|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (9) سورة الكهف من صـ 116 الى صــ 130 الحلقة (330) ولا جنب ولا كافر كما ورد به الحديث الحسن . وشملت كلبهم فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال وهذا فائدة صحبة الأخيار فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن وقد قيل إنه كان كلب صيد لأحدهم وهو الأشبه وقيل كلب طباخ الملك وقد كان وافقهم على الدين وصحبه كلبه فالله أعلم . وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة همام بن الوليد الدمشقي : حدثنا صدقة بن عمر الغساني حدثنا عباد المنقري سمعت الحسن البصري يقول : كان اسم كبش إبراهيم عليه الصلاة والسلام جرير واسم هدهد سليمان عليه السلام عنفز واسم كلب أصحاب الكهف قطمير واسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه بهموت . وهبط آدم عليه السلام بالهند وحواء بجدة وإبليس بدست بيسان والحية بأصفهان وقد تقدم عن شعيب الجبائي أنه سماه حمران واختلفوا في لونه على أقوال لا حاصل لها ولا طائل تحتها ولا دليل عليها ولا حاجة إليها بل هي مما ينهى عنه فإن مستندها رجم بالغيب وقوله تعالى "لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا" أي أنه تعالى ألقى عليهم المهابة بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم لما ألبسوا من المهابة والذعر لئلا يدنو منهم أحد ولا تمسهم يد لامس حتى يبلغ الكتاب أجله وتنقضي رقدتهم التي شاء تبارك وتعالى فهم لما له في ذلك من الحكمة والحجة البالغة والرحمة الواسعة . وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا (19) وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا يقول تعالى كما أرقدناهم بعثناهم صحيحة أبدانهم وأشعارهم وأبشارهم لم يفقدوا من أحوالهم وهيئاتهم شيئا وذلك بعد ثلثمائة سنة وتسع سنين ولهذا تساءلوا بينهم "كم لبثتم" أي كم رقدتم "قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم" لأنه كان دخولهم إلى الكهف في أول نهار واستيقاظهم كان في آخر نهار ولهذا استدركوا فقالوا "أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم" أي الله أعلم بأمركم وكأنه حصل لهم نوع تردد في كثرة نومهم فالله أعلم ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب فقالوا "فابعثوا أحدكم بورقكم" أي فضتكم هذه وذلك أنهم كانوا قد استصحبوا معهم دراهم من منازلهم لحاجتهم إليها فتصدقوا منها وبقي منها فلهذا قالوا "فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة" أي مدينتكم التي خرجتم منها والألف واللام للعهد "فلينظر أيها أزكى طعاما" أي أطيب طعاما كقوله "ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا" وقوله "قد أفلح من تزكى" ومنه الزكاة التي تطيب المال وتطهره وقيل أكثر طعاما ومنه زكا الزرع إذا كثر قال الشاعر : قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة ... وللسبع أزكى من ثلاث وأطيب والصحيح الأول لأن مقصودهم إنما هو الطيب الحلال سواء كان كثيرا أو قليلا وقوله "وليتلطف" أي في خروجه وذهابه وشرائه وإيابه يقولون وليختف كلما يقدر عليه "ولا يشعرن" أي ولا يعلمن "بكم أحدا ." إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا (20) إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا "إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم" أي إن علموا بمكانكم "يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم" يعنون أصحاب دقيانوس يخافون منهم أن يطلعوا على مكانهم فلا يزالون يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في ملتهم التي هم عليها أو يموتوا وإن وافقتموهم على العود في الدين فلا فلاح لكم في الدنيا ولا في الآخرة ولهذا قال "ولن تفلحوا إذا أبدا" . وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا (21) وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا يقول تعالى "وكذلك أعثرنا عليهم" أي أطلعنا عليهم الناس "ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها" ذكر غير واحد من السلف أنه كان قد حصل لأهل ذلك الزمان شك في البعث وفي أمر القيامة وقال عكرمة : كان منهم طائفة قد قالوا تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد فبعث الله أهل الكهف حجة ودلالة وآية على ذلك وذكروا أنه لما أراد أحدهم الخروج ليذهب إلى المدينة في شراء شيء لهم ليأكلوه تنكر وخرج يمشي في غير الجادة حتى انتهى إلى المدينة وذكروا أن اسمها دقسوس وهو يظن أنه قريب العهد بها وكان الناس قد تبدلوا قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل وأمة بعد أمة وتغيرت البلاد ومن عليها كما قال الشاعر : أما الديار فإنها كديارهم ... وأرى رجال الحي غير رجاله فجعل لا يرى شيئا من معالم البلد التي يعرفها ولا يعرف أحدا من أهلها لا خواصها ولا عوامها فجعل يتحير في نفسه ويقول : لعل بي جنونا أو مسا أو أنا حالم ويقول : والله ما بي شيء من ذلك وإن عهدي بهذه البلدة عشية أمس على غير هذه الصفة ثم قال : إن تعجيل الخروج من هاهنا لأولى لي ثم عمد إلى رجل ممن يبيع الطعام فدفع إليه ما معه من النفقة وسأله أن يبيعه بها طعاما فلما رآها ذلك الرجل أنكرها وأنكر ضربها فدفعها إلى جاره وجعلوا يتداولونها بينهم ويقولون لعل هذا وجد كنزا فسألوه عن أمره ومن أين له هذه النفقة لعله وجدها من كنز وممن أنت ؟ فجعل يقول أنا من أهل هذه البلدة وعهدي بها عشية أمس وفيها دقيانوس فنسبوه إلى الجنون فحملوه إلى ولي أمرهم فسأله عن شأنه وخبره حتى أخبرهم بأمره وهو متحير في حاله وما هو فيه فلما أعلمهم بذلك قاموا معه إلى الكهف - ملك البلد وأهلها - حتى انتهى بهم إلى الكهف فقال لهم : دعوني حتى أتقدمكم في الدخول لأعلم أصحابي فدخل فيقال إنهم لا يدرون كيف ذهب فيه وأخفى الله عليهم خبرهم ويقال بل دخلوا عليهم ورأوهم وسلم عليهم الملك واعتنقهم وكان مسلما فيما قيل واسمه يندوسيس ففرحوا به وآنسوه بالكلام ثم ودعوه وسلموا عليه وعادوا إلى مضاجعهم وتوفاهم الله عز وجل فالله أعلم . قال قتادة : غزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة فمروا بكهف في بلاد الروم فرأوا فيه عظاما فقال قائل : هذه عظام أهل الكهف فقال ابن عباس : لقد بليت عظامهم من أكثر من ثلثمائة سنة رواه ابن جرير وقوله "وكذلك أعثرنا عليهم" أي كما أرقدناهم وأيقظناهم بهيئاتهم أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان "ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم" أي في أمر القيامة فمن مثبت لها ومن منكر فجعل الله ظهورهم على أصحاب الكهف حجة لهم وعليهم "فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم" أي سدوا عليهم باب كهفهم وذروهم على حالهم "قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا" حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين "أحدهما" إنهم المسلمون منهم "والثاني" أهل الشرك منهم فالله أعلم والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ ولكن هل هم محمودون أم لا ؟ فيه نظر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد" يحذر ما فعلوا وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر أن يخفى عن الناس وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده فيها شيء من الملاحم وغيرها . سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا (22) سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا يقول تعالى مخبرا عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف فحكى ثلاثة أقوال فدل على أنه لا قائل برابع ولما ضعف القولين الأولين بقوله "رجما بالغيب" أي قولا بلا علم كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه فإنه لا يكاد يصيب وإن أصاب فبلا قصد ثم حكى الثالث وسكت عليه أو قرره بقوله "وثامنهم كلبهم" فدل على صحته وأنه هو الواقع في نفس الأمر . وقوله "قل ربي أعلم بعدتهم" إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى الله تعالى إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم لكن إذا أطلعنا على أمر قلنا به وإلا وقفنا وقوله "ما يعلمهم إلا قليل" أي من الناس . قال قتادة قال ابن عباس أنا من القليل الذي استثنى الله عز وجل كانوا سبعة وكذا روى ابن جرير عن عطاء الخراساني عنه أنه كان يقول أنا ممن استثنى الله عز وجل ويقول عدتهم سبعة . وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس "ما يعلمهم إلا قليل" قال أنا من القليل كانوا سبعة فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس أنهم كانوا سبعة وهو موافق لما قدمناه. وقال محمد بن إسحاق بن يسار عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد قال : لقد حدثت أنه كان على بعضهم من حداثة سنه وضح الورق . قال ابن عباس : فكانوا كذلك ليلهم ونهارهم في عبادة الله يبكون ويستغيثون بالله وكانوا ثمانية نفر : مكسلمينا وكان أكبرهم وهو الذي كلم الملك عنهم ويمليخا ومرطونس وكسطونس وبيرونس ودنيموس ويطبونس وقالوش هكذا وقع في هذه الرواية ويحتمل أن هذا من كلام ابن إسحاق ومن بينه وبينه فإن الصحيح عن ابن عباس أنهم كانوا سبعة وهو ظاهر الآية وقد تقدم عن شعيب الجبائي أن اسم كلبهم حمران وفي تسميتهم بهذه الأسماء واسم كلبهم نظر في صحته والله أعلم فإن غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب وقد قال تعالى "فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا" أي سهلا هينا فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة "ولا تستفت فيهم منهم أحدا" أي فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولونه من تلقاء أنفسهم رجما بالغيب أي من غير استناد إلى كلام معصوم وقد جاءك الله يا محمد بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية فيه فهو المقدم الحاكم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال . ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا هذا إرشاد من الله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى مشيئة الله عز وجل علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على سبعين امرأة - وفي رواية تسعين امرأة وفي رواية مائة امرأة - تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله فقيل له - وفي رواية قال له الملك - قل إن شاء الله فلم يقل فطاف بهن فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته" وفي رواية "ولقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعين" وقد تقدم في أول السورة ذكر سبب نزول هذه الآية في قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن قصة أصحاب الكهف "غدا أجيبكم" فتأخر الوحي خمسة عشر يوما وقد ذكرناه بطوله في أول السورة فأغنى عن إعادته . إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا (24) إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا وقوله "واذكر ربك إذا نسيت" قيل معناه إذا نسيت الاستثناء فاستثن عند ذكرك له قاله أبو العالية والحسن البصري وقال هشيم عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس في الرجل يحلف قال له أن يستثني ولو إلى سنة وكان يقول "واذكر ربك إذا نسيت" : ذلك قيل للأعمش سمعته عن مجاهد فقال حدثني به ليث بن أبي سليم يرى ذهب كسائي هذا ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية عن الأعمش به . ومعنى قول ابن عباس أنه يستثني ولو بعد سنة أي إذا نسي أن يقول في حلفه وفي كلامه إن شاء الله وذكر ولو بعد سنة فالسنة له أن يقول ذلك ليكون آتيا بسنة الاستثناء حتى ولو كان بعد الحنث قال ابن جرير رحمه الله : ونص على ذلك لا أن يكون رافعا لحنث اليمين ومسقطا للكفارة وهذا الذي قاله ابن جرير رحمه الله هو الصحيح وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه والله أعلم . وقال عكرمة "واذكر ربك إذا نسيت" إذا غضبت وقال الطبراني : حدثنا محمد بن الحارث الجبلي حدثنا صفوان بن صالح حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد العزيز بن حصين عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في قوله "ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت" أن تقول إن شاء الله وروى الطبراني أيضا عن ابن عباس في قوله "واذكر ربك إذا نسيت" الاستثناء فاستثن إذا ذكرت وقال هي خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لأحد منا أن يستثني إلا في صلة من يمينه ثم قال : انفرد به الوليد عن عبد العزيز بن الحصين ويحتمل في الآية وجه آخر وهو أن يكون الله تعالى قد أرشد من نسي الشيء في كلامه إلى ذكر الله تعالى لأن النسيان منشؤه من الشيطان كما قال فتى موسى "وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره" وذكر الله تعالى يطرد الشيطان فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان فذكر الله سبب للذكر ولهذا قال "واذكر ربك إذا نسيت" وقوله "وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا" أي إذا سئلت عن شيء لا تعلمه فاسأل الله تعالى فيه وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد في ذلك وقيل في تفسيره غير ذلك والله أعلم . ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا (25) ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا هذا خبر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم منذ أرقدهم إلى أن بعثهم الله وأعثر عليهم أهل الزمان وأنه كان مقداره ثلثمائة سنة تزيد تسع سنين بالهلالية وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين فلهذا قال بعد الثلثمائة وازدادوا تسعا . قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا (26) قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا وقوله "قل الله أعلم بما لبثوا" أي إذا سئلت عن لبثهم وليس عندك علم في ذلك وتوقيف من الله تعالى فلا تتقدم فيه بشيء بل قل في مثل هذا "الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض" أي لا يعلم ذلك إلا هو ومن أطلعه عليه من خلقه وهذا الذي قلناه عليه غير واحد من علماء التفسير كمجاهد وغير واحد من السلف والخلف وقال قتادة في قوله "ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين" الآية هذا قول أهل الكتاب وقد رده الله تعالى بقوله "قل الله أعلم بما لبثوا" قال وفي قراءة عبد الله وقالوا ولبثوا يعني أنه قاله الناس وهكذا قال قتادة ومطرف بن عبد الله وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر فإن الذي بأيدي أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلثمائة سنة من غير تسع يعنون بالشمسية ولو كان الله قد حكى قولهم لما قال "وازدادوا تسعا" والظاهر من الآية إنما هو إخبار من الله لا حكاية عنهم وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور فلا يحتج بها والله أعلم . وقوله "أبصر به وأسمع" أي أنه لبصير بهم سميع لهم . قال ابن جرير : وذلك في معنى المبالغة في المدح كأنه قيل ما أبصره وأسمعه وتأويل الكلام ما أبصر الله لكل موجود وأسمعه لكل مسموع لا يخفى عليه من ذلك شيء . ثم روي عن قتادة في قوله "أبصر به وأسمع" فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع وقال ابن زيد "أبصر به وأسمع" يرى أعمالهم ويسمع ذلك منهم سميعا بصيرا . وقوله "ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا" أي أنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر الذي لا معقب لحكمه وليس له وزير ولا نصير ولا شريك ولا مشير تعالى وتقدس . واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا (27) واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه إلى الناس "لا مبدل لكلماته" أي لا مغير لها ولا محرف ولا مزيل . وقوله "ولن تجد من دونه ملتحدا" عن مجاهد ملتحدا قال ملجأ وعن قتادة وليا ولا مولى قال ابن جرير : يقول إن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك فإنه لا ملجأ لك من الله كما قال تعالى "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس" وقال "إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد" أي سائلك عما فرض عليك من إبلاغ الرسالة . واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (28) واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا وقوله "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه" أي اجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ويسألونه بكرة وعشيا من عباد الله سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أو ضعفاء يقال إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس معهم وحده ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه كبلال وعمار وصهيب وخباب وابن مسعود وليفرد أولئك بمجلس على حدة فنهاه الله عن ذلك فقال "ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي" الآية وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء فقال "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي" الآية. وقال مسلم في صحيحه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي عن إسرائيل عن المقدام بن شريح عن أبيه عن سعد هو ابن أبي وقاص قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا قال : وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله عز وجل "ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه" انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي التياح قال سمعت أبا الجعد يحدث عن أبي أمامة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قاص يقص فأمسك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قص فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب "وقال أحمد أيضا : حدثنا هاشم ثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة قال سمعت كردوس بن قيس وكان قاص العامة بالكوفة يقول : أخبرني رجل من أصحاب بدر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول" لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب "قال شعبة فقلت أي مجلس قال كان قاصا وقال أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثنا محمد حدثنا يزيد بن أبان عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" لأن أجالس قوما يذكرون الله من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى غروب الشمس أحب إلي من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفا "فحسبنا دياتهم ونحن في مجلس أنس فبلغت ستة وتسعين ألفا وهاهنا من يقول أربعة من ولد إسماعيل والله ما قال إلا ثمانية دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفا , وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن إسحاق الأهوازي حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا عمرو بن ثابت عن علي بن الأقمر عن الأغر أبي مسلم وهو الكوفي" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل يقرأ سورة الكهف فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم سكت فقال النبي صلى الله عليه وسلم "هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم" هكذا رواه أبو أحمد عن عمرو بن ثابت عن علي بن الأقمر عن الأغر مرسلا وحدثنا يحيى بن المعلى عن منصور حدثنا محمد بن الصلت حدثنا عمرو بن ثابت عن علي بن الأقمر عن الأغر أبي مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل يقرأ سورة الحج أو سورة الكهف فسكت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم . وقال الإمام أحمد ثنا محمد بن بكير ثنا ميمون المرئي ثنا ميمون بن سياه عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه إلا ناداهم مناد من السماء أن قوموا مغفورا لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات" تفرد به أحمد رحمه الله وقال الطبراني ثنا إسماعيل بن الحسن ثنا أحمد بن صالح ثنا ابن وهب عن أسامة بن زيد عن أبي حازم عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال : نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي" الآية فخرج يلتمسهم فوجد قوما يذكرون الله تعالى منهم ثائر الرأس وجاف الجلد وذو الثوب الواحد فلما رآهم جلس معهم وقال "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم" عبد الرحمن هذا ذكره أبو بكر بن أبي داود في الصحابة وأما أبوه فمن سادات الصحابة رضي الله عنهم وقوله "ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا" قال ابن عباس : ولا تجاوزهم إلى غيرهم يعني تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة "ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا" أي شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا "وكان أمره فرطا" أي أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع ولا تكن مطيعا له ولا محبا لطريقته ولا تغبطه بما هو فيه كما قال "ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى" . وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (29) وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم : وقل يا محمد للناس هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" هذا من باب التهديد والوعيد الشديد ولهذا قال "إنا أعتدنا" أي أرصدنا "للظالمين" وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه "نارا أحاط بهم سرادقها" أي سورها ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء 0 والزوار 5) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |