المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي - الصفحة 23 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تحديث واتساب على iOS يطلق قائمة موحدة للمكالمات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          كيف تنظم صورك المتعددة على الموبايل؟ دليل شامل للحفاظ على ذكرياتك الرقمية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          ميتا تُطلق ميزة جديدة على "ثريدز" تساعد المستخدمين نشر نصوص مطولة تصل إلى 10 آلاف حرف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          تتبع الهاتف المفقود.. خطوات ضرورية لاستعادته وحماية بياناتك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          دمج أداة ذكاء اصطناعى لتطبيق صور جوجل تحول الصورة الثابتة إلى فيديو (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          تحديث Google Translate يقدم أدوات جديدة لتعلم اللغات وميزة "الترجمة المباشرة" (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          فى خطوات.. كيف تحمى طفلك من مخاطر منصات التواصل الاجتماعى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          أندرويد يطرح مزايا جديدة.. أهمها مشاركة الصوت وخاصية الـ Quick Share (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          جوجل تضيف ميزة تخصيص نبرة الصوت فى بودكاست NotebookLM (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          منيو فطار 12 رمضان.. طريقة عمل سمك مشوى بالفرن وأرز بالخلطة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #221  
قديم 14-12-2025, 04:22 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,794
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد العاشر

صـــ 212 الى صـــ 221
(221)






وإن ادعاه غير الملتقط في القياس لا يثبت نسبه منه ، وهذا قياس آخر سوى الأول لأنه يقصد بهذه الدعوة أن يأخذه من الملتقط ، وحق الحفظ قد ثبت للملتقط على وجه ليس لغيره أن يأخذه منه فلا يقبل مجرد دعواه في إبطال الحق الثابت له . وجه الاستحسان أن اللقيط محتاج إلى النسب فهو في دعوة النسب يقر له بما ينفعه ، ويلتزم حقا له فكان دعواه كدعوى الملتقط لنسبه ثم يترجح هو على الملتقط في الحفظ حكما لثبوت نسبه ، ومثل هذا يجوز أن يثبت حكما ، وإن لم يتمكن من إثباته قصدا كما أن النسب والميراث يثبت بشهادة القابلة على الولادة حكما ، وإن كان لا يثبت المال بشهادتها قصدا يوضحه أنه إذا قصد أخذ اللقيط من يده فإنما منازعته في عين ما باشره الأول فيترجح الأول بالسبق ، وأما إذا ادعى نسبه فمنازعته ليست في شيء باشره الملتقط فصحت دعوته لمصادفتها محلها ، ولا منازع له في ذلك ثم من ضرورة ثبوت النسب أن يكون هو أحق بحفظ ولده من أجنبي .
وإذا أبى الملتقط أن ينفق على اللقيط ، وسأل القاضي أن يقبله منه فللقاضي أن لا يصدقه في ذلك ما لم يقم البينة على إنه لقيط لأنه متهم فيما يقول فلعله ولده أو بعض من تلزمه نفقته ، واحتال بهذه الحيلة ليسقط نفقته عن نفسه فلهذا لا يصدقه ما لم يقم البينة فإذا أقام البينة أنه لقيط قبل منه البينة من غير خصم حاضر إما لأنها تقوم لكشف الحال ، والبينة لكشف الحال مسموعة من غير خصم أو لأنها غير ملزمة ، واشتراط حضور الخصم لمعنى الإلزام ثم القاضي مخير إن شاء قبضه منه ، وإن شاء لم يقبض ، ولكن يوليه ما تولى فيقول له قد التزمت حفظه فأنت وما التزمت ، وليس لك أن تلزمني ما التزمته ، والأولى أن يقبضه إذا علم بعجزه عن حفظه ، والإنفاق عليه لأن في تركه في يده تعريضه للهلاك ، ولأن الأخذ الآن من باب النظر ، والقاضي منصوب لذلك فإن أخذه ، ووضعه في يد رجل ، وأمره بأن ينفق عليه على أن يكون ذلك دينا على اللقيط ثم إن الذي التقطه سأل القاضي إن يرده عليه فهو بالخيار إن شاء رده عليه ، وإن شاء لم يرد لأنه أسقط ما كان له من حق الاختصاص فحاله بعد ذلك كحال غيره من الناس في طلب الرد .
رجل التقط لقيطا فجاء رجل آخر فانتزعه منه فاختصما فيه فإنه يدفع إلى الأول لأن يده سبقت إليه فكان هو أحق بحفظه [ ص: 213 ] ثم الثاني بالأخذ فوت عليه يدا محقة فيؤمر بإعادتها بالرد عليه ، وهذا لأن الأول أخذ ما هو مندوب إلى أخذه ، والثاني أخذ ما هو ممنوع من أخذه لحق الأول فلا تكون يده معارضة ليد الأول ، ولا ناسخة لها .
وإذا كبر اللقيط فادعاه رجل فذلك إلى اللقيط لأنه في يد نفسه ، وله قول معتبر إذا كان يعبر عن نفسه فيعتبر تصديقه لإثبات النسب منه ، وهذا لأن المدعي يقر له بالنسب من وجه ، ويدعي عليه وجوب النسبة إليه من وجه فلا يثبت حكم كلامه في حقه إلا بتصديقه دعوى كان أو إقرار ، وإذا صدقه يثبت النسب منه إذا كان مثله يولد لمثله فأما إذا كان مثله لا يولد لمثله لا يثبت النسب منه لأن الحقيقة تكذبهما ، وجناية اللقيط على بيت المال لأن ولاءه لبيت المال فإن الولاء مطلوب لمعنى التناصر والتقوي به ، ومن ليس له مولى معين فتناصره بالمسلمين ، وإنما يتقوى بهم فإذا كان ولاؤه لهم كان موجب جنايته عليهم يؤدى من بيت المال لأنه مالهم ، وميراثه لبيت المال دون الذي التقطه ورباه لأن استحقاق الميراث لشخص بعينه بالقرابة أو ما في معناه من زوجية أو ولاء ، وليس للملتقط شيء من ذلك ( فإن قيل ) هو بالالتقاط والتربية قد أحياه فينبغي أن يثبت له عليه الولاء كما يثبت للمعتق بالإعتاق الذي هو إحياء حكما ( قلنا ) هذا ليس في معنى ذلك لأن الرقيق في صفة مالكية المال هالك ، والمعتق محدث فيه لهذا الوصف ، واللقيط كان حيا حقيقة ، ومن أهل الملك حكما فالملتقط لا يكون محييا له حقيقة ولا حكما فلا يثبت له عليه ولاء ما لم يعاقده عقد الولاء بالبلوغ .

وإذا ثبت أنه لا ميراث للملتقط منه كان ميراثه لبيت المال لأنه مسلم ليس له وارث معين فيرثه جماعة المسلمين يوضع ماله في بيت المال .
وإن والى رجلا بعدما أدرك جاز كما لو والى الملتقط لأن ولاءه لبيت المال لم يتأكد بعد فله أن يوالي من شاء بخلاف ما إذا جني جناية ، وعقله بيت المال فإن هناك قد تأكد ولاؤه للمسلمين حين عقلوا جنايته فلا يملك إبطال ذلك بعقد الموالاة مع أحد كالذي أسلم من أهل الحرب له أن يوالي من شاء إلا أن يجني جناية ، ويعقله بيت المال ، ولا يجوز للملتقط على اللقيط ذكرا كان أو أنثى عقد النكاح ، ولا بيع ، ولا شراء لأن نفوذ هذه التصرفات على الغير يعتمد الولاية كما قال صلى الله عليه وسلم { لا نكاح إلا بولي } ، ولا ولاية للملتقط على اللقيط ، وإنما له حق الحفظ والتربية لكونه منفعة محضة في حقه ، وبهذا السبب لا تثبت الولاية .

وإن ادعى أن اللقيط عبده لم يصدق بعد أن يعرف أنه لقيط لأنه محكوم بحريته باعتبار الظاهر فلا يبطل ذلك بمجرد قوله ، ولأن يده يد حفظ فلا [ ص: 214 ] يمكنه أن يحول يده يد ملك بمجرد قوله من غير حجة ، وهذا بخلاف ما إذا ادعى أنه ابنه لأن ذلك إقرار للقيط بما ينفعه ، وهذا دعوى عليه بما يضره ، وهو تبديل صفة المالكية بالمملوكية .
ولو أن رجلا وجد لقيطا معه مال فوضعه القاضي على يده ، وقال أنفق عليه منه فهو جائز لأن ذلك المال للقيط فإنه موجود معه فكانت يده أسبق إليه من يد غيره ، وإنما ينفق عليه من ماله ، ولأن الظاهر أن واضعه وضع ذلك المال لينفق عليه منه ، والبناء على الظاهر جائز ما لم يظهر خلافه ، وهو مصدق في نفقة مثله لأنه أمين يخبر بما هو محتمل ، وينكر وجوب الضمان عليه فيقبل قوله في ذلك كمن دفع إلى إنسان مالا ، وأمره بأن ينفق على عياله يقبل قوله في نفقة مثلهم ، وما اشترى من طعام أو كسوة فهو جائز عليه لأن القاضي لما أمره بإنفاق المال عليه فقد أمره بأن يشتري به ما يحتاج إليه من الطعام والكسوة ، وللقاضي عليه هذه الولاية فكذلك ما يملكه الملتقط بأمر القاضي .
وإذا مات اللقيط وترك ميراثا أو لم يترك فادعى رجل أنه ابنه لم يصدق لأن نسبه لا يثبت بعد الموت فإن حكم النسب وجوب الانتساب ، والمقصود به الشرف ، وذلك لا يتحقق بعد الموت ، ولأن صحة الدعوة باعتبار أنه أقر له بما يحتاج إليه ، وهو بالموت قد استغنى عن النسب فبقي كلامه دعوى الميراث فلا يصدق إلا بحجة .
وإذا أدرك اللقيط كافرا ، وقد وجد في مصر من أمصار المسلمين حبس ، وأجبر على الإسلام استحسانا لأنه لما وجد في مصر من أمصار المسلمين فقد حكم له بالإسلام باعتبار المكان فإنه مكان المسلمين ، ومن حكم له بالإسلام تبعا لغيره إذا أدرك كافرا يجبر على الإسلام ، ولا يقتل استحسانا كالمولود من المسلمين إذا بلغ مرتدا . وفي القياس يقتل إن أبى أن يسلم لأنه كان محكوما بإسلامه فيقتل على الردة كما لو وصف الإسلام بنفسه قبل البلوغ ثم ارتد ، ولكن في الاستحسان لا يقتل لأن حقيقة الإسلام تكون بالاعتقاد بالقلب ، والإقرار باللسان ، وقد انعدم ذلك منه فيصير هذا شبهة في إسقاط القتل الذي هو نهاية في العقوبة في الدنيا ، وهذا لأن ثبوت حكم الإسلام له بطريق التبعية كان لتوفير المنفعة عليه ، وليس في القتل معنى توفير المنفعة ، وهو نظير ما نقول في الصبي العاقل إذا أسلم يحسن إسلامه ثم إذا بلغ مرتدا يحبس ، ويجبر على الإسلام ، ولا يقتل فإن مات هذا اللقيط قبل أن يعقل صليت عليه سواء كان وجده مسلم أو ذمي لأنه حكم بإسلامه تبعا للمكان فيصلى عليه إذا مات كالصبي إذا سبي وأخرج إلى دار الإسلام ، وليس معه أحد من أبويه يصلى عليه إذا مات .
( قال ) ولو كان وجد في بيعة أو كنيسة أو قرية ليس [ ص: 215 ] فيها إلا مشرك لم يجبر على الإسلام إذا بلغ كافرا وإن مات قبل أن يعقل لم يصل عليه لأن الظاهر أنه من أولاد أهل تلك القرية ، وهم كفار كلهم ، وهذه المسألة على أربعة أوجه في الحاصل أحدها أن يجده مسلم في مكان المسلمين كالمسجد ونحوه فيكون محكوما له بالإسلام ، والثاني أن يجده كافر في مكان أهل الكفر كالبيعة والكنيسة فيكون محكوما بالكفر لا يصلى عليه إذا مات ، والثالث أن يجده كافر في مكان المسلمين ، والرابع أن يجده مسلم في مكان الكفار ففي هذين الفصلين اختلفت الرواية ففي كتاب اللقيط يقول العبرة للمكان في الفصلين جميعا ، وفي رواية ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى قال العبرة للواجد في الفصلين جميعا ، وهكذا ذكر في بعض النسخ من كتاب الدعوى ، وفي بعض النسخ قال أيهما كان موجبا للإسلام يعتبر ذلك ، وفي بعض النسخ قال يحكم زيه ، وعلامته ، وجه رواية هذا الكتاب أن المكان إليه أسبق من يد الواجد ، وعند التعارض يترجح السابق ، والظاهر يدل عليه فإن المسلمين لا يضعون أولادهم في البيعة عادة ، وكذلك أهل الذمة لا يضعون أولادهم في مساجد المسلمين عادة فيبنى على الظاهر ما لم يعلم خلافه .

وجه رواية ابن سماعة رضي الله تعالى عنه أن يد الواجد أقوى لأنه إحراز له ، والمباح بالإحراز يظهر حكمه ، وإنما يعتبر تبعية المكان عند عدم يد معتبرة ألا ترى أن من سبي ، ومعه أحد أبويه لا يحكم له بالإسلام باعتبار الدار فكذلك مع يد الواجد لا معتبر بالمكان فكان المعتبر فيه حال الواجد ، ووجه الرواية الأخرى أن اعتبار أحدهما يوجب الإسلام ، واعتبار الآخر يوجب الكفر فيترجح الموجب للإسلام كما في المولود بين مسلم وكافر ، ووجه الرواية التي يعتبر فيها الزي . قال : عند الاشتباه اعتبار الزي والعلامة أصل كما إذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار يعتبر الزي ، والعلامة للفصل ، وكذلك المسلمون إذا فتحوا القسطنطينية فوجدوا شيخا عليه سيما المسلمين يعلم صبيانا حوله القرآن ، ويزعم أنه مسلم فإنه يجب الأخذ بقوله ، ولا يجوز استرقاقه لاعتبار الزي ، والعلامة ، والأصل فيه قوله تعالى { تعرفهم بسيماهم } فهذا اللقيط إذا كان عليه زي المسلمين يحكم بإسلامه أيضا ، وإذا كان عليه زي الكفار بأن كان في عنقه صليب أو عليه ثوب ديباج أو هو محروز وسط الرأس فالذي يسبق إلى وهم كل أحد أنه من أولاد الكفار فيحكم بكفره وإن وجده مسلم في قرية فيها مسلمون ، وكفار صليت عليه إذا مات استحسانا ، وعلى رواية هذا الكتاب يعتبر المكان . وجه القياس أنه لما تعارض الدليلان ، وتساويا لا يصلى عليه كموتى الكفار والمسلمين إذا اختلطوا ، واستووا لم يصل [ ص: 216 ] عليهم على ما بيناه في التحري ، ووجه الاستحسان أن الأدلة لما تعارضت في حق المكان يترجح الإسلام باعتبار الواجد لأنه مسلم أو باعتبار علو حالة الإسلام فلهذا يصلى عليه إذا مات .
وإذا وجد اللقيط على دابة فالدابة له لسبق يده إليها فإن المركوب تبع لراكبه ، وهو كمال آخر يوجد معه ، وقد بينا أن ذلك له باعتبار الظاهر أن من وضع معه المال فإنما وضع لينفق عليه منه فكذلك من حمله على الدابة فإنما حمله عليها لينفق عليه مالية تلك الدابة .

وإذا وجد اللقيط بالكوفة فادعاه رجل من أهل الذمة أنه ابنه فلا يصدق في القياس لأنه حكم له بالحرية ، والإسلام فلو جعل ابن الكافر بدعواه لكان تبعا له في الدين ، وذلك ممتنع بعدما حكم بإسلامه ، ولأن تنفيذ قوله عليه في دعوة النسب نوع ولاية ، ولا ولاية للكافر على المسلم ، ولكنا نستحسن أن يكون ابنه ، ويكون مسلما لأنه محتاج إلى النسب بعدما حكم بإسلامه فمن ادعى نسبه ، وإن كان ذميا فهو مقر له بما ينفعه فيكون إقراره صحيحا ، وموجب كلامه شيئان أحدهما ثبوت نسبه منه ، وذلك ينفعه ، والآخر كفره ، وذلك يضره ، وليس من ضرورة امتناع قبول قوله في أحد الحكمين امتناعه في الآخر لأن النسب ينفصل عن الدين ألا ترى أن ولد الكافر من امرأة مسلمة يكون ثابت النسب من الكافر ، ويكون مسلما فهذا مثله .
فإذا ادعى مسلم أن اللقيط عبده ، وأقام البينة قضي له به لأنه أثبت دعواه بالحجة ، وثبوت حريته باعتبار الظاهر ، والظاهر لا يعارض البينة ( فإن قيل ) كيف تقبل هذه البينة ، ولا خصم عن اللقيط لأن الملتقط ليس بولي فلا يكون خصما عنه فيما يضره ( قلنا ) الملتقط خصم له باعتبار يده لأنه يمنعه منه ، ويزعم أنه أحق بحفظه لأنه لقيط فلا يتوصل المدعي إلى استحقاق يده عليه إلا بإقامة البينة على رقه فلهذا كان خصما عنه فإن أقام الذمي البينة من أهل الذمة أنه ابنه لم تجز شهادتهم على المسلمين . قيل مراده أنه أقام البينة من أهل الذمة في معارضة بينة المسلم الذي أقامها على رقه ، ولا تحصل المعارضة بهذه لأن شهادة أهل الذمة لا تكون حجة على الخصم المسلم ، والأصح أن مراده إذا ادعى الذمي ابتداء أنه ابنه ، وأقام البينة من أهل الذمة فإن النسب قد ثبت منه بالدعوة ، ولكنه محكوم له بالإسلام فلا يبطل ذلك بهذه البينة ، ولا يحكم بكفره لأن هذه الشهادة في حكم الدين إنما تقوم على المسلم ، وشهادة أهل الذمة بالكفر على المسلم لا تقبل وإن كان شهوده مسلمين قضيت له به لأنه أثبت نسبه منه بما هو حجة على المسلم فيصير تبعا له في الدين ، ولا يأخذه الملتقط بما أنفق عليه لأنه كان متطوعا [ ص: 217 ] فيما فعل .
وإذا وجد اللقيط مسلم وكافر فتنازعا في كونه عبد أحدهما قضي به للمسلم لأنه محكوم له بالإسلام فكان المسلم أحق بحفظه ، ولأن المسلم يعلمه أحكام الإسلام ، والكافر يعلمه أحكام الكفر إذا كان عنده ، وكونه عند المسلم أنفع له حتى يتخلق بأخلاق المسلمين ، واللقيط يعرف ما هو أنفع له .
وإن ادعت امرأة اللقيط أنه ابنها لم تصدق إلا بشهود بخلاف ما إذا ادعاه رجل لأن النسب يثبت باعتبار الفراش فإنما يثبت من صاحب الفراش أولا ، وهو الرجل فالمرأة بالدعوة تحمل النسب على غيرها ، وهو صاحب الفراش حتى إذا ثبت منه يثبت منها ، وقولها ليس بحجة على الغير ، والرجل يدعي النسب لنفسه ابتداء ، ويقر به على نفسه يوضح الفرق أن سبب ثبوت النسب من الرجل خفي لا يقف عليه غيره ، وهو الوطء فيقبل فيه مجرد قوله ، وسبب ثبوت النسب من المرأة الولادة ، وذلك يقف عليه غيرها ، وهو القابلة فلم يكن مجرد قولها فيه حجة فإن أقامت رجلا وامرأتين على الولادة يثبت النسب منها لأن النسب مما يثبت مع الشبهات فيثبت بشهادة الرجال مع النساء .
وإن ادعته امرأتان ، وأقامت كل واحدة امرأة أنه ابنها فهو ابنهما جميعا في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وهذا في رواية أبي حفص رحمه الله تعالى ، وأما في رواية أبي سليمان رضي الله عنه لا يكون ابن واحدة منهما .

وجه رواية أبي حفص أن شهادة المرأة الواحدة حجة تامة في إثبات الولادة لأنه لا يطلع عليها الرجال فكان إقامة كل واحدة منهما امرأة واحدة بمنزلة إقامتها رجلين أو رجلا وامرأتين .

وجه رواية أبي سليمان رضي الله عنه أن شهادة المرأة الواحدة حجة ضعيفة لأنها شهادة ضرورية فلا تكون حجة عند المعارضة والمزاحمة ألا ترى أنه لو أقامت إحداهما رجلين ، والأخرى امرأة واحدة لم تكن شهادة المرأة الواحدة حجة في معارضة شهادة رجلين فلا يثبت النسب من واحدة منهما إلا أن يقيم كل واحدة منهما البينة رجلين أو رجلا وامرأتين فحينئذ يثبت النسب منهما في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وفي قولهما لا يثبت من واحدة منهما ، وقد بينا هذه المسألة فيما أمليناه من شرح كتاب الدعوى مع أختها ، وهو أن يدعي رجلان أو أكثر من ذلك ، وما في ذلك من اختلاف الروايات فإن أقامت إحداهما رجلين ، والأخرى امرأتين جعلته ابن التي شهد لها الرجلان ; لأن شهادة الرجلين حجة قوية ، وشهادة المرأتين حجة ضعيفة ، والضعيف ساقط الاعتبار في مقابلة القوي .

وإذا وجد العبد أو المكاتب أو الذمي أو الحربي لقيطا في مصر من أمصار المسلمين فهو حر لأنه لما علم أنه لقيط [ ص: 218 ] فقد حكم بحريته باعتبار الدار أو الأصل فلا يتغير ذلك الحكم بصفة الملتقط بعد ذلك .
وإذا وجد اللقيط قتيلا في مكان غير ملك الملتقط فالقسامة والدية على أهل ذلك المكان ، وتلك المحلة لبيت المال لأنه حر محترم فإنه لما حكم بإسلامه ، وحريته كانت لنفسه من الحرمة والتقوم ما لسائر نفوس الأحرار ، ووجوب الدية والقسامة لصيانة النفوس المحترمة عن الإهدار كما قال صلى الله عليه وسلم { لا يترك في الإسلام دم مفرج } أي مهدر ثم بدل النفس ميراث عنه ، وقد بينا أن ميراثه لبيت المال .

وإذا وجد العبد لقيطا فلم يعرف ذلك إلا بقوله ، وقال المولى كذبت بل هو عبدي فالقول قول المولى إذا كان العبد محجورا لأنه ليست له يد معتبرة فيما هو قابض له بل يده يد مولاه فكأنه في يد مولاه وإن كان مأذونا له في التجارة فالقول قول العبد لأن له يدا معتبرة في كسبه فإن الإذن في التجارة فك الحجر ، وإطلاق اليد في الكسب ، ومن له يد معتبرة في شيء فقوله فيه مسموع يوضح الفرق أن العبد بقوله هذا لقيط في يدي يخبر بسقوط حق مولاه عنه لأنه حر ، والمحجور لا قول له فيما في يده في إسقاط حق المولى عنه ألا ترى أنه لو أقر على نفسه بالدين لا يسقط به حق مولاه عما في يده بخلاف المأذون فقوله فيما يده مقبول في إسقاط حق المولى عن أخذه كما لو أقر بدين على نفسه .

وإذا وجد الرجل لقيطا فأقر بذلك ثم قتله هو أو غيره خطأ فالدية على عاقلة القاتل لبيت المال لقوله تعالى { ، ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ، ودية مسلمة إلى أهله } ، واللقيط حر مؤمن فيجب على قاتله الدية على عاقلته إذا كان خطأ ، والملتقط وغيره في ذلك سواء ، وإن قتله عمدا فإن شاء الإمام قتله به ، وإن شاء صالحه على الدية في قول أبي حنيفة ومحمد ، وقال أبو يوسف رضوان الله عليهم أجمعين عليه الدية في ماله ، ولا أقتله به ، والحربي إذا أسلم ، وخرج إلى دارنا ثم قتله إنسان عمدا فعلى قاتله القصاص في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ، وفيه روايتان عن أبي يوسف رحمه الله تعالى وجه قول أبي يوسف رحمه الله تعالى أنا نعلم أن للقيط ، وليا في دار الإسلام من عصبة أو غير ذلك وإن بعد إلا أنا لا نعرفه بعينه ، وحق استيفاء القصاص يكون إلى الولي كما قال الله تعالى { فقد جعلنا لوليه سلطانا } فيصير ذلك شبهة مانعة للإمام من استيفاء القصاص ، وإذا تعذر استيفاء القصاص بشبهة وجبت الدية في مال القاتل لأنها وجبت بعمد محض ، وعلى هذا الطريق نقول في الذي أسلم من أهل الحرب [ ص: 219 ] يجب القصاص لأنا نعلم أنه لا ولي له في دار الإسلام ، والطريق الآخر أن القصاص عقوبة مشروعة ليشفي الغيظ ودرك الثأر ، وهذا المقصود يحصل للأولياء ، ولا يحصل للمسلمين ، والإمام نائب عن المسلمين في استيفاء ما هو حق لهم ، وحقهم فيما ينفعهم ، وهو الدية لأنه مال مصروف إلى مصالحهم فلهذا أوجبنا الدية دون القصاص .

وعلى هذا الطريق الذي أسلم من أهل دار الحرب ، واللقيط سواء ، وحجة أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى العمومات الموجبة للقود كقوله تعالى { كتب عليكم القصاص } ، وقال صلى الله عليه وسلم { العمد قود } ، ولأن من لا يعرف له ولي فالإمام وليه كما قال صلى الله عليه وسلم { السلطان ولي من لا ولي له } ، وإذا ثبت أن السلطان هو الولي تمكن من استيفاء القصاص لقوله تعالى { فقد جعلنا لوليه سلطانا } ، والمراد سلطان استيفاء القود ألا ترى أنه عقبه بالنهي عن الإسراف في القتل بقوله تعالى { فلا يسرف في القتل } ، وهذا يتضح في الذي أسلم ، وكذلك في اللقيط لأن ما لا يوقف عليه في حكم المعدوم ولأن وليه لما كان عاجزا عن الاستيفاء ناب الإمام منابه في ذلك وليس هنا شبهة عفو لأن ذلك الولي غير معلوم حتى يتوهم العفو منه ، وحديث الهرمزان حجة لهما أيضا فإن عبيد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما لما قتله بتهمة دم أبيه ، واستقر الأمر على عثمان رضي الله تعالى عنه طلب منه علي رضي الله تعالى عنه أن يقتص منه فقال عثمان رضي الله تعالى عنه هذا رجل قتل أبوه بالأمس فأنا أستحيي أن أقتله اليوم ، وإن الهرمزان رجل من أهل الأرض ، وأنا وليه أعفو عنه ، وأؤدي الدية فقد اتفقا على وجوب القصاص ثم القصاص مشروع لحكمة الحياة كما قال تعالى { ولكم في القصاص حياة } الآية ، وذلك بطريق الزجر حتى ضر إذا تفكر في نفسه أنه متى قتل غيره قتل به انزجر عن قتله فيكون حياة لهما جميعا ولهذا قيل القتل أنفى للقتل ، وهذا المعنى متحقق في اللقيط ، والذي أسلم كتحققه في غيرهما فكان للإمام أن يستوفي القصاص إن شاء وإن شاء صالح على الدية لأنه مجتهد وله أن يميل باجتهاده إلى المطالبة بالدية ولأنه ناظر للمسلمين فربما يكون استيفاء الدية أنفع للمسلمين وليس له أن يعفو بغير مال لأنه نصب لاستيفاء حق المسلمين لا لإبطاله .

ويحد قاذف اللقيط في نفسه ولا يحد قاذفه في أمه لأنه محصن فإنه عفيف عن الزنا أولا معتبر بالنسب في إحصان القذف فيحد قاذفه في نفسه فأما أمه ليست بمحصنة بل هي في صورة الزانيات لأن لها ولد لا يعرف له والد فلهذا لا يحد قاذفه في أمه ، وفي حد القذف [ ص: 220 ] والقصاص اللقيط كغيره من الأحرار لأنه محكوم بحريته فعليه الحد الكامل إذا ارتكب السبب الموجب له فإن أقر بعدما أدرك أنه عبد لفلان ، وادعاه فلان كان عبدا له لأنه غير متهم فيما يقر به على نفسه وليس في قبول إقراره إبطال حق ثابت لا حد فيه وليس له نسب معروف فكان ما أقر به من الرق محتملا ولكن هذا إذا لم تتأكد حريته بقضاء القاضي عليه بما لا يقضي به إلا على الحر كالحد الكامل ، والقصاص في الطرف فأما إذا اتصلت حريته بقضاء القاضي بذلك لم يقبل إقراره بالرق بعد ذلك لأنه يبطل حكم الحاكم بإقراره ، وقوله ليس بحجة في إبطال الحكم ولأنه مكذب في هذا الإقرار شرعا ولو كذبه المقر له كان حرا فإذا كذبه الشرع أولى ، ومتى ثبت الرق بإقراره فأحكامه بعد ذلك في الجنايات ، والحدود كأحكام العبد لأنه صار محكوما عليه بالرق .
وإن كان اللقيط امرأة فأقرت بالرق لرجل ، وادعى ذلك الرجل كانت أمة له لتصادقهما على ما هو محتمل ولا حق لغيرهما في ذلك إلا أنها إن كانت تحت زوج لا تصدق في إبطال النكاح لأن ذلك حق الزوج وليس من ضرورة الحكم برقها انتفاء النكاح لأن الرق لا ينافي النكاح ابتداء وبقاء بخلاف ما إذا أقرت أنها ابنة أبي زوجها ، وصدقها الأب في ذلك فإنه يثبت النسب ، ويبطل النكاح لتحقق المنافي فإن الأختية تنافي النكاح ابتداء وبقاء ولو أعتقها المقر له لم يكن لها خيار أيضا لأن إقرارها بالرق في حق الزوج لم يكن صحيحا ولأنه تتمكن تهمة المواضعة بينها وبين المقر له في أن تقر له بالرق ثم يعتقها فتختار نفسها لتخلص من الزوج فلهذا لا تصدق في حقه ، والأصل في كل حكم لحق الزوج فيه ضرر لا يمكنه دفعه عن نفسه فإنها لا تصدق في ذلك الحكم ، وفي كل ما يمكنه دفع الضرر عن نفسه تكون مصدقة في حقه حتى إذا طلقها واحدة فأقرت بالرق صار طلاقها اثنتين لأنه يتمكن من دفع الضرر عن نفسه بمراجعتها ، وإمساكها بحكم التطليقة الثانية .

ولو كان طلقها اثنتين ثم أقرت بالرق فإنه يملك رجعتها لأنا لو جعلنا طلاقها اثنتين بإقرارهما لحق الزوج ضرر لا يمكنه دفع ذلك عن نفسه فلا نصدقها في ذلك ، وكذا حكم العدة إن أقرت بالرق بعد مضي حيضتين فله أن يراجعها في الحيضة الثالثة .

وإن أقرت بالرق بعد مضي حيضة فعدتها حيضتان لما قلنا .

ولو قذفها زوجها لم يكن عليه حد ولا لعان لأن الرق ثبت في حقها بإقرارها ، والمملوكة لا تكون محصنة فلا يجب بقذفها حد ولا لعان

ولو كانت دبرت عبدا [ ص: 221 ] أو أمة ثم أقرت بالرق لم تصدق على إبطاله لأن المدبر استحق حق العتق بالتدبير .

ولو استحق حقيقة العتق بأن أعتقته لم تصدق على إبطاله لكونها متهمة في حقه فكذلك في التدبير فإذا ماتت عتق من ثلثها ، وسعى في ثلثي قيمته لمولاها لأن السعاية حقها ، وقد زعمت أن كسبها لمولاها ، وإقرارها في حق نفسها صحيح .

ولو أن مولاها أعتقها كان المدبر على حاله غير أن خدمته للمولى ، وسعايته بعد موتها له لأنها أقرت له بذلك ، وإقرارها بذلك صحيح لأنه خالص حقها ثم بإعتاق المولى إياها لا يسقط حقه عن كسبها الذي كان قبل العتق فلهذا كانت خدمة مدبرها ، وسعايته بعد موتها لمولاها .

وإذا أدرك اللقيط فتزوج امرأة ثم أقر أنه عبد لفلان ولامرأته عليه صداق فصداقها لازم له ولا يصدق على إبطاله لأن ذلك دين ظهر وجوبه عليه لصحة سببه فكان هو متهما في قراره فيما يرجع إلى إبطاله .

وكذلك إن استدان دينا أو باع إنسانا أو كفل بكفالة أو وهب هبة أو تصدق بصدقة ، وسلمها أو كاتب عبدا أو أعتقه أو دبره ثم أقر بأنه عبد لفلان لا يصدق على إبطال شيء من ذلك لأنه متهم في ذلك ولأن ثبوت الحكم بحسب الحجة ، وقوله ليس بحجة على أحد من هؤلاء فيما يرجع إلى إبطال حقهم فوجود إقراره في ذلك وعدمه سواء ، والله سبحانه أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب

انتهى المجلد العاشر

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #222  
قديم 14-12-2025, 04:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,794
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 2 الى صـــ 11
(222)




[ ص: 2 ] كتاب اللقيطة

( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي الفضل السرخسي اختلف الناس فيمن وجد لقطة فالمتفلسفة يقولون : لا يحل له أن يرفعها ; لأنه أخذ المال بغير إذن صاحبه ، وذلك حرام شرعا ، فكما لا يحل له أن يتناول مال الغير بغير إذن صاحبه لا يحل له إثبات اليد عليه ، وبعض المتقدمين من أئمة التابعين كان يقول : يحل له أن يرفعها والترك أفضل ; لأن صاحبها إنما يطلبها في الموضع الذي سقطت منه ، فإذا تركها وجدها صاحبها في ذلك الموضع ، ولأنه لا يأمن على نفسه أن يطمع فيها بعد ما يرفعها فكان في رفعها معرضا نفسه للفتنة ، والمذهب عند علمائنا رحمهم الله وعامة الفقهاء أن رفعها أفضل من تركها ; لأنه لو تركها لم يأمن أن تصل إليها يد خائنة فيكتمها عن مالكها ، فإذا أخذها هو عرفها حتى يوصلها إلى مالكها ، ولأنه يلتزم الأمانة في رفعها ; لأنه يحفظها ويعرفها ، والتزام أداء الأمانة يفرض بمنزلة الثواب ; لأنه يثاب على أداء ما يلتزمه من الأمانة ، فإنه يمتثل فيه الأمر قال تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } وامتثال الأمر سبب لنيل الثواب ، ثم ما يجده نوعان :

( أحدهما ) ما يعلم أن مالكه لا يطلبه كقشور الرمان والنوى .

( والثاني ) ما يعلم أن مالكه يطلبه . فالنوع الأول له أن يأخذه وينتفع به إلا أن صاحبه إذا وجده في يده بعد ما جمعه كان له أن يأخذه منه ; لأن إلقاء ذلك من صاحبه كان إباحة الانتفاع به للواحد ولم يكن تمليكا من غيره ، فإن التمليك من المجهول لا يصح ، وملك المبيح لا يزول بالإباحة ولكن للمباح له أن ينتفع به مع بقاء ملك المبيح ، فإذا وجده في يده فقد وجد عين ملكه قال صلى الله عليه وسلم : { من وجد عين ماله فهو أحق به } وإن وجد ذلك مجتمعا لم يحل له أن ينتفع به ; لأن الظاهر أن المالك ما ألقاه بعد ما جمعه ولكنه سقط منه فكان هذا من النوع الثاني ، وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله أن من ألقى شاة ميتة له فجاء آخر وجز صوفها كان له أن ينتفع به ولو وجده صاحب [ ص: 3 ] الشاة في يده كان له أن يأخذه منه ، ولو سلخها ودبغ جلدها كان لصاحبها أن يأخذ الجلد منه بعد ما يعطيه ما زاد الدباغ فيه ; لأن ملكه لم يزل بالإلقاء ، والصوف مال متقوم من غير اتصال شيء آخر به ، فله أن يأخذه مجانا ، فأما الجلد لا يصير مالا متقوما إلا بالدباغ ، فإذا أراد أن يأخذه كان عليه أن يعطيه ما زاد الدباغ فيه .

فأما ( النوع الثاني ) وهو ما يعلم أن صاحبه يطلبه فمن يرفعه فعليه أن يحفظه ويعرفه ليوصله إلى صاحبه ، وبدأ الكتاب به ورواه عن إبراهيم قال في اللقطة : يعرفها حولا ، فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها ، فإن جاء صاحبها فهو بالخيار إن شاء أنفذ الصدقة ، وإن شاء ضمنه ، وما ذكر هذا على سبيل الاحتجاج بقول إبراهيم ; لأن أبا حنيفة رحمه الله كان لا يرى تقليد التابعين ، وكان يقول هم رجال ونحن رجال ، ولكن ظهر عنده أن إبراهيم فيما كان يفتى به يعتمد قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما ، فإن فقه أهل الكوفة دار عليهما ، وكان إبراهيم أعرف الناس بقولهما فما صح عنه فهو كالمنقول عنهما ، فلهذا حشا الكتاب من أقاويل إبراهيم ، وفي هذا الحديث بيان أن الملتقط ينبغي له أن يعرف اللقطة ، والتقدير بالحول ليس بعام لازم في كل شيء ، وإنما يعرفها مدة يتوهم أن صاحبها يطلبها وذلك يختلف بقلة المال وكثرته حتى قالوا في عشرة دراهم فصاعدا : يعرفها حولا ; لأن هذا مال خطير يتعلق القطع بسرقته ويتملك به ما له خطر ، والتعريف لإيلاء العذر والحول الكامل لذلك حسن قال القائل :
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
وفيما دون العشرة إلى ثلاثة يعرفها شهرا ، وفيما دون ذلك إلى الدرهم يعرفها جمعة ، وفي دون الدرهم يعرف يوما ، وفي فلس أو نحوه ينظر يمنة ويسرة ثم يضعه في كف فقير ، وشيء من هذا ليس بتقدير لازم ; لأن نصب المقادير بالرأي لا يكون ولكنا نعلم أن التعريف بناء على طلب صاحب اللقطة ، ولا طريق له إلى معرفة مدة طلبه حقيقة فيبنى على غالب رأيه ، ويعرف القليل إلى أن يغلب على رأيه أن صاحبه لا يطلبه بعد ذلك ، فإذا لم يجئ صاحبها بعد التعريف تصدق بها ; لأنه التزم حفظها على مالكها ، وذلك باتصال عينها إليه إن وجده وإلا فباتصال ثوابها إليه ، وطريق ذلك التصدق بها .

فإن جاء صاحبها فهو بالخيار إن شاء ضمنه لأنه تصدق بماله بغير إذنه ، وذلك سبب موجب للضمان عليه ، وإن شاء أنفذ الصدقة فيكون ثوابها له وإجازته في الانتهاء بمنزلة إذنه في الابتداء ، فإن قيل : كيف يضمنها له ، وقد تصدق بها بإذن الشرع قلنا : [ ص: 4 ] الشرع أباح له التصدق بها وما ألزمه ذلك ، ومثل هذا الإذن مسقط للإثم عنه غير مسقط لحق محترم للغير ، كالإذن في الرمي إلى الصيد ، والإذن في المشي في الطريق ، فإنه يتقيد بشرط السلامة ، وحق صاحب هذا المال مرعي محترم ، فلا يسقط حقه عن هذا العين بهذا الإذن ، فله أن يضمنه إن شاء ، والإذن هنا دون الإذن لمن أصابته مخمصة في تناول ملك الغير ، وذلك غير مسقط للضمان الواجب لحق صاحب المال . وذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه اشترى جارية بسبعمائة درهم أو بثمانمائة درهم فذهب صاحبها فلم يقدر عليه فخرج ابن مسعود رضي الله عنه بالثمن في صرة فجعل يتصدق بها ويقول لصاحبها ، فإن أبى فلنا وعلينا الثمن ، فلما فرغ قال : هكذا يصنع باللقطة وفي هذا اللفظ بيان أن الملتقط له أن يتصدق بها بعد التعريف على أن يكون ثوابها لصاحبها إن أجاز ، وإن أبى فله الضمان على المتصدق ، وليس مراد ابن مسعود رضي الله عنه من هذا أن حكم الثمن الواجب عليه حكم اللقطة من كل وجه ، وكيف يكون ذلك والثمن دين في ذمته وما تصدق به من الدراهم خالص ملكه ، فأما عين اللقطة فمملوكة لصاحبها والملتقط أمين فيها فعرفنا أن هذا ليس في معنى اللقطة ، ولا يقال : لعله كان اشتراها بمال معين ; لأنه صح من مذهبه أن النقود لا تتعين في العقد ، ولو تعينت فهي مضمونة على المشتري فعرفنا أنه ليس كاللقطة من كل وجه وأنه بالتصدق ما قصد إسقاط الثمن عن نفسه بل قصد إظهار المجاملة في المعاملة واتصال ثوابها إلى صاحبها إن رضي بصنيعه وإلا فالثمن دين عليه كما كان .

وعن أبي سعيد مولى أسيد قال : وجدت خمسمائة درهم بالحرة وأنا مكاتب فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : اعمل بها وعرفها فعملت بها حتى أديت مكاتبتي ثم أتيته فأخبرته بذلك فقال : ادفعها إلى خزان بيت المال ، وفي هذا دليل أن للإمام ولاية الإقراض في اللقطة والدفع مضاربة ; لأن قول عمر رضي الله عنه اعمل بها وعرفها إما أن يكون بطريق المضاربة أو الإقراض مضاربة ، وقد علمنا أنه لم يرد المضاربة حتى لم يتبين نصيبه من الربح فكان مراده الإقراض منه ، وفي هذا معنى النظر لصاحب المال ; لأنه يعرض للهلاك فيهلك من صاحبه قبل الإقراض وبعد الإقراض يصير دينا في ذمة المستقرض يؤمن فيه التوى بالهلاك ، وكذلك بالجحود ; لأنه متأكد بعلم القاضي ; ولهذا كان للقاضي ولاية الإقراض في أموال اليتامى ، وربما يكون معنى النظر في الدفع إليه مضاربة أو إلى غيره فذلك كله إلى القاضي ; لأنه نصب ناظرا ، وفيه دليل على أن الملتقط إذا كان محتاجا ، فله أن ينتفع باللقطة بعد . [ ص: 5 ] التعريف ; لأن هذا المكاتب كان محتاجا إلى العمل فيها فيؤدي مكاتبته من ربحها فأذن له عمر رضي الله عنه في ذلك وفيه دليل أن للإمام أن يقبض اللقطة من الملتقط إن رأى المصلحة في ذلك ; لأنه أمره بدفعها إلى خزان بيت المال ، وكأنه إنما أمره بذلك ; لأنه كان سبيلها التصدق بها بعد التعريف فأمره بدفعها إلى من هو في يده بيت مال الصدقة ليضعها موضع الصدقة ، وذكر في الأصل عن سويد بن غفلة قال : حججت مع سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم فوجدنا سوطا فاحتماه القوم وكرهوا أن يأخذوه ، وكنت أحوجهم إليه فأخذته فسألت عن ذلك أبي بن كعب فحدثني بالمائة دينار التي وجدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وجدت مائة دينار { فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال : عرفها سنة فعرفتها فلم يعرفها أحد ، فأخبرته فقال : عرفها سنة أخرى فعرفتها فلم يعرفها أحد فأخبرته فقال : عرفها سنة أخرى فعرفتها فلم يعرفها أحد فأخبرته ثم قال بعد ثلاث سنين : اعرف عددها ووكاءها واخلطها بمالك ، فإن جاء طالبها فادفعها إليه وإلا فانتفع بها ، فإنها رزق ساقه الله إليك } .

وأما قوله : وجدنا سوطا يحتمل أن يكون ذلك مما يكسر من السياط ويعلم أن صاحبه ألقاه فتركه القوم ; لأنهم ما كانوا محتاجين إليه وأخذه سويد لينتفع به ، فإنه كان محتاجا إليه فذلك يدل على أن ما ألقاه صاحبه يباح أخذه للانتفاع به لمن شاء ، ويحتمل أن هذا كان سوطا هو مال متقوم يعلم أن صاحبه يطلبه فيكون بمنزلة اللقطة ، وفي قوله : فاحتماه القوم حجة لمن يقول : ترك اللقطة أولى من رفعها ولكنا نقول : هذا كان في ذلك الوقت ; لأن الغلبة كانت لأهل الخير والصلاح ، فإذا تركه واحد يتركه الآخر أيضا أو يأخذه ليؤدي الأمانة ، فأما في زماننا فقد غلب أهل الشر إذا ترك الأمين يأخذ الخائن فيكتم من صاحبه ، والحكم يختلف باختلاف أحوال الناس ، ألا ترى أن النساء كن يخرجن إلى الجماعات في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصديق رضي الله عنه ثم منعن من ذلك في زمن عمر رضي الله عنه وكان صوابا ، وفي الحديث الذي رواه أبي بن كعب رضي الله عنه دليل لما قلنا أن التقدير بالحول في التعريف ليس بلازم ولكنه يعرفها بحسب ما يطلبها صاحبها ، ألا ترى أن المائة دينار لما كانت مالا عظيما كيف أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يعرفها ثلاث سنين ، ثم بظاهر الحديث يستدل الشافعي رحمه الله في أن للملتقط أن ينتفع باللقطة بعد التعريف ، وإن كان غنيا ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جوز ذلك لأبي رضي الله عنه [ ص: 6 ] وهو كان غنيا ، وقد دل على غناه قوله عليه الصلاة والسلام اخلطها بمالك ، ولكنا نقول : يحتمل أنه لفقره وحاجته لديون عليه فأذن له في الانتفاع وخلطها بماله ، ويحتمل أنه علم أن ذلك المال لحربي لا أمان له ، وقد سبقت يده إليه فجعله أحق به لهذا .

وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قال : { رزق ساقه إليك الله } ولكن مع هذا أمره بأن يعرف عددها ووكاءها احتياطا ، حتى إذا جاء طالب لها محترم تمكن من الخروج مما عليه يدفع مثلها إليه ، وذكر عن الحسن بن صباح قال : وجد رجل لقطة أيام الحاج فسأل عنها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال : عرفها في الموسم ، فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها ، فإن جاء صاحبها فخيره بين الأجر وبين الثمن يعني القيمة ، فإن اختار الثمن فادفع إليه ، وإن اختار الأجر ، فله الأجر ، وفي هذا دليل على أنه ينبغي للملتقط أن يعرفها في الموضع الذي أصابها فيه ، وأن يعرفها في مجمع الناس ; ولهذا أمره بالتعريف في الموسم . وهذا لأن المقصود إيصالها إلى صاحبها ، وذلك بالتعريف في مجمع الناس في الموضع الذي أصابها حتى يتحدث الناس بذلك بينهم فيصل الخبر إلى صاحبها ، وذكر عن أبي إسحاق عن رجل قال : وجدت لقطة حين أنفر علي بن أبي طالب رضي الله عنه الناس إلى صفين فعرفتها تعريفا ضعيفا حتى قدمت على علي رضي الله عنه فأخبرته بذلك فضرب يده على صدري ، وفي رواية قال لي : إنك لعريض القفا خذ مثلها فاذهب حيث وجدتها ، فإن وجدت صاحبها فادفعها إليه وإلا فتصدق بها ، فإن جاء صاحبها فخيره إن شاء اختار الأجر ، وإن شاء ضمنك ومعنى قوله : فعرفتها تعريفا ضعيفا أي عرفتها سرا وما أظهرت تعريفها في مجمع الناس فكأنه طمع في أن تبقى له ، وعرف ذلك منه علي رضي الله عنه حين ضرب يده على صدره ، وقال ما قال إنك سليم القلب تطمع في مال الغير ، وهذا من دعابة علي رضي الله عنه ، وقد كان به دعابة كما قال عمر رضي الله عنه حين ذكر عليا رضي الله عنه للخلافة ، أما إنه إن ولي هذا الأمر حمل الناس على محجة بيضاء لولا دعابة به .

وفيه دليل أن التعريف سرا لا يكفي بل ينبغي للملتقط أن يظهر التعريف كما أمر علي رضي الله عنه الرجل به ، وأنه ينبغي أن يعرفها في الموضع الذي وجدها ; لأن صاحبها يطلبها في ذلك الموضع ، وحكي أن بعض العلماء وجد لقطة وكان محتاجا إليها فقال في نفسه : لا بد من تعرفها ، ولو عرفتها في المصر ربما يظهر صاحبها فخرج من المصر حتى انتهى إلى رأس بئر فدلى رأسه في البئر وجعل يقول : وجدت كذا ، فمن سمعتموه ينشد ذلك فدلوه علي ، وبجنب البئر رجل يرقع شملة وكان صاحب اللقطة فتعلق به حتى [ ص: 7 ] أخذها منه ليعلم أن المقدور كائن لا محالة ، فلا ينبغي أن يترك ما التزمه شرعا ، وهو إظهار التعريف ، وبعد إظهار التعريف إن جاء صاحبها دفعها إليه لحصول المقصود بالتعريف ، وإن لم يجئ فهو بالخيار إن شاء أمسكها حتى يجيء صاحبها ، وإن شاء تصدق بها ; لأن الحفظ هو العزيمة والتصدق بها بعد التعريف حولا رخصة ، فيخير بين التمسك بالعزيمة أو الترخص بالرخصة ، فإن تصدق بها ثم جاء صاحبها فهو بالخيار إن شاء أجاز الصدقة ويكون له ثوابها وإن شاء اختار الضمان ، وإذا اختار الضمان يخير بين تضمين الملتقط وبين تضمين المسكين ; لأن كل واحد منهما في حقه مكتسب سبب الضمان الملتقط بتمليك ماله من غيره بغير إذنه ، والمسكين يقبضه لنفسه على طريق التمليك ، وأيهما ضمنه لم يرجع على الآخر بشيء ، أما المسكين فلأنه في القبض عامل لنفسه ، فلا يرجع بما يلحقه من الضمان على غيره ، وأما الملتقط فلأنه بالضمان قد ملك وظهر أنه تصدق بملك نفسه فله ثوابها ، ولا رجوع له على المسكين بشيء ، وإن كان الملتقط محتاجا فله أن يصرفها إلى حاجة نفسه بعد التعريف ; لأنه إنما يتمكن من التصدق بها على غيره لما فيه من سد خلة المحتاج واتصال ثوابها إلى صاحبها ، وهذا المقصود يحصل بصرفها إلى نفسه إذا كان محتاجا . فكان له صرفها إلى نفسه لهذا المعنى .

فأما إذا كان غنيا فليس له أن يصرف اللقطة إلى نفسه عندنا ، وقال الشافعي له ذلك على أن يكون ذلك دينا عليه إذا جاء صاحبها لحديث أبي بن كعب رضي الله عنه كما روينا ولما روي عن علي رضي الله عنه أنه وجد دينارا فاشترى به طعاما بعد التعريف فأكل من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين ، ولو كان سبيله التصدق ولم يكن للملتقط صرفها إلى منفعة نفسه لما أكلوا من ذلك ، فإن الصدقة ما كانت تحل لهم ، والمعنى فيه أن للملتقط أن يصرفها إلى نفسه إذا كان محتاجا بسبب الالتقاط ، وما يثبت له بسبب الالتقاط يستوي فيه أن يكون غنيا أو فقيرا ، كالحفظ والتعريف والتصدق به على غيره ، وهذا لأن في الصرف إلى نفسه معنى النظر له ولصاحبها أظهر ; لأنه يتوصل إلى منفعته ببدل يكون دينا عليه لصاحبها إذا حضر ، فكان منفعة كل واحد في هذا أظهر ، وحجتنا في ذلك ما روينا من الآثار الموجبة للتصدق باللقطة بعد التعريف ، ولأن المقصود اتصال ثوابها إلى صاحبها ، وهذا المقصود لا يحصل بصرفها إلى نفسه إذا كان غنيا بل يتبين به أنه في الأخذ كان عاملا لنفسه ، ولا يحل له شرعا أخذ اللقطة لنفسه فكما يلزمه أن يتحرز عن هذه النية في الابتداء فكذلك [ ص: 8 ] في الانتهاء يلزمه التحرز عن إظهار هذا ، وقد بينا تأويل حديث أبي ، فأما حديث علي رضي الله عنه فقد قيل : ما وجده لم يكن لقطة ، وإنما ألقاها ملك ليأخذه علي رضي الله عنه فقد كانوا لم يصيبوا طعاما أياما وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بطريق الوحي ، فلهذا تناولوا منه على أن الصدقة الواجبة كانت لا تحل لهم ، وهذا لم يكن من تلك الجملة فلهذا استجاز علي رضي الله عنه الشراء بها لحاجته ، وإذا وجد الرجل اللقطة وهي دراهم أو دنانير فجاء صاحبها وسمى وزنها وعددها ووكاءها فأصاب ذلك كله ، فإن شاء الذي في يده دفعها إليه .

وإن شاء أبى حتى يقيم البينة عندنا ، وقال مالك يجبر على دفعها إليه ; لأنه لما أصاب العلامات فالوهم الذي سبق إلى وهم كل واحد أنه صاحبه والاستحقاق بالظاهر يثبت خصوصا عند عدم المنازع كما يثبت الاستحقاق لذي اليد باعتبار الظاهر يثبت والملتقط غير منازع له ; لأنه لا يدعيها لنفسه ، ولأنه يتعذر على صاحبها إقامة البينة ، فإنه ما أشهد أحدا عند سقوطها منه ، ولو تمكن من ذلك لما سقطت منه فسقط اشتراط إقامة البينة للتعذر وتقام العلامة مقام ذلك كما يقام شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال مقام شهادة الرجال ، ولكنا نقول : إصابة العلامة محتمل في نفسه فقد يكون ذلك جزافا ، وقد يعرف الإنسان ذلك من ملك غيره ، وقد يسمع من مالكه ينشد ذلك ويذكر علاماته ، والمحتمل لا يكون حجة للإلزام .

ثم الملتقط أمين ويصير بالدفع إلى غير المالك ضامنا فيكون له أن يتحرز عن اكتساب سبب الضمان بأن لا يدفع إليه حتى يقيم البينة فيثبت استحقاقه بحجة حكمية ، وله أن يتوسع فيدفع إليه باعتبار الظاهر ، فإن دفعها إليه أخذ منه بها كفيلا نظرا منه لنفسه ، فلعله يأتي مستحقها فيضمنها إياه ، ولا يتمكن من الرجوع على الأخذ منه ; لأنه يخفي شخصه فيحتاط فيها بأخذ الكفيل منه ، وإن صدقه ودفعها إليه ثم أقام آخر البينة أنها له ، فله أن يضمن الملتقط ، أما بعد التصديق يؤمر بالدفع إليه ; لأن الإقرار حجة في حق المقر ، لكن الإقرار لا يعارض بينة الآخر ; لأن البينة حجة متعدية إلى الناس كافة فيثبت الاستحقاق بها للذي أقام البينة ، ويتبين أن الملتقط دفع ملكه إلى غيره بغير أمره ، فله الخيار إن شاء ضمن القابض بقبضه ، وإن شاء ضمن الملتقط بدفعه ، فإن ضمن الملتقط رجع على المدفوع إليه ، وإن صدقه بإصابته العلامة فقد كان ذلك منه اعتمادا على الظاهر ، ولا بقاء له بعد الحكم بخلافه ، والمقر إذا صار مكذبا في إقراره يسقط اعتبار إقراره كالمشتري إذا أقر بالملك للبائع ثم استحقه إنسان من يده رجع على البائع بالثمن ، والرواية محفوظة في وكيل المودع إذا جاء إلى المودع وقال : أنا وكيله [ ص: 9 ] في استرداد الوديعة منك فصدقه لا يجبر على الدفع إليه إلا في رواية عن أبي يوسف رحمه الله ، بخلاف وكيل صاحب الدين ; لأن المديون إنما يقضي الدين بملك نفسه ، وإقراره في ملك نفسه ملزم ، فأما المودع يقر له بحق القبض في ملك الغير ، وإقراره في ملك الغير ليس بملزم ، فعلى هذا قال بعض مشايخنا رحمهم الله في اللقطة كذلك لا يجبر على دفعها إليه وإن صدقه .

ومنهم من فرق فقال : هناك الملك لغير الذي حضر ظاهر في الوديعة وهنا ليس في اللقطة ملك ظاهر لغير الذي حضر فينبغي أن يكون إقرار الملتقط ملزما إياه الدفع إليه ، ثم في الوديعة إذا دفع إليه بعد ما صدقه وهلك في يده ثم حضر المودع وأنكر الوكالة وضمن المودع فليس له أن يرجع على الوكيل بشيء ، وهنا للملتقط أن يرجع على القابض ; لأن هناك في زعم المودع أن الوكيل عامل للمودع في قبضه له بأمره ، وأنه ليس بضامن بل المودع ظالم في تضمينه إياه ، ومن ظلم فليس له أن يظلم غيره ، وهنا في زعمه أن القابض عامل لنفسه ، وأنه ضامن بعد ما يثبت الملك لغيره بالبينة فكان له أن يرجع عليه بعد ما ضمن ; لهذا يوضحه أن هناك المودع منكر الوكالة ، والقول فيه قوله مع يمينه ، فلا حاجة به إلى البينة ، وإنما يقضي القاضي على المودع بالضمان باعتبار الأصل وهو عدم الوكالة ، فلا يصير المودع مكذبا في زعمه حكما ، وهنا إنما يقضى بالضمان على الملتقط بحجة البينة فيصير هو مكذبا في زعمه حكما ، فإن كانت اللقطة مما لا يبقى إذا أتى عليه يوم أو يومان عرفها حتى إذا خاف أن تفسد تصدق بها ; لأن المقصود من التعريف إيصالها إلى صاحبها ، فتقيد مدة التعريف بالوقت الذي لا يفسد فيه ; لأن بعد الفساد لا فائدة لصاحبها في إيصالها إليه ، وقد بينا أن التصدق بها طريق لحفظها على صاحبها من حيث الثواب فيصير إلى ذلك إذا خاف أن تفسد العين ، وإذا وجد شاة أو بعيرا أو بقرة أو حمارا فحبسه ، وعرفه ، وأنفق عليه ، ثم جاء صاحبها ، وأقام البينة أنه له لم يرجع عليه بما أنفق ; لأنه متبرع في الإنفاق على ملك الغير بغير أمره إلا أن يكون أنفق بغير أمر القاضي ، فأما أمر القاضي بمنزلة أمر صاحبها لما للقاضي على صاحبها من ولاية النظر عند عجزه عن النظر بنفسه ، والأمر بالإنفاق من النظر ; لأنه لا بقاء للحيوان بدون النفقة عادة ، فإن رفعها إلى القاضي ، وأقام البينة أنه التقطها أمره بأن ينفق عليها على قدر ما يرى ، وقد بينا طريق قبول هذه البينة ، والأمر بالإنفاق بعدها في اللقيط .

ثم إنما يأمر بالإنفاق نظرا منه لصاحبها ، فلا يأمر إلا في مدة يتحقق فيها معنى النظر له من يومين أو ثلاثة ; لأنه لو أمر بالإنفاق في مدة طويلة ربما يأتي ذلك على [ ص: 10 ] قيمتها ، فلا يكون فيها نظر لصاحبها ، فأما في المدة اليسيرة تقل النفقة ، ومعنى النظر لحفظ عين ملكه عليه يحصل ، فإن لم يجئ صاحبها باع الشاة ونحوها ; لأن في البيع حفظ المالية عليه بالثمن ، وله ولاية الحفظ عليه بحسب الإمكان ، فإذا تعذر حفظ العين لعوز النفقة صار إلى حفظ المال عليه بالبيع ، وأما الغلام والدابة فنؤاجره وننفق عليه من أجره ; لأن بهذا الطريق يتوصل إلى حفظ عين ملكه ، والمنفعة لا تبقى له بعد مضي المدة فإجارته والإنفاق عليه بمحض نظر له ، فإذا باعها أعطاه القاضي من ذلك الثمن ما أنفق عليه بأمره في اليومين أو الثلاثة ; لأن الثمن مال صاحبها ، والنفقة دين واجب للملتقط على صاحبها ، وهو معلوم للقاضي فيقضي دينه بماله ; لأن صاحب الدين لو ظفر بجنس حقه كان له أن يأخذه فكذلك القاضي بعينه على ذلك ، فإن لم يبعها حتى جاء صاحبها ، وأقام البينة أنها له قضى له بها القاضي ، وقضى عليه بنفقة الملتقط ، فإن قال الملتقط : لا أدفعها إليك حتى تعطيني النفقة كان له ذلك ; لأن ملكه في الدابة حي ، وبقي تملك النفقة فكانت تلك النفقة متعلقة بمالية الدابة من هذا الوجه فيحبسها كما يحبس البائع المبيع بالثمن ، ولم يذكر في الكتاب أن الملتقط إذا لم يقم البينة هل يأمر القاضي بالإنفاق أم لا ، والصحيح أنه ينبغي للقاضي أن يقول : إن كنت صادقا فقد أمرتك بالإنفاق عليه ; لأن في هذا معنى النظر لهما ، ولا ضرر فيه على أحد ، فإنه إن كان غاصبا للدابة لم يخرج من ضمانه ، ولا يستوجب الرجوع بالنفقة على مالكها بالأمر لما قيده بكونه صادقا فيه .

وإذا التقط الرجل لقطة أو وجد دابة ضالة أو أمة أو عبدا أو صبيا حرا ضالا فرده على أهله لم يكن في شيء من ذلك جعل ; لأنه متبرع بمنافعه في الرد ، ووجوب الجعل لرد الآبق حكم ثبت نصا ، بخلاف القياس بقول الصحابة رضي الله عنهم فلا يلحق به ما ليس في معناه من كل وجه ، والضال ليس في معنى الآبق فالآبق لا يزال يتباعد من المولى حتى يفوته ، والضال لا يزال يقرب من صاحبه حتى يجده ، فلهذا أخذنا فيه بالقياس ، وإن عوضه صاحبه شيئا فهو حسن ; لأنه يحسن إليه في إحياء ملكه ورده عليه ، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ، ولأنه منعم عليه ، وقال صلى الله عليه وسلم : { من أزالت إليه نعمة فليشكرها } وذلك بالتعويض ، وأدنى درجات الأمر الندب ، وإذا وجد الرجل بعيرا ضالا أخذه يعرفه ، ولم يتركه يضيع عندنا ، وقال مالك رحمه الله تركه أولى للحديث المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم { سئل عن ضالة الغنم فقال : هي لك أو لأخيك أو للذئب } فلما { سئل عن ضالة الإبل غضب حتى احمرت وجنتاه ، وقال : مالك [ ص: 11 ] ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وترعي الشجر حتى يلقاها ربها } وتأويله عندنا أنه كان في الابتداء فإن الغلبة في ذلك الوقت كان لأهل الصلاح والخير لا تصل إليها يد خائنة إذا تركها واجدها ، فأما في زماننا لا يأمن واجدها وصول يد خائنة إليها بعده ففي أخذها إحياؤها وحفظها على صاحبها فهو أولى من تضييعها كما قررنا في سائر اللقطات ، وإذا باع اللقطة بأمر القاضي لم يكن لصاحبها إذا حضر إلا الثمن كما لو باعها القاضي بنفسه ، وهذا لأن البيع نفذ بولاية شرعية فهو كبيع ينفذ بإذن المالك .

وإن كان باعها بغير أمر القاضي فالبيع باطل لحصوله ممن لا ولاية له على المالك بغير أمر معتبر شرعا ، ثم إن حضر صاحبها واللقطة قائمة في يد المشتري يخير بين أن يجيز البيع ويأخذ الثمن ، وبين أن يبطل البيع ويأخذ عين ماله ; لأن البيع كان موقوفا على إجازته كما لو كان حاضرا حين باعه غيره بغير أمره ، فإن كان قد هلكت اللقطة في يد المشتري فصاحبها بالخيار إن شاء ضمن البائع القيمة لوجود البيع والتسليم منه بغير إذنه ، وإن شاء ضمن المشتري بقبضه ملكه بنفسه بغير رضاه ، فإن ضمن البائع كان الثمن للبائع لأنه ملكه بالضمان فينفذ البيع من جهته ، ولكن يتصدق بما زاد على القيمة من الثمن ; لأنه حصل له بكسب خبيث فإن قيل : الضمان إنما يلزمه بالتسليم ، والبيع كان سابقا عليه كيف ينفذ البيع من جهته بأداء الضمان . ؟ قلنا : لا كذلك بل كما رفعه ليبعه بغير أمر القاضي صار ضامنا بمنزلة المودع يبيع الوديعة ، ثم يضمن قيمتها ، فإن البيع ينفذ من جهته بهذا الطريق ، وهو أنه كما رفعها إلى البيع صار ضامنا فيستند ملكه إلى تلك الحالة ، فإن ضمن المشتري قيمتها رجع بالثمن على البائع ; لأن استرداد القيمة منه كاسترداد العين فيبطل البيع به ، وليس له أن يجيز البيع بعد هلاك السلعة ; لأن الإجازة في حقه بمنزلة ابتداء التمليك ، فلا يصح إلا في حالة بقاء المعقود عليه ، ولو كان المعقود عليه قائما في يده ، وقد قبض الملتقط الثمن ، وقد هلك في يده ، ثم أجاز البيع نفذ لقيام المعقود عليه ، وكان الملتقط أمينا في الثمن ; لأن إجازته في الانتهاء كإذنه في الابتداء .

وإذا أخذ عبدا فجاء به إلى مولاه فقال : هذا عبد آبق فقد وجب لي الجعل عليك ، وقال مولى العبد : بل هو الضال . أو قال : أنا أرسلته في حاجة لي فالقول قول المولى ; لأن الراد يدعي لنفسه عليه الجعل ، والمولى ينكر ذلك ، ولأنه يدعي أن ملكه تغيب بالإباق ، والمولى منكر لذلك فالقول قوله مع يمينه ، وإذا هلكت اللقطة عند الملتقط فهو على ثلاثة أوجه إن كان حين أخذها قال : أخذتها لأردها على مالكها وأشهد على ذلك شاهدين فلا ضمان [ ص: 12 ] عليه ; لأنه مأذون في أخذها للرد على المالك مندوب إلى ذلك شرعا ، فكان هذا الأخذ نظير الأخذ بإذن المالك فلا يكون سببا للضمان ، وإن كان أخذها لنفسه وأقر بذلك فهو ضامن لها ; لأنه ممنوع من أخذها فكان متعديا في هذا الأخذ فيكون ضامنا كالغاصب ، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم : { على اليد ما أخذت حتى ترد } أي ضمان ما أخذ ، والآخذ مطلقا من يكون عاملا لنفسه ، وإن لم يكن أشهد عند الالتقاط ولكنه ادعى أنه أخذها للرد ويدعي صاحبها أنه أخذها لنفسه فعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله القول قول صاحبها والملتقط ضامن ، وعند أبي يوسف رحمه الله القول قول الملتقط مع يمينه لوجهين :

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #223  
قديم 14-12-2025, 04:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,794
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 12 الى صـــ 21
(223)





( أحدهما ) أن مطلق فعل المسلم محمول على ما يحل شرعا قال صلى الله عليه وسلم : { لا تظنن بكلمة خرجت من في أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا } والذي يحل له شرعا الأخذ للرد لا لنفسه فيحمل مطلق فعله عليه ، وهذا الدليل الشرعي قائم مقام الإشهاد منه .

( والثاني ) أن صاحبها يدعي عليه سبب الضمان ووجوب القيمة في ذمته ، وهو منكر لذلك فالقول قوله كما لو ادعى عليه الغصب ، وهما يقولان كل حر عامل لنفسه ما لم يظهر منه ما يدل على أنه عامل لغيره ، ودليل كونه عاملا لغيره الإشهاد هنا ، فإذا تركه كان آخذا لنفسه باعتبار الظاهر ، هذا إذا وجدها في موضع يتمكن من الإشهاد ، فإن لم يكن متمكنا من الإشهاد لعدم من يشهد أو لخوفه على أن يأخذ منه ذلك ظالم فالقول قوله ولا ضمان عليه ، والثاني أن أخذ مال الغير بغير إذنه سبب موجب للضمان عليه إلا عند وجود الإذن شرعا ، والإذن شرعا مقيد بشرط الإشهاد عليه والإظهار ، فإذا ترك ذلك كان أخذه سببا للضمان عليه شرعا ، فلا يصدق في دعوى المسقط بعد ظهور سبب الضمان ، كمن أخذ مال الغير وهلك في يده ، ثم ادعى أن صاحبه أودعه لم يصدق في ذلك إلا بحجة ، وإن قال : قد التقطت لقطة أو ضالة أو قال : عندي شيء فمن سمعتموه ينشد لقطة فدلوه علي ، فلما جاء صاحبها قال : قد هلكت فهو مصدق على ذلك ولا ضمان عليه ; لأنه أظهرها بما قال ، وتبين أن أخذها للرد فكان أمينا فيها ، ولا يضره أن لا يسمي جنسها ولا صفتها في التعريف ; لأنه إنما امتنع من ذلك لتحقيق الحفظ على المالك كي لا يسمع إنسان ذلك منه فيدعيها لنفسه ويخاصمه إلى قاض يرى الاستحقاق لمصيب العلامة ، فقد بينا أن في هذا اختلافا ظاهرا ، وما يرجع إلى تحقيق الحفظ على المالك لا يكون سببا للضمان عليه ، وكذلك لو وجد لقطتين فقال : من سمعتموه ينشد لقطة فدلوه علي ، وإن لم يقل : عندي لقطتان ثم هلكتا [ ص: 13 ] عنده ، ثم جاء صاحبهما فلا ضمان عليه فيهما ; لأنه أظهرهما بما ذكر من التعريف ، فاللقطة اسم جنس يتناول الواحد ، وما زاد عليه حتى لو قال : عندي لقطة برئ من الضمان ، وإن كانت عنده عشرة ; لأن الإشهاد بهذا اللفظ يتم منه في حق كل واحد منهما ، وإذا أخذ الرجل لقطة ليعرفها ثم أعادها إلى المكان الذي وجدها فيه ، فلا ضمان عليه لصاحبها وإن هلكت قبل أن يصل إليها صاحبها أو استهلكها رجل آخر ; لأن أخذها للتعريف لم يكن سببا لوجوب الضمان عليه .

وكذلك ردها إلى مكانها ; لأنه نسخ لفعله ، فلا يكون سببا لوجوب الضمان عليه ، كرد الوديعة إلى مالكها ورد المغصوب إلى صاحبه ، ولأنه بمجرد الأخذ لا يصير ملتزما للحفظ ، فقد يأخذها على ظن أنها له بأن كان سقط منه مثلها ، فإذا تأملها وعلم أنها ليست له ردها إلى مكانها ، وقد يأخذها ليعرف صفتها حتى إذا سمع إنسانا يطلبها دله عليها ، وقد يأخذها ليحفظها على المالك وهو يطمع في أن يتمكن من أداء الأمانة فيها ، فإذا أحس بنفسه عجزا أو طمعا في ذلك ردها إلى مكانها فلهذا لا يضمن شيئا ، وإنما الضمان على المستهلك لها ، وإن كان الأول أخذها لنفسه ثم أعادها إلى مكانها فهو ضامن لها إن هلكت ، وإن استهلكها غيره فلصاحبها الخيار يضمن أيهما شاء ; لأن أخذها لنفسه سبب موجب للضمان عليه ، وبعد ما وجب الضمان لا يبرأ إلا بالرد على المالك كالغاصب ، وإعادتها إلى مكانها ليس برد على المالك ، فلا يكون مسقطا للضمان عليه ، وقيل على قول زفر يبرأ عن الضمان ; لأنه نسخ فعله بما صنع فيسقط عنه حكم ذلك الفعل ، ونظائر هذه المسألة ذكرها في اختلاف زفر ويعقوب قال : إذا كانت دابة فركبها ثم نزل عنها ، وتركها في مكانها فعلى قول زفر رحمه الله لا ضمان عليه ، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله هو ضامن لها ، وكذلك لو نزع الخاتم من أصبع نائم ثم أعاده إلى أصبعه بعد ما انتبه ثم نام فعند أبي يوسف رحمه الله لا يبرأ عن الضمان ، وعند زفر يبرأ عن ضمانه ، ولو أعاده إلى أصبعه قبل أن ينتبه من تلك النومة برئ بالاتفاق فزفر رحمه الله سوى بينهما باعتبار أنه نسخ فعله حين أعاده على الحال الذي أخذه وأبو يوسف رحمه الله يقول : لما انتبه صاحبه وجب عليه رده في حالة الانتباه ، فلا يكون نومه بعد ذلك مسقطا للضمان عليه بخلاف ما إذا رده قبل أن ينتبه ، وكذلك لو كان ثوبا فلبسه ثم نزعه وأعاده إلى مكانه فهو على هذا الخلاف ، هذا إذا لبسه كما يلبس ذلك الثوب عادة ، فأما إذا كان قميصا فوضعه على عاتقه ثم أعاده إلى مكانه فلا ضمان عليه ; لأن هذا حفظ وليس باستعمال فلا يصير [ ص: 14 ] به ضامنا ، وكذلك الخاتم إن لبسه في الخنصر فهو استعمال يصير به ضامنا اليد اليمنى واليسرى في ذلك سواء ; لأن بعض الناس يلبسون الخاتم في الخنصر من اليد اليمنى للتزين والاستعمال .

وإن لبسه في أصبع آخر لم يكن ضامنا ; لأن المقصود هنا الحفظ دون التزين به ، وذكر هشام عن محمد رحمهما الله إن لبسه على خاتم في خنصره لم يكن ضامنا ; لأن المقصود هو الحفظ دون التزين به قال هشام رحمه الله ، فقلت : له من السلاطين من يتختم بخاتمين للتزين فقال : يكون أحدهما للختم لا لتزين ، ثم قال : حتى أتأمل في هذا ، والحاصل أن الرجل إذا كان معروفا بأنه يلبس خاتمين للتزين فهذا يكون استعمالا منه وإلا فهو حفظ ، وكذلك إن كان سيفا فتقلد به فهذا استعمال ، وإن كان متقلدا سيفا فكذلك ; لأن المبارز قد يتقلد بسيفين إلا أن يكون متقلدا بسيفين فحينئذ تقلده بهذه اللقطة يكون حفظا ولا يكون استعمالا فلا يصير ضامنا لها ، قال : وكذلك الغاصب إذا رد الدابة إلى دار صاحبها لم يبرأ من الضمان حتى يدفعها إلى صاحبها بخلاف المستعير ، فإنه ليس بضامن لها ، فإذا ردها إلى دار صاحبها فقد أتى بما هو المعتاد في الرد ، فلا يكون ضامنا شيئا ، فأما الغاصب ضامن لها فحاجته إلى رد مسقط للضمان عليه ، ولا يحصل ذلك ما لم يدفعها إلى صاحبها .

رجل جاء إلى دابة مربوطة لرجل فحلها ولم يذهب بها ثم ذهبت الدابة ، فلا ضمان على الذي حلها ، وروي عن محمد رحمه الله أنه ضامن لها ، وعلى هذا لو فتح باب القفص فطار الطير أو فتح باب الإصطبل ففرت الدابة ، وجه قول محمد أن الذي حل الرباط أو فتح الباب في الحقيقة مزيل للمانع موجد شرط الذهاب ، إلا أن ما هو علة للتلف هنا وهو فعل الطير والدابة ساقط الاعتبار شرعا ، وفي مثله يحال الإتلاف على صاحب الشرط فيصير ضامنا كحافر البئر في الطريق ، فإنه أوجد شرط السقوط بإزالة المسكة عن الأرض ، فأما العلة ثقل الماشي في نفسه ومشيه في ذلك الموضع ، ولكن لما تعذر إضافة الإتلاف إليه إذا لم يكن عالما به كان مضافا إلى الحافر حتى يكون ضامنا ، وكذلك من شق زق إنسان فسال منه مائع كان فيه فهو ضامن ، وعمله إزالة المانع فقط ، فأما علة السيلان كونه مائعا ، ولكن لما تعذر إضافة الحكم إلى ما هو العلة كان مضافا إلى الشرط ، وعلى هذا لو قطع حبل قنديل فسقط فعمل القاطع في إزالة المانع فكان ضامنا لهذا المعنى وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله يقولان : عمله في اتحاد الشرط كما قال محمد رحمه الله ، وقد طرأ على ذلك الفعل فعل فاعل معتبر حصل به التلف فيسقط اعتبار ذلك الشرط ، ويحال بالتلف على هذا [ ص: 15 ] الفعل المعتبر ، قوله بأن فعل الدابة هدر قلنا : نعم هو غير معتبر في إيجاب الضمان ، ولكنه معتبر في نسخ حكم الفعل به ، ألا ترى أن من أرسل دابته في الطريق فأصابت في سير إرساله مالا أو نفسا كان المرسل ضامنا ، ولو تيامنت أو تياسرت ثم أصابت شيئا لم يضمن المرسل ، واعتبر فعلها في نسخ حكم فعل المرسل به فكذلك هنا يعتبر فعلها في نسخ حكم فعل الذي حلها أو فتح باب الإصطبل به ، وهو نظير من حفر بئرا في الطريق فجاء حربي لا أمان له ، وألقى فيه غيره لم يضمن الحافر شيئا ، وفعل الحربي غير معتبر في إيجاب الضمان عليه ، ثم كان معتبرا في نسخ حكم فعل الحافر به .

وهذا بخلاف مسألة الزق والحبل ، فإنه ما طرأ على فعله ما ينسخه حتى إذا كان ما في الزق جامدا ، ثم ذاب بالشمس فسال لم يضمن الشاق ، فإن قيل : كيف يستقيم القول في هذه الفصول بأن عمله في اتحاد الشرط ، والشرط يتأخر عن العلة لا يسبقها قلنا : هذا شرط في معنى السبب ، فإن الحكم يوجد عند وجود الشرط وعند وجود السبب ، إلا أن السبب يتقدم ، والشرط يتأخر ، فهذا التقدم في معنى السبب ، ولكونه مزيلا للمانع هو شرط كما بينا ، وعلى هذا لو حل قيد عبد آبق فذهب العبد لم يضمن شيئا لما قلنا ، قال محمد رحمه الله إلا أن يكون العبد مجنونا فحينئذ يضمن لأن فعله في الذهاب غير معتبر شرعا فيبقى الإتلاف مضافا إلى إزالة المانع بحل القيد ، وقال أيضا : لو كان هذا المجنون مقيدا في بيت مغلق فحل إنسان قيده وفتح آخر الباب فذهب فالضمان على الفاتح ; لأن حل القيد لم يكن إزالة للمانع قبل فتح الباب وإتمام ذلك بالفاتح للباب فهو الضامن ، وعلى قول الشافعي رضي الله عنه في هذه الفصول إن ذهب في فور فتح الباب أو حل الرباط فهو ضامن ، وإن لم يذهب في فوره ذلك فلا ضمان عليه ; لأنه لما لم يذهب في فوره فقد علمنا أن الباب لم يكن مانعا له ، وإنما ذهب بقصد حدث له ، وقصد الدابة عنده معتبر ، وإذا ذهب في فوره فقد علمنا أن الباب كان مانعا ، ومن أزال هذا المانع فهو متعد فيما صنع فيكون ضامنا ، وإذا كانت اللقطة في يد مسلم فادعاها رجل ووصفها فأبى الذي في يده أن يدفعها إليه إلا ببينة ، فأقام شاهدين كافرين لم تجز شهادتهما ; لأنها تقوم على المسلم في استحقاق يده عليه ، وشهادة الكافر ليست بحجة على المسلم ، وإن كانت في يد كافر فكذلك في القياس ; لأني لا أدري لعلها ملك المسلم ، وشهادة الكافر في استحقاق ملك المسلم ليست بحجة ، ولكن في هذا الاستحسان يقضى له بشهادتهما ; لأنها تقوم لاستحقاق اليد على الملتقط ، والملتقط كافر .

وشهادة الكافر حجة على الكافر ، ثم كما [ ص: 16 ] يتوهم أنها لمسلم يتوهم أنها لكافر فتقابل الموهومات مع أن الموهوم لا يعارض المعلوم ، وإن كانت في يدي مسلم وكافر لم تجز شهادتهما في القياس على واحد منهما ، وفي الاستحسان يجوز على الكافر منهما فيقضي له بما في يد الكافر لما قلنا ، وإذا أقر الملتقط بلقطة لرجل وأقام آخر البينة أنها له قضيت بها للذي أقام البينة لما قلنا أن البينة حجة في حق الكل ، والإقرار ليس بحجة في حق الغير ، والضعيف لا يعارض القوي ، فإن أقر بها لأحدهما أولا ، ودفعها إليه بغير حكم فاستهلكها ، ثم أقام آخر البينة فله أن يضمن إن شاء الدافع ، وإن شاء القابض ; لأنه أثبت ملكه بالحجة ، وكل واحد منهما متعد في حقه ، فإن ضمن الدافع ولم يرجع على القابض ; لأنه مقر أن القابض أخذ ملك نفسه ، وأنه ليس بضامن شيئا ، وإقراره حجة عليه في إسقاط حقه ، وإن ضمن القابض لم يرجع على الدافع أيضا ; لأنه في القبض كان عاملا لنفسه ، وإن دفع بقضاء القاضي فله أن يضمن القابض إن شاء لما قلنا ، وإن أراد أن يضمن الدافع فقد قال مرة في آخر هذا الكتاب : ليس له أن يضمن الدافع ، وقال مرة أخرى : له أن يضمن الدافع ، وحيث قال له أن يضمن الدافع فهو قول محمد رحمه الله ، وما قال ليس له أن يضمن الدافع فهو قول أبي يوسف رحمه الله ، وأصله مسألة الوديعة إذا قال : هذا العين في يدي لفلان أودعنيه فلان لرجل آخر ، فإن دفعه إلى المقر له الأول بغير قضاء القاضي ضمن للمقر له الوديعة بالاتفاق ، وإن دفعه بقضاء القاضي فكذلك عند محمد ; لأنه بإقراره سلط القاضي على القضاء ، فهو كما لو دل إنسانا على سرقة الوديعة ، وعند أبي يوسف رحمه الله لا ضمان عليه لأن بإقراره لم يتلف شيئا على صاحب الوديعة ، والدفع كان بقضاء القاضي ، فلا يكون موجبا للضمان عليه فكذلك هنا الملتقط أمين كالمودع ، فإذا دفع إلى المقر له بقضاء القاضي لم يضمن في قول أبي يوسف شيئا لمن يقيم البينة ، وهو ضامن له في قول محمد ، والله أعلم .
كتاب الإباق

( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد : رحمه الله اعلم بأن الإباق تمرد في الانطلاق وهو من سوء الأخلاق ، ورداءة في الأعراق يظهر العبد عن سيده فرارا ليصير ماله ضمارا ، فرده إلى مولاه وإعادته إلى مثواه إحسان وامتنان ، وإنما جزاء الإحسان إلا الإحسان ، فالكتاب لبيان الجزاء المستحق للراد في الدنيا مع ما له من الأجر في العقبى بإغاثة اللهفان ومنع المعتدي [ ص: 17 ] عن العدوان ; ولهذا بدأ بحديث سعيد بن المرزبان عن أبي عمرو الشيباني قال : كنت جالسا عند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فجاء رجل فقال : إن فلانا قدم بإباق من القوم ، فقال القوم : لقد أصاب أجرا ، فقال عبد الله رضي الله عنه وجعلا إن شاء من كل رأس أربعين درهما وفي هذا الحديث بيان أن الراد مثاب ; لأن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لم ينكر عليهم إطلاق القول بأنه أصاب أجرا ، وفيه دليل على أنه يستحق الجعل على مولاه ، وهو استحسان أخذ به علماؤنا رحمهم الله . وفي القياس لا جعل له ، وهو قول الشافعي رضي الله عنه ; لأنه تبرع بمنافعه في رده على مولاه ، ولو تبرع عليه بعين من أعيان ماله لم يستوجب عليه عوضا بمقابلته فكذلك إذا تبرع بمنافعه ، ولأن رد الآبق نهي عن المنكر ; لأن الإباق منكر ، والنهي عن المنكر فرض على كل مسلم ، فلا يستوجب بإقامة الفرض جعلا ، ولكنا تركنا هذا القياس لاتفاق الصحابة رضي الله عنهم ، فقد اتفقوا على وجوب الجعل ; لأن ابن مسعود رضي الله عنه قال في مجلسه ما قال ، وقد اشتهر عنه ذلك لا محالة ، ولم ينكر عليه أحد من أقرانه ، وقد عرض قوله عليهم لا محالة . والسكوت بعد ذلك عن إظهار الخلاف لا يحل لمن يعتقد خلافه ، فمن هذا الوجه يثبت الإجماع منهم ثم هم اتفقوا على أصل وجوب الجعل ، وإن اختلفوا في مقداره فقال عمر رضي الله عنه دينار أو اثنا عشر درهما ، وقال علي رضي الله عنه دينار أو عشرة دراهم ، وقال عمار بن ياسر رضي الله عنه إذا أخذه في المصر فله عشرة دراهم أو دينار ، وإن أخذه في غير المصر فله أربعون درهما فقد اتفقوا على وجود أصل الجعل ، وكفى بإجماعهم حجة ، والأصل أن الصحابة رضي الله عنهم متى اختلفوا في شيء فالحق لا يعدوهم ، وليس لأحد أن يترك جميع أقاويلهم برأيه ، ولكن يرجح قول البعض على البعض ، فنحن أخذنا بقولهم في إيجاب أصل الجعل ، ورجحنا قول ابن مسعود رضي الله عنه في مقداره .

( فإن قيل : ) كان ينبغي أن يؤخذ بالأقل في المقدار ; لأنه متيقن به . ( قلنا : ) إنما لم يؤخذ بالأقل ; لأن التوفيق بين أقاويلهم ممكن بأن يحمل قول من أفتى بالأقل على ما إذا رده مما دون مسيرة سفر ، وقول من أفتى بالأكثر على ما إذا رده من مسيرة سفر كما فسره عمار بن ياسر رضي الله عنه ، فإن قوله إن أخذه في المصر كناية عما دونه مسيرة سفر ، وإن أخذه خارج المصر كناية عن مسيرة سفر ، ومتى أمكن التوفيق بين أقاويلهم وجب المصير إليه ، ثم الأخذ بالأقل إنما يكون فيما يقولونه بآرائهم ، ونحن نعلم أنهم ما قالوا هذا بالرأي ; لأنه خلاف القياس ; ولأن نصب [ ص: 18 ] المقادير بالرأي لا يكون ، ولا طريق لما ثبت عنهم من الفتوى إلا الرأي أو السماع ممن ينزل عليه الوحي ، فإذا انتفى أحدهما هنا تعين الآخر ، وصار كأن كل واحد منهم روى ما قاله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمثبت للزيادة من الأخبار عند التعارض أولى فلهذا أخذنا بالأكثر هذا هو النهاية في التمسك بالسنة ، والأخذ بأقاويل الصحابة رضي الله عنهم ، فقد قامت الشريعة بفتواهم إلى آخر الدهر ، وليس لأحد أن يظن بهم إلا أحسن الوجوه ، ولكنه بحر عميق لا يقطعه كل سابح ، ولا يصيبه كل طالب ، وليس في هذا الباب شيء من المعنى سوى ما ذكره عن إبراهيم قال : كي يرد بعضهم على بعض ، معناه أن الراد يحتاج إلى معالجة ومؤنة في رده ، وقلما يرغب الناس في التزام ذلك خشية ، ففي إيجاب الجعل للراد ترغيب له في رده وإظهاره الشكر في المردود عليه لإحسانه إليه ، إلا أن إبراهيم كان يستحب ذلك ، ولا يوجبه على ما روي عنه ، أنه كان يستحب أن يرضخ للذي يجيء بالآبق ، ولم نأخذ بقوله في هذا ، وإنما نأخذ بقول شريح والشعبي رحمهما الله فقد قال الشعبي رحمه الله للراد دينار إذا أخذه خارجا من المصر ، وقال شريح رحمه الله له أربعون درهما فنأخذ بذلك ، ويحمل ما نقل عن الشعبي على ما إذا رده مما دون مسيرة السفر ، ويستقيم الاحتجاج بقول شريح رحمه الله في هذا ونحوه ; لأن الصحابة رضي الله عنهم قلدوه القضاء وسوغوا له المزاحمة معهم في الفتوى ، ألا ترى أنه خالف عليا رضي الله عنه في رد شهادة الحسن رضي الله عنه ، وأن مسروقا رحمه الله خالف ابن عباس رضي الله عنهما في موجب النذر بذبح الولد ، ورجع ابن عباس رضي الله عنهما إلى قوله ، فعرفنا أن من كان بهذه الصفة فقوله كقول الصحابي ثم الشافعي استحسن برأيه في هذه المسألة من وجه فقال : لو كان المولى خاطب قوما فقال : من رد منكم عبدي فله كذا فرده أحدهم استوجب ذلك المسمى ، وهذا شيء يأباه القياس ; لأن العقد مع المجهول لا ينعقد ، وبدون القبول كذلك ، ولا شك أن الاستحسان الثابت باتفاق الصحابة رضي الله عنهم خير من الاستحسان الثابت برأي الشافعي رضي الله عنه ، ولا حجة له في قوله تعالى : { ولمن جاء به حمل بعير } لأن ذلك كان خطابا لغير معين ، وهو لا يقول به ، فإنه لو قال : من رده فله كذا ولم يخاطب به قوما بأعيانهم فرده أحدهم لا يستحق شيئا ، ثم هذا تعليق استحقاق المال بالخطر وهو قمار ، والقمار حرام في شريعتنا ، ولم يكن حراما في شريعة من قبلنا .

( وإن قال : ) اعتبر قول المالك لإثبات أمره بالرد للذين خاطبهم ثم المأمور من جهة الغير [ ص: 19 ] يرجع عليه بما لحقه من المؤنة في ذلك .

( قلنا : ) لو كان هذا معتبرا لرجع عليه بما لحق فيه من المؤنة دون المسمى ثم الأمر هنا ثابت أيضا بدون قوله ، ألا ترى أن العبد الهارب من مولاه ما دام بمرأى العين منه ينادي مولاه على أثره خذوه فعرفنا بهذا أنه أمر لكل من يقدر على أخذه ورده على أن يرده عليه ، والأمر الثابت دلالة بمنزلة الأمر الثابت إفصاحا ، ثم ذكر عن الشعبي في رجل أخذ غلاما آبقا فأبق منه قال : لا ضمان عليه ، وذكر بعده عن جرير بن بشير عن أشياخ من قومه قال : أخذ مولى للحي آبقا فأبق منه نحو حي فكتب إلى مولاه أن يأتي أهله فيجتعل له منهم ففعل ذلك ، ثم كتب إليه فأقبل بالعبد فأبق منه ، فاختصموا إلى شريح فضمنه إياه ، ثم اختصموا إلى علي رضي الله عنه فقال : يحلف العبد الأحمر للعبد الأسود بالله ما أبق منه ، ولا ضمان عليه ، وإنما نأخذ بحديث علي رضي الله عنه والشعبي فنقول : لا ضمان عليه إذا أخذه للرد على مولاه ; لأنه أخذه بإذن مولاه كما بينا وفي هذا دليل على أن الراد يستوجب الجعل ، وكان ذلك أمرا ظاهرا حتى لم يخف على مواليهم حين كتب الآخذ إلى مولاه أن يأتي أهله فيجتعل له منهم ، إلا أنه كان من مذهب شريح تضمين الأجير المشترك فيما يمكن التحرز عنه ، والمستوجب للجعل بمنزلة الأجير المشترك فلهذا ضمنه ، وكان من مذهب علي رضي الله عنه أنه لا يضمن الأجير المشترك كما ذكر عنه في كتاب الإجارات في إحدى الروايتين ، ولكن القول قوله مع يمينه .

( وقوله ) يحلف العبد الأحمر يريد به الراد سماه أحمر لقوته وقدرته على أخذ الآبق ، وسمى الآبق أسود لخبث فعله ، وهو من دعابة علي رضي الله عنه قال : وإذا أتي الرجل بعبد آبق فأخذه السلطان فحبسه فجاء رجل وأقام البينة أنه عبده ، فإنه يستحلف بالله ما بعته ولا وهبته ثم يدفع إليه أولا . نقول : ينبغي للراد أن يأتي به السلطان بخلاف ما سبق في اللقطة ; لأنه يقدر على حفظها بنفسه ، ولا يقدر على حفظ الآبق بنفسه عادة فرفعه إلى السلطان لهذا ; ولأنه يستوجب التعزير على إباقه فيرفعه إلى السلطان ليعزره ، ويأخذه السلطان منه ليحبسه ، وذلك نوع تعزير ، ثم من يدعيه لا يستحقه بدون البينة ، فإذا أقام البينة فقد أثبت ملكه فيه بالحجة إلا أنه يحتمل أن يكون باعه أو وهبه ولا يعرف الشهود ذلك فيستحلفه على ذلك .

( فإن قيل : ) كيف يستحلفه وليس هنا خصيم يدعي ذلك . ؟ ( قلنا : ) يستحلفه صيانة لقضاء القاضي ، والقاضي مأمور بأن يصون قضاءه عن أسباب الخطأ بحسب الإمكان ، أو يستحقه نظرا لمن هو عاجز عن النظر لنفسه من مشتر أو موهوب له ، فإذا [ ص: 20 ] حلف دفعه إليه ، ولا أحب أن يأخذ منه كفيلا ، وإن أخذ منه كفيلا لم يكن مسيئا ، ولكن إن لم يأخذ أحب إلي ، هذه رواية أبي حفص ، وفي رواية أبي سليمان قال : أحب إلي أن يأخذ منه كفيلا ، وإن لم يأخذ منه كفيلا وسعه ذلك . من أصحابنا من قال : ما ذكر في رواية أبي حفص قول أبي حنيفة رحمه الله ، فإنه لا يرى أخذ الكفيل للمجهول كما قال في الجامع الصغير في أخذ الكفيل من الوارث ، هذا شيء احتاطه بعض القضاة وهو ظلم ، وما قاله في رواية أبي سليمان رحمه الله قولهما ; لأنهما يجوزان للقاضي أن يحتاط بأخذ الكفيل صيانة لقضاء نفسه ، أو نظرا لمن هو عاجز عن النظر لنفسه ، والأصح أن فيه روايتين ، وما ذكر في رواية أبي سليمان أقرب إلى الاحتياط ، فربما يظهر مستحق يقيم البينة على الولادة في ملكه فيكون مقدما على من أقام البينة على الملك المطلق ، أو يقيم البينة على الملك المطلق فيكون مزاحما له ، أو يقيم البينة على أنه اشتراه منه فالمستحب أن يأخذ منه كفيلا لهذا ، ولكنه موهوم لم يقم عليه دليل فكان في سعة من أن لا يأخذ منه كفيلا . وما ذكر في رواية أبي حفص أقرب إلى القياس ; لأن استحقاقه ثابت بما أقام من البينة ، واستحقاق غيره موهوم ، والموهوم لا يقابل المعلوم ، فلا يستحب للقاضي ترك العمل إلا بحجة معلومة لأمر موهوم ، أرأيت لو لم يعطه كفيلا . أو لم يجد كفيلا ، أكان يمتنع القاضي من القضاء به له ، وقد أقام البينة ، ولكنه لو أخذ منه كفيلا فهو فيما صنع محتاط مجتهد فلا يكون مسيئا ، وإن لم يكن للمدعي بينة وأقر العبد أنه عبده ، فإنه يدفعه إليه ويأخذ منه كفيلا .

أما الدفع إليه فلأن العبد في يد نفسه ، وقد أقر بأنه مملوك له ، ولو ادعى أنه حر كان قوله مقبولا ، فكذلك إذا أقر أنه مملوك له يصح إقراره في حق نفسه ; لأنه لا منازع لهما فيما قالا ، وخبر المخبر محمول على الصدق ما لم يعارضه مثله ، ولكن يأخذ منه كفيلا ; لأن الدفع إليه بما ليس بحجة على القاضي ، فلا يلزمه ذلك بدون الكفيل ، بخلاف الأول فالدفع هناك ليس بحجة ثابتة في حق القاضي ، يوضحه أن قول العبد بعد إقراره بالرق في تعيين مالكه غير مقبول ، ألا ترى أنه لو كان في يد رجلين ، وأقر بالملك لأحدهما لم يصح إقراره ، وكان بينهما فكذلك لا يصح إقراره في استحقاق اليد الثابتة للقاضي بعد ما أقر برقه ، فلا بد من أن يأخذ منه كفيلا بحق نفسه حتى إذا حضر مالكه وأراد أن يضمنه يمكن من أخذ الكفيل ليحضره فيخلصه من ذلك ، فأما إذا أقام البينة فقد أثبت استحقاق اليد على القاضي ، ولا يلحق القاضي ضمان في الدفع إليه بحجة البينة ; فلهذا لا يحتاط بأخذ الكفيل .

وإن لم يكن للعبد طالب ، فإذا [ ص: 21 ] طال ذلك باعه الإمام وأمسك ثمنه حتى يجيء له طالب ويقيم البينة أنه عبده فيدفع إليه الثمن لأنه مأمور بالنظر ، وليس من النظر إمساكه بعد طول المدة ; لأنه محتاج إلى النفقة ، وربما يأتي ثمنه على نفقته ، ولأنه لا يأمن أن يأبق منه فكان حفظ ثمنه أيسر عليه من حفظ عينه وأنفع لصاحبه ، وليس لصاحبه إذا حضر أن ينقض بيع الإمام ; لأنه نفذ بولاية شرعية ، وينفق عليه الإمام في مدة حبسه من بيت المال ; لأنه محتاج إلى النفقة عاجز عن الكسب إذا كان محبوسا ، ولو أمره الإمام بأن يخرج فيكتسب فأبق ثانيا فكان النظر في الإنفاق عليه من بيت المال ; لأنه معد للنوائب ، وهذا من جملة النوائب ، ثم يأخذ ذلك من صاحبه إن حضر فرده عليه أو من ثمنه إن باعه ، وقد بينا هذا في نفقة الملتقط بأمر القاضي فكذلك في نفقة الإمام من بيت المال على الآبق ; لأن قضاءه في ذلك للمسلمين لا لنفسه ، فإن أقام مدعيه شهودا نصارى لم تجز شهادتهم ; لأن العبد في يد إمام المسلمين ، واستحقاق يد المسلم لا يكون بشهادة النصارى ، وإن أقام بينة من المسلمين ، وقد باعه الإمام فزعم أنه كان قد دبره ، أو كانت جارية فزعم أنها كانت أم ولده لم يصدق على فسخ البيع ; لأن البيع نفذ من القاضي بولاية شرعية فكأن المالك باشر بيعه بنفسه ثم ادعى شيئا من ذلك ، ولا يصدق على فسخ البيع إلا أن يكون لها ولد وقد ولدته في ملكه فيدعي أنه ولده منها ، فحينئذ يصدق ويثبت النسب ، ويفسخ البيع كما لو كان باشر البيع بنفسه ، وهذا لأن ثبوت نسب ولد حصل العلوق به في ملكه بمنزلة البينة فيما يرجع إلى إبطال حق الغير ، ألا ترى أن المريض إذا أقر لجاريته أنها أم ولده ومعها ولد يدعي نسبه كان مصدقا في إبطال حق الغرماء والورثة عنها ، بخلاف ما إذا لم يكن معها ولد فهذا مثله .

وإذا وجد الرجل غلاما أو جارية آبقا بالغا أو غير بالغ فرده إلى مولاه ، فإن كان أخذه من مسيرة ثلاثة أيام أو أكثر . فله الجعل أربعون درهما ، ولا يزاد على ذلك ، وإن بعدت المسافة ; لأن تقدير الجعل بأربعين إذا رده من مسيرة سفر ثابت بفتوى ابن مسعود رضي الله عنه ، والزيادة على القدر الثابت شرعا بالرأي لا تجوز ، ولأن أدنى مدة السفر معلوم ولا نهاية لما وراء ذلك ، والحكم لا يتغير به شرعا كسائر الأحكام المتعلقة بالسفر ، وإن أخذه في المصر أو خارجا منه ولكن فيما دون مسيرة سفر في القياس لا شيء له ; لأن التقدير الثابت بالشرع يمنع أن يكون لما دون المقدر حكم المقدر ، ولأن الجعل إنما يستحقه راد الآبق ، وتمام الإباق بمسيرة السفر ففيما دونه هو كالضال ، ولهذا لا يتعلق شيء من أحكام السفر فيما [ ص: 22 ] دون مسيرة السفر ، وفي الاستحسان له الجعل على قدر المكان والعناء ; لأن في مدة السفر وجوب الجعل ليس لعين المدة بل لما يلحق من العناء والتعب في رده ، وقد وجد بعض ذلك فيستوجب من الجعل بقدره ، ألا ترى أن المالك لو استأجره بمال معلوم ليرده من مسيرة يوم استحق من المسمى بقدره فكذلك فيما هو ثابت شرعا ، وإن كان أنفق عليه أضعاف مقدار الجعل بغير أمر القاضي فليس له سوى الجعل ; لأنه متبرع فيما أنفق ، وإن مات عنده قبل أن يرده أو أبق منه ، فإن كان أشهد على ذلك حين وجده أنه إنما أخذه ليرده على صاحبه فلا ضمان عليه ، وإن أقر أنه أخذه لنفسه فهو ضامن ، وإن ادعى أنه أخذه للرد ولكن ترك الإشهاد مع الإمكان فهو على الخلاف ، وقد بينا هذا في اللقطة فكذلك في الآبق ; لأن المعنى يجمعهما ، وهذا إذا علم أنه كان آبقا ، فإن أنكر المولى أن يكون عبده آبقا . فالقول قوله ; لأن السبب الموجب للضمان قد ظهر من الأخذ ، وهو أخذه مال الغير بغير إذنه فهو يدعي ما يسقطه ، وهو الإذن شرعا لكون العبد آبقا ، ولو ادعى الإذن من المالك له في أخذه وأنكر المالك كان القول قوله فكذلك هنا ، وعلى هذا لو رده فأنكر المولى أن يكون عبده آبقا ، فلا جعل له إلا أن يشهد الشهود بأنه أبق من مولاه أو أن مولاه أقر بإباقه ، فحينئذ الثابت بالبينة كالثابت معاينة فيجب له الجعل .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #224  
قديم 14-12-2025, 04:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,794
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 22 الى صـــ 31
(224)






وإذا أعتقه المولى في إباقه جاز ذلك ; لأن نفوذ هذا التصرف يعتمد الملك دون القدرة على التسليم حتى ينفذ في المرهون والمؤاجر والجنين في البطن والمبيع قبل القبض فكذلك ينفذ في الآبق ; لأن الإباق لا يزيل ملكه ، وإنما يعجزه عن التسليم ، ولهذا لو باعه لم يجز ; لأن البيع لا يصح إلا فيما هو مقدور التسليم للعاقد ، وقدرته على التسليم تنعدم بالإباق ، ولأن في بيعه معنى الغرر ; لأنه لا يعلم بقاؤه في الحال حقيقة ولا عودة ليقدر على التسليم { ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر } فالغرر لا يمنع نفوذ العتق والتدبير ، فلهذا صح منه إذا ظهر أنه كان قائما وقت العتق ، ولو وهبه لرجل لم يجز ; لأن الهبة لا تتم إلا بالتسليم ، وهو غير قادر على تسليمه ، فإن وهبه لابن له صغير في عياله فالهبة جائزة ، وإعلامه بمنزلة القبض ; لأنه باق في يد مولاه حكما فيصير قابضا للصغير باليد الحكمي الذي بقي له ، وحق القبض فيما يوهب للصغير إليه ، وسواء كان الصغير في عياله أو لم يكن ; لأن الولاية ثابتة له بالأبوة ، فلا تنعدم بكونه في عيال غيره ، وإنما ذكر قوله في عياله على سبيل العادة لا للشرط ، وإنما قلنا : إنه في يده حكما ; لأن اليد الحكمي كان له باعتبار ملكه ، فلا ينعدم [ ص: 23 ] إلا باعتراض يد أخرى على يده ، وبالإباق لا يوجد ذلك ، وعلى هذا الطريق لا فرق بين أن يكون مترددا في دار الإسلام أو في دار الحرب .

ووجه آخر فيه وهو أن اليد الحكمي باعتبار تمكنه من الأخذ لأنه لو قدر عليه ، وذلك باق ما دام في دار الإسلام بقوة الإمام والمسلمين ، وعلى هذا الطريق لو أبق إلى دار الحرب ثم وهبه لابنه الصغير لا يجوز كما رواه قاضي الحرمين عن أبي حنيفة رحمه الله ; لأن اليد الحكمي ليس بثابت له في دار الحرب .
وإذا أبق العبد المأذون ثم اشترى وباع لم يجز ، وقد صار محجورا عليه استحسانا ، وفي القياس لا يصير محجورا عليه ، وهو قول زفر رحمه الله ; لأن ما به صح إذن المولى وهو قيام ملكه في رقبته لا ينعدم بالإباق ; لأن الإباق لا ينافي ابتداء الإذن ، فلا ينافي البقاء بطريق الأولى .

وجه الاستحسان أن المولى إنما يرضى بتصرفه ما دام تحت طاعته ولا يرضى به بعد تمرده وإباقه ، فإما أن يتقيد الإذن المطلق بما قبل الإباق لدلالة العرف أو يصير محجورا بعد الإباق لدلالة الحجر ، فإن المولى لو ظفر به أدبه وحجر عليه ، ودلالة الحجر كالتصريح بالحجر ، كما أن دلالة الإذن كالتصريح بالإذن ، ولهذا صح إذن الآبق ابتداء ; لأن الدلالة يسقط اعتبارها عند التصريح بخلافها ، ألا ترى أن تقديم المائدة بين يدي إنسان يكون إذنا له في التناول دلالة ، فإن قال : لا يأكل بطل حكم ذلك الإذن للتصريح بخلافه ، ثم المولى لو ظفر به أدبه وحبسه وحجر عليه ، فهو وإن عجز عن تأديبه فالشرع ينوب عنه في الحجر عليه كالمرتد اللاحق بدار الحرب . يموته الإمام حكما فيقسم ماله بين ورثته ; لأنه لو قدر عليه قتله ، فإذا عجز عن ذلك جعله الشرع ميتا حكما فهذا مثله ، والحكم في جناية الآبق والجناية عليه وفي حدوده كالحكم فيها في المصر ; لأن الرق فيه باق بعد الإباق ، وملك المولى قائم فيه ، وباعتباره يخاطب بالدفع أو الفداء عند قدرته عليه ، فإذا قامت البينة عليه بالسرقة لم يقطعه الإمام حتى يحضر مولاه ، فإذا حضر قطعه في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وقال أبو يوسف رحمه الله يقطعه ، ولا ينتظر حضور مولاه ، وكذلك إذا قامت البينة عليه بسائر الأسباب الموجبة للعقوبة من حد أو قصاص فهو على هذا الخلاف .

وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن العبد في الأسباب الموجبة للعقوبة كالحر بدليل أنه يصح إقراره بها على نفسه ، ولا يصح إقرار المولى عليه بذلك ، وفيما كان هو بمنزلة الحر لا يشترط حضور المولى للقضاء عليه بالبينة كالطلاق ، وهذا لأن التزام العقوبة باعتبار معنى النفسية دون المالية ، وحق المولى في ملك المالية فبقي هو في النفسية على أصل الحرية [ ص: 24 ] لأن العقوبة تثبت عليه بالبينة تارة وبالإقرار تارة ، ثم فيما يثبت بإقراره لا يشترط حضور المولى للاستيفاء فكذلك فيما يثبت بالبينة بل أولى ; لأن البينة حجة متعدية إلى الناس كافة ، والإقرار حجة قاصرة في حق المقر خاصة . وجه قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أن في إقامة الحد عليه تفويت حق المولى ، فلا يجوز إلا بمحضر منه ; لأن العبد ليس بخصم عنه ، والقضاء على غير خصم حاضر بتفويت حقه لا يجوز ، وبيان هذا أن للمولى حق الطعن في الشهود حتى لو كان حاضرا كان طعنه مسموعا ، ففي إقامة العقوبة تفويت حق المطعون عليه ، والدليل عليه أن العبد لو كان كافرا ومولاه مسلما لم تقبل شهادة الكفار عليه بالأسباب الموجبة للعقوبة ، ولو لم يكن للمولى حق في هذه البينة لكان لا يعتبر دينه في ذلك ، والعبد ليس بخصم عن المولى ; لأنه خصم باعتبار معنى النفسية ، ولا حق للمولى في ذلك ، فلا ينتصب خصما عنه ، وبه فارق الإقرار ، فإنه ليس للمولى حق الطعن في إقراره ، فلا يكون في إقامة العقوبة عليه بالإقرار تفويت حق المولى ، ولأن وجوب العقوبة عليه باعتبار معنى النفسية ، ولكن في الاستيفاء إتلاف مالية المولى ، والبينة لا توجب شيئا بدون القضاء ، والاستيفاء في العقوبات من تتمة القضاء ، ألا ترى أن المعترض بعد القضاء قبل الاستيفاء يجعل كالمقترن بأصل القضاء حتى يمتنع الاستيفاء به ، فإذا كان تمام قضائه متناولا حق المولى يشترط حضور المولى في ذلك ، بخلاف الإقرار فإنه موجب بنفسه قبل قضاء القاضي .

وولاية الاستيفاء تثبت بتقرر الوجوب فلا يشترط فيه حضور المولى ، وإذا أخذ العبد الآبق ، وحبس في بلد فتقدم مولاه إلى قاضي بلدته ، وأقام عليه شاهدين ، وطلب أن يكتب به إلى قاضي البلد الذي هو فيه لم يجبه إلى ذلك في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، ولو فعل لم يقض القاضي المكتوب إليه بذلك الكتاب ، وعلى قول أبي يوسف يجيبه إلى ذلك بطريق يذكره ، وهو قول ابن أبي ليلى ، والحاصل أن كتاب القاضي إلى القاضي في الديون صحيح بالاتفاق ، وكذلك في العقار ; لأن إعلامها في الدعوى والشهادة تذكر الحدود دون الإشارة إلى العين ، وفي العروض من الدواب والثياب لا يجوز كتاب القاضي إلى القاضي بالاتفاق ; لأنه لا بد من إشارة الشهود إلى العين للقضاء بشهادتهم ، وذلك ينعدم في كتاب القاضي إلى القاضي ، فأما في العبيد والجواري فلا يجوز كتاب القاضي عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أيضا وهو القياس ; لأنه لا بد من إشارة الشهود إلى العين ليثبت الاستحقاق بشهادتهم ; ولهذا لو كان حاضرا في البلدة لا يسمع الدعوى والشهادة إلا بعد [ ص: 25 ] إحضاره ، فلا يجوز فيه كتاب القاضي إلى القاضي كما في سائر العروض ، ولكن استحسن أبو يوسف في العبيد قال : العبد قد يأبق من مولاه ، وقد يرسله مولاه في حاجة من بلد إلى بلد فيمتنع من الرجوع إليه ، ويتعذر على المولى الجمع بين شهوده وبينه في مجلس القاضي ، فلو لم يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي أدى إلى إتلاف أموال الناس ، فكان قبول البينة بهذه الصفة أرفق بالناس ، وما كان أرفق بالناس فالأخذ به أولى ; لأن الحرج مدفوع ، وكان يقول مرة في الجارية أيضا : يقبل كتاب القاضي إلى القاضي ، ثم رجع فقال : لا يقبل في الجارية ; لأن باب الفروج مبني على الاحتياط ، ولأن هذه البلوى تقل في الجواري فالمولى لا يرسلها من بلد إلى بلد عادة ، والإباق في الجواري يندر أيضا .

ثم بيان مذهبه أن المدعي يقيم عند القاضي شاهدين على حليته وصفته ، وأنه مملوك له فيكتب له بذلك إلى قاضي البلد الذي هو فيه محبوس ، فإذا ثبت الكتاب عند ذلك القاضي بشهادة الشهود عليه وعلى الختم ، ووافق حلية العبد وصفته ما في الكتاب دفع إليه من غير أن يقضى له بالملك ، ويختم في عنقه بالرصاص للإعلام ، ويأخذ من المدعي كفيلا ، ثم يأتي به المدعي إلى البلد الذي فيه شهوده ، ويكتب معه كتابا إلى ذلك القاضي فإذا أتى به إلى هذا القاضي أعاد شهوده ليشهدوا بالإشارة إلى العبد أنه ملكه وحقه ، فإذا شهدوا بذلك قضى له بالعبد ، وكتب إلى ذلك القاضي بما ثبت عنده ليبرئ كفيله . وفي الجواري على قوله الأول : لا يدفعها إليه القاضي المكتوب إليه أولا ، ولكنه يبعث بها معه على يد أمين ; لأنه لو دفعها إليه لا يمتنع من وطئها ، وإن كان أمينا في نفسه ; لأنه يزعم أنها مملوكته ، ولكن أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا : هذا استحسان فيه بعض القبح ، فإنه إذا دفع إليه العبد يستخدمه قهرا أو يستغله فيأكل من غلته قبل أن يثبت ملكه فيه بقضاء القاضي ، وربما يظهر العبد لغيره إذا جاء به إلى القاضي الكاتب فالحلية والصفة تشتبه ، ألا ترى أن الرجلين المختلفين قد يتفقان في الحلية والصفة ، أرأيت لو كانت جارية حسناء أكان يبعث بها مع رجل لم يثبت له فيها حق هذا قبح ، فلهذا أخذنا بالقياس ، فإن كان القاضي باع العبد الآبق حين طال حبسه ، وأخذ ثمنه ، وهلك العبد عند المشتري ، ثم ادعاه الرجل ، وأقام البينة أن عبدا اسمه كذا ، وكذا عبده فوافق ذلك صفة العبد الذي باعه القاضي لم يقبل ذلك ، ولا يدفع إليه الثمن لأن شهوده لم يشهدوا على استحقاق ما في يد القاضي من الثمن ، إنما شهدوا على الاسم والحلية ، والاسم يوافق الاسم والحلية توافق الحلية إلا أن يشهدوا أن العبد [ ص: 26 ] الآبق الذي باعه القاضي من هذا الرجل هو عبد هذا فحينئذ يقضي له القاضي بالثمن ; لأنه أثبت الملك في ذلك العبد بعينه ، والبدل إنما يملك بملك الأصل .

وكذلك إن لم يبعه حتى قتل فأقام المدعي البينة أن المقتول عبده ، فإنه يقضي له بالقيمة ; لأن القيمة والثمن كل واحد منهما بدل عن العبد ، واستحقاق البدل باستحقاق الأصل .

ورجل أخذ عبدا آبقا فباعه بغير إذن القاضي ، ثم أقام المولى بينة أنه عبده ، فإنه يسترده من المشتري ، والبيع باطل لأن الآخذ باعه بغير ولاية له ، فإن ولاية تنفيذ البيع له في ملك الغير إنما تثبت بإذن المولى أو بإذن القاضي بعد ما تثبت الولاية له ، فإذا باعه بدون إذن القاضي كان البيع باطلا ، وإن كان العبد هلك عند المشتري فللمستحق أن يضمن قيمته أيهما شاء ; لأن البائع متعد في حقه بالبيع والتسليم ، والمشتري بالقبض لنفسه ، فإذا ضمن المشتري قيمته رجع على البائع بالثمن ; لأن المبيع لم يسلم من جهته ، واسترداد القيمة منه كاسترداد العين ، وإن ضمن البائع قيمته نفذ البيع من جهته ; لأنه ملكه بالضمان فيكون الثمن له ، ولكنه يتصدق بما فضل من القيمة على الثمن ; لأنه ربح حصل لا على ملكه بكسب خبيث .
رجل أقام البينة عند قاض من القضاة بأن العبد الذي باعه قاضي بلد كذا من فلان فهو عبده ، وأخذ كتابه إلى ذلك القاضي الذي باعه الآبق ، فهذا جائز ويدفع ذلك القاضي إليه الثمن إذا ثبت كتاب القاضي عنده بالبينة ; لأن المدعي بهذه البينة لا يريد أخذ عين العبد ، فإن بيع القاضي قد نفذ فيه ، ألا ترى أنه لو أقام البينة عنده دفع إليه الثمن ، ولم يمكنه من أخذ العبد فعرفنا أن مقصوده إثبات حق أخذ الثمن لنفسه ، فهذا والبينة التي يقيمها على الدين سواء ; فلهذا يكتب القاضي له بذلك ، ويقضي المكتوب إليه بخلاف ما سبق .

( فإن قيل : ) الثمن عين في يد ذلك القاضي كالعبد . ( قلنا : ) نعم ، ولكنه معلوم بذكر مقداره فلا تقع الحاجة إلى الإشارة من الشهود إلى عينه للاستحقاق بخلاف العبد ، وإذا وجد الرجل عبدا أو أمة آبقا وهو يقدر على أخذه فإنه يسعه تركه ، وأحب إلي أن يأخذه ليرده على صاحبه ، ومن العلماء من يقول : لا يسعه تركه ; لأن النهي عن المنكر فرض على كل من يقدر عليه ، ولأن حرمة مال المسلم كحرمة نفسه ، ولو رأى إنسانا يغرق لم يسعه إلا أن يخلصه إذا قدر عليه فكذلك إذا رأى ماله يتوى ، ولكنا نقول : هو يحتاج في رده إلى معالجة ومؤنة فكان في سعة من أن لا يلتزم ذلك ، وإن كان الأولى أن يلتزمه ، ولأنه في الترك يعتمد ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : { لا يأوي الضالة إلا ضال } ، وقال : { ضالة المؤمن حرق النار } [ ص: 27 ] وبظاهر الحديث يقول جهال أهل التقشف ، وحمقى أهل التصرف لا يسعه أن يأخذه ، فلا أقل من أن يسعه الترك لظاهر الحديث .

( وإذا ) أخذ عبدا آبقا فادعاه رجل ، وأقر له العبد فدفعه إليه بغير أمر القاضي فهلك عنده ، ثم استحقه آخر ببينة أقامها فله أن يضمن أيهما شاء لكون كل واحد منهما خائنا في حقه ، فإن ضمن الدافع رجع به على القابض ; لأنه أخذ العبد منه لنفسه ، وقد تبين أنه كان غاصبا لا مالكا ، وللغاصب الأول حق الرجوع على الثاني بما يضمن ، ولأنه لم يسبق إقرار من الدافع للقابض بالملك ، ولو كان أقر له بذلك فسقط اعتبار إقراره لما صار مكذبا شرعا ، فإذا لم يسبق إقراره أولى ، وإن كان لم يدفع إلى الأول حتى شهد شاهدان عنده فدفعه إليه بغير حكم ، ثم أقام آخر البينة عند القاضي ، فإنه يقضي به لهذا ; لأن البينة الأولى أقامها صاحبها في غير مجلس الحكم ، فلا تكون معارضة للبينة التي قامت في مجلس الحكم ; لأن وجوب الحكم يختص ببينة تقوم في مجلس القضاء ، وإن أعاد الأول بينته لم ينفعه أيضا ; لأن اليد في العبد له ، وبينة ذي اليد في الملك المطلق لا تعارض بينة الخارج ، وما يكتسبه العبد الآبق بالبيع والشراء والإجارة وغير ذلك لمولاه ; لأنه مالك لرقبته بعد إباقه ، وإذا لم يكن المكتسب أهلا للملك فمولاه يخفه في ملك الكسب لملكه رقبته ، وإن أجره الذي أخذه وأخذ أجرته فهو للذي أجره قال : لأنه في ضمانه ، وكأنه أشار بهذا إلى قوله صلى الله عليه وسلم : { الخراج بالضمان } ولأنه بعقده صير ما ليس بمال مالا ، فإن المنافع لا تأخذ حكم المالية إلا بالعقد عندنا كما بينه في الغصب ، ومن صير ما ليس بمال من ملك الغير مالا بفعله كان ذلك المال له كمن اتخذ كوزا من تراب غيره وباعه ، ولكن ينبغي له أن يتصدق به ; لأنه حصل بكسب خبيث ، وإن دفعه إلى المولى مع العبد ، وقال : هذا المال غلة عبدك ، وقد سلمته لك فهو للمولى ; لأنه أخذ بالاحتياط فيما صنع ، وتحرز عن اختلاف العلماء ، فإن عند الشافعي رضي الله عنه هذا المال للمولى ، وعندنا هو للأجير ، ولا يمنعه من تمليك مال نفسه منه طوعا ، ثم يحل للمولى أكله استحسانا .

وفي القياس لا يحل ; لأن حق الفقير أثبت فيه حين وجب التصدق به ، فلا يملك الآخذ إسقاط حق الفقراء ، ولكنه استحسن ، وقال : وجوب التصدق به كان لخبث دخل فيه لعدم رضى المولى به ، فإنما يظهر ذلك في حق الآخذ لا في حق المولى بل بالتسليم إلى المولى يزول ذلك الخبث ، فكان له أن يأكله استحسانا ; لأنه كسب عبده ، وفي القياس لا يجب الأجر ; لأن المستأجر ضامن للعبد باستعماله ، والأجر مع الضمان لا يجتمعان ، ولكنه [ ص: 28 ] استحسن فقال : العبد غير محجور عن الاكتساب وتحصيل المنافع ، ألا ترى أنه يصح منه قبول الهبة والصدقة ، فإذا سلم من العمل نمحض ذلك العقد منفعة ; لأنه لو لم يسبق العقد لم يجب على المستعمل له شيء ، فلهذا أنفذنا ذلك العقد ، بخلاف ما إذا تلف ; لأنه لو نفذ العقد لم يكن للمولى حق تضمين المستأجر فيتضرر به ، فإذا ثبت نفوذ العقد عند سلامة العبد كان حق قبض الأجر إليه ; لأنه وجب بعقده بأخذها فيدفعها إلى المولى ، وإباق المكاتب لا يبطل مكاتبته وإذنه بخلاف إباق المأذون ; لأن المولى يقدر على أن يحجر على المأذون ، ولا يستطيع أن يحجر على المكاتب ، ولأن حق المكاتب في نفسه لازم ; ولهذا لا يملك المولى بيعه بخلاف المأذون .

وحقيقة المعنى أن الإباق لا يتحقق من المكاتب ، فإن له أن يخرج في الاكتساب إلى حيث يشاء ، وليس للمولى أن يمنعه من ذلك ، بخلاف المأذون فإن للمولى أن يمنعه من الخروج ، فإذا خرج بغير إذنه كان فعله إباقا ، وبهذا الطريق لا جعل لراد المكاتب ; لأنه ليس بآبق بخلاف المأذون ، ولأن الراد إنما يستوجب الجعل بإحيائه مالية الرقبة برده ، وذلك لا يوجد في المكاتب ، فإن حق المولى في بدل الكتابة في ذمته خاصة ، ولم يصر مشرفا على الهلاك بإباقه حتى يكون في الرد إحياؤه بخلاف العبد ; لأن مالية رقبته حق المولى ، وقد أشرف على التوى بإباقه فيكون الراد محييا له .

ويجوز عتق الآبق عن الظهار إذا كان حيا ; لأنه باق على ملك المولى حقيقة فينفذ عتقه فيه على الوجه الذي ينفذ حال كونه في يده .

( فإن قيل : ) الآبق في حكم المستهلك ، وإعتاق المستهلك حكما عن الظهار لا يجوز كالأعمى ( قلنا : ) المستهلك منه حكما ماليته لا ذاته ، والكفارة إنما تتأدى بتحرير مبتدإ ، وذلك يرجع إلى الذات دون المالية ، فإن الله تعالى قال : { فتحرير رقبة } ، والرقبة اسم للذات حقيقة ، والذات المرقوق عرفا ، وليس في النص تعريض لصفة المالية ; ولهذا كان قليل القيمة وكثير القيمة في جواز التكفير به سواء ، بخلاف الأعمى فالمستهلك هناك الذوات حكما لفوات منفعة الجنس منه ، وبخلاف المدبر وأم الولد فعتقهما ليس بتحرير مبتدإ بل هذا من وجه تعجيل لما استحقاه مؤجلا ، ويجوز بيع الآبق ممن أخذه ; لأن امتناع جواز بيعه من غيره لعجزه عن التسليم إليه ، ولا يوجد ذلك هنا ; لأنه بنفس العقد يصير مسلما إلى المشتري لقيام يده فيه فلهذا جاز بيعه منه .

وإذا أبق عبد الرهن فرده رجل في حياة الراهن أو بعد موته فهو رهن على حاله ; لأن ماليته قد أشرفت على التوى بالإباق ، ثم قد حي بالرد فهو كما لو أشرف على الهلاك ، ثم برئ فيكون [ ص: 29 ] رهنا على حاله ، والمرتهن أحق به من سائر غرماء الراهن بعد موته ، والجعل على المرتهن إن كان قيمته مثل الدين ; لأن وجوب الجعل للراد بإحيائه مالية العبد ومالية حق المرتهن ; لأن موجب عقد الرهن ثبوت يد الاستيفاء للمرتهن من مالية ، ألا ترى أنه لو لم يرده حتى يتحقق التوى سقط دين المرتهن ، فعرفنا أنه في الرد عمل له فكان الجعل عليه ، وهو نظير تخليصه من الجناية بالفداء ، وذلك على المرتهن بقدر المضمون منه فكذلك الجعل ، وهذا بخلاف النفقة فإنه لإبقاء الملك لا لإحياء المالية ، ألا ترى أن المرتهن إذا امتنع من الإنفاق تمكن من رده ، ويبقى جميع دينه فعرفنا أن النفقة لإبقاء الملك والملك للراهن ، والجعل لإحياء المالية فيكون على المرتهن ، ألا ترى أن المالية لو انتقصت بقرحة خرجت به كان دواء ذلك ، ومعالجته على المرتهن بخلاف النفقة فكذلك جعل الآبق ، وللذي جاء به أن يمسكه حتى يأخذ الجعل ; لأنه إنما يستوجب الجعل بإحياء ماليته فكان لما يستوجب تعلقا بماليته فيحتبس به ، كما يحبس البائع المبيع بثمنه .

وإن مات العبد في يده بعد ما قضى القاضي بإمساكه ، فلا ضمان عليه ; لأنه محق في حبسه ولا جعل له ; لأن وجوب الجعل باعتبار إحيائه ماليته ، ولم يتم ذلك حين لم تصل إليه يد مولاه ، وهو نظير المبيع يتلف في يد البائع ، فإن حقه في الثمن يسقط سواء حبسه أو لم يحبسه ، فهنا يسقط حقه في الجعل بموته في يده سواء حبسه أو لم يحبسه .

( عبد ) أبق وذهب معه بمال فجاء به رجل فقال : لم أجد معه شيئا فالقول قوله ، ولا شيء عليه ; لأن وصول يده إلى العبد لا يكون دليل وصول المال إليه ما لم يعلم كونه في يد العبد حين أخذه ، والمولى يدعي عليه ذلك ، وهو منكر ، كما لو ادعى عليه أنه غصبه مالا وأنكره ، وإن اتهمه رب المال فله أن يستحلفه على ذلك وهو منكر كما لو ادعى ; لأنه يدعي عليه ما لو أقر به لزمه ، فإذا أنكر يستحلف لرجاء نكوله حتى يقام ذلك مقام إقراره .

ولو أن أمة أبقت من مولاها فالتحقت بأرض الحرب ثم أصابها المسلمون فاشتراها رجل منهم فوطئها فولدت له ثم جاء مولاها ، فإنه يأخذها وعقرها وقيمة ولدها في قول أبي حنيفة ، وكذلك لو كان الواطئ اشتراها من المشركين وعندهما أم ولد لمن استولدها ، ولا سبيل لمولاها عليها ، وهذا بناء على أن الآبق إلى دار الحرب لا يملكه المشركون بالأخذ في قول أبي حنيفة ; لأنهم لم يحرزوه لكونه في يد نفسه ، وهي يد محترمة ، فإذا لم يملكها المشتري منهم ولا المسلمون بالاستيلاء أيضا ، فمن اشتراها فوطئها فهو بمنزلة المغرور ; لأنه في الاستيلاء اعتمد ظاهر الشراء ، وولد المغرور حر [ ص: 30 ] بالقيمة ، وللمستحق أن يأخذ الجارية وعقرها وقيمة ولدها ، وبه قضى عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما وعندهما هم يملكون الآبق إليهم بالأخذ ، فإذا ملكوها ملكها المشتري أيضا ، وقد استولدها فكانت أم ولد له ، ولا حق للمولى في استردادها ، والجعل واجب في رد المدبر وأم الولد ; لأنهما مملوكان يستكسبهما بمنزلة القن .

( فإن قيل : ) فأين ذهب قولكم إنه يستوجب الجعل بإحياء المالية في أم الولد خصوصا عند أبي حنيفة ( قلنا : ) نعم ليس له فيها مالية باعتبار الرقبة ، ولكن له مالية باعتبار كسبها بخلاف المكاتب ، فإنه أحق بمكاسبه ، فلا يكون راده محييا للمولى مالية باعتبار الرقبة ولا باعتبار الكسب ، فإن مات المولى قبل أن يوصلهما الراد إليه فلا جعل له ; لأنهما عتقا بموته ، وراد الحر لا يستوجب الجعل ، وكذلك إن كان على المدبر سعاية بأن لم يكن للمولى مال سواه فرده على الورثة لم يستوجب الجعل ; لأن المستسعى بمنزلة المكاتب عند أبي حنيفة وعندهما هو حر عليه دين ، ولا جعل لراد المكاتب أو الحر ، فأما إذا وصلهما إلى المولى فقد تقرر حقه في الجعل ، فلا يسقط بموت المولى وعتقهما بعد ذلك ، وإن كان الآبق بين رجلين أثلاثا فالجعل بينهما على قدر أنصبائهما ، وجوبه باعتبار إحياء ماليتهما ، والمالية لصاحب الكثير أكثر منها لصاحب القليل ، وراد الصغير إذا كان آبقا يستوجب الجعل كراد الكبير ، غير أنه إن جاء به من مسيرة سفر فله أربعون درهما ، وإن جاء به مما دون ذلك يرضخ له على قدر عنائه ، وعناؤه في رد الكبير أكثر منه في رد الصغير ، فالرضخ يكون بحسب ذلك .

وإذا انتهى الرجل بالعبد الآبق إلى مولاه فلما نظر إليه أعتقه فالجعل واجب عليه ; لأنه صار قابضا له بإعتاقه ، ألا ترى أن المشتري إذا أعتق المبيع قبل القبض يصير به قابضا ، وكذلك إن باعه مولاه من الذي أتاه به ; لأنه صار قابضا له لما نفذ تصرفه فيه بالتمليك من غيره ، ولأن سلامة الثمن له باعتبار رد هذا الراد ، فيكون بمنزلة سلامة العين له ، وإن سلمه الراد إلى مولاه فأبق منه ، ثم جاء به رجل آخر من مسيرة ثلاثة أيام فعلى الولي جعل تام لكل واحد منهما ; لأن السبب وهو إحياء المالية بالرد على المولى فقد تقرر من كل واحد منهما بكماله ، وإن كان الأول أدخله المصر ، ثم أبق منه قبل أن ينتهي به إلى مولاه فالجعل للآخر إن جاء به من مسيرة ثلاثة أيام ، ويرضخ له إن كان دون ذلك ، ولا شيء للأول ; لأن تمام السبب بإيصاله إلى المولى ، والأول ما أوصله إلى المولى فانتقص السبب في حقه بإباق العبد منه قبل تمامه بالإيصال إلى المولى فلا جعل له ، وأما الثاني فقد [ ص: 31 ] أتم السبب بإيصاله إلى المولى فيستوجب الجعل بحسب عمله ، وإن أخذه الأول مع الثاني ورداه من مسيرة يوم فالأول نصف الجعل تاما ، ويرضخ للثاني على قدر عنائه لأنهما تمما السبب بإيصاله إلى المولى ، إلا أن الأول قد ضم فعله الثاني إلى الفعل الأول ، وباعتبار هذا الضم يكون رادا له من مسيرة سفر فله نصف الجعل تاما ، والثاني إنما رده من مسيرة يوم فيجعل في حقه كأنهما رداه من مسيرة يوم فلهذا استحق الرضخ على قدر عنائه ، وإن رداه من مسيرة ثلاث فالجعل بينهما سواء ; لأنهما استويا في سبب الاستحقاق للجعل ، وهو الإيصال إلى المولى بعد الرد من مسيرة ثلاث فيستويان في استحقاق الجعل ، وإن كان أحد الرادين عبدا محجورا أو مأذونا فهو مثل الحر في استحقاق الجعل ; لأن هذا اكتساب للمال ، والعبد غير محجور عن اكتساب المال بطريق هو محض منفعة في حق المولى ، وإن كان العبد الآبق لمكاتب أو عبد تاجر فعليهما الجعل للراد ; لأن حقهما في كسبهما بمنزلة حق الحر فيما يرجع إلى ملك التصرف ، والراد أحيا مالية العبد بالرد لهما فيستوجب الجعل عليهما ، وكذلك إن كان الآبق لصبي فالجعل في ماله يؤدي عنه أبوه أو وصيه ; لأن منفعة إحياء المالية حصلت له .

( عبد ) جنى جناية ثم أبق فجاء به رجل فالمولى مخير بين الدفع والفداء إذا كان قبل إباقه ، فإن اختار الفداء فالجعل على مولاه ; لأنه طهره عن الجناية باختياره ، وتبين أن الراد عمل له في إحياء ماليته ، وإن اختار دفعه إلى أصحاب الجناية فالجعل على أصحاب الجناية ; لأنه تبين أن الراد أحيا حقهم ، فإن نفس العبد استحق لهم بالجناية إلا أن يختار المولى الفداء ; ولهذا لو هلك العبد قبل أن يختار المولى شيئا بطل حقهم فتبين باختيار الدفع أن الراد أحيا حقهم فيستوجب الجعل عليهم ، وله أن يحبسه عنهم حتى يستوفى الجعل كما كان له أن يحبسه عن المولى .

( عبد ) أبق إلى بعض البلدان فأخذه رجل فاشتراه منه رجل وجاء به فلا جعل له ; لأنه إنما رده لنفسه ، فإن المشتري قد يكون قاصدا إلى تملك المشترى فيكون هو غاصبا في حق المولى لا عاملا له ، وكذلك إن وهبه أو أوصى له أو ورثه ، فإن أشهد حين اشتراه أنه إنما يشتريه ليرده على صاحبه ; لأنه لا يقدر عليه إلا بالشراء فله الجعل له ; لأنه بهذا الإشهاد أظهر أنه يعمل للمولى في الرد ، ولكنه الطريق الذي يمكنه فيستوجب ، ولا يرجع على المولى بما أدى من الثمن قل ذلك أو كثر ; لأنه متبرع في ذلك كما كان متبرعا فيما ينفق عليه بغير أمر القاضي ، وكذلك إن كان أبق إلى دار الحرب ففي حق الراد هو والمأخوذ في دار الإسلام سواء ، وإن [ ص: 32 ] أخذ الآبق رجل فجاء به ليرده على مولاه فوجده قد مات قال : له الجعل في تركته ; لأن وارثه أو وصيه يخلفه بعد موته فالرد عليه كالرد على المولى في حياته ، وإذا استوجب الجعل عليه كان ذلك دينا في تركته كسائر الديون ، فإن كان عليه دين يحيط بماله فالراد أحق بإمساك العبد حتى يعطى الجعل ، فإن لم يكن له مال غيره بيع العبد ، ويبدأ بالجعل له من ثمنه ، ثم يقسم الباقي بين الغرماء لأن حق الغرماء في ماليته إنما ثبت من جهة الميت ، وقد كان الراد أحق به من الميت ما لم يستوف الجعل ، فكذا يكون هو أحق به من غرماء الميت أيضا ، فإن كان الذي جاء به وارث الميت وقد أخذه ، وسار به ثلاثة أيام في حياته وأوصله إلى المصر فمات المولى قبل أن يرده عليه ، وليس الوارث الراد في عياله فله الجعل في قول أبي حنيفة ومحمد ، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى لا جعل له ; لأن استحقاق الجعل إنما يكون بالإيصال إلى المالك ، وكذا لو أبق قبل أن يوصله إلى المالك ، فلا جعل له ، والإيصال هنا لم يوجد قبل الموت ، وبعد الموت لم يصلح سببا لوجوب الجعل له ; لأنه شريك فيه ، ومن عمل في شيء هو فيه شريك لا يستوجب الأجر بالعقد ، وإن شرط ذلك في العقد فهنا أولى أن لا يستوجب .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #225  
قديم 14-12-2025, 04:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,794
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 32 الى صـــ 41
(225)








وجه قولهما أن الراد إنما يستحق الجعل بعمله في الرد ، وقد تم ذلك في حياة المورث قبل أن تثبت له الشركة فيه ، إلا أن إيصاله إلى المولى شرط ، وعند وجوده يستحق الأجر بعمله لا بما هو شرط ، والشرط يتحقق مع الشركة في المحل ، وإنما الذي لا يتحقق تسليم العمل إلى غيره فيما هو شريك فيه ، وقد صار العمل هنا مسلما إلى المولى باتصاله بملكه ، وقد وجد الشرط بالرد على ورثته فيستوجب الجعل . يوضحه أنه بإحياء المالية يستوجب الجعل ، وقد تحقق هذا حتى لو كان على الميت دين أو أوصى بوصية ينفذ من ذلك ، فيكون هذا بمنزلة ما لو رده عليه في حياته ، ولم يأخذ الجعل منه حتى مات ، وإذا جاء بالآبق من مسيرة ثلاثة أيام وهو لا يساوي أربعين درهما ففي قول أبي يوسف الأول له الجعل أقل من قيمته بدرهم ، وهو قول محمد ، وفي قول أبي يوسف الآخر رحمهما الله له الجعل تاما .

وجه قوله الأول أن وجوب الجعل باعتبار إحياء المالية للمولى ، فلا بد من اعتبار مقدار المالية التي حييت له ، ثم الراد مأذون من جهة المولى في إيصال المنفعة إليه لا في إلحاق الضرر به وإيجاب المال لنفسه عليه ، فإذا كان قيمة العبد درهما كان في إيجاب الأربعين على المولى ضرر بين ، فينبغي أن يوجب له من الجعل بقدر ما يظهر فيه منفعة عمله للمولى ، وذلك أن ينقص من قيمته درهم ; لأن ما دون الدرهم [ ص: 33 ] من الكسور لا يجوز اعتباره شرعا . وجه قوله الآخر أن وجوب الجعل للراد عرف شرعا باتفاق الصحابة ، وقد قدروه بأربعين درهما من غير أن يعرضوا لقيمة العبد ، وما ثبت من التقدير شرعا يجب اعتباره ، وكان عمل الراد هنا في إيجاب جعل مقدر له بمنزلة عقد باشره مع المولى . فكما يستحق هناك جميع المسمى ، ولا ينظر إلى قيمة العبد فكذلك هنا يوضحه أن مالية رقبته ، وإن كانت دون الأربعين فمالية كسبه الذي يحصل للمولى قد تزيد عليه ، وقد بينا أن ذلك يعتبر لإيجاب الجعل ابتداء فلأن يعتبر لتكميل الجعل كان أولى ، وإذا كان على العبد دين فجعله على مولاه إذا أراد ذلك بأن يقضى ما على العبد من الدين ، وإن أبى بيع العبد واستوفى صاحب الجعل جعله ، وكان ما بقي من الثمن لأصحاب الديون ، وهذا وما تقدم - مما إذا كان على العبد دين جناية - سواء ; لأن المستحق هناك الدفع بالجناية ، وهنا البيع في الدين .
وإذا أخذ الرجل عبد أخيه أو أخته أو عبد أبيه أو ابنه أو عبد امرأته أو امرأة أخذت عبد زوجها فالقياس في جميع ذلك واحد أن يكون له الجعل إذا لم يكن في عياله ; لأن ملك أحدهما منفصل عن ملك الآخر فيتحقق منه إحياء المالية على المالك بالرد فيستوجب الجعل كسائر الأجانب ، ولكنه استحسن فقال إذا وجد عبد أبيه ، وهو في عياله ، فلا جعل له ; لأن رد الآبق على أبيه من جملة خدمته ، وخدمة الأب مستحق على الابن دينا ، وإن لم تكن مستحقا عليه دينا ; ولهذا لو استأجر ابنه لخدمته لم يستوجب الأجر سواء كان في عياله أو لم يكن فكذلك لا يستوجب الجعل برد آبقه ، وكذلك المرأة مع الزوج ; لأن كل واحد منهما له مبسوطة اليد في مال صاحبه ، ويعد خيره خير نفسه ، ولأن خدمة الزوج مستحق على المرأة دينا حتى لا يستأجرها على ذلك ، والزوج هو الذي يطلب آبق امرأته عادة . فأما إذا وجد عبد ابنه ، فإن كان في عيال ابنه ، فلا جعل له ; لأن آبق الرجل إنما يطلبه من في عياله عادة ; ولهذا ينفق عليهم فلا يستوجب مع ذلك جعلا آخر .

وإن لم يكن الأب في عيال الابن فله الجعل ; لأن خدمة الابن غير مستحق على الأب دينا ، ولا هو سائغ له شرعا ; ولهذا لو استأجر أباه ليخدمه فخدمه استوجب الأجر عليه فكذلك يستوجب الجعل ، وكذلك الأخ له الجعل إذا لم يكن في عيال أخيه ، وإن كان في عياله فلا جعل له ; لأنه إنما يعوله ، وينفق عليه لهذا ونحوه ، وإذاأبق عبد اليتيم فجاء به الوصي ، فلا جعل له ; لأنه هو الذي يطلب آبق اليتيم عادة ، وهو الذي يمسك عبده ، فلا يكون له الرد على نفسه ، وكذلك إن كان اليتيم في حجر رجل . [ ص: 34 ] يعوله له فجاء به ذلك الرجل ، فلا جعل له ; لأنه هو الذي يطلبه عادة ، وإذا صالح الذي جاء بالآبق مولاه من الجعل على عشرين درهما جاز ; لأنه يجوز بدون حقه ، وأحسن إليه بحط بعض ما استوجبه عليه ، وإن صالحه على خمسين درهما ، وهو لا يعلم أن الجعل أربعون درهما جاز منه أربعون ، ويطرح الفضل ; لأن حقه مقدر بالأربعين شرعا فالزيادة على ذلك تكون ربا ، وهو نظير ما لو صالح الشريك المعتق شريكه على أكثر من قيمة نصيبه كان الفضل باطلا لما بيناه ، وإذا أبقت الأمة ، ولها صبي رضيع فردهما رجل فله جعل واحد لأن الإباق من الرضيع لا يتحقق ، فإنما رد آبقا واحدا ، وهي الأمة ، وإن كان ابنها غلاما قد قارب الحلم فله جعلان ثمانون درهما ; لأن الإباق تحقق منهما ، فإنما أحيا مالية مملوكين بالرد فيستوجب جعلا كاملا باعتبار كل واحد منهما ، وإذا رجع الواهب في الهبة بعد ما رد العبد من إباقه ، وسلمه إلى الموهوب له فله الجعل على الموهوب له ; لأنه أحيا المالية له بالرد ، والإيصال إليه فزوال ملكه بعد ذلك برجوع الواهب كزوال ملكه بموت العبد ، ولو مات لم يبطل حق الراد في الجعل فكذلك إذا رجع فيه الواهب ، والله سبحانه ، وتعالى أعلم

كتاب المفقود ( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي إملاء : المفقود اسم لموجود هو حي باعتبار أول حاله ولكنه خفي الأثر كالميت باعتبار مآله ، وأهله في طلبه يجدون ، ولخفاء أثر مستقره لا يجدون قد انقطع عليهم خبره واستتر عليهم أثره ، وبالجد ربما يصلون إلى المراد وربما يتأخر اللقاء إلى يوم التناد والاسم في اللغة من الأضداد يقول الرجل : فقدت الشيء أي أضللته ، وفقدته أي طلبته وكلا المعنيين يتحقق في المفقود ، فقد ضل عن أهله وهم في طلبه ، وحكمه في الشرع أنه حي في حق نفسه حتى لا يقسم ماله بين ورثته ، ميت في حق غيره حتى لا يرث هو إذا مات أحد من أقربائه ; لأن ثبوت حياته باستصحاب الحال فإنه علم حياته فيستصحب ذلك ما لم يظهر خلافه ، واستصحاب الحال معتبر في إبقاء ما كان على ما كان غير معتبر في إثبات ما لم يكن ثابتا ، وفي الامتناع من قسمة ماله بين ورثته إبقاء ما كان على ما كان ، وفي توريثه من الغير إثبات أمر لم يكن ثابتا له ، ولأن حياته باعتبار الظاهر ، والظاهر حجة لدفع الاستحقاق ، وليس بحجة [ ص: 35 ] للاستحقاق ، فلا يستحق به ميراث غيره ، ويندفع به استحقاق ورثته لماله بهذا الظاهر ; ولهذا لا تتزوج امرأته عندنا ، وهو مذهب علي رضي الله تعالى عنه كما بدأ به الكتاب من قوله في امرأة المفقود : إنها امرأة ابتليت فلتصبر حتى يستبين موت أو طلاق ، وبه كان يأخذ إبراهيم كما قال : قد سمعنا أن امرأته تتربص أربع سنين ، وليس ذلك بشيء هي امرأة ابتليت فلتصبر ، وتربص أربع سنين كان يقول به عمر رضي الله تعالى عنه في الابتداء ثم رجع إلى قول علي رضي الله عنه ومالك كان يأخذ بقول عمر رضي الله عنه فيقول : الظاهر أنه يوقف على خبره بعد هذه المدة أن لو كان حيا ، والبناء على الظاهر واجب فيما لا يوقف على حقيقته ، خصوصا إذا وقعت الحاجة إلى دفع الضرر عنها ، وقد مست الحاجة إلى دفع الضرر عنها لكي لا تبقى معلقة .

ألا ترى أنه يفرق بين العنين وامرأته بعد مضي سنة لدفع الضرر عنها ، وبين المولى وامرأته بعد أربعة أشهر لدفع الضرر عنها ، ولكن عذر المفقود أظهر من عذر المولى والعنين فيعتبر في حقه المدتان في التربص ، وذلك بأن تجعل الشهور سنين ، فلهذا تتربص ولا نأخذ بهذا ; لأن نكاحه حقه ، وهو حي في إبقاء ملكه وحقه عليه ، ولو مكنا زوجته من أن تتزوج كان فيه حكم بالموت ضرورة ، إذ المرأة لا تحل لزوجين في حالة واحدة فيجب قسمة ماله أيضا ، وذلك ممتنع ما لم يقم على موته دليل موجب له . والتقدير بالمدة في حق المولى والعنين لدفع ظلم التعليق ، ولا يتحقق معنى الظلم من المفقود فقلنا : إنها امرأة ابتليت فلتصبر ، ولو شاء الله تعالى لابتلاها بأشد من هذا . فإذا لم يظهر خبره فظاهر المذهب أنه إذا لم يبق أحد من أقرانه حيا ، فإنه يحكم بموته ; لأن ما تقع الحاجة إلى معرفته فطريقه في الشرع الرجوع إلى أمثاله كقيم المتلفات ، ومهر مثل النساء وبقاؤه بعد موت جميع أقرانه نادر ، وبناء الأحكام الشرعية على الظاهر دون النادر .

وكان الحسن بن زياد رحمه الله يقول : إذا تم مائة وعشرون سنة من مولده يحكم بموته ، وهذا يرجع إلى قول أهل الطبائع والنجوم ، فإنهم يقولون لا يجوز أن يعيش أحد أكثر من هذه المدة ; لأن اجتماع التحسين يحصل للطباع الأربع في هذه المدة ، ولا بد من أن يضاد واحد من ذلك طبعه في هذه المدة فيموت ، ولكن خطأهم في هذا قد تبين للمسلمين بالنصوص الواردة في طول عمر بعض من كان قبلنا كنوح صلوات الله وسلامه عليه وغيره ، فلا يعتمد على هذا القول ، وعن أبي يوسف رحمه الله قال : إذا مضى مائة سنة من مولده يحكم بموته ; لأن الظاهر أن أحدا في زماننا [ ص: 36 ] لا يعيش أكثر من مائة سنة .

وحكي أنه لما سئل عن معنى هذا قال : أبينه لكم بطريق محسوس ، فإن المولود إذا كان ابن عشر سنين يدور حول أبويه هكذا وعقد عشرا ، فإن كان ابن عشرين سنة فهو بين الصبا والشباب هكذا وعقد عشرين ، فإن كان ابن ثلاثين سنة يستوي هكذا وعقد ثلاثين ، فإذا كان ابن أربعين تحمل عليه الأثقال هكذا وعقد أربعين ، فإذا كان ابن خمسين ينحني من كثر الأثقال والأشغال هكذا وعقد خمسين ، فإذا كان ابن ستين ينقبض للشيخوخة هكذا وعقد ستين ، فإذا كان ابن سبعين يتوكأ على عصا هكذا وعقد سبعين ، فإذا كان ابن ثمانين يستلقي هكذا وعقد ثمانين ، فإذا كان ابن تسعين تنضم أمعاؤه هكذا وعقد تسعين ، فإذا كان ابن مائة سنة يتحول من الدنيا إلى العقبى كما يتحول الحساب من اليمنى إلى اليسرى .

وهذا يحمل من أبي يوسف على طريق المطايبة إلا أن يكون يعرف الحكم بمثل هذا ، وهو كما نقل عن أبي يوسف رحمه الله أنه سئل عن بنات العشر من النساء فقال : لهو اللاهين ، فسئل عن بنات العشرين فقال : لذة المعانقين ، فسئل عن بنات الخمسين فقال : عجوز في الغابرين ، وسئل عن بنات الستين فقال : لعنة اللاعنين . وكان محمد بن سلمة يفتي في المفقود بقول أبي يوسف حتى تبين له خطؤه في نفسه ، فإنه عاش مائة سنة وسبع سنين . فالأليق بطريق الفقه أن لا يقدر بشيء ; لأن نصب المقادير بالرأي لا يكون ولا نص فيه ، ولكن نقول : إذا لم يبق أحد من أقرانه يحكم بموته اعتبارا لحاله بحال نظائره .

( وذكر ) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمهما الله قال لقيت : المفقود نفسه فحدثني حديثه قال : أكلت حريرا في أهلي ثم خرجت فأخذني نفر من الجن فمكثت فيهم ثم بدا لهم في عتقي فأعتقوني ، ثم أتوا بي قريبا من المدينة فقالوا أتعرف النخل فقلت : نعم فخلوا عني فجئت ، فإذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أبان امرأتي بعد أربع سنين وحاضت وانقضت عدتها وتزوجت فخيرني عمر رضي الله عنه بين أن يردها علي وبين المهر . وأهل الحديث رحمهم الله يرون في هذا الحديث أنه هم بتأديبه حين رآه ، وجعل يقول : يغيب أحدكم عن زوجته هذه المدة الطويلة ، ولا يبعث بخبره فقال : لا تعجل يا أمير المؤمنين ، وذكر له قصته .

وفي هذا الحديث دليل لمذهب أهل السنة والجماعة رحمهم الله في أن الجن قد يتسلطون على بني آدم ، وأهل الزيغ ينكرون ذلك على اختلاف بينهم . فمنهم من يقول : المستنكر دخولهم [ ص: 37 ] في الآدمي لأن اجتماع الروحين في شخص لا يتحقق ، وقد يتصور تسلطهم على الآدمي من غير أن يدخلوا فيه ، ومنهم من قال : هم أجسام لطيفة ، فلا يتصور أن يحملوا جسما كثيفا من موضع إلى موضع ، ولكنا نقول : نأخذ بما وردت به الآثار قال النبي صلى الله عليه وسلم : { إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم } ، وقال صلى الله عليه وسلم : { إنه يدخل في رأس الإنسان فيكون على قافية رأسه } حديث فيه طول ، وهذا الحديث دليل لنا أيضا فنتبع الآثار ، ولا نشتغل بكيفية ذلك ، وكأن عمر رضي الله عنه إنما رجع عن قوله في امرأة المفقود لما تبين من حال هذا الرجل ، وأما تخييره إياه بين أن يردها عليه وبين المهر فهو بناء على مذهب عمر رضي الله عنه في المرأة إذا نعي إليها زوجها فاعتدت ، وتزوجت ثم أتى الزوج الأول حيا إنه يخير بين أن ترد عليه وبين المهر ، وقد صح رجوعه عنه إلى قول علي رضي الله عنه ، فإنه كان يقول ترد إلى زوجها الأول ، ويفرق بينها وبين الآخر ، ولها المهر بما استحل من فرجها ، ولا يقربها الأول حتى تنقضي عدتها من الآخر وبهذا كان يأخذ إبراهيم رحمه الله فيقول : قول علي رضي الله عنه أحب إلي من قول عمر رضي الله عنه ، وبه نأخذ أيضا ; لأنه تبين أنها تزوجت ، وهي منكوحة ومنكوحة الغير ليست من المحللات بل هي من المحرمات في حق سائر الناس كما قال الله تعالى : { والمحصنات من النساء } فكيف يستقيم تركها مع الثاني ، وإذا اختار الأول المهر ، ولكن يكون النكاح منعقدا بينهما فكيف يستقيم دفع المهر إلى الأول ، وهو بدل بضعها فيكون مملوكا لها دون زوجها كالمنكوحة إذا وطئت بشبهة ، فعرفنا أن الصحيح أنها زوجة الأول ، ولكن لا يقربها لكونها معتدة لغيره كالمنكوحة إذا وطئت بالشبهة .

وذكر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله أن عمر رضي الله عنه رجع عن ثلاث قضيات إلى قول علي رضي الله عنه ، عن امرأة أبي كنف ، والمفقود زوجها ، والمرأة التي تزوجت في عدتها . أما حكم المفقود والمعتدة فقد بينا . وأما حديث أبي كنف فهو ما رواه إبراهيم أن أبا كنف طلق امرأته فأعلمها وراجعها قبل انقضاء العدة ولم يعلمها ، فجاء وقد تزوجت فأتى عمر رضي الله عنه فقص عليه القصة فقال له : إن وجدتها لم يدخل بها فأنت أحق بها ، وإن كان قد دخل بها فليس لك عليها سبيل ، فقدم وقد وضعت القصة على رأسها فقال لهم : إن لي إليها حاجة فخلوا بيني وبينها ، فوقع عليها وبات عندها ، ثم غدا إلى الأمير بكتاب عمر رضي الله عنه فعرفوا أنه جاء بأمر بين وهذا كان مذهب عمر رضي الله عنه [ ص: 38 ] في الابتداء أنه إذا راجعها ولم يعلمها لا يثبت حكم الرجعة في حقها ما لم تعلم حتى إذا اعتدت وتزوجت ودخل بها الثاني لم يبق للأول عليها سبيل لدفع الضرر عنها ، ثم رجع إلى قول علي رضي الله عنه أن مراجعته إياها صحيح بغير علمها ، وهي منكوحة سواء دخل بها الثاني أو لم يدخل ; لأن الزوج يستبد بالرجعة كما يستبد بالطلاق فكما يصح إيقاع الطلاق عليها ، وإن لم تعلم به فكذلك رجعتها لقوله تعالى : { وبعولتهن أحق بردهن } في ذلك ، وإنما يكون أحق إذا كان يستبد به . والرجعة إمساك بالنص كما قال الله تعالى : { فإمساك بمعروف } والمالك ينفرد بإمساك ملكه من غير أن يحتاج إلى علم غيره .

قال : ( وإذا فقد الرجل فارتفع ، ورثته إلى القاضي وأقروا أنه فقد ، وسألوا قسمة ماله ، فإنه لا يقسم حتى تقوم البينة على موته ) لما بينا أنه حي في حق نفسه ، ومال الحي لا يقسم بين ورثته ، فما لم يثبت موته بالبينة عند القاضي لا يشتغل بقسمة ماله ( فإن قيل : ) كيف تقبل البينة للقضاء بها على الغائب ( قلنا : ) بأن يجعل من في يده المال خصما عنه أو ينصب عنه قيما في هذه الولاية ، وإذا قامت البينة على من ينصبه القاضي فيما قضى بموته .

( فإن قيل : ) كان ينبغي أن يجعله ميتا حكما لانقطاع خبره فيقسم ماله ، وإن لم تقم البينة على موته كالمرتد اللاحق بدار الحرب . ( قلنا : ) هناك ظهر دليل الحكم بموته ، وهو أنه صار حربيا ، وأهل الحرب في حق من هو في دار الإسلام كالميت ، ولم يظهر هنا دليل موجب لموته حقيقة ولا حكما ، ولأن هناك لو ظفر به الإمام موته حقيقة بأن يقتله ، فإذا عجز عن ذلك بدخوله دار الحرب موته حكما فقسم ماله ، ولا يتحقق ذلك المعنى هنا قال : ( وتفسير المفقود الرجل يخرج في سفر ولا يعرف موته ولا حياته ولا موضعه ، ولا يأسره العدو ، ولا يستبين موته ولا قتله ) فهذا مفقود لا يقضي القاضي في شيء من أمره حتى تقوم البينة أنه مات أو قتل .

ومن كان من ورثة المفقود غنيا فلا نفقة له في ماله ما خلا الزوجة لأن حياته معلوم ، ولا يستحق أحد من الأغنياء النفقة في مال الحي سوى الزوجة ; لأن استحقاق الزوجة بالعقد ، فلا يختلف باليسار والعسرة أو بكونها محبوسة بحقه ، وذلك موجود في حق المفقود ، فأما استحقاق من سواها فباعتبار الحاجة ، وذلك ينعدم بغنى المستحق ، فإن كانت له غلة جعل القاضي فيها من يحفظها ; لأنه ناظر لكل من عجز عن النظر لنفسه ، والمفقود عاجز عن النظر لنفسه فينصب القاضي في غلاته من يجمعها ، ويحفظها عليه ، وما كان يخاف عليه الفساد من متاعه ، فإن القاضي يبيعه ; لأن حفظ عينه عليه متعذر فيصير إلى حفظ [ ص: 39 ] ماليته عليه ، وذلك يكون بالبيع وينفق على زوجته وأولاده الصغار أو الكبار من الإناث أو الزمنى من الذكور من ماله بالمعروف ، وهذا إذا كان السبب معلوما عنده ; لأنه لو كان حاضرا قضى بالنفقة لهم عليه بعلمه ، فإن كان غائبا يقضي بذلك لهم في ماله أيضا ، وقيل : هذا لا يكون منه قضاء على الغائب على الحقيقة بل يكون تمكينا للمستحق من أخذ حقه ، ولو تمكنوا من ذلك كان لهم أن يأخذوه فيعينهم القاضي على ذلك ، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم لهند امرأة أبي سفيان رضي الله عنه : { خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف } وقيل : بل هو قضاء منه ، وللقاضي ولاية القضاء على الغائب بعلمه ، كما إذا أقر بين يديه ثم غاب .

ثم هذا نظر منه للغائب ; لأن ملك النكاح حقه في زوجته ، ولا يبقى بدون النفقة فكان له أن ينفق عليها من ماله حفظا لملكه عليه ، وكذلك ولده جزء منه فينفق عليه من ماله حفظا لنسله . وللقاضي ولاية في ماله فيما يرجع إلى الحفظ والنظر ، وإن استوثق منهم بكفيل فحسن ، وإن لم يأخذ منهم كفيلا فهو مستقيم أيضا إلا أن الأحوط أن يأخذ الكفيل لجواز أن يكون فارقها قبل أن يفقد ، أو كان عجل لها النفقة لمدة فكان تمام النظر في الاستيثاق بالكفيل ، وهذا قولهم جميعا ; لأن هذه كفالة للمفقود وهو معلوم ، ولكن لا يجب على القاضي أخذ الكفيل من غير خصم يطلب ذلك ، وليس هنا خصم طالب ، فلهذا يسعه أن لا يأخذ كفيلا ، ولم ينفق من ماله على غير من سمينا من ذي الرحم المحرم ; لأن وجوب النفقة عليه لهم لا يكون إلا بعد قضاء القاضي ، والقاضي لا يقضي على الغائب ، ولأن ولايته فيما يرجع إلى النظر للمفقود ، وذلك لا يوجد في حق ذي الرحم المحرم ، ولا يبيع شيئا مما لا يخاف عليه الفساد من ماله في نفقة ولا غيرها ; لأن ولاية البيع للنظر له ، وحفظ العين فيما يتأتى حفظه نظر له ، فلا يبيع شيئا من ذلك ، وهو في الإنفاق على من سميناهم معين لهم على أخذ حقهم ، وإنما يثبت لهم حق الأخذ إذا ظفروا بجنس حقهم ، ولا يكون لهم أن يبيعوا عروضا ولا غيرها فكذلك القاضي لا يبيع شيئا من ذلك ، فإن لم يكن له مال إلا دار ، واحتاج زوجته وولده إلى النفقة لم يبع لهم الدار ، وكذلك لو كان خادم ; لأن هذا مما لا يخاف عليه الفساد من ملكه ، فلا يكون بيعه محض الحفظ عليه ، فلهذا لا يبيعه بخلاف ما يخاف فساده .

وهذا بخلاف الوصي في حق الوارث الكبير الغائب ، فإن له أن يبيع العروض ; لأن ولايته ثابتة فيما يرجع إلى حق الموصي ، وبيع العروض فيه معنى حقه [ ص: 40 ] وربما يكون حفظ الثمن للاتصال إلى ورثته أيسر من حفظ العين ، وهنا لا ولاية للقاضي على المفقود إلا في الحفظ فقط ، وحفظ عين ملكه عند الإمكان أنفع له ; فلهذا لا يبيع شيئا من العروض ، وقال أبو حنيفة رحمه الله إن كان له أب محتاج فلابنه أن يبيع شيئا من ماله من العروض وينفق على نفسه ، وليس له أن يبيع العقار وهو استحسان ، وفي القياس له أن يبيع العروض ، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهم الله ، وذكر الكرخي أن محمدا ذكر قول أبي حنيفة رحمه الله في الأمالي وقال : هو حسن .

وجه القياس أنه لا ولاية للأب في مال ولده الكبير ، ونفوذ البيع يعتمد الولاية ألا ترى أنه لا يبيع عقاره لهذا ، ولا يبيع عروضه إذا كان حاضرا ، والحاضر والغائب في حكم الولاية للأب عليه سواء ألا ترى أنه لما ثبت له ولاية التملك بالاستيلاد لم يفترق الحال بين حضور الولد وغيبته .

ووجه الاستحسان أن ولاية الأب ، وإن زالت بالبلوغ فقد بقي أثرها حتى يصح منه استيلاد جارية الابن لحاجته إلى ذلك ، وحاجته إلى النفقة لبقاء نفسه حاجته إلى الاستيلاد لبقاء نسله ، ولهذا يتملك هناك بضمان القيمة ، وينفق على نفسه من ماله بغير ضمان ، وإذا ثبت بقاء أثر ولايته كان حاله كحال الوصي في حق الوارث الكبير الغائب ، وهناك ثبت له حق بيع العروض دون بيع العقار ; لأن بيع العروض من الحفظ ، وبيع العقار ليس من الحفظ ، فإن العقارات محصنة بنفسها ; ولهذا لا يبيع حال حضوره ; لأن بيعه في هذه الحالة ليس من الحفظ ، فإن الابن حافظ لماله كما لا يبيع الوصي عروض الولد الكبير الحاضر ، ولا يبعد زوال ولاية الأب بالبلوغ مع بقاء أثره ، كما لو مات وأوصى إلى رجل زالت ولايته بالموت ، وبقي أثره ببقاء الوصي ، فإن كان للمفقود دنانير أو دراهم أو ذهب أو فضة تبرا أنفق عليهم من ذلك ، وكذلك كل ما كان يخاف عليه الفساد من غلته ومتاعه فإن القاضي يبيع ذلك وينفق عليهم منه ، وإن باعته زوجته أو الولد فبيعهما باطل ; لأن البيع من الحفظ ، وليس من استيفاء النفقة في شيء ، وإليهما حق استيفاء النفقة دون الحفظ ، وأما القاضي فله حق الحفظ في مال المفقود ، وبيع ما يخاف عليه الفساد من الحفظ ، وبعد البيع الثمن من جنس حقهم فينفق عليهم منه .
وكذلك الوديعة تكون له عند الرجل ، فإنه ينفق منها عليهم إذا كان الرجل مقرا الوديعة والزوجية أو يكون ذلك معلوما للقاضي عندنا .

وقال زفر : رحمه الله لا ينفق منها عليهم ; لأن إقرار المودع ليس بحجة على الغيب ، وهو ليس بخصم عن الغائب ، ولا يقضى على الغائب إذا لم يكن عنه خصم حاضر ، ولكنا نقول : المودع [ ص: 41 ] مقر بأن في يده ملك الغائب ، وأن للزوجة والولد حق الإنفاق منه ، وإقرار الإنسان فيما في يده معتبر فينتصب هو خصما باعتبار يده فيتعدى القضاء منه إلى المفقود .

وكذلك الدين يكون للمفقود على رجل ، وهو مقر به فهو الوديعة سواء ، والكلام في الدين أظهر ; لأن إقرار المديون يلاقي ملك نفسه ، فإن الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها ، والجواب في الفصلين جميعا استحسان إذا كان مقرا بالنسب والمال ، فإن كان جاحدا لأحدهما لم تسمع البينة عليه من طالب النفقة لأنه إذا كان جاحدا للمال فطالب النفقة لا يثبت الملك في المال لنفسه ، إنما يثبته للمفقود ، حتى إذا ثبت ذلك ترتب عليه ، وهو ليس بخصم عن المفقود ، وإن كان منكرا للزوجية ، فإنما يثبت النكاح على المفقود المودع ، والمديون ليس بخصم عنه في إثبات النكاح عليه . وإن كانت الزوجية والمالية معلومين للقاضي فعلم القاضي بذلك أقوى من إقرار المودع والمديون ، وإن أعطاهما المديون بغير أمر القاضي لم يبرأ عن الضمان ، وكذلك إن أعطاهما المودع من الوديعة . فهو ضامن ; لأنه دفع مال الغير إلى الغير بغير إذنه ، بخلاف ما إذا دفع بأمر القاضي ، فإن أمر القاضي في حق المفقود معتبر فيما يرجع إلى حفظ ملكه ، وقد بينا أن الإنفاق على الزوجة والولد من حفظ ملكه وحقه عليه ، فيكون أمر القاضي فيه كأمر المفقود ، وإن طلبت زوجته وولده من القاضي أن ينصب وكيلا يتقاضى دينه ، ويجمع غلاته ، ويؤاجر رقيقه فعلى القاضي ذلك نظرا منه للحاضر والغائب جميعا ، للغائب بحفظ ماله وجمعه ، وللحاضر بوصوله إلى حقه ، وهي النفقة ، وكان للوكيل أن يتقاضى ويقبض ويخاصم من يجحد حقا من عقد يجري بينه وبين الوكيل ; لأن ما وجب بعقده فهو أحق بقبضه ، ألا ترى أنه لو ظهر المفقود كان حق القبض في هذا المال للوكيل الذي باشر سببه ، فأما كل دين كان المفقود تولاه أو نصيب من عقار أو عرض في يدي رجل أو حق من الحقوق ، فإن الوكيل لا يخاصم فيه من جحده ; لأنه ليس بخصم عن المفقود ، إنما هو حافظ لماله فقط ، وحفظه يتحقق فيما وصلت يده إليه ، فأما الخصومة وإقامة البينة فيما لم يكن في يده قط ليس من الحفظ ، فيكون الوكيل كأجنبي آخر إلا أن يكون القاضي قد ولاه ذلك ، ورآه ، وأنفذ الخصومة بينهم فيه فيجوز حينئذ ; لأنه مما اختلف فيه القضاة يعني بهذا القضاء على الغائب بالبينة ، فإنه مختلف فيه بين العلماء رحمهم الله فينفذ قضاء القاضي فيه .

وكذلك إن مات غريم من غرمائه ، وقد أقر له بدينه في وصيته عزلت حق المفقود من ذلك وجعلته على يدي وكيله [ ص: 42 ] لأن ذلك من الحفظ ، وإن لم يكن أوصى به ، وعليه ديون لغيره لم يكن لورثة المفقود ووكيله في ذلك خصومة ، إلا أن يراه القاضي فيقضي به ، فحينئذ ينفذ قضاؤه لكونه مجتهدا فيه . ( فإن قيل : ) المجتهد فيه نفس القضاء فينبغي أن يتوقف على إمضاء قاض آخر كما لو كان القاضي محدودا في قذف .

( قلنا : ) لا كذلك بل المجتهد فيه سبب القضاء ، وهو أن البينة هل تكون حجة من غير خصم حاضر أم لا ، فإذا رآها القاضي حجة ، وقضى بها نفذ قضاؤه ، كما لو قضى بشهادة المحدود في قذف .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #226  
قديم 14-12-2025, 04:41 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,794
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 42 الى صـــ 51
(226)






وإن ادعى إنسان على المفقود حقا من دين أو وديعة أو شركة في عقار أو رقيق أو طلاق أو عتاق أو نكاح أو رد بعيب أو مطالب باستحقاق لم يلتفت إلى دعواه ، ولم تقبل منه البينة ، ولم يكن هذا الوكيل ، ولا أحد من ورثته خصما له . أما الوكيل فلأنه نصب للحفظ ، وأما الورثة فلأنهم يخلفونه بعد موته ، ولم يظهر موته ، فإن رأى القاضي سماع البينة ، وحكم بذلك نفذ حكمه لما بينا أنه أمضى فصلا مختلفا فيه باجتهاده ، وإذا رجع المفقود حيا لم يرجع في شيء مما أنفق القاضي أو وكيله بأمره على زوجته وولده من ماله وغلته ودينه ; لأن القاضي لما ثبت له ولاية الإنفاق كان فعله كفعل المفقود بنفسه ، وكذلك ما أنفقوا هم على أنفسهم من دنانير أو دراهم في وقت حاجتهم إلى النفقة لما بينا أنهم إذا ظفروا بجنس حقهم وسعهم أخذه بالمعروف ، فلا يضمنون شيئا من ذلك ، وكذلك إن كان في ماله طعام فأكلوه لأن ذلك من جنس حقهم ، وكذلك إن كان في ماله ثياب فلبسوها للكسوة ; لأن ذلك من جنس حقهم ، فأما ما سوى ذلك من العروض إن باعوا شيئا منه كانوا ضامنين له ، ألا ترى أن القاضي لا يبيع شيئا من ذلك للإنفاق عليهم . فكذلك لا يملكون بيعه ، وإنما لا يبيع القاضي ما لا يخاف عليه الفساد في النفقة ; لأن في بيع ذلك في النفقة حجرا على الغائب وأبو حنيفة لا يرى الحجر عليه ، وهما وإن كانا يريان الحجر على من لزمه حق فذلك عند ظهور تعنته وامتناعه ، وبهذا الطريق يقول : لا يقضي القاضي دين المفقود من ماله .

وكذلك مهر امرأته ، والنفقات المجتمعة عليه قبل أن يفقد ; لأن ذلك لا يرجع إلى حفظ ملكه بل فيه نوع حجر عليه ، ولم يذكر في الكتاب أنه إذا لم يكن للمفقود مال ، وطلبت زوجته من القاضي أن يقضي لها بالنفقة على زوجها هل يجيبها إلى ذلك ، وكان أبو حنيفة رحمه الله يقول أولا : يجيبها إلى ذلك ، وهو قول إبراهيم النخعي رحمه الله ثم رجع إلى قول شريح ، وقال : لا يجيبها إلى ذلك . فالحجة لقوله الأول حديث هند كما روينا ، ووجه قوله الآخر أن نفقة [ ص: 43 ] الزوجة لا تصير دينا إلا بقضاء القاضي ، وليس للقاضي أن يوجه القضاء على الغائب فيلزمه بقضائه شيئا من غير خصم عنه ، وهذا إذا كان النكاح معلوما له ، وإن أرادت إثبات النكاح بالبينة لم يسمع القاضي بينتها عندنا ; لأن البينة لا تكون حجة إلا على خصم جاحد فما لم يحضر هو أو خصم عنه لا يسمع القاضي بينتها عليه بالنكاح ، وعلى قول زفر تسمع البينة ، ويأمرها بأن تستدين وتنفق على نفسها ، فإذا حضر الزوج كلفها إعادة البينة عليه ، فإن أعادت قضى على الزوج بما أنفقت في المدة الماضية ، وإن لم تعد البينة على الزوج لم يقض عليه بشيء ، وهذا منه نوع احتياط في حق الحاضر والغائب جميعا .

( وإذا ) أجر المفقود شيئا قبل أن يفقد لم تنتقض الإجارة بعد ما يصير مفقودا ; لأنه حي في إبقاء ما كان على ما كان ، ولا يبرأ المستأجر بدفع الأجرة إلى زوجته وولده إلا أن يأمره القاضي بذلك كما في سائر الديون .
( وإذا ) فقد الرجل بصفين أو بالجمل ثم اختصم ورثته في ماله اليوم ، فإن هذا قد مات ، ألا ترى أنه لم يبق أحد أدرك ذلك الزمان ، فإذا بلغ المفقود هذه المدة فهو ميت يقسم ماله بين ورثته .

( والجمل ) حرب كان بين علي وعائشة وطلحة والزبير بالبصرة رضوان الله عليهم أجمعين . ( وصفين ) كان بين علي ومعاوية رضي الله عنهما وبين أهل الشام ، ومن ذلك الوقت إلى وقت تصنيف هذا الكتاب كان أكثر من مائة وعشرين سنة ، والرجل الذي فقد في ذلك الوقت كان ابن عشرين سنة أو أكثر ; لأنه خرج محاربا ، ولا شك أنه لا يبقى في مثل هذه المدة الطويلة ظاهرا . فإن كان له ابن مات زمان خالد بن عبد الله وترك أخا لأمه وللمفقود عصبة ، فإني أنظر إلى سن المفقود يوم مات الابن ، فإن كان مثله يعيش إلى ذلك الوقت لم أورث الابن منه شيئا لبقائه حيا بطريق الظاهر واستصحاب الحال ، ولم أورثه من أبيه أيضا ; لأن بقاء الوارث بعد موت المورث شرط لوراثته عنه فإن الوراثة خلافة ، والحي يخلف الميت ، فأما الميت فلا يخلف الميت ، وما كان شرطا فما لم يثبت بدليل موجب له لا يثبت الحكم ، واستصحاب الحال دليل يبقى لا موجب ، فلهذا لا يرث المفقود من أبيه ثم يكون ميراث المفقود لعصبته الحي بعد ما يمضي من المدة ما لا يعيش مثله إليه ، وإن كان مثله لا يعيش إلى مثل تلك المدة حين مات ابنه جعلت الميراث لابنه ; لأن حياته بعد موت أبيه معلوم هنا بدليل شرعي ، فإذا صار مال المفقود ميراثا له كان ذلك موروثا عن ابنه بعد موته كسائر أمواله ، لأخيه لأمه منه السدس ، والباقي لعصبته ، وإن كان مات بعض من يرثه المفقود قبل هذا فنصيبه من الميراث يوقف إلى أن [ ص: 44 ] يتبين حاله ; لأنه غير محكوم بموته ، ولكنه يشتبه الحال بمنزلة الجنين في البطن فيوقف نصيبه ، فإن ظهر حيا كان ذلك مستحقا له ، وإن لم يظهر حاله فذلك مردود إلى ورثة صاحب المال على سهامهم بمنزلة الموقوف للجنين إذا انفصل الجنين ميتا ، وهذا لأنه لم يظهر شرط الاستحقاق له فيكون موروثا عن الميت كسائر ورثته يوم مات .

وإذا فقد المكاتب وله مال وولد ولدوا في المكاتبة وقف ماله حتى يظهر حاله ; لأن ولاية أداء الكتابة من ماله إنما تكون بعد موته ليحكم بحريته مستندا إلى حال حياته ، ولم يظهر موته ، وكذلك استسعاء أولاده في بدل الكتابة بطريق الخلافة عنه بعد موته ، ولم يظهر لأنه لا يستسعى الولد إذا كان له مال بعد موته حقيقة ، فكيف يستسعى ولده بعد ما يصير مفقودا ، وله مال ، وينفق على ولده الصغار وبناته الذين ولدوا في المكاتبة ، وعلى امرأته من ماله ; لأن هؤلاء كانوا يستحقون عليه النفقة في كسبه أن لو كان حاضرا فكذلك ينفق عليهم من ماله بعد ما يصير مفقودا كولد الحر وزوجته ، وهذا لأن استحقاق النفقة للزوجة بعقد النكاح ، والحر والمكاتب فيه سواء ، وأولاده الذين ولدوا في المكاتبة هو أحق بكسبهم فتلزمه نفقتهم ; لأن الغرم مقابل بالغنم ، فإن مات ابن له ولد في مكاتبته وترك مالا كان ماله موقوفا ; لأنه إن كان المفقود حيا حين اكتسب هذا الولد فكسبه للمفقود ، وإن كان ميتا فكسبه لورثته ; لأنه يحكم بحريته إذا أديت كتابة أبيه من ماله مستندا إلى حياة أبيه ، فلجهالة المستحق بقي موقوفا ، وإن كان ماله في يد أخيه لم أخرجه من يده ، ولم أتعرض له ; لأنه لا يدري لمن هذا المال ، وما لم يظهر مستحق للمال فليس للقاضي أن يتعرض لذي اليد بإزالة يده .

ولو أقر ولد المكاتب الذين ولدوا في المكاتبة وهم كبار أن أبوهم قد مات وماله في أيديهم ، وأقر المولى بذلك فأدوا الكتابة وقسموا المال ثم اختلفوا وجحد بعضهم بعضا وارتفعوا إلى القاضي نفذ القاضي ذلك عليهم لتقدم الإقرار منهم بذلك ، وقسمتهم عن تراض منهم ، ولأن الذي يجحد بعد ذلك مناقض لكلامه ، والقاضي لا يلتفت إلى قول المناقض ، وكذلك لو لم يقتسموا حتى ارتفعوا إليه ، وأقروا به عنده جاز إقرارهم عليه ، وقسم المال بينهم بعد أداء الكتابة ; لأن الحق لا يعدوهم فالثابت بإقرارهم في حقهم كالثابت بالبينة . وكذلك لو أقروا بدين عليه بدأت به قبل المكاتبة ، كما لو ثبت موته بالبينة ، وهذا لأن الدين أقوى من المكاتبة حتى إذا عجز نفسه سقطت المكاتبة عنه دون الدين ، وعند اجتماع الحقوق في المال يبدأ بالأقوى فالأقوى عرف ذلك بقضية العقول [ ص: 45 ] وشواهد الأصول .

وكذلك الحر إذا أقر ورثته أنه قد مات ، فإنه يقضي دينه ، ويقسم الميراث بينهم إذا كان في أيديهم ; لأن إقرار الإنسان فيما في يده معتبر ما لم يظهر له خصم ينازعه فيه ، وكذلك إذا كان المال في يد غيرهم فصدقهم بذلك . وإن جحد موته لم أنزعه من يده إلا ببينة تقوم على موته ; لأنهم يدعون استحقاق اليد في هذا المال على ذي اليد ، وقولهم ليس بحجة عليه في استحقاق يده فما لم تقم البينة على موته لا يخرج القاضي المال من يد ذي اليد .
ولو أن المولى أعتق المكاتب المفقود ثم مات ابن المكاتب وهو حر ، وله إخوة أحرار لم يقض لهم بشيء من ذلك ، حتى يعلم موت المكاتب قبله ; لأن المفقود إن كان حيا فقد عتق بإعتاق المولى إياه ، والميراث له دون الإخوة فشرط توريث الإخوة عدم أب هو وارث ، وبالظاهر لا يثبت هذا الشرط فلهذا لا يقضي لهم بشيء حتى يعلم موت الأب قبله ، وكذلك إن كان مكاتب المكاتب عبدا ; لأن إعتاق المولى عبده المفقود كإعتاقه المكاتب المفقود ، ولا ينفق على ولده الصغار من هذا المال شيئا ; لأنه لا يدري لمن هذا المال ، فإنه كما لم يثبت الاستحقاق فيه للإخوة لم يثبت للأب المفقود ; لأنه لا يرث من غيره ما لم يعلم حياته حقيقة وقت موت مورثه .
ولو ادعى مملوك المفقود العتق ، وأقام بينته على ذلك لم يقبل منه لانعدام خصم حاضر .

( قال : ) ولم أدع أولاده يبيعونه ; لأنه قبل هذه البينة ما كان لهم أن يبيعوه فبعدها أولى ، ومراده بعد ما كانوا يقرون بموته ; لأن إقرارهم ليس بحجة على هذا العبد ، ولأنه إن كان ميتا فالولد خصم في البينة التي أقامها المملوك على العتق . وكذلك لو ادعت امرأته الطلاق أو ادعت امرأة أنه تزوجها لم أقبل بينتها على ذلك لانعدام الخصم .

ولو أوصى رجل للمفقود بوصية لم أقض بها له ، ولم أبطلها ولم أنفق على ولده منها ; لأن الوصية أخت الميراث ، وشرط لاستحقاق الموصى له بقاؤه حيا بعد موت الموصي كالميراث . وقد بينا أنه يوقف نصيبه من الميراث حتى يتبين حاله ، ولا ينفق على ولده منه شيء فكذلك الوصية .
( رجل ) مات وترك ابنتين وابن ابن وبنت ابن ، وترك ابنا مفقودا ، وترك مالا في يد الابنتين فارتفعوا إلى القاضي ، وأقروا أن الابن مفقود فالقاضي لا ينبغي له أن يحول المال من موضعه ، ولا يوقف شيئا منه للمفقود ، ومراده بهذا اللفظ أنه لا يخرج شيئا من أيديهما ; لأن القاضي لا يتعرض لإخراج المال من يد ذي اليد إلا بمحضر من الخصم ، ولا خصم هنا ، فإن أولاد المفقود لا يدعون لأنفسهم شيئا ، ولا يكونون خصما عن المفقود ; لأنه لا يدرى أن المفقود حي فيرث أو ميت فلا يرث [ ص: 46 ] فلهذا لا يخرج المال من أيديهما بخلاف مال المفقود الذي يعلم أنه له ; لأن حق أولاده ثابت في ذلك المال باعتبار ملكه ، فإنهم يستحقون النفقة في ملكه ، واستصحاب الحال معتبر في إبقاء ما كان على ما كان ، وكذلك إن قالت الابنتان : قد مات أخونا ، وقال ولد الابن : هو مفقود ; لأن من في يده المال قد أقر لولد الابن ببعض ذلك المال ، وهم قد ردوا إقرارهم بقولهم : أبونا مفقود فيسقط اعتبار ذلك الإقرار ، ولو كان مال الميت في يدي ولد الابن المفقود ، وطلبت الابنتان ميراثهما ، واتفقوا أن الابن مفقود ، فإنه يعطى للابنتين النصف ; لأنا تيقنا باستحقاق النصف لهما ، فإن المفقود إن كان حيا فالميراث بينهما وبين أخيهما للذكر مثل حظ الأنثيين فلهما النصف ، وإن كان ميتا فلهما الثلثان والباقي لولد الابن فيدفع إليهما الأقل وهو النصف ، ويترك الباقي في يد ولد الابن من غير أن يقضي به لهما ، ولا لأبيهما ; لأنه لا يدري من المستحق لهذا الباقي ، ولو كان المال في يد أجنبي فقالت الابنتان : مات أخونا قبل أبينا ، وقال ولد الابن : هو مفقود فإن أقر الذي في - يده المال بالمال للميت ، وبأن الابن مفقود فإنه يعطى للابنتين النصف أقل النصيبين لهما ، والباقي موقوف على يده حتى يظهر خصمه ، ومستحقه بظهور حال المفقود . وإن قال الذي في يده المال قد مات المفقود قبل أبيه ، فإنه يجبر على دفع الثلثين إلى الابنتين ; لأن إقرار ذي اليد فيما في يده معتبر ، وقد أقر بأن ثلثي ما في يده للابنتين فيجبر على تسليم ذلك إليهما ، ولا يمتنع صحة إقراره يقول أولاد الابن : أبونا مفقود لأنهم لأنفسهم بهذا القول لا يدعون شيئا ، ثم يوقف الثلث الباقي على يد ذي اليد حتى يظهر خصمه ومستحقه .

ولو جحد الذي في يديه المال أن يكون المال للميت فأقامت الابنتان البينة أن أباهم مات وترك هذا المال ميراثا لهما ولأخيهما المفقود ، فإن كان حيا فهو الوارث معهما ، وإن كان ميتا فولده الوارث معهما ، ولا يعلم له غير هؤلاء ، فإنه يدفع إلى الابنتين النصف ، وهذا لأنهما بهذه البينة يثبتان الملك لأبيهما في المال ، والأب ميت ، وأحد الورثة ينتصب خصما عن الميت في إثبات الملك له بالبينة ثم يدفع إليهما القدر المتيقن بأنه مستحق لهما ، وهو النصف ، والباقي يخرج من يد ذي اليد فيوضع في يد عدل حتى يظهر مستحقه ; لأن ذا اليد قد جحده وظهرت جنايته بجحوده ، فلا يؤتمن بعد ذلك ، وإن كان معروفا بالعدالة ; لأن العدالة لا تتحرز زمن تناول ما يزعم أنه ملك بخلاف ما سبق ، فذو اليد كان هناك مقرا بأن المال للميت ، وقد انتفت الجناية منه بهذا الإقرار فكان ترك الباقي في يده أولى لظهور أمانته بالتجربة .

فإن ادعى ولد المفقود أنه مات بعد شهادة الشهود لم أدفع . [ ص: 47 ] إليهم شيئا حتى تقوم البينة على موته قبل أبيه ; لأنهم يريدون استحقاق اليد على ذي اليد ، ومجرد قولهم لا يكفي لذلك ، ولأن سبب الاستحقاق لهم غير معلوم ، فإن أباهم إن مات قبل موت الجد فهم يستحقون الثلث ميراثا من الجد ، وإن مات بعد موت الجد فهم يستحقون النصف ميراثا من أبيهم ، ولا يجوز القضاء لهم بشيء قبل ظهور سبب الاستحقاق ، فلا بد أن يقيموا البينة على موته قبل أبيه أو بعده ، ولا ينفق عليهم من ذلك المال شيء ، وإن كانوا محتاجين ; لأنه لا يدري لمن هذا المال ، ونفقتهم عند الحاجة في مال أبيهم ، والملك لأبيهم في هذا المال لا يثبت ما لم تعلم حياته بعد موت الجد . فإن كان المال أرضا في أيدي الابنتين وولد الابن فأقروا جميعا أن الابن قد مات قبل أبيه ، واقتسموا الأرض بينهم على ذلك ثم ادعوا أنه مفقود ، فإن القاضي يمضي القسمة عليهم ; لأنها تمت بتراضيهم ، وقولهم فيما في أيديهم مقبول فكانت القسمة ماضية ، ولا يقبل قولهم إنه مفقود لأنهم مناقضون في ذلك ، والقاضي لا يلتفت إلى قول المناقض .

وكذلك لو كان في ولد الابن رجل غائب لم يشهد القسمة ، ولم يكن في يده شيء من هذه الأرض ثم قدم فقال : والدي مفقود ، وأراد نقض القسمة لم يكن له ذلك ; لأنه لا يدعي لنفسه بمقابلته ، وإنما يدعي الملك للمفقود ، وهو مقر أنه ليس بوكيل له ، ولا وارث لأنه حي ، ونقض القسمة بقول من لا يدعي لنفسه شيئا لا يجوز ، بخلاف ما لو كان بعض الأرض في يده لأنه مدع لنفسه حقا ، وهو إبقاء يده فيما في يده ، وقسمتهم قبل حضوره غير صحيح لما فيه من استحقاق يده عليه ، وكذلك لو كان مكان الغائب صغير فأدرك ، وإن ادعى أن أباه مات قبل جده كان له أن ينقض القسمة فيقسمها القاضي بينهم قسمة مستقبلة بإقرارهم على أنفسهم ; لأنه يدعي لنفسه بعض الملك هنا ، ويدعي بطلان قسمتهم ; لأن تراضيهم على القسمة بعد موت الجد لا يعمل به في حق الغائب والصغير ، وهم مصدقون له فيما يدعي ، فلهذا ينقض القسمة بخلاف ما لو كان القاضي هو الذي قسمه بين الحضور ، وعزل نصيب الغائب والصغيرة ، فإنه ينفذ قسمته في حقهما إذا لم يكن في يد الغائب والصغير من هذا المال شيء لأن للقاضي نوع ولاية في حق الغائب والصغير ، وليس للورثة تلك الولاية في حق الغائب والصغير ، ولو ماتت ابنة هذا الابن المفقود فإن كان ميراثها في يد أخيها لم أتعرض له ، ولم أقف منه شيئا للمفقود ; لأنه لا يدرى أحي هو فيكون وارثا أو ميت فلا يكون وارثا ، وقد بينا أنه لا يتعرض ليد ذي اليد إلا بمحضر من الخصم . وإن كان ميراثها في يد [ ص: 48 ] أجنبي لم أدفع إلى أخيها منه شيئا ; لأن شرط توريث الأخ أن يكون الأب ميتا فما لم يصر هذا الشرط معلوما بالحجة لا يدفع إلى الأخ من الميراث شيء ، وإن كان ميراثها في يد أخيها وأختها ، وأرادوا القسمة وهم مقرون بأن الأب مفقود لم أقسم بينهم ; لأن القسمة تبنى على ثبوت استحقاقهم بالميراث ، ولا يثبت ذلك ما لم تقم البينة على موت الأب المفقود قبل موت الابنة .
ولو كان للمفقود امرأة فماتت ، وميراثها في يد ولدها لم أقسم للمفقود من ذلك نصيبا ; لأن حياته بعد موتها غير معلوم ، ولم أقف له شيئا ; لأن التعرض ليد ذي اليد لا يجوز إلا بمحضر من الخصم ، وإن أراد ولدها قسمة ميراثها وهو في أيديهم لم أقسمه بينهم حتى تقوم البينة على موت المفقود ، ثم يعزل من ذلك مثل نصيب المفقود ، فيوقف حتى يعلم أنه مات قبلها أو بعدها ، ويقسم ما بقي بينهم . أما قبل أن تقوم البينة على موته فالقاضي لا يشتغل بالقسمة ; لأن فيها قضاء على المفقود ، وهو حي في حق نفسه ، فلا يوجه القاضي القضاء عليه بغير محضر من الخصم ، وأما بعد موته فقد ثبت للقاضي ولاية توجه القضاء عليه لما ظهر موته فيعزل نصيبه من القسمة ، ويجعله موقوفا حتى يتبين مستحقه بظهور موته قبلها أو بعدها ، ولو كان في يد غيرهم قضيت لهم بثلاثة أرباعه ; لأنا تيقنا باستحقاقهم لهذا المقدار ، فيسلم إليهم ويوقف الربع على يد ذي اليد حتى يظهر حال المفقود ، بخلاف ما سبق فإن المال هناك في أيديهم ، ففي القسمة تمييز نصيب المفقود عن نصيبهم ، وذلك قضاء على المفقود ، وهنا المال ليس في أيديهم ، فقضاؤه لهم بثلاثة أرباعه لا يمس المفقود ، وهو متيقن استحقاقه لهم .
وإذا فقد المرتد ولم يعلم ألحق بدار الحرب أم لا ، فإنه يوقف ميراثه كما يوقف ميراث المسلم ; لأن اللحاق بدار الحرب بمنزلة الموت في حق المسلم ، فكما يوقف ميراث المفقود المسلم حتى يتبين موته فكذلك يوقف ميراث المفقود المرتد حتى يتبين لحوقه بدار الحرب . وإن مات أحد من ولده قسم ميراثه بين ورثته ، ولم يحبس للمفقود شيء ; لأنه محروم عن الميراث بكونه مرتدا ، فإن المرتد لا يرث أحدا ، وإسلامه بعد الردة موهوم ، والموهوم لا يقلل المعلوم ، ألا ترى أن الأب المفقود لو كان عبدا لم يحبس له شيء من ميراث ولده ; لأن الرق الذي يحرمه معلوم ، والعتق بعد ذلك موهوم ، وكذلك إن كان ميراثه في يد أجنبي ، وكذلك المرأة المرتدة ، فإنها لا ترث أحدا ، وكذلك الذمي يفقد ، وله بنون مسلمون فمات أحدهم لم يوقف للأب شيء ; لأن سبب حرمانه معلوم ، فإن الكافر لا يرث المسلم . وكذلك رجل مسلم فقد وله بنون كفار ، فمات أحدهم قسمت ميراثه بين [ ص: 49 ] إخوته ، ولم أوقف على أبيه شيئا ; لأن المسلم لا يرث الكافر ، فسبب حرمانه متيقن والله أعلم .

كتاب الغصب ( قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة السرخسي إملاء : ) ( اعلم ) بأن الاغتصاب أخذ مال الغير بما هو عدوان من الأسباب ، واللفظ مستعمل لغة في كل باب مالا كان المأخوذ أو غير مال . يقال : غصبت زوجة فلان وولده ، ولكن في الشرع تمام حكم الغصب يختص بكون المأخوذ مالا متقوما . ثم هو فعل محرم ; لأنه عدوان وظلم ، وقد تأكدت حرمته في الشرع بالكتاب والسنة .

أما الكتاب فقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } وقال تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا } وقال صلى الله عليه وسلم : { لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه } وقال صلى الله عليه وسلم : { سباب المسلم فسق ، وقتاله كفر ، وحرمة ماله كحرمة نفسه } وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته : { ألا إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومي هذا في شهري هذا في مقامي هذا } ( فثبت ) أن الفعل عدوان محرم في المال كهو في النفس ; ولهذا يتعلق به المأثم في الآخرة كما قال صلى الله عليه وسلم : { من غصب شبرا من أرض طوقه الله تعالى يوم القيامة من سبع أرضين } إلا إن المأثم عند قصد الفاعل مع العلم به .

فأما إذا كان مخطئا بأن ظن المأخوذ ماله أو كان جاهلا بأن اشترى عينا ثم ظهر استحقاقه لم يكن آثما لقوله صلى الله عليه وسلم : { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان } والمراد المأثم .

فأما حكمه في الدنيا فثابت سواء كان آثما فيه أو غير آثم ; لأن ثبوت ذلك لحق صاحبه وحقه مرعي ، وإن الآخذ معذور شرعا لجهله وعدم قصده ، والحكم الأصلي الثابت بالغصب وجوب رد العين على المالك بقوله صلى الله عليه وسلم : { على اليد ما أخذت حتى ترد } وقال صلى الله عليه وسلم : { لا يحل لأحد أن يأخذ متاع أخيه لاعبا ، ولا جادا ، فإن أخذه فليرده عليه } وقال صلى الله عليه وسلم : { من وجد عين ماله فهو أحق به } ومن ضرورة كونه أحق بالعين وجوب الرد على الآخذ ، والمعنى فيه أنه مفوت عليه يده بالأخذ ، واليد لصاحب المال في ماله مقصود به يتوصل إلى التصرف والانتفاع ويحصل ثمرات الملك ، فعلى المفوت بطريق العدوان نسخ فعله ليندفع به الضرر والخسران عن صاحبه . وأتم [ ص: 50 ] وجوهه رد العين إليه ففيه إعادة العين إلى يده كما كان فهو الواجب الأصلي لا يصار إلى غيره إلا عند العجز عنه ، فإن عجز عن ذلك بهلاكه في يده بفعله أو بغير فعله فعليه ضمان المثل جبرانا لما فوت على صاحبه ; لأن تفويت اليد المقصودة كتفويت الملك عليه بالاستهلاك .

( ثم ) الملك نوعان كامل وقاصر ، فالكامل هو المثل صورة ومعنى . والقاصر هو المثل معنى أي في صفة المالية ، فيكون الواجب عليه هو المثل التام إلا إذا عجز عن ذلك فحينئذ يكون المثل القاصر خلفا عن المثل التام في كونه واجبا عليه .

وبيان هذا أن المغصوب إذا كان من ذوات الأمثال كالمكيل والموزون فعليه المثل عندنا . وقال نفاة القياس : عليه رد القيمة ; لأن حق المغصوب منه في العين والمالية ، وقد تعذر إيصال العين إليه فيجب إيصال المال إليه ، ووجوب الضمان على الغاصب باعتبار صفة المالية ، ومالية الشيء عبارة عن قيمته ، ولكنا نقول : الواجب هو المثل قال الله تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وتسمية الفعل الثاني اعتداء بطريق المقابلة مجازا كما قال الله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } والمجازاة لا تكون سيئة ، وقد ثبت بالنص أن هذه الأموال أمثال متساوية قال صلى الله عليه وسلم : { الحنطة بالحنطة مثل بمثل } ولأن المقصود هو الجبران ، وذلك في المثل أتم ; لأن فيه مراعاة الجنس والمالية ، وفي القيمة مراعاة المالية فقط ، فكان إيجاد المثل أعدل إلا إذا تعذر ذلك بالانقطاع من أيدي الناس فحينئذ يصار إلى المثل القاصر ، وهو القيمة للضرورة ، ثم على قول أبي حنيفة رحمه الله تعتبر القيمة وقت القضاء ; لأن التحول إليه الآن يكون ، فإن المثل واجب في الذمة ، وهو مطلوب له حتى لو صبر إلى مجيء أوانه كان له أن يطالبه بالمثل ، فإنما يتحول إلى القيمة عند تحقق العجز عن المثل ، وذلك وقت الخصومة والقضاء بخلاف ما إذا كان المغصوب أو المستهلك مما لا مثل له ; لأن الواجب هناك ، وإن كان هو المثل عند أبي حنيفة ، ولكنه غير مطالب بأداء المثل بل هو مطالب بأداء القيمة بأصل السبب فيعتبر قيمته عند ذلك وأبو يوسف رحمه الله يقول : لما انقطع المثل فقد التحق بما لا مثل له في وجوب اعتبار القيمة ، والخلف إنما يجب بالسبب الذي يجب به الأصل وذلك الغصب ، فيعتبر قيمته يوم الغصب ومحمد يقول : أصل الغصب أوجب المثل خلفا عن رد العين ، وصار ذلك دينا في ذمته ، فلا يوجب القيمة أيضا ; لأن السبب الواحد لا يوجب ضمانين ، ولكن المصير إلى القيمة للعجز عن أداء المثل ، وذلك بالانقطاع عن أيدي الناس فيعتبر قيمته بآخر يوم كان موجودا فيه فانقطع .
وإن كان المغصوب [ ص: 51 ] من العدديات المتقاربة كالجوز ، والبيض ، والفلوس فعليه ضمان المثل عندنا ، وعلى قول زفر عليه ضمان القيمة ، وهو بناء على الاختلاف بيننا وبينه في جواز السلم فيها عددا ، ثم زفر رحمه الله يقول : المثل فيما يؤدى به الضمان منصوص على اعتباره ، والمماثلة في العدديات المتقاربة غير ثابتة بالنص بل بالاجتهاد ; ولهذا لا يجري فيها الربا ; لأنها ليست بأمثال متساوية قطعا ، وما كان ثابتا بالنص فهو مقطوع به ، فلا يؤدى بما هو مجتهد فيه ، ولكن لا يصار إلى القيمة لتعذر أداء المثل كما في العدديات المتقاربة ، ولكنا نقول : المماثلة في آحاد هذه الأشياء ثابتة بالعرف فهو كالثابت بالنص فيما هو المقصود ، وهو جبران حق المغصوب منه في مراعاة الجنس والمالية عليه ، وهذا لأن آحاد هذه الأشياء لا تتفاوت في المالية إنما تتفاوت أنواعها كالمكيل والموزون . وإن كان المغصوب من العدديات المتفاوتة كالثياب والدواب .

والواجب على الغاصب ضمان القيمة عند تعذر رد العين عندنا وقال أهل المدينة : رحمهم الله الواجب هو المثل لحديث أنس رضي الله تعالى عنه قال : { كنت في حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يضرب الحجاب فأتي بقصعة من ثريد من عند بعض أزواجه فضربت عائشة رضي الله عنها القصعة بيدها فانكسرت فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل من الأرض ويقول : غارت أمكم غارت أمكم ، ثم جاءت عائشة رضي الله تعالى عنها بقصعة مثل تلك القصعة فردتها ، واستحسن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغيرة } وقال علي رضي الله عنه في المغرور : يفك الغلام بالغلام ، الجارية بالجارية ولكنا نحتج بحديث معروف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه { قال في عبد بين شريكين يعتقه أحدهما : فإن كان موسرا ضمن قيمة نصيب شريكه ، وإن كان معسرا سعى العبد في قيمة نصيب شريكه غير مشقوق عليه } فهذا تنصيص على اعتبار القيمة فيما لا مثل له .

وتأويل حديث أنس رضي الله عنه أن الرد كان على طريق المروءة ومكارم الأخلاق لا على طريق الضمان ، وقد كانت القصعتان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى قول علي رضي الله عنه يفك الغلام بالغلام يعني بقيمة الغلام ، فقد صح عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما قضيا في ولد المغرور أنه حر بالقيمة .

ثم بدأ محمد الكتاب بحديث ابن سيرين عن شريح رحمهما الله قال : من كسر عصى فهي له ، وعليه مثله ، وذكر بعده عن الحكم عن شريح قال : من كسر عصى فهي له ، وعليه قيمتها ، فأما أن يقول : مراده بالمثل المذكور في الحديث الأول المماثلة في المالية خاصة وذلك في القيمة أو يحمل [ ص: 52 ] الحديث الأول على العصي الصغيرة ، فإنها من العدديات المتقاربة لا تتفاوت آحادها في المالية كالسهام ، وما ذكر في الحديث الثاني محمول على العصي الكبيرة ، فإنها كالعدديات المتفاوتة ; لأن آحادها تتفاوت في المالية . ثم المراد بالكسر ما يكون فاحشا حتى لا يمكن التقضي به بعد ذلك ، فأما إذا كان الكسر يسيرا فليس على الكاسر إلا ضمان النقصان ; لأنه غير مفوت للمنفعة المطلوبة من العين ، وإنما يمكن نقصانا في ماليته فعليه ضمان النقصان ، وفي الكسر الفاحش هو مستهلك من وجه لفوات المنفعة المطلوبة من العين ، فكان لصاحبها حق تضمين القيمة إن شاء ، وهذا الحكم في كل عين إلا في الأموال الربوية ، فإن التعييب هناك فاحشا كان أو يسيرا يثبت لصاحبها الخيار بين أن يمسك العين ولا يرجع على الغاصب بشيء ، وبين أن يسلم العين إليه ويضمنه مثله عندنا ; لأن تضمين النقصان متعذر ، فإنه يتعدى إلى الربا ; لأنه يسلم له قدر ملكه وزيادة ، وعلى قول الشافعي رحمه الله له أن يضمنه النقصان ، وهو بناء على أن من مذهبه أن للجودة في هذه الأموال قيمة كما في سائر الأموال ، ألا ترى أن لها قيمة إذا قوبلت بخلاف جنسها ، ولها قيمة في إثبات الخيار لصاحبها عند تفويت الغاصب الجودة ، وما لا يتقوم شرعا .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #227  
قديم 14-12-2025, 04:44 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,794
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 52 الى صـــ 61
(227)





فالجنس وغير الجنس فيه سواء ، كالخمر والصنعة من الملاهي والمعازف ، ثم وجوب ضمان النقصان لا يؤدي إلى الربا ، فإن حكم الربا يجري بالمقابلة على طريق المعادلة ، وذلك لا يوجد هنا خصوصا على أصله ، فإن ضمان الغصب عنده لا يوجب الملك في المضمون ، ولكنا نقول : لا قيمة للجودة في هذه الأموال منفردة عن الأصل قال صلى الله عليه وسلم : { جيدها ورديئها سواء } يعني في المالية التي ينبني عليها العقد ; لأنه لا يجوز الاعتياض عن هذه الجودة حتى لو باع قفيز حنطة جيدة بقفيز حنطة رديئة ودرهم لا يجوز ، وما يكون متقوما شرعا فالاعتياض عنه جائز ، وبهذا فارق حال اختلاف الجنس ، وثبوت الخيار عندنا ليس لفوات الجودة بل للتغير المتمكن بفعله في العين ، وإذا ثبت أنه لا قيمة للجودة منفردة عن الأصل قلنا : لو ضمنه النقصان كان فيه إقرار بجودته عن الأصل ، فأما إذا سلم العين إليه ، فلا يكون فيه إقرار بجودته عن الأصل ، وهي متقومة مع الأصل تبعا ، فلهذا كان له أن يضمنه المثل ، وقول شريح هو دليل له على أن المغصوب يصير ملكا للغاصب عند أداء الضمان كما هو مذهبنا

وذكر عن أبي البحتري أن أعرابيا أتى عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال : إن بني عمك عدوا على إبلي فقطعوا ألبانها ، وأكلوا فصلانها فقال له عثمان : رضي الله تعالى عنه إذا نعطيك إبلا مثل إبلك ، وفصلانا مثل [ ص: 53 ] فصلانك ، قال : إذا تنقطع ألبانها ، ويموت فصلانها حتى تبلغ الوادي ، فغمزه بعض القوم بعبد الله بن مسعود رضي الله عنه . فقال : بيني ، وبينك عبد الله ، فقال عثمان : رضي الله عنه نعم ، فقال عبد الله رضي الله عنه أرى أن يأتي هذا واديه فيعطى ثمة إبلا مثل إبله ، وفصلانا مثل فصلانه فرضي عثمان رضي الله عنه بذلك وأعطاه

وبظاهر الحديث يستدل أهل المدينة في أن الحيوان مضمون بالمثل عند الغصب والإتلاف فقد اتفق عليه عثمان وابن مسعود رضي الله عنهما إلا أنا نقول : لم يكن هذا على طريق القضاء بالضمان ، وإنما كان ذلك على سبيل الصلح بالتراضي ; لأن المتلف لم يكن عثمان رضي الله عنه ، ووجوب الضمان على المتلف ، والإنسان غير مؤاخذ بجناية بني عمه إلا أن عثمان رضي الله عنه كان يتبرع بأداء مثل ذلك عن بني عمه ، ويقول إن قوتهم ونصرتهم بي ، وهذا لأنه كان به فرط الميل إلى أقاربه ، وإليه أشار عمر رضي الله عنه حين ذكر عثمان رضي الله عنه في الشورى فقال : إنه كلف بأقاربه وكان ذلك ظاهرا منه ; ولهذا جاء الأعرابي يطالبه ، وإنما غمزه بعض القوم بعبد الله رضي الله عنه لما كان بين عثمان رضي الله عنه وبينه من النفرة ، وسبب ذلك معلوم . ثم فيه دليل جواز التحكيم وأن الإمام إذا كان يخاصمه غيره فله أن يحكم برضى الخصم من ينظر بينهما كما فعله عثمان رضي الله عنه . وفيه دليل على أن رد مثل المغصوب أو المستهلك يجب في موضع الغصب والاستهلاك ; لأن ابن مسعود رضي الله عنه حكم بذلك وانقاد له عثمان رضي الله عنه ، وهذا لأن المقصود هو الجبران ، ورفع الخسران عن صاحب المال ، وذلك برد العين عليه في ذلك الموضع وأداء الضمان في ذلك الموضع ; ولهذا قلنا : إن مؤنة الرد تكون على الغاصب .

وذكر عن شريح رحمه الله أن مسلما كسر دنا من خمر لرجل من أهل الذمة فضمنه شريح قيمة الخمر ، وبه نأخذ ، فإن الخمر مال متقوم عندنا في حقهم لتمام إحرازها منهم بحماية الإمام ، فإنهم يعتقدون فيها المالية ، وإنما يكون المال متقوما بالإحراز ، والإمام مأمور بأن يكف عنهم الأيدي المتعرضة لهم في ذلك لمكان عقد الذمة فيتم إحرازها منهم بذلك ، وسنقرر ذلك في موضعه .

( ثم ) فيه دليل أن المسلم يضمن قيمة الخمر للذمي عند الإتلاف دون المثل ; لأن المسلم عاجز عن تمليك الخمر من غيره ، وعند العجز عن رد المثل يكون الواجب هو القيمة ، ولم يذكر تضمين قيمة الدن ; لأن ذلك غير مشكل ، وإنما ذكر الراوي ما هو المشكل ، وهو تضمينه قيمة الخمر .

( وإذا ) غصب الرجل جارية تساوي ألف درهم فازدادت عنده فالزيادة نوعان منفصلة متولدة [ ص: 54 ] منها كالولد والعقر ، ومتصلة كالسمن وانجلاء البياض عن العين ، وفي الكتاب بدأ ببيان الزيادة المتصلة ، ولكن الأولى أن يبدأ ببيان الزيادة المنفصلة فيقول : هذه الزيادة تحدث أمانة في يده عندنا حتى لو هلكت من غير صنعه لم يضمن قيمتها عندنا .

( وقال ) الشافعي رحمه الله تعالى تحدث مضمونة ; لأنها لما تولدت من أصل مضمون بيد متعدية فتحدث مضمونة كزوائد الصيد المخرج من الحرم ، وهذا لأن المتولد من الأصل يكون بصفة الأصل ، والأصل مضمون عليه فكذلك ما تولد منه ، ألا ترى أن الزيادة مملوكة للمغصوب منه كالأصل . ( ثم ) له في بيان المذهب طريقان :

( أحدهما ) أن الزيادة مغصوبة بمباشرة من الغاصب ; لأن حد الغصب الاستيلاء على مال الغير بإثبات اليد لنفسه بغير حق ، وقد كانوا في الجاهلية يتملكون بهذه اليد ، ويسمونه غصبا ، فالشرع أبطل حكم الملك بها في كل محترم ، وأثبت الضمان ، وبقي حكم الملك بها في كل مباح كالصيد ، ثم إنما يملك الصيد بإثبات اليد عليه فكذلك يجب الضمان بإثبات اليد عليه ، وهو مثبت يده على الولد حتى لو نازعه فيه إنسان كان القول قوله .

( والثاني ) هو أنه غاصب للولد تسبيبا ، فإن غصب الأم وإمساكها إلى وقت الولادة سبب لحصول الولد في يده وهو معتاد ; لأن أصحاب السوائم يمسكون الأمهات لتحصيل الأولاد ، وهذا تسبيب هو فيه متعد فينزل منزلة المباشرة ; لأن المال يضمن بالإتلاف تارة وبالغصب أخرى ، وفي الإتلاف المسبب إذا كان متعديا يجعل كالمباشر في حكم الضمان كحفر البئر ووضع الحجر في الطريق فكذلك في الغصب . وحجتنا في ذلك أن وجوب ضمان الغصب لا يكون إلا باعتبار تحقق الغصب ; لأنه سبب ; ولهذا يضاف إليه الحكم ، ولا يثبت بدون السبب ، ولم يوجد الغصب في الزيادة تسبيبا ولا مباشرة ; لأن حد الغصب الموجب للضمان الاستيلاء على مال الغير بإثبات اليد لنفسه على وجه تكون يده مفوتا ليد المالك ; لأن الضمان واجب بطريق الجبران ، فلا يجب إلا بتفويت شيء عليه ، وليس في الغصب تفويت العين ، فعرفنا أن وجوب الضمان باعتبار تفويت اليد عليه ، وذلك غير موجود في الولد ; لأن التفويت بإزالة يده عما كان في يده أو بإزالة تمكنه من أخذ ما لم يكن في يده ، وما كان الولد في يد المالك قط ، ولا زال تمكنه من أخذه لحصوله في دار الغاصب ما لم يمنعه الغاصب منه ، فلا يكون مضمونا عليه لانعدام سبب الضمان حتى يطالبه بالرد ، فإذا منعه يتحقق التفويت بقصر يده عنه بالمنع ، فيكون مضمونا عليه كالثوب إذا هبت [ ص: 55 ] به الريح وألقته في حجره ، وهذا بخلاف الاستيلاء الموجب للملك ; لأن الملك حكم مقصود على المحل فيتم سببه بإثبات اليد على المحل ، والضمان جبران لحق المالك ، فلا يتم سببه إلا بتفويت شيء عليه ، وبخلاف ضمان صيد الحرم ; لأن ذلك ضمان إتلاف معنى الصيدية فيه ، فإنه بالحرم أمن الصيد ، ومعنى الصيدية في تنفيره واستيحاشه وبعده عن الأيدي ، فإثبات اليد عليه يكون إتلافا لمعنى الصيدية فيه حكما ، وقد تحقق ذلك في الولد بإثبات اليد عليه .

فأما الأموال فمحفوظة بالأيدي ، فلا يكون إثبات اليد على المال إتلافا لشيء على المالك .

يوضح الفرق أن الحق في صيد الحرم للشرع ، والشرع يطالبه برد الأصل مع ولده إلى مأمنه ، فإنما وجد المنع منه بعد الطلب ، وذلك سبب الضمان . وعلى هذا الطريق يقول : إذا هلك الولد قبل تمكنه من الرد إلى الحرم لا يضمن ، وعلى الطريق الأول هو ضامن ، ولا وجه لإثبات حكم الضمان في الزيادة بتولدها من الأصل المضمون ; لأن الضمان ليس في العين بل هو في ذمة الغاصب ، وإنما توصف العين به مجازا . كما يقال : فلان مغصوب عليه ، والغصب صفة للغاصب بخلاف الملك ; لأنه وصف للمحل ، فإنه يوصف بأنه مملوكه حقيقة فيتعدى ذلك إلى الولد ، وإن باع الغاصب الولد وسلمه أو أتلفه فهو ضامن لقيمته لوجود التعدي منه على الأمانة كما لو باع المودع الوديعة .

( فإن قيل : ) فليس في البيع والتسليم تفويت يد المالك في الولد . ( قلنا : ) بل فيه تفويت يده ; لأنه كان متمكنا من أخذه من الغاصب ، وقد زال ذلك ببيعه وتسليمه ، فلوجود التفويت من هذا الوجه يكون ضامنا ، فأما الزيادة المتصلة فهي أمانة في يد الغاصب عندنا حتى لو هلكت الجارية بعد الزيادة ضمن قيمتها وقت الغصب ، ولا يضمن الزيادة ، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه مضمونة كالزيادة المنفصلة عنده ، ويزعم أن كلامه هنا أظهر ، فإن الزيادة تصير مغصوبة بالوقوع في يد الغاصب ، ولأن الزيادة لا تنفصل عن الأصل فمن ضرورة كون يده على الأصل يد غصب أن تكون على الزيادة يد غصب أيضا ، ولكنا نقول : سبب وجوب الضمان في الأصل ليس هو يد الغصب بل اليد الغاصبة ; لأن ليد الغصب حكم الغصب ، وإنما يحال بالضمان على أصل السبب لا على حكمه فأصل السبب اليد الغاصبة المفوتة ليد المالك ، ولم يوجد ذلك في الزيادة ، وإن منعها بعد الطلب ففي إحدى الروايتين الزيادة تصير مضمونة بالمنع ; لأن قصر يد المالك عنها يثبت بالمنع ، وفي الرواية الأخرى لا تصير مضمونة ; لأن المطالبة بالرد في حق الزيادة لا تتحقق منفردة عن الأصل إذ لا يتصور [ ص: 56 ] ردها بدون الأصل ، ولا معتبر بهذا المنع في حق الأصل ; لأن الأصل مضمون بدون هذا المنع فلهذا لا يضمن الزيادة المتصلة بالمنع بعد الطلب بخلاف الزيادة المنفصلة .

وعلى هذا الاختلاف لو ازدادت قيمتها من غير زيادة في بدنها ، ثم هلكت لم يضمن الغاصب إلا قيمتها وقت الغصب عندنا ، وعند الشافعي يضمن قيمتها وقت الهلاك ; لأن من أصله أن سبب الضمان إثبات اليد ، واليد مستدام ، والأصل أن ما يستدام فإنه يعطى لاستدامته حكم إنشائه ، فبهذا الطريق يصير كالمجدد للغصب عند الهلاك . وعندنا سبب وجوب الضمان تفويت يد المالك ، وذلك بابتداء الغصب فتعتبر قيمتها عند ذلك ، فإن باعها وسلمها بعد ما صارت قيمتها ألفين بالزيادة المتصلة فهلكت عند المشتري ، ثم جاء صاحبها فله الخيار إن شاء ضمن المشتري قيمتها يوم قبض العين ، وإن شاء ضمن الغاصب ; لأن المشتري متعد بقبضها لنفسه على طريق التملك ، وفي هذا القبض تفويت يد المالك حكما على ما بينا أنه كان متمكنا من استردادها من الغاصب ، وقد زال ذلك بقبض المشتري على طريق التملك لنفسه فيضمن قيمتها حال قبضه ، وذلك ألفا درهم بمنزلة ما لو غصبها غاصب من الأول بعد الزيادة ، فإن للمالك أن يضمن الغاصب الثاني قيمتها وقت غصبه . وفيه طريقان : أحدهما ما بينا ، والثاني أن المولى باختياره تضمين الغاصب الثاني يكون مبرئا للغاصب الأول ; ولهذا لا يكون له أن يضمنه بعد ذلك ، وبهذا الإبراء تصير يده يد المالك ، والغاصب الثاني مفوت لهذه اليد ، فإذا صارت كيد المالك كان هو ضامنا بتفويته يد المالك حكما ، فإن اختار تضمين البائع ، فإن شاء ضمنه قيمتها وقت الغصب ألف درهم ، وإن شاء ضمنه قيمتها وقت البيع والتسليم ألفي درهم ، ولم يذكر فيه خلافا في الكتاب .

( وروى ) الحسن عن أبي حنيفة ، وابن سماعة عن محمد عن أبي حنيفة رحمهم الله أنه ليس له أن يضمن الغاصب وقت البيع والتسليم قيمتها .

وجه ظاهر الرواية ، وهو قولهما أن الزيادة حصلت في يد الغاصب أمانة ، وقد تعدى عليها بالبيع والتسليم فيكون ضامنا لها بزيادتها كما لو كانت الزيادة منفصلة ، وكما لو قتلها بعد حدوث الزيادة ، ولأنه وجد من الغاصب سببان موجبان للضمان الغصب والتسليم بحكم البيع ، فللمالك أن يضمنه بأي الشيئين شاء كما لو قتلها بعد الغصب .

وتحقيق هذا أن البيع والتسليم استهلاك ، ألا ترى أن من ادعى عينا في يد إنسان فأقام البينة أن فلانا باعه وسلمه منه إليه ، فإن القاضي يقضي بالملك له ، كما لو شهدوا بالملك له ، فهو بالبيع والتسليم باشر سببا لو أثبته المشتري بالبينة قضى القاضي بالملك له فيكون ذلك استهلاكا [ ص: 57 ] للملك على المغصوب منه حكما ، والاستهلاك بعد الغصب يتحقق ، ويكون سببا للضمان كالاستهلاك بالقتل .

وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن ضمان البيع والتسليم ضمان غصب ، والغصب لا يتحقق في المغصوب لوجهين :

( أحدهما ) أن الغصب الموجب للضمان لا يكون إلا بتفويت يد المالك ، والتفويت بعد التفويت من واحد لا يتحقق .

( والثاني ) أن الأسباب مطلوبة لأحكامها ، وتكرار الغصب من واحد في محل واحد غير مفيد شيئا ، فلا يعتبر كتكرار البيع بثمن واحد ، وإنما قلنا : إن ضمان البيع والتسليم ضمان غصب ; لأن ملك المغصوب منه باق بعد بيع الغاصب كما بعد غصبه .

والاستهلاك إما أن يكون بتفويت العين حقيقة أو بتفويت الملك فيه حكما ، وذلك غير موجود . والدليل عليه أن الحر لا يضمن بالبيع والتسليم كما لا يضمن بالغصب ، والحر يضمن بالإتلاف ، وكذلك العقار عند أبي حنيفة وأبي يوسف آخرا رحمهما الله لا يضمن بالبيع والتسليم كما لا يضمن بالغصب ، وهو مضمون بالإتلاف .

( فإذا ) ثبتت هذه القاعدة فنقول : السبب الثاني لا يمكن اعتباره في الأصل لما قلنا : إن الغصب بعد الغصب لا يتحقق مع بقاء حكم الأول ، ولا وجه لإبطال حكم الضمان الثابت بالغصب الأول بفعل الغاصب ; لأن المسقط للضمان عنه نسخ فعله بإعادته إلى يد المالك لا اكتساب غصب آخر ، ولا وجه لاعتبار السبب الثاني في الزيادة ; لأن الزيادة تابعة للأصل ، فلا يثبت الحكم فيها إلا بثبوته في الأصل ، ولأن الزيادة المتصلة لا تفرد بالغصب ، فلا تفرد بضمان الغصب ، ولأنه لما ضمن الأصل بالغصب ملك الأصل بزيادته من ذلك الوقت فتبين أنه باع ملك نفسه ; ولهذا نفذ بيعه هنا ، وبيع ملك نفسه لا يكون موجبا للضمان عنه ، وهذا بخلاف ما إذا قتلها ; لأن ذاك ضمان إتلاف ، والزيادة تفرد بالإتلاف ، ولأن اعتبار السبب الثاني هناك مفيد في حق الأصل ; لأن الضمان بالقتل يجب مؤجلا على العاقلة وبالغصب يجب على الغاصب ، فيجب اعتبار السبب الثاني في حق الأصل لكونه مفيدا ، ثم يعتبر في حق الزيادة تبعا للأصل إلا أنه إذا ضمن الأصل بالقتل لا يملكها ; لأن ضمان القتل لا يوجب الملك ، فلا يتبين به أن الزيادة كانت مملوكة له ، ولم يذكر هنا أن المغصوبة لو كانت دابة فاستهلكها الغاصب بعد الزيادة المتصلة هل يضمن قيمتها زائدة ، ذكر في كتاب الرجوع عن الشهادات أنه يضمن قيمتها زائدة ، فظن بعض المحققين من أصحابنا رحمهم الله أن ذلك الجواب قولهم جميعا ، وجعل يفرق لأبي حنيفة رحمه الله تعالى أن الاستهلاك بعد الغصب يتحقق في الأصل [ ص: 58 ] فيكون موجبا للضمان ، وأما الغصب بعد الغصب فلا يتحقق .

قال رضي الله عنه : والأصح عندي أنه لا فرق في الفصلين عند أبي حنيفة رحمه الله ، فإنه كما لم يذكر الخلاف ثمة لم يذكر هنا قال : وقد رأيت في بعض النوادر بيان الخلاف في الشاة إذا ذبحها الغاصب وأكلها بعد الزيادة أنه لا يضمن قيمتها زائدة ، وهذا لما بينا أن السبب إنما يعتبر إذا كان مفيدا ، وحكم الاستهلاك في الدواب ، وحكم الغاصب سواء ; لأنه يوجب الضمان على المستهلك حالا ، ويملك المضمون به ، فالاستهلاك وإن تحقق ، فلا فائدة في اعتباره في حق الأصل بخلاف القتل في الآدمي ، فإن حكم ضمان القتل مخالف لحكم ضمان الغصب فكان اعتبار السبب الثاني مفيدا ، وهذا بخلاف صيد الحرم إذا باعها ، وسلمها بعد الزيادة ; لأنا نثبت بهذا الكلام أن البيع والتسليم لا يكون سببا للضمان بعد الغصب ، وهناك الزيادة كانت مضمونة عليه قبل هذا إلا أن تصير مضمونة بالبيع والتسليم ، وإن اختار المغصوب منه تضمين المشتري بطل البيع ، ورجع بالثمن على الغاصب ; لأن استرداد القيمة منه كاسترداد العين ، ولأن ملك العين لم يسلم للمشتري بالبيع ، وإنما سلم له بضمان القيمة ، فلا يسلم الثمن للبائع أيضا ، فلهذا استرد الثمن من البائع .
( رجل ) غصب جارية فولدت عنده ، ثم مات الولد فعلى الغاصب رد الجارية مع نقصان الولادة ; لأنها دخلت في ضمانه بجميع أجزائها ، وقد فات جزء مضمون منها ، ولو فاتت كلها ضمن الغاصب قيمتها ، والجزء معتبر بالكل ، وإن كان الولد حيا فعليه ردهما ; لأن الولد جزء من الأصل فيكون مملوكا لمالك الأصل ، ومؤنة الرد في الولد على الغاصب ، وإن لم يكن مضمونا عليه كمؤنة الرد في المستعار على المستعير ، وإن لم يكن مضمونا عليه ، فإذا ردهما وفي قيمة الولد وفاء بنقصان الولادة لم يضمن الغاصب من نقصان الولادة شيئا عندنا ، وقال زفر رحمه الله هو ضامن لذلك ، وإن لم يكن في قيمة الولد وفاء بالنقصان فهو ضامن لما زاد على قيمة الولد من النقصان عندنا ، وعند زفر هو ضامن لجميع النقصان ; لأن ضمان النقصان واجب عليه بفوات جزء مضمون منها ، فلا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء ممن له الحق ، وقد انعدم الإسقاط ممن له الحق ، وهو برد الولد لا يكون مؤديا للضمان ; لأن الولد ملك المضمون له ، وأداء الضمان ملك غير المضمون له ; لأن الضمان لجبران ما فات عليه ، وملكه لا يكون جابرا لملكه ، ولا يجوز أن يكون الولد قائما مقام الجزء الفائت بالولادة ; لأن الولد أمانة في يده ، والفائت مضمون عليه فكيف تكون الأمانة خلفا عن المضمون .

( ألا ترى ) أنه لو دخلها عيب آخر في يده ، وفي [ ص: 59 ] قيمة الولد وفاء بنقصان ذلك العيب لم يكن الولد جابرا لذلك النقصان . وشبه هذا بمن قطع قوائم شجرة إنسان فنبت مكانها أخرى لم يسقط الضمان عن القاطع بما نبت ; لأن النابت ملك المضمون له بخلاف ما لو قطعت يدها فأخذ الغاصب الأرش فردها مع الأرش ; لأن الأرش ما تولد من ملك المضمون له ، فيمكن أن يجعل مؤديا للضمان به ، وبخلاف ما لو قلع سنها فنبت مكانها أخرى أو صارت مهزولة ثم سمنت ; لأن هناك انعدم سبب الضمان ; لأن السبب إفساد المنبت لا مجرد القلع ، وقد تبين أنه ما أفسد المنبت ; ولهذا لو كان نبات السن بعد الرد لم يجب على الغاصب شيء أيضا ، وهنا السبب وهو النقصان قائم مشاهد ، والولد لا يصلح أن يكون قائما مقام ذلك النقصان .

ألا ترى أن الوفاء بقيمته لو حصل بعد الرد لم يتخير به فكذلك قبله وحجتنا في ذلك أن سبب الضمان منعدم هنا حكما ، والنابت حكما كالثابت حسا أو أقوى منه . وبيان ذلك أن الولد خلف عن الجزء الفائت بالولادة بطريق اتحاد السبب ، وهو أن الولادة أوجبت فوات جزء من مالية الأصل وحدوث مالية الولد ; لأن الولد وإن كان موجودا قبل الانفصال فلم يكن مالا بل كان عيبا في الأم أو كان وصفا لها ، وإنما صار مالا مقصودا بعد الانفصال ، والسبب الواحد متى أثر في النقصان والزيادة كانت الزيادة خلفا عن النقصان كالبيع لما زال المبيع عن ملك البائع وأدخل الثمن في ملكه كان الثمن خلفا عن مالية المبيع له باتحاد السبب ، حتى لو شهد الشاهدان عليه ببيع شيء بمثل قيمته ، ثم رجعا لم يضمنا شيئا ، وكذلك الأرش خلف عن مالية اليد المقطوعة باتحاد السبب ، فكما ينعدم النقصان إذا رد ذلك الجزء بعينه بأن غصب بقرة فقطع جزءا منها ، ثم رد ذلك الجزء مع الأصل فكذلك ينعدم النقصان برد الخلف ; لأن الخلف عن الشيء يقوم مقامه عند فواته ، والدليل عليه فصل السمن والسن ، فإن الحادث هناك يجعل خلفا عن الفائت باتحاد المحل ; لأنه حادث في محل النقصان ، وتأثير السبب في الخلافة أكثر من تأثير المحل ، فإذا جعل باتحاد المحل هناك الحادث خلفا عن الفائت حتى ينعدم به سبب الضمان فهذا أولى ، وبهذا ظهر الجواب عن كلامه ، فإنا لا نجعل الغاصب مؤديا للضمان برد الولد ، ولكن نبرئه بانعدام سبب الضمان ، فإنما ينعدم سبب الضمان برد ملك المغصوب منه فيكون المردود ملكه يقرر هذا المعنى .

( فإن قيل : ) كيف يستقيم هذا ، والولد يبقى ملكا للمغصوب منه بعد انعدام النقصان . ( قلنا : ) لأنه في الملك لم يكن خلفا إنما كان مملوكا له بكونه متولدا من ملكه وذلك باق ، وإنما [ ص: 60 ] كان خلفا في حكم الانجبار ، فلا جرم بعد ارتفاع النقصان لا يكون الولد جابرا للنقصان ، وهو كالتراب خلف عن الماء في حكم الطهارة لا في الملك ، فبعد وجود الماء يبقى التراب مملوكا له ، ولا يكون خلفا في حكم الطهارة .

( وإذا ) ثبت هذا فيما إذا كان في قيمة الولد وفاء بالنقصان عند الولادة فكذلك إذا صار فيه وفاء بعد الولادة قبل الرد ; لأن حكم الخلافة باتحاد السبب لما انعقد فيه فالحادث فيه بعد انعقاد السبب يلتحق بالموجود وقت السبب ، كالزوائد في المبيع بعد البيع قبل القبض تلتحق بالموجود وقت العقد ، ولكن هذه الخلافة في حكم الانجبار ليكون رد الخلف كرد الأصل ، وهذا ينتهي بالرد ، فالزيادة فيه بعد الرد لا تجعل كالموجود عند السبب لهذا كالزيادة في المبيع بعد القبض لا تعتبر في انقسام الثمن ، فأما في السن يتبين انعدام سبب الضمان من حيث إن الحادث خلف عن الفائت باتحاد المحل من حيث الظاهر ، ومن حيث المعنى عدم إفساد المنبت ، وذلك يتحقق بعد الرد كما يتحقق قبله . ويوضحه أن هناك لا يشترط لإيجاب الضمان بالقلع كون الأصل في ضمانه عند القلع ، فكذلك لا يشترط لانعدام السبب بالنبات بقاء الأصل في ضمانه بخلاف ما نحن فيه ، وفي قطع قوائم الشجرة الواجب ضمان عين ما ذهب به القاطع وهو الجزء المقطوع ، وذلك لا ينعدم بنبات مثله . ثم النبات هناك ليس بسبب القطع بل ببقاء الشجرة الخضرة النامية ، والانجبار بحكم اتحاد السبب على ما قررنا فإن ماتت الأم ، وبالولد وفاء بقيمتها ففي هذه المسألة ثلاث روايات : روي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه يبرأ برد الولد ; لأن وجوب الضمان على الغاصب لجبران حق المغصوب منه ، وذلك حاصل بالوفاء في قيمة الولد ، وروي عنه أنه يجبر بالولد قدر نقصان الولادة ، ويضمن ما زاد على ذلك من قيمة الأم ; لأن الولادة لا توجب الموت فالنقصان يكون بسبب الولادة ، فأما موت الأم لا يكون بسبب الولادة ، ورد القيمة كرد العين ، ولو رد عين الجارية كان النقصان منجبرا بالولد ، فكذلك إذا رد قيمتها ، ( وفي ) ظاهر الرواية عليه قيمتها يوم الغصب كاملة لوجهين :

( أحدهما ) أنها لما ماتت تبين أن الولادة كانت موتا من أصله كالجرح إذا اتصل به زهوق الروح يكون قتلا من أصله لا أن يكون جرحا ، ثم قتلا بناء عليه ، ومن حيث إن الولادة موت لا يكون موجبا للزيادة ، وهذا بخلافه بحكم اتحاد السبب ، فإذا انعدم هناك لم يكن الولد جابرا للنقصان بالولادة ، ولا قائما مقام الأم ; لأنا نجعل اتحاد السبب كاتحاد المحل ، وهناك يتصور أن يكون الحادث خلفا عن الفائت إذا كان الفائت بعض الأصل [ ص: 61 ] كالسمن والسن لا ما إذا كان الفائت جميع الأصل ، فكذلك بسبب اتحاد السبب يجعل الحادث خلفا عن الفائت إذا كان الفائت بعض الأصل لا ما إذا كان الفائت كله ; لأن الحادث تبع والتبع لا يقوم مقام الأصل إنما يقوم مقام تبع مثله .

يوضحه أنه لما ضمن الأصل من وقت الغصب ملك الأصل بالضمان من ذلك الوقت ، وتبين أن النقصان حادث على ملكه ، فلا حاجة إلى ما يجبره ، بخلاف ما إذا رد الأصل فالحاجة إلى رد جابر النقصان هنا متقرر ، وباعتبار هذه الحاجة يجعل الولد خلفا في حكم الانجبار به .

( قال : ) وإذا جاء المغصوب منه يدعي جاريته في يد الغاصب ، وهو منكر فأقام شاهدا أنها جاريته غصبها هذا إياه ، وأقام شاهدا آخر على إقرار الغاصب بذلك لم يجز ; لأنهما اختلفا حين شهد أحدهما بالقول ، والآخر بالفعل ، إذ الفعل غير القول ، وبشهادة الواحد لا يثبت واحد من الأمرين . وكذلك لو شهد أحدهما بالملك له ، وشهد الآخر على إقرار الغاصب له بالملك ; لأن المشهود به مختلف ، وليس على واحد من الأمرين شهادة شاهدين ، وإن شهدا له بالملك وزاد أحدهما ذكر الغصب فالشهادة جائزة ; لأنهما اتفقا في الشهادة على الملك للمدعي ، وتفرد إحداهما بالشهادة بالغصب على المدعى عليه ، فيقضي القاضي بما اتفقا عليه ، وإن شهد أحدهما أنها جاريته ، وشهد الآخر أنها كانت جاريته قضيت بها له ; لأنهما اتفقا في المشهود به ، وهو المالك للمدعي ; لأن ما كان له فهو باق على ملكه أبدا حتى يخرجه من ملكه بحق ، ولم يظهر سبب ذلك ، فعرفنا أن كل واحد منهما شهد له بالملك في الحال وإن شهد أحدهما أنها جاريته اشتراها من فلان ، وشهد الآخر أنها جاريته ورثها عن أبيه لم يجز ; لأن أحدهما شهد له بملك هو أصل فيه مستفاد بسبب أحدثه وهو الشراء ، والآخر شهد له بملك هو خلف عن مورثه فيه ، وأحد الملكين متباين عن الآخر .

ألا ترى أن الوارث يرد بالعيب على بائع مورثه ، ويصير مغرورا بشراء مورثه ، والمشتري لا يرد على بائع بائعه ، ولا يصير مغرورا بسبب شراء بائعه .

( وإذا ) اختلف المشهود به حكما لم يتمكن القاضي من القضاء بشيء .

وإن شهد أحدهما بالشراء من رجل ، والآخر بالشراء من رجل آخر أو بهبة أو صدقة لم تجز الشهادة لاختلافهما في المشهود به وهو السبب ، إما لأن الصدقة والهبة غير الشراء ، أو لأن الشراء من زيد غير الشراء من عمرو ، وإن شهدا أنها جاريته غصبها إياه هذا وقد باعها الغاصب من رجل فسلم رب الجارية البيع بعد ذلك قال : يجوز ; لأن البيع انعقد من الغاصب موقوفا على إجازة المالك ، فإن من أصلنا أن ماله مجيز [ ص: 62 ] حال وقوعه يتوقف على الإجازة ، وأن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء ، ولكن الشرط لتمام العقد بالإجازة بقاء المتعاقدين والمعقود عليه والمجيز ، وذلك كله باق هنا .

( وقد ) ذكر في النوادر أن المدعي إذا طلب من القاضي أن يقضي له بالملك ففعل لم يكن له أن يجيز البيع بعد ذلك ; لأنه طلب من القاضي أن يقرر ملكه ، وذلك يتضمن دفع السبب المزيل فيجعل ناسخا للبيع بهذا . وجه ظاهر الرواية أن الملك الذي ظهر له بقضاء القاضي لا يكون أقوى من ملك ظاهر له ، وذلك لا يمنع انعقاد البيع موقوفا ، فلا يمنع بقاء البيع إذا ظهر بالقضاء بطريق الأولى ، فإن كان الغاصب قد قبض الثمن فهلك عنده هلك من مال رب الجارية ; لأن بنفوذ البيع صار الغاصب كالوكيل من جهته بالبيع بطريق أن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء ، وحق قبض الثمن إلى الوكيل ، وهو أمين فيما يقبض ، ألا ترى أنه لو هلك عنده بعد الإجازة لم يضمن فكذلك إذا هلك قبل الإجازة ، ولا يشترط لنفوذ العقد بالإجازة بقاء الثمن ; لأن الثمن معقود به ، ولا يشترط وجوده في ملك المشتري لصحة البيع بعد ابتداء فكذلك لا يشترط بقاؤه لنفوذ البيع بالإجازة ، وكل ما حدث للجارية عند المشتري من ولد أو كسب أو أرش جناية ، وما شابهها فهو للمشتري ; لأن عند إجازته ينفذ البيع ، ويثبت الملك للمشتري من وقت البيع ، فإن سبب ملكه هو العقد ، وكان تاما في نفسه ، ولكن امتنع ثبوت الملك به لمانع ، وهو حق المغصوب منه ، فإذا ارتفع ذلك بالإجازة ثبت الملك له من وقت السبب ; لأن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء فتبين أن الزوائد حدثت على ملكه ، وإن لم يسلم المبيع ، وأخذها أخذ جميع ذلك معها ; لأنه بقي ملكه مقررا فيها ، وإنما يملك الكسب والأرش والولد بملك الأصل ، فإن أعتقها المشتري لم ينفذ عتقه قبل أن يجيز المالك البيع عندنا .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #228  
قديم 14-12-2025, 04:47 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,794
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 62 الى صـــ 71
(228)






( وقال ) ابن أبي ليلى عتقه نافذ ، والغاصب ضامن قيمتها للمغصوب منه ; لأن الإعتاق قبض بطريق الإتلاف ، فإنه ينعدم به محلية البيع كما بالإتلاف حقيقة ، فهناك الغاصب يضمن قيمتها ، وينفذ البيع بينه وبين المشتري إذا ضمن قيمتها ، فهنا كذلك اعتبارا للحكمي بالحقيقي ، ولكنا نقول : حصول القبض والإتلاف بنفوذ العتق لا بالتكلم به ، وشرط نفوذ العتق ملك المحل قال صلى الله عليه وسلم : { لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم } والبيع الموقوف ضعيف في نفسه ، فلا يثبت الملك به قبل الإجازة كالهبة قبل القبض ، فإن الموهوب له لو أعتق الموهوب قبل أن يقبض لم يعتق ، ولا يصير قابضا به ، فهذا مثله ، بخلاف الإتلاف فإنه حسي يتحقق في الملك [ ص: 63 ] وغير الملك ، ولا نقول : المشتري بالإتلاف يصير مالكا متى كان للمغصوب منه أن يضمن المشتري إن شاء ، فإنأجاز المغصوب منه البيع بعد ما أعتق المشتري الجارية جاز البيع ، ولم ينفذ عتق المشتري في القياس ، وهو قول محمد وزفر رحمهما الله ، وفي الاستحسان ينفذ عتقه وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ، هكذا يرويه محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ، ( قال ) أبو سليمان : وكنا سمعنا من أبي يوسف روايته عن أبي حنيفة أنه لا ينفذ عتقه وجه القياس أن هذا عتق ترتب على عقد توقف نفوذه لحق المالك ، فلا ينفذ بنفوذ العقد كالمشتري بشرط الخيار أقوى من البيع الموقوف ، فإنه متفق على جوازه ، ويتم بموت البائع وبسكوته حتى تمضي المدة .

والبيع الموقوف مختلف في جوازه ، وهو يبطل بموت العاقد وبموت المالك ، ولا يتم بدون الإجازة ; لأن هذا العتق توقف على إجازة مالك ظاهر الملك ، فإن المالك لو أجاز العتق عن نفسه عتق من جهته ، فلا ينفذ من جهة من يحدث له بالملك كالمشتري من المكره إذا أعتق قبل القبض ، ثم رضي المكره بالبيع لم ينفذ عتق المشتري . يوضحه أن البيع والعتق توقفا على إجازة المالك ، ثم لو أجاز العتق بطل البيع فكذلك لو أجاز البيع يبطل العتق لما بينهما من المنافاة في حقه ، والدليل عليه أن الغاصب لو أعتق ثم ضمن القيمة لم ينفذ عتقه ، والملك الثابت له بالضمان أقوى من الملك الثابت للمشتري هنا حتى ينفذ بيعه لو كان باعه هناك ، ولا ينفذ بيع المشتري هنا لو كان باعه ، ثم هناك لم ينفذ عتقه فهنا يتقوم . وكذلك لو كان المشتري من الغاصب أعتق ، ثم إن المالك ضمن الغاصب حتى نفذ بيعه لم ينفذ عتق المشتري فكذلك إذا نفذ البيع بإجازة المالك .

وجه الاستحسان أن هذا عتق ترتب على سبب ملك تام فينفذ بدون السبب بالإجازة ، كالوارث إذا أعتق عبدا من التركة ، وهي مستغرقة بالدين ، ثم يسقط الدين أو المشتري من الوارث إذا فعل ذلك . وتقرير هذا الكلام أن العقد الموقوف سبب تام في نفسه ، وانعقاده بكلام المتعاقدين ، ولهما ولاية على أنفسهما ، فإذا أطلقا العقد انعقد بصفة التمام ; لأن الممتنع ما يتضرر به المالك ، وكما لا ضرر على المالك بانعقاد السبب لا ضرر عليه في تمام السبب ; لأنه ليس من ضرورة إتمام السبب اتصال الحكم به فقد يتراخى عنه ; لأن الأسباب الشرعية لا تنعقد خالية عن الحكم ، ولكن يجوز أن يتأخر الحكم عن السبب ، والضرر على المالك في إثبات الملك للمشتري ; لأن من ضرورته زوال ملكه فيتأخر ذلك إلى وقت الإجازة ، ويبقى السبب تاما ، والدليل عليه أن الإشهاد على [ ص: 64 ] النكاح يعتبر وقت العقد لا عند الإجازة ، والنكاح ينعقد مع التوقف ، وما يمنع تمام السبب فالنكاح لا يحتمله كخيار الشرط . والدليل عليه أن الغاصبين إذا تصارفا وتقابضا وافترقا ثم أجاز المالكان فمحمد يوافقنا أنه يجوز ، وما يمنع تمام السبب لا يكون عفوا في الصرف بعد الافتراق كخيار الشرط ، والدليل على تمام السبب أنه يملك المبيع عند الإجازة بزوائده المنفصلة والمتصلة .

( وإذا ) ثبت أن السبب تام فنقول : العتق قبض حتى أن المشتري إذا أعتق المبيع قبل القبض يصير قابضا ، والقبض بعد تمام السبب يتوقف بتوقف السبب ، وينفذ بنفوذه كالقبض الحقيقي في المبيع أو الثمن ، والدليل عليه أن رجلا لو قال للغاصب : أعتق هذا العبد عني بألف درهم فأعتقه ثم أجاز المالك نفذ بالإجازة العتق والبيع جميعا ، فهذا مثله بل أولى ; لأن سبب الملك هناك مضمر ، وهنا مفصح به ، ولا وجه لمنع هذا ، فإنه لو التمس هذا من المالك فأجابه إليه كان نافذا فكذلك إذا التمس من غير المالك فأجابه إليه وأجازه المالك ، وهذا بخلاف البيع بشرط الخيار ; لأن السبب هناك غير تام ، فإن قوله على أني بالخيار مقرون بالعقد نصا ، وتعليق العقد بالشرط يمنع كونه سببا قبل وجود الشرط ; ولهذا لم يجز البيع قياسا ; لأنه أدخل الشرط على السبب ، وفي الاستحسان يجعل الشرط داخلا على حكم السبب فينعقد أصل العقد ، ويكون في حق الحكم كالمتعلق بالشرط ، والمتعلق بالشرط معدوم قبله ، ألا ترى أنه لو قال : إذا جاء عبدي فلله علي أن أتصدق بدرهم فتصدق به اليوم لا يجوز بخلاف ما لو قال : لله علي أن أتصدق بدرهم غدا فتصدق به اليوم يجوز ، فعرفنا أن التوقف لا يمنع تمام السبب ، والتعليق بالشرط يمنع منه ، يوضح الفرق أن في العقد الموقوف يثبت ملكا يليق بالسبب ، وهو الملك الموقوف ; لأن هذا القدر لا يزيل ملك المالك ، ولا يتضرر به ، فإنما ترتب على ملك موقوف فيتوقف بتوقفه ، وينفذ بنفوذه ، فأما الشرط في مسألة الخيار كما يمنع الملك التام يمنع الملك الموقوف فلم يترتب عتق المشتري على ملك في المحل أصلا ، ومسألة المكره قد منعها بعض أصحابنا رحمهم الله

والأصح أن نقول : بيع المكره فاسد ; ولهذا لو أعتقه المشتري بعد القبض ينفذ عتقه ، والبيع الفاسد قبل القبض ضعيف غير تام في حكم الملك كالهبة قبل القبض ، فلا يثبت به ملك تام ولا موقوف في المحل ; فلهذا لا ينفذ عتقه ، وعتق المشتري مخالف لبيعه ; لأن البيع ليس بقبض ، ألا ترى أنه لو باع المبيع قبل القبض لا يصير به قابضا ، وإنما يتوقف بعد تمام السبب ما هو من حقوقه ، والعتق من حقوقه [ ص: 65 ] من حيث إنه قبض ، ومن حيث إن الشراء موجب ، وهو شراء القريب ، فإنه إعتاق بخلاف البيع . يوضحه أن البيع قاطع للملك ، والعتق منه له ، ألا ترى أن المشتري لو باع المبيع ، ثم اطلع على عيب به لا يرجع على بائعه بحصة العيب من الثمن ، بخلاف ما لو أعتقه فلكون العتق منهيا للملك يتوقف بتوقف الملك حتى إذا تم انتهى به ، والبيع لكونه قاطعا للملك لا يجوز أن يتوقف بتوقف الملك ، وهذا بخلاف ما لو أجاز المالك العتق ; لأنه بإجازة العتق عن نفسه يبطل محل البيع ، فلا يمكن تنفيذ البيع به ، وبإجازة البيع يمتد محل العتق للمشتري ، وهو المالك فينفذ العتق من جهته ، وهذا بخلاف الغاصب إذا أعتق ، ثم ضمن القيمة ; لأن المستند له حكم الملك لا حقيقة الملك ; ولهذا لا يستحق الزوائد المنفصلة ، وحكم الملك يكفي لنفوذ البيع دون العتق ، كحكم ملك المكاتب في كسبه ، وهذا الثابت للمشتري من وقت العقد حقيقة الملك ; ولهذا استحق الزوائد المنفصلة والمتصلة .

فأما إذا أعتقه المشتري ثم نفذ البيع بتضمين الغاصب فالأصح أنه ينفذ العتق أيضا ، هكذا ذكر هلال رحمه الله في كتاب الوقف فقال : ينفذ وقفه على طريقة الاستحسان فالعتق يتقوم ، وبعد التسليم يقول : هناك المشتري يملكه من جهة الغاصب ، وقد بينا أنه لا يستند للغاصب حقيقة الملك فكيف يستند لمن يملك من جهته فلهذا لا ينفذ عتقه ، وهنا إنما يستند الملك له إلى وقت العقد من جهة المجيز ، والمجيز كان مالكا له حقيقة فيمكن إثبات حقيقة الملك للمشتري من وقت العقد بالطريق الذي قلنا : فلهذا نفذ عتقه .

وإن ماتت الجارية في يد المشتري ، ثم أجاز المالك البيع لم يتم ; لأن إجازته إنما تصح في حال يصح إذنه بالبيع ، وبعد الموت لا يصح إذنه بالبيع ، ولأن الملك للمشتري يثبت عند الإجازة مقصودا بسببه . وإن كان يستند إلى وقت العقد ، والميت لا يحتمل التمليك مقصودا بسببه . وإن لم يمت ولم يسلم رب الجارية المبيع ، ولكن الغاصب اشتراها منه لم يجز البيع الأول ; لأن إقدام المالك على بيعها من الغاصب إبطال منه للبيع الأول ، ولأنه لا يمكن تنفيذ البيع الأول من الغاصب بهذا الشراء ; لأن الملك له حادث ، والبيع الموقوف إذا تم أوجب الملك للمشتري من وقت العقد ، ولأنه ما توقف على حقه ولم يوجد منه الرضا بتمليك المشتري عليه ; فلهذا لا يصح البيع الأول بعد شراء الغاصب ، وكذلك إن أجازه ; لأنه قد طرأ ملك نافذ على ملك موقوف فكان مبطلا للموقوف إذ لا يتصور اجتماعهما في محل واحد ، والبيع بعد ما بطل لا يلحقه الإجازة ، وكذلك لو وهبها مولاها للغاصب أو تصدق بها [ ص: 66 ] عليه أو ماتت فورثها منه ، فهذا كله مبطل للملك الموقوف بطريان الملك النافذ في المحل .
( رجل ) غصب من رجل جارية فعيبها فأقام المغصوب منه البينة أنه قد غصب جارية له ، فإنه يحبس حتى يجيء بها ويردها على صاحبها ، ( وكان ) أبو بكر الأعمش - رحمه الله - يقول : تأويل هذه المسألة أن الشهود شهدوا على إقرار الغاصب بذلك ; لأن الثابت من إقراره بالبينة كالثابت بالمعاينة ، فأما الشهادة على فعل الغصب لا تقبل مع جهالة المغصوب ; لأن المقصود إثبات الملك للمدعي في المغصوب ، ولا يتمكن القاضي من القضاء بالمجهول ، ولا بد من الإشارة إلى ما هو المقصود بالدعوى في الشهادة ، ولكن الأصح أن هذه الدعوى والشهادة صحيحة لأجل الضرورة ، فإن الغاصب يكون ممتنعا من إحضار المغصوب عادة ، وحين يغصب فإنما يتأتى من الشهود معاينة فعل الغاصب دون العلم بأوصاف المغصوب ، فسقط اعتبار علمهم بالأوصاف ; لأجل التعذر ، ويثبت بشهادتهم فعل الغصب في محل هو مال متقوم ، فصار ثبوت ذلك بالبينة كثبوته بإقراره فيحبس حتى يجيء به ، ولأن وجوب الرد على الغاصب ثابت بنفس الفعل ، وهذا معلوم من شهادتهم ، فيتمكن القاضي من القضاء به ; فلهذا يحبسه حتى يجيء بها ويردها على صاحبها ، فإن قال الغاصب : قد ماتت أو قد بعتها ولا أقدر عليها تلوم القاضي في ذلك زمانا ، ولم يعجل بالقضاء بالقيمة ; لأن بقضائه يتحول الحق من العين إلى القيمة ، وفيه نوع ضرر على صاحبها ، فعين الملك مقصود لصاحبها كماليتها ، وربما يتعلل الغاصب بذلك لتسلم العين عند أداء القيمة ; فلهذا لا يعجل بالقضاء بها ، وليس لمدة التلوم مقدار بل يكون ذلك موكولا إلى رأي القاضي ; لأن نصب المقادير بالرأي لا يكون ، وهذا التلوم إذا لم يرض المغصوب منه بالقضاء بالقيمة له ، فأما إذا رضي بذلك أو تلوم له القاضي فلم يقدر على الجارية ، فإن اتفقا في قيمتها على شيء أو أقام المغصوب منه البينة على ما يدعي من قيمتها قضى له القاضي بذلك ، وإن لم يكن له بينة فالقول قول الغاصب مع يمينه ; لأن المالك يدعي الزيادة وهو منكر لها .

فإن استحلف فنكل كان نكوله بمنزلة إقراره بما يدعيه المالك ، وإن حلف قضي له بما أقر به الغاصب ; لأن ما زاد على ذلك انتفى عنه بيمينه ما لم يقم المالك حجة عليه ، فإن ظهرت الجارية بعد ذلك ، فإن كان القضاء بالقيمة بالبينة أو بالنكول أو بالإقرار من الغاصب بما ادعى المالك فالجارية له لا سبيل للمغصوب منه عليها ، وإن كان القضاء بالقيمة بزعم الغاصب بعد ما يحلف يخير المغصوب منه ، فإن شاء استردها ورد ما قبض على الغاصب ، وإن شاء [ ص: 67 ] أمسك تلك القيمة ، ولا سبيل له عليها . قال الكرخي رحمه الله هذا إذا كانت قيمتها بعد ما ظهرت أكثر مما قال الغاصب ، فأما إذا كانت قيمتها مثل ما قال الغاصب ، فلا خيار له في استردادها ; لأنه يوفر عليه بدل ملكه بكماله . وفي ظاهر الرواية الجواب مطلق وهو الصحيح ; لأنه لم يتم رضاه بزوال ملكه عن العين إذا لم يعط ما يدعيه من القيمة ، وثبوت الخيار له لانعدام تمام الرضا من جهته ، وذلك لا يختلف باختلاف قيمتها فقد لا يرضى الإنسان بزوال العين عن ملكه بقيمته ، وهذا كله مذهبنا ، أما عند الشافعي رحمه الله تعالى فالجارية باقية على ملك مولاها فيستردها إذا ظهرت ، ويرد ما قبض من القيمة .

( وبعض ) المتقدمين من أصحابنا رحمهم الله يقول : سبب الملك عندنا يقرر الضمان على الغاصب لكي لا يجتمع البدل ، والمبدل في ملك رجل واحد ، وهو معنى قولهم : المضمونات تملك بالضمان ، ولكن هذا غلط ; لأن الملك عندنا يثبت من وقت الغصب ; ولهذا نفذ بيع الغاصب وسلم الكسب له .

( وبعض ) المتأخرين رحمهم الله : يقول الغصب هو السبب الموجب للملك عند أداء الضمان ، وهذا أيضا وهم ، فإن الملك لا يثبت عند أداء الضمان من وقت الغصب للغاصب حقيقة ; ولهذا لا يسلم له الولد . ولو كان الغصب هو السبب للملك لكان إذا تم له الملك بذلك السبب يملك الزوائد المتصلة والمنفصلة كالبيع الموقوف إذا تم بالإجازة يملك المشتري المبيع بزوائده المتصلة والمنفصلة ، ومع هذا في هذه العبارة بعض الشنعة فالغصب هو عدوان محض ، والملك حكم مشروع مرغوب فيه ، فيكون سببه مشروعا مرغوبا فيه ، ولا يصح أن يجعل العدوان المحض سببا له ، فإنه ترغيب للناس فيه لتحصيل ما هو مرغوب لهم به ، ولا يجوز إضافة مثله إلى الشرع ، فالأسلم أن يقول : الغصب موجب رد العين ورد القيمة عند تعذر رد العين بطريق الجبران مقصودا بهذا السبب ، ثم يثبت الملك به للغاصب شرطا للقضاء بالقيمة لا حكما ثابتا بالغصب مقصودا ; ولهذا لا يملك الولد ; لأن الملك كان شرطا للقضاء بالقيمة ، والولد غير مضمون بالقيمة ، وهو بعد الانفصال ليس يتبع ، فلا يثبت هذا الحكم فيه بخلاف الزيادة المتصلة ، فإنه تبع محض ، والكسب كذلك بدل المنفعة فيكون تبعا محضا ، وثبوت الحكم في التبع كثبوته في الأصل سواء ثبت في المتبوع مقصودا بسببه أو شرطا لغيره . وجه قول الشافعي رحمه الله الاستدلال بقوله تعالى : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } فالله تعالى جعل أكل مال الغير قسمين قسم بالباطل ، وقسم بالتجارة عن تراض ، وهذا [ ص: 68 ] ليس بتجارة عن تراض فيكون أكلا بالباطل ، والمعنى فيه أن الغصب عدوان محض ; لأنه ليس فيه شبهة الإباحة بوجه ما ، فلا يكون موجبا للملك كالقتل . وتأثيره ما قلنا : أن الملك حكم مشروع فيستدعي سببا مشروعا ، والعدوان المحض ضد المشروع ، فأدنى درجات المشروع أن يكون مرضيا به ، وأن يكون مباحا ، والعدوان المحض ضده ، ولا يجوز أن يثبت الملك بضمان القيمة ; لأن هذا ضمان جبران فيكون بمقابلة الفائت بالغصب ، والفائت بالغصب يد المالك لا ملكه .

فعرفنا أن هذا الضمان بمقابلة النقصان الذي حل بيد الغاصب لا أن يكون بدلا عن العين ; ولهذا قلتم : لوهشم قلب فضة لإنسان ، وقضى القاضي عليه بالقيمة ، ثم افترقا من غير قبض لا يبطل القضاء ، ولو كان بدلا عن العين كان صرفا فيبطل بالافتراق من غير قبض ، ولما ثبت أن هذا الضمان بطريق الجبران ، فلا يكون الجبران بتفويت ما هو قائم بل هو بإحياء ما هو فائت ، وملكه في العين كان قائما ، فلو جعلناه زائلا بالقضاء بالقيمة له كان هذا تفويتا لا جبرانا ، ولا كانت القيمة بدلا عن العين فهو حلف يصار إليه عند وقوع اليأس عن رد العين ، ومثل هذا الحلف يسقط اعتباره عند ظهور العين كما لو قلع سن إنسان فاستوفي به حولا كاملا ، ثم قضى له بالأرش فقبض ، ثم نبت سنه يلزمه رد المقبوض من الأرش بهذا المعنى ، واعتمادهم على فصل المدبر ، وبهذا يتضح جميع ما قلنا ، فإن الغصب يتحقق في المدبر ، وسبب الملك عندكم لا يتحقق في المدبر ، وبقضاء القاضي بالقيمة لا يزول عن ملكه ، ولو كان شرط القضاء بالقيمة انعدام ملكه في العين أو كانت العين بدلا عن العين لما قضى القاضي بها في محل لا يتحقق فيه هذا الشرط ، وإن تم بقضاء القاضي ينبغي أن يزول ملكه عن المدبر ، كما لو قضى بجواز بيع المدبر .

وحجتنا في ذلك { قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشاة المغصوبة المصلية : أطعموها الأسارى } فقد أمرهم بالتصدق بها ، ولو لم يملكوها لما أمرهم بالتصدق بها ; لأن التصدق بملك الغير إذا كان مالكه معلوما لا يجوز ، ولكن يحفظ عليه عين ملكه ، فإن تعذر ذلك يباع ، ويحفظ عليه ثمنه . والمعنى فيه أن الغصب الموجب للضمان مختص بمحل هو مال متقوم فيثبت الملك به إذا أمكن كالبيع والصلح .

وبيان الوصف أن غصب الحر لا يتحقق موجبا للضمان ; لأنه ليس بمال ، وكذلك غصب الخمر من المسلم ; لأنه غير متقوم ، وتأثيره أن اختصاص السبب بمحل لا يكون إلا لاختصاصه بحكم يختص بذلك المحل ، فالمحل الذي هو مال متقوم يختص بصحة التمليك فيه ، فلما اختص الغصب الموجب للضمان به عرفنا أنه إنما اختص بهذا الحكم ، فإن الفعل الذي [ ص: 69 ] هو عدوان محض ، وإزالة اليد المحترمة لا تختص بمحل هو مال متقوم . ثم حقيقة المعنى أن الضمان الواجب على الغاصب بدل العين ، ألا ترى أنه يقوم العين به ، وأنه يسمي الواجب قيمة العين ، ويتقدر بمالية العين ، ولأن الضمان بمقابلة ما هو المقصود ، ومقصود صاحب الدراهم عين الدراهم لامتلاء كيسه بها ، فعرفنا أن الضمان بدل العين ، وإنما يقضى بها جبرانا ، والجبران يستدعي الفوات لا محالة ; لأنه إنما يجيز الفائت دون القائم ، فكان من ضرورة القضاء بقيمة العين انعدام ملكه في العين فيكون جبرانا لما هو فائت ، وما لا يمكن إثباته إلا بشرط ، فإذا وقعت الحاجة إلى إثباته يقدم شرطه عليه لا محالة ، كما إذا قال لغيره : أعتق عبدك عني على ألف درهم فأعتقه ، يقدم التمليك منه على نفوذ العتق منه ضرورة كونه شرطا في المحل إلا أن يكون قوله : أعتقه عني سببا للتمليك مقصودا .

إذا تقرر هذا تبين أنه إنما يثبت بالعدوان المحض ما هو حسن مشروع به ، وهو القضاء بالقيمة جبرانا لحقه في الفائت ، ثم انعدام الملك في العين لما كان من شرطه هذا المشروع يثبت به ، ويكون حسنا بجنسه ; ولهذا لا يشترط التقابض ; لأن شرط التقابض فيما هو سبب للملك مقصود إلا فيما يثبت شرطا لغيره ، كما لا يشترط القبول في قوله : أعتق عبدك عني على ألف درهم ; لأن شرط القبول في سبب ملك مقصود لا فيما هو شرط لغيره ; ولهذا قلنا : إن المغصوب ، وإن كان هالكا عند القضاء بالقيمة يصير مملوكا للغاصب ; لأن الهالك مما لا يقبل التمليك مقصود بسببه لا شرطا لغيره ، وكذلك يقول : إذا أخذ القيمة بزعم الغاصب فالعين لا تبقى على ملكه ، ولكن يتخير عند ظهوره لعدم تمام الرضى به ، كالمشتري إذا وجد بالمبيع عيبا .

( فأما ) المدبر ففي تخريجه طريقان :

أحدهما : أن هناك لا يقول ببقاء العين على ملكه بعد تقرر حقه في القيمة بل يجعل زائلا عن ملكه لتحقيق هذا الشرط ; ولهذا لو لم يظهر المدبر بعد ذلك وظهر له كسب فذلك الكسب يكون للغاصب دون المغصوب منه إلا أنه إذا ظهر المدبر يعاد إليه صيانة لحق المدبر ، فإن حق العتق ثبت له بالتدبير عندنا .

الثاني : أن في المدبر القيمة ليست ببدل عن العين ; لأن ما هو شرطه وهو انعدام الملك في العين متعذر في المدبر ، فيجعل هذا خلفا عن النقصان الذي حل بيده ، ولكن هذا عند الضرورة ففي كل محل يمكن اتحاد الشرط لا تتحقق الضرورة فيجعل بدلا عن العين ، وإذا تعذر اتحاد الشرط يجعل خلفا عن النقصان الذي حل بيده ، ونظيره فصلان :

أحدهما ضمان العتق ، فإنه بمقابلة العين في كل محل يمكن اتحاد الشرط ، وهو تمليك العين ، وفيما لا يحتمل [ ص: 70 ] اتحاد هذا الشرط كالمدبر ، وأم الولد عندهم لا يجعل بدلا عن العين ، وكذلك ضمان الصلح ، فإنه إذا أخذ القيمة بالتراضي كان المأخوذ بدلا عن العين في كل محل يحتمل تمليك العين ، وفي كل محل لا يحتمل تمليك العين يجعل المأخوذ بمقابلة الجناية التي حلت بيده ، وكذلك إذا أخذ القيمة بقضاء القاضي ، وفيما تلا من الآية بيان أن الأكل بالتجارة عن تراض جائز لا أن يكون الجواز مقصودا عليه ، ثم معنى التجارة عن تراض يندرج هنا من وجه ، فإن المالك هنا متمكن من أن يصبر حتى تظهر العين فيأخذها .

فحين طالب بالقيمة مع علمه أن من شرطه انعدام ملكه في العين ، فقد صار راضيا بذلك ; لأن من طلب شيئا لا يتوصل إليه إلا بشرط كان راضيا بالشرط كما يكون راضيا بمطلوبه .

( رجل ) غصب من رجل جارية فوطئها فولدت منه ، ثم حضر صاحبها فادعاها ، ولم يكن له بينة فأقر له بها ذو اليد لم يصدق عليها ولا على ولدها ; لأن حق أمية الولد لها ، وحقيقة الحرية للولد تثبت من حيث الظاهر ، فإن من في يده شيء فالظاهر أنه ملكه ; ولهذا لو نازعه غيره فيه كان القول قوله ، فلا يصدقه في إبطال حقهما ، ولكنه مصدق فيما يقر به على نفسه ، وقد أقر أنها كانت مغصوبة في يده ، وأنه ضامن لقيمتها عند تعذر رد عينها ، وقد تعذر رد العين بفعله فلهذا يلزمه قيمتها للمقر له ( قال : ) ولا يضمن قيمة الولد ، ولم يتعرض للعقر ، وذكر المسألة في اختلاف زفر ويعقوب رحمهما الله على أن قول زفر يضمن قيمة الولد والعقر ، وعلى قول أبي يوسف لا يضمن ذلك . وجه قول زفر أنه أقر بوجوب العقر عليه ; لأنه يزعم أنه وطئها ، وهي مغصوبة في يده ، والوطء في ملك الغير لا ينفك عن حد أو عقر ، وقد سقط الحد بشبهة فيجب العقر ، كذلك إن أقر أن الولد ملك المقر له ، وقد احتبس عنده بفعله كالأم فيضمن قيمته ; لأن الغاصب يضمن قيمة الولد بالمبيع أو يجعل هذا بمنزلة المغرور ، وولد المغرور حر بالقيمة ، وعلى المغرور عقرها للمستحق فهذا مثله . وجه قول أبي يوسف أن ما يلزمه من الضمان إنما يلزمه بإقراره ، وهو ما أقر بوجوب العقر عليه إنما أقر بوجوب الحد عليه ; لأن وطء الجارية المغصوبة يوجب الحد على الغاصب دون المقر .

وكذلك ولد المغصوبة لا يكون مضمونا على الغاصب إلا بمنع منه ، ولم يوجد ذلك منه في الولد ، وإنما امتنع رده لحريته شرعا فهو كما لو امتنع رده بموته ، فعرفنا أنه ما أقر على نفسه بوجوب العقر ولا بوجوب قيمة الولد ، فلا يلزمه ذلك ، فإن كان المدعي أقام البينة أنها جاريته غصبها هذا منه ، قضي له بها وبولدها ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ، ولم يذكر العقر [ ص: 71 ] وينبغي أن يقضي له بالعقر ; لأن ذا اليد لما أنكر فقد صار إنكاره شبهة في إسقاط الحد عنه ، وقد أثبت بالبينة أنه وطئ ملك الغير فيلزمه العقر ، فإن لم يقل الشهود غصبها ولم يقر الذي هي في يديه ، ولكنه قال : اشتريتها من فلان فأردت أن يقضي بالجارية للذي أقام البينة ، هل يستحلفه بالله ما بعته ولا أذنت له فيه ، ولم يدع ذو اليد شيئا من ذلك ( قال : ) لا أستحلفه على شيء من ذلك إلا أن يدعي الذي هي في يديه ; لأن القاضي نصب لفصل الخصومات لا لتهييجها ، ولأن الاستحلاف يترتب على دعوى صحيحة ، فإن لم يدع ذو اليد ذلك ، فلا معنى للاستحلاف ، وإذا ادعاه فحينئذ يستحلف ; لأنه يدعي عليه ما لو أقر به لزمه .

( وروي ) عن أبي يوسف رحمه الله : أن القاضي يستحلفه ، وإن لم يطلب ذو اليد ذلك صيانة لقضاء نفسه . وإن أقام الذي هي في يديه البينة على تسليمه المبيع أخذ رب الجارية الثمن من البائع ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ، ولأن إجازة البيع في الانتهاء بمنزلة الإذن في الابتداء .

فإن تصادق الأول والجارية على أنه كان أعتقها قبل هذا البيع لم يصدقا على ذلك ; لأنها صارت مملوكة للمشتري بما أثبت من البيع وإجازة المالك بالبينة ، فلا يصدقان على إبطال ملكه ، ولكن إن أقامت الجارية البينة أن الأول كان أعتقها قبل أن يشتريها هذا فإنها تعتق ; لأنها أثبتت حريتها بإعتاق من كان يملكها بالحجة ، ثم يتبين بطلان البيع فيرجع المشتري على البائع بالثمن ، وعلى المشتري العقر للجارية ; لأنه وطئها بشبهة الملك ، وهي حرة والولد ولده بغير قيمة ; لأن الولد يتبع الأم في الحرية ، وقد ثبتت حريتها بالبينة فينفصل الولد عنها حرا بذلك السبب لا بالغرور ، فلهذا لا يغرم قيمة الولد .
ولو اشترى جارية فولدت له ثم جاء أخوه فأقام البينة أن الجارية له قضيت بها له ، وبقيمة الولد والعقر ; لأن حرية الولد هنا بسبب الغرور لا بسبب ملك الأخ ; لأنه إنما يعتق ابن الأخ على عمه بعد تملكه ، وهنا الولد كان حر الأصل فلم يدخل في ملك المدعي حتى يجعل عتقه بسبب القرابة .

وإذا ثبت أن حرية الولد بسبب الغرور فولد المغرور حر بالقيمة ، به قضى عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما ، ويرجع المشتري على البائع بالثمن وقيمة الولد لأجل الغرور ، ولا يرجع بالعقر ; لأنه إنما لزمه بما نال من لذة الوطء ، فلا يرجع به على غيره .
( رجل ) غصب جارية أو شاة أو بقرة فولدت ولدا ، ثم ذبح الولد أو باعه أو استخدمه حتى إذا مات من ذلك فعليه ضمان قيمته يوم مات ; لأن الولد كان أمانة عنده ، وقد أتلفه بالذبح أو الاستخدام حتى مات منه ، وصار متعديا عليه بالبيع [ ص: 72 ] والتسليم فيضمن قيمته كالمودع إذا فعل ذلك الوديعة ، وإن لم يصنع شيئا من ذلك ، ولكن الأم ماتت فله أن يضمنه قيمة الأم يوم غصبها ويأخذ الأولاد ; لأن الملك في الأم يثبت للغاصب شرعا لتقرر الضمان عليه ، وذلك غير متعد إلى الولد ، فإن الثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة ; لأن أصل السبب للضمان هو الغصب ، ووجوبه حقيقة بعد موت الأم ، فأما قبل موتها الواجب رد العين ، فالملك يثبت به كذلك ، وتبين أن وقت الغصب إنما يثبت له حكم الملك لا حقيقة الملك ، وذلك يكفي لسلامة الكسب دون الولد ، كحكم الملك الثابت للمكاتب بالكتابة ، حتى أن كسبه لا يكون مملوكا للمولى ، وولده يكون مملوكا له ينفذ عتقه فيه .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #229  
قديم 14-12-2025, 04:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,794
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 72 الى صـــ 81
(229)







( رجل ) غصب جارية قيمتها ألف درهم فصارت قيمتها ألفين ، ثم قتلها رجل خطأ فالمغصوب منه بالخيار إن شاء ضمن الغاصب ألف درهم في ماله حالا ، وإن شاء أتبع عاقلة القاتل بألفي درهم في ثلاث سنين ; لأن كل واحد منهما جان في حقه فله الخيار في التضمين ، فإن ضمن الغاصب ، فإنما يضمنه باعتبار الغصب فينظر إلى قيمتها عند ذلك ، وضمان الغصب يجب حالا على الغاصب ; لأن وجوبه باعتبار المالية ، ثم الغاصب يرجع على عاقلة القاتل بألفي درهم مؤجلا في ثلاث سنين ; لأن الغاصب يملك بالضمان فيظهر أن القاتل جان على ملكه ، فلهذا يرجع على عاقلة القاتل بألفي درهم في ثلاث سنين ، أو لأن المالك لما ضمنه فقد أقامه مقام نفسه في الرجوع على عاقلة القاتل . وهو لو اختار الرجوع عليهم أخذ منهم ألفي درهم قيمتها وقت القتل في ثلاث سنين ; لأن الواجب باعتبار القتل بدل النفس فيكون على العاقلة مؤجلا ، فكذلك الغاصب يرجع عليهم بهذه الصفة ، ثم يسلم له مما يقبض ألفا قدر ما ضمن ، ويتصدق بالألف الأخرى ; لأنه حصل له بكسب خبيث ، وهو الغصب المتقدم ، ولأنه ربح حصل لا على ملكه فيلزمه التصدق به كالربح الحاصل لا على ضمانه ، فإن كانت قيمة الجارية يوم غصبها عشرة آلاف درهم ، ويوم قتلها القاتل كذلك ، فمولاها بالخيار إن شاء ضمن الغاصب عشرة آلاف درهم في ماله حالة بسبب الغصب ، وإن شاء ضمن عاقلة القاتل خمسة آلاف درهم إلا عشرة دراهم في ثلاث سنين بسبب القتل ; لأن الواجب بهذا السبب بدل النفس ، وبدل نفس الأمة لا يزيد على خمسة آلاف كبدل نفس الحرة ، وينقص للرق من ذلك عشرة دراهم ، وفي رواية خمسة ، فإن ضمن الغاصب يرجع الغاصب على عاقلة القاتل بخمسة آلاف درهم إلا عشرة دراهم ، إما لأنه قائم مقام المغصوب منه أو لأنه ظهر أن جناية القاتل كانت على ملكه .

فإن كانت الجارية هي التي قتلت رجلا خطأ أخذها مولاها [ ص: 73 ] ودفعها أو فداها ; لأنها بعد الغصب باقية على ملك مولاها ، وموجب جناية المملوك أن يخير مولاها بين الدفع والفداء ، وأي ذلك فعل رجع على الغاصب بالأقل من قيمتها ومن الفداء ; لأن ذلك إنما لزمه بسبب كان منها في يد الغاصب ، وجنايتها في ضمان الغاصب كجناية الغاصب عليها ، ولأن الرد لم يسلم حين استحقت من يد المولى بسبب كان عند الغاصب فكأنه لم يردها فيرجع عليه بقيمتها إلا أن يكون الفداء أقل من القيمة فحينئذ يرجع بالأقل ; لأنه في التزام الزيادة على الأقل مختار ، فإنه كان يتخلص باختيار الأقل ، فإن كانت ماتت عند الغاصب بعد الجناية أخذ المولى قيمتها من الغاصب بسبب الغصب فيدفعها إلى أولياء الجناية ; لأنها كانت مستحقة لهم بالجناية ، وقد فاتت ، واختلفت بدلا فيستحقون بدلها باستحقاقها ، وإذا دفع القيمة إليهم رجع بها على الغاصب مرة أخرى ; لأن المقبوض استحق من يده بسبب كان عند الغاصب ، ولأن استرداد القيمة كاسترداد العين ، ولو استردها ودفعها بالجناية رجع على الغاصب بقيمتها فكذلك إذا استرد قيمتها ، ودفعها بالجناية .

( رجل ) غصب دار رجل وسكنها ، فإن انهدمت من سكناه أو من عمله فهو ضامن لذلك ; لأنه متلف لما انهدم بفعله ، والإتلاف يتحقق في العقار كما في المنقول ، وإن انهدمت من غير عمله فلا ضمان عليه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر رحمهما الله ; لأن الغصب الموجب للضمان لا يتحقق عندهما في العقار ، والحكم ينبني على السبب وأصل المسألة ; لأن العقار لا يضمن بالغصب في القياس ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر رحمهم الله ، وفي الاستحسان يضمن ، وهو قول أبي يوسف الأول ومحمد والشافعي رحمه الله . حجتهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : { من غصب شبرا من أرض طوقه الله تعالى يوم القيامة من سبع أرضين } فقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم لفظ الغصب على العقار . وكذلك من حيث العرف يقال : غصب دار فلان ، ومن حيث الحكم دعوى الغصب في العقار تسمع حتى لا تندفع بإقامة ذي اليد البينة على أن يده يد أمانة ، وإذا ثبت أن الغصب يتحقق فيها يترتب عليه حكمه والمعنى فيه .

أما الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول : العقار يملك بالاستيلاء يدا فيضمن بالغصب يدا كالمنقول .

وبيان الوصف أن الغزاة إذا فتحوا بلدة يملكون عقارهم ، وتأثيره ما بينا على أصله أن حد الغصب التعدي بإثبات اليد لنفسه على مال الغير بغير حق ، وذلك يتحقق في العقار والمنقول جميعا ومحمد يقول : العقار يضمن بالعقد الجائز والفاسد فيضمن بالغصب كالمنقول ، وتحقيقه هو أن [ ص: 74 ] وجوب ضمان الغصب يعتمد تفويت يد المالك بالنقل ، ولكن فيما يتأتى ذلك فيه ، فأما فيما لا يتأتى يقام غيره مقامه لإثبات الحكم ، وهو الاستيلاء بأقصى ما يمكنه بالسكنى وإخراج المالك عنه ، كما أن شرط صحة الدعوى والشهادة الإشارة إلى العين في المنقول الذي يمكن إحضاره ، ثم في العقار لما تعذر ذلك يقام ذكر الحدود مقامه ، وشرط تمام الهبة القبض بعد القسمة فيما يتأتى فيه القسمة ، ثم فيما لا يحتمل القسمة تقام التخلية مقامه ; ولهذا سماه استحسانا ، ولا معنى لقولكم : إن فعله في المالك هنا يمنعه من أن يدخل ملكه فيسكن ; لأن ما هو المقصود بتفويت اليد ، وهو فوت منفعة الملك وثمراته عليه يحصل بهذا ، ويجوز إقامة فعله في غير المضمون مقام فعله في المضمون في إيجاب الضمان كحافر البئر في الطريق فعله في الأرض دون المار ، ثم يجعل ذلك قائما مقام فعله في المار الواقع في البئر في إيجاب الضمان عليه ، فهذا مثله أو أقوى منه .

وحجتنا في ذلك الحديث ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين جزاء غاصب العقار الوعيد في الآخرة ، ولم يذكر الضمان في الدنيا ، فذلك دليل على أن المذكور جميع جزائه ، ولو كان الضمان واجبا لكان الأولى أن يبين الضمان ; لأن الحاجة إليه أمس ، وإطلاق لفظ الغصب عليه لا يدل على تحقق الغصب فيه موجبا للضمان ; لأن في لسان الشرع حقيقة ومجازا ، ألا ترى أنه أطلق لفظ البيع على الحر بقوله : من باع حرا ، وهذا لا يدل على أن البيع الموجب لحكمه حقيقة يتصور في الحر ، وكذلك في عرف اللسان حقيقة ومجازا ، ألا ترى أنهم يطلقون لفظ السرقة على العقار كما يطلقون لفظ الغصب ، وقد ورد الشرع بذلك أيضا ، ثم لا يتحقق في العقار السرقة الموجبة لحكمها على أنا نقول : يتحقق أصل الغصب في العقار ، ولكن الغصب الموجب للضمان لا يتحقق ; لأنه مما لا ينقل ولا يحول . وبيان هذا أن الضمان إنما يجب جبرانا للفائت من يد المالك ، ولا يتحقق تفويت اليد عليه بفعل في المال بدون النقل والتحويل ; لأن يد المالك متى كانت ثابتة على ماله في مكان تبقى ما يبقى المال في ذلك المكان حكما إلا أن ينقله إلى غيره بمباشرة سببه ، ومن حيث الحقيقة الغاصب وإن سكن الدار فالمالك متمكن من أن يدخل فيسكن ، فإن منعه فذلك فعل في المالك لا في الملك ، وفعله في المالك لا يفوت يده عن المال ، فلا يكون سببا للضمان كما لو حبس المالك حتى تلفت مواشيه ; ولهذا لا يضمن المنقول بالتخلي به قبل النقل فكذلك العقار .

وإقامة الشيء الآخر مقام السبب الموجب للحكم طريق فيما يأذن الشرع فيه أن يوجبه [ ص: 75 ] الحكم ، فأما الغصب لا يأذن الشرع فيه ، والحكم يمنع منه فكيف يثبت بإقامة غيره مقامه حكما ، ولكن إن صادف الفعل محلا يتحقق فيه يثبت حكمه ، وإن صادف محلا لا يتحقق فيه لا يثبت الحكم كمن زنى برتقاء ، وأتى بما في وسعه من المعالجة لا يلزمه الحد ، وإن قضى شهوته ; لأن ما هو حد فعل الزنا لا يتحقق في هذا المحل ، فلا يشتغل بإقامة غيره مقامه ، ولا ينظر إلى تحصيل المقصود ، وبه فارق ضمان العقد ; لأن ذلك يوجبه الحكم فيجوز إثباته بطريق حكمي ، والعقد الفاسد معتبر بالجائز ; لأن الفاسد لا يمكن أن يجعل أصلا في معرفة حكمه ، فإن الشرع لا يرد بالعقد الفاسد ، وكذلك ذكر الحدود في الدعوى والشهادة يجوز أن تقوم مقام الإشارة في التعريف ; لأن ذلك مما يوجبه الحكم ، ويأذن فيه الشرع ، وكذلك القبض في باب الهبة ، فإن الشرع يأذن فيه فيصار إلى إيجاده بطريق التمكن ، ولو كان ما قال محمد رحمه الله تعالى من إقامة الفعل في المالك مقام الفعل في المال صحيحا لكان الأولى أن يصار إليه في المنقول ; لأن الحاجة إلى حفظ المنقول باليد أظهر منه إلى حفظ العقار ، ولا يوجب الضمان على الحافر بالطريق الذي قال بل بإقامة الشرط مقام السبب لما تعذر تعليق الحكم بالسبب ، وهو نقله في نفسه ، ومسببه إذا كان لا يعلم ، والحافر أوجد شرط الوقوع بإزالة السكة ، وإقامة الشرط مقام السبب عند تعذر تعليق الحكم بالسبب أصل في الشرع ، والإتلاف بهذا الطريق يتحقق ، فأما هنا الفعل في المالك ليس بشرط ولا سبب ، ولا يتحقق به تفويت اليد الثابتة حكما ، ألا ترى أن هناك مع أن الإتلاف يتحقق من الحافر بالمباشرة بأن يلقيه في البئر يقام الحفر مقامه ، وهنا فيما يتأتى الفعل حقيقة لا يقام الفعل في المالك مقام الفعل في المال .

ولا يدخل على هذا ما قاله في الزيادات إذا وهب الرجل دارا بما فيها من الأمتعة فهلكت الأمتعة قبل أن ينقلها الموهوب له ، ثم استحقت فللمستحق أن يضمن الموهوب له ; لأن في جواب تلك المسألة نظرا فقيل : هو مذهب محمد ، وقيل : لا يستقيم على أصل محمد أيضا ; لأنه يوافقنا في المنقول أنه لا يضمن قبل النقل ، وقد نص عليه في السير الكبير . ( ثم ) العذر أن الواهب نقل يده إلى الموهوب له ، ويد الواهب في الأمتعة كانت مفوتة ليد المالك فانتقلت بصفتها إلى الموهوب له .

( فإن قيل : ) أليس أنه لو اشترى منقولا وخلي بينه فهلك قبل النقل ، ثم جاء مستحق فليس له أن يضمن المشتري ، وهذا المعنى موجود فيه . ؟ ( قلنا : ) لا كذلك فالبيع يوجب الملك ، واليد للمشتري ، فلا يجعل يده كيد [ ص: 76 ] البائع ، فأما الهبة لا توجب التسليم إلى الموهوب له فيستقيم أن يجعل الواهب بالتسليم محولا يده إلى الموهوب له ، وبهذا الطريق للمالك أن يضمن غاصب الغاصب أيضا ; لأنه حول إلى نفسه يد الغاصب الأول ، وهي يد مفوتة ليد المالك فتحول إليه بصفته .
وأشار في الكتاب إلى حرف آخر فقال : ( لو دخل دار رجل بغير إذنه فسقط منها حائط لم يضمن ، ولو ركب دابة فعطبت أو لبس ثوبا فاحترق كان ضامنا ) ، ومعنى هذا أن العقار لو كان يضمن بالاستيلاء لكان يضمن بأول أسبابه ، وهو الدخول كالمنقول ، ولكن عذر محمد عن هذا واضح ; لأن الضمان إنما يجب بإثبات اليد بطريق الاستيلاء ، وذلك بالدخول لا يحصل إنما يحصل بالسكنى ، ألا ترى أن من ادعى دارا بالميراث فشهد الشهود أن أباه دخل هذه الدار فمات فيها لم يستحق بها شيئا

( ولو شهدوا أنه مات ، وهو ساكن هذه الدار استحق القضاء له بها ; لأنهم يشهدون باليد للأب عند الموت ) بخلاف الثوب والدابة فبمجرد الركوب واللبس تثبت يده حتى لو شهدوا أن أباه مات ، وهو لابس هذا الثوب أو راكب هذه الدابة استحق القضاء له بها ، وهذا لأن الملبوس تبع للابس ، والمركوب تبع للراكب ، فظهر أن الاعتماد على الفصل الأول ، فإن كان الغاصب للدار باعها وسلمها ، ثم أقر بذلك وليس لرب الدار بينة ، فإقراره في حق المشتري باطل ; لأن المشتري صار مالكا بالشراء من حيث الظاهر ، فلا يقبل قول البائع بعد ذلك في إبطال ملكه ، ثم لا ضمان على الغاصب للمالك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر رحمهما الله ; لأنه مقر على نفسه بالغصب ، فإن البيع والتسليم غصب ، والغصب الموجب للضمان عندهما لا يتحقق في العقار . وقد ذكر في كتاب الرجوع من الشهادات أنهم إذا شهدوا بدار لإنسان وقضى القاضي ، ثم رجعوا ضمنوا قيمتها للمشهود عليه فقيل : ذلك قول محمد رحمه الله ; لأن تسليطهما الغير على الدار بالشهادة كتسليط الغاصب على الدار بالبيع والتسليم إليه ، وقيل : بل هو قولهم جميعا ، والفرق بين الفصلين لهما أن هناك إتلاف الملك على المشهود عليه قد حصل بشهادتهما حتى لو أقام البينة على الملك لنفسه لا تقبل بينته ، والعقار يضمن بالإتلاف ، وهنا إتلاف الملك لم يحصل بالبيع والتسليم بل بعجز المالك عن إثبات ملكه بالبينة ، ألا ترى أنه لو أقام البينة على أنها ملكه قضي له بها ، فلهذا لا يكون الغاصب ضامنا ، ولكن يدخل على هذا جحود الوديعة ، فإن العقار يضمن بالجحود في الوديعة ، وليس فيه إتلاف الملك حتى لو أقام المالك البينة قضي له بها ، والأصح أن يقول : جحود الوديعة بمنزلة الغصب ، فلا يكون موجبا للضمان [ ص: 77 ] في العقار في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر رحمهما الله .
( رجل ) غصب عبدا أو دابة فأجره ، وأصاب من غلته فالغلة للغاصب ; لأن وجوبها بعقده ، وقد بيناه في كتاب اللقطة ، ولأن المنافع لا تتقوم إلا بالعقد ، والعاقد هو الغاصب ، فإذا هو الذي جعل منافع العبد بعقده مالا فكان بدله له . وفي الأصل قال : قلت : ولم لا يكون لصاحب العبد . ؟ قال : لأنه كان في ضمان غيره ، وكأنه أشار بهذا التعليل إلى قوله صلى الله عليه وسلم : { الخراج بالضمان } فحين كان في ضمان الغاصب فهو الذي التزم تسليمه بالعقد دون المالك فكان الأجر له دون المالك ، ويؤمر أن يتصدق بها ; لأنها حصلت له بكسب خبيث ، فإن مات العبد فالغاصب ضامن بقيمته ، وله أن يستعين بتلك الغلة في ضمان القيمة ; لأنها ملكه ، وما فضل بعد ذلك تصدق به اعتبارا للجزء بالكل .

( فإن قيل : ) القيمة دين في ذمته ، ومن قضى بمال الصدقة دينه فعليه أن يتصدق بمثله ( قلنا : ) نعم ، ولكن التصدق بهذا لم يكن حتما عليه ، ألا ترى أنه لو سلم الغلة إلى المالك مع العبد كان للمالك أن يتناول ذلك ، وليس على الغاصب شيء آخر فهو بما صنع يصير مسلما إلى المالك ، ثم يصير المالك مبرئا له عن ذلك القدر من القيمة بما يقبضه فيزول الخبث بهذا الطريق ، فلا يلزمه التصدق بعوضه ، وإن كان الغاصب باع الدابة وأخذ ثمنها فاستهلكه ، وماتت الدابة عند المشتري فضمن رب الدابة المشتري قيمتها رجع المشتري على الغاصب بالثمن لبطلان البيع باسترداد القيمة منه ، ثم لا يستعين الغاصب بالغلة في أداء الثمن ; لأن الخبث في الغلة ما كان بحق المشتري ، فلا يزول بالوصول إلى يده ، بخلاف الأول فإن الخبث لحق المالك فيزول بوصول الغلة إلى يده ( قال : ) إلا أن يكون عند الغاصب ما يؤدي به الثمن ، فلا بأس حينئذ أن يؤدي من الغلة ; لأنه محتاج إلى تفريغ ذمته وتخليص نفسه عن الحبس ، وحاجته تقدم على حق الفقراء ، فإذا أصاب بعد ذلك مالا تصدق بمثله إن كان استهلك الثمن يوم استهلكه وهو غني عنه ، وإن كان محتاجا يوم استهلك الثمن لم يكن عليه أن يتصدق بشيء من ذلك ; لأن وجوب الضمان عليه باعتبار استهلاكه الثمن ، ولو استهلك الغلة مكان الثمن ، فإن كان محتاجا فليس عليه أن يتصدق بشيء منه ، وإن كان غنيا فعليه أن يتصدق بمثله فكذلك في استهلاك الثمن ، وإنما قلنا : ذلك ; لأن حق الفقراء في هذا المال بمنزلة حقهم في اللقطة على معنى أن له أن يتصدق ، وله أن يردها على المالك إن شاء . ( ثم ) الملتقط إذا كان محتاجا فله أن يصرف اللقطة إلى حاجة نفسه بخلاف ما إذا كان غنيا فكذلك حكم هذه الغلة .

وليس على [ ص: 78 ] الغاصب في سكنى الدار وركوب الدابة أجر ، وعلل فقال : ( لأنه كان ضامنا ) ، ومعنى هذا أن ضمان العين باعتبار صفة المالية والتقوم ، والمالية والتقوم في العين باعتبار منافعه ; ولهذا تختلف قيمة العين باختلاف منفعته ، فإذا اعتبرت المنفعة لإيجاب ضمان العين لا يمكن اعتبارها لإيجاب ضمانها مقصودا ، والمنفعة كالكسب ، وقد بينا في الكسب أن الخراج بالضمان فكذلك في المنفعة ، ولكن هذا التعليل يتقاعد في الدار ، فإن الساكن غير ضامن للدار عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله . والأصح بناء هذه المسألة على الأصل المتقدم ، فإن المنافع زوائد تحدث في العين شيئا فشيئا ، وقد بينا أن زوائد المغصوب لا يكون مضمونا على الغاصب عندنا ، ويكون مضمونا له عند الشافعي رضي الله عنه فكذلك المنفعة ، ولأن الغصب الموجب للضمان عنده يحصل بإثبات اليد ، واليد على المنفعة تثبت كما تثبت على العين ، وعندنا لا تتحقق إلا بيد مفوتة ليد المالك ، وذلك لا يتحقق في المنافع ; لأنها لا تبقى وقتين ، فلا يتصور كونها في يد المالك ، ثم انتقالها إلى يد الغاصب حتى تكون يده مفوتة ليد المالك فلهذا لا يضمن المنافع بالغصب عندنا .

فأما الإتلاف فيقول : عندنا المنافع لا تضمن بالإتلاف بغير عقد ولا شبهة عقد ، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه تضمن ، ومنفعة الحر في ذلك سواء حتى لو استسخر حرا واستعمله عنده يضمن أجر مثله ، وعندنا يأثم ، ويؤدب على ما صنع ، ولكنه لا يضمن شيئا .

وجه قول الشافعي رضي الله تعالى عنه أن المنفعة مال متقوم فيضمن بالإتلاف كالعين ، وبيان الوصف أن المال اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به مما هو عندنا ، والمنافع منا أو من غيرنا بهذه الصفة ، وإنما تعرف مالية الشيء بالتمول ، والناس يعتادون تمول المنفعة بالتجارة فيها ، فإن أعظم الناس تجارة الباعة ، ورأس مالهم المنفعة ، وقد يستأجر المرء جملة ويؤجر متفرقا لابتغاء الربح كما يشتري جملة ويبيع متفرقا ، وولي الصبي يستأجر له بماله فيصح منه ، وبهذا تبين أن المنافع في المالية مثل الأعيان ، والمنفعة تصلح أن تكون صداقا ، وشرط صحة التسمية أن يكون المسمى مالا ، وهكذا يقوله في منافع الحر أنه مال يضمن بالإتلاف إلا أنه إذا حبس حرا لا يضمن منافعه ; لأنه لم يوجد من الحابس إتلاف منافعه ، ولا إثبات يده عليه بل منافع المحبوس في يده كثياب بدنه ، وكما لا يضمن ثياب بدنه بالحبس فكذلك منافعه ، ولئن لم تكن المنفعة مالا فهي متقومة ; لأنها تقوم الأعيان فيستحيل أن لا تكون متقومة بنفسها ، ولأنها تملك بالعقد ، ويضمن به صحيحا كان العقد أو فاسدا ، وإنما يملك بالعقد [ ص: 79 ] ما هو متقوم فيضمن بالإتلاف ، وإن لم يكن مالا كالنفوس والأبضاع ، وبفضل العقد الفاسد يتبين المماثلة بين العين والمنفعة في المالية ; لأن الضمان بالعقد الفاسد يتقدر بالمثل شرعا كما بالإتلاف ، وهذا بخلاف رائحة المسك ، فإن من اشتم مسك غيره لا يضمن شيئا ; لأن الرائحة ليست بمنفعة ، ولكنها بخار يفوح من العين كدخان الحطب ; ولهذا لا يملك بعقد الإجارة حتى لو استأجر مسكا ليشمه لا يجوز ، ولا يضمن بالعقد أيضا صحيحا كان أو فاسدا . وحجتنا في ذلك حديث عمر وعلي رضي الله عنهما ، فإنهما حكما في ولد المغرور أنه حر بالقيمة ، وأوجبا على المغرور رد الجارية مع عقرها ولم يوجبا قيمة الخدمة مع علمهما أن المغرور كان يستخدمها ، ومع طلب المدعي بجميع حقه ، فلو كان ذلك واجبا له لما حل لهما السكوت عن بيانه ، وبيان العقر منهما لا يكون بيانا لقيمة الخدمة ; لأن المستوفى بالوطء في حكم جزء من العين ; ولهذا يتقوم عند الشبهة بخلاف المنفعة ، والمعنى فيه أن المنفعة ليست بمال متقوم ، فلا تضمن بالإتلاف كالخمر والميتة .

وبيانه أن صفة المالية للشيء إنما تثبت بالتمول ، والتمول صيانة الشيء وادخاره لوقت الحاجة ، والمنافع لا تبقى وقتين ، ولكنها أعراض كما تخرج من حيز العدم إلى حيز الوجود تتلاشى ، فلا يتصور فيها التمول ; ولهذا لا يتقوم في حق الغرماء والورثة حتى أن المريض إذا أعان إنسانا بيديه أو أعاره شيئا فانتفع به لا يعتبر خروج تلك المنفعة من الثلث ، وهذا لأن المتقوم لا يسبق الوجود ، فإن المعدوم لا يوصف بأنه متقوم إذ المعدوم ليس بشيء ، وبعد الوجود التقوم لا يسبق الإحراز ، والإحراز بعد الوجود لا يتحقق فيما لا يبقى وقتين فكيف يكون متقوما ، وعلى هذا نقول : الإتلاف لا يتصور في المنفعة أيضا ; لأن فعل الإتلاف لا يحل المعدوم . وبعد الوجود لا يبقى لحله فعل الإتلاف ، وإثبات الحكم بدون تحقق السبب لا يجوز ، فأما بالعقد يثبت للمنفعة حكم الإحراز ، والتقوم شرعا بخلاف القياس ، وكان ذلك باعتبار إقامة العين المنتفع به مقام المنفعة لأجل الضرورة والحاجة ، ولا تتحقق مثل هذه الحاجة في العدوان فتبقى الحقيقة معتبرة ، وباعتبارها ينعدم التقوم والإتلاف ، وفي الصداق واستئجار الولي إنما يظهر حكم الإحراز والتقوم بالعقد للحاجة ، والمال اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به ، ولكن باعتبار صفة التمول والإحراز ، وكما تتفاوت قيمة العين بتفاوت المنفعة تتفاوت قيمة الطيب بتفاوت الرائحة ، ولم يدل ذلك على كونه مالا متقوما ، ولئن سلمنا أن المنفعة مال متقوم فهو دون الأعيان في المالية ، وضمان العدوان مقدر بالمثل بالنص ، ألا ترى أن المال لا يضمن بالنسبة ، والدين لا يضمن [ ص: 80 ] بالعين ; لأنه فوقه فكذلك المنفعة لا تضمن بالعين ، وبيان هذا الكلام أن المنفعة عرض يقوم بالعين ، والعين جوهر يقوم به العرض ، ولا يخفى على أحد التفاوت بينهما ، والمنافع لا تبقى وقتين ، والعين تبقى أوقاتا ، وبين ما يبقى وما لا يبقى تفاوت عظيم ، والعين لا تضمن بالمنفعة قط ، ومن ضرورة كون الشيء مثلا لغيره أن يكون ذلك الغير مثلا له أيضا ، والمنفعة لا تضمن بالمنفعة عند الإتلاف حتى أن الحجر في خان واحد على تقطيع واحد لا تكون منفعة إحداهما مثلا للمنفعة الأخرى عند الإتلاف .

والمماثلة بين المنفعة والمنفعة أظهر من المماثلة بين العين والمنفعة ، وبهذا فارق ضمان العقد ، فإنه غير مبني على المماثلة باعتبار الأصل بل على المراضاة ، وكيف ينبني على المماثلة ، والمقصود بالعقد طلب الربح . ( ثم ) ضمان العقد مشروع ، وفي المشروع يعتبر الوسع والإمكان ; ولهذا يجب الضمان باعتبار التراضي فاسدا كان العقد أو جائزا فيسقط اعتبار التفاوت الذي ليس في وسعنا الاحتراز عنه في ضمان العقد ، فأما الإتلاف فمحظور غير مشروع ، وضمانه مقدر بالمثل بالنص ، فلا يجوز إيجاب الزيادة على قدر المتلف بسبب الإتلاف .

( فإن قيل : ) يسقط اعتبار هذا التفاوت لدفع الظلم والزجر عن إتلاف منافع أموال الناس ، ولأن المتلف عليه مظلوم يسقط حقه إذا اعتبر هذا التفاوت ، ومراعاة جانب المظلوم أولى من مراعاة جانب الظالم من أن هذا التفاوت بزيادة وصف لو لم نعتبره سقط به حق المتلف عن الصفة ، ولو اعتبرناه أسقطنا حق المتلف عليه عن أصل المالية ، وإذا لم يكن بد من إهدار أحدهما فإهدار الصفة أولى من إهدار الأصل ( قلنا : ) قد أوجبنا للزجر التعزير والحبس ، فأما وجوب الضمان للجبران ، فيتقدر بالمثل على وجه لا يجوز الزيادة عليه ، والظالم لا يظلم بل ينتصف منه مع قيام حرمة ماله ، ولو أوجبنا عليه زيادة على ما أتلف كان ذلك ظلما مضافا إلى الشرع ; لأن الموجب هو الشرع ، وذلك لا يجوز ، وإذا لم يوجب الضمان لتعذر إيجاب المثل كان ذلك لضرورة ثابتة في حقنا ، وهو أنا لا نقدر على القضاء بالمثل ، وذلك مستقيم مع أن حق المظلوم لا يهدر بل يتأخر إلى الآخرة . ولو أوجبنا الزيادة صارت تلك الزيادة هدرا في حق المتلف فيبطل حقه عنه أصلا ، فكان ما قلناه من اعتبار المماثلة والكف عن القضاء بالضمان بدون اعتبار المماثلة أعدل من هذا الوجه .

قال : ( أقام رب الدابة البينة أنها نفقت عند الغاصب من ركوبه ، وأقام الغاصب البينة أنه قد ردها إليه وماتت في يده فعلى الغاصب القيمة ) ; لأن رب الدابة يثبت على الغاصب سبب وجوب القيمة ، والغاصب ينفي ذلك ; لأن [ ص: 81 ] موت الدابة في يد مالكها لا يوجب الضمان على أحد ، والبينات للإثبات دون النفي .

( فإن قيل : ) سبب وجوب الضمان على الغاصب ظاهر فهو يثبت ببينته ما يبرئه عن الضمان وهو الرد ، فكانت بينته أولى بالقبول ( قلنا : ) نعم ، ولكن ثبوت الرد لا يمنع قبول بينة المالك على هلاكها من ركوب الغاصب ; لجواز أن يكون ركبها بعد الرد فماتت من ركوبه فلهذا جعلنا بينته أولى بالقبول ، وكذلك لو شهد شهود صاحبها أن الغاصب قتلها أو أنه هدم الدار ، وشهود الغاصب أنه ردها إليه على حالها ; لأن القتل بعد الرد يتحقق من الغاصب ، وكذلك لو هدم الدار بعد الرد يتحقق منه فيجب قبول بينة صاحبها في إثبات سبب متجدد للضمان على الغاصب ; لأن الغاصب بينته تنفي ذلك السبب ، فأما إذا أقام صاحبها البينة أنها ماتت في يد الغاصب ، وأقام الغاصب البينة أنه ردها فماتت في يد صاحبها فعلى قول أبي حنيفة تقبل بينة صاحبها كما في الفصول المتقدمة ; لأن الغصب بعد الرد يتحقق فصاحبها ببينته يثبت سبب ضمان متجدد ، وهو غصبه إياها عند الموت فيقضي له بالضمان لهذا ، وعند محمد رحمه الله البينة بينة الغاصب هنا لما فيها من إثبات الرد وسقوط الضمان عنه به ، ثم ليس في بينة صاحبها هنا إثبات سبب متجدد ، والظاهر أنهم إنما شهدوا بذلك ; لأنه خفي عليهم الرد ، وقد علموا الغصب فاستصحبوا ذلك ، وشهدوا أنها ماتت في يد الغاصب ، وشهود الغاصب علموا الرد ، وقد علموا الغصب فشهدوا به بخلاف ما سبق ، فإن القتل والهدم والإتلاف من الركوب سبب متجدد لا يشهدون عليه ما لم يعاينوه باعتبار علمهم بالغصب السابق .( وإذا وهب الغاصب الثوب المغصوب لرجل فلبسه حتى تخرق أو كان طعاما فأكله ثم جاء المغصوب منه وضمن الموهوب له فليس له أن يرجع بالضمان على الواهب عندنا ) ، وقال الشافعي رحمه الله له ذلك ; لأنه صار مغرورا من جهته حين أوجب الملك له بالعقد ، وأخبره أنه يهب ملك نفسه ، وأنه لا يلحقه فيه ضمان من جهة أحد ، والمغرور يرجع على الغار بما يلحقه من الضمان دفعا للضرر عنه ، ولكنا نقول : الموهوب له في القبض والأكل عامل لنفسه ، ومن عمل لنفسه فلحقه ضمان بسببه لا يرجع به على أحد ، فأما المغرور قلنا : مجرد الغرور بالخبر لا يثبت له حق الرجوع كمن أخبر إنسانا أن هذا الطريق آمن فسلكه فأخذ اللصوص ماله أو أخبره أن هذا الطعام طيب ، وكان مسموما فتناوله فتلف .

وإنما الغرور في عقد الضمان هو المثبت للرجوع لمعنيين :

( أحدهما ) أن بعقد الضمان يستحق صفة السلامة عن العيب ، ولا عيب فوق [ ص: 82 ] الاستحقاق ، فبفوات ما هو مستحق له ثبت له حق الرجوع ، فأما بعقد التبرع لا يستحق الموهوب له صفة السلامة ; ولهذا لو وجد الموهوب معيبا لا يرده بالعيب ، فلا يرجع بسبب الغرور أيضا .

( والثاني ) وهو أن القابض بحكم عقد الضمان عامل للمالك من وجه ، فإنه يتقرر به حقه في العوض ، وهو الثمن ، فإذا لحقه ضمان بسببه رجع به عليه ، فأما الموهوب له في القبض عامل لنفسه من كل وجه ; لأن الواهب لم يشترط لنفسه شيئا ليتأكد ذلك بقبضه ، وعلى هذا لو وهب له جارية فاستولدها ، ثم جاء مستحق ، واستحقها وأخذها وعقرها وقيمة ولدها لم يرجع الموهوب له على الواهب بشيء ، بخلاف ما لو كان اشتراها ، فإن هناك يرجع بقيمة الولد ; لأنه ضمن له سلامة الولد بعقد الضمان ، فإذا لم يسلم له رجع عليه بما لحقه ، ولا يرجع بالعقر عندنا . وعلى قول الشافعي رحمه الله يرجع بالعقر أيضا ; لأن البائع قد ضمن له سلامة الوطء أيضا ، ولكنا نقول : وجب العقر بما استوفى منها ، وهو الذي نال تلك اللذة ، فلا يرجع بما لحقه بسببه على أحد .

وعلى هذا لو أن غاصب الدابة أجرها فعطبت عند المستأجر ، ثم ضمنه المغصوب منه قيمتها رجع بها على الآخر ليتحقق الغرور بمباشرة عقد الضمان ، ولأن المستأجر في قبضها عامل للآخر من وجه ، فإنه يتقرر به حقه في الأجر ، فأما المستعير إذا ضمن قيمة الدابة لصاحبها لم يرجع على أحد بالاتفاق عندنا لانعدام عقد الضمان كما بينا في الهبة ، وعند الشافعي رحمه الله ; لأن المستعير ضامن للعين في حق المعير فلهذا لا يرجع عليه بما يلحقه من الضمان .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #230  
قديم 14-12-2025, 04:55 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,794
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى عشر

صـــ 82 الى صـــ 91
(230)






وإذا اختلف رب الثوب والغاصب في قيمته ، وقد استهلكه الغاصب فالبينة بينة رب الثوب لما فيها من إثبات الزيادة ، والقول قول الغاصب مع يمينه إذا لم يكن لرب الثوب بينة لإنكاره الزيادة ، وإن أقام الغاصب بينة أن قيمة ثوبه كان كذا لم يلتفت إلى بينته ، ولا يسقط اليمين بها عنه ; لأن هذا القدر من القيمة ثابت باتفاقهما ، وإنما يدعي رب الثوب الزيادة على ذلك ، والشهود لم يتعرضوا لتلك الشهادة أو نفوا تلك الزيادة ، والشهادة على النفي لا تكون مقبولة فلهذا كان لرب الثوب أن يحلف الغاصب على دعواه .

وفي الأصل يقول رب الثوب هو المدعي ، والغاصب هو المدعى عليه ، والشرع جعل البينة في جانب المدعي فقال : البينة على المدعي ، وبالألف واللام يظهر أن جنس البينة في جانب المدعي ، وجعل اليمين في جانب المدعى عليه ، والبينة لا تصلح بدلا عن اليمين ، فلا يسقط عنه اليمين بما أقام من البينة ، فإن شهد لرب الثوب شاهد أن قيمة ثوبه كذا ، وشهد آخر على إقرار الغاصب بذلك لم تجز شهادتهما [ ص: 83 ] بذلك ; لأنهما اختلفا فشهد أحدهما بالقول ، والآخر بالفعل ، ولا يثبت واحد منهما إلا بشهادة شاهدين ، وإن لم يكن لواحد منهما البينة فأردت أن تحلف الغاصب على ذلك فقال : أنا أرد اليمين على رب الثوب ، وأعطيه ما حلف عليه فليس له ذلك ; لأن الشرع جعل اليمين على المدعى عليه ، وما كان مستحقا على المرء شرعا فليس له أن يحوله إلى غيره .

( قال : ) ولا أدرأ اليمين ، ولا أحولها عن موضعها الذي وضعها فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعنى هذا أن اليمين شرعا في جانب المدعى عليه إما للنفي أو لإبقاء ما كان على ما كان ، وهو براءة ذمته ، فإذا حولت إلى جانب المدعي لم يعمل إلا بهذا المقدار ; لأن عمل الشيء في محله أقوى منه في غير محله ، وبهذا القدر لا يستحق المدعي شيئا بل حاجته إلى إثبات ما ليس بثابت له ، واليمين لا تصلح لهذا . وكذلك إن رضي رب الثوب بذلك ، وقال : أنا أحلف فتراضيهما على ما يخالف حكم الشرع يكون لغوا ، فإذا جاء الغاصب بثوب زطي فقال : هذا الذي غصبتكه ، وقال رب الثوب : كذبت بل هو ثوب هروي أو مروي كان القول قول الغاصب مع يمينه ; لأن الاختلاف منهما في تعيين المقبوض ، والقول فيه قول القابض أمينا كان أو ضامنا ; لأنه لو أنكر القبض أصلا كان القول قوله ، ثم ذكر صفة يمينه ، وقال : ( يحلف بالله أن هذا ثوبه الذي غصبه إياه وما غصبه هرويا ولا مرويا ) ; لأن في تعيين المقبوض القول قوله ، ومن جعل القول قوله شرعا ، فإنه يحلف على ما يقول كالمودع في رد الوديعة أو هلاكها ، والمدعي يدعي عليه أنه غصبه هرويا أو مرويا ، وهو منكر لذلك فالقول قوله مع اليمين ، فلهذا جمع في اليمين بين الأمرين ، فإذا حلف قضيت لصاحب الثوب بالثوب ، وأبرأت الغاصب من دعوى رب الثوب ، وإن نكل عن اليمين يقضى عليه بما ادعاه المدعي ; لأن نكوله كإقراره . وعند النكول لا يقضى له بهذا الثوب ; لأنه لا يدعي ثوبين إنما يدعي ثوبا هرويا وقد استحقه ، فأما إذا حلف فهو ما استحق ثوبا سوى هذا ، وقد كان يدعي أصل الثوب بصفته ، ولم يثبت له تلك الصفة بنفي دعواه أصل الثوب فيقضى له بهذا الثوب باعتبار دعواه ، فإن شاء أخذه ، وإن شاء تركه ، فإن جاء بثوب هروي خلق ، وقال : هذا الذي غصبتكه وهو على حاله ، وقال رب الثوب : بل كان ثوبي جديدا حين غصبته فالقول قول الغاصب مع يمينه لإنكاره قبض الثوب حين كان جديدا ، ولأن الظاهر شاهد له ، فإن صفة الثوب في الحال معلوم ، وعند الغصب مختلف فيه فيرد المختلف فيه إلى ما هو المعلوم في نفسه ، ولأن الغصب حادث فيحال بحدوثه [ ص: 84 ] إلى أقرب الأوقات .

فإن أقاما البينة فالبينة بينة رب الثوب أنه غصبه جديدا لإثباته سبق التاريخ في غصبه ، وضمان النقصان عليه باعتبار فوات الصفة عنده ، وإن لم يقم لواحد منهما بينة ، وحلف الغاصب ، وأخذ رب الثوب ، ثم أقام البينة أنه غصبه إياه جديدا ضمن الغاصب فضل ما بينهما ; لأن الثابت ببينة كالثابت بإقرار الخصم ، ويمين الغاصب لا يمنع قبول بينة رب الثوب بعد ذلك هكذا نقل عن عمر رضي الله تعالى عنه قال : اليمين الفاجرة أحق أن ترد من البينة العادلة ولأن القاضي ما قضى بأن المغصوب كان خلقا وقت الغصب ، ولكنه امتنع عن القضاء بأنه كان جديدا عند ذلك لعدم الحجة ، فإذا قامت الحجة فعليه أن يقضي بها .

فإن كان غصبه ثوبا فصبغه أحمر أو أصفر فصاحب الثوب بالخيار إن شاء ضمن الغاصب قيمة الثوب أبيض ، وكان الثوب للغاصب ، وإن شاء أخذ الثوب ، وضمن للغاصب ما زاد الصبغ فيه ; لأن الصبغ مال متقوم ، وهو قائم في الثوب ، وقد بينا أن بغصبه لا يسقط حرمة ماله فأصل الثوب لصاحب الثوب ، والصبغ للغاصب ، وقد تعذر تمييز أحدهما عن الآخر ، وتعذر اتصال منفعة ملك كل واحد منهما على الانفراد إليه إلا أن صاحب الثوب صاحب الأصل ، والغاصب صاحب الوصف فإثبات الخيار لصاحب الأصل أولى ; لأن الأصل قائم بنفسه ، وقيام الوصف بالأصل ، فإن شاء ضمنه قيمة ثوبه أبيض ; لأنه تعذر عليه الوصول إلى عين ملكه بدون غرم يلزمه ، وله أن لا يلتزم الغرم فيضمنه قيمة الثوب أبيض كما غصبه ، ويصير الثوب للغاصب بالضمان ، وإن شاء ضمن له ما زاد الصبغ فيه فيتوصل الغاصب إلى مالية حقه ، ويتملك صاحب الثوب عليه هذا الصبغ بما يؤدى من الضمان ، والغاصب راض بذلك حين جعل ملكه وصفا لملك الغير ، وإن شاء رب الثوب باع الثوب فيضرب في ثمنه بقيمته أبيض ، ويضرب الغاصب بما زاد الصبغ فيه ; لأن لصاحب الثوب أن لا يملك ثوبه منه بقيمته ، وأن لا يغرم له قيمة الصبغ ، وعند امتناعه منهما لا طريق لتمييز حق أحدهما عن الآخر إلا بالبيع ، وهو نظير ما لو هبت الريح بثوب إنسان فألقته في صبغ غيره فانصبغ . إلا أن هناك لا ضمان على صاحب الصبغ لانعدام الصبغ منه ، وفيما وراء ذلك هما سواء ، ولم يذكر في الكتاب أنه إذا كان هذا الصبغ نقصانا في هذا الثوب ، وقد يكون لون الحمرة والصفرة نقصانا في بعض الثياب .
وذكر هشام عن محمد رحمهما الله قال : لو غصب ثوبا يساوي ثلاثين درهما فصبغه بعصفر ، وتراجع قيمته إلى عشرين درهما ، فإنه ينظر إلى قيمة الصبغ في ثوب يزيد به ، فإن كان خمسة دراهم [ ص: 85 ] فلصاحب الثوب أن يأخذ ثوبه ، ويأخذ خمسة دراهم من الغاصب أيضا ; لأنه استوجب عليه عشرة دراهم نقصان قيمة ثوبه ، واستوجب الصباغ عليه قيمة الصبغ خمسة ، والخمسة دراهم بالخمسة قصاص ، ويرجع عليه بما بقي من النقصان وهو خمسة .

فإن كان الغصب جارية صغيرة فرباها حتى أدركت وكبرت ، ثم أخذها رب الجارية لم يضمن للغاصب ما زاد في الجارية ; لأن الزيادة من عينها ، وهي مملوكة للمغصوب منه ، بخلاف ما بينا من الصبغ في الثوب فهو زيادة من مال الغاصب لا من العين المغصوبة ، ولا يرجع بما أنفق على المغصوب منه ; لأنه متبرع في الإنفاق بغير أمره ، ولأنه استخدمها بما أنفق ، ولأنه انتفع بهذا الإنفاق ; لأنه تمكن بها من الرد وإسقاط الضمان عن نفسه .

وإذا غصب سويقا فلته بسمن فصاحبه بالخيار إن شاء ضمنه قيمة سويقه ، وإن شاء أخذ سويقه ، وضمن للغاصب ما زاد السمن فيه ; لأن السمن في السويق زيادة وصف من مال الغاصب كالصبغ في الثوب .

وكذلك الدهن إذا خلط به مسكه ، وهذا إذا كان دهنا يطيب بالمسك ، فإن كان دهنا منتنا كدهن البرز ونحوه أخذه صاحبه ، ولم يضمن للغاصب شيئا ; لأن المسك صار مستهلكا فيه .

وإذا غصب ثوبا فصبغه أسود فلصاحب الثوب أن يأخذه ، ولا يعطيه شيئا في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله السواد كالحمرة والصفرة ، ولا اختلاف في الحقيقة ، ولكن أبو حنيفة أجاب على ما شاهد في عصره من عادة بني أمية ، وقد كانوا ممتنعين من لبس السواد ، وهما أجابا على ما شاهدا في عصرهما من عادة بني العباس رضي الله عنه بلبس السواد ، وقد كان أبو يوسف يقول أولا بقول أبي حنيفة فلما قلد القضاء وأمر بلبس السواد ، واحتاج إلى التزام مؤنة في ذلك رجع وقال : السواد زيادة . وقيل : السواد يزيد في قيمة بعض الثياب ، وينقص من قيمة بعض الثياب كالغصب ونحوه .

فإن كان المغصوب ثوبا ينقص بالسواد من قيمته فالجواب ما قاله أبو حنيفة ، وإن كان ثوبا يزيد السواد في قيمته فالجواب ما قالا أنه بمنزلة الحمرة والصفرة ، وإن غصبه ثوبا فقطعه قميصا ولم يخطه فهو بالخيار إن شاء ضمن قيمته ، وإن شاء أخذ الثوب ، وضمنه ما نقصه القطع ; لأن القطع نقصان فاحش في الثوب ، فإنه قبل القطع كان يصلح لاتخاذ القباء والقميص ، وبعد ما قطع قميصا لا يصلح لاتخاذ القباء منه على الوجه الذي كان يصلح قبل القطع .

فكان مستهلكا من وجه قائما من وجه ، فإن شاء مال صاحبه إلى جانب الاستهلاك ، وضمنه قيمته ، وإن شاء مال إلى جانب البقاء وأخذ عين الثوب ، وضمنه نقصان القطع ; لأن [ ص: 86 ] الثوب ليس بمال الربا ، وتضمين النقصان في مثله مع أخذ العين جائز شرعا ، وكذلك إذا نقصه الصبغ الأسود فله أن يأخذه ، ويضمنه ما نقصه ; لأن الصبغ الأسود في مثله نقصان فاحش ، وهو كالاستهلاك من وجه ; لأن قبله كان متمكنا من إحداث أي لون شاء فيه ، وقد خرج من أن يكون صالحا لذلك ، والصبغ الأسود من الثوب لا يمكن قلعه عادة ، وبه يفرق أبو حنيفة بينه وبين سائر الألوان .
ولو اغتصب ثوبا فخرقه ، فإن كان خرقا صغيرا ضمن الغاصب النقصان فقط ، وأخذ صاحب الثوب ثوبه ; لأن العين قائم من كل وجه فبهذا القدر من الخرق لا يخرج من أن يكون صالحا لما كان صالحا قبله ، وإنما يتمكن في قيمته نقصان فيضمن ذلك النقصان ، وإن كان الخرق كبيرا ، وقد أفسد الثوب فصاحبه بالخيار إن شاء ضمن الغاصب قيمة ثوبه ; لأنه مستهلك من كل وجه ، فإنه لا يصلح بعد هذا الخرق لجميع ما كان صالحا قبله له ، وإن شاء أخذ الثوب لكونه قائما حقيقة ، وضمنه ما نقصه فعل الغاصب .

( وأما ) الدابة إذا غصبها فقطع يدها أو رجلها فلصاحبها أن يضمن الغاصب قيمتها بخلاف ما لو كان المغصوب عبدا أو جارية فيقطع منه يدا أو رجلا فهناك يأخذه مع أرش المقطوع ; لأن الآدمي بقطع طرف منه لا يصير مستهلكا لبقائه صالحا لعامة ما كان صالحا له من قبل . والدابة تصير مستهلكة بقطع طرف منها ، فإنه لا ينتفع بها بما هو المقصود من الحمل والركوب بعد هذا القطع ; فلهذا كان لصاحبها أن يتركها للغاصب ويضمنه قيمتها . وكذلك لو كانت بقرة أو جزورا فقطع يدها أو رجلها أو كانت شاة فذبحها ; لأن الذبح استهلاك من وجه ، فإنه يفوت به بعض ما كان مقصودا من النسل واللبن فلصاحبها أن يضمنه قيمتها إن شاء ، وإن شاء أخذ المذبوح مسلوخا كان أو غير مسلوخ ، وضمن الغاصب النقصان في ظاهر الرواية ، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله لا يضمنه شيئا ; لأن الذبح والسلخ في الشاة زيادة ; ولهذا يلتزم بمقابلته العوض ، ولكن ما ذكره في ظاهر الرواية أصح ; لأنه زيادة من حيث التقرب إلى الانتفاع باللحم ، ولكنه نقصان بتفويت سائر الأغراض من الحيوان ، ولأجله يثبت الخيار فكان هذا والقطع في الثوب سواء يضمنه النقصان إن شاء .

( وإذا ) طحن الغاصب الحنطة فعليه مثلها ، والدقيق له عندنا . وسوى هذا عن أبي يوسف روايتان :

( إحداهما ) أن حق المغصوب منه لا ينقطع عن الدقيق لا على معنى أنه يتمكن من أخذه ، ولكن يباع فيشتري له به حنطة مثل حنطته ، وإن مات الغاصب فالمغصوب منه أحق به من سائر الغرماء ; لأنه زال ملكه [ ص: 87 ] ويده بسبب لم يرض به ، ولو زال ملكه بسبب هو راض به كالبيع لا ينقطع حقه ، وإذا أزيلت يده بغير رضاه بأن قبض المشتري المبيع بغير إذن البائع فهنا أولى أن لا ينقطع حقه .

( والرواية الأخرى ) أن ملكه لا يزول بل له الخيار ، وإن شاء ترك الدقيق ، وضمنه حنطة مثل حنطته ، وإن شاء أخذ الدقيق ، ولم يضمنه شيئا .

قال : أستحسن ذلك وأخالف فيه أبا حنيفة ; لأنه استقبح أن يأتي مفلس إلى كر حنطة إنسان فيطحنه ثم يهب الدقيق لابنه الصغير ، فلا يتوصل صاحب الحنطة إلى شيء ، فهذا قول الشافعي رحمه الله أيضا إلا أن عند الشافعي رحمه الله يأخذ الدقيق ، ويضمنه النقصان إن كان لما بينا أن على أصله تضمين النقصان مع أخذه العين في أموال الربا جائز ، وعند أبي يوسف لا يجوز ذلك كما هو مذهبنا .

ووجه هذا أن الدقيق عين شبه فيكون له أن يأخذه كما قبل الطحن ، وهذا لأن عمل الطحن في تفريق الأجزاء لا لإحداث ما لم يكن موجودا ، وتفريق الأجزاء لا يبدل العين كالقطع في الثوب ، والذبح والسلخ والتأريب في الشاة . والدليل عليه أن الدقيق جنس الحنطة ; ولهذا جرى الربا بينهما ، ولا يجري الربا إلا باعتبار المجانسة .

واستدل محمد رحمه الله في إملاء الكيسانيات لأبي حنيفة رحمه الله بالحديث الذي رواه أبو حنيفة عن عاصم بن كليب الجرمي عن أبي مرة عن أبي موسى { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في ضيافة رجل من الأنصار فقدم إليه شاة مصلية فأخذ منها لقمة فجعل يلوكها ولا يسيغها فقال صلى الله عليه وسلم : إنها ذبحت بغير حق فقال الأنصاري : كانت شاة أخي ، ولو كانت أعز منها لم ينفس علي بها ، وسأرضيه بما هو خير منها إذا رجع قال صلى الله عليه وسلم : أطعموها الأسارى } . قال محمد يعني المحبوسين ، فأمره بالتصدق بها بيان منه أن الغاصب قد ملكها ; لأن مال الغير يحفظ عليه عينه إذا أمكن ، وثمنه بعد البيع إذا تعذر عليه حفظ عينه ، ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتصدق بها دل أنه ملكها ، والخلاف في الفصلين سواء قال محمد وهذا الحديث جعله أبو حنيفة رحمه الله أصلا في أكثر مسائل الغصب ، والمعنى فيه أن هذا الدقيق غير الحنطة ، وهو إنما غصب الحنطة ، فلا يلزمه رد الدقيق كمن أتلف حنطة لا يلزمه رد الدقيق .

وبيان المغايرة أنهما غيران اسما ، وهيئة ، وحكما ، ومقصودا . وكذلك يتعذر إعادة الدقيق إلى صفة الحنطة . وتحقيقه أن الموجودات من المخلوقات تعرف بصورتها ومعناها ، فتبدل الهيئة والاسم دليل على أن المغايرة صورة ، وتبدل الحكم والمقصود دليل على المغايرة معنى ، وإذا ثبتت المغايرة فمن ضرورة ثبوت الثاني انعدام [ ص: 88 ] الأول لاستحالة أن يكون الشيء الواحد شيئين ، وإذا انعدم الأول بفعله صار ضامنا مثله ، وقد ملكه بالضمان فيجعل هذا الدقيق حادثا من ملكه فيكون مملوكا له أو يجعل حادثا بفعله ، وفعله سبب صالح لحكم الملك فيصير مضافا إليه ، ولكن بين الدقيق والحنطة شبهة المجانسة من حيث الصورة ، وهو أن عمل الطحن صورة تفريق الأجزاء ، وباب الربا مبني على الاحتياط لبقاء شبهة المجانسة من هذا الوجه جرى حكم الربا بخلاف القطع في الثوب ، والذبح في الشاة ، فإن بالذبح لا يفوت اسم العين يقال : شاة مذبوحة ، وشاة حية ، فبقيت مملوكة لصاحبها ، ثم بالسلخ والتأريب بعد ذلك لا يفوت ما هو المقصود بالذبح بل تحقق ذلك المقصود ، فلا يكون ذلك دليل تبديل العين ; فلهذا كان لصاحبها أن يأخذها ، ثم على قول زفر للغاصب أن يأكل هذا الدقيق ، وينتفع به قبل أن يؤدي الضمان ، وهو القياس ; لأن ملكه حادث بكسبه . وفي الاستحسان ، وهو قولنا ليس له أن ينتفع بما ما لم يؤد الضمان بالتراضي أو بقضاء القاضي ، أو يقضى عليه بالضمان لما بينا أن من حيث الصورة هذه أجزاء ملك المغصوب منه ، وهذه الصورة معتبرة فيما بني على الاحتياط ، والأكل مبني على ذلك ، فإنما يتم تحول حق المغصوب منه إلى الضمان بالاستيفاء أو بالقضاء فلهذا لا ينتفع به إلا بعده .
( وإذا ) استهلك قلب فضة فعليه قيمته من الذهب مصوغا عندنا ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى يضمن قيمته من جنسه بناء على أصله أن للجودة والصفة في الأموال الربوية قيمة ، وعندنا لا قيمة لها عند المقابلة بجنسها ، فلو أوجبنا مثل قيمتها من جنسها أدى إلى الربا ، ولو أوجبنا مثل وزنها كان فيه إبطال حق المغصوب منه عن الجودة والصفة ، فلمراعاة حقه والتحرز عن الربا قلنا : يضمن القيمة من الذهب مصوغا . وإن وجده صاحبه مكسورا فرضي به لم يكن له فضل ما بين المكسور والصحيح ; لأنه عاد إليه عين ماله فبقيت الصفة منفردة عن الأصل ، ولا قيمة لها في الأموال الربوية ، ولأنه لو أخذ للصفة عوضا كان هذا في معنى مبادلة العشرة بأحد عشر ، وذلك لا يجوز في الأموال الربوية ، وله أن يضمن الغاصب قيمته مصوغا من الذهب ويسلمه إليه سواء كان النقصان بالكسر يسيرا أو فاحشا ; لأنه لا يتوصل إلى دفع الضرر عن نفسه وإبقاء حقه في الصفة إلا بذلك . وكذلك كل إناء مصوغ كسره رجل ، فإن من فضة فعليه قيمته مصوغا من الذهب ، وإن كان من ذهب فعليه قيمته مصوغا من الفضة للتحرز عن الربا مع مراعاة حق المغصوب منه في الصفة ، فإن كسر درهما أو دينارا فعليه مثله ; لأنه غيره بصنعه ، ولا يتم دفع الضرر عن صاحبه [ ص: 89 ] إلا بإيجاب المثل ، والمكسور للكاسر إذا ضمن مثله ، وإن شاء صاحبه أخذه ، ولم يرجع عليه بشيء ، ويستوي إن كانت مالية انتقصت بالكسر أو لم تنتقص ; لأن صفة العين بغير فعله ، وذلك كاف لإثبات الخيار له إلا فيما يكون زيادة فيه على ما تبين .

( وإذا ) ادعى دارا أو ثوبا أو عبدا في يد رجل ، وأقام البينة أنه له ، وقال الذي هو في يديه : هو عندي وديعة فهو خصم لظهور العين في يده ، ولم يثبت بقوله أن يده يد غيره ، ( وإن ) أقام البينة أن فلانا استودعها إياه أو أعارها أو أجرها أو رهنها منه لم يكن بينهما خصومة ; لأنه أثبت ببينته أن يده يد حفظ ، وهذه مسألة مخمسة ، وقد بيناها في كتاب الدعوى .

وإن أقام المدعي البينة أن ذا اليد غصبه منه لم تندفع الخصومة عنه ; لأنه صار خصما بدعوى الفعل عليه ، ألا ترى أن دعواه الخصم صحيح على غير ذي اليد بخلاف دعوى الملك المطلق .

إن أقام المدعي البينة على أنه ثوبه غصب منه فقد اندفعت الخصومة عن ذي اليد بما أقام من البينة ; لأن الفعل غير مدعى عليه ، فإن هذا فعل ما لم يسم فاعله ، فإنما كان ذو اليد خصما باعتبار يده ، وقد أثبت أن يده يد حفظ .

وإن قال المدعي : هذا ثوبي سرق مني فالجواب كذلك في القياس ، وهو قول محمد وزفر رحمهما الله ، ( قوله : ) سرق مني ذكر فعل ما لم يسم فاعله ، فلا يصير الفعل به مدعى على ذي اليد إنما كان هو خصما باعتبار يده كما في الغصب ، ولكن استحسن أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله وقالا : لا تندفع الخصومة عن ذي اليد ، وللاستحسان وجهان :

( أحدهما ) أن قوله سرق مني معناه سرقه مني إلا أنه اختار هذا اللفظ انتدابا إلى ما ندب إليه في الشرع من التحرز عن إظهاره الفاحشة والاحتيال لدرء الحد ، فإذا آل الأمر إلى أن يبطل حقه يعود فيدعي عليه فعل السرقة ، وهذا المعنى لا يوجد في الغصب ; لأن الغاصب تجاهر بما صنع ، ولا يندب إلى الستر على ما تجاهر بفعله .

( والثاني ) أن السارق في العادة يكون بالبعد من المسروق منه فيشتبه عليه في ظلمة الليل أنه فلان أو غيره فهو بقوله : سرق مني يتحرز عن توهم الكذب ، وله ذلك شرعا فكان هذا في معنى قوله سرقته مني بخلاف الغصب . ولأن السراق قلما يوقف على أثرهم لخوفهم من إقامة الحد عليهم ، فلو اندفعت الخصومة عن ذي اليد بهذا كان إبطالا لحق المدعي لا تحويلا ، فهو بمنزلة ما لو أقام البينة على أنه أودعه رجل لا يعرفه ، بخلاف الغاصب فإنه يكون ظاهرا فيكون هذا من ذي اليد تحويلا للخصومة إليه لا إبطالا لحق المدعي .
( رجل ) غصب ثوب رجل فاستهلكه فضمن إنسان عن الغاصب قيمته ، وليس لرب الثوب بينة على [ ص: 90 ] قيمته فقال الكفيل : قيمته عشرة ، وقال الغاصب : عشرون ، وقال صاحب الثوب : ثلاثون لم يلزم الكفيل إلا عشرة دراهم مع يمينه بالله ما قيمته إلا ذلك ; لأنه التزام بالكفالة قيمة المغصوب ، فالقول في بيان مقداره قوله كالغاصب ، وهذا لأنه منكر للزيادة على العشرة ، والقول قول المنكر مع يمينه ، وقد أقر الغاصب بعشرة أخرى فهو مصدق على نفسه غير مصدق على الكفيل ، وليس من ضرورة وجوب العشرة الأخرى عليه وجوبها على الكفيل ; فلهذا يرجع على الغاصب بعشرة أخرى مع يمينه بالله ما قيمته إلا عشرون ; لأن صاحب الثوب يدعي عليه عشرة أخرى ، وهو منكر لذلك .

( رجل ) غصب جارية شابة فكانت عنده حتى صارت عجوزا ، فإن صاحبها يأخذها وما نقصها ; لأنها صارت مضمونة على الغاصب بجميع أجزائها ، وقد فات وصف مقصود منها ، وهو الشباب ، فعلى الغاصب ضمان ذلك اعتبارا للجزء بالكل .

وكذلك لو غصبه غلاما شابا فكان عنده حتى هرم ; لأنه فات بعض ما هو مقصود منه ، وهو قوة الشباب ، والهرم نقصان في العين ، وهذا بخلاف ما لو غصبه صبيا فشب عنده ; لأنه ازداد عند الغاصب بما حدث له من قوة الشباب .

وكذلك لو نبت شعره عند الغاصب ; لأنه ازداد جمالا عنده .

فإن اللحية جمال ; ولهذا يجب بحلقها من الحر عند اقتبال المنبت كمال الدية ، والغاصب بالزيادة عنده لا يصير ضامنا شيئا .

ولو كان محترفا بحرفة فنسي ذلك عند الغاصب كان ضامنا للنقصان ; لأنه فات ما كان مقصودا منه عند الغاصب ، وما يزيد في ماليته

( فإن قيل : ) عدم العلم بالحرفة ليس بنقصان في العين ; ولهذا لا يثبت به حق الرد بالعيب ( قلنا : ) نعم ، ولكن إذا وجد فهو زيادة في العين ; ولهذا يستحق في البيع بالشرط ، ويثبت حق الرد عند فواته فيضمن الغاصب باعتباره النقصان أيضا .

وكذلك إن غصب ثوبا من رجل فعفن عنده واصفر فقد انتقصت ماليته بما حدث في العين عند الغاصب فكان ضامنا للنقصان . ولو غصب طعاما حدثا فأمسكه حتى عفن عنده فعليه طعام مثله ، وهذا الفاسد للغاصب ; لأن دفع الضرر عن المالك يتضمن النقصان ، والنقصان هنا متعذر فيصار إلى دفع الضرر عنه بتضمين المثل إلا أن يرضى المالك بأخذ الطعام العفن فيأخذه ، ولا شيء له سواه .

( رجل ) غصب من رجل ثوبا ، ومن آخر عصفرا فصبغه به ، ثم حضرا جميعا فقال : أما صاحب العصفر فيأخذه حتى يعطيه عصفرا مثله أو قيمته ; لأن ما غصبه منه صار مستهلكا بفعله ، فإنه كان عين مال قائم بنفسه ، وقد صار وصفا قائما بملك غيره ، فعرفنا أنه صار مستهلكا ، فعلى الغاصب [ ص: 91 ] ضمان مثله أو قيمته إن كان لا يوجد مثله ، والسواد في هذا كغيره عندهم جميعا ; لأن السواد في نفسه مال متقوم ، وإنما هو نقصان في الثوب عند أبي حنيفة ، وإذا ضمن لصاحب العصفر عصفره ملك المضمون . وصار في الحكم كأنه صبغه بعصفر نفسه ، وقد بينا حكم الخيار فيه ، ولو كان غصب الثوب والصبغ من رجل واحد فصبغه به ففي القياس كذلك ; لأنه مستهلك للصبغ بما صنع فيتقرر عليه ضمانه ، ويصير ذلك مملوكا له ، ولكن في الاستحسان لصاحب الثوب هنا أن يأخذ ثوبه ولا يعطي الصباغ شيئا ، ولا يضمنه قيمة صبغه ; لأن ملكه صار وصفا لملكه ، فلا يكون مستهلكا به من هذا الوجه . ولأنه إذا اختار أصل الثوب كان مجيزا لفعله في الانتهاء فيجعل ذلك كالإذن منه في الابتداء ; فلهذا كان له أن يأخذ الثوب إن شاء ، وإن شاء ضمنه الصبغ ; لأنه مستهلك من الوجه الذي قلنا ، وإذا ضمنه كان بمنزلة ما لو صبغ الثوب بصبغ نفسه على ما بينا ، ولو كان الثوب مغصوبا من إنسان ، والصبغ من آخر وصبغه للغاصب ثم لم يقدر عليه ، ففي القياس أن يأخذ صاحب الثوب ثوبه ، ولا يبقى لصاحب الصبغ عليه شيء ; لأن صبغه مستهلك بفعل الغاصب ، وضمانه دين عليه ، وللغاصب على صاحب الثوب قيمة الصبغ إذا أخذ الثوب ، فهذا الرجل وجد مديون مديونه ، فلا سبيل له عليه حتى يحضر خصمه .

وفي الاستحسان إذا أخذ الثوب ضمن له ما زاد الصبغ فيه ; لأن عين ماله قد احتبس عنده ، وإن لم يوجد من جهته صبغ فيه فهو كما لو انصبغ ثوب إنسان بصبغ إنسان ; ولهذا نوجب السعاية في العبد المشترك يعتقه أحدهما ; لأن نصيب الشريك قد احتبس عند العبد ، وإن لم يوجد منه صبغ في ذلك ، وإن شاء صاحب الثوب باعه فضرب هو في الثمن بقيمة ثوبه أبيض ، وصاحب الصبغ بقيمة الصبغ كما لو صبغه الغاصب بصبغ نفسه على ما بينا .

فإن غصب من واحد حنطة ، ومن آخر شعيرا فخلطهما ضمن لكل واحد منهما ما غصب منه ; لأنه تعذر على كل واحد منهما الوصول إلى عين ملكه ، فإن تمييز الحنطة من الشعير متعسر ، والمتعسر كالمتعذر ، والمتعذر كالممتنع ، ولم يبين في الكتاب حكم المخلوط ، فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى المخلوط يصير ملكا للخالط سواء خلط الحنطة بالحنطة أو بالشعير ، وعلى قول أبي يوسف ومحمد لهما الخيار إن شاء أخذا المخلوط فكان مشتركا بينهما بقدر ملكهما ، وإن شاء تركا المخلوط ، وضمن كل واحد منهما الخالط مثل ماله ; لأن عين مال كل واحد منهما باق ، أما في الخلط بالجنس فلأن الشيء يتكثر بجنسه ، وكذلك في الخلط بغير [ ص: 92 ] الجنس إذا كان بحيث يتأتى التمييز في الجملة إلا أنه تعيب ملك كل واحد منهما بعيب الشركة ; فلهذا يثبت لكل واحد منهما حق التضمين إن شاء ، وإن شاء اعتبر بقاء عين الملك حقيقة فيختار الشركة في المخلوط ، وهو نظير غاصب الثوب إذا صبغه على ما بينا وأبو حنيفة يقول : بالخلط صار ملك كل واحد منهما مستهلكا حكما ; لأن المخلوط في الحكم كأنه شيء آخر سوى ما كان قبل الخلط ، ألا ترى أنه يبدل اسم العين ، فقبل ذلك كان يسمى قفيزا ، والآن يسمى كرا ، والمكيل والموزون في حكم شيء واحد ; ولهذا لو وجد ببعضه عيبا لم يرد بالعيب خاصة ، والبعض من الشيء الواحد غير كله ، فعرفنا أن هذا المخلوط حادث بفعل الغاصب حكما فيكون مملوكا له ، ومن ضرورته صيرورة ملك كل واحد منهما مستهلكا حكما ; ولهذا ثبت لكل واحد منهما حق التضمين مع إمكان التمييز في الجملة ، بخلاف الثوب مع الصبغ ، وإذا صار ملك كل واحد منها مستهلكا تقرر الضمان على الغاصب ، وذلك يوجب الملك له في المضمون ، وهذا بخلاف ما إذا حصل الاختلاط من غير صنع أحد ، فإن المخلوط هناك أيضا هالك إلا أنه لا ضامن له فيكون لأقرب الناس إليه ، وهما المالكان قبل الخلط ، ولأن الحكم يضاف إلى المحل عند تعذر إضافته إلى السبب ، ولأن المحل بمعنى الشرط ، والحكم يضاف إلى الشرط وجودا عنده كما يضاف إلى السبب ثبوتا به ، فإذا كان الخلط بفعل آدمي ، وهو سبب صالح لإضافة الملك إليه في المخلوط يصير مضافا إليه ، وعند انعدام الفعل يكون مضافا إلى المحل فلهذا كان المخلوط لهما .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 369.12 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 363.27 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (1.58%)]