاز البيع ، وإن لم يزده ، فله أن يبطله ، وكذلك لو قال قد أجزت ذلك البيع على أن تزيدني [ ص: 111 ] ألف درهم ، والمعنى في الكل واحد ، وهو إنما رضي بشرط أن يسلم له العوض ، والزيادة ، فإذا لم يسلم لم يكن راضيا به . ولو أكرهه بوعيد تلف ، أو حبس على أن يبيع عبده من هذا بألف درهم ، ولم يأمره بالدفع ، فباعه ، ودفعه لم يكن على الذي أكرهه شيء ، وينبغي أن يجوز البيع إذا كان هو الدافع بغير إكراه بمنزلة ما لو دفعه بعد ما افترقا من موضع الإكراه ، وقد بينا فيما تقدم أن الإكراه على البيع لا يكون إكراها على التسليم بخلاف الهبة . ( ألا ترى ) لو أن لصا قال له : لأقتلنك ، أو لتبيعنه عبدك هذا ، فإني قد حلفت لتبيعنه إياه ، فباعه خرج المكره من يمينه ، وهذا إشارة إلى الجواب عن إشكال يقال : في هذه المسألة أن قصد المكره الإضرار ، وذلك إنما يكون تمامه بالإخراج من يده ; لأن زوال الملك في بيع المكره لا يكون إلا به كما في الهبة ، فتبين أنه يكون للمكره مقصود في نفس البيع ، ولكن هذا الذي أشار إليه يتأتى في الهبة أيضا ، والمعتمد هو الفرق الذي تقدم بيانه . ولو أكرهه بوعيد تلف على أن يهبه له ، فوهبه ، ودفعه ، فقال قد وهبته لك ، فخذه ، فأخذه الموهوب له ، فهلك عنده كان للمكره إن شاء ضمن المكره القيمة ; لأن إكراهه على الهبة إكراه على التسليم ، وإن شاء ضمن القابض ; لأن قبضه على سبيل التملك لنفسه بغير رضاه . ( ألا ترى ) أن رجلا لو أمر رجلا أن يهب جاريته هذه لفلان ، فأخذها المأمور ، فوهبها ، ودفعها إلى الموهوب له جاز ذلك ، فلما جعل التوكيل بالهبة توكيلا بالتسليم كان المقصود بالهبة لا يحصل إلا بالتسليم ، فكذلك الإكراه على الهبة يكون إكراها على التسليم ، ثم بين في الأصل ما يوضح هذا الفرق ، وهو أن إيجاب الهبة للموهوب له يكون إذنا في القبض إذا كان بمحضر منهما ، وإيجاب البيع لا يكون إذنا في القبض ، وإن كان المبيع حاضرا حتى لو قبضه بغير أمر البائع كان للبائع أن يأخذه منه حتى يعطيه الثمن ، والبيع الفاسد بمنزلة الهبة في هذا الحكم ، وكان الطحطاوي رحمه الله يقول في البيع الصحيح أيضا : للمشتري أن يقبضه بمحضر منهما ما لم ينهه البائع عن ذلك ، وقال إيجاب البيع الصحيح أقوى من إيجاب البيع الفاسد . ولكن ما ذكره محمد في الكتاب أصح ; لأن القبض في البيع الفاسد ، والهبة نظير القبول في البيع الصحيح من حيث إن الملك يحصل به ، فأما قبض المشتري في البيع الصحيح ، فيكون مسقطا حق البائع في الحبس ، وإيجاب البيع لا يكون إسقاطا لحقه في الحبس ، فلا بد من الآمر بالقبض ليسقط به حقه . ولو أكرهه على أن يبيعه منه بيعا فاسدا فباعه بيعا جائزا جاز البيع ; لأنه أتى بغير ما أمره به ، فالبيع الفاسد لا يزيل الملك بنفسه ، والبيع الجائز يزيل الملك بنفسه ، وكذلك الممتنع [ ص: 112 ] من البيع الفاسد لا يكون ممتنعا من البيع الجائز فهو طائع فيما أتى به من التصرف ، ولو أكره على أن يبيعه منه بيعا جائزا ، ويدفعه إليه ، فباعه بيعا فاسدا ، ودفعه إليه ، فهلك عنده ، فللبائع أن يضمن المكره إن شاء وإن شاء المشتري ; لأنه لم يخالف ما أمر به ، فإنه ، وإن أتى به على الوجه الذي أمره به يكون البيع فاسدا لكونه مكرها عليه ، وأنه أتى بدون ما أمره به ، والممتنع من البيع الجائز يكون ممتنعا من البيع الفاسد ، وإنما هذا بمنزلة رجل أمره أن يبيع بألف درهم نقد بيت المال ، فباعه بألف درهم عليه جاز ، ولو أمره أن يبيعه بألف ، فباعه بألفين جاز ، ولم يكن مكرها ، فكذلك فيما سبق . ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |