|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#2
|
||||
|
||||
|
وسائل فضّ المنازعات في ضوء الهدي القرآني (2-٢)
فرح خالد العازمي ما زال حديثنا مستمرًا عن النهج القرآني وتأكيده الدائم على الإصلاح وإقامة العدل في العلاقات الإنسانية؛ حيث يُبرز المنهج القرآني حضورًا واضحًا لمبدأ الإصلاح وتحقيق العدل بوصفهما ركيزتين أساسيتين في بناء العلاقات الإنسانية وحلّ النزاعات؛ حيث دعا القرآن إلى اعتماد مختلف وسائل فضّ الخصومات، سواء عبر الطرائق القضائية التقليدية أو من خلال الوسائل البديلة الحديثة، كالتحكيم والوساطة والمفاوضات المباشرة، وقد أمر الله -تعالى- بالحكم بالقسط في قوله: {فَإِن جاءوكَ فَاحكُم بَينَهُم أَو أَعرِض عَنهُم، وَإِن حَكَمتَ فَاحكُم بَينَهُم بِالقِسطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقسِطينَ}، مبينًا أن إقامة العدل شرطٌ لكل حلٍّ ناجح، كما أرشد القرآن إلى منهج عملي للإصلاح عند احتمال وقوع الخصومة. أُسْلُـوبُ المُجَادَلَـةِ فِـي القُـرْآنِ يمكن اعتبار أسلوب المجادلة القرآني بمثابة خارطة طريق، توضح كيفية الرد على الافتراضات الباطلة، وتقديم الأدلة القاطعة بطريقة تضمن عدم التصعيد، والابتعاد عن التوترات غير الضرورية، وقبل أن نستعرض الكيفية التي أمرنا الله بها في مجادلة الآخرين، يجب أولًا أن نفهم طبيعة الباطل كما عرضها لنا القرآن الكريم.
(1) الأسلوب النبوي في تبليغ الرسالة أول ما يلفت النظر أن الخطاب الإلهي موجّه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو أصدق الناس وأحكمهم، فيقول له -تعالى-: {فَبِمَا رَحمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُم}، مبينًا أن اللين هو مفتاح التأثير، وأن الغلظة سببٌ لنفور الناس: {وَلَو كُنتَ فَظًّا غَليظَ القَلبِ لَانفَضّوا مِن حَولِكَ}. فإذا كان هذا توجيهًا لمن عصمه الله من الخطأ، فكيف بمن يحاور اليوم في قضايا معقدة ويخوض نزاعات لا يملك فيها عصمة؟ وفي موقف موسى وهارون -عليهما السلام- مع فرعون، يأمرهما الله بالقول الليّن رغم طغيانه: {فَقُولَا لَهُ قَولًا لَيِّنًا}؛ فالحكمة الربانية تبيّن أن الهدف من الجدال ليس الانتصار للنفس، بل إصلاح المخالف واستمالة قلبه، وهذا درس لكل دارس لوسائل فضّ المنازعات بأن اللين قوة لا ضعف، وأنه سبيل أمثل لتحقيق النتائج. وفي قصة يوسف -عليه السلام- مثال بديع للصفاء النفسي بعد النزاع؛ فقد عفا عن إخوته رغم ما لحقه منهم من أذى، وقال: {لَا تَثريبَ عَلَيكُمُ اليَومَ}، ثم نسب الخلاف للشيطان بقوله: {مِن بَعدِ أَن نَزَغَ الشَّيطانُ بَيني وَبَينَ إِخوتي}، وهو من أرقى النماذج على تغليب مصلحة الإصلاح على دوافع الانتقام، وهذه روح جوهرية في التسويات والصلح؛ إذ يقدم المتخاصمون التنازلات حفاظًا على الروابط الأسريّة والمجتمعية. (2) الأمر القرآني بإحسان القول يؤسس القرآن منهجًا شاملًا في حسن مخاطبة الآخرين، قائمًا على اللين والاحترام؛ فالله -تعالى- يأمر بقوله: {وَقُولوا لِلنّاسِ حُسنًا}، ويوصي باستعمال أجمل العبارات في قول الحق: {وَقُل لِعِبادِي يَقولوا الَّتي هِيَ أَحسَنُ إِنَّ الشَّيطانَ يَنزَغُ بَينَهُم}؛ فاختيار العبارات الحسنة يحفظ وحدة المجتمع، ويقطع الطريق على الشيطان. وتأتي قاعدة عظيمة في قوله -تعالى-: {ادفَع بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ}؛ أي قابل السيئة بالحسنة، والغضب بالحلم، والجهل بالصبر. وقد ذكر ابن عباس أن هذه الأخلاق تُورث الإنسان الحكمة، وتصنع من عدوه وليا قريبًا، كما في تتمة الآية: {فَإِذا الَّذي بَينَكَ وَبَينَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَميمٌ}. وهذا يفتح الباب لتسكين النزاعات الاجتماعية والأسرية؛ حيث تتوتر النفوس وتتباعد الآراء، فيأتي خُلُق الدفع بالأحسن وسيلة للتهدئة. ويظهر هذا المنهج جليا في الدعوة إلى الله: {ادعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجادِلهُم بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ}، كما يظهر في الحوار مع أهل الكتاب: {وَلَا تُجادِلوا أَهلَ الكِتابِ إِلّا بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ}، وهو دليل على أن اللين منهج عام لا يُستثنى منه حتى من يختلف مع المسلم عقيدةً. (٣) الوفاء بالعقود حتى مع المخالفين ويمتد هذا المبدأ ليشمل الوفاء بالعقود حتى مع المخالفين، كما في قوله -تعالى-: {فَمَا استَقاموا لَكُم فَاستَقيموا لَهُم}؛ إذ يربط القرآن الوفاء بالعهد بالتقوى، ويجعلها قيمة أخلاقية لا تتغير بتغير الهوية الدينية للطرف الآخر، وفي سياق النزاعات، يذكّر القرآن بضرورة عدم نسيان الفضل السابق: {وَلَا تَنسَوُا الفَضلَ بَينَكُم}؛ لأن لحظة الخصومة تُنسي بعض الناس الخير المتبادل، فيعيد القرآن التذكير به لصيانة العلاقات الإنسانية من التصدع. كما يؤكد القرآن ضرورة العدل المطلق حتى في مناخ العداوة: {وَلَا يَجرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ عَلى أَلّا تَعدِلوا}، ويجعل العدل هو الطريق إلى التقوى، بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يأمر بالعدل مع النفس والأقارب: {كونوا قَوّامينَ بِالقِسطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَو عَلى أَنفُسِكُم}؛ فإقامة الحق لا ينبغي أن تُعطّلها عاطفة أو قرابة أو مصالح شخصية؛ لأن العدل أساس استقرار المجتمعات وأمنها. ومن أنواع الظلم التي يقع فيها بعض الأطراف < عند النزاع: الغش والتطفيف، وقد توعّد الله هؤلاء بقوله: {وَيلٌ لِلمُطَفِّفينَ}، الذين يأخذون حقوقهم كاملة ويُنقصون حقوق غيرهم. كما نهى عن وسائل التجسس وتتبع العثرات؛ لأنها تُنتج أجواءً من الريبة والعداوة: {وَلَا تَجَسَّسوا وَلَا يَغتَب بَعضُكُم بَعضًا}، وفي هذا تأكيد أن النزاعات يجب ألا تجرّ الإنسان إلى أخلاق محرّمة بحجة الدفاع عن الحق.
خلاصة القول يرسم القرآن منهجًا فريدًا في إدارة الخلاف والمجادلة، قائمًا على العدل واللين والحكمة، وهو منهج يوازن بين قوة الحق ورقّة الأسلوب، ويضع قواعد تحكم الكلمة، وتضبط الخطاب، وتحفظ السلم الاجتماعي، ويؤكد القرآن أن الحق لا ينتصر بالحدة، ولا يزول الباطل بالضجيج، وأن العدل قيمة عليا لا تتغير بتغير الأشخاص أو الظروف، وأن الأصل في الخطاب هو الإحسان، وفي النزاع الإصلاح، وفي الخصومة تذكّر الفضل، وفي القول الطيب الثابت. اعداد: forqan
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |