|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#431
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (11) تفسير سورة يس من صـ 350 الى صــ 362 الحلقة (431) الزبيري حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كانت منازل الأنصار متباعدة من المسجد فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد فنزلت "ونكتب ما قدموا وآثارهم" فقالوا نثبت مكاننا هكذا رواه وليس فيه شيء مرفوع ورواه الطبراني عن عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم عن محمد بن يوسف الفريابي عن إسرائيل عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد فأرادوا أن يتحولوا إلى المسجد فنزلت "ونكتب ما قدموا وآثارهم" فثبتوا في منازلهم . "الحديث الرابع" قال الإمام أحمد حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال توفي رجل بالمدينة فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : "يا ليته مات في غير مولده" فقال رجل من الناس ولم يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الرجل إذا توفي في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة" ورواه النسائي عن يونس بن عبد الأعلى وابن ماجه عن حرملة كلاهما عن ابن وهب عن حيي بن عبد الله به وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا أبو تميلة حدثنا الحسين عن ثابت قال مشيت مع أنس رضي الله عنه فأسرعت المشي فأخذ بيدي فمشينا رويدا فلما قضينا الصلاة قال أنس مشيت مع زيد بن ثابت فأسرعت المشي فقال يا أنس أما شعرت أن الآثار تكتب ؟ وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى والله أعلم وقوله تعالى : "وكل شيء أحصيناه في إمام مبين" أي وجميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ والإمام المبين ههنا هو أم الكتاب قاله مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وكذا في قوله تعالى "يوم ندعو كل أناس بإمامهم" أي بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير أو شر كما قال عز وجل "ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء" وقال تعالى : "ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا" . واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون يقول تعالى واضرب يا محمد لقومك الذين كذبوك "مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون" قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما وكعب الأحبار ووهب بن منبه إنها مدينة أنطاكية وكان بها ملك يقال له أنطيخس بن أنطيخس بن أنطيخس وكان يعبد الأصنام فبعث الله تعالى إليه ثلاثة من الرسل وهم صادق وصدوق وشلوم فكذبهم وهكذا روي عن بريدة بن الخصيب وعكرمة وقتادة والزهري أنها أنطاكية وقد استشكل بعض الأئمة كونها أنطاكية بما سنذكره بعد تمام القصة إن شاء الله تعالى . إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون (14) إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون وقوله تعالى : "إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما" أي بادروهما بالتكذيب "فعززنا بثالث" أي قويناهما وشددنا أزرهما برسول ثالث . قال ابن جريج عن وهب بن سليمان عن شعيب الجبابي قال كان اسم الرسولين الأولين شمعون ويوحنا واسم الثالث بولص والقرية أنطاكية "فقالوا" أي لأهل تلك القرية "إنا إليكم مرسلون" أي من ربكم الذي خلقكم يأمركم بعبادته وحده لا شريك له وقاله أبو العالية وزعم قتادة أنهم كانوا رسل المسيح عليه السلام إلى أهل أنطاكية قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون (15) قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون "قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا" أي فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر فلم لا أوحي إلينا مثلكم ولو كنتم رسلا لكنتم ملائكة وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله عز وجل "ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا" أي استعجبوا من ذلك وأنكروه وقوله تعالى : "قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين" وقوله تعالى حكاية عنهم في قوله تعالى "ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون" وقوله تعالى : "وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا" . قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ولهذا قال هؤلاء "ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون" أي أجابتهم رسلهم الثلاثة قائلين الله يعلم أنا رسله إليكم ولو كنا كذبة عليه لانتقم منا أشد الانتقام ولكنه سيعزنا وينصرنا عليكم وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار كقوله تعالى : "قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السموات وما في الأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون" . وما علينا إلا البلاغ المبين (17) وما علينا إلا البلاغ المبين "وما علينا إلا البلاغ المبين" يقولون إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم فإذا أطعتم كانت لكم السعادة في الدنيا والأخرى وإن لم تجيبوا فستعلمون غب ذلك والله أعلم . قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم (18) قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم فعند ذلك قال لهم أهل القرية "إنا تطيرنا بكم" أي لم نر على وجوهكم خيرا في عيشنا . وقال قتادة يقولون إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم . وقال مجاهد يقولون لم يدخل مثلكم إلى قرية إلا عذب أهلها "لئن لم تنتهوا لنرجمنكم" قال قتادة بالحجارة وقال مجاهد بالشتم "وليمسنكم منا عذاب أليم" أي عقوبة شديدة فقالت لهم رسلهم . قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (19) قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون "طائركم معكم" أي مردود عليكم كقوله تعالى في قوم فرعون "فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا" هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله "وقال قوم صالح" اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله "وقال قتادة ووهب بن منبه أي أعمالكم معكم ." وقال عز وجل "وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا" وقوله تعالى : "أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون" أي من أجل أنا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله وإخلاص العبادة له قابلتمونا بهذا الكلام وتوعدتمونا وتهددتمونا بل أنتم قوم مسرفون . وقال قتادة أي إن ذكرناكم بالله تطيرتم منا بل أنتم قوم مسرفون . وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين (20) وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما وكعب الأحبار ووهب بن منبه أن أهل القرية هموا بقتل رسلهم فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى أي لينصرهم من قومه قالوا وهو حبيب وكان يعمل الحرير وهو الحياك وكان رجلا سقيما قد أسرع فيه الجذام وكان كثير الصدقة يتصدق بنصف كسبه مستقيم الفطرة وقال ابن إسحاق عن رجل سماه عن الحكم عن مقسم أو مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال اسم صاحب يس حبيب وكان الجذام قد أسرع فيه . وقال الثوري عن عاصم الأحول عن أبي مجلز كان اسمه حبيب بن سري وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال اسم صاحب يس حبيب النجار فقتله قومه وقال السدي كان قصارا وقال عمر بن الحكم كان إسكافا وقال قتادة كان يتعبد في غار هناك "قال يا قوم اتبعوا المرسلين" يحض قومه على اتباع الرسل الذين أتوهم . اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون (21) اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون "اتبعوا من لا يسألكم أجرا" أي على إبلاغ الرسالة "وهم مهتدون" فيما يدعونكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له . وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون (22) وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون "وما لي لا أعبد الذي فطرني" أي وما يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لا شريك له "وإليه ترجعون" أي يوم المعاد فيجازيكم على أعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر . أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون (23) أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون "أأتخذ من دونه آلهة" استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع "إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون" أي هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه لا يملكون من الأمر شيئا فإن الله تعالى لو أرادني بسوء "فلا كاشف له إلا هو" وهذه الأصنام لا تملك دفع ذلك ولا منعه ولا ينقذونني مما أنا فيه . إني إذا لفي ضلال مبين (24) إني إذا لفي ضلال مبين "إني إذا لفي ضلال مبين" أي إن اتخذتها آلهة من دون الله . إني آمنت بربكم فاسمعون (25) إني آمنت بربكم فاسمعون وقوله تعالى : "إني آمنت بربكم فاسمعون" قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما وكعب ووهب يقول لقومه "إني آمنت بربكم" الذي كفرتم به "فاسمعون" أي فاسمعوا قولي ويحتمل أن يكون خطابه للرسل بقوله "إني آمنت بربكم" أي الذي أرسلكم "فاسمعون" أي فاشهدوا لي بذلك عنده وقد حكاه ابن جرير فقال وقال آخرون بل خاطب بذلك الرسل وقال لهم اسمعوا قولي لتشهدوا لي بما أقول لكم عند ربي إني آمنت بربكم واتبعتكم وهذا القول الذي حكاه عن هؤلاء أظهر في المعنى والله أعلم . قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما وكعب ووهب رضي الله عنهم فلما قال ذلك وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه ولم يكن له أحد يمنع عنه وقال قتادة جعلوا يرجمونه بالحجارة وهو يقول اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون فلم يزالوا به حتى أقعصوه وهو يقول كذلك فقتلوه رحمه الله . قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون (26) قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي قال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود رضي الله عنه أنهما وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصه من دبره وقال الله له "ادخل الجنة" فدخلها فهو يرزق فيها قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحزنها ونصبها وقال مجاهد قيل لحبيب النجار ادخل الجنة وذلك أنه قتل فوجبت له فلما رأى الثواب "قال يا ليت قومي يعلمون" قال قتادة لا تلقى المؤمن إلا ناصحا لا تلقاه غاشا لما عاين ما عاين من كرامة الله تعالى "قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين" تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هجم عليه وقال ابن عباس نصح قومه في حياته بقوله "يا قومي اتبعوا المرسلين" وبعد مماته في قوله "يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين" رواه ابن أبي حاتم وقال سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أبي مجلز . بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين (27) بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين "بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين" بإيماني بربي وتصديقي المرسلين ومقصوده أنهم لو اطلعوا على ما حصل لي من الثواب والجزاء والنعيم المقيم لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل فرحمه الله ورضي عنه فلقد كان حريصا على هداية قومه . قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هشام بن عبيد الله حدثنا ابن جابر هو محمد عن عبد الملك يعني ابن عمير قال : قال عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم ابعثني إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إني أخاف أن يقتلوك" فقال لو وجدوني نائما ما أيقظوني فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "انطلق" فانطلق فمر على اللات والعزى فقال لأصبحنك غدا بما يسوءك فغضبت ثقيف فقال يا معشر ثقيف إن اللات لا لات وإن العزى لا عزى أسلموا تسلموا يا معشر الأحلاف إن العزى لا عزى وإن اللات لا لات أسلموا تسلموا قال ذلك ثلاث مرات فرماه رجل فأصاب أكحله فقتله فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "هذا مثله كمثل صاحب يس" قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين "." وقال محمد بن إسحاق عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم أنه حدث عن كعب الأحبار أنه ذكر له حبيب بن زيد بن عاصم أخو بني مازن بن النجار الذي كان مسيلمة الكذاب قطعه باليمامة حين جعل يسأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول له أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ فيقول نعم ثم يقول أتشهد أني رسول الله فيقول لا أسمع فيقول له مسيلمة لعنه الله أتسمع هذا ولا تسمع ذاك ؟ فيقول نعم فجعل يقطعه عضوا عضوا كلما سأله لم يزده على ذلك حتى مات في يديه فقال كعب حين قيل له اسمه حبيب وكان والله صاحب يس اسمه حبيب . وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين (28) وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين وقوله تبارك وتعالى "وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين" يخبر تعالى أنه انتقم من قومه بعد قتلهم إياه غضبا منه تبارك وتعالى عليهم لأنهم كذبوا رسله وقتلوا وليه ويذكر عز وجل أنه ما أنزل عليهم وما احتاج في إهلاكه إياهم إلى إنزال جند من الملائكة عليهم بل الأمر كان أيسر من ذلك . قاله ابن مسعود فيما رواه ابن إسحاق عن بعض أصحابه أنه قال في قوله تعالى : "وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين" أي ما كاثرناهم بالجموع الأمر كان أيسر علينا من ذلك . إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (29) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون "إن كانت إلا صيحه واحدة فإذا هم خامدون" قال فأهلك الله تعالى ذلك الملك وأهل أنطاكية فبادوا عن وجه الأرض فلم يبق منهم باقية وقيل "وما كنا منزلين" أي وما كنا ننزل الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم بل نبعث عليهم عذابا يدمرهم وقيل المعنى في قوله تعالى "وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء" أي من رسالة أخرى إليهم قاله مجاهد وقتادة قال قتادة فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله "إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون" قال ابن جرير والأول أصح لأن الرسالة لا تسمى جندا . قال المفسرون بعث الله تعالى إليهم جبريل عليه الصلاة والسلام فأخذ بعضادتي باب بلدهم ثم صاح فيهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون عن آخرهم لم يبق فيهم روح تتردد في جسد وقد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من عند المسيح عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام كما نص عليه قتادة وغيره وهو الذي لم يذكر عن واحد من متأخري المفسرين غيره وفي ذلك نظر من وجوه "أحدها" أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله عز وجل لا من جهة المسيح عليه السلام كما قال تعالى : "إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون - إلى أن قالوا - ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين" ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح عليه السلام والله تعالى أعلم ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم "إن أنتم إلا بشر مثلنا" الثاني "أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتاركة وهن القدس لأنها بلد المسيح وأنطاكية لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها والإسكندرية لأن فيها اصطلحوا على اتخاذ البتاركة والمطارنة والأساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين ." ثم رومية لأنها مدينة الملك قسطنطين الذي نصر دينهم وأوطده ولما ابتنى القسطنطينية نقلوا البترك من رومية إليها كما ذكره غير واحد ممن ذكر تواريخهم كسعيد بن بطريق وغيره من أهل الكتاب والمسلمين فإذا تقرر أن أنطاكية أول مدينة آمنت فأهل هذه القرية ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم والله أعلم "الثالث" أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة وقد ذكر أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وغير واحد من السلف أن الله تبارك وتعالى بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين ذكروه عند قوله تبارك وتعالى : "ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى" فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة في القرآن قرية أخرى غير أنطاكية كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضا أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظا في هذه القصة مدينة أخرى غير هذه المشهورة المعروفة فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا الحسين بن إسحاق التستري حدثنا الحسين بن أبي السري العسقلاني حدثنا حسين الأشقر حدثنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "السبق ثلاثة : فالسابق إلى موسى عليه الصلاة والسلام يوشع بن نون والسابق إلى عيسى عليه الصلاة والسلام صاحب يس والسابق إلى محمد صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه" فإنه حديث منكر لا يعرف إلا من طريق حسين الأشقر وهو شيعي متروك والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب . يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون (30) يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : "يا حسرة على العباد" أي يا ويل العباد وقال قتادة "يا حسرة على العباد" أي يا حسرة العباد على أنفسهم على ما ضيعت من أمر الله وفرطت في جنب الله وفي بعض القراءات "يا حسرة العباد على أنفسها" ومعنى هذا يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب كيف كذبوا رسل الله وخالفوا أمر الله فإنهم كانوا في الدار الدنيا المكذبون منهم "ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون" أي يكذبونه ويستهزئون به ويجحدون ما أرسل به من الحق . ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (31) ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون ثم قال تعالى : "ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون" أي ألم يتعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل كيف لم يكن لهم إلى هذه الدنيا كرة ولا رجعة ولم يكن الأمر كما زعم كثير من جهلتهم وفجرتهم من قولهم "إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا" وهم القائلون بالدور من الدهرية وهم الذين يعتقدون جهلا منهم أنهم يعودون إلى الدنيا كما كانوا فيها فرد الله تبارك وتعالى عليهم باطلهم فقال تبارك وتعالى "ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون" . وإن كل لما جميع لدينا محضرون (32) وإن كل لما جميع لدينا محضرون وقوله عز وجل "وإن كل لما جميع لدينا محضرون" أي وإن جميع الأمم الماضية والآتية ستحضر للحساب يوم القيام بين يدي الله جل وعلا فيجازيهم بأعمالهم كلها خيرها وشرها ومعنى هذه كقوله جل وعلا "وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم" وقد اختلف القراء في أداء هذا الحرف فمنهم من قرأ "وإن كل لما" بالتخفيف فعنده أن إن للإثبات ومنهم من شدد "لما" وجعل إن نافية ولما بمعنى إلا تقديره وما كل إلا جميع لدينا محضرون ومعنى القراءتين واحد والله سبحانه وتعالى أعلم . وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون (33) وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون يقول تبارك وتعالى "وآية لهم" أي دلالة لهم على وجود الصانع وقدرته التامة وإحيائه الموتى "الأرض الميتة" أي إذا كانت ميتة هامدة لا شيء فيها من النبات فإذا أنزل الله تعالى عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ولهذا قال تعالى : "أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون" أي جعلنا رزقا لهم ولأنعامهم . وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون (34) وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون "وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون" أي جعلنا فيها أنهارا سارحة في أمكنة يحتاجون إليها . ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (35) ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون "ليأكلوا من ثمره" ; لما امتن على خلقه بإيجاد الزروع لهم عطف بذكر الثمار وتنوعها وأصنافها وقوله جل وعلا "وما عملته أيديهم" أي وما ذاك كله إلا من رحمة الله تعالى بهم لا بسعيهم ولا كدهم ولا بحولهم وقوتهم قاله ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة ولهذا قال تعالى "أفلا يشكرون" أي فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى واختار ابن جرير - بل جزم به ولم يحك غيره إلا احتمالا - أن ما في قوله تعالى : "وما عملته أيديهم" بمعنى الذي تقديره ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم أي غرسوه ونصبوه قال وهي كذلك في قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه "ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم أفلا يشكرون" . سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ثم قال تبارك وتعالى "سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض" أي من زروع وثمار ونبات "ومن أنفسهم" فجعلهم ذكرا وأنثى "ومما لا يعلمون" أي من مخلوقات شتى لا يعرفونها كما قال جلت عظمته "ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون" . وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون يقول تعالى ومن الدلالة لهم على قدرته تبارك وتعالى العظيمة خلق الليل والنهار هذا بظلامه وهذا بضيائه وجعلهما يتعاقبان يجيء هذا فيذهب هذا ويذهب هذا فيجيء هذا كما قال تعالى : "يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا" ولهذا قال عز وجل ههنا "وآية لهم الليل نسلخ منه النهار" أي نصرمه منه فيذهب فيقبل الليل ولهذا قال تبارك وتعالى "فإذا هم مظلمون" كما جاء في الحديث "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" هذا هو الظاهر من الآية وزعم قتادة أنها كقوله تعالى : "يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل" وقد ضعف ابن جرير قول قتادة ههنا وقال إنما معنى الإيلاج الأخذ من هذا في هذا وليس هذا مرادا في هذه الآية وهذا الذي قاله ابن جرير حق . والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم وقوله جل جلاله "والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم" في معنى قوله "لمستقر لها" قولان أحدهما أن المراد مستقرها المكاني وهو تحت العرش مما يلي الأرض في ذلك الجانب وهي أينما كانت فهي تحت العرش وجميع المخلوقات لأنه سقفها وليس بكرة كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة وإنما هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة وهو فوق العالم مما يلي رءوس الناس فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون إلى العرش فإذا استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام وهو وقت نصف الليل صارت أبعد ما تكون إلى العرش فحينئذ تسجد وتستأذن في الطلوع كما جاءت بذلك الأحاديث قال البخاري حدثنا أبو نعيم حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر رضي الله عنه قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس فقال صلى الله عليه وسلم "يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس ؟" قلت الله ورسوله أعلم قال صلى الله عليه وسلم . " فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فذلك قوله تعالى : "والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم" حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي حدثنا وكيع عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تبارك وتعالى : " والشمس تجري لمستقر لها "قال صلى الله عليه وسلم" مستقرها تحت العرش "هكذا أورده ههنا وقد أخرجه في أماكن متعددة ورواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن الأعمش به وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن عبيد عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد حين غربت الشمس فقال صلى الله عليه وسلم" يا أبا ذر أتدري أين تذهب الشمس ؟ "قلت الله ورسوله أعلم قال صلى الله عليه وسلم" فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها عز وجل فتستأذن في الرجوع فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت فترجع إلى مطلعها وذلك مستقرها "ثم قرأ" والشمس تجري لمستقر لها "قال سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر رضي" الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس "أتدري أين تذهب ؟" قلت الله ورسوله أعلم قال صلى الله عليه وسلم "فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها ويقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى :" والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم "." وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن وهب بن جابر عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال في قوله تعالى : "والشمس تجري لمستقر لها" قال إن الشمس تطلع فتردها ذنوب بني آدم حتى إذا غربت سلمت وسجدت واستأذنت فيؤذن لها حتى إذا كان يوم غربت فسلمت وسجدت واستأذنت فلا يؤذن لها فتقول إن المسير بعيد وإني إن لا يؤذن لي لا أبلغ فتحبس ما شاء الله أن تحبس ثم يقال لها اطلعي من حيث غربت قال فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا وقيل المراد بمستقرها هو انتهاء سيرها وهو غاية ارتفاعها في السماء في الصيف وهو أوجها ثم غاية انخفاضها في الشتاء وهو الحضيض "والقول الثاني" أن المراد بمستقرها هو منتهى سيرها وهو يوم القيامة يبطل سيرها وتسكن حركتها وتكور وينتهي هذا العالم إلى غايته وهذا هو مستقرها الزماني قال قتادة "لمستقر لها" أي لوقتها ولأجل لا تعدوه وقيل المراد أنها لا تزال تنتقل في مطالعها الصيفية إلى مدة لا تزيد عليها ثم تنتقل في مطالع الشتاء إلى مدة لا تزيد عليها يروى هذا عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما . وقرأ ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم "والشمس تجري لا مستقر لها" أي لا قرار لها ولا سكون بل هي سائرة ليلا ونهارا لا تفتر ولا تقف كما قال تبارك وتعالى "وسخر لكم الشمس والقمر دائبين" أي لا يفتران ولا يقفان إلى يوم القيامة "ذلك تقدير العزيز" أي الذي لا يخالف ولا يمانع "العليم" بجميع الحركات والسكنات وقد قدر ذلك ووقته على منوال لا اختلاف فيه ولا تعاكس كما قال عز وجل ![]()
__________________
|
|
#432
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (11) تفسير سورة يس من صـ 363 الى صــ 375 الحلقة (432) "فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم" وهكذا ختم آية حم السجدة بقوله تعالى : "ذلك تقدير العزيز العليم" . والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ثم قال جل وعلا "والقمر قدرناه منازل" أي جعلناه يسير سيرا آخر يستدل به على مضي الشهور كما أن الشمس يعرف بها الليل والنهار كما قال عز وجل "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج" . وقال تعالى : "هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب" الآية وقال تبارك وتعالى : "وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا" فجعل الشمس لها ضوء يخصها والقمر له نور يخصه وفاوت بين سير هذه وهذا فالشمس تطلع كل يوم وتغرب في آخره على ضوء واحد ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفا وشتاء يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل ثم يطول الليل ويقصر النهار وجعل سلطانها بالنهار فهي كوكب نهاري وأما القمر فقدره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور ثم يزداد نورا في الليلة الثانية ويرتفع منزلة ثم كلما ارتفع ازداد ضياء وإن كان مقتبسا من الشمس حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر حتى يصير كالعرجون القديم . قال ابن عباس رضي الله عنهما وهو أصل العذق . وقال مجاهد العرجون القديم أي العذق اليابس يعني ابن عباس رضي الله عنهما أصل العنقود من الرطب إذا عتق ويبس وانحنى وكذا قال غيرهما ثم بعد هذا يبديه الله تعالى جديدا في أول الشهر الآخر والعرب تسمي كل ثلاث ليال من الشهر باسم باعتبار القمر فيسمون الثلاث الأول غرر واللواتي بعدها نقل واللواتي بعدها تسع لأن أخراهن التاسعة واللواتي بعدها عشر لأن أولاهن العاشرة واللواتي بعدها البيض لأن ضوء القمر فيهن إلى آخرهن واللواتي بعدهن درع جمع درعاء لأن أولهن أسود لتأخر القمر في أولهن منه ومنه الشاة الدرعاء وهي التي رأسها أسود وبعدهن ثلاث ظلم ثم ثلاث حنادس وثلاث دآدي وثلاث محاق لانمحاق القمر أو الشهر فيهن وكان أبو عبيدة رضي الله عنه ينكر التسع والعشر . كذا قال في كتاب غريب المصنف . لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون (40) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون وقوله تبارك وتعالى : "لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر" قال مجاهد لكل منهما حد لا يعدوه ولا يقصر دونه إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الحسن في قوله تعالى : "لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر" قال ذلك ليلة الهلال . وروى ابن أبي حاتم ههنا عن عبد الله بن المبارك أنه قال إن للريح جناحا وإن القمر يأوي إلى غلاف من الماء وقال الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح لا يدرك هذا ضوء هذا ولا هذا ضوء هذا . وقال عكرمة في قوله عز وجل "لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر" يعني أن لكل منهما سلطانا فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل . وقوله تعالى : "ولا الليل سابق النهار" يقول لا ينبغي إذا كان الليل أن يكون ليل آخر حتى يكون النهار فسلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل وقال الضحاك لا يذهب الليل من ههنا حتى يجيء النهار من ههنا وأومأ بيده إلى المشرق وقال مجاهد "ولا الليل سابق النهار" يطلبان حثيثين يسلخ أحدهما من الآخر والمعنى في هذا أنه لا فترة بين الليل والنهار بل كل منهما يعقب الآخر بلا مهلة ولا تراخ لأنهما مسخران دائبين يتطالبان طلبا حثيثا . وقوله تبارك وتعالى "وكل في فلك يسبحون" يعني الليل والنهار والشمس والقمر كلهم يسبحون أي يدورون في فلك السماء . قاله ابن عباس وعكرمة والضحاك والحسن وقتادة وعطاء الخراساني وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في فلك بين السماء والأرض . رواه ابن أبي حاتم وهو غريب جدا بل منكر قال ابن عباس رضي الله عنهما وغير واحد من السلف في فلكة كفلكة المغزل وقال مجاهد الفلك كحديد الرحى أو كفلكة المغزل لا يدور المغزل إلا بها ولا تدور إلا به . وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون يقول تبارك وتعالى ودلالة لهم أيضا على قدرته تبارك وتعالى تسخيره البحر ليحمل السفن فمن ذلك بل أوله سفينة نوح عليه الصلاة والسلام التي أنجاه الله تعالى فيها بمن معه من المؤمنين الذين لم يبق على وجه الأرض من ذرية آدم عليه الصلاة والسلام غيرهم ولهذا قال عز وجل "وآية لهم أنا حملنا ذريتهم" أي آباءهم "في الفلك المشحون" أي في السفينة المملوءة من الأمتعة والحيوانات التي أمره الله تبارك وتعالى أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين قال ابن عباس رضي الله عنهما المشحون الموقر وكذا قال سعيد بن جبير والشعبي وقتادة والسدي وقال الضحاك وقتادة وابن زيد وهي سفينة نوح عليه الصلاة والسلام . وخلقنا لهم من مثله ما يركبون (42) وخلقنا لهم من مثله ما يركبون وقوله جل وعلا "وخلقنا لهم من مثله ما يركبون" قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما يعني بذلك الإبل فإنها سفن البر يحملون عليها ويركبونها وكذا قال عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة في رواية عبد الله بن شداد وغيرهم وقال السدي في رواية هي الأنعام . وقال ابن جرير حدثنا الفضل بن الصباح حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أتدرون ما قوله تعالى "وخلقنا لهم من مثله ما يركبون" ؟ قلنا لا قال هي السفن جعلت من بعد سفينة نوح عليه الصلاة والسلام على مثلها وكذا قال أبو مالك والضحاك وقتادة وأبو صالح والسدي أيضا المراد بقوله تعالى : "وخلقنا لهم من مثله ما يركبون" أي السفن ويقوي هذا المذهب في المعنى قوله جل وعلا "إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية" . وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون وقوله عز وجل "وإن نشأ نغرقهم" يعني الذين في السفن "فلا صريخ لهم" أي فلا مغيث لهم مما هم فيه "ولا هم ينقذون" أي مما أصابهم . إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين (44) إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين "إلا رحمة منا" وهذا استثناء منقطع تقديره ولكن برحمتنا نسيركم في البر والبحر ونسلمكم إلى أجل مسمى ولهذا قال تعالى : "ومتاعا إلى حين" أي إلى وقت معلوم عند الله عز وجل . وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون (45) وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون يقول تعالى مخبرا عن تمادي المشركين في غيهم وضلالهم وعدم اكتراثهم بذنوبهم التي أسلفوها وما يستقبلون بين أيديهم يوم القيامة "وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم" قال مجاهد من الذنوب وقال غيره بالعكس "لعلكم ترحمون" أي لعل الله باتقائكم ذلك يرحمكم ويؤمنكم من عذابه وتقدير الكلام أنهم لا يجيبون إلى ذلك بل يعرضون عنه . وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين واكتفى عن ذلك بقوله تعالى : "وما تأتيهم من آية من آيات ربهم" أي على التوحيد وصدق الرسل "إلا كانوا عنها معرضين" أي لا يتأملونها ولا يقبلونها ولا ينتفعون بها . وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (47) وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين وقوله عز وجل "وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله" أي وإذا أمروا بالإنفاق مما رزقهم الله على الفقراء والمحاويج من المسلمين "قال الذين كفروا للذين آمنوا" أي عن الذين آمنوا من الفقراء أي قالوا لمن أمرهم من المؤمنين بالإنفاق محاجين لهم فيما أمروهم به "أنطعم من لو يشاء الله أطعمه" أي وهؤلاء الذين أمرتمونا بالإنفاق عليهم لو شاء الله لأغناهم ولأطعمهم من رزقه فنحن نوافق مشيئة الله تعالى فيهم "إن أنتم إلا في ضلال مبين" أي في أمركم لنا بذلك قال ابن جرير ويحتمل أن يكون من قول الله عز وجل للكفار حين ناظروا المومنين وردوا عليهم فقال لهم "إن أنتم إلا في ضلال مبين" وفي هذا نظر والله أعلم . ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين يخبر تعالى عن استبعاد الكفرة لقيام الساعة في قولهم "متى هذا الوعد" يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها "." ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون (49) ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون قال الله عز وجل "ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون" أي ما ينتظرون إلا صيحة واحدة وهذه والله أعلم نفخة الفزع ينفخ في الصور نفخة الفزع والناس في أسواقهم ومعايشهم يختصمون ويتشاجرون على عادتهم فبينما هم كذلك إذ أمر الله عز وجل إسرافيل فنفخ في الصور نفخة يطولها ويمدها فلا يبقى أحد على وجه الأرض إلا أصغى ليتا ورفع ليتا وهي صفحة العنق يتسمع الصوت من قبل السماء ثم يساق الموجودون من الناس إلى محشر القيامة بالنار تحيط بهم من جوانبهم . فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (50) فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ولهذا قال تعالى : "فلا يستطيعون توصية" أي على ما يملكونه , الأمر أهم من ذلك "ولا إلى أهلهم يرجعون" وقد وردت ههنا آثار وأحاديث ذكرناها في موضع آخر ثم يكون بعد هذا نفخة الصعق التي تموت بها الأحياء كلهم ما عدا الحي القيوم ثم بعد ذلك نفخة البعث . ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون (51) ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون هذه هي النفخة الثالثة وهي نفخة البعث والنشور للقيام من الأجداث والقبور ولهذا قال تعالى : "فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون" والنسلان هو المشي السريع كما قال تعالى : "يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون" . قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق "قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا" يعنون قبورهم التي كانوا يعتقدون في الدار الدنيا أنهم لا يبعثون منها فلما عاينوا ما كذبوا به في محشرهم "قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا" وهذا لا ينفي عذابهم في قبورهم لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرقاد. قال أبي بن كعب رضي الله عنه ومجاهد والحسن وقتادة ينامون نومة قبل البعث قال قتادة وذلك بين النفختين فلذلك يقولون من بعثنا من مرقدنا فإذا قالوا ذلك أجابهم المؤمنون - قاله غير واحد من السلف - "هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون" وقال الحسن إنما يجيبهم بذلك الملائكة ولا منافاة إذ الجمع ممكن والله سبحانه وتعالى أعلم . وقال عبد الرحمن بن زيد : الجميع من قول الكفار "يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون" نقله ابن جرير واختار الأول , وهو أصح وذلك كقوله تبارك وتعالى في الصافات "وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون" وقال الله عز وجل "ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون" . إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون (53) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون وقوله تعالى : "إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون" كقوله عز وجل "فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة" وقال جلت عظمته "وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب" وقال جل جلاله "يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا" أي إنما نأمرهم أمرا واحدا فإذا الجميع محضرون . فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون (54) فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون "فاليوم لا تظلم نفس شيئا" أي من عملها "ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون" . إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون يخبر تعالى عن أهل الجنة أنهم يوم القيامة إذا ارتحلوا من العرصات فنزلوا في روضات الجنات أنهم في شغل عن غيرهم بما هم فيه من النعيم المقيم والفوز العظيم قال الحسن البصري وإسماعيل بن أبي خالد في شغل عما فيه أهل النار من العذاب وقال مجاهد "في شغل فاكهون" أي في نعيم معجبون أي به وكذا قال قتادة وقال ابن عباس رضي الله عنهما فاكهون أي فرحون قال عبد الله بن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن المسيب وعكرمة والحسن وقتادة والأعمش وسليمان التيمي والأوزاعي في قوله تبارك وتعالى "إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون" قالوا شغلهم افتضاض الأبكار وقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عنه "في شغل فاكهون" أي بسماع الأوتار وقال أبو حاتم لعله غلط من المستمع وإنما هو افتضاض الأبكار . هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون (56) هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون وقوله عز وجل "هم وأزواجهم" قال مجاهد وحلائلهم "في ظلال" أي في ظلال الأشجار "على الأرائك متكئون" قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والسدي وخصيف "الأرائك" هي السرر تحت الحجال "قلت" نظيره في الدنيا هذه التخوت تحت البشاخين والله سبحانه وتعالى أعلم . لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون (57) لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون وقوله عز وجل "لهم فيها فاكهة" أي من جميع أنواعها "ولهم ما يدعون" أي مهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف الملاذ . قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عوف الحمصي حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار حدثنا محمد بن مهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد رضي الله عنهما يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا هل مشمر إلى الجنة ؟ فإن الجنة لا خطر لها هي ورب الكعبة نور كلها يتلألأ وريحانة تهتز وقصر" مشيد ; ونهر مطرد وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة ومقام في أبد في دار سلامة وفاكهة خضرة وخير ونعمة في محلة عالية بهية "قالوا نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها ." قال صلى الله عليه وسلم "قولوا إن شاء الله" فقال القوم إن شاء الله وكذا رواه ابن ماجه في كتاب الزهد من سننه من حديث الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر به . سلام قولا من رب رحيم (58) سلام قولا من رب رحيم وقوله تعالى : "سلام قولا من رب رحيم" قال ابن جريج قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : "سلام قولا من رب رحيم" فإن الله تعالى نفسه سلام على أهل الجنة , وهذا الذي قال ابن عباس رضي الله عنهما كقوله تعالى : "تحيتهم يوم يلقونه سلام" . وقد روى ابن أبي حاتم ههنا حديثا وفي إسناده نظر فإنه قال : حدثنا موسى بن يوسف حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب حدثنا أبو عاصم العبداني حدثنا الفضل الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع عليهم نور فرفعوا رءوسهم فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة فذلك قوله تعالى : "سلام قولا من رب رحيم" قال فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم وفي ديارهم " ورواه ابن ماجه في كتاب السنة من سننه عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب به . وقال ابن جرير حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب حدثنا حرملة عن سليمان بن حميد قال سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال : إذا فرغ الله تعالى من أهل الجنة والنار أقبل في ظلل من الغمام والملائكة قال فيسلم على أهل الجنة فيردون عليه السلام قال القرظي وهذا في كتاب الله تعالى "سلام قولا من رب رحيم" فيقول الله عز وجل سلوني فيقولون ماذا نسألك أي رب ؟ قال بلى سلوني قالوا نسألك أي رب رضاك قال رضائي أحلكم دار كرامتي قالوا يا رب فما الذي نسألك فوعزتك وجلالك وارتفاع مكانك لو قسمت علينا رزق الثقلين لأطعمناهم ولأسقيناهم ولألبسناهم ولأخدمناهم لا ينقصنا ذلك شيئا قال تعالى إن لدي مزيدا قال فيفعل ذلك بهم في درجهم حتى يستوي في مجلسه قال ثم تأتيهم التحف من الله عز وجل تحملها إليهم الملائكة ثم ذكر نحوه . وهذا خبر غريب أورده ابن جرير من طرق والله أعلم . وامتازوا اليوم أيها المجرمون (59) وامتازوا اليوم أيها المجرمون يقول تعالى مخبرا عما يئول إليه حال الكفار يوم القيامة من أمره لهم أن يمتازوا بمعنى يميزون عن المؤمنين في موقفهم كقوله تعالى : "ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم" وقال عز وجل "ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون" يومئذ يصدعون "أي يصيرون صدعين فرقتين" احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم "." ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (60) ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو وقوله تعالى : "ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين" هذا تقريع من الله تعالى للكفرة من بني آدم الذين أطاعوا الشيطان , وهو عدو لهم مبين وعصوا الرحمن , وهو الذي خلقهم ورزقهم . وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61) وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولهذا قال تعالى : "وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم" أي قد أمرتكم في دار الدنيا بعصيان الشيطان وأمرتكم بعبادتي وهذا هو الصراط المستقيم فسلكتم غير ذلك واتبعتم الشيطان فيما أمركم به . ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62) ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون ولهذا قال عز وجل "ولقد أضل منكم جبلا كثيرا" يقال جبلا بكسر الجيم وتشديد اللام ويقال جبلا بضم الجيم والباء وتخفيف اللام ومنهم من يسكن الباء والمراد بذلك الخلق الكثير قاله مجاهد وقتادة والسدي وسفيان بن عيينة . وقوله تعالى : "أفلم تكونوا تعقلون" أي أفما كان لكم عقل في مخالفة ربكم فيما أمركم به من عبادته وحده لا شريك له وعدولكم إلى اتباع الشيطان . قال ابن جريج حدثنا كريب حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن إسماعيل بن رافع عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا كان يوم القيامة أمر الله تعالى جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم يقول" ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون هذه جهنم التي كنتم توعدون "وامتازوا اليوم أيها المجرمون" فيتميز الناس ويجثون وهي التي يقول الله عز وجل "وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون" . هذه جهنم التي كنتم توعدون (63) هذه جهنم التي كنتم توعدون يقال للكفرة من بني آدم يوم القيامة وقد برزت الجحيم لهم تقريعا وتوبيخا "هذه جهنم التي كنتم توعدون" أي هذه التي حذرتكم الرسل فكذبتموهم . اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون (64) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون "اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون" كما قال تعالى : "يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون" . اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون (65) اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون وقوله تعالى : "اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون" هذا حال الكفار والمنافقين يوم القيامة حين ينكرون ما اجترموه في الدنيا ويحلفون ما فعلوه فيختم الله على أفواههم ويستنطق جوارحهم بما عملت . قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة حدثنا منجاب بن الحارث التميمي حدثنا أبو عامر الأزدي حدثنا سفيان عن عبيد المكتب عن الفضل بن عمرو عن الشعبي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال صلى الله عليه وسلم "أتدرون مم أضحك ؟" قلنا الله ورسوله أعلم قال صلى الله عليه وسلم "من مجادلة العبد ربه يوم القيامة يقول رب ألم تجرني من الظلم ؟ فيقول بلى فيقول لا أجيز علي إلا شاهدا من نفسي فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا وبالكرام الكاتبين شهودا فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي بعمله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل" وقد رواه مسلم والنسائي كلاهما عن أبي بكر بن أبي النضر عن أبي النضر عن عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي عن سفيان هو الثوري به . ثم قال النسائي لا أعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان غير الأشجعي وهو حديث غريب والله تعالى أعلم . كذا قال وقد تقدم من رواية أبي عامر عن عبد الملك بن عمرو الأسدي وهو العقدي عن سفيان وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إنكم تدعون مفدما على أفواهكم بالفدام فأول ما يسأل عن أحدكم فخذه وكتفه" رواه النسائي عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به وقال سفيان بن عيينة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث القيامة الطويل قال فيه "ثم يلقى الثالث فيقول ما أنت ؟ فيقول أنا عبدك آمنت بك وبنبيك وبكتابك وصمت وصليت وتصدقت ويثني" بخير ما استطاع - قال - فيقال له ألا نبعث عليك شاهدنا ؟ - قال - فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليه فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي - قال - فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل وذلك المنافق وذلك ليعذر من نفسه وذلك الذي يسخط الله تعالى عليه "ورواه مسلم وأبو داود من حديث سفيان بن عيينة به بطوله ثم قال ابن أبي حاتم رحمه الله حدثنا أبي حدثنا هشام بن عمار حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل اليسرى "وروى ابن جرير عن محمد بن عوف عن عبد الله بن المبارك عن إسماعيل بن عياش به مثله." وقد جود إسناده الإمام أحمد رحمه الله فقال حدثنا الحكم بن نافع حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد الحضرمي عمن حدثه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل الشمال" وقال ابن جرير حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية حدثنا يونس بن عبيد عن حميد بن هلال قال : قال أبو بردة قال أبو موسى هو الأشعري رضي الله عنه يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة فيعرض عليه ربه عمله فيما بينه وبينه فيعترف فيقول نعم أي رب عملت عملت عملت قال فيغفر الله تعالى له ذنوبه ويستره منها قال فما على الأرض خليقة ترى من تلك الذنوب شيئا وتبدو حسناته فود أن الناس كلهم يرونها ويدعى الكافر والمنافق للحساب فيعرض عليه ربه عمله فيجحد ويقول أي رب وعزتك لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل فيقول له الملك أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا ؟ فيقول لا وعزتك أي رب ما عملته فإذا فعل ذلك ختم الله تعالى على فيه قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه فإني أحسب أول ما ينطق منه الفخذ اليمنى ثم تلا "اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون""." ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون (66) ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون وقوله تبارك وتعالى : "ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها يقول ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى فكيف يهتدون وقال مرة أعميناهم وقال الحسن البصري ولو شاء الله لطمس على أعينهم فجعلهم عميا يتردون وقال السدي يقول ولو نشاء أعمينا أبصارهم وقال مجاهد وأبو صالح وقتادة والسدي فاستبقوا الصراط يعني الطريق وقال ابن زيد يعني بالصراط ههنا فأنى يبصرون وقد طمسنا على أعينهم وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما "فأنى يبصرون" لا يبصرون الحق . ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون (67) ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون وقوله عز وجل "ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم" قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما أهلكناهم وقال السدي يعني لغيرنا خلقهم وقال أبو صالح لجعلناهم حجارة وقال الحسن البصري وقتادة لأقعدهم على أرجلهم ولهذا قال تبارك وتعالى "فما استطاعوا مضيا" أي إلى أمام "ولا يرجعون" إلى وراء بل يلزمون حالا واحدا لا يتقدمون ولا يتأخرون . ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون (68) ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون يخبر تعالى عن ابن آدم أنه كلما طال عمره رد إلى الضعف بعد القوة والعجز بعد النشاط كما قال تبارك وتعالى "الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير" وقال عز وجل "ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا" ![]()
__________________
|
|
#433
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (11) تفسير سورة يس من صـ 376 الى صــ 388 الحلقة (433) والمراد من هذا والله أعلم الإخبار عن هذه الدار بأنها دار زوال وانتقال لا دار دوام واستقرار ولهذا قال عز وجل "أفلا يعقلون" أي يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم ثم صيرورتهم إلى سن الشيبة ثم إلى الشيخوخة ليعلموا أنهم خلقوا لدار أخرى لا زوال لها ولا انتقال منها ولا محيد عنها وهي الدار الآخرة . وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (69) وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين وقوله تبارك وتعالى "وما علمناه الشعر وما ينبغي له" يقول عز وجل مخبرا عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه ما علمه الشعر "وما ينبغي له" أي ما هو في طبعه فلا يحسنه ولا يحبه ولا تقتضيه جبلته ولهذا ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يحفظ بيتا على وزن منتظم بل إن أنشده زحفه أو لم يتمه وقال أبو زرعة الرازي حدثنا إسماعيل بن مجالد عن أبيه عن الشعبي أنه قال : ما ولد عبد المطلب ذكرا ولا أنثى إلا يقول الشعر إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره ابن عساكر في ترجمة عتبة بن أبي لهب الذي أكله الأسد بالزرقاء قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن هو البصري قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت : كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا قال أبو بكر أو عمر رضي الله عنهما أشهد أنك رسول الله يقول تعالى "وما علمناه الشعر وما ينبغي له" وهكذا روى البيهقي في الدلائل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن مرداس السلمي رضي الله عنه "أنت القائل :" أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة فقال إنما هو بين عيينة والأقرع فقال صلى الله عليه وسلم "الكل سواء" "يعني في المعنى صلوات الله وسلامه عليه والله أعلم ." وقد ذكر السهيلي في الروض الأنف لهذا التقديم والتأخير الذي وقع في كلامه صلى الله عليه وسلم في هذا البيت مناسبة أغرب فيها حاصلها شرف الأقرع بن حابس على عيينة بن بدر الفزاري لأنه ارتد أيام الصديق رضي الله عنه بخلاف ذاك والله أعلم وهكذا روى الأموي في مغازيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يمشي بين القتلى يوم بدر وهو يقول "هاما" فيقول الصديق رضي الله عنه متمما للبيت : من رجال أعزة علينا ... وهم كانوا أعق وأظلما وهذا لبعض شعراء العرب في قصيدة له وهي في الحماسة وقال الإمام أحمد حدثنا هشيم حدثنا مغيرة عن الشعبي عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استراب الخبر تمثل فيه ببيت طرفة : ويأتيك بالأخبار من لم تزود وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة من طريق إبراهيم بن مهاجر عن الشعبي عنها . ورواه الترمذي والنسائي أيضا من حديث المقدام بن شريح بن هانئ عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها كذلك ثم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح . وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا يوسف بن موسى حدثنا أسامة عن زائدة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل من الأشعار : ويأتيك بالأخبار من لم تزود ثم قال ورواه غير زائدة عن سماك عن عطية عن عائشة رضي الله عنها وهذا في شعر طرفة بن العبد في معلقته المشهورة وهذا المذكور عجز بيت منها أوله. ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ... بتاتا ولم تضرب له وقت موعد وقال سعيد بن عروة عن قتادة قيل لعائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر ؟ قالت رضي الله عنها : كان أبغض الحديث إليه غير أنه صلى الله عليه وسلم كان يتمثل ببيت أخي بني قيس فيجعل أوله آخره وآخره أوله فقال أبو بكر رضي الله عنه ليس هذا هكذا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني والله ما أنا بشاعر وما ينبغي لي" رواه ابن أبي حاتم وابن جرير وهذا لفظه وقال معمر عن قتادة بلغني أن عائشة رضي الله عنها سئلت هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر ؟ فقالت رضي الله عنها : لا إلا بيت طرفة ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار ما لم تزود فجعل صلى الله عليه وسلم يقول "من لم تزود بالأخبار" فقال أبو بكر ليس هذا هكذا فقال صلى الله عليه وسلم "إني لست بشاعر ولا ينبغي لي" وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرنا أبو عبد الحافظ حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن نعيم وكيل المتقي ببغداد حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال النحوي الضرير حدثنا علي بن عمرو الأنصاري حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت شعر قط إلا بيتا واحدا. تفاءل بما تهوى يكن فلقلما ... يقال لشيء ما كان إلا تحققا سألت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي عن هذا الحديث فقال هو منكر ولم يعرف شيخ الحاكم ولا الضرير وثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم تمثل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة رضي الله عنه ولكن تبعا لقول أصحابه رضي الله عنهم فإنهم يرتجزون وهم يحفرون فيقولون . اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا ويرفع صلى الله عليه وسلم بقوله أبينا ويمدها وقد روي هذا بزحاف في الصحيحين أيضا وكذا ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين وهو راكب البغلة يقدم بها في نحور العدو : أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب لكن قالوا هذا وقع اتفاقا من غير قصد لوزن شعر بل جرى على اللسان من غير قصد إليه وكذلك ما ثبت في الصحيحين عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار فنكبت أصبعه فقال صلى الله عليه وسلم : هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت وسيأتي عند قوله تعالى "إلا اللمم" إنشاد إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك ما ألما وكل هذا لا ينافي كونه صلى الله عليه وسلم ما علم شعرا ولا ينبغي له فإن الله تعالى إنما علمه القرآن العظيم "الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم" حميد "وليس هو بشعر كما زعمه طائفة من جهلة كفار قريش ولا كهانة ولا مفتعل ولا سحر يؤثر كما تنوعت فيه أقوال الضلال وآراء الجهال وقد كانت سجيته صلى الله عليه وسلم تأبى صناعة الشعر طبعا وشرعا كما رواه أبو داود قال حدثنا عبيد الله بن عمرو حدثنا عبد الله بن يزيد حدثنا سعيد بن أبي أيوب حدثنا شرحبيل بن يزيد المعافري عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قال سمعت عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" ما أبالي ما أوتيت إن أنا شربت ترياقا أو تعلقت تميمة أو قلت الشعر من قبل نفسي "تفرد به أبو داود وقال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن الأسود بن شيبان عن أبي نوفل قال سألت عائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بسائغ عنده الشعر ؟ فقالت قد كان أبغض الحديث إليه وقال عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الجوامع من الدعاء ويدع ما بين ذلك وقال أبو داود حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم" لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا "انفرد به من هذا الوجه وإسناده على شرط الشيخين ولم يخرجاه ." وقال الإمام أحمد حدثنا قزعة بن سويد الباهلي عن عاصم بن مخلد عن أبي الأشعث الصنعاني ح وحدثنا الأشيب فقال عن أبي عاصم عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرض بيت شعر بعد العشاء الآخرة لم تقبل له صلاة تلك الليلة" وهذا حديث غريب من هذا الوجه ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة والمراد بذلك نظمه لا إنشاده والله أعلم على أن الشعر فيه ما هو مشروع وهو هجاء المشركين الذي كان يتعاطاه شعراء الإسلام كحسان بن ثابت رضي الله عنه وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وأمثالهم وأضرابهم رضي الله عنهم أجمعين ومنه ما فيه حكم ومواعظ وآداب كما يوجد في شعر جماعة من الجاهلية ومنهم أمية بن أبي الصلت الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم "آمن شعره وكفر قلبه" وقد أنشد بعض الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم مائة بيت يقول صلى الله عليه وسلم عقب كل بيت "هيه" يعني يستطعمه فيزيده من ذلك وقد روى أبو داود من حديث أبي بن كعب وبريدة بن الحصيب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن من البيان سحرا وإن من الشعر حكما" ولهذا قال "وما علمناه الشعر" يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ما علمه الله الشعر "وما ينبغي له" أي وما يصلح له "إن هو إلا ذكر وقرآن مبين" أي ما هذا الذي علمناه "إلا ذكر وقرآن مبين" أي بين واضح جلي لمن تأمله وتدبره . لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين (70) لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ولهذا قال تعالى : "لينذر من كان حيا" أي لينذر هذا القرآن المبين كل حي على وجه الأرض كقوله "لأنذركم به ومن بلغ" وقال جل وعلا "ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده" وإنما ينتفع بنذارته من هو حي القلب مستنير البصيرة كما قال قتادة حي القلب حي البصر وقال الضحاك يعني عاقلا "ويحق القول على الكافرين" أي هو رحمة للمؤمنين وحجة على الكافرين أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (71) أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون يذكر تعالى ما أنعم به على خلقه من هذه الأنعام التي سخرها لهم "فهم لها مالكون" قال قتادة مطيقون أي جعلهم يقهرونها وهي ذليلة لهم لا تمتنع منهم بل لو جاء صغير إلى بعير لأناخه ولو شاء لأقامه وساقه وذاك ذليل منقاد معه وكذا لو كان القطار مائة بعير أو أكثر لسار الجميع بسير الصغير . وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون وقوله تعالى : "فمنها ركوبهم ومنها يأكلون" أي منها ما يركبون في الأسفار ويحملون عليه الأثقال إلى سائر الجهات والأقطار "ومنها يأكلون" إذا شاءوا نحروا واجتزروا . ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (73) ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون "ولهم فيها منافع" أي من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين "ومشارب" أي من ألبانها وأبوالها لمن يتداوى ونحو ذلك "أفلا يشكرون" أي أفلا يوحدون خالق ذلك ومسخره ولا يشركون به غيره ؟ . واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون (74) واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون يقول تعالى منكرا على المشركين في اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله يبتغون بذلك أن تنصرهم تلك الآلهة وترزقهم وتقربهم إلى الله زلفى . لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون (75) لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون قال الله تعالى : "لا يسطيعون نصرهم" أي لا تقدر الآلهة على نصر عابديها بل هي أضعف من ذلك وأقل وأذل وأحقر وأدحر بل لا تقدر على الاستنصار لأنفسها ولا الانتقام ممن أرادها بسوء لأنها جماد لا تسمع ولا تعقل وقوله تبارك وتعالى : "وهم لهم جند محضرون" قال مجاهد يعني عند الحساب يريد أن هذه الأصنام محشورة مجموعة يوم القيامة محضرة عند حساب عابديها ليكون ذلك أبلغ في حزنهم وأدل عليهم في إقامة الحجة عليهم وقال قتادة "لا يستطيعون نصرهم" يعني الآلهة "وهم لهم جند محضرون" والمشركون يغضبون للآلهة في الدنيا وهي لا تسوق إليهم خيرا ولا تدفع عنهم شرا إنما هي أصنام وهكذا قال الحسن البصري وهذا القول حسن وهو اختيار ابن جرير رحمه الله تعالى . فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون (76) فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون وقوله تعالى : "فلا يحزنك قولهم" أي تكذيبهم لك وكفرهم بالله "إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون" أي نحن نعلم جميع ما هم فيه وسنجزيهم وصفهم ونعاملهم على ذلك يوم لا يفقدون من أعمالهم جليلا ولا حقيرا ولا صغيرا ولا كبيرا بل يعرض عليهم جميع ما كانوا يعملون قديما وحديثا . أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77) أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين قال مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير والسدي وقتادة جاء أبي بن خلف لعنه الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم وهو يفته ويذروه في الهواء وهو يقول يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا ؟ قال صلى الله عليه وسلم "نعم يميتك الله تعالى ثم يبعثك ثم يحشرك إلى النار" ونزلت هذه الآيات من آخر يس "أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة" إلى آخرهن وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد حدثنا محمد بن العلاء حدثنا عثمان بن سعيد الزيات عن هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن العاص بن وائل أخذ عظما من البطحاء ففته بيده ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيحيي الله هذا بعد ما أرى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نعم يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك جهنم" قال فنزلت الآيات من آخر يس ورواه ابن جرير عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير فذكره ولم يذكر ابن عباس رضي الله عنهما وروي من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جاء عبد الله بن أبي بعظم ففته وذكر نحو ما تقدم وهذا منكر لأن السورة مكية وعبد الله بن أبي بن سلول إنما كان بالمدينة وعلى كل تقدير سواء كانت هذه الآيات قد نزلت في أبي بن خلف أو العاص بن وائل أو فيهما فهي عامة في كل من أنكر البعث والألف واللام في قوله تعالى : "أولم ير الإنسان" للجنس يعم كل منكر للبعث "أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين" أي أولم يستدل من أنكر البعث بالبدء على الإعادة فإن الله ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين فخلقه من شيء حقير ضعيف مهين كما قال عز وجل "ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم" وقال تعالى : "إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج" أي من نطفة من أخلاط متفرقة فالذي خلقه من هذه النطفة الضعيفة أليس بقادر على إعادته بعد موته كما قال الإمام أحمد في مسنده حدثنا أبو المغيرة حدثنا جرير حدثني عبد الرحمن بن ميسرة عن جبير بن نفير عن بشر بن جحاش قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوما في كفه فوضع عليها أصبعه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قال الله تعالى بني آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد فجمعت" ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة ؟ "ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن جرير بن عثمان به ." وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم (78) وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ولهذا قال تعالى : "وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم" أي استبعد إعادة الله تعالى ذي القدرة العظيمة التي خلقت السموات والأرض للأجساد والعظام الرميمة ونسي نفسه وأن الله تعالى خلقه من العدم إلى الوجود فعلم من نفسه ما هو أعظم مما استبعده وأنكره وجحده . قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ولهذا قال عز وجل "قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم" أي يعلم العظام في سائر أقطار الأرض وأرجائها أين ذهبت وأين تفرقت وتمزقت قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي قال : قال عقبة بن عمرو لحذيفة رضي الله عنهما ألا تحدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سمعته صلى الله عليه وسلم يقول "إن رجلا حضره الموت فلما يئس من الحياة أوصى أهله إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبا كثيرا جزلا ثم أوقدوا فيه نارا حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت فخذوها فدقوها فذروها في اليم ففعلوا فجمعه الله تعالى إليه ثم قال له لم فعلت ذلك ؟ قال من خشيتك فغفر الله عز وجل له" فقال عقبة بن عمرو : وأنا سمعته صلى الله عليه وسلم يقول ذلك وكان نباشا وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الملك بن عمير بألفاظ كثيرة منها أنه أمر بنيه أن يحرقوه ثم يسحقوه ثم يذروا نصفه في البر ونصفه في البحر في يوم رائح أي كثير الهواء ففعلوا ذلك فأمر الله تعالى البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه ثم قال له كن فإذا هو رجل قائم فقال له ما حملك على ما صنعت ؟ قال : مخافتك وأنت أعلم ; فما تلافاه أن غفر له . الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون وقوله تعالى : "الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون" أي الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء حتى صار خضرا نضرا ذا ثمر وينع ثم أعاده إلى أن صار حطبا يابسا توقد به النار كذلك هو فعال لما يشاء قادر على ما يريد لا يمنعه شيء قال قتادة في قوله "الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون" يقول الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر على أن يبعثه وقيل المراد بذلك شجر المرخ والعفار ينبت في أرض الحجاز فيأتي من أراد قدح نار وليس معه زناد فيأخذ منه عودين أخضرين ويقدح أحدهما بالآخر فتتولد النار من بينهما كالزناد سواء وروي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما وفي المثل : لكل شجر نار واستمجد المرخ والعفار وقال الحكماء في كل شجر نار إلا العناب . أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم (81) أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم يقول تعالى مخبرا منبها على قدرته العظيمة في خلق السموات السبع بما فيها من الكواكب السيارة والثوابت والأرضين السبع وما فيها من جبال ورمال وبحار وقفار وما بين ذلك ومرشدا إلى الاستدلال على إعادة الأجساد بخلق هذه الأشياء العظيمة كقوله تعالى : "لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس" وقال عز وجل ههنا "أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم" أي مثل البشر فيعيدهم كما بدأهم قاله ابن جرير وهذه الآية الكريمة كقوله عز وجل "أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير" . إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون أي إنما يأمر بالشيء أمرا واحدا لا يحتاج إلى تكرار وتأكيد . إذا ما أراد الله أمرا فإنما ... يقول له كن قولة فيكون وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن نمير حدثنا موسى بن المسيب عن شهر عن عبد الرحمن عن أبي ذر رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن" الله تعالى يقول يا عبادي كلكم مذنب إلا من عافيت فاستغفروني أغفر لكم وكلكم فقير إلا من أغنيت إني جواد ماجد واجد أفعل ما أشاء عطائي كلام وعذابي كلام إذا أردت شيئا فإنما أقول له كن فيكون "." فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون (83) فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون وقوله تعالى : "فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون" أي تنزيه وتقديس وتبرئة من السوء للحي القيوم الذي بيده مقاليد السموات والأرض وإليه رجع الأمر كله وله الخلق والأمر وإليه يرجع العباد يوم المعاد فيجازي كل عامل بعمله وهو العادل المنعم المتفضل . ومعنى قوله سبحانه وتعالى "فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء" كقوله عز وجل "قل من بيده ملكوت كل شيء" وكقوله تعالى : "تبارك الذي بيده الملك" فالملك والملكوت واحد في المعنى كرحمة ورحموت ورهبة ورهبوت وجبر وجبروت ومن الناس من زعم أن الملك هو عالم الأجسام والملكوت هو عالم الأرواح والصحيح الأول وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين وغيرهم . قال الإمام أحمد حدثنا شريح بن النعمان حدثنا حماد عن عبد الملك بن عمير حدثني ابن عم لحذيفة عن حذيفة رضي الله عنه قال : قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقرأ السبع الطوال في سبع ركعات وكان صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال "سمع الله لمن حمده - ثم قال - الحمد لله ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة" وكان ركوعه مثل قيامه وسجوده مثل ركوعه فانصرف وقد كادت تنكسر رجلاي . وقد روى أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة مولى الأنصار عن رجل من بني عبس عن حذيفة رضي الله عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وكان يقول "الله أكبر - ثلاثا - ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة" ثم استفتح فقرأ البقرة ثم ركع فكان ركوعه نحوا من قيامه وكان يقول في ركوعه "سبحان ربي العظيم" ثم رفع رأسه من الركوع فكان قيامه نحوا من ركوعه وكان يقول في قيامه "لربي الحمد" ثم سجد فكان سجوده نحوا من قيامه وكان يقول في سجوده "سبحان ربي الأعلى" ثم رفع رأسه من السجود وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوا من سجوده وكان يقول "رب اغفر لي رب اغفر لي" فصلى أربع ركعات فقرأ فيهن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة أو الأنعام - شك شعبة - هذا لفظ أبي داود . وقال النسائي : أبو حمزة عندنا طلحة بن يزيد وهذا الرجل يشبه أن يكون صلة كذا قال : والأشبه أن يكون ابن عم حذيفة كما تقدم في رواية الإمام أحمد والله أعلم . وأما رواية صلة بن زفر عن حذيفة رضي الله عنه فإنها في صحيح مسلم ولكن ليس فيها الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة . وقال أبو داود حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب حدثني معاوية بن صالح عن عمرو بن قيس عن عاصم بن حميد عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال : قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقام فقرأ سورة البقرة لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ قال ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة" ثم سجد بقدر قيامه ثم قال في سجوده مثل ذلك ثم قام فقرأ بآل عمران ثم قرأ سورة سورة ورواه الترمذي في الشمائل والنسائي من حديث معاوية بن صالح به . آخر تفسير سورة يس ولله الحمد والمنة ![]()
__________________
|
|
#434
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (12) تفسير سورة الصافات من صـ 5 الى صــ 16 الحلقة (434) تفسير سورة الصافات [ وهي ] مكية . قال النسائي : أخبرنا إسماعيل بن مسعود ، حدثنا خالد - يعني ابن الحارث - عن ابن أبي ذئب قال : أخبرني الحارث بن عبد الرحمن ، عن سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا بالتخفيف ، ويؤمنا بالصافات . تفرد به النسائي . بسم الله الرحمن الرحيم والصافات صفا (1) والصافات صفا سورة الصافات : قال النسائي : أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد يعني ابن الحارث - عن أبي ذئب قال أخبرنا الحارث بن عبد الرحمن عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بالصافات تفرد به النسائي. بسم الله الرحمن الرحيم قال سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال "والصافات صفا" وهي الملائكة . فالزاجرات زجرا (2) فالزاجرات زجرا هي الملائكة , وكذا قال ابن عباس رضي الله عنهما ومسروق وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي وقتادة والربيع بن أنس قال قتادة الملائكة صفوف في السماء . وقال مسلم حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعل لنا ترابها طهورا إذا لم نجد الماء" وقد روى مسلم أيضا وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الأعمش عن المسيب بن رافع عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم ؟" قلنا وكيف تصف الملائكة عند ربهم ؟ قال صلى الله عليه وسلم "يتمون الصفوف المتقدمة ويتراصون في الصف" وقال السدي وغيره معنى قوله تعالى "فالزاجرات زجرا" أنها تزجر السحاب . وقال الربيع بن أنس "فالزاجرات زجرا" ما زجر الله تعالى عنه في القرآن وكذا روى مالك عن زيد بن أسلم فالتاليات ذكرا (3) فالتاليات ذكرا "فالتاليات ذكرا" قال السدي الملائكة يجيئون بالكتاب والقرآن من عند الله إلى الناس وهذه الآية كقوله تعالى "فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا" . إن إلهكم لواحد (4) إن إلهكم لواحد وقوله عز وجل "إن إلهكم لواحد رب السماوات والأرض" هذا هو المقسم عليه أنه تعالى لا إله إلا هو رب السماوات والأرض "وما بينهما" أي من المخلوقات "ورب المشارق" أي هو المالك المتصرف في الخلق بتسخيره بما فيه من كواكب ثوابت وسيارات تبدو من المشرق وتغرب من المغرب واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالتها عليه وقد صرح بذلك في قوله عز وجل "فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون" وقال تعالى في الآية الأخرى "رب المشرقين ورب المغربين" يعني في الشتاء والصيف للشمس والقمر . رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق (5) رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق وقوله عز وجل "إن إلهكم لواحد رب السماوات والأرض" هذا هو المقسم عليه أنه تعالى لا إله إلا هو رب السماوات والأرض "وما بينهما" أي من المخلوقات "ورب المشارق" أي هو المالك المتصرف في الخلق بتسخيره بما فيه من كواكب ثوابت وسيارات تبدو من المشرق وتغرب من المغرب واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالتها عليه وقد صرح بذلك في قوله عز وجل "فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون" وقال تعالى في الآية الأخرى "رب المشرقين ورب المغربين" يعني في الشتاء والصيف للشمس والقمر . إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب يخبر تعالى أنه زين السماء الدنيا للناظرين إليها من أهل الأرض بزينة الكواكب قرئ بالإضافة وبالبدل وكلاهما بمعنى واحد فالكواكب السيارة والثوابت يثقب ضوءها جرم السماء الشفاف فتضيء لأهل الأرض كما قال تبارك وتعالى "ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير" وقال عز وجل "ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين" . وحفظا من كل شيطان مارد (7) وحفظا من كل شيطان مارد قوله جل وعلا ههنا "وحفظا" تقديره وحفظناها حفظا "من كل شيطان مارد" : يعني المتمرد العاتي . لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب (8) لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب إذا أراد أن يسترق السمع أتاه شهاب ثاقب فأحرقه ولهذا قال جل جلاله "لا يسمعون إلى الملإ الأعلى" أي لئلا يصلوا إلى الملإ الأعلى وهي السماوات ومن فيها من الملائكة إذا تكلموا بما يوحيه الله تعالى مما يقوله من شرعه وقدره كما تقدم بيان ذلك في الأحاديث التي أوردناها عند قوله تبارك وتعالى "حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير" ولهذا قال تعالى "ويقذفون" أي يرمون "من كل جانب" أي من كل جهة يقصدون السماء منها . دحورا ولهم عذاب واصب (9) دحورا ولهم عذاب واصب "دحورا" أي رجما يدحرون به ويزجرون ويمنعون من الوصول إلى ذلك ويرجمون "ولهم عذاب واصب" أي في الدار الآخرة لهم عذاب دائم موجع مستمر كما قال جلت عظمته "وأعتدنا لهم عذاب السعير" . إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (10) إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب وقوله تبارك وتعالى "إلا من خطف الخطفة" أي إلا من اختطف من الشياطين الخطفة وهي الكلمة يسمعها من السماء فيلقيها إلى الذي تحته ويلقيها الآخر إلى الذي تحته فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها بقدر الله تعالى قبل أن يأتيه الشهاب فيحرقه فيذهب بها الآخر إلى الكاهن كما تقدم في الحديث ولهذا قال "إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب" أي مستنير قال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان للشياطين مقاعد في السماء قال فكانوا يستمعون الوحي قال وكانت النجوم لا تجري وكانت الشياطين لا ترمى قال فإذا سمعوا الوحي نزلوا إلى الأرض فزادوا في الكلمة تسعا قال فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاءه شهاب فلم يخطئه حتى يحرقه قال فشكوا ذلك إلى إبليس لعنه الله فقال ما هو إلا من أمر حدث قال فبعث جنوده فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي بين جبلي نخلة قال وكيع يعني بطن نخلة قال فرجعوا إلى إبليس فأخبروه فقال هذا الذي حدث وستأتي إن شاء الله تعالى الأحاديث الواردة مع الآثار في هذا المعنى عند قوله تعالى إخبارا عن الجن أنهم قالوا "وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا" . فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب (11) فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب يقول تعالى : فسل هؤلاء المنكرين للبعث أيما أشد خلقا هم أم السماوات والأرض وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة ؟ وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه "أم من عددنا" فإنهم يقرون أن هذه المخلوقات أشد خلقا منهم وإذا كان الأمر كذلك فلم ينكرون البعث وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا كما قال عز وجل "لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون" ؟ ثم بين أنهم خلقوا من شيء ضعيف فقال "إنا خلقناهم من طين لازب" قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك هو الجيد الذي يلتزق بعضه ببعض وقال ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة هو اللزج الجيد وقال قتادة هو الذي يلزق باليد . بل عجبت ويسخرون (12) بل عجبت ويسخرون وقوله عز وجل بل عجبت ويسخرون أي بل عجبت يا محمد من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث وأنت موقن مصدق بما أخبر الله تعالى من الأمر العجيب وهو إعادة الأجسام بعد فنائها وهم بخلاف أمرك من شدة تكذيبهم يسخرون مما تقول لهم من ذلك . وإذا ذكروا لا يذكرون (13) وإذا ذكروا لا يذكرون وقوله عز وجل بل عجبت ويسخرون أي بل عجبت يا محمد من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث وأنت موقن مصدق بما أخبر الله تعالى من الأمر العجيب وهو إعادة الأجسام بعد فنائها وهم بخلاف أمرك من شدة تكذيبهم يسخرون مما تقول لهم من ذلك . وإذا رأوا آية يستسخرون (14) وإذا رأوا آية يستسخرون قال قتادة عجب محمد صلى الله عليه وسلم وسخر ضلال بني آدم "وإذا رأوا آية" أي دلالة واضحة على ذلك "يستسخرون" قال مجاهد وقتادة يستهزئون . وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) وقالوا إن هذا إلا سحر مبين أي إن هذا الذي جئت به إلا سحر مبين . أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون (16) أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون يستبعدون ذلك ويكذبون به . أوآباؤنا الأولون (17) أوآباؤنا الأولون يستبعدون ذلك ويكذبون به. قل نعم وأنتم داخرون (18) قل نعم وأنتم داخرون أي قل لهم يا محمد نعم تبعثون يوم القيامة بعدما تصيرون ترابا وعظاما وأنتم داخرون أي حقيرون تحت القدرة العظيمة كما قال تبارك وتعالى "وكل أتوه داخرين" وقال "إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين" . فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون قال جلت عظمته "فإنما" هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون "أي فإنما هو أمر واحد من الله عز وجل يدعوهم دعوة واحدة أن يخرجوا من الأرض فإذا هم قيام بين يديه ينظرون إلى أهوال يوم القيامة والله تعالى أعلم ." وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين (20) يخبر تعالى عن قيل الكفار يوم القيامة أنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا فإذا عاينوا أهوال القيامة ندموا كل الندم حيث لا ينفعهم الندم "وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين" فتقول لهم الملائكة والمؤمنون "هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون" وهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ ويأمر الله تعالى الملائكة أن تميز الكفار من المؤمنين في الموقف في محشرهم ومنشرهم ولهذا قال تعالى "احشروا الذين ظلموا وأزواجهم" قال النعمان بن بشير رضي الله عنه يعني ب أزواجهم " أشباههم وأمثالهم وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي وأبو صالح وأبو العالية وزيد بن أسلم وقال سفيان الثوري عن سماك عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه "احشروا الذين ظلموا وأزواجهم" قال إخوانهم ." وقال شريك عن سماك عن النعمان قال : سمعت عمر يقول "احشروا الذين ظلموا وأزواجهم" قال أشباههم قال يجيء أصحاب الزنا مع أصحاب الزنا وأصحاب الربا مع أصحاب الربا وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر وقال خصيف عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما أزواجهم نساءهم وهذا غريب والمعروف عنه الأول كما رواه مجاهد وسعيد بن جبير عنه أزواجهم قرناءهم وما كانوا يعبدون من دون الله أي من الأصنام والأنداد تحشر معهم في أماكنهم . هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون (21) هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون يخبر تعالى عن قيل الكفار يوم القيامة أنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا فإذا عاينوا أهوال القيامة ندموا كل الندم حيث لا ينفعهم الندم "وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين" فتقول لهم الملائكة والمؤمنون "هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون" وهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ ويأمر الله تعالى الملائكة أن تميز الكفار من المؤمنين في الموقف في محشرهم ومنشرهم ولهذا قال تعالى "احشروا الذين ظلموا وأزواجهم" قال النعمان بن بشير رضي الله عنه يعني ب "أزواجهم" أشباههم وأمثالهم وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي وأبو صالح وأبو العالية وزيد بن أسلم وقال سفيان الثوري عن سماك عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه "احشروا الذين ظلموا وأزواجهم" قال إخوانهم . وقال شريك عن سماك عن النعمان قال : سمعت عمر يقول "احشروا الذين ظلموا وأزواجهم" قال أشباههم قال يجيء أصحاب الزنا مع أصحاب الزنا وأصحاب الربا مع أصحاب الربا وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر وقال خصيف عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما أزواجهم نساءهم وهذا غريب والمعروف عنه الأول كما رواه مجاهد وسعيد بن جبير عنه أزواجهم قرناءهم وما كانوا يعبدون من دون الله أي من الأصنام والأنداد تحشر معهم في أماكنهم . احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون يخبر تعالى عن قيل الكفار يوم القيامة أنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا فإذا عاينوا أهوال القيامة ندموا كل الندم حيث لا ينفعهم الندم "وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين" فتقول لهم الملائكة والمؤمنون "هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون" وهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ ويأمر الله تعالى الملائكة أن تميز الكفار من المؤمنين في الموقف في محشرهم ومنشرهم ولهذا قال تعالى "احشروا الذين ظلموا وأزواجهم" قال النعمان بن بشير رضي الله عنه يعني ب "أزواجهم" أشباههم وأمثالهم وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي وأبو صالح وأبو العالية وزيد بن أسلم وقال سفيان الثوري عن سماك عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه "احشروا الذين ظلموا وأزواجهم" قال إخوانهم . وقال شريك عن سماك عن النعمان قال : سمعت عمر يقول "احشروا الذين ظلموا وأزواجهم" قال أشباههم قال يجيء أصحاب الزنا مع أصحاب الزنا وأصحاب الربا مع أصحاب الربا وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر وقال خصيف عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما أزواجهم نساءهم وهذا غريب والمعروف عنه الأول كما رواه مجاهد وسعيد بن جبير عنه أزواجهم قرناءهم وما كانوا يعبدون من دون الله أي من الأصنام والأنداد تحشر معهم في أماكنهم . من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقوله تعالى "فاهدوهم إلى صراط الجحيم" أي أرشدوهم إلى طريق جهنم وهذا كقوله تعالى "ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا" . وقفوهم إنهم مسئولون (24) وقفوهم إنهم مسئولون أي قفوهم حتى يسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا كما قال الضحاك عن ابن عباس يعني احبسوهم إنهم محاسبون . وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا النفيلي حدثنا المعتمر بن سليمان قال سمعت ليثا يحدث عن بشير عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أيما داع دعا إلى شيء كان موقوفا معه إلى يوم القيامة لا يغادره ولا يفارقه وإن دعا رجل رجلا" ثم قرأ "وقفوهم إنهم مسئولون" "ورواه الترمذي من حديث ليث بن أبي سليم ورواه ابن جرير عن يعقوب بن إبراهيم عن معتمر عن ليث عن رجل عن أنس رضي الله عنه مرفوعا ." ما لكم لا تناصرون (25) ما لكم لا تناصرون وقال عبد الله بن المبارك سمعت عثمان بن زائدة يقول إن أول ما يسأل عنه الرجل جلساؤه ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ "ما لكم لا تناصرون" أي كما زعمتم أنكم جميع منتصر . بل هم اليوم مستسلمون (26) بل هم اليوم مستسلمون أي منقادون لأمر الله لا يخالفونه ولا يحيدون عنه والله أعلم . وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (27) وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون يذكر تعالى أن الكفار يتلاومون في عرصات القيامة كما يتخاصمون في دركات النار "فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد" وقال تعالى "ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون" وهكذا قالوا لهم ههنا "إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين" قال الضحاك عن ابن عباس يقولون كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء وقال مجاهد يعني عن الحق والكفار تقوله للشياطين وقال قتادة قالت الإنس للجن إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قال من قبل الخير فتنهونا عنه وتبطئونا عنه وقال السدي تأتوننا من قبل الحق وتزينوا لنا الباطل وتصدونا عن الحق وقال الحسن في قوله تعالى "إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين" أي والله يأتيه عند كل خير يريده فيصده عنه وقال ابن زيد معناه تحولون بيننا وبين الخير ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به وقال يزيد الرشك من قبل لا إله إلا الله وقال خصيف يعنون من قبل ميامنهم وقال عكرمة "إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين" قال من حيث نأمنكم . قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين (28) قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين يذكر تعالى أن الكفار يتلاومون في عرصات القيامة كما يتخاصمون في دركات النار "فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد" وقال تعالى "ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون" وهكذا قالوا لهم ههنا "إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين" قال الضحاك عن ابن عباس يقولون كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء وقال مجاهد يعني عن الحق والكفار تقوله للشياطين وقال قتادة قالت الإنس للجن إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قال من قبل الخير فتنهونا عنه وتبطئونا عنه وقال السدي تأتوننا من قبل الحق وتزينوا لنا الباطل وتصدونا عن الحق وقال الحسن في قوله تعالى "إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين" أي والله يأتيه عند كل خير يريده فيصده عنه وقال ابن زيد معناه تحولون بيننا وبين الخير ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به وقال يزيد الرشك من قبل لا إله إلا الله وقال خصيف يعنون من قبل ميامنهم وقال عكرمة "إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين" قال من حيث نأمنكم. قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (29) قالوا بل لم تكونوا مؤمنين تقول القادة من الجن والإنس للأتباع ما الأمر كما تزعمون بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان قابلة للكفر والعصيان . وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين (30) وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين "وما كان لنا عليكم من سلطان" أي من حجة على صحة ما دعوناكم إليه "بل كنتم قوما طاغين" أي بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق فلهذا استجبتم لنا وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاءوكم به فخالفتموهم. فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون (31) فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون يقول الكبراء للمستضعفين حقت علينا كلمة الله إنا من الأشقياء الذائقين للعذاب يوم القيامة "فأغويناكم" أي دعوناكم إلى الضلالة "إنا كنا غاوين" أي فدعوناكم إلى ما نحن فيه فاستجبتم لنا . فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) فأغويناكم إنا كنا غاوين يقول الكبراء للمستضعفين حقت علينا كلمة الله إنا من الأشقياء الذائقين للعذاب يوم القيامة "فأغويناكم" أي دعوناكم إلى الضلالة "إنا كنا غاوين" أي فدعوناكم إلى ما نحن فيه فاستجبتم لنا . فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون (33) فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون قال الله تبارك وتعالى "فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون" أي الجميع في النار كل بحسبه . إنا كذلك نفعل بالمجرمين (34) إنا كذلك نفعل بالمجرمين "إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا" أي في الدار الدنيا "إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون" أي يستكبرون أن يقولوها كما يقولها المؤمنون . قال ابن أبي حاتم حدثنا عبيد الله ابن أخي بن وهب حدثنا عمي حدثنا الليث عن ابن مسافر يعني عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل" وأنزل الله تعالى في كتابه العزيز وذكر قوما استكبروا فقال تعالى "إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون" . وقال ابن أبي حاتم أيضا حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن سعيد الجريري عن أبي العلاء قال : يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون نعبد الله وعزيرا فيقال لهم خذوا ذات الشمال ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون نعبد الله والمسيح فيقال لهم خذوا ذات الشمال ثم يؤتى بالمشركين فيقال لهم لا إله إلا الله فيستكبرون ثم يقال لهم لا إله إلا الله فيستكبرون ثم يقال لهم لا إله إلا الله فيستكبرون فيقال لهم خذوا ذات الشمال . قال أبو نضرة فينطلقون أسرع من الطير قال أبو العلاء ثم يؤتى بالمسلمين فيقال لهم ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون كنا نعبد الله تعالى فيقال لهم هل تعرفونه إذا رأيتموه ؟ فيقولون نعم فيقال لهم فكيف تعرفونه ولم تروه ؟ فيقولون نعلم أنه لا عدل له قال فيتعرف لهم تبارك وتعالى وتقدس وينجي الله المؤمنين. إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (35) إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون "إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا" أي في الدار الدنيا "إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون" أي يستكبرون أن يقولوها كما يقولها المؤمنون . قال ابن أبي حاتم حدثنا عبيد الله ابن أخي بن وهب حدثنا عمي حدثنا الليث عن ابن مسافر يعني عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل" وأنزل الله تعالى في كتابه العزيز وذكر قوما استكبروا فقال تعالى "إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون" . وقال ابن أبي حاتم أيضا حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن سعيد الجريري عن أبي العلاء قال : يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون نعبد الله وعزيرا فيقال لهم خذوا ذات الشمال ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون نعبد الله والمسيح فيقال لهم خذوا ذات الشمال ثم يؤتى بالمشركين فيقال لهم لا إله إلا الله فيستكبرون ثم يقال لهم لا إله إلا الله فيستكبرون ثم يقال لهم لا إله إلا الله فيستكبرون فيقال لهم خذوا ذات الشمال . قال أبو نضرة فينطلقون أسرع من الطير قال أبو العلاء ثم يؤتى بالمسلمين فيقال لهم ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون كنا نعبد الله تعالى فيقال لهم هل تعرفونه إذا رأيتموه ؟ فيقولون نعم فيقال لهم فكيف تعرفونه ولم تروه ؟ فيقولون نعلم أنه لا عدل له قال فيتعرف لهم تبارك وتعالى وتقدس وينجي الله المؤمنين. ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون (36) ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون أي أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول هذا الشاعر المجنون يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم . بل جاء بالحق وصدق المرسلين (37) بل جاء بالحق وصدق المرسلين قال الله تعالى تكذيبا لهم وردا عليهم "بل جاء بالحق" يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالحق في جميع شرعة الله تعالى له من الأخبار والطلب "وصدق المرسلين" أي صدقهم فيما أخبروا عنه من الصفات الحميدة والمناهج السديدة وأخبر عن الله تعالى في شرعه وأمره كما أخبروا "ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك" الآية . إنكم لذائقو العذاب الأليم (38) إنكم لذائقو العذاب الأليم يقول تعالى مخاطبا للناس "إنكم لذائقو العذاب الأليم وما تجزون إلا ما كنتم تعملون" ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين كما قال تعالى "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات" وقال عز وجل "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات" وقال تعالى "وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا" وقال تعالى "كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين" ولهذا قال جل وعلا ههنا "إلا عباد الله المخلصين" أي ليسوا يذوقون العذاب الأليم ولا يناقشون في الحساب بل يتجاوز عن سيئاتهم إن كان لهم سيئات ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة إلى ما يشاء الله تعالى من التضعيف. وما تجزون إلا ما كنتم تعملون (39) وما تجزون إلا ما كنتم تعملون يقول تعالى مخاطبا للناس "إنكم لذائقو العذاب الأليم وما تجزون إلا ما كنتم تعملون" ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين كما قال تعالى "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات" وقال عز وجل "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات" وقال تعالى "وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا" وقال تعالى "كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين" ولهذا قال جل وعلا ههنا "إلا عباد الله المخلصين" أي ليسوا يذوقون العذاب الأليم ولا يناقشون في الحساب بل ![]()
__________________
|
|
#435
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (12) تفسير سورة الصافات من صـ 17 الى صــ 28 الحلقة (435) يتجاوز عن سيئاتهم إن كان لهم سيئات ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة إلى ما يشاء الله تعالى من التضعيف . إلا عباد الله المخلصين (40) إلا عباد الله المخلصين يقول تعالى مخاطبا للناس "إنكم لذائقو العذاب الأليم وما تجزون إلا ما كنتم تعملون" ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين كما قال تعالى "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات" وقال عز وجل "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات" وقال تعالى "وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا" وقال تعالى "كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين" ولهذا قال جل وعلا ههنا "إلا عباد الله المخلصين" أي ليسوا يذوقون العذاب الأليم ولا يناقشون في الحساب بل يتجاوز عن سيئاتهم إن كان لهم سيئات ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة إلى ما يشاء الله تعالى من التضعيف . أولئك لهم رزق معلوم (41) أولئك لهم رزق معلوم قوله جل وعلا "أولئك لهم رزق معلوم" قال قتادة والسدي يعني الجنة ثم فسره بقوله تعالى "فواكه" أي متنوعة "وهم مكرمون" أي يخدمون ويرفهون وينعمون . فواكه وهم مكرمون (42) فواكه وهم مكرمون قوله جل وعلا "أولئك لهم رزق معلوم" قال قتادة والسدي يعني الجنة ثم فسره بقوله تعالى "فواكه" أي متنوعة "وهم مكرمون" أي يخدمون ويرفهون وينعمون. في جنات النعيم (43) في جنات النعيم قال مجاهد لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض وقال ابن أبي حاتم حدثنا يحيى بن عبدك القزويني حدثنا حسان بن حسان حدثنا إبراهيم بن بشر حدثنا يحيى بن معين حدثنا إبراهيم القرشي عن سعيد بن شرحبيل عن زيد بن أبي أوفى رضي الله عنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية "على سرر متقابلين" ينظر بعضهم إلى بعض "حديث غريب ." على سرر متقابلين (44) على سرر متقابلين قال مجاهد لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض وقال ابن أبي حاتم حدثنا يحيى بن عبدك القزويني حدثنا حسان بن حسان حدثنا إبراهيم بن بشر حدثنا يحيى بن معين حدثنا إبراهيم القرشي عن سعيد بن شرحبيل عن زيد بن أبي أوفى رضي الله عنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية "على سرر متقابلين" ينظر بعضهم إلى بعض "حديث غريب ." يطاف عليهم بكأس من معين (45) يطاف عليهم بكأس من معين قوله تعالى "يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون" كما قال عز وجل في الآية الأخرى "يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون" نزه الله سبحانه وتعالى خمر الجنة عن الآفات التي في خمر الدنيا من صداع الرأس ووجع البطن وهو الغول وذهابها بالعقل جملة فقال تعالى ههنا "يطاف عليهم بكأس من معين" أي بخمر من أنهار جارية لا يخافون انقطاعها ولا فراغه ا قال مالك عن زيد بن أسلم : خمر جارية بيضاء أي لونها مشرق حسن بهي لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء من حمرة أو سواد أو اصفرار أو كدورة إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم وقوله عز وجل "لذة للشاربين" أي طعمها طيب كلونها وطيب الطعم دليل على طيب الريح بخلاف خمر الدنيا في جميع ذلك . بيضاء لذة للشاربين (46) بيضاء لذة للشاربين قوله تعالى "يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون" كما قال عز وجل في الآية الأخرى "يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون" نزه الله سبحانه وتعالى خمر الجنة عن الآفات التي في خمر الدنيا من صداع الرأس ووجع البطن وهو الغول وذهابها بالعقل جملة فقال تعالى ههنا "يطاف عليهم بكأس من معين" أي بخمر من أنهار جارية لا يخافون انقطاعها ولا فراغها قال مالك عن زيد بن أسلم : خمر جارية بيضاء أي لونها مشرق حسن بهي لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء من حمرة أو سواد أو اصفرار أو كدورة إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم وقوله عز وجل "لذة للشاربين" أي طعمها طيب كلونها وطيب الطعم دليل على طيب الريح بخلاف خمر الدنيا في جميع ذلك. لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون (47) لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون وقوله تعالى "لا فيها غول" يعني لا تؤثر فيهم غولا وهو وجع البطن قاله ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة وابن زيد كما تفعله خمر الدنيا من القولنج ونحوه لكثرة مائيتها وقيل المراد بالغول ههنا صداع الرأس وروي هكذا عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال قتادة هو صداع الرأس ووجع البطن وعنه وعن السدي لا تغتال عقولهم كما قال الشاعر : فمنا زالت الكأس تغتالنا ... وتذهب بالأول الأول وقال سعيد بن جبير لا مكروه فيها ولا أذى والصحيح قول مجاهد إنه وجع البطن وقوله تعالى "ولا هم عنها ينزفون" قال مجاهد لا تذهب عقولهم وكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب والحسن وعطاء بن أبي مسلم الخراساني والسدي وغيرهم وقال الضحاك عن ابن عباس في الخمر أربع خصال السكر والصداع والقيء والبول فذكر الله تعالى خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال . وعندهم قاصرات الطرف عين (48) وعندهم قاصرات الطرف عين قوله تعالى "وعندهم قاصرات الطرف" أي عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن كذا قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وزيد بن أسلم وقتادة والسدي وغيرهم . وقوله تبارك وتعالى "عين" أي حسان الأعين وقيل ضخام الأعين وهو يرجع إلى الأول وهي النجلاء العيناء فوصف عيونهن بالحسن والعفة كقول زليخا في يوسف عليه الصلاة والسلام حين جملته وأخرجته على تلك النسوة فأعظمنه وأكبرنه وظنن أنه ملك من الملائكة لحسنه وبهاء منظره قالت "فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم" أي هو مع هذا الجمال عفيف تقي نقي وهكذا الحور العين "خيرات حسان" ولهذا قال عز وجل "وعندهم قاصرات الطرف عين" . كأنهن بيض مكنون (49) كأنهن بيض مكنون وقوله جل جلاله "كأنهن بيض مكنون" وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما "كأنهن بيض مكنون" يقول اللؤلؤ المكنون وينشد ههنا بيت أبي دهبل الشاعر وهو قوله في قصيدة له : وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوا ... ص ميزت من جوهر مكنون وقال الحسن "كأنهن بيض مكنون" يعني محصون لم تمسه الأيدي وقال السدي البيض في عشه مكنون وقال سعيد بن جبير "كأنهن بيض مكنون" يعني بطن البيض وقال عطاء الخراساني هو السحاء الذي يكون بين قشرته العليا ولباب البيضة وقال السدي "كأنهن بيض مكنون" يقول بياض البيض حين ينزع قشرته واختاره ابن جرير لقوله مكنون قال والقشرة العليا يمسها جناح الطير والعش وتنالها الأيدي بخلاف داخلها والله أعلم . وقال ابن جرير حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب حدثنا محمد بن الفرح الصدفي الدمياطي عن عمرو بن هاشم عن ابن أبي كريمة عن هشام عن الحسن عن أمه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل "حور عين" قال "العين الضخام العيون شفر الحوراء بمنزلة جناح النسر" قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل "كأنهن بيض مكنون" قال "رقتهن كرقة الجلدة التي رأسها في داخل البيضة التي تلي القشر وهي الغرقئ" . وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو غسان النهدي حدثنا عبد السلام بن حرب عن ليث عن الربيع بن أنس عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا" مبشرهم إذا حزنوا وأنا شفيعهم إذا حبسوا لواء الحمد يومئذ بيدي وأنا أكرم ولد آدم على الله عز وجل ولا فخر يطوف علي ألف خادم كأنهن البيض المكنون - أو اللؤلؤ المكنون "والله تعالى أعلم بالصواب ." فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50) فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون يخبر تعالى عن أهل الجنة أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون أي عن أحوالهم وكيف كانوا في الدنيا وماذا كانوا يعانون فيها وذلك من حديثهم على شرابهم واجتماعهم في تنادمهم ومعاشرتهم في مجالسهم وهم جلوس على السرر والخدم بين أيديهم يسعون ويجيئون بكل خير عظيم من مآكل ومشارب وملابس وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) قال قائل منهم إني كان لي قرين قال مجاهد يعني شيطانا وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما هو الرجل المشرك يكون له صاحب من أهل الإيمان في الدنيا ولا تنافي بين كلام مجاهد وابن عباس رضي الله عنهما فإن الشيطان يكون من الجن فيوسوس في النفس ويكون من الإنس فيقول كلاما تسمعه الأذنان وكلاهما يتعاونان قال الله تعالى "يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا" وكل منهما يوسوس كما قال الله عز وجل "من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس" . يقول أئنك لمن المصدقين (52) يقول أئنك لمن المصدقين أي أأنت تصدق بالبعث والنشور والحساب والجزاء يعني يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد والكفر والعناد . أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون (53) أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون قال مجاهد والسدي لمحاسبون وقال ابن عباس رضي الله عنهما ومحمد بن كعب القرظي لمجزيون بأعمالنا وكلاهما صحيح . قال هل أنتم مطلعون (54) قال هل أنتم مطلعون أي مشرفون يقول المؤمن لأصحابه وجلسائه من أهل الجنة . فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) فاطلع فرآه في سواء الجحيم قال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير وخليد العصري وقتادة والسدي وعطاء الخراساني يعني في وسط الجحيم وقال الحسن البصري في وسط الجحيم كأنه شهاب يتقد وقال قتادة ذكر لنا أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي وذكر لنا أن كعب الأحبار قال في الجنة كوى إذا أراد أحد من أهلها أن ينظر إلى عدوه في النار اطلع فيها فازداد شكرا . قال تالله إن كدت لتردين (56) قال تالله إن كدت لتردين يقول المؤمن مخاطبا للكافر والله إن كدت لتهلكني لو أطعتك . ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين (57) ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين أي ولولا فضل الله علي لكنت مثلك في سواء الجحيم حيث أنت محضر معك في العذاب ولكنه تفضل علي ورحمني فهداني للإيمان وأرشدني إلى توحيده "وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله" . أفما نحن بميتين (58) أفما نحن بميتين قوله تعالى "أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى" وما نحن بمعذبين هذا من كلام المؤمن مغتبطا نفسه بما أعطاه الله تعالى من الخلد في الجنة والإقامة في دار الكرامة بلا موت فيها ولا عذاب ولهذا قال عز وجل "إن هذا لهو الفوز العظيم" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو عبد الله الظهراني حدثنا حفص بن عمر العدني حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال : قال ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تبارك وتعالى لأهل الجنة "كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون" قال ابن عباس رضي الله عنهما وقوله عز وجل "هنيئا" أي لا يموتون فيها فعندها قالوا "أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين" وقال الحسن البصري علموا أن كل نعيم فإن الموت يقطعه فقالوا "أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين" قيل لا قالوا "إن هذا لهو الفوز العظيم" . إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين (59) إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين قوله تعالى "أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى" وما نحن بمعذبين هذا من كلام المؤمن مغتبطا نفسه بما أعطاه الله تعالى من الخلد في الجنة والإقامة في دار الكرامة بلا موت فيها ولا عذاب ولهذا قال عز وجل "إن هذا لهو الفوز العظيم" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو عبد الله الظهراني حدثنا حفص بن عمر العدني حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال : قال ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تبارك وتعالى لأهل الجنة "كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون" قال ابن عباس رضي الله عنهما وقوله عز وجل "هنيئا" أي لا يموتون فيها فعندها قالوا "أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين" وقال الحسن البصري علموا أن كل نعيم فإن الموت يقطعه فقالوا "أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين" قيل لا قالوا "إن هذا لهو الفوز العظيم" . إن هذا لهو الفوز العظيم (60) إن هذا لهو الفوز العظيم قوله تعالى "أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى" وما نحن بمعذبين هذا من كلام المؤمن مغتبطا نفسه بما أعطاه الله تعالى من الخلد في الجنة والإقامة في دار الكرامة بلا موت فيها ولا عذاب ولهذا قال عز وجل "إن هذا لهو الفوز العظيم" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو عبد الله الظهراني حدثنا حفص بن عمر العدني حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال : قال ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تبارك وتعالى لأهل الجنة "كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون" قال ابن عباس رضي الله عنهما وقوله عز وجل "هنيئا" أي لا يموتون فيها فعندها قالوا "أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين" وقال الحسن البصري علموا أن كل نعيم فإن الموت يقطعه فقالوا "أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين" قيل لا قالوا "إن هذا لهو الفوز العظيم" . لمثل هذا فليعمل العاملون (61) لمثل هذا فليعمل العاملون وقوله جل جلاله "لمثل هذا فليعمل العاملون" قال قتادة هذا من كلام أهل الجنة وقال ابن جرير هو من كلام الله تعالى ومعناه لمثل هذا النعيم وهذا الفوز فليعمل العاملون في الدنيا ليصيروا إليه في الآخرة وقد ذكروا قصة رجلين كانا شريكين في بني إسرائيل تدخل في ضمن عموم هذه الآية الكريمة قال أبو جعفر بن جرير حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد حدثنا عتاب بن بشير عن خصيف عن فرات بن ثعلبة النهراني في قوله "إني كان لي قرين" قال إن رجلين كانا شريكين فاجتمع لهما ثمانية آلاف دينار وكان أحدهما له حرفة والآخر ليس له حرفة فقال الذي له حرفة للآخر ليس عندك حرفة ما أراني إلا مفارقك ومقاسمك فقاسمه وفارقه ثم إن الرجل اشترى دارا بألف دينار كانت لملك مات فدعا صاحبه فأراه فقال كيف ترى هذه الدار ابتعتها بألف دينار ؟ قال ما أحسنها فلما خرج قال اللهم إن صاحبي هذا قد ابتاع هذه الدار بألف دينار وإني أسألك دارا من دور الجنة فتصدق بألف دينار ثم مكث ما شاء الله تعالى أن يمكث ثم إنه تزوج بامرأة بألف دينار فدعاه وصنع له طعاما فلما أتاه قال إني تزوجت هذه المرأة بألف دينار قال ما أحسن هذا فلما انصرف قال يا رب إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار وإني أسألك امرأة من الحور العين فتصدق بألف دينار ثم إنه مكث ما شاء الله تعالى أن يمكث ثم اشترى بستانين بألفي دينار ثم دعاه فأراه فقال إني ابتعت هذين البستانين بألفي دينار فقال ما أحسن هذا فلما خرج قال يا رب إن صاحبي قد اشترى بستانين بألفي دينار وأنا أسألك بستانين في الجنة فتصدق بألفي دينار ثم إن الملك أتاهما فتوفاهما ثم انطلق بهذا المتصدق فأدخله دارا تعجبه وإذا بامرأة تطلع يضيء ما تحتها من حسنها ثم أدخله بستانين وشيئا الله به عليم فقال عند ذلك ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا قال فإنه ذاك ولك هذا المنزل والبستانان والمرأة قال فإنه كان لي صاحب يقول "أإنك لمن المصدقين" قيل له فإنه في الجحيم قال هل "أنتم مطلعون فاطلع فرآه في سواء الجحيم" فقال عند ذلك "تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين" الآيات قال ابن جرير وهذا يقوي قراءة من قرأ "أإنك لمن المصدقين" بالتشديد وقال ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا عمرو بن عبد الرحمن الأبار أخبرنا أبو حفص قال سألت إسماعيل السدي عن هذه الآية "قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أإنك لمن المصدقين" قال : فقال لي ما ذكرك هذا ؟ قلت قرأته آنفا فأحببت أن أسألك عنه فقال أما فاحفظ كان شريكان في بني إسرائيل أحدهما مؤمن والآخر كافر فافترقا على ستة آلاف دينار لكل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار ثم افترقا فمكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن ما صنعت في مالك ؟ أضربت به شيئا أتجرت به في شيء ؟ فقال له المؤمن لا فما صنعت أنت ؟ فقال اشتريت به أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا بألف دينار - قال - فقال له المؤمن أوفعلت ؟ قال نعم قال فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه ثم قال : اللهم إن فلانا - يعني شريكه الكافر - اشترى أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا بألف دينار ثم يموت غدا ويتركها اللهم إني اشتريت منك بهذه الألف دينار أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا في الجنة - قال - ثم أصبح فقسمها في المساكين - قال - ثم مكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن ما صنعت في مالك أضربت به في شيء أتجرت به في شيء ؟ قال لا قال فما صنعت أنت ؟ قال كانت ضيعتي قد اشتد علي مؤنتها فاشتريت رقيقا بألف دينار يقومون لي فيها يعملون لي فيها فقال له المومن أوفعلت ؟ قال نعم - قال - فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه ثم قال اللهم إن فلانا - يعني شريكه الكافر - اشترى رقيقا من رقيق الدنيا بألف دينار يموت غدا فيتركهم أو يموتون فيتركونه اللهم إني اشتريت منك بهذه الألف الدينار رقيقا في الجنة - قال - ثم أصبح فقسمها في المساكين قال - ثم مكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن ما صنعت في مالك أضربت به في شيء أتجرت به في شيء ؟ قال لا فما صنعت أنت ؟ قال كان أمري كله قد تم إلا شيئا واحدا فلانة قد مات عنها زوجها فأصدقتها ألف دينار فجاءتني بها ومثلها معها فقال له المؤمن أوفعلت ؟ قال نعم قال فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله تعالى أن يصلي فلما انصرف أخذ الألف الدينار الباقية فوضعها بين يديه وقال اللهم إن فلانا - يعني شريكه الكافر - تزوج زوجة من أزواج الدنيا بألف دينار فيموت غدا فيتركها أو تموت غدا فتتركه اللهم إني أخطب إليك بهذه الألف الدينار حوراء عيناء في الجنة - قال - ثم أصبح فقسمها بين المساكين قال - فبقي المؤمن ليس عنده شيء قال فلبس قميصا من قطن وكساء من صوف ثم أخذ مرا فجعله على رقبته يعمل الشيء ويحفر الشيء بقوته قال فجاءه رجل فقال له يا عبد الله أتؤاجرني نفسك مشاهرة شهرا بشهر تقوم على دواب لي تعلفها وتكنس سرقينها قال أفعل قال فواجره نفسه مشاهرة شهرا بشهر يقوم على دوابه وقال وكان صاحب الدواب يغدو كل يوم ينظر إلى دوابه فإذا رأى منها دابة ضامرة أخذ برأسه فوجأ عنقه ثم يقول له سرقت شعير هذه البارحة قال فلما رأى المؤمن هذه الشدة قال لآتين شريكي الكافر فلأعملن في أرضه فليطعمني هذه الكسرة يوما بيوم ويكسوني هذين الثوبين إذا بليا قال فانطلق يريده فانتهى إلى بابه وهو ممس فإذا قصر مشيد في السماء وإذا حوله البوابون فقال لهم استأذنوا لي على صاحب هذا القصر فإنكم إذا فعلتم سره ذلك فقالوا له انطلق إن كنت صادقا فنم في ناحية فإذا أصبحت فتعرض له قال فانطلق المؤمن فألقى نصف كسائه تحته ونصفه فوقه ثم نام فلما أصبح أتى شريكه فتعرض له فخرج شريكه الكافر وهو راكب فلما رآه عرفه فوقف عليه وسلم عليه وصافحه ثم قال له ألم تأخذ من المال مثل ما أخذت ؟ قال بلى قال وهذه حالي وهذه حالك ؟ قال بلى قال أخبرني ما صنعت في مالك ؟ قال لا تسألني عنه قال فما جاء بك ؟ قال جئت أعمل في أرضك هذه فتطعمني هذه الكسرة يوما بيوم وتكسوني هذين الثوبين إذا بليا قال لا ولكن أصنع بك ما هو خير من هذا ولكن لا ترى مني خيرا حتى تخبرني ما صنعت في مالك قال أقرضته قال من ؟ قال المليء الوفي قال من ؟ قال الله ربي قال وهو مصافحه فانتزع يده من يده ثم قال "أإنك لمن المصدقين أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون" "قال السدي محاسبون قال فانطلق الكافر وتركه قال فلما رآه المؤمن وليس يلوي عليه رجع وتركه يعيش المؤمن في شدة من الزمان ويعيش الكافر في رخاء من الزمان قال فإذا كان يوم القيامة وأدخل الله تعالى المؤمن الجنة يمر فإذا هو بأرض ونخل وثمار وأنهار فيقول لمن هذا ؟ فيقال هذا لك فيقول يا سبحان الله أوبلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا ؟ قال ثم يمر فإذا هو" برقيق لا تحصى عدتهم فيقول لمن هذا ؟ فيقول هؤلاء لك فيقول يا سبحان الله أوبلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا قال ثم يمر فإذا هو بقبة من ياقوتة حمراء مجوفة فيها حوراء عيناء فيقول لمن هذه فيقال هذه لك فيقول يا سبحان الله أوبلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا قال ثم يذكر المؤمن شريكه الكافر فيقول "إني كان لي قرين يقول أإنك لمن المصدقين أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون" قال فالجنة عالية والنار هاوية قال فيريه الله تعالى شريكه في وسط الجحيم من بين أهل النار فإذا رآه المؤمن عرفه فيقول "تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين إن هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليعمل العاملون" بمثل ما قد من عليه قال فيتذكر المؤمن ما مر عليه في الدنيا من الشدة فلا يذكر مما مر عليه في الدنيا من الشدة أشد عليه من الموت . أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم يقول الله تعالى أهذا الذي ذكره من الجنة وما فيها من مآكل ومشارب ومناكح وغير ذلك من الملاذ خير ضيافة وعطاء "أم شجرة الزقوم" أي التي في جهنم وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك شجرة واحدة معينة كما قال بعضهم إنها شجرة تمتد فروعها إلى جميع محال جهنم كما أن شجرة طوبى ما من دار في الجنة إلا وفيها منها غصن وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك جنس شجر يقال له الزقوم كقوله تعالى "وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين" يعني الزيتونة ويؤيد ذلك قوله تعالى "ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم" . إنا جعلناها فتنة للظالمين (63) إنا جعلناها فتنة للظالمين قال قتادة ذكرت شجرة الزقوم فافتتن بها أهل الضلالة وقالوا صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة والنار تأكل الشجر فأنزل الله تعالى "إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم" غذيت من النار ومنها خلقت وقال مجاهد "إنا جعلناها فتنة للظالمين" قال أبو جهل لعنه الله إنما الزقوم التمر والزبد أتزقمه قلت ومعنى الآية إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقوم اختبارا نختبر به الناس من يصدق منهم ممن يكذب كقوله تبارك وتعالى "وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا" . إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم قوله تعالى "إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم" أي أصل منبتها في قرار النار طلعها كأنه رءوس الشياطين تبشيع لها وتكريه لذكرها . قال وهب بن منبه شعور الشياطين قائمة إلى السماء وإنما شبهها برءوس الشياطين وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر وقيل المراد بذلك ضرب من الحيات رءوسها بشعة المنظر وقيل جنس من النبات طلعه في غاية الفحاشة وفي هذين الاحتمالين نظر وقد ذكرهما ابن جرير والأول أقوى وأولى والله أعلم . طلعها كأنه رءوس الشياطين (65) طلعها كأنه رءوس الشياطين قوله تعالى "إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم" أي أصل منبتها في قرار النار طلعها كأنه رءوس الشياطين تبشيع لها وتكريه لذكرها . قال وهب بن منبه شعور الشياطين قائمة إلى السماء وإنما شبهها برءوس الشياطين وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر وقيل المراد بذلك ضرب من الحيات رءوسها بشعة المنظر وقيل جنس من النبات طلعه في غاية الفحاشة وفي هذين الاحتمالين نظر وقد ذكرهما ابن جرير والأول أقوى وأولى والله أعلم . فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون (66) فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ذكر تعالى أنهم يأكلون من هذه الشجرة التي لا أبشع منها ولا أقبح من منظرها مع ما هي عليه من سوء الطعم والريح والطبع فإنهم ليضطرون إلى الأكل منها لأنهم لا يجدون إلا إياها وما هو في معناها كما قال تعالى "ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع" وقال ابن أبي حاتم رحمه الله حدثنا أبي حدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية وقال "اتقوا الله حق تقاته فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم فكيف بمن يكون طعامه ؟" ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث شعبة وقال الترمذي حسن صحيح . ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم (67) ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم قال ابن عباس رضي الله عنهما يعني شرب الحميم على الزقوم وقال في رواية عنه "شوبا من حميم" مزجا من حميم وقال غيره يعني يمزج لهم الحميم بصديد وغساق مما يسيل من فروجهم وعيونهم وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي حدثنا بقية بن الوليد عن صفوان بن عمر وأخبرني عبيد بن بشير عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : "يقرب - يعني إلى أهل النار - ماء فيتكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فيه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عمرو بن رافع حدثنا يعقوب بن عبد الله عن جعفر وهارون بن عنترة عن سعيد بن جبير قال إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم فأكلوا منها فاختلست جلود وجوههم فلو أن مارا مر بهم يعرفهم لعرفهم بوجوههم فيها ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثوا بماء كالمهل وهو الذي قد انتهى حره ![]()
__________________
|
|
#436
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (12) تفسير سورة الصافات من صـ 29 الى صــ 40 الحلقة (436) فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود ويصهر ما في بطونهم فيمشون تسيل أمعاؤهم وتتساقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد فيسقط كل عضو على حياله يدعون بالثبور . ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم (68) ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم أي ثم إن مردهم بعد هذا الفصل لإلى نار تتأجج وجحيم تتوقد وسعير تتوهج فتارة في هذا وتارة في هذا كما قال تعالى "يطوفون بينها وبين حميم آن" هكذا تلا قتادة هذه الآية وهو تفسير حسن قوي وقال السدي في قراءة عبد الله رضي الله عنه عنه "ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم" وكان عبد الله رضي الله عنه يقول والذي نفسي بيده لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ثم قرأ "أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا" وروى الثوري عن ميسرة عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة عن عبد الله رضي الله عنه قال : لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء ويقيل هؤلاء قال سفيان - أراه - ثم قرأ "أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا" ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم قلت على هذا التفسير تكون ثم عاطفة لخبر على خبر . إنهم ألفوا آباءهم ضالين (69) إنهم ألفوا آباءهم ضالين وقوله تعالى "إنهم ألفوا آباءهم ضالين" أي إنما جازيناهم بذلك لأنهم وجدوا آباءهم على الضلالة فاتبعوهم فيها بمجرد ذلك من غير دليل ولا برهان ولهذا قال "فهم على آثارهم يهرعون" قال مجاهد شبيهة بالهرولة وقال سعيد بن جبير يسفهون . فهم على آثارهم يهرعون (70) فهم على آثارهم يهرعون وقوله تعالى "إنهم ألفوا آباءهم ضالين" أي إنما جازيناهم بذلك لأنهم وجدوا آباءهم على الضلالة فاتبعوهم فيها بمجرد ذلك من غير دليل ولا برهان ولهذا قال "فهم على آثارهم يهرعون" قال مجاهد شبيهة بالهرولة وقال سعيد بن جبير يسفهون. ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين (71) ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين يخبر تعالى عن الأمم الماضية أن أكثرهم كانوا ضالين يجعلون مع الله آلهة أخرى . ولقد أرسلنا فيهم منذرين (72) ولقد أرسلنا فيهم منذرين وذكر تعالى أنه أرسل فيهم منذرين ينذرون بأس الله ويحذرونهم سطوته ونقمته ممن كفر به وعبد غيره وأنهم تمادوا على مخالفة رسلهم وتكذيبهم فأهلك المكذبين ودمرهم ونجى المؤمنين ونصرهم وظفرهم ولهذا قال تعالى "فانظر كيف كان عاقبة المنذرين إلا عباد الله المخلصين" . فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) فانظر كيف كان عاقبة المنذرين وذكر تعالى أنه أرسل فيهم منذرين ينذرون بأس الله ويحذرونهم سطوته ونقمته ممن كفر به وعبد غيره وأنهم تمادوا على مخالفة رسلهم وتكذيبهم فأهلك المكذبين ودمرهم ونجى المؤمنين ونصرهم وظفرهم ولهذا قال تعالى "فانظر كيف كان عاقبة المنذرين إلا عباد الله المخلصين" . إلا عباد الله المخلصين (74) إلا عباد الله المخلصين وذكر تعالى أنه أرسل فيهم منذرين ينذرون بأس الله ويحذرونهم سطوته ونقمته ممن كفر به وعبد غيره وأنهم تمادوا على مخالفة رسلهم وتكذيبهم فأهلك المكذبين ودمرهم ونجى المؤمنين ونصرهم وظفرهم ولهذا قال تعالى "فانظر كيف كان عاقبة المنذرين إلا عباد الله المخلصين" . ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون (75) ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون لما ذكر تعالى عن أكثر الأولين أنهم ضلوا عن سبيل النجاة شرع يبين ذلك مفصلا فذكر نوحا عليه الصلاة والسلام وما لقي من قومه من التكذيب وأنه لم يؤمن منهم إلا القليل مع طول المدة لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فلما طال عليه ذلك واشتد عليه تكذيبهم وكلما دعاهم ازدادوا نفرة فدعا ربه أني مغلوب فانتصر فغضب الله تعالى لغضبه عليهم ولهذا قال عز وجل "ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون" أي فلنعم المجيبون له . ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) ونجيناه وأهله من الكرب العظيم وهو التكذيب والأذى . وجعلنا ذريته هم الباقين (77) وجعلنا ذريته هم الباقين قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما يقول : لم تبق إلا ذرية نوح عليه السلام وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تبارك وتعالى "وجعلنا ذريته هم الباقين" قال الناس كلهم من ذرية نوح عليه السلام وقد روى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى "وجعلنا ذريته هم الباقين" قال "سام وحام ويافث" وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال "سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو" الروم "ورواه الترمذي عن بشر بن معاذ العقدي عن يزيد بن زريع عن سعيد وهو ابن أبي عروبة عن قتادة به قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر : وقد روي عن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله والمراد بالروم ههنا هم الروم الأول وهم اليونان المنتسبون إلى رومي بن ليطي بن يونان بن يافث بن نوح عليه السلام ثم روي من حديث إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال : ولد نوح عليه السلام ثلاثة : سام ويافث وحام وولد كل واحد من هؤلاء الثلاثة ثلاثة فولد سام العرب وفارس والروم وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج وولد حام القبط" والسودان والبربر وروي عن وهب بن منبه نحو هذا والله أعلم . وتركنا عليه في الآخرين (78) وتركنا عليه في الآخرين قال ابن عباس رضي الله عنهما يذكر بخير وقال مجاهد يعني لسان صدق للأنبياء كلهم وقال قتادة والسدي أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرين . وقال الضحاك السلام والثناء الحسن . سلام على نوح في العالمين (79) سلام على نوح في العالمين مفسر لما أبقى عليه من الذكر الجميل والثناء الحسن أنه يسلم عليه في جميع الطوائف والأمم. إنا كذلك نجزي المحسنين (80) إنا كذلك نجزي المحسنين أي هكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله تعالى نجعل له لسان صدق يذكر به بعده بحسب مرتبته في ذلك . إنه من عبادنا المؤمنين (81) إنه من عبادنا المؤمنين أي المصدقين الموحدين الموقنين . ثم أغرقنا الآخرين (82) ثم أغرقنا الآخرين أي أهلكناهم فلم يبق منهم عين تطرف ولا ذكر ولا عين ولا أثر ولا يعرفون إلا بهذه الصفة القبيحة . وإن من شيعته لإبراهيم (83) وإن من شيعته لإبراهيم قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما "وإن من شيعته لإبراهيم" يقول من أصل دينه وقال مجاهد على منهاجه وسنته . إذ جاء ربه بقلب سليم (84) إذ جاء ربه بقلب سليم قال ابن عباس رضي الله عنهما يعني شهادة أن لا إله إلا الله. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن عوف قلت لمحمد بن سيرين ما القلب السليم ؟ قال يعلم أن الله حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وقال الحسن سليم من الشرك وقال عروة لا يكون لعانا . إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون (85) إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون وقوله تعالى "إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون" أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد ولهذا قال عز وجل "أإفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين" قال قتادة يعني ما ظنكم أنه فاعل بكم إذا لاقيتموه وقد عبدتم معه غيره . أئفكا آلهة دون الله تريدون (86) أئفكا آلهة دون الله تريدون وقوله تعالى "إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون" أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد ولهذا قال عز وجل "أإفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين" قال قتادة يعني ما ظنكم أنه فاعل بكم إذا لاقيتموه وقد عبدتم معه غيره . فما ظنكم برب العالمين (87) فما ظنكم برب العالمين وقوله تعالى "إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون" أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد ولهذا قال عز وجل "أإفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين" قال قتادة يعني ما ظنكم أنه فاعل بكم إذا لاقيتموه وقد عبدتم معه غيره . فنظر نظرة في النجوم (88) فنظر نظرة في النجوم إنما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه ذلك ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم فإنه كان قد أزف خروجهم إلى عيد لهم فأحب أن يختلي بآلهتهم ليكسرها فقال لهم كلاما هو حق في نفس الأمر فهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه "فتولوا عنه مدبرين" قال قتادة والعرب تقول لمن تفكر نظر في النجوم يعني أنه نظر إلى السماء متفكرا فيما يلهيهم به فقال "إني سقيم" أي ضعيف فأما الحديث الذي رواه ابن جرير ههنا حدثنا أبو كريب حدثنا أبو أسامة حدثني هشام عن محمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام غير ثلاث كذبات : ثنتين في ذات الله تعالى قوله" إني سقيم "وقوله" بل فعله كبيرهم هذا "وقوله في سارة هي أختي" فهو حديث مخرج في الصحاح والسنن من طرق ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله حاشا وكلا ولما , إنما أطلق الكذب على هذا تجوزا وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني كما جاء في الحديث "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات إبراهيم عليه الصلاة والسلام الثلاث التي قال "ما منها كلمة إلا ما حل بها عن دين الله تعالى فقال" إني سقيم "وقال" بل فعله كبيرهم هذا "وقال للملك حين أراد امرأته هي أختي" قال سفيان في قوله "إني سقيم" يعني طعين وكانوا يفرون من المطعون فأراد أن يخلو بآلهتهم وكذا قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى "فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم" فقالوا له وهو في بيت آلهتهم : اخرج فقال إني مطعون فتركوه مخافة الطاعون وقال قتادة عن سعيد بن المسيب رأى نجما طلع فقال "إني سقيم" كابد نبي الله عن دينه فقال "إني سقيم" "وقال آخرون" فقال إني سقيم "بالنسبة إلى ما يستقبل يعني مرض الموت وقيل أراد" إني سقيم "أي مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله تعالى وقال الحسن البصري : خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم فأرادوه على الخروج فاضطجع على ظهره وقال" إني سقيم "وجعل ينظر في السماء فلما خرجوا أقبل إلى آلهتهم فكسرها ورواه ابن أبي حاتم ." فقال إني سقيم (89) فقال إني سقيم إنما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه ذلك ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم فإنه كان قد أزف خروجهم إلى عيد لهم فأحب أن يختلي بآلهتهم ليكسرها فقال لهم كلاما هو حق في نفس الأمر فهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه "فتولوا عنه مدبرين" قال قتادة والعرب تقول لمن تفكر نظر في النجوم يعني أنه نظر إلى السماء متفكرا فيما يلهيهم به فقال "إني سقيم" أي ضعيف فأما الحديث الذي رواه ابن جرير ههنا حدثنا أبو كريب حدثنا أبو أسامة حدثني هشام عن محمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام غير ثلاث كذبات : ثنتين في ذات الله تعالى قوله "إني سقيم" وقوله " بل فعله كبيرهم هذا "وقوله في سارة هي أختي" فهو حديث مخرج في الصحاح والسنن من طرق ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله حاشا وكلا ولما , إنما أطلق الكذب على هذا تجوزا وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني كما جاء في الحديث "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات إبراهيم عليه الصلاة والسلام الثلاث التي قال " ما منها كلمة إلا ما حل بها عن دين الله تعالى فقال "إني سقيم" وقال " بل فعله كبيرهم هذا "وقال للملك حين أراد امرأته هي أختي" قال سفيان في قوله "إني سقيم" يعني طعين وكانوا يفرون من المطعون فأراد أن يخلو بآلهتهم وكذا قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى "فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم" فقالوا له وهو في بيت آلهتهم : اخرج فقال إني مطعون فتركوه مخافة الطاعون وقال قتادة عن سعيد بن المسيب رأى نجما طلع فقال "إني سقيم" كابد نبي الله عن دينه فقال " إني سقيم "وقال آخرون" فقال إني سقيم "بالنسبة إلى ما يستقبل يعني مرض الموت وقيل أراد" إني سقيم "أي مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله تعالى وقال الحسن البصري : خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم فأرادوه على الخروج فاضطجع على ظهره وقال" إني سقيم " وجعل ينظر في السماء فلما خرجوا أقبل إلى آلهتهم فكسرها ورواه ابن أبي حاتم . فتولوا عنه مدبرين (90) فتولوا عنه مدبرين إنما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه ذلك ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم فإنه كان قد أزف خروجهم إلى عيد لهم فأحب أن يختلي بآلهتهم ليكسرها فقال لهم كلاما هو حق في نفس الأمر فهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه "فتولوا عنه مدبرين" قال قتادة والعرب تقول لمن تفكر نظر في النجوم يعني أنه نظر إلى السماء متفكرا فيما يلهيهم به فقال "إني سقيم" أي ضعيف فأما الحديث الذي رواه ابن جرير ههنا حدثنا أبو كريب حدثنا أبو أسامة حدثني هشام عن محمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام غير ثلاث كذبات : ثنتين في ذات الله تعالى قوله "إني سقيم" وقوله " بل فعله كبيرهم هذا "وقوله في سارة هي أختي" فهو حديث مخرج في الصحاح والسنن من طرق ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله حاشا وكلا ولما , إنما أطلق الكذب على هذا تجوزا وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني كما جاء في الحديث "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات إبراهيم عليه الصلاة والسلام الثلاث التي قال " ما منها كلمة إلا ما حل بها عن دين الله تعالى فقال "إني سقيم" وقال " بل فعله كبيرهم هذا "وقال للملك حين أراد امرأته هي أختي" قال سفيان في قوله "إني سقيم" يعني طعين وكانوا يفرون من المطعون فأراد أن يخلو بآلهتهم وكذا قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى "فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم" فقالوا له وهو في بيت آلهتهم : اخرج فقال إني مطعون فتركوه مخافة الطاعون وقال قتادة عن سعيد بن المسيب رأى نجما طلع فقال "إني سقيم" كابد نبي الله عن دينه فقال " إني سقيم "وقال آخرون" فقال إني سقيم "بالنسبة إلى ما يستقبل يعني مرض الموت وقيل أراد" إني سقيم "أي مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله تعالى وقال الحسن البصري : خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم فأرادوه على الخروج فاضطجع على ظهره وقال" إني سقيم " وجعل ينظر في السماء فلما خرجوا أقبل إلى آلهتهم فكسرها ورواه ابن أبي حاتم . فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون (91) فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون أي ذهب إليها بعدما خرجوا في سرعة واختفاء "فقال ألا تأكلون" وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين أيديها طعاما قربانا لتبرك لهم فيه . قال السدي : دخل إبراهيم عليه السلام إلى بيت الآلهة فإذا هم في بهو عظيم وإذا مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو وإذا هم قد جعلوا طعاما ووضعوه بين أيدي الآلهة وقالوا إذا كان حين نرجع وقد بركت الآلهة في طعامنا أكلناه . فلما نظر إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى ما بين أيديهم من الطعام قال "ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون" . ما لكم لا تنطقون (92) ما لكم لا تنطقون "فقال ألا تأكلون" وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين أيديها طعاما قربانا لتبرك لهم فيه. قال السدي : دخل إبراهيم عليه السلام إلى بيت الآلهة فإذا هم في بهو عظيم وإذا مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو وإذا هم قد جعلوا طعاما ووضعوه بين أيدي الآلهة وقالوا إذا كان حين نرجع وقد بركت الآلهة في طعامنا أكلناه . فلما نظر إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى ما بين أيديهم من الطعام قال "ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون" . فراغ عليهم ضربا باليمين (93) فراغ عليهم ضربا باليمين وقوله تعالى "فراغ عليهم ضربا باليمين" قال الفراء معناه مال عليهم ضربا باليمين وقال قتادة والجوهري فأقبل عليهم ضربا باليمين وإنما ضربهم باليمين لأنها أشد وأنكى ولهذا تركهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون كما تقدم في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تفسير ذلك. فأقبلوا إليه يزفون (94) فأقبلوا إليه يزفون قوله تعالى ههنا "فأقبلوا إليه يزفون" قال مجاهد وغير واحد أي يسرعون. قال أتعبدون ما تنحتون (95) قال أتعبدون ما تنحتون وهذه القصة ههنا مختصرة وفي سورة الأنبياء مبسوطة فإنهم لما رجعوا ما عرفوا من أول وهلة من فعل ذلك حتى كشفوا واستعلموا فعرفوا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو الذي فعل ذلك فلما جاءوا ليعاتبوه أخذ في تأنيبهم وعيبهم فقال "أتعبدون ما تنحتون" أي أتعبدون من دون الله من الأصنام ما أنتم تنحتونها وتجعلونها بأيديكم. والله خلقكم وما تعملون (96) والله خلقكم وما تعملون يحتمل أن تكون ما مصدرية فيكون تقدير الكلام خلقكم وعملكم ويحتمل أن تكون بمعنى الذي تقديره والله خلقكم والذي تعملونه وكلا القولين متلازم والأول أظهر لما رواه البخاري في كتاب أفعال العباد عن علي بن المديني عن مروان بن معاوية عن أبي مالك عن ربعي بن حراش عن حذيفة رضي الله عنه مرفوعا قال "إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته" وقرأ بعضهم "والله خلقكم وما تعملون" فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة عدلوا إلى أخذه باليد والقهر . قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم (97) "فقالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم" وكان من أمرهم ما تقدم بيانه في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونجاه الله من النار وأظهره عليهم وأعلى حجته ونصرها ولهذا قال تعالى "وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين" . فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين (98) "فقالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم" وكان من أمرهم ما تقدم بيانه في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونجاه الله من النار وأظهره عليهم وأعلى حجته ونصرها ولهذا قال تعالى "وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين" . وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (99) وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين يقول تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام إنه بعدما نصره الله تعالى على قومه وأيس من إيمانهم بعدما شاهدوا من الآيات العظيمة هاجر من بين أظهرهم وقال "إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين" يعني أولادا مطيعين يكونون عوضا من قومه وعشيرته الذين فارقهم . رب هب لي من الصالحين (100) يقول تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام إنه بعدما نصره الله تعالى على قومه وأيس من إيمانهم بعدما شاهدوا من الآيات العظيمة هاجر من بين أظهرهم وقال "إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين" يعني أولادا مطيعين يكونون عوضا من قومه وعشيرته الذين فارقهم . فبشرناه بغلام حليم (101) فبشرناه بغلام حليم وهذا الغلام هو إسماعيل عليه السلام فإنه أول ولد بشر به إبراهيم عليه السلام وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب بل في نص كتابهم أن إسماعيل عليه السلام ولد ولإبراهيم عليه السلام ست وثمانون سنة وولد إسحاق وعمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام تسع وتسعون سنة وعندهم أن الله تبارك وتعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده وفي نسخة أخرى بكره فأقحموا ههنا كذبا وبهتانا إسحاق ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم وإنما أقحموا إسحاق لأنه أبوهم وإسماعيل أبو العرب فحسدوهم فزادوا ذلك وحرفوا وحيدك بمعنى الذي ليس عندك غيره فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى مكة وهو تأويل وتحريف باطل فإنه لا يقال وحيدك إلا لمن ليس له غيره وأيضا فإن أول ولد له معزة ما ليس لمن بعده من الأولاد فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق وحكي ذلك عن طائفة من السلف حتى نقل عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أيضا وليس ذلك في كتاب ولا سنة وما أظن ذلك تلقي إلا عن أحبار أهل الكتاب وأخذ ذلك مسلما من غير حجة وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل فإنه ذكر البشارة بغلام حليم وذكر أنه الذبيح ثم قال بعد ذلك "وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين" ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا "إنا نبشرك بغلام عليم" . وقال تعالى "فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب" أي يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب فيكون من ذريته عقب ونسل وقد قدمنا هناك أنه لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير لأن الله تعالى قد وعدهما بأنه سيعقب ويكون له نسل فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرا وإسماعيل وصف ههنا بالحليم لأنه مناسب لهذا المقام . فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (102) فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله وقوله تعالى "فلما بلغ معه السعي" أي كبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه وقد كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام يذهب في كل وقت يتفقد ولده وأم ولده ببلاد فاران وينظر في أمرهما وقد ذكر أنه كان يركب على البراق سريعا إلى هناك والله أعلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني وزيد بن أسلم وغيرهم "فلما بلغ معه السعي" بمعنى شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل "فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى" قال عبيد بن عمير رؤيا الأنبياء وحي ثم تلا هذه الآية "قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى" وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد حدثنا أبو عبد الملك الكرندي حدثنا سفيان بن عيينة عن إسرائيل بن يونس عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رؤيا الأنبياء في المنام وحي" ليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه وإنما أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه وليختبر صبره وجلده وعزمه في صغره على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه "قال يا أبت افعل ما تؤمر" أي امض لما أمرك الله من ذبحي "ستجدني إن شاء الله من الصابرين" أي سأصبر وأحتسب ذلك عند الله عز وجل وصدق صلوات الله وسلامه عليه فيما وعد ولهذا قال الله تعالى "واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا" . فلما أسلما وتله للجبين (103) فلما أسلما وتله للجبين أي فلما تشهدا وذكرا الله تعالى إبراهيم على الذبح والولد شهادة الموت وقيل أسلما يعني استسلما وانقادا إبراهيم امتثل أمر الله تعالى لإسماعيل طاعة لله ولأبيه قال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن إسحاق وغيرهم ومعنى تله للجبين أي صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة "وتله للجبين" أكبه على وجهه وقال الإمام أحمد حدثنا شريح ويونس قالا حدثنا حماد بن سلمة عن أبي عاصم الغنوي عن أبي الطفيل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لما أمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالمناسك عرض له الشيطان عند السعي فسابقه فسبقه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم ذهب به جبريل عليه الصلاة والسلام إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات وثم تله للجبين وعلى إسماعيل عليه الصلاة والسلام قميص أبيض فقال له يا أبت إنه ليس ![]()
__________________
|
|
#437
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (12) تفسير سورة الصافات من صـ 41 الى صــ 53 الحلقة (437) لي ثوب تكفنني فيه غيره فاخلعه حتى تكفنني فيه فعالجه ليخلعه فنودي من خلفه "أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا" فالتفت إبراهيم فإذا بكبش أبيض أقرن أعين قال ابن عباس لقد رأيتنا نتتبع ذلك الضرب من الكباش وذكر هشام الحديث في المناسك بطوله ثم رواه أحمد بطوله عن يونس عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما فذكره إلا أنه قال إسحاق فعن ابن عباس رضي الله عنهما في تسمية الذبيح روايتان والأظهر عنه إسماعيل لما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وقال محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار عن قتادة عن جعفر بن إياس عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تبارك وتعالى "وفديناه بذبح عظيم" قال خرج عليه كبش من الجنة قد رعى قبل ذلك أربعين خريفا فأرسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ابنه واتبع الكبش فأخرجه إلى الجمرة الأولى فرماه بسبع حصيات ثم أفلته عندها فجاء إلى الجمرة الوسطى فأخرجه عندها فرماه بسبع حصيات ثم أفلته فأدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات فأخرجه عندها ثم أخذه فأتى به المنحر من منى فذبحه فوالذي نفس ابن عباس بيده لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة حتى وحش يعني يبس . وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري أخبرنا القاسم قال اجتمع أبو هريرة وكعب فجعل أبو هريرة رضي الله عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم وجعل كعب يحدث عن الكتب فقال أبو هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني قد خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" فقال له كعب أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم قال فداك أبي وأمي - أو فداه أبي وأمي - أفلا أخبرك عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ؟ إنه لما أري ذبح ابنه إسحاق قال الشيطان إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبدا فخرج إبراهيم عليه الصلاة والسلام بابنه ليذبحه فذهب الشيطان فدخل على سارة فقال أين ذهب إبراهيم بابنك ؟ قالت غدا به لبعض حاجته قال فإنه لم يغد به لحاجة إنما ذهب به ليذبحه قالت ولم يذبحه ؟ قال زعم أن ربه أمره بذلك قالت فقد أحسن أن يطيع ربه فذهب الشيطان في أثرهما فقال للغلام أين يذهب بك أبوك ؟ قال لبعض حاجته قال فإنه لا يذهب بك لحاجة ولكنه يذهب بك ليذبحك قال ولم يذبحني ؟ قال يزعم أن ربه أمره بذلك قال فوالله لئن كان الله تعالى أمره بذلك ليفعلن قال فيئس منه فتركه ولحق بإبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال أين غدوت بابنك ؟ قال لحاجة قال فإنك لم تغد به لحاجة وإنما غدوت لتذبحه قال ولم أذبحه ؟ قال تزعم أن ربك أمرك بذلك قال فوالله لئن كان الله تعالى أمرني بذلك لأفعلن قال فتركه ويئس أن يطاع وقد رواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال إن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي أخبره أن كعبا قال لأبي هريرة فذكره بطوله وقال في آخره وأوحى الله تعالى إلى إسحاق أني أعطيتك دعوة أستجيب لك فيها قال إسحاق اللهم إني أدعوك أن تستجيب لي أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئا فأدخله الجنة . وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله تبارك وتعالى خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي وبين أن يجيب شفاعتي فاخترت شفاعتي ورجوت أن تكفر الجم لأمتي ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لتعجلت فيها دعوتي إن الله تعالى لما فرج عن إسحاق كرب الذبح قيل له يا إسحاق سل تعط فقال أما والذي نفسي بيده لأتعجلنها قبل نزغات الشيطان اللهم من مات لا يشرك بك شيئا فاغفر له وأدخله الجنة" هذا حديث غريب منكر وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف الحديث وأخشى أن يكون في الحديث زيادة مدرجة وهي قوله إن الله تعالى لما فرج عن إسحاق إلى آخره والله أعلم فهذا إن كان محفوظا فالأشبه أن السياق إنما هو عن إسماعيل وإنما حرفوه بإسحاق حسدا منهم كما تقدم وإلا فالمناسك والذبائح إنما محلها بمنى من أرض مكة حيث كان إسماعيل لا إسحاق فإنه إنما كان ببلاد كنعان من أرض الشام . وناديناه أن يا إبراهيم (104) وناديناه أن يا وقوله تعالى "وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا" أي قد حصل المقصود من رؤياك بإضجاعك ولدك للذبح وذكر السدي وغيره أنه أمر السكين على رقبته فلم تقطع شيئا بل حال بينها وبينه صفحة من نحاس ونودي إبراهيم عليه الصلاة والسلام عند ذلك "قد صدقت الرؤيا" . قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين (105) قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين وقوله تعالى "إنا كذلك نجزي المحسنين" أي هكذا نصرف عمن أطاعنا المكاره والشدائد ونجعل لهم من أمرهم فرجا ومخرجا كقوله تعالى "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا" وقد استدل بهذه الآية والقصة جماعة من علماء الأصول على صحة النسخ قبل التمكن من الفعل خلافا لطائفة من المعتزلة والدلالة من هذه ظاهرة لأن الله تعالى شرع لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ذبح ولده ثم نسخه عنه وصرفه إلى الفداء وإنما كان المقصود من شرعه أولا إثابة الخليل على الصبر على ذبح ولده وعزمه على ذلك . إن هذا لهو البلاء المبين (106) إن هذا لهو البلاء المبين ولهذا قال تعالى "إن هذا لهو البلاء المبين" أي الاختبار الواضح الجلي حيث أمر بذبح ولده فسارع إلى ذلك مستسلما لأمر الله تعالى منقادا لطاعته ولهذا قال تعالى "وإبراهيم الذي وفى" . وفديناه بذبح عظيم (107) وفديناه بذبح عظيم وقوله تعالى "وفديناه بذبح عظيم" قال سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن أبي الطفيل عن علي رضي الله عنه "وفديناه بذبح عظيم" قال بكبش أبيض أعين أقرن قد ربط بسمرة قال أبو الطفيل وجدوه مربوطا بسمرة في ثبير وقال الثوري أيضا عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار حدثنا داود العطار عن ابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال الصخرة التي بمنى بأصل ثبير هي الصخرة التي ذبح عليها إبراهيم فداء إسحاق ابنه هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء فذبحه وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه فكان مخزونا حتى فدي به إسحاق وروي أيضا عن سعيد بن جبير أنه قال كان الكبش يرتع في الجنة حتى شقق عنه ثبير وكان عليه عهن أحمر وعن الحسن البصري أنه قال كان اسم كبش إبراهيم عليه الصلاة والسلام جرير وقال ابن جريج قال عبيد بن عمير ذبحه بالمقام وقال مجاهد ذبحه بمنى عند المنحر . وقال هشيم عن سيار عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما كان أفتى الذي جعل عليه نذرا أن ينحر نفسه فأمره بمائة من الإبل ثم قال بعد ذلك لو كنت أفتيه بكبش لأجزأه أن يذبح كبشا فإن الله تعالى قال في كتابه "وفديناه بذبح عظيم" والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه يفدي بكبش وقال الثوري عن رجل عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى "وفديناه بذبح عظيم" قال وعل وقال محمد بن إسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن أنه كان يقول ما فدي إسماعيل عليه السلام إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير . وقد قال الإمام أحمد حدثنا سفيان حدثني منصور عن خاله مسافع عن صفية بنت شيبة قالت أخبرتني امرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة رضي الله عنه وقالت مرة إنها سألت عثمان لم دعاك النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي" قال سفيان لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت فاحترقا وهذا دليل مستقل على أنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام فإن قريشا توارثوا قرني الكبش الذي فدي به إبراهيم خلفا عن سلف وجيلا بعد جيل إلى أن بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم . "فصل في ذكر الآثار الواردة عن السلف في أن الذبيح من هو" "ذكر من قال هو إسحاق عليه الصلاة والسلام" قال حمزة الزيات عن أبي ميسرة رحمه الله قال : قال يوسف عليه عليه الصلاة والسلام للملك في وجهه ترغب أن تأكل معي وأنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله ابن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله وقال الثوري عن أبي سنان عن ابن أبي الهذيل أن يوسف عليه السلام قال للملك كذلك أيضا وقال سفيان الثوري عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه قال : قال موسى عليه الصلاة والسلام يا رب يقولون بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب فبم قالوا ذلك ؟ قال : إن إبراهيم لم يعدل بي شيء قط إلا اختارني عليه وإن إسحاق جاد لي بالذبح وهو بغير ذلك أجود وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن وقال شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص قال افتخر رجل عند ابن مسعود رضي الله عنه فقال أنا فلان بن فلان ابن الأشياخ الكرام فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله . وهذا صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه وكذا روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه إسحاق وعن أبيه العباس وعلي بن أبي طالب مثل ذلك وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعبيد بن عمير وأبو ميسرة وزيد بن أسلم وعبد الله بن شقيق والزهري والقاسم بن أبي برزة ومكحول وعثمان بن أبي حاضر والسدي والحسن وقتادة وأبو الهذيل وابن سابط وهذا اختيار ابن جرير وتقدم روايته عن كعب الأحبار أنه إسحاق وهكذا روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن أبي سفيان عن العلاء بن جارية عن أبي هريرة رضي الله عنه عن كعب الأحبار أنه قال هو إسحاق وهذه الأقوال والله أعلم كلها مأخوذة عن كعب الأحبار فإنه لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر رضي الله عنه عن كتبه قديما فربما استمع له عمر رضي الله عنه فترخص الناس في استماع ما عنده ونقلوا ما عنده عنه غثها وسمينها وليس لهذه الأمة والله أعلم حاجة إلى حرف واحد مما عنده وقد حكى البغوي القول بأنه إسحاق عن عمر وعلي وابن مسعود والعباس رضي الله عنهم ومن التابعين عن كعب الأحبار وسعيد بن جبير وقتادة ومسروق وعكرمة وعطاء ومقاتل والزهري والسدي قال وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله عنهما وقد ورد في ذلك حديث لو ثبت لقلنا به على الرأس والعين ولكن لم يصح سنده . قال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا زيد بن حباب عن الحسن بن دينار عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره قال "هو إسحاق" ففي إسناده ضعيفان وهما الحسن بن دينار البصري متروك وعلي بن زيد بن جدعان منكر الحديث وقد رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن مسلم بن إبراهيم عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان به مرفوعا ثم قال قد رواه مبارك بن فضالة عن الحسن عن الأحنف عن العباس رضي الله عنه وهذا أشبه وأصح والله أعلم . "ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام وهو الصحيح المقطوع به" قد تقدمت الرواية عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه إسحاق عليه الصلاة والسلام والله تعالى أعلم وقال سعيد بن جبير وعامر الشعبي ويوسف بن مهران ومجاهد وعطاء وغير واحد عن ابن عباس رضي الله عنهما هو إسماعيل عليه الصلاة والسلام وقال ابن جرير حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني عمرو بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنه قال المفدى إسماعيل عليه السلام وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود وقال إسرائيل عن ثور عن مجاهد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال الذبيح إسماعيل وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد هو إسماعيل عليه السلام وكذا قال يوسف بن مهران وقال الشعبي هو إسماعيل عليه الصلاة والسلام وقد رأيت قرني الكبش في الكعبة وقال محمد بن إسحاق عن الحسن بن دينار وعمرو بن عبيد عن الحسن البصري أنه كان لا يشك في ذلك أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم إسماعيل عليه السلام قال ابن إسحاق وسمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول إن الذي أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل وإنا لنجد ذلك في كتاب الله تعالى وذلك أن الله تعالى حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال الله تعالى "وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين" ويقول الله تعالى "فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب" يقول بابن وابن ابن فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه من الموعد بما وعده وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل قال ابن إسحاق سمعته يقول ذلك كثيرا وقال ابن إسحاق عن بريدة بن سفيان الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو خليفة إذ كان معه بالشام فقال له عمر إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه وإني لأراه كما قلت ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه وكان يرى أنه من علمائهم فسأله عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عن ذلك قال محمد بن كعب وأنا عند عمر بن عبد العزيز فقال له عمر أي ابني إبراهيم أمر بذبحه ؟ فقال إسماعيل والله يا أمير المؤمنين وإن يهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل الذي ذكر الله تعالى منه لصبره لما أمر به فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لأن إسحاق أبوهم والله أعلم أيهما كان وكل قد كان طاهرا طيبا مطيعا لله عز وجل وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله سألت أبي عن الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق فقال إسماعيل ذكره في كتاب الزهد وقال ابن أبي حاتم وسمعت أبي يقول الصحيح أن الذبيح إسماعيل عليه الصلاة والسلام قال وروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد والشعبي ومحمد بن كعب القرظي وأبي جعفر محمد بن علي وأبي صالح رضي الله عنهم أنهم قالوا الذبيح إسماعيل . وقال البغوي في تفسيره وإليه ذهب عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب والسدي والحسن البصري ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي والكلبي وهو رواية عن ابن عباس وحكاه أيضا عن أبي عمرو بن العلاء وقد روى ابن جرير في ذلك حديثا غريبا فقال حدثني محمد بن عمار الرازي حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة حدثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابي عن عبيد الله بن محمد العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان عن أبيه حدثني عبد الله بن سعيد عن الصنابحي قال كنا عند معاوية بن أبي سفيان فذكروا الذبيح إسماعيل أو إسحاق فقال على الخبير سقطتم : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل فقال يا رسول الله عد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم "فقيل له يا أمير المؤمنين وما الذبيحان ؟ فقال إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الله له أمرها عليه ليذبحن أحد ولده قال فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا افد ابنك بمائة من الإبل ففداه بمائة من الإبل والثاني إسماعيل." وهذا حديث غريب جدا وقد رواه الأموي في مغازيه حدثنا بعض أصحابنا أخبرنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة حدثنا عمرو بن عبد الرحمن القرشي حدثنا عبيد الله بن محمد العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا الصنابحي قال حضرنا مجلس معاوية رضي الله عنه فتذاكر القوم إسماعيل أو إسحاق وذكره كذا كتبته من نسخة مغلوطة. وإنما عول ابن جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى "فبشرناه بغلام حليم" فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله تعالى "وبشروه بغلام عليم" وأجاب عن البشارة بيعقوب بأنه قد كان بلغ معه السعي أي العمل ومن الممكن أنه قد كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضا قال وأما القرنان اللذان كانا معلقين بالكعبة فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد كنعان قال وقد تقدم أن من الناس من ذهب إلى أنه ذبح إسحاق هناك هذا ما اعتمد عليه في تفسيره وليس إليه بمذهب ولا لازم بل هو بعيد جدا والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت أثبت وأصح وأقوى والله أعلم . وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين (112) وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين قوله تعالى "وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين" لما تقدمت البشارة بالذبيح وهو إسماعيل عطف بذكر البشارة بأخيه إسحاق وقد ذكرت في سورتي هود والحجر قوله تعالى "نبيا" حال مقدرة أي سيصير منه نبي صالح . وقال ابن جرير حدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن داود عن عكرمة قال : قال ابن عباس رضي الله عنهما الذبيح إسحاق قال وقوله تعالى "وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين" قال بشر بنبوته - قال - وقوله تعالى "ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا" قال كان هارون أكبر من موسى ولكن أراد وهب له نبوته وحدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا المعتمر بن سليمان قال سمعت داود يحدث عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية "وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين" قال إنما بشر به نبيا من الصالحين قال إنما بشر به نبيا حين فداه الله عز وجل من الذبح ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده . وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان الثوري عن داود عن عكرمة عن ابن عباس "وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين" قال بشر به حين ولد وحين نبئ وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى "وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين" قال بعدما كان من أمره لما جاد الله تعالى بنفسه وقال الله عز وجل "وباركنا عليه وعلى إسحاق" . وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (113) وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين كقوله تعالى "قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم" ولقد مننا على موسى وهارون (114) ولقد مننا على موسى وهارون يذكر تعالى ما أنعم به على موسى وهارون من النبوة والنجاة بمن آمن معهما من قهر فرعون وقومه وما كان يعتمد في حقهم من الإساءة العظيمة من قتل الأبناء واستحياء النساء واستعمالهم في أخس الأشياء ثم بعد هذا كله نصرهم عليهم وأقر أعينهم منهم فغلبوهم وأخذوا أرضهم وأموالهم وما كانوا جمعوه طول حياتهم ثم أنزل الله عز وجل على موسى الكتاب العظيم الواضح الجلي المستبين وهو التوراة كما قال تعالى "ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء" . ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم (115) ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم يذكر تعالى ما أنعم به على موسى وهارون من النبوة والنجاة بمن آمن معهما من قهر فرعون وقومه وما كان يعتمد في حقهم من الإساءة العظيمة من قتل الأبناء واستحياء النساء واستعمالهم في أخس الأشياء ثم بعد هذا كله نصرهم عليهم وأقر أعينهم منهم فغلبوهم وأخذوا أرضهم وأموالهم وما كانوا جمعوه طول حياتهم ثم أنزل الله عز وجل على موسى الكتاب العظيم الواضح الجلي المستبين وهو التوراة كما قال تعالى "ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء" . ونصرناهم فكانوا هم الغالبين (116) ونصرناهم فكانوا هم الغالبين يذكر تعالى ما أنعم به على موسى وهارون من النبوة والنجاة بمن آمن معهما من قهر فرعون وقومه وما كان يعتمد في حقهم من الإساءة العظيمة من قتل الأبناء واستحياء النساء واستعمالهم في أخس الأشياء ثم بعد هذا كله نصرهم عليهم وأقر أعينهم منهم فغلبوهم وأخذوا أرضهم وأموالهم وما كانوا جمعوه طول حياتهم ثم أنزل الله عز وجل على موسى الكتاب العظيم الواضح الجلي المستبين وهو التوراة كما قال تعالى "ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء" . وآتيناهما الكتاب المستبين (117) وآتيناهما الكتاب المستبين أي في الأقوال والأفعال . وهديناهما الصراط المستقيم (118) وهديناهما الصراط المستقيم أي في الأقوال والأفعال. وتركنا عليهما في الآخرين (119) وتركنا عليهما في الآخرين "وتركنا عليهما في الآخرين" أي أبقينا لهما من بعدهما ذكرا جميلا وثناء حسنا ثم فسره بقوله تعالى "سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين" . سلام على موسى وهارون (120) سلام على موسى وهارون "وتركنا عليهما في الآخرين" أي أبقينا لهما من بعدهما ذكرا جميلا وثناء حسنا ثم فسره بقوله تعالى "سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين" . إنا كذلك نجزي المحسنين (121) إنا كذلك نجزي المحسنين "وتركنا عليهما في الآخرين" أي أبقينا لهما من بعدهما ذكرا جميلا وثناء حسنا ثم فسره بقوله تعالى "سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين" . إنهما من عبادنا المؤمنين (122) إنهما من عبادنا المؤمنين "وتركنا عليهما في الآخرين" أي أبقينا لهما من بعدهما ذكرا جميلا وثناء حسنا ثم فسره بقوله تعالى "سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين" . وإن إلياس لمن المرسلين (123) وإن إلياس لمن المرسلين قال قتادة ومحمد بن إسحاق يقال إلياس هو إدريس وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو نعيم حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق ![]()
__________________
|
|
#438
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (12) تفسير سورة الصافات من صـ 54 الى صــ 66 الحلقة (438) عن عبيدة بن ربيعة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : إلياس هو إدريس وكذا قال الضحاك وقال وهب بن منبه هو إلياس بن نسي بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران بعثه الله تعالى في بني إسرائيل بعد حزقيل رضي الله عنهما وكانوا قد عبدوا صنما يقال له بعل فدعاهم إلى الله تعالى ونهاهم عن عبادة ما سواه وكان قد آمن به ملكهم ثم ارتد واستمروا على ضلالتهم ولم يؤمن به منهم أحد فدعا الله عليهم فحبس عنهم القطر ثلاث سنين ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم ووعدوه الإيمان به إن هم أصابهم المطر فدعا الله تعالى لهم فجاءهم الغيث فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من الكفر فسأل الله أن يقبضه إليه وكان قد نشأ على يديه اليسع بن أخطوب عليهما الصلاة والسلام فأمر إلياس أن يذهب إلى مكان كذا وكذا فمهما جاءه فليركبه ولا يهبه فجاءته فرس من نار فركب وألبسه الله تعالى النور وكساه الريش وكان يطير مع الملائكة ملكا إنسيا سماويا أرضيا هكذا حكاه وهب بن منبه عن أهل الكتاب والله أعلم بصحته . إذ قال لقومه ألا تتقون (124) إذ قال لقومه ألا تتقون أي ألا تخافون الله عز وجل في عبادتكم غيره . أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين (125) أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي بعلا يعني ربا قال عكرمة وقتادة وهي لغة أهل اليمن وفي رواية عن قتادة قال : وهي لغة أزد شنوءة وقال ابن إسحاق أخبرني بعض أهل العلم أنهم كانوا يعبدون امرأة اسمها بعل وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه هو اسم صنم كان يعبده أهل مدينة يقال لها بعلبك غربي دمشق وقال الضحاك هو صنم كانوا يعبدونه وقوله تعالى "أتدعون بعلا" أي أتعبدون صنما "وتذرون أحسن الخالقين" . الله ربكم ورب آبائكم الأولين (126) الله ربكم ورب آبائكم الأولين أي هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له . فكذبوه فإنهم لمحضرون (127) أي للعذاب يوم الحساب . إلا عباد الله المخلصين (128) أي الموحدين منهم وهذا استثناء منقطع من مثبت . وتركنا عليه في الآخرين (129) أي ثناء جميلا. سلام على إل ياسين (130) كما يقال في إسماعيل إسماعين وهي لغة بني أسد وأنشد بعض بني تميم في ضب صاده : يقول رب السوق لما جينا ... هذا ورب البيت إسرائينا ويقال ميكال وميكائيل وميكائين وإبراهيم وإبراهام وإسرائيل وإسرائين وطور سيناء وطور سينين وهو موضع واحد وكل هذا سائغ وقرأ آخرون "سلام على إدراسين" وهي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه آخرون "سلام على آل ياسين" يعني آل محمد صلى الله عليه وسلم . إنا كذلك نجزي المحسنين (131) وقوله تعالى "إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين" قد تقدم تفسيره والله تعالى أعلم . إنه من عبادنا المؤمنين (132) وقوله تعالى "إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين" قد تقدم تفسيره والله تعالى أعلم. وإن لوطا لمن المرسلين (133) يخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط رضي الله عنهما أنه بعثه إلى قومه . إذ نجيناه وأهله أجمعين (134) فكذبوه فنجاه الله تعالى من بين أظهرهم هو وأهله . إلا عجوزا في الغابرين (135) إلا امرأته فإنها هلكت مع من هلك من قومها . ثم دمرنا الآخرين (136) ثم دمرنا الآخرين فإن الله تعالى أهلكهم بأنواع من العقوبات وجعل محلتهم من الأرض بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والريح وجعلها بسبيل مقيم يمر بها المسافرون ليلا ونهارا. وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) لا يوجد تفسير لهذه الأية وبالليل أفلا تعقلون (138) ولهذا قال تعالى "وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون" أي أفلا تعتبرون بهم كيف دمر الله عليهم وتعلمون أن للكافرين أمثالها ؟ . وإن يونس لمن المرسلين (139) قد تقدمت قصة يونس عليه الصلاة والسلام في سورة الأنبياء وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" ونسبه إلى أمه وفي رواية إلى أبيه. إذ أبق إلى الفلك المشحون (140) إذ أبق إلى الفلك المشحون قوله تعالى "إذ أبق إلى الفلك المشحون" قال ابن عباس رضي الله عنهما هو الموقر أي المملوء بالأمتعة . فساهم فكان من المدحضين (141) فساهم فكان من المدحضين "فساهم" أي قارع "فكان من المدحضين" أي المغلوبين وذلك أن السفينة تلعبت بها الأمواج من كل جانب وأشرفوا على الغرق فساهموا على من تقع عليه القرعة يلقى في البحر لتخف بهم السفينة فوقعت القرعة على نبي الله يونس عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات وهم يضنون به أن يلقى من بينهم فتجرد من ثيابه ليلقي نفسه وهم يأبون عليه ذلك . فالتقمه الحوت وهو مليم (142) فالتقمه الحوت وهو مليم وأمر الله تعالى حوتا من البحر الأخضر أن يشق البحار وأن يلتقم يونس عليه السلام فلا يهشم له لحما ولا يكسر له عظما فجاء ذلك الحوت وألقى يونس عليه السلام نفسه فالتقمه الحوت وذهب به فطاف به البحار كلها . ولما استقر يونس في بطن الحوت حسب أنه قد مات ثم حرك رأسه ورجليه وأطرافه فإذا هو حي فقام فصلى في بطن الحوت وكان من جملة دعائه يا رب اتخذت لك مسجدا في موضع لم يبلغه أحد من الناس واختلفوا في مقدار ما لبث في بطن الحوت فقيل ثلاثة أيام قاله قتادة وقيل سبعة قاله جعفر الصادق رضي الله عنه وقيل أربعين يوما قاله أبو مالك وقال مجاهد عن الشعبي : التقمه ضحى ولفظه عشية والله تعالى أعلم بمقدار ذلك وفي شعر أمية بن أبي الصلت : وأنت بفضل منك نجيت يونسا ... وقد بات في أضعاف حوت لياليا فلولا أنه كان من المسبحين (143) فلولا أنه كان من المسبحين وقوله تعالى "فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون" قيل لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء قاله الضحاك بن قيس وأبو العالية ووهب بن منبه وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير وقد ورد في الحديث الذي سنورده إن شاء الله تعالى ما يدل على ذلك إن صح الخبر وفي حديث ابن عباس "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" . وقال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والضحاك وعطاء بن السائب والسدي والحسن وقتادة "فلولا أنه كان من المسبحين" يعني المصلين وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك وقال بعضهم كان من المسبحين في جوف أبويه وقيل المراد "فلولا أنه كان من المسبحين" هو قوله عز وجل "فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين" قاله سعيد بن جبير وغيره . وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب حدثنا عمي حدثنا أبو صخر أن يزيد الرقاشي حدثه أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه - ولا أعلم أنسا إلا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - "أن يونس النبي عليه الصلاة والسلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت فقال اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فأقبلت الدعوة تحن بالعرش قالت الملائكة يا رب هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيده غريبة فقال الله تعالى أما تعرفون ذلك قالوا يا رب ومن هو ؟ قال عز وجل عبدي يونس قالوا عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة ؟ قالوا يا رب أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه في البلاء ؟ قال بلى فأمر الحوت فطرحه بالعراء" "ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب به زاد ابن أبي حاتم قال أبو صخر حميد بن زياد فأخبرني ابن قسيط وأنا أحدثه هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : طرح بالعراء وأنبت الله عز وجل عليه اليقطينة قلنا يا أبا هريرة وما اليقطينة ؟ قال شجرة الدباء ." قال أبو هريرة رضي الله عنه : وهيأ الله له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض - أو قال هشاش الأرض - قال فتتفشح عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتا من شعره وهو : فأنبت يقطينا عليه برحمة ... من الله لولا الله ألقي ضاحيا للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون وقوله تعالى "فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون" قيل لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء قاله الضحاك بن قيس وأبو العالية ووهب بن منبه وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير وقد ورد في الحديث الذي سنورده إن شاء الله تعالى ما يدل على ذلك إن صح الخبر وفي حديث ابن عباس "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" . وقال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والضحاك وعطاء بن السائب والسدي والحسن وقتادة "فلولا أنه كان من المسبحين" يعني المصلين وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك وقال بعضهم كان من المسبحين في جوف أبويه وقيل المراد "فلولا أنه كان من المسبحين" هو قوله عز وجل "فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين" قاله سعيد بن جبير وغيره . وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو عبيد الله بن أخي بن وهب حدثنا عمي حدثنا أبو صخر أن يزيد الرقاشي حدثه أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه - ولا أعلم أنسا إلا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - "أن يونس النبي عليه الصلاة والسلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت فقال اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فأقبلت الدعوة تحن بالعرش قالت الملائكة يا رب هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة فقال الله تعالى أما تعرفون ذلك قالوا يا رب ومن هو ؟ قال عز وجل عبدي يونس قالوا عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة ؟ قالوا يا رب أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه في البلاء ؟ قال بلى فأمر الحوت فطرحه بالعراء" ورواه ابن جرير عز يونس عن ابن وهب به زاد ابن أبي حاتم قال أبو صخر حميد بن زياد فأخبرني ابن قسيط وأنا أحدثه هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : طرح بالعراء وأنبت الله عز وجل عليه اليقطينة قلنا يا أبا هريرة وما اليقطينة ؟ قال شجرة الدباء . قال أبو هريرة رضي الله عنه : وهيأ الله له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض - أو قال هشاش الأرض - قال فتتفشح عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتا من شعره وهو : فأنبت يقطينا عليه برحمة ... من الله لولا الله ألقي ضاحيا فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) فنبذناه بالعراء وهو سقيم وقد تقدم حديث أبي هريرة رضي الله عنه مسندا مرفوعا في تفسير سورة الأنبياء ولهذا قال تعالى "فنبذناه" أي ألقيناه "بالعراء" قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره وهي الأرض التي ليس بها نبت ولا بناء قيل على جانب دجلة وقيل بأرض اليمن فالله أعلم "وهو سقيم" أي ضعيف البدن قال ابن مسعود رضي الله عنه كهيئة الفرخ ليس عليه ريش وقال السدي كهيئة الظبي حين يولد وهو المنفوس وقاله ابن عباس رضي الله عنهما وابن زيد أيضا . وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) وأنبتنا عليه شجرة من يقطين قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف وعبد الله بن طاوس والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغير واحد قالوا كلهم اليقطين هو القرع وقال هشيم عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير وكل شجرة لا ساق لها فهي من اليقطين وفي رواية عنه كل شجرة تهلك من عامها فهي من اليقطين وذكر بعضهم في القرع فوائد منها سرعة نباته وتظليل ورقه لكبره ونعومته وأنه لا يقربها الذباب وجودة تغذية ثمره وأنه يؤكل نيئا ومطبوخا وقشره أيضا وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب الدباء ويتتبعه من نواحي الصحفة . وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون (147) وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون وقوله تعالى "وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون" روى شهر بن حوشب عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال إنما كانت رسالة يونس عليه الصلاة والسلام بعدما نبذه الحوت رواه ابن جرير حدثني الحارث حدثنا أبو هلال عن شهر به وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد أرسل إليهم قبل أن يلتقمه الحوت "قلت" ولا مانع أن يكون الذين أرسل إليهم أولا أمر بالعود إليهم بعد خروجه من الحوت فصدقوه كلهم وآمنوا به وحكى البغوي أنه أرسل إلى أمة أخرى بعد خروجه من الحوت كانوا مائة ألف أو يزيدون وقوله تعالى "أو يزيدون" قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عنه : بل يزيدون وكانوا مائة وثلاثين ألفا وعنه مائة ألف وبضعة وثلاثين ألفا وعنه مائة ألف وبضعة وأربعين ألفا والله أعلم وقال سعيد بن جبير يزيدون سبعين ألفا وقال مكحول كانوا مائة ألف وعشرة آلاف رواه ابن أبي حاتم وقال ابن جرير حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال سمعت زهيرا يحدث عمن سمع أبا العالية يقول حدثني أبي بن كعب رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى "وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون" قال "يزيدون عشرين ألفا ورواه الترمذي عن علي بن حجر عن الوليد بن مسلم عن زهير عن رجل عن أبي العالية عن أبي بن كعب به وقال غريب رواه ابن أبي حاتم من حديث زهير به قال ابن جرير : وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في ذلك معناه إلى المائة الألف أو كانوا يزيدون عندكم يقول كذلك كانوا عندكم ولهذا سلك ابن جرير ههنا ما سلكه عند قوله تعالى" ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة "وقوله تعالى" إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية "وقوله تعالى" فكان قاب قوسين أو أدنى "المراد ليس أنقص من ذلك بل أزيد ." فآمنوا فمتعناهم إلى حين (148) فآمنوا فمتعناهم إلى حين وقوله تعالى "فآمنوا" أي فآمن هؤلاء القوم الذين أرسل إليهم يونس عليه السلام جميعهم "فمتعناهم إلى حين" أي إلى وقت آجالهم كقوله جلت عظمته "فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين" . فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون يقول تعالى منكرا على هؤلاء المشركين في جعلهم لله تعالى البنات سبحانه ولهم ما يشتهون أي من الذكور أي يودون لأنفسهم الجيد "وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم" أي يسوءه ذلك ولا يختار لنفسه إلا البنين يقول عز وجل فكيف نسبوا إلى الله تعالى القسم الذي لا يختارونه لأنفسهم ولهذا قال تعالى "فاستفتهم" أي سلهم على سبيل الإنكار عليهم "ألربك البنات ولهم البنون" كقوله عز وجل "ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى" . أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون (150) أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون أي كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث وما شاهدوا خلقهم كقوله جل وعلا "وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون أي يسألون عن ذلك يوم القيامة ." ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ألا إنهم من إفكهم ليقولون قوله جلت عظمته "ألا إنهم من إفكهم" أي من كذبهم "ليقولون ولد الله" أي صدر منه الولد "وإنهم لكاذبون" فذكر الله تعالى عنهم في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب فأولا جعلوهم بنات الله فجعلوا لله ولدا تعالى وتقدس وجعلوا ذلك الولد أنثى ثم عبدوهم من دون الله تعالى وتقدس وكل منها كاف في التخليد في نار جهنم . ولد الله وإنهم لكاذبون (152) ولد الله وإنهم لكاذبون قوله جلت عظمته "ألا إنهم من إفكهم" أي من كذبهم "ليقولون ولد الله" أي صدر منه الولد "وإنهم لكاذبون" فذكر الله تعالى عنهم في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب فأولا جعلوهم بنات الله فجعلوا لله ولدا تعالى وتقدس وجعلوا ذلك الولد أنثى ثم عبدوهم من دون الله تعالى وتقدس وكل منها كاف في التخليد في نار جهنم . أصطفى البنات على البنين (153) أصطفى البنات على البنين قال تعالى منكرا عليهم "أصطفى البنات على البنين" أي أي شيء يحمله عن أن يختار البنات دون البنين كقوله عز وجل "أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما" ولهذا قال تبارك وتعالى "ما لكم كيف تحكمون" أي ما لكم عقول تتدبرون بها ما تقولون . ما لكم كيف تحكمون (154) ما لكم كيف تحكمون قال تعالى منكرا عليهم "أصطفى البنات على البنين" أي أي شيء يحمله عن أن يختار البنات دون البنين كقوله عز وجل "أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما" ولهذا قال تبارك وتعالى "ما لكم كيف تحكمون" أي ما لكم عقول تتدبرون بها ما تقولون . أفلا تذكرون (155) أفلا تذكرون أفلا تذكرون أم لكم سلطان مبين "أي حجة على ما تقولونه ؟ ." أم لكم سلطان مبين (156) أم لكم سلطان مبين "أفلا تذكرون أم لكم سلطان مبين" أي حجة على ما تقولونه ؟ . فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157) فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين أي هاتوا برهانا على ذلك يكون مستندا إلى كتاب منزل من السماء عن الله تعالى أنه اتخذ ما تقولونه فإن ما تقولونه لا يمكن استناده إلى عقل بل لا يجوزه العقل بالكلية . وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (158) وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون وقوله تعالى "وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا" قال مجاهد قال المشركون الملائكة بنات الله تعالى فقال أبو بكر رضي الله عنه عنه فمن أمهاتهن ؟ قالوا بنات سروات الجن وكذا قال قتادة وابن زيد ولهذا قال تبارك وتعالى "ولقد علمت الجنة" أي الذين نسبوا إليهم ذلك "إنهم لمحضرون" أي إن الذين قالوا ذلك لمحضرون في العذاب يوم الحساب لكذبهم في ذلك وافترائهم وقولهم الباطل بلا علم وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى "وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا" قال زعم أعداء الله أنه تبارك وتعالى هو وإبليس أخوان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا حكاه ابن جرير . سبحان الله عما يصفون (159) سبحان الله عما يصفون وقوله جلت عظمه "سبحان الله عما يصفون" أي تعالى وتقدس وتنزه عن أن يكون له ولد وعما يصفه به الظالمون الملحدون علوا كبيرا . إلا عباد الله المخلصين (160) إلا عباد الله المخلصين استثناء منقطع وهو من مثبت إلا أن يكون الضمير قوله تعالى "عما يصفون" عائدا إلى الناس جميعهم ثم استثنى منهم المخلصين وهم المتبعون للحق المنزل على كل نبي مرسل وجعل ابن جرير هذا الاستثناء من قوله تعالى "إنهم لمحضرون إلا عباد الله المخلصين" وفي هذا الذي قاله نظر والله سبحانه وتعالى أعلم . فإنكم وما تعبدون (161) فإنكم وما تعبدون يقول تعالى مخاطبا للمشركين "فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم" أي إنما ينقاد لمقالتكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة من هو أضل منكم ممن ذرئ للنار "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون" فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة كما قال تبارك وتعالى "إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك" أي إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل ثم قال تبارك وتعالى منزها للملائكة مما نسبوا إليهم من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم بنات الله . ما أنتم عليه بفاتنين (162) ما أنتم عليه بفاتنين يقول تعالى مخاطبا للمشركين "فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم" أي إنما ينقاد لمقالتكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة من هو أضل منكم ممن ذرئ للنار "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون" فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة كما قال تبارك وتعالى "إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك" أي إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل ثم قال تبارك وتعالى منزها للملائكة مما نسبوا إليهم من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم بنات الله . إلا من هو صال الجحيم (163) إلا من هو صالي الجحيم يقول تعالى مخاطبا للمشركين "فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم" أي إنما ينقاد لمقالتكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة من هو أضل منكم ممن ذرئ للنار "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون" فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة كما قال تبارك وتعالى "إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك" أي إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل ثم قال تبارك وتعالى منزها للملائكة مما نسبوا إليهم من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم بنات الله . وما منا إلا له مقام معلوم (164) وما منا إلا له مقام معلوم أي له موضع مخصوص في السماوات ومقامات العبادات لا يتجاوزه ولا يتعداه وقال ابن عساكر في ترجمته لمحمد بن خالد بسنده إلى عبد الرحمن بن العلاء بن سعد عن أبيه وكان ممن بايع يوم الفتح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لجلسائه "أطت السماء وحق لها أن تئط ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد" ثم قرأ صلى الله عليه وسلم "وما منا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون" "وقال الضحاك في تفسيره" وما منا إلا له مقام معلوم "قال كان مسروق يروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ما من السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد أو قائم "فذلك قوله تعالى" وما منا إلا له مقام معلوم "وقال الأعمش عن أبي إسحاق عن مسروق عن ابن عباس رضي الله عنه قال : إن في السماوات لسماء ما فيها موضع شبر إلا عليه جبهة ملك أو قدماه ثم قرأ" عبد الله رضي الله عنه "وما منا إلا له مقام معلوم" وكذا قال سعيد بن جبير وقال قتادة كانوا يصلون الرجال والنساء جميعا حتى نزلت "وما منا إلا له مقام معلوم" فتقدم الرجال وتأخر النساء . وإنا لنحن الصافون (165) وإنا لنحن الصافون أي نقف صفوفا في الطاعة كما تقدم عند قوله تبارك وتعالى "والصافات صفا" قال ابن جريج عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث قال كانوا لا يصفون في الصلاة حتى نزلت "وإنا لنحن الصافون" فصفوا وقال أبو نضرة كان عمر رضي الله عنه إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه ثم قال أقيموا صفوفكم استووا قياما يريد الله تعالى بكم هدي الملائكة ثم يقول "وإنا لنحن الصافون" تأخر يا فلان تقدم يا فلان ثم يتقدم فيكبر رواه ابن أبي حاتم وابن جرير وفي صحيح مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض مسجدا وتربتها طهورا" الحديث . وإنا لنحن المسبحون (166) وإنا لنحن المسبحون أي نصطف فنسبح الرب ونمجده ونقدسه وننزهه عن النقائص فنحن عبيد له فقراء إليه خاضعون لديه . وقال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد "وما منا إلا له مقام معلوم" الملائكة "وإنا لنحن الصافون" الملائكة "وإنا لنحن المسبحون" الملائكة نسبح الله عز وجل . وقال قتادة "وإنا لنحن المسبحون" يعني المصلون يثبتون بمكانهم من العبادة كما قال تبارك وتعالى "وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي"الظالمين "." وإن كانوا ليقولون (167) وإن كانوا ليقولون قوله جل وعلا "وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين" أي قد كانوا يتمنون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله وما كان من أمر القرون الأولى ويأتيهم بكتاب الله كما قال جل جلاله "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا" وقال تعالى "أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون" ولهذا قال تعالى ههنا "فكفروا به فسوف يعلمون" وعيد أكيد وتهديد شديد على كفرهم بربهم عز وجل وتكذيبهم رسوله صلى الله عليه وسلم . لو أن عندنا ذكرا من الأولين (168) لو أن عندنا ذكرا من الأولين قوله جل وعلا "وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين" أي قد كانوا يتمنون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله وما كان من أمر القرون الأولى ويأتيهم بكتاب الله كما قال جل جلاله "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا" وقال تعالى "أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون" ولهذا قال تعالى ههنا "فكفروا به فسوف يعلمون" وعيد أكيد وتهديد شديد على كفرهم بربهم عز وجل وتكذيبهم رسوله صلى الله عليه وسلم . ![]()
__________________
|
|
#439
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (12) تفسير سورة ص من صـ 67 الى صــ 76 الحلقة (439) لكنا عباد الله المخلصين (169) لكنا عباد الله المخلصين قوله جل وعلا "وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين" أي قد كانوا يتمنون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله وما كان من أمر القرون الأولى ويأتيهم بكتاب الله كما قال جل جلاله "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا" وقال تعالى "أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون" ولهذا قال تعالى ههنا "فكفروا به فسوف يعلمون" وعيد أكيد وتهديد شديد على كفرهم بربهم عز وجل وتكذيبهم رسوله صلى الله عليه وسلم . فكفروا به فسوف يعلمون (170) فكفروا به فسوف يعلمون قوله جل وعلا "وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين" أي قد كانوا يتمنون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله وما كان من أمر القرون الأولى ويأتيهم بكتاب الله كما قال جل جلاله "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا" وقال تعالى "أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون" ولهذا قال تعالى ههنا "فكفروا به فسوف يعلمون" وعيد أكيد وتهديد شديد على كفرهم بربهم عز وجل وتكذيبهم رسوله صلى الله عليه وسلم . ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين يقول تبارك وتعالى "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين" أي تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة كما قال تعالى "كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز" وقال عز وجل "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" ولهذا قال جل جلاله "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون" أي في الدنيا والآخرة كما تقدم بيان نصرتهم على قومهم ممن كذبهم وخالفهم كيف أهلك الله الكافرين ونجى عباده المؤمنين . إنهم لهم المنصورون (172) إنهم لهم المنصورون يقول تبارك وتعالى "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين" أي تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة كما قال تعالى "كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز" وقال عز وجل "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" ولهذا قال جل جلاله "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون" أي في الدنيا والآخرة كما تقدم بيان نصرتهم على قومهم ممن كذبهم وخالفهم كيف أهلك الله الكافرين ونجى عباده المؤمنين . وإن جندنا لهم الغالبون (173) وإن جندنا لهم الغالبون أي تكون لهم العاقبة. فتول عنهم حتى حين (174) فتول عنهم حتى حين إلى وقت مؤجل فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر ولهذا قال بعضهم غيا ذلك إلى يوم بدر وما بعدها أيضا في معناها . وأبصرهم فسوف يبصرون (175) وأبصرهم فسوف يبصرون أي أنظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال بمخالفتك وتكذيبك ولهذا قال تعالى على وجه التهديد والوعيد "فسوف" يبصرون "." أفبعذابنا يستعجلون (176) أفبعذابنا يستعجلون أي هم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم بك فإن الله تعالى يغضب عليهم بذلك ويجعل لهم العقوبة ومع هذا أيضا كانوا من كفرهم وعنادهم يستعجلون العذاب والعقوبة . فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين (177) فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين أي فإذا نزل العذاب بمحلتهم فبئس ذلك اليوم يومهم بإهلاكهم ودمارهم وقال السدي "فإذا نزل بساحتهم" يعني بدارهم "فساء صباح المنذرين" أي فبئس ما يصبحون أي بئس الصباح صباحهم ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث إسماعيل بن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس رضي الله عنه قال : صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فلما خرجوا بفؤوسهم ومساحيهم ورأوا الجيش رجعوا وهم يقولون محمد والله محمد والخميس فقال النبي صلى الله عليه وسلم "الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" ورواه البخاري من حديث مالك عن حميد عن أنس رضي الله عنه وقال الإمام أحمد حدثنا روح حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك عن أبي طلحة رضي الله عنه قال : لما صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وقد أخذوا مساحيهم وغدوا إلى حروثهم وأرضيهم فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم نكصوا مدبرين فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم "إنا إذا نزلنا بساحة قوم" فساء صباح المنذرين "لم يخرجوه عن هذا الوجه وهو صحيح على شرط الشيخين ." وتول عنهم حتى حين (178) وتول عنهم حتى حين تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك والله سبحانه وتعالى أعلم . وأبصر فسوف يبصرون (179) وأبصر فسوف يبصرون قوله "وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون" تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك والله سبحانه وتعالى أعلم . سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) سبحان ربك رب العزة عما يصفون ينزه تبارك وتعالى نفسه ويقدسها ويبرئها عما يقول الظالمون المكذبون المعتدون تعالى وتنزه وتقدس عن قولهم علوا كبيرا ولهذا قال تبارك وتعالى "سبحان ربك رب العزة" أي ذي العزة التي لا ترام "عما يصفون" أي عن قول هؤلاء المعتدين المفترين. وسلام على المرسلين (181) وسلام على المرسلين أي سلام الله عليهم في الدنيا والآخرة لسلامة ما قالوه في ربهم وصحته وحقيته . والحمد لله رب العالمين (182) والحمد لله رب العالمين أي له الحمد في الأولى والآخرة في كل حال ولما كان التسبيح يتضمن التنزيه والتبرئة من النقص بدلالة المطابقة ويستلزم إثبات الكمال كما أن الحمد يدل على إثبات صفات الكمال مطابقة ويستلزم التنزيه من النقص قرن بينهما في هذا الموضع وفي مواضع كثيرة من القرآن ولهذا قال تبارك وتعالى "سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين" وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين فأنا رسول من المرسلين" هكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد عنه كذلك وقد أسنده ابن أبي حاتم رحمه الله فقال حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد حدثنا أبو بكر الأعين ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة قالا حدثنا حسين بن محمد حدثنا شيبان عن قتادة قال حدثنا أنس بن مالك عن أبي طلحة رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين" وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا نوح حدثنا أبو هارون عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد أن يسلم قال "سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين" ثم يسلم إسناده ضعيف وقال ابن أبي حاتم حدثنا عمار بن خالد الواسطي حدثنا شبابة عن يونس بن أبي إسحاق عن الشعبي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين" وروي من وجه آخر متصل موقوف على علي رضي الله عنه قال أبو محمد البغوي في تفسيره أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني ابن منجويه حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان حدثنا إبراهيم بن سهلويه حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال : من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه في مجلسه سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وروى الطبراني من طريق عبد الله بن صخر بن أنس عن عبد الله بن زيد بن أرقم عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "من قال دبر كل صلاة سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ثلاث مرات فقد اكتال بالجريب الأوفى من الأجر" وقد وردت أحاديث في كفارة المجلس : سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك . وقد أفردت لها جزءا على حدة والله سبحانه وتعالى أعلم آخر تفسير سورة الصافات . تفسير سورة ص [ وهي ] مكية . بسم الله الرحمن الرحيم ص والقرآن ذي الذكر (1) ص والقرآن ذي الذكر وقوله تعالى "والقرآن ذي الذكر" أي والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد ونفع لهم في المعاش والمعاد قال الضحاك في قوله تعالى "ذي الذكر" كقوله تعالى "لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم" أي تذكيركم وكذا قال قتادة واختاره ابن جرير . وقال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير وإسماعيل بن أبي خالد وابن عيينة وأبو حصين وأبو صالح والسدي "ذي الذكر" ذي الشرف أي ذي الشأن والمكانة ولا منافاة بين القولين فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار واختلفوا في جواب هذا القسم فقال بعضهم هو قوله تعالى "إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب" وقيل قوله تعالى "إن ذلك لحق تخاصم أهل النار" حكاهما ابن جرير وهذا الثاني فيه بعد كبير وضعفه ابن جرير وقال قتادة جوابه "بل الذين كفروا في عزة وشقاق" واختاره ابن جرير ثم حكى ابن جرير عن بعض أهل العربية أنه قال جوابه "ص" بمعنى صدق حق "والقرآن ذي الذكر" وقيل جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها والله أعلم . بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) وقوله تبارك وتعالى "بل الذين كفروا في عزة وشقاق" أي إن في هذا القرآن لذكرى لمن يتذكر وعبرة لمن يعتبر وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم "في عزة" أي استكبار عنه وحمية "وشقاق" أي ومخالفة له ومعاندة ومفارقة ثم خوفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء . كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) فقال تعالى "كم أهلكنا من قبلهم من قرن" أي من أمة مكذبة "فنادوا" أي حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله تعالى وليس ذلك بمجد عنهم شيئا كما قال عز وجل "فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون" أي يهربون "لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون" قال أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن أبي إسحاق التميمي قال : سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن قول الله تبارك وتعالى "فنادوا ولات حين مناص" قال ليس بحين نداء ولا نزو ولا فرار وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ليس بحين مغاث وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس نادوا النداء حين لا ينفعهم وأنشد تذكر ليلى لات حين تذكر وقال محمد بن كعب في قوله تعالى "فنادوا ولات حين مناص" يقول نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم واستناصوا للتوبة حيت تولت الدنيا عنهم وقال قتادة لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين النداء وقال مجاهد "فنادوا ولات حين مناص" ليس بحين فرار ولا إجابة وقد روي نحو هذا عن عكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك والضحاك وزيد بن أسلم والحسن وقتادة وعن مالك عن زيد بن أسلم "ولات حين مناص" ولا نداء في غير حين النداء وهذه الكلمة وهي لات هي لا التي للنفي زيدت معها التاء كما تزاد في ثم فيقولون ثمت ورب فيقولون ربت وهي مفصولة والوقف عليها ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره ابن جرير أنها متصلة بحين ولات حين مناص والمشهور الأول ثم قرأ الجمهور بنصب حين تقديره وليس الحين حين مناص ومنهم من جوز النصب بها وأنشد : تذكر حب ليلى لات حينا ... وأضحى الشيب قد قطع القرينا ومنهم من جوز الجر بها وأنشد : طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء وأنشد بعضهم أيضا : ولات ساعة مندم بخفض الساعة وأهل اللغة يقولون النوص التأخر والبوص التقدم ولهذا قال تبارك وتعالى "ولات حين مناص" أي ليس الحين حين فرار ولا ذهاب والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب. وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب يقول تعالى مخبرا عن المشركين في تعجبهم من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيرا نذيرا كما قال عز وجل "أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين" وقال جل وعلا ههنا "وعجبوا أن جاءهم منذر منهم" أي بشر مثلهم وقال الكافرون "هذا ساحر كذاب" . أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب (5) أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب "أجعل الآلهة إلها واحدا" أي أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو ؟ أنكر المشركون ذلك قبحهم الله تعالى وتعجبوا من ترك الشرك بالله فإنهم قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأشربته قلوبهم فلما دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خلع ذلك من قلوبهم وإفراد الإله بالوحدانية أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا "أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب" . وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد (6) وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد "وانطلق الملأ منهم" وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين "امشوا" أي استمروا على دينكم "واصبروا على آلهتكم" ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد وقوله تعالى "إن هذا لشيء يراد" قال ابن جرير إن هذا الذي يدعونا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء وأن يكون له منكم أتباع ولسنا نجيبه إليه "ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمات" قال السدي إن ناسا من قريش اجتمعوا فيهم أبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض انطلقوا بنا إلى أبي طالب فلنكلمه فيه فلينصفنا منه فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي يعبده فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا إليه شيء فتعيرنا به العرب يقولون تركوه حتى إذا مات عنه تناولوه فبعثوا رجلا منهم يقال له المطلب فاستأذن لهم على أبي طالب فقال هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم يستأذنون عليك قال أدخلهم فلما دخلوا عليه قالوا يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا ندعه وإلهه قال فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك قال صلى الله عليه وسلم "يا عم أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم ؟" قال وإلام تدعوهم ؟ قال صلى الله عليه وسلم "أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم" فقال أبو جهل لعنه الله من بين القوم ما هي وأبيك لأعطينكها وعشر أمثالها قال صلى الله عليه وسلم "تقولون لا إله إلا الله" فنفروا وقالوا سلنا غيرها قال صلى الله عليه وسلم "لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها" فقاموا من عنده غضابا وقالوا والله لأشتمنك وإلهك الذي أمرك بهذا "وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد" ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وزاد فلما خرجوا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه إلى قول لا إله إلا الله فأبى وقال بل على دين الأشياخ ونزلت "إنك لا تهدي من أحببت" وقال أبو جعفر بن جرير حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا أبو أسامة حدثنا الأعمش حدثنا عباد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا : إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول فلو بعثت إليه فنهيته فبعث إليه فجاء النبي فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل قال فخشي أبو جهل لعنه الله إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا قرب عمه فجلس عند الباب فقال له أبو طالب أي ابن أخي ما لقومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول ؟ قال وأكثروا عليه من القول وتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية" ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم كلمة واحدة نعم وأبيك عشرا فقالوا وما هي قال أبو طالب وأي كلمة هي يا ابن أخي ؟ قال صلى الله عليه وسلم "لا إله إلا الله" فقاموا فزعين منفضين ثيابهم وهم يقولون "أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب" قال ونزلت من هذا الموضع إلى قوله "بل لما يذوقوا عذاب" لفظ أبي كريب وهكذا رواه الإمام أحمد والنسائي من حديث محمد بن عبد الله بن نمير كلاهما عن أبي أسامة عن الأعمش عن عباد غير منسوب به نحوه ورواه الترمذي والنسائي وابن أبي سعيد وابن جرير أيضا كلهم في تفاسيرهم من حديث سفيان الثوري عن الأعمش عن يحيى بن عمارة الكوفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما فذكر نحوه . ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق (7) ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق قال الترمذي حسن وقولهم "ما سمعنا بهذا في في الملة الآخرة" أي ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملة الآخرة قال مجاهد وقتادة وأبو زيد يعنون دين قريش وقال غيرهم يعنون النصرانية قالوا محمد بن كعب والسدي وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة يعني النصرانية قالوا لو كان هذا القرآن حقا لأخبرتنا به النصارى "إن اختلاق" . أؤنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب (8) أؤنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب قال مجاهد وقتادة كذب وقال ابن عباس تخرص وقولهم "أأنزل عليه الذكر من بيننا" يعني أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كلهم كما قال في الآية الأخرى "لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" قال الله تعالى "أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات" ولهذا لما قالوا هذا الذي دل على جهلهم وقلة عقلهم في استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم قال الله تعالى "بل لما يذوقوا عذاب" أي إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلى حين قولهم ذلك عذاب الله تعالى ونقمته سيعلمون غب ما قالوا وما كذبوا به يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ثم قال تعالى مبينا أنه المتصرف في ملكه الفعال لما يشاء الذي يعطي من يشاء ما يشاء ويعز من يشاء فلا يهديه ويهدي من يشاء ويضل من يشاء وينزل الروح من أمره على من يشاء من عباده ويختم على قلب من يشاء فلا يهديه أحد من بعد الله لأن العباد لا يملكون شيئا من الأمر وليس إليهم من التصرف في الملك ولا مثقال ذرة وما يملكون من قطمير ولهذا قال تعالى منكرا عليهم "أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب" أي العزيز الذي لا يرام جنابه الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا وقوله تعالى "قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا" وذلك بعد الحكاية عن الكفار أنهم أنكروا بعثة الرسول البشري صلى الله عليه وسلم وكما أخبر عز وجل عن قوم صالح عليه السلام حين قالوا "أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر سيعلمون غدا من الكذاب الأشر" . أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب (9) أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب قال مجاهد وقتادة كذب وقال ابن عباس تخرص وقولهم "أأنزل عليه الذكر من بيننا" يعني أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كلهم كما قال في الآية الأخرى "لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" قال الله تعالى "أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات" ولهذا لما قالوا هذا الذي دل على جهلهم وقلة عقلهم في استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم قال الله تعالى "بل لما يذوقوا عذاب" أي إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلى حين قولهم ذلك عذاب الله تعالى ونقمته سيعلمون غب ما قالوا وما كذبوا به يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ثم قال تعالى مبينا أنه المتصرف في ملكه الفعال لما يشاء الذي يعطي من يشاء ما يشاء ويعز من يشاء فلا يهديه ويهدي من يشاء ويضل من يشاء وينزل الروح من أمره على من يشاء من عباده ويختم على قلب من يشاء فلا يهديه أحد من بعد الله لأن العباد لا يملكون شيئا من الأمر وليس إليهم من التصرف في الملك ولا مثقال ذرة وما يملكون من قطمير ولهذا قال تعالى منكرا عليهم "أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب" أي العزيز الذي لا يرام جنابه الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا وقوله تعالى "قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا" وذلك بعد الحكاية عن الكفار أنهم أنكروا بعثة الرسول البشري صلى الله عليه وسلم وكما أخبر عز وجل عن قوم صالح عليه السلام حين قالوا "أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر سيعلمون غدا من الكذاب الأشر" . أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب (10) أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب وقوله تعالى "أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب" أي إن كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم يعني طرق السماء وقال الضحاك رحمه الله تعالى فليصعدوا إلى السماء السابعة . جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب (11) جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب قال عز وجل "جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب" أي هؤلاء الجند المكذبون الذين هم في عزة وشقاق سيهزمون ويغلبون ومكبتون كما كبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذبين وهذه الآية كقوله جلت عظمته "أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر" وكان ذلك يوم بدر "بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر" . كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (12) كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد يقول تعالى مخبرا عن هؤلاء القرون الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقد تقدمت قصصهم مبسوطة في أماكن متعددة وقوله تعالى "أولئك الأحزاب" أي كانوا أكثر منكم وأشد قوة وأكثر أموالا وأولادا فما دافع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك ولهذا قال عز وجل "إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب" فجعل علة إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر . وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب (13) وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب يقول تعالى مخبرا عن هؤلاء القرون الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقد تقدمت قصصهم مبسوطة في أماكن متعددة وقوله تعالى "أولئك الأحزاب" أي كانوا أكثر منكم وأشد قوة وأكثر أموالا وأولادا فما دافع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك ولهذا قال عز وجل "إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب" فجعل علة إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر . إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (14) إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب يقول تعالى مخبرا عن هؤلاء القرون الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقد تقدمت قصصهم مبسوطة في أماكن متعددة وقوله تعالى "أولئك الأحزاب" أي كانوا أكثر منكم وأشد قوة وأكثر أموالا وأولادا فما دافع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك ولهذا قال عز وجل "إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب" فجعل علة إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر . وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق (15) وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق وقوله تعالى "وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق" قال مالك عن زيد بن أسلم أي ليس لها مثنوية أي ما ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها أي فقد اقتربت ودنت وأزفت وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي يأمر الله تعالى إسرافيل أن يطولها فلا يبقى أحد من أهل السماوات والأرض إلا فزع إلا من استثنى الله عز وجل . ![]()
__________________
|
|
#440
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (12) تفسير سورة ص من صـ 77 الى صــ 90 الحلقة (440) وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (16) وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب وقوله جل جلاله "وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب" هذا إنكار من الله تعالى على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب فإن القط هو الكتاب وقيل هو الحظ والنصيب قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد والضحاك والحسن وغير واحد سألوا تعجيل العذاب زاد قتادة كما قالوا "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم" وقيل سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة إن كانت موجودة ليلقوا ذاك في الدنيا وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب . اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب (17) اصبر على ما يقولون وقوله جل جلاله "وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب" هذا إنكار من الله تعالى على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب فإن القط هو الكتاب وقيل هو الحظ والنصيب قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد والضحاك والحسن وغير واحد سألوا تعجيل العذاب زاد قتادة كما قالوا "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم" وقيل سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة إن كانت موجودة ليلقوا ذاك في الدنيا وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب . وقال ابن جرير سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو الشر في الدنيا وهذا الذي قاله جيد وعليه يدور كلام الضحاك وإسماعيل بن أبي خالد والله أعلم ولما كان هذا الكلام منهم على وجه الاستهزاء والاستبعاد قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم آمرا له بالصبر على أذاهم ومبشرا له على صبره بالعاقبة والنصر والظفر . واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب يذكر تعالى عن عبده ورسوله داود عليه الصلاة والسلام أنه كان ذا أيد والأيد القوة في العلم والعمل قال ابن عباس رضي الله عنهما والسدي وابن زيد الأيد : القوة وقرأ ابن زيد "والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون" وقال مجاهد الأيد القوة في الطاعة وقال قتادة أعطي داود عليه الصلاة والسلام قوة في العبادة وفقها في الإسلام وقد ذكر لنا أنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم ثلث الليل ويصوم نصف الدهر وهذا ثابت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود وأحب الصيام إلى الله عز وجل صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى وإنه كان أوابا" وهو إلى الله عز وجل في جميع أموره وشئونه. إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق وقوله تعالى "إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق" أي أنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار كما قال عز وجل "يا جبال أوبي معه والطير" وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه إذا مر به الطير وهو سابح في الهواء فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور لا يستطيع الذهاب بل يقف في الهواء ويسبح معه وتجيبه الجبال الشامخات ترجع معه وتسبح تبعا له قال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا محمد بن بشر عن مسعر عن عبد الكريم عن موسى بن أبي كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه بلغه أن أم هانئ رضي الله عنها ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة صلى الضحى ثمان ركعات فقال ابن عباس رضي الله عنهما قد ظننت أن لهذه الساعة صلاة يقول الله عز وجل "يسبحن بالعشي والإشراق" ثم رواه من حديث سعيد بن أبي عروبة عن أبي المتوكل عن أيوب بن صفوان عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل أن ابن عباس رضي الله عنهما كان لا يصلي الضحى قال فأدخلته على أم هانئ رضي الله عنها فقلت أخبري هذا ما أخرتني فقالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في بيتي ثم أمر بماء صب في قصعة ثم أمر بثوب فأخذ بيني وبينه فاغتسل ثم رش ناحية البيت فصلى ثمان ركعات وذلك من الضحى قيامهن وركوعهن وسجودهن وجلوسهن سواء قريب بعضهم من بعض فخرج ابن عباس رضي الله عنهما وهو يقول لقد قرأت ما بين اللوحين ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن "يسبحن بالعشي والإشراق" وكنت أقول أين صلاة الإشراق وكان بعد يقول صلاة الإشراق ولهذا قال عز وجل "والطير محشورة" أي محبوسة في الهواء "كل له أواب" أي مطيع يسبح تبعا له قال سعيد بن جبير وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد "كل له أواب" أي مطيع. والطير محشورة كل له أواب (19) والطير محشورة كل له أواب وقوله تعالى "إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق" أي أنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار كما قال عز وجل "يا جبال أوبي معه والطير" وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه إذا مر به الطير وهو سابح في الهواء فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور لا يستطيع الذهاب بل يقف في الهواء ويسبح معه وتجيبه الجبال الشامخات ترجع معه وتسبح تبعا له قال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا محمد بن بشر عن مسعر عن عبد الكريم عن موسى بن أبي كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه بلغه أن أم هانئ رضي الله عنها ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة صلى الضحى ثمان ركعات فقال ابن عباس رضي الله عنهما قد ظننت أن لهذه الساعة صلاة يقول الله عز وجل "يسبحن بالعشي والإشراق" ثم رواه من حديث سعيد بن أبي عروبة عن أبي المتوكل عن أيوب بن صفوان عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل أن ابن عباس رضي الله عنهما كان لا يصلي الضحى قال فأدخلته على أم هانئ رضي الله عنها فقلت أخبري هذا ما أخرتني فقالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في بيتي ثم أمر بماء صب في قصعة ثم أمر بثوب فأخذ بيني وبينه فاغتسل ثم رش ناحية البيت فصلى ثمان ركعات وذلك من الضحى قيامهن وركوعهن وسجودهن وجلوسهن سواء قريب بعضهم من بعض فخرج ابن عباس رضي الله عنهما وهو يقول لقد قرأت ما بين اللوحين ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن "يسبحن بالعشي والإشراق" وكنت أقول أين صلاة الإشراق وكان بعد يقول صلاة الإشراق ولهذا قال عز وجل "والطير محشورة" أي محبوسة في الهواء "كل له أواب" أي مطيع يسبح تبعا له قال سعيد بن جبير وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد "كل له أواب" أي مطيع . وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب (20) وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب وقوله تعالى "وشددنا ملكه" أن جعلنا له ملكا كاملا من جميع ما يحتاج إليه الملوك قال ابن أبي نجيح عن مجاهد كان أشد أهل الدنيا سلطانا وقال السدي كان يحرسه كل يوم أربعة آلاف وقال بعض السلف بلغني أنه كان يحرسه في كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألفا لا تدور عليهم النوبة إلى مثلها من العام القابل وقال غيره أربعون ألفا مشتملون بالسلاح وقد ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم من رواية علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نفرين من بني إسرائيل استعدى أحدهما على الآخر إلى داود عليه الصلاة والسلام أنه اغتصبه بقرا فأنكر الآخر ولم يكن للمدعي بينة فأرجأ أمرهما فلما كان الليل أمر داود عليه الصلاة والسلام في المنام بقتل المدعي فلما كان النهار طلبهما وأمر بقتل المدعي فقال يا نبي الله علام تقتلني وقد اغتصبني هذا بقري ؟ فقال له إن الله تعالى أمرني بقتلك فأنا قاتلك لا محالة فقال والله يا نبي الله إن الله لم يأمرك بقتلي لأجل هذا الذي ادعيت عليه وإني لصادق فيما ادعيت ولكني كنت قد اغتلت أباه وقتلته ولم يشعر بذلك أحد فأمر به داود عليه السلام فقتل قال ابن عباس عليه السلام فاشتدت هيبته في بني إسرائيل وهو الذي يقول الله عز وجل "وشددنا ملكه" وقوله جل وعلا "وآتيناه الحكمة" قال مجاهد يعني الفهم والعقل والفطنة وقال مرة : الحكمة : العدل وقال مرة : الصواب وقال قتادة كتاب الله واتباع ما فيه وقال السدي "الحكمة" النبوة وقوله جل جلاله "وفصل الخطاب" قال شريح القاضي والشعبي فصل الخطاب الشهود والأيمان وقال قتادة شاهدان على المدعي أو يمين المدعى عليه هو فصل الخطاب الذي فصل به الأنبياء والرسل أو قال المؤمنون والصالحون وهو قضاء هذه الأمة إلى يوم القيامة وكذا قال أبو عبد الرحمن السلمي وقال مجاهد والسدي هو إصابة القضاء وفهم ذلك وقال مجاهد أيضا هو الفصل في الكلام وفي الحكم وهذا يشمل هذا كله وهو المراد واختاره ابن جرير وقال ابن أبي حاتم حدثنا عمر بن شبة النميري حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثني عبد العزيز بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن بلال بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى رضي الله عنه قال : أول من قال أما بعد داود عليه السلام وهو فصل الخطاب وكذا قال الشعبي فصل الخطاب أما بعد . وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب قد ذكر المفسرون ههنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس رضي الله عنه ويزيد وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يرد علمها إلى الله عز وجل فإن القرآن حق وما تضمن فهو حق أيضا وقوله تعالى "ففزع منهم" إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه وهو أشرف مكان في داره وكان قد أمر أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم فلم يشعر إلا بشخصين قد تسورا عليه المحراب أي احتاطا به يسألانه عن شأنهما وقوله عز وجل "وعزني في الخطاب" أي غلبني يقال عز يعز إذا قهر وغلب وقوله تعالى "وظن داود أنما فتناه" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أي اختبرناه وقوله تعالى "وخر راكعا" أي ساجدا "وأناب" ويحتمل أنه ركع أولا ثم سجد بعد ذلك وقد ذكر أنه استمر ساجدا "أربعين صباحا" فغفرنا له ذلك أي ما كان منه مما يقال فيه إن حسنات الأبرار سيئات المقربين وقد اختلف الأئمة في سجدة ص هل هي من عزائم السجود ؟ على قولين الجديد من مذهب الشافعي رضي الله عنه أنها ليست من عزائم السجود بل هي سجدة شكر والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد حيث قال حدثنا إسماعيل هو ابن علية عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في السجدة في ص ليست من عزائم السجود وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها ورواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي في تفسيره من حديث أيوب به وقال الترمذي حسن صحيح وقال النسائي أيضا عند تفسير هذه الآية أخبرني إبراهيم بن الحسن هو المقسمي حدثنا حجاج بن محمد عن عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في ص وقال "سجدها داود عليه الصلاة والسلام توبة ونسجدها شكرا" تفرد بروايته النسائي ورجال إسناده كلهم ثقات وقد أخبرني شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع أخبرنا أبو إسحاق المدرجي أخبرنا زاهر بن أبي طاهر الثقفي حدثنا زاهر بن أبي طاهر الشحامي أخبرنا أبو سعيد الكنجدروذي أخبرنا الحاكم أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ أخبرنا أبو العباس السراج حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا محمد بن يزيد ابن خنيس عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد قال : قال لي ابن جريج يا حسن حدثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس رضي الله عنهما فقال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة فقرأت السجدة فسجدت فسجدت الشجرة بسجودي فسمعتها تقول وهي ساجدة : اللهم اكتب لي بها عندك أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع بها عني وزرا واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود قال ابن عباس رضي الله عنهما فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل من كلام الشجرة رواه الترمذي عن قتيبة وابن ماجه عن أبي بكر بن خلاد كلاهما عن محمد بن يزيد بن خنيس نحوه وقال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقال البخاري عند تفسيرها أيضا حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن العوام قال سألت مجاهدا عن سجدة ص فقال : سألت ابن عباس رضي الله عنهما من أين سجدت فقال أوما تقرأ "ومن ذريته داود وسليمان" أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده "فكان داود عليه الصلاة والسلام ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به فسجدها داود عليه الصلاة والسلام فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حميد حدثنا بكر هو ابن عبد الله المزني أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه رأى رؤيا أنه يكتب ص فلما بلغ إلى الآية التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا قال فقصها على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل يسجد بها بعد تفرد به أحمد وقال أبو داود حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر" ص "فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود فقال صلى الله عليه وسلم" إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم "فنزل وسجد تفرد به أبو داود وإسناده على شرط الصحيح ." وقال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن آدم ثنا فضيل عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام عادل وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر" ورواه الترمذي من حديث فضيل وهو ابن مرزوق الأغر عن عطية به وقال لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة ثنا عبد الله بن أبي زياد ثنا سيار ثنا جعفر بن سليمان سمعت مالك بن دينار في قوله تعالى "وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب" قال يقام داود يوم القيامة عند ساق العرش ثم يقول يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرحيم الذي كنت تمجدني في الدنيا فيقول وكيف وقد سلبته ؟ فيقول الله عز وجل إني أرده عليك اليوم قال فيرفع داود عليه الصلاة والسلام بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان . يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (26) يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم هذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله وقد توعد تبارك وتعالى من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هشام بن خالد حدثنا الوليد حدثنا مروان بن جناح حدثني إبراهيم أبو زرعة كان قد قرأ الكتاب أن الوليد بن عبد الملك قال له أيحاسب الخليفة فإنك قد قرأت الكتاب الأول وقرأت القرآن وفقهت فقلت يا أمير المؤمنين أقول ؟ قال قل في أمان الله قلت يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أو داود عليه الصلاة والسلام إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال تعالى "يا داود إنا" جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله "الآية وقال عكرمة" لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب "هذا من المقدم والمؤخر لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا وقال السدي لهم عذاب شديد بما تركوا أن يعملوا ليوم الحساب وهذا القول أمشى على ظاهر الآية والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب ." وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار (27) وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار يخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثا وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحدوه ثم يجمعهم يوم الجمع فيثيب المطيع ويعذب الكافر ولهذا قال تبارك وتعالى "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا" أي الذين لا يرون بعثا ولا معادا وإنما يعتقدون هذه الدار فقط "فويل للذين كفروا من النار" أي ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدة لهم ثم بين تعالى أنه عز وجل من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمنين والكافرين . أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (28) أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار قال تعالى "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار" أي لا نفعل ذلك ولا يستوون عند الله وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من دار أخرى يثاب فيها هذا المطيع ويعاقب فيها هذا الفاجر وهذا الإرشاد يدل العقول السليمة والفطر المستقيمة على أنه لا بد من معاد وجزاء فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه ويموت كذلك ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده فلا بد في حكمة الحكيم العليم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة من إنصاف هذا من هذا وإذا لم يقع هذا في هذه الدار فتعين أن هناك دارا أخرى لهذا الجزاء والمواساة ولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة . كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب (29) كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب قال تعالى "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب" أي ذوو العقول وهي الألباب جمع لب وهو العقل قال الحسن البصري والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول قرأت القرآن كله ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل رواه ابن أبي حاتم . ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب (30) ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب يقول تعالى مخبرا أنه وهب لداود سليمان أي نبيا كما قال عز وجل "وورث سليمان داود" أي في النبوة وإلا فقد كان له بنون غيره فإنه قد كان عنده مائة امرأة حرائر وقوله تعالى "نعم العبد إنه أواب" ثناء على سليمان بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله عز وجل قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عمرو بن خالد حدثنا الوليد بن جابر حدثنا مكحول قال لما وهب الله تعالى لداود سليمان قال له يا بني ما أحسن ؟ قال سكينة الله والإيمان قال فما أقبح ؟ قال كفر بعد إيمان قال فما أحلى قال روح الله بين عباده قال فما أبرد ؟ قال عفو الله عن الناس وعفو الناس بعضهم عن بعض قال داود عليه السلام فأنت نبي. إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد (31) إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد قوله تعالى "إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد" أي إذ عرض على سليمان عليه الصلاة والسلام في حال مملكته وسلطانه الخيل الصافنات قال مجاهد وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة والجياد السراع وكذا قال غير واحد من السلف وقال ابن جرير حدثنا محمد بن بشار حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن أبيه سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي في قوله عز وجل "إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد" قال كانت عشرين فرسا ذات أجنحة كذا رواه ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا ابن أبي زائدة أخبرني إسرائيل عن سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي قال كانت الخيل التي شغلت سليمان عليه الصلاة والسلام عشرين ألف فرس فعقرها وهذا أشبه والله أعلم وقال أبو داود حدثنا محمد بن عوف حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا يحيى بن أيوب حدثني عمارة بن غزية أن محمد بن إبراهيم حدثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ستر فهبت الريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة رضي الله عنها لعب فقال صلى الله عليه وسلم "ما هذا يا عائشة ؟" قالت رضي الله عنها بناتي ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع فقال صلى الله عليه وسلم "ما هذا الذي أرى وسطهن ؟" قالت رضي الله عنها فرس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما هذا الذي عليه ؟" قالت رضي الله عنها جناحان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فرس له جناحان ؟" قالت رضي الله عنها أما سمعت أن سليمان عليه الصلاة والسلام كانت له خيل لها أجنحة قالت رضي الله عنها فضحك صلى الله عليه وسلم حتى رأيت نواجذه. فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب (32) فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب وقوله تبارك وتعالى "فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب" ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر والذي يقطع به أنه لم يتركها عمدا بل نسيانا كما شغل النبي يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد الغروب وذلك ثابت في الصحيحين من غير وجه من ذلك عن جابر رضي الله عنه قال جاء عمر رضي الله عنه يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش ويقول يا رسول الله والله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والله ما صليتها" فقال فقمنا إلى بطحان فتوضأ نبي الله للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب ويحتمل أنه كان سائغا في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو والقتال والخيل تراد للقنال وقد ادعى طائفة من العلماء أن هذا كان مشروعا فنسخ ذلك بصلاة الخوف ومنهم من ذهب إلى ذلك في حال المسايفة والمضايقة حيث لا تمكن صلاة ولا ركوع ولا سجود كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في فتح تستر وهو منقول عن مكحول والأوزاعي وغيرهما والأول أقرب لأنه قال بعده "ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق" قال الحسن البصري لا قال : والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك ثم أمر بها فعقرت وكذا قال قتادة وقال السدي ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبا لها وهذا القول اختاره ابن جرير قال لأنه لم يكن ليعذب حيوانا بالعرقبة ويهلك مالا من ماله بلا سبب سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها وهذا الذي رجح به ابن جرير فيه نظر لأنه قد يكون في شرعهم جواز مثل هذا ولا سيما إذا كان غضبا لله تعالى بسبب أنه اشتغل بها حتى خرج وقت الصلاة ولهذا لما خرج عنها لله تعالى عوضه الله عز وجل ما هو خير منها وهو الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب غدوها شهر ورواحها شهر فهذا أسرع وخير من الخيل قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي قتادة وأبي الدهماء وكانا يكثران السفر نحو البيت قالا أتينا على رجل من أهل البادية فقال لنا البدوي أخذ بيدي رسول الله فجعل يعلمني مما علمه الله عز وجل وقال "إنك لا تدع" شيئا اتقاء الله تعالى إلا أعطاك الله عز وجل خيرا منه "." ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق (33) ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق وقوله تبارك وتعالى "فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب" ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر والذي يقطع به أنه لم يتركها عمدا بل نسيانا كما شغل النبي يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد الغروب وذلك ثابت في الصحيحين من غير وجه من ذلك عن جابر رضي الله عنه قال جاء عمر رضي الله عنه يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش ويقول يا رسول الله والله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والله ما صليتها" فقال فقمنا إلى بطحان فتوضأ نبي الله للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب ويحتمل أنه كان سائغا في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو والقتال والخيل تراد للقنال وقد ادعى طائفة من العلماء أن هذا كان مشروعا فنسخ ذلك بصلاة الخوف ومنهم من ذهب إلى ذلك في حال المسايفة والمضايقة حيث لا تمكن صلاة ولا ركوع ولا سجود كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في فتح تستر وهو منقول عن مكحول والأوزاعي وغيرهما والأول أقرب لأنه قال بعده "ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق" قال الحسن البصري لا قال : والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك ثم أمر بها فعقرت وكذا قال قتادة وقال السدي ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبا لها وهذا القول اختاره ابن جرير قال لأنه لم يكن ليعذب حيوانا بالعرقبة ويهلك مالا من ماله بلا سبب سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها وهذا الذي رجح به ابن جرير فيه نظر لأنه قد يكون في شرعهم جواز مثل هذا ولا سيما إذا كان غضبا لله تعالى بسبب أنه اشتغل بها حتى خرج وقت الصلاة ولهذا لما خرج عنها لله تعالى عوضه الله عز وجل ما هو خير منها وهو الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب غدوها شهر ورواحها شهر فهذا أسرع وخير من الخيل قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي قتادة وأبي الدهماء وكانا يكثران السفر نحو البيت قالا أتينا على رجل من أهل البادية فقال لنا البدوي أخذ بيدي رسول الله فجعل يعلمني مما علمه الله عز وجل وقال "إنك لا تدع" شيئا اتقاء الله تعالى إلا أعطاك الله عز وجل خيرا منه "." ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (34) ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب يقول تعالى "ولقد فتنا سليمان" أي اختبرناه بأن سلبناه الملك "وألقينا على كرسيه جسدا" قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم يعني شيطانا "ثم أناب" أي رجع إلى ملكه وسلطانه وأبهته قال ابن جرير وكان اسم ذلك الشيطان صخرا قاله ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة وقيل آصف قاله مجاهد وقيل آصر وقاله مجاهد أيضا وقيل حبيق قاله السدي وقد ذكروا هذه القصة مبسوطة ومختصرة وقد قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال أمر سليمان عليه الصلاة والسلام ببناء بيت المقدس فقيل له ابنه ولا يسمع فيه صوت حديد قال فطلب ذلك فلم يقدر عليه فقيل له إن شيطانا في البحر يقال له صخر شبه المارد قال فطلبه وكانت في البحر عين يردها في كل سبعة أيام مرة فنزح ماءها وجعل فيها خمرا فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر فقال إنك لشراب طيب إلا أنك تصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلا قال ثم رجع حتى عطش عطشا شديدا ثم أتاها فقال إنك لشراب طيب إلا أنك تصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلا قال ثم شربها حتى غلب على عقله قال فأري الخاتم أو ختم به بين كتفيه فذل قال وكان ملكه في خاتمه فأتي به سليمان عليه الصلاة والسلام فقال إنا قد أمرنا ببناء هذا البيت وقيل لنا لا يسمعن فيه صوت حديد قال فأتى ببيض الهدهد فجعل عليه زجاجة فجاء الهدهد فدار حولها فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه فذهب فجاء بالماس فوضعه عليه فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه فأخذ الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة وكان سليمان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام لم يدخل بالخاتم فانطلق يوما إلى الحمام وذلك الشيطان صخر معه وذلك عند مقارفة قارف فيها بعض نسائه قال فدخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه فألقاه في البحر فالتقمته سمكة ونزع ملك سليمان منه وألقي على الشيطان شبه سليمان قال فجاء فقعد على كرسيه وسريره وسلط على ملك سليمان كله غير نسائه قال فجعل يقضي بينهم وجعلوا ينكرون منه أشياء حتى قالوا لقد فتن نبي الله وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب رضي الله عنه في القوة فقال والله لأجربنه قال فقال يا نبي الله وهو لا يرى إلا أنه نبي الله أحدنا تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيدع الغسل عمدا حتى تطلع الشمس أترى عليه بأسا ؟ قال لا فبينما هو كذلك أربعين ليلة إذ وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |