المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         جوجل تُطلق نموذج الذكاء الاصطناعى مفتوح المصدر "Gemma 4" (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          آبل تفاجئ المطورين بإصدار جديد من iOS 26.5… لكن أين Siri 2.0؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          تسريبات تصميم Google Pixel 11 Pro XL.. تعرف عليها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          أبل تستعد لإطلاق آيفون فولد قريبا.. أول هاتف لها قابل للطى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          مايكروسوفت تشعل سباق الذكاء الاصطناعى بثلاثة نماذج جديدة تنافس ChatGPT (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          تطبيق Google Meet على CarPlay يسهل انضمامك للاجتماعات أثناء القيادة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          من الصفر إلى التطبيق.. خطوات اكتساب مهارة رقمية في 48 ساعة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          وداعًا للكتابة أثناء القيادة: ChatGPT يصل إلى سيارتك عبر Apple CarPlay (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          ميزة جديدة تخص أنماط ترجمة الفيديو تضاف لأيفون.. جربها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          جوجل تفاجئ الجميع: صناعة فيديوهات بالذكاء الاصطناعى مجانًا أصبحت حقيقة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 14-12-2025, 10:17 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,915
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 102 الى صـــ 111
(232)





وكذلك العبد المرتد لا يضمن للذمي بالإتلاف ، وإن كان هو يعتقد أنه مال متقوم ، وأنه محق في اعتقادها ، ثم لم يصر اعتقاده حجة في إيجاب الضمان على المتلف ، إلا أن هناك يتعرض له في ذلك ; لأنا بعقد الذمة ما ضمنا ترك التعرض لهم في ذلك . وحجتنا في ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين سأل عماله ماذا تصنعون بما يمر به أهل الذمة من الخمر فقالوا : نعشرها فقال : لا تفعلوا ، ولو هم ببيعها ، وخذوا العشر من أثمانها فقد جعلها مالا متقوما في حقهم حيث جوز بيعها ، وأمر بأخذ العشر من الثمن .

وذكر أبو عبيدة في كتاب الأموال أن عمر رضي الله تعالى عنه كتب إلى عماله أن اقتلوا خنازير أهل الذمة ، واحتسبوا لأصحابها بقيمتها من الجزية فهذا تنصيص منه على أنه مال متقوم في حقهم يضمن بالإتلاف عليهم ، والمعنى فيه أن الخمر كان مالا متقوما في شريعة من كان قبلنا ، وكذلك في شريعتنا في الابتداء ، ثم إن الشرع أفسد تقومه بخطاب خاص في حق المسلمين حيث قال : { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان } إلى قوله تعالى : { فهل أنتم منتهون } فبقي في حق من لم يدخل تحت هذا الخطاب على ما كان من قبل . هذا من حيث الصورة ، ومن حيث المعنى أن حرمة العين وفساد التقوم ثبت بخطاب الشرع ، وقد أمرنا أن نتركهم ، وما يدينون لمكان عقد الذمة فقصر الخطاب عنهم حين لم يعتقدوا الرسالة في المبلغ ، وانقطعت ولاية الإلزام بالسيف والمحاجة لمكان عقد الذمة ، ويصير في حقهم كأن الخطاب غير نازل فيبقى الحكم على ما كان ، ألا ترى أن من [ ص: 103 ] شرب الخمر من المسلمين بعد ما نزل خطاب التحريم قبل علمه به لم يكن معاتبا بذلك كما قال الله تعالى : { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } الآية .

وكذلك أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعد ما نزلت فريضة التوجه إلى الكعبة ، وجاز ذلك منهم كأن الخطاب غير نازل حين لم يبلغهم ، فهذا مثله أيضا وأمر الأنكحة على هذا ، وليس في هذا توسعة الأمر عليهم بل فيه استدراج وترك لهم على الجهل ، وتمهيد بعقوبة الآخرة والخلود في النار ، وتحقيق لقول النبي صلى الله عليه وسلم : { الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر } وبهذا تبين فساد ما قال : أن اعتقاده لا يكون حجة على المتلف ; لأنا لا نوجب الضمان باعتبار اعتقاده ، ولكن يبقى ما كان على ما كان ، وهو المالية والتقوم .

ثم وجوب الضمان بالإتلاف لا يكون به المحل مالا متقوما ، ولكن شرط سقوط الضمان بالإتلاف انعدام المالية والتقوم في المحل ، وهذا الشرط لم يثبت في حقهم مع أنا لما ضمنا بعقد الذمة ترك التعرض لهم فقد التزمنا حفظها وحمايتها لهم ، والعصمة والإحراز تتم بهذا الحفظ ، ووجوب الضمان بالإتلاف ينبني على ذلك ، فكان هذا من ضرورة ما ضمناه بعقد الذمة ، بخلاف قتل المرتد فإنا ما ضمنا لهم ترك التعرض في ذلك لما فيه من الاستخفاف بالدين ، وكان نظير ذلك من العقود الربا ، فإنه يتعرض لهم في إبطال عقود الربا بينهم ; لأنا لم نضمن لهم ترك التعرض لهم في ذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إلا من أربى فليس بيننا ، وبينه عهد } وهذا لأن ذلك فسق منهم في الاعتقاد ، ولا ديانة فقد ثبت بالنص حرمة الربا في اعتقادهم قال الله تعالى : { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه } وكذلك الجواب في موقوذة المجوسي الصحيح أن المسلم يضمنها له بالغصب والإتلاف ، وهو قول أبي يوسف رحمه الله ، وقد روي عن محمد رحمه الله أنه لا يضمنها كالميتة والدم ; لأنها ليست بمال في اعتقاد أهل الذمة ، وقد أمرنا أن نبني أحكام المجوس على أحكام أهل الكتاب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : { سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب } الحديث ، إلا أن هذا ضعيف ، فإنا في حكم الأنكحة اعتبرنا اعتقاد المجوس من غير أن نبني ذلك على اعتقاد أهل الكتاب ، والعذر عن فضل الميراث بالزوجية بيناه في النكاح أنه ليس من ضرورة الحكم بصحة النكاح استحقاق الميراث ، وهذا كله بخلاف ما لو أتلف متروك التسمية عامدا على شفعوي المذهب ; لأن ولاية الإلزام بالمحاجة ، والدليل هنا ثابت ، وقد ثبت لنا بالنص أن متروك التسمية حرام ليس بمال ، فلهذا لا يعتبر اعتقادهم في إيجاب الضمان .

( ولو ) غصب نصراني من نصراني خمرا فاستهلكها فعليه مثلها [ ص: 104 ] لأن الخمر من ذوات الأمثال ، والمصير إلى القيمة في ذوات الأمثال عند العجز عن أداء المثل ، وذلك في حق المسلم دون النصراني ; لأنه قادر على تمليك الخمر من غيره بعوض ; ولهذا جازت المبايعة بالخمر فيما بينهم ، وإن أسلم الطالب بعد ما قضي له بمثلها ، فلا شيء له على المستهلك ; لأن الخمر في حق المسلم ليس بمال متقوم .

ولو احتبس عينها عند النصراني له بالغصب والاستهلاك لم يضمنه شيئا ، فكذلك إذا احتبس ما صار دينا منها ، ولكنه بإسلامه يكون مبرئا له عما كان له في ذمته من الخمر ; لأنه يخرج بفعله من أن يكون مالا متقوما في حقه ، ومن أن يكون متمكنا من قبضه ، وكذلك لو أسلما معا ; لأن في إسلامهما إسلام الطالب ، ولو أسلم المطلوب وحده أو أسلم المطلوب ثم الطالب فعلى قول أبي يوسف وهو روايته عن أبي حنيفة رحمهما الله الجواب كذلك ، وفي قول محمد رحمه الله تعالى ، وهو رواية عافية وزفر عن أبي حنيفة رحمهما الله على المطلوب قيمة الخمر . وجه قول محمد رحمه الله أن الإسلام الطارئ بعد تقرر سبب الضمان يجعل كالمقترن بالسبب . كما أن الإسلام الطارئ بعد العقد قبل القبض يجعل كالمقترن بالعقد ، ثم اقتران إسلام المطلوب بغصب الخمر واستهلاكها لا يمنع وجوب ضمان القيمة بخلاف إسلام الطالب فكذلك الطارئ ، وهذا لأن خمر الذمي يجوز أن يكون مضمونا في يد المسلم ، فكذلك يجوز أن يكون مضمونا في ذمة المسلم .

وبهذا تبين أنه ليس في إسلام المطلوب معنى البراءة ، وأما خمر المسلم يجوز أن يكون مضمونا في يد الذمي فكذلك في ذمته فكان إسلامه مبرئا بهذا الطريق ، وهو أنه يمنع بقاءها في ذمته بعده ، ولا يمكن جعل أصل السبب موجبا للقيمة في الإسلام المقارن ; لأنه وجب به ضمان المثل ، فلا تجب به القيمة أيضا بخلاف النكاح ، فإن على قول محمد يجب قيمة الخمر بعد إسلام أحدهما كانت بعينها أو بغير عينها ; لأن إسلام الطالب مبرئ من حيث تعذر إبقائها في الذمة أو مضمونا في يد الزوج بعد إسلامهما ، ولكن هذا لا يمنع وجوب ضمان القيمة بأصل السبب ; لأن هذه القيمة عوض عن البضع ، وشرط وجوبها صحة التسمية لإبقاء استحقاق المسمى ، وقد كانت التسمية صحيحة حين كان المسمى مالا متقوما يومئذ وأبو يوسف رحمه الله يقول : تعذر قبض الخمر المستحق في الذمة بسبب الإسلام ، فلا تجب القيمة كما لو أسلم الطالب ، وتحقيقه أنه لما وجب الخمر بالسبب دينا في ذمته ، فلا يمكن إيجاب القيمة باعتبار أصل السبب ، ولا يمكن إيجاب القيمة عوضا عما كان في الذمة ; لأن شرطها تمليك ما في الذمة بها . والذمي لا يقدر على تمليك الخمر من المسلم بعوض كما أن المسلم [ ص: 105 ] لا يتملك الخمر بعوض ; فلانعدام الشرط يتعذر استيفاء القيمة ، كما لو هشم قلب فضة إنسان ، ثم تلف المكسور في يد صاحب القلب ليس له أن يضمن الكاسر شيئا ; لأن شرط تضمين القيمة تمليك المكسور منه ، وذلك فائت ، وبه فارق الإسلام المقارن ; لأن وجوب القيمة هناك باعتبار أصل السبب ، وهو الغصب والاستهلاك ، فإنه موجب للضمان باعتبار الجناية من غير أن يكون موجبا الملك في المحل عند التعذر كما في غصب المدبر .

وإن غصب خنزيرا فاستهلكه ، ثم أسلم أحدهما أو أسلما فعليه قيمته ; لأن بنفس الاستهلاك وجبت القيمة هنا ، فإن الحيوان ليس من ذوات الأمثال ، والقيمة دراهم أو دنانير ، فلا يمتنع بقاؤها في الذمة ، واستيفاؤها بعد إسلامهما أو إسلام أحدهما .
ولو غصب مسلم من مسلم خمرا فجعلها خلا ، ثم استهلكها فعليه خل مثلها ; لأنه بعد ما جعلها خلا بقيت على ملك صاحبها حتى كان له أن يأخذها منه ، فإذا استهلكها فقد استهلك مالا متقوما لغيره ، وذلك موجب للضمان عليه أمانة كانت عنده أو مضمونة .

وكذلك لو غصب جلد ميتة فدبغه بشيء لا قيمة له ثم استهلكه فعليه ضمان قيمته ; لأنه باق على ملك صاحبه ; ولهذا يتمكن من أخذه من غير أن يعطيه عوضا . ومن أصحابنا رحمهم الله من يقول : يضمنه قيمته طاهرا غير مدبوغ ; لأن صفة الدباغ حصل بفعله ، فلا يوجب الضمان عليه ، ولكن من ضرورته زوال صفة النجاسة ، وذلك غير حاصل بفعله بل يتميز الجلد من الدسومات النجسة . وأكثرهم على أنه يضمنه قيمته مدبوغا ; لأن صفة الدباغ هنا تبع للجلد ، وهو غير معتبر منفردا عن الجلد ; ولهذا لا يغرم باعتباره شيئا ، وإذا صار أصل الجلد مضمونا عليه بالاستهلاك فكذلك ما يتبعه كالخمر إذا خلله ، فأما إذا دبغه بشيء له قيمة ثم استهلكه ، فلا ضمان عليه في قول أبي حنيفة ، وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - يضمن قيمة الجلد مدبوغا ويعطيه ما زاد الدباغ فيه .

وجه قولهما أن الجلد باق على ملك صاحبه بعد الدباغ ، وهو مضمون الرد على الغاصب ، ولكن يشترط أن يعطيه ما زاد الدباغ فيه ، فإذا استهلكه كان ضامنا كالثوب المغصوب إذا صبغه ثم استهلكه ، وهذا لمعنيين :

( أحدهما ) أن الاستهلاك جناية موجبة للضمان في محل هو مال متقوم ، وقد وجد ذلك لما بقي الجلد على ملك صاحبه بعد ما صار مالا متقوما كما في الثوب ، إلا أن هناك السبب الأول وهو الغصب غير موجب للضمان أيضا ، فله أن يضمنه بأي السببين شاء ، وهنا الأول وهو الغصب موجب للضمان فيتعين التضمين بالسبب الثاني ، وكان هو في هذا السبب كغيره ، ولو استهلكه [ ص: 106 ] غيره كان للمغصوب منه أن يضمن المستهلك ويعطي الغاصب ما زاد الدباغ فيه .

( والثاني ) وهو أنه لما بقي الجلد مضمون الرد عليه ، وإذا تعذر رد عينها باستهلاكه يجب عليه رد قيمته ; لأنه بالاستهلاك فوت ما كان مستحقا عليه ، والتفويت موجب للضمان ، وبه فارق ما لو هلك في يده ، فإن التفويت منه لم يوجد ، وهو نظير المستعار إذا فوت المستعير رده بالاستهلاك ضمن قيمته ; بخلاف ما إذا فات بغير صنعه .

وكذلك لو دبغه بشيء لا قيمة له أو جعل الخمر خلا ، فلا يضمن إذا فوت الرد بالاستهلاك ، ولا يضمن إذا هلك في يده ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله في ذلك أن المغصوب منه استفاد المالية والتقوم في هذا الجلد من الغاصب ببدل استوجبه الغاصب عليه ، فلا يكون له أن يضمنه شيئا بعد استهلاكه كما لو استهلك البائع المبيع قبل التسليم ، وتقريره من وجهين :

( أحدهما ) أن الاستهلاك غير موجب للضمان عليه باعتبار ما زاد الدباغ فيه ; لأن ذلك كان مملوكا له قبل الاتصال بالجلد ، وبعد الاتصال بقي حقا له حتى كان له أن يحبسه ليستوفي بدله ، والجلد بدون هذا الوصف لا يكون مضمونا عليه بالاستهلاك كما لو استهلكه قبل الدباغ ، وبه فارق الثوب ، فإن الاستهلاك فيه بدون صفة الصبغ موجب للضمان ، وبه فارق ما إذا دبغه بشيء لا قيمة له ; لأن الصنعة ما بقيت حقا للغاصب بعد الاتصال بالجلد ; ولهذا لا يحبسه ، ولا يرجع ببدله ، وكذلك الخمر إذا خلله .

( والثاني ) أن ما اتصل بالجلد من الصفة هنا مال متقوم للغاصب حقيقة وحكما وهو قائم من كل وجه ، وقد كان مالا قبل الاتصال بالجلد ، وبقي بعده كذلك ، وأما أصل الجلد لم يكن مالا متقوما قبل الدباغ ، وما كان مالا بنفسه ومتصلا بغيره يترجح على ما لم يكن مالا قبل الاتصال ، وإنما صار مالا بالاتصال فتكون العبرة للراجح واستهلاكه فيه غير موجب للضمان ، بخلاف الثوب ; لأن الأصل هناك كان مالا قبل الاتصال ، وإنما صار مالا بالاتصال ، ولما استويا في صفة المالية رجحنا ما هو الأصل . وإذا دبغه بشيء لا قيمة له فالوصف ليس بمال قبل الاتصال ولا بعده ، والأصل مال بعد الاتصال فرجحنا جانب الأصل لهذا ، ولا يقال في حال بقاء الجلد رجحنا حق صاحب الأصل حتى مكناه من أخذه . ويملك الوصف على الغاصب بعوض ، وهذا لأن أخذ العين كان باعتبار الملك دون المالية والتقوم ; ولهذا كان متمكنا من استرداده قبل الدباغ ، وفي حكم الملك الأصل مرجح ; لأنه كان مملوكا قائما بنفسه قبل الاتصال وبعده ، فأما وجوب الضمان عند الاستهلاك باعتبار صفة المالية والتقوم ، وصفة الدباغ في معنى المالية والتقوم يترجح على [ ص: 107 ] أصل الجلد فيعتبر ذلك في إيجاب الضمان .

يحقق ما قلنا أن فائدة وجوب الضمان الاستيفاء ، ولا يستوفي منه قدر مالية الدباغة بالاتفاق ، وكيف يستوفي منه ما هو واجب له على غيره .

ولو ظفر صاحب الحق بجنس حقه فاستهلكه لم يغرم شيئا ، فإذا ظفر بعين حقه فاستهلكه أولى أن لا يضمن شيئا ، فإذا تعذر إيجاب هذا القدر عليه انفصل أصل الجلد عن صفة الدباغة حكما فيعتبر بما لو كان منفصلا حقيقة ، فلا يجب عليه ضمان قيمة الجلد ، وهما قد اعتبرا هذا حتى قالا : لا يكون له أن يضمنه قيمة الجلد غير مدبوغ .

( ولو ) غصب من رجل عينا فقال المغصوب منه للغاصب أبرأتك عن الغصب ، ثم هلك في يد الغاصب لم يضمن شيئا في قول علمائنا رحمهم الله . وقال زفر هو ضامن للقيمة ; لأن الإبراء عن العين لغو ، فإن الإبراء إسقاط ، والعين ليست بمحل له إذ لا تسقط حقيقة ، ولا يسقط ملك المالك عنها أيضا ، وإضافة التصرف إلى غير محله لغو . ولكنا نقول : قوله أبرأتك عن الغصب أي عما وجب لي عليك بسبب الغصب بمنزلة إبراء المجني عليه الجاني عن الجناية ، وإبراء المشتري البائع عن العيب ، والواجب له بسبب الغصب رد العين عند قيامه ، ورد القيمة عند هلاكه ، وذلك قابل للإسقاط فيسقط عنه ، وإذا سقط عنه ذلك بقي العين أمانة في يده كالوديعة ، ولأنه لو أبرأه بعد تقرر الضمان عليه بالهلاك صح الإبراء فكذلك إذا أبرأه بعد تقرر السبب .

( ولو ) غصب جارية فحبلت عند الغاصب ثم ردها فولدت ثم هلكت بالولادة يجب عند أبي حنيفة رحمه الله على الغاصب ضمان قيمتها ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تقوم حاملا وغير حامل ، فيكون على الغاصب ضمان النقصان ; لأن الرد قد صح مع الحبل ، ولكنها معيبة بعيب الحبل ، وذلك موجب ضمان النقصان عليه ، فأما هلاكها بسبب الآلام الحادثة بعد الرد وهو الطلق ، فلا يبطل به حكم الرد ، كما لو حمت الجارية عند الغاصب ثم ردها فهلكت أو زنت عند الغاصب ، ثم ردها فجلدت وماتت من ذلك لم يضمن الغاصب إلا نقصان عيب الزنا .

وكذلك المبيعة إذا سلمها إلى المشتري ، وهي حبلى فماتت في الولادة لم يرجع المشتري على البائع بجميع الثمن بالاتفاق وأبو حنيفة رحمه الله يقول : الواجب على الغاصب نسخ فعله بالرد ، ولم يوجد ذلك حين ردها لا على الوجه الذي قبضها ، ولما هلكت بالسبب الذي كان عند الغاصب يجعل في الحكم كأنها هلكت عند الغاصب كما لو جنت عند الغاصب ثم ردها فدفعت في الجناية ، فإنه يضمن قيمتها ويجعل كأنه لم يردها أصلا ، بخلاف الحمى لأن الهلاك لم يكن بالسبب الذي كان . [ ص: 108 ] عند الغاصب إنما كان لضعف الطبيعة عن دفع آثار الحمى المتوالية ، وذلك لا يحصل بأوله الحمى عند الغاصب ، وإن ذلك غير موجب لما كان بعده . وهنا أصل السبب ما كان عند الغاصب ; لأن الحبل يوجب انفصال الولد ، وانفصال الولد يوجب آلام الولادة ، فما يحدث به يكون محالا على السبب الأول ، بخلاف الجلد ; لأن الزنا يوجب جلدا مؤلما غير جارح ولا متلف ; ولهذا يختار سوطا لا ثمرة له ، فلم يكن الهلاك محالا به على السبب الذي كان عند الغاصب ، وهذا بخلاف الشراء ; لأن الشراء يوجب تسليم المبيع إلى المشتري على الوجه الذي يتناوله العقد ، وهو أنه مال متقوم ، وقد وجد ذلك باعتبار ظاهر الحال ، وهو أن الغالب في الولادة السلامة ، فإنما على الغاصب نسخ فعله وذلك في أن يرده كما قبضه ، ولم يوجد ذلك .

ألا ترى أن البائع لو قطع يده ثم باعه وسلمه إلى المشتري فمات من ذلك في يده لم يرجع بجميع الثمن ، بخلاف الغاصب إذا قطع يدها ، ثم ردها فماتت من ذلك .

ثم على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله هي قد تعيبت في يد الغاصب بعيب الزنا والحبل جميعا ففي القياس يضمن الغاصب نقصان العيب وهو قول محمد رحمه الله . وفي الاستحسان وهو قول أبي يوسف يضمن أكثرهما ، ويدخل الأقل في الأكثر . وكذلك عند أبي حنيفة إذا سلمت من الولادة ينظر إلى نقصان الزنا ، ونقصان الحبل فعليه ضمان أكثرهما ، ولكن إن كان عيب الحبل أكثر فقد زال ذلك بالولادة ، فلا يلزمه إلا قدر نقصان عيب الزنا ، وإن كان عيب الزنا أكثر فعليه ضمان ذلك ; لأن عيب الزنا لا ينعدم بالولادة فمحمد رحمه الله اعتبر الحقيقة ، وهو أن الحبل عيب آخر سوى عيب الزنا لتحقق انفصال كل واحد منهما عن الآخر وأبو يوسف رحمه الله اعتبر اتحاد السبب وقال : الحبل هنا حصل بذلك السبب ، فبحكم اتحاد السبب يدخل الأقل في الأكثر كما في نقصان البكارة مع العقر الواجب بالوطء ، فإنه يدخل الأقل في الأكثر لاتحاد السبب فكذلك هنا ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

كتاب الوديعة ( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي - رحمه الله تعالى ، إملاء - : الإيداع عقد جائز ; لأنه تصرف من المالك في ملكه ، وقد يحتاج إليه عند إرادة السفر ، والحاج يحتاج إلى إيداع بعض ماله في كل موضع ; لينتفع به إذا رجع ، والمودع مندوب [ ص: 109 ] إلى القبول - شرعا - ; لما فيه من الإعانة على البر . قال الله - تعالى - { : وتعاونوا على البر والتقوى } . وقال - صلى الله عليه وسلم - { : إن الله - تعالى - في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه } . وبعد القبول ، عليه أداء ما التزم - وهو الحفظ - حتى يؤديها إلى صاحبها ; لقوله تعالى { : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } . وقد قيل في سبب النزول : إن المراد رد مفتاح الكعبة على عثمان بن أبي طلحة ; لأنه حين أتاه به قال : خذه بأمانة الله - تعالى - ولكن ظاهر الآية يتناول كل أمانة . قال - صلى الله عليه وسلم - { : من ائتمن أمانة فليؤدها } . وقال - صلى الله عليه وسلم - { : أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك } . وقال - صلى الله عليه وسلم - : { علامة المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان . } على الموحد أن يحترز عما هو من علامة المنافق ، وذلك بأن يحفظ الوديعة على الوجه الذي يحفظ به مال نفسه ; فيضعها في بيته ، أو صندوقه ; لأنه وعد لصاحبها ذلك ، وخلف الوعد مذموم ، وإذا ترك الحفظ بعد غيبة صاحبها : ففيه ترك الوفاء بما التزم ، والغرور في حق صاحبها ، وذلك حرام .
فإن وضعها في بيته أو صندوقه ، فهلكت : لم يضمنه ; لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : { من أودع وديعة فهلكت : فلا ضمان عليه . } ولحديث ابن الزبير عن جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : { ليس على المستعير غير المغل ضمان ، ولا على المودع غير المغل ضمان . } فالمراد بالمغل : الخائن . قال - صلى الله عليه وسلم - { : لا إغلال ولا إسلال في الإسلام } . والإغلال : الخيانة ، والإسلال : السرقة . وقد قيل : المغل المنتفع ، من قولهم : أرض مغل ، أي كثير الريع والغلة ، فعلى هذا : المراد : المنتفع بغير إذن صاحبه . وقال عمر : العارية كالوديعة ، لا يضمنها صاحبها إلا بالتعدي . وقال علي : لا ضمان على راع ، ولا على مؤتمن . والمعنى فيه : أن المودع متبرع في حفظها لصاحبها ، والتبرع لا يوجب ضمانا على المتبرع للمتبرع عليه ، فكان هلاكها في يده كهلاكها في يد صاحبها ، وهو معنى قول الفقهاء - رحمهم الله تعالى - : يد المودع كيد المودع . ويستوي إن هلك بما يمكن التحرز عنه ، أو بما لا يمكن ; لأن الهلاك بما يمكن التحرز عنه بمعنى العيب في الحفظ ، ولكن صفة السلامة عن العيب إنما تصير مستحقا في المعاوضة - دون التبرع - والمودع متبرع ، فإن دفعها إلى بعض من في عياله - من زوجته أو ولده أو والديه أو أجيره - فلا ضمان عليه إذا هلكت - استحسانا - وفي القياس : هو ضامن ; لأنه استحفظ - من استحفظ - منه ، ويؤيد وجه القياس - قوله تعالى - { : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } . [ ص: 110 ] والمراد : النساء ، فإن كان هو منهيا عن دفع مال نفسه إلى امرأته ، فما ظنك في مال غيره ؟ . وجه الاستحسان : أن المطلوب منه : حفظ الوديعة على الوجه الذي يحفظ مال نفسه ، والإنسان يحفظ مال نفسه بيد من في عياله ، على ما قيل : قوام العالم بشيئين : كاسب يجمع ، وساكنة تحفظ ، ولأنه لا يجد بدا من هذا ، فإنه إذا خرج من داره - في حاجته - لا يمكنه أن يجعل الوديعة مع نفسه ، وإذا خلفها في داره صارت في يد امرأته حكما ، وما لا يمكن الامتناع عنه عفو . وذكر في جملة من في عياله : الأجير ، والمراد : التلميذ الخاص الذي استأجره مشاهرة ، أو مسانهة ، فأما الأجير بعمل من الأعمال - كسائر الأجانب - يضمن الوديعة بالدفع إليه .

فإذا انشق الكيس في صندوقه ; فاختلط بدراهمه : فلا ضمان عليه ; لانعدام الصنع الموجب للضمان عليه ، ولو يمكن تقصير ، فذلك من المودع بأن جعل دراهم الوديعة في كيس بال ، ولكن المختلط مشترك بينهما بقدر ملكهما ، فإن هلك بعضها هلك من مالها جميعا ويقسم الباقي بينهما على قدر ما كان لكل واحد منهما ; لأنه ليس أحدهما بأن يجعل الهالك من نصيبه بأولى من الآخر ، والأصل في المال المشترك إذا هلك شيء منه : أن ما هلك هلك على الشركة ، وما بقي على الشركة باعتبار أن الهالك يجعل كأن لم يكن .

( وإن ) فعل ذلك إنسان ممن هو في عيال المودع - من صغير ، أو كبير ، أو مملوك أو أجنبي - فلا ضمان فيه على المستودع ; لانعدام الخلط منه حقيقة وحكما ، فإن فعل من في عياله كفعله فيما هو مأمور به من جهته صريحا ، أو دلالة ، وذلك لا يوجد في الخلط ، ولكن الضمان على الذي خلطها بمباشرة الفعل الموجب للضمان . والصغير والكبير في ذلك سواء ; لأن الصغير مؤاخذ بضمان الفعل ، فإن تحقق الفعل بوجوده : لا ينعدم بالحجر بسبب الصغر . ثم الخلط أنواع ثلاثة : ( خلط ) يتعذر التمييز بعده - كخلط الشيء بجنسه - فهذا موجب للضمان ; لأنه يتعذر به على المالك الوصول إلى عين ملكه . وخلط يتيسر معه التمييز - كخلط السود بالبيض ، والدراهم بالدنانير - فهذا لا يكون موجبا للضمان ; لتمكن المالك من الوصول إلى عين ملكه ، فهذه مجاورة - ليس بخلط - . وخلط يتعسر معه التمييز - كخلط الحنطة بالشعير - فهو موجب للضمان ; لأنه يتعذر على المالك الوصول إلى عين ملكه ، إلا بحرج ، والمتعسر كالمتعذر - كما بيناه في الغصب - .

( فإن قيل ) : تمييز الحنطة من الشعير ممكن : بأن يصب من ماء فترسب الحنطة ، ويطفو الشعير ، ( قلنا ) : في هذا إفساد للمخلوط في الحال ، ثم الحنطة لا تخلو عن حبات الشعير ، كما لا يخلو الشعير عن حبات الحنطة ، فما كان من حبات الحنطة لصاحب الشعير يرسب ، وما كان من حبات الشعير لصاحب [ ص: 111 ] الحنطة يطفو ، فعرفنا أن التمييز متعذر بهذا الطريق أيضا . وكذلك خلط الجياد بالزيوف ، إن كان بحيث يتعذر التمييز ، أو يتعسر ، فهو موجب للضمان على الخالط ، وإن كان بحيث يتيسر التمييز ، لا يكون موجبا للضمان عليه ، يقول : فإن لم يظهر بالخلط ، فقال أحدهما : أنا آخذ المخلوط ، وأغرم لصاحبي مثل ما كان له ، فرضي به صاحبه : جاز ; لأن الحق لهما ، فإذا تراضيا على شيء صح ذلك في حقهما ، وإن أبى ذلك أحدهما ، فإنه يباع المخلوط ويقسم الثمن بينهما على قيمة الحنطة والشعير ، على التفسير الذي بيناه في الغصب قبل هذا الجواب . إنما يستقيم على قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله ورواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله في أن ملك المالك لا ينقطع عن المخلوط ، بل له الخيار بين الشركة في المخلوط وبين تضمين الخالط ، فأما على ما هو الظاهر من مذهب أبي حنيفة : المخلوط ملك للخالط ، وحقهما في ذمته ، فلا يباع ماله في دينهما ; لما فيه من الحجر عليه وأبو حنيفة لا يرى ذلك . والأصح : أنه قولهم جميعا ; لأن ملكهما - وإن انقطع عن المخلوط - فالحق فيه باق ، ما لم يصل إلى كل واحد منهما بدل ملكه ، ولهذا لا يباح للخالط أن ينتفع بالمخلوط قبل أداء الضمان ، فلبقاء حقهما يكون لهما أن يستوفيا حقهما من المخلوط ، إما صلحا بالتراضي ، أو بيعا وقسمة الثمن ، إذا لم يتراضيا على شيء .
وإذا كان عند الرجل وديعة - دراهم أو دنانير ، أو شيء من المكيل ، أو الموزون - فأنفق طائفة منهما في حاجته : كان ضامنا لما أنفق منها - اعتبارا للبعض بالكل - ولو لم يصر ضامنا لما بقي منها ; لأنه في الباقي حافظ للمالك ، وبما أنفق لم يتعيب الباقي ، فإن هذا مما لا يضره التبعيض ، فهو كما لو أودعه وديعتين ، فأنفق إحداهما : لا يكون ضامنا للأخرى ، فإن جاء بمثل ما أنفق ، فخلطه بالباقي ، صار ضامنا لجميعها ; لأن ما أنفق صار دينا في ذمته ، وهو لا ينفرد بقضاء الدين بغير محضر من صاحبه ، فيكون فعله هذا خلطا لما بقي بملك نفسه ، وذلك موجب للضمان عليه ، فإن كان حين أنفق بعضها وجاء ، بمثله فخلط بالباقي أفتي بأنه صار ضامنا لها كلها ، فباعها ثم جاء رب الوديعة فضمنها إياه ، وفي الثمن فضل قال : يطيب له حصة ما خلطه بها من ماله من الفضل ; لأنه ربح حصل على ملكه وضمانه ، ويتصدق بحصة الثاني من الوديعة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وفي قول أبي يوسف - رحمه الله - : لا يتصدق به ; لأنه بالضمان قد ملكه ، مستندا إلى وقت وجوب الضمان ، ولهذا نفذ بيعه ، فكان هذا ربحا حاصلا على ملكه وضمانه ، فيطيب له كما في حصة ملكه ، وهما يقولان : هذا ربح حصل له بكسب خبيث ، فإنه ممنوع من بيع الوديعة ، [ ص: 112 ] إما لبقاء ملك المودع - كما في الباقي بعد الخلط في إحدى الروايتين ، أو لبقاء حقه على ما قلنا - والربح الحاصل بكسب خبيث سبيله التصدق به ، ولأن المودع عند البيع يخبر المشتري أنه يبيع ملكه وحقه ، وهو كاذب في ذلك ، والكذب في التجارة يوجب الصدقة ; بدليل حديث قيس بن عروة الكناني قال : { كنا نتبايع في الأسواق بالأوساق ونسمي أنفسنا السماسرة ، فدخل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسمانا بأحسن الأسماء وقال : يا معشر التجار ، إن تجارتكم هذه يحضرها اللغو والكذب ; فشوبوها بالصدقة } . فعملنا بالحديث في إيجاب التصدق بالفضل . وهذا إذا كانت الوديعة شيئا يباع .

فإن كانت دراهم : فالدراهم يشترى بها ، ثم ينظر : إن اشترى بها بعينها ونقدها ، لا يطيب له الفصل أيضا ، وإن اشترى بها ، ونقد غيرها ، أو اشترى بدراهم مطلقة ، ثم نقدها : يطيب له الربح هنا ; لأن الدراهم لا تتعين بنفس العقد ، ما لم ينضم إليه التسليم . ولهذا لو أراد أن يسلم غيرها كان له ذلك ، فأما بالقبض يتعين نوع تعين ، ولهذا لا يملك استرداد المقبوض من البائع ليعطيه مثلها ; فلهذا قلنا : إذا استعان في العقد والنقد جميعا بالدراهم الوديعة أو المغصوبة ، لا يطيب له الفضل ، وكذلك إن اشترى بها مأكولا ونقدها ، لم يحل له أن يأكل ذلك قبل أداء الضمان . ولو اشترى بدراهم مطلقة ثم نقد تلك الدراهم : حل له أن ينتفع بها .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,558.32 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,556.60 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.11%)]