شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري - الصفحة 12 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ}ا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 421 - عددالزوار : 129240 )           »          سحور 8 رمضان.. طريقة عمل البيض بالبسطرمة والخضار (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          الأسرة ومواجهة التحديات الشيخ المربي محمد حسين يعقوب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 6 - عددالزوار : 71 )           »          وقفات مع بعض الآيات | د سالم عبد الجليل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 5 - عددالزوار : 111 )           »          فتاوى رمضانية ***متجدد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 832 - عددالزوار : 367645 )           »          العقيدة الصحيحة لفضيلة الشيخ أبي بكر الحنبلي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 6 - عددالزوار : 75 )           »          نور التوحيد الشيخ عادل شوشة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 6 - عددالزوار : 75 )           »          فضل السحور (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          لا مانع من صلاة الفرض داخل صالات التعزية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          أكل وشرب ناسيًا وهو صائم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #111  
قديم 19-10-2025, 10:41 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 115 )

باب: في الجلسة بين الخطبتين في الجمعة

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
419.عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه : أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كانَ يَخْطُبُ جَالِسًا، فَقَدْ كَذَبَ! فَقَدْ واللَّهِ صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ.
الشرح: قال المنذري: باب: في الجلسة بين الخطبتين في الجمعة.
والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/589) باب: ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من الجلسة.
ورواه مسلم عنه بلفظ: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خُطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويُذَكِّر الناس.
ورواه البخاري في كتاب الجمعة (920) باب الخطبة قائما، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: كان النبي صلى الله عليه وسلم يَخطُب خُطبتين، يقعد بينهما.
ورواه مسلم عن ابن عمر بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائماً، ثم يجلس ثم يقوم. قال: كما يفعلون اليوم.
ورواه أبو داود بلفظ: كان يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب.
قوله: «إَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا» الْخُطْبَة: بِضمّ الخاء: خُطبة الجمعة وغيرها، وبِكسرها: خِطبة النساء.
ومن الثاني قوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيْمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} (البقرة: 235).
وفيه: أنه صلى الله عليه وسلم كان يَخطب خُطبتين يوم الجمعة، وأكثر العلماء على اشتراط الخُطبتين لصحّة الصلاة، ولم يُنقل عنه أنه صلاّها بلا خُطبة.
قوله «فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا، فَقَدْ كَذَبَ» قال النووي: وفي هذه الرواية دليل لمذهب الشافعي والأكثرين، أنّ خُطبة الجمعة لا تَصِحّ من القادر على القيام إلاَّ قائما في الخُطبتين، ولا يصح حتى يجلس بينهما، وأنّ الجمعة لا تصح إلاّ بخطبتين. اهـ شرح مسلم (6/150).
وقال القاضي: ذهب عامة العلماء إلى اشتراط الخطبتين لِصِحّة الجمعة.
وقال القرطبي في تفسيره: والخطبة شَرطٌ في انعقاد الجمعة، لا تَصِحّ إلاَّ بها، وهو قول جمهور العلماء.
وأكثر العلماء على اشتراط القيام للخُطبة، إلاّ في حال الْعُذر كالصلاة، قال ابن المنذر: الذي حمل عليه جُل أهل العلم من علماء الأمصار ذلك. أي القيام. وحَكى ابن عبد البر الإجماع على ذلك، فقال: وأجمعوا أنّ الخطبة لا تكون إلاَّ قائماً، لمن قَدر على القيام، فإنْ أعْيَا وجلس للراحة، لم يتكلم حتى يعود قائما. اهـ
وفي مسند الإمام أحمد: مِن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب قائماً على رِجْلَيه. وإسناده صحيح.
وقد أنْكر الصحابي كعب بن عُجرة رضي الله عنهعلى عبد الرحمن ابن أم الحكم حين خَطب قاعدًا، فقال كعب رضي الله عنه: انظروا إلى هذا الخبيث! يخطب قاعِدًا، وقال الله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) الجمعة: 11. رواه مسلم.
وفي رواية ابن خزيمة قال: «ما رأيتُ كاليوم قط، إماماً يؤم المسلمين يخطب وهو جالس، يقول ذلك مرتين».
قال النووي: هذا الكلام يتضمّن إنكارَ المنكر، والإنكار على ولاة الأمور إذا خالفوا السُنة، ووجه استدلاله بالآية: أنّ الله تعالى أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَخطب قائما، وقد قال تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (الأحزاب: 21). مع قوله تعالى (فاتَّبعوه) وقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (الحشر: 7). مع قوله صلى الله عليه وسلم : «صلوا كما رأيتموني أصلي». اهـ (الشرح 6/152).
وقوله «فَقَدْ واللَّهِ صلَّيتُ معه أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صلاةٍ» صريح في مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على القيام في الخطبة والجلوس بين السجدتين.
قال الحافظ ابن حجر: واستدل للأول - أي أنّ القيام سُنة - بحديث أبي سعيد الآتي في المناقب: «أن النبي صلى الله عليه وسلم جلسَ ذات يومٍ على المنبر، وجلسنا حوله» وبحديث سهل الماضي قبل: «مُرِي غلامك يعمل لي أعواداً أجلس عليها». قال: وأُجيب عن الأول: أنه كان في غير خطبة الجمعة، وعن الثاني: باحتمال أن تكون الإشارة إلى الجلوس، أولَ ما يصعد، وبين الخطبتين، واستدل للجمهور بحديث جابر بن سمرة المذكور، وبحديث كعب بن عجرة.
ثم قال: وأخرج ابن أبي شيبة: عن طاوس «خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما، وأبو بكر وعمر وعثمان، وأول من جلس على المنبر معاوية». وبمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على القيام، وبمشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلو كان القعود مشروعاً في الخطبتين، ما احتيج إلى الفصل بالجلوس، ولأنّ الذي نُقل عنه القعود كان معذوراً، فعند بن أبي شيبة: من طريق الشعبي: أن معاوية إنما خطب قاعداً لما كثر شحم بطنه ولحمه (أي كبُر سِنّه وثقل).
وأما من احتج بأنه لو كان شرطاً ما صلى مَنْ أنكر ذلك مع القاعد، فجوابه: أنه محمولٌ على أنّ مَن صنع ذلك، خَشِي الفتنة، أو أنّ الذي قعدَ، قعد باجتهاد، كما قالوا في إتمام عثمان الصلاة في السفر، وقد أنكر ذلك ابن مسعود، ثم إنه صلى خلفه فأتم معه، واعتذر بأن: الخلاف شر اهـ.
أما حُكم الجلوس بين الخطبتين، فقال ابن عبد البر: واختلف الفقهاء في الجلوس بين الخطبتين؛ هل هو فرضٌ أم سُنة؟
فقال مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه: الجلوس بين الخطبتين في الجمعة سُـنّة، فإنْ لم يجلس بينهما فقد أساء، ولا شيء عليه.
وقال الشافعي: يجلس حين يظهر على المنبر قبل أن يخطب؛ لأنه ينتظر الأذان، ولا يفعل ذلك في العيدين لأنه لا ينتظر أذانًا، فإن ترك الجلوس الأول كرهته ولا إعادة عليه؛ لأنه ليس من الخطبتين ولا فَصل بينهما، وأما الجلوس بين الخطبتين فلا بُدّ منه، فإنْ خَطَب خُطبتين لم َيفصل بينهما، أعاد ظهراً أربعا!
واستدل الشافعي على وجوبه: لمواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك، من قوله: «صَلُوا كما رأيتموني أصلي». قال ابن دقيق العيد: يتوقف ذلك على ثبوت أنّ إقامة الخُطبتين، داخلٌ تحت كيفية الصلاة، وإلا فهو استدلالٌ بمجرد الفعل، كذا في فتح الباري.
وقال أبو محمد ابن قدامة: يُستحبُّ أَنْ يَجلسَ بين الْخُطبتينِ جَلْسةً خفيفةً؛ لأَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَفعلُ ذلك، كَما رَوَيْنا في حديث ابن عمرَ، وجابرِ بن سَمُرةَ، وليست واجبةً في قولِ أَكثرِ أَهلِ الْعلمِ.
وقال الشَّافعيُّ: هي واجبةٌ؛ لأَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَجْلِسُها، ولنا: أَنَّها جلْسةٌ ليس فيها ذِكْرٌ مشروعٌ، فلم تكنْ واجبةً كالأُولى، وقدْ سَرَدَ الْخُطْبةَ جماعةٌ، منهم: الْمُغيرةُ بنُ شُعْبةَ، وأُبَيُّ بنُ كعبٍ. قاله أَحمدُ.
ورُويَ عن أَبي إِسحاقَ قال: رأَيْتُ عليًّا يَخطُبُ على الْمِنبرِ، فلَم يَجلِس حتى فَرَغَ.
وجلوسُ النَبيِّ صلى الله عليه وسلم كان للاسْتراحةِ، فلمْ تكن واجبةً، كالأُولى، ولكنْ يُستحبُّ، فإِنْ خطَبَ جالسًا لعُذْرٍ، فصَلَ بين الْخُطبتينِ بِسَكْتَةٍ، وكذلك إنْ خَطَبَ قائما فلم يَجلس.
قال ابنُ عبدِ الْبَرِّ: ذَهَبَ مالكٌ، والعراقيُّونَ، وسائرُ فُقهاءِ الأَمصارِ إلاَّ الشَّافِعِيَّ: أَنَّ الْجُلُوسَ بين الْخُطْبَتَيْنِ لا شيءَ على مَنْ تَرَكه. اهـ.
- أما مقدار الجلوس بين الخطبتين: فلم يرد تصريحٌ بمقدار الجلوس بين الخطبتين في حديث الباب، ولم يرد في حديث غيره. وذكر ابن التين أن مقداره: كالجلسة بين السجدتين، وعزاه لابن القاسم، وجزم الرافعي وغيره، أنْ يكون بقدر: سورة الإخلاص.
ويرى الشّافعيّة وهو رواية عن أحمد: أنّ الجلوس بينهما بطمأنينة، شرطٌ من شروط الخطبة، لخبر الصّحيحين «أنّه صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة خُطبتين، يجلس بينهما»‏.‏
فلا خلاف بين الفقهاء أنّ صفة هذه الجلسة أنْ تكون خفيفة، وأمّا مقدارها، ففيها أربعة أقوال:
1- قَدْر قراءة سورة الإخلاص.
2 - قَدْر قراءة ثلاث آيات.
3 - بِقَدْر تَمَكّن الخطيب في موضع جلوسه، واستقرار كل عضو منه في موضعه.
4 - قَدْر الجلسة بين السجدتين.
وهذه بعض أقوالهم: فقال ابن عبد البر: يفصل بينهما بجلسة خفيفة، قَدْر ما يقرأ: (قل هو الله أحد).
وقال الباجي: ومِقدارُ الجلْسةِ بين الخُطبتينِ، مقدارُ الجلْسة بين السَّجدتَيْنِ. رواهُ يحيى بنُ يحيى عن ابن الْقاسم؛ لأَنَّه فَصْلٌ بين مُشتَبهين، كالجلوسِ بين السَّجدتَيْنِ.
وقال ابن قدامة: يُستحبُّ أَنْ يجلسَ بين الخُطبتينِ جَلسةً خَفيفةً.
أما ما يقال في الخطبتين: فقد جاء في الرواية الأخرى لمسلم: «كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خُطبتان، يَجلس بينهما، يَقرأ القُرآن، ويُذكّر الناسَ». قال النووي: فيه دليلٌ للشافعي في أنه يُشترط في الخطبة: الوعظ والقرآن، قال الشافعي: لا يصح الخطبتان إلا بحمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما، والوعظ، وهذه الثلاث واجباتٌ في الخطبتين، وتجب قراءة آية من القرآن في إحداهما على الأصح، ويجب الدعاء للمؤمنين في الثانية على الأصح اهـ.
- أما شروط الخطبة: فقد قال النووي: شروط الخطبة سبعة: وقت الظهر، وتقديمها على الصلاة، والقيام والقعود بينهما، وطهارة الْحَدَث، والنجس، وسَتر العورة على الأصح في الخطبتين... قال: والسابع: رفع الصوت بحيث يسمعه أربعون من أهل الكمال. اهـ.
وفي بعضها خلاف عند الفقهاء، والصحيح: أنه لا يُشترط لها الطهارة، ولا وقت الظهر، فقد سبق ما يتعلق بوقت الجمعة في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه .
وقال ابن قدامة: والسُّنَّةُ أَنْ يَخْطبَ مُتَطَهِّرًا. اهـ. فلم يعتبره شرطًا. وكذلك قال الجدّ بن تيمية.
وقال ابن دقيق العيد: وقد عَدَّ بعضُ الفُقهاءِ مِنْ أَركان الْخُطبةِ الواجبة:
الأَمرُ بتقوى اللَّهِ، وبعضُهم جَعَلَ الْواجبَ: ما يُسمَّى خُطبةً عند الْعربِ.
- لا يُشترط أن يتولّى الخطابة، مَنْ يتولّى الإمامة.
قال ابن قدامة: والسُّنَّةُ أَنْ يَتولى الصَّلاةَ مَنْ يَتولَّى الْخُطبةَ؛ لأَنَّ النَّبيَّ صلى اللَّهُ عليه وسلم كان يَتَولاّهما بنفسهِ، وكَذلك خُلَفاؤُه من بعده. اهـ.
- والسُنة أنْ تكون الخطبة قصيرة بليغة، كما سبق، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن طولَ صلاة الرجل، وقِصر خطبته، مَئِنّةٌ مِن فِقهه؛ فأطِيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة، وإن مِن البيان سِحْرًا». رواه مسلم.
- تنبيه: ليس من السُنة: الْتِزام ذكر قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً‏} في كل خُطبة؛ لأنّ ذلك لم يكنْ من هديه صلى الله عليه وسلم ، ولا فَعَله أصحابه رضي الله عنهم من بعده.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #112  
قديم 19-10-2025, 10:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 116 )

بـــاب: تخـفـيـف الصـــلاة والخـطـبـة

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
420.عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قال : كُنْتُ أُصلِّي مع رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فكانتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا.
الشرح : قال المنذري: باب: تخفيف الصلاة والخطبة .
والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/591) باب: تخفيف الصلاة والخطبة.
قوله: «فكانت صلاته قصدا» أي: متوسطة بين الإفراط والتفريط، من التقصير والتطويل.
وفي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع، وسجوده، وما بين السجدتين، قريباً من السواء.
وفي حديث أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع، قام حتى يقول القائل: قدْ نَسِي، وبين السجدتين حتى يقول القائل: قدْ نسي.
صحيح البخاري كتاب الأذان (حديث 820، 821) وصحيح مسلم (1/ 344).
فإنْ قيل: حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه- هذا، ينافي حديث عمار رضي الله عنه مرفوعا: «إنّ طُول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة» رواه مسلم.
قال النووي: المراد بالحديث الذي نحن فيه: أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلاً يشق على المأمومين، وهي حينئذ قصدٌ؛ أي: معتدلة، والخطبة قصد بالنسبة إلى وضعها. شرح مسلم (6/159 ).
وقال العراقي في شرح الترمذي: أو حيث احتيج إلى التطويل لإدراك بعض من تخلف، قال: وعلى تقدير تعذر الجمع بين الحديثين، يكون الأخذ في حقنا بقوله؛ لأنه أدلّ، لا بفعله لاحتمال التخصيص انتهى.
قلت: قال القاري في المرقاة: لا تنافي بينهما؛ فإنّ الأول دل على الاقتصاد فيهما، والثاني على اختيار المزية في الثانية منهما انتهى.
قوله: «وخُطبته قصداً» القَصْد: الوَسط، أي: لا قصيرة ولا طويلة .
قال النووي رحمه الله: أي بين الطول الظاهر، والتخفيف الماحق اهـ.
فإنْ قلت: هذا ينافي حديث أبي زيد بن أَخْطَب رضي اللَه عنه: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن. رواه مسلم.
نقول : لا تنافي بينهما؛ لأن حديث أبي زيد لم يَذكر أنه كان يوم جمعة .
أو أن ما في حديث أبي زيد كان نادرا اقتضاه الحال ، وبيانا للجواز .
وقد كره الشافعي إطالة الخطبة فقال: «وأحبُ أنْ يرفع صوته حتى يسمع أقصى من حضره، إنْ قدر على ذلك، وأحب أنْ يكون كلامه كلاماً مُترسّلاً مبيناً بغير الإعراب الذي يشبه العي، وغير التمطيط وتقطيع الكلام ومدّه، وما يستنكر منه، ولا العجلة فيه عن الإفهام، ولا ترك الإفصاح بالقصد، وأحب أنْ يكون كلامه قصداً بليغاً جامعاً». انتهى من الأم (1/230) .
وقال النووي رحمه الله: «المراد من الحديث أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلاً يشق على المأمومين» اهـ .
وقال في المجموع (4/400): «يُستحب كون الخطبة فصيحةً بليغة، مرتبة مبينة ، من غير تمطيطٍ ولا تقعير، ولا تكون ألفاظاً مبتذلة ملفقة، فإنها لا تقع في النفوس موقعاً كاملاً، ولا تكون وَحْشيةً -أي ألفاظها غريبة لا يفهمها الناس-؛ لأنه لا يحصل مقصودها، بل يختار ألفاظاً جزلة مفهمة» انتهى.
وقال ابن القيم: «وكان صلى الله عليه وسلم يقصر في خطبته أحياناً، ويطيلها أحياناً بحسب حاجة الناس، وكانت خطبته العارضة أطول من خطبته الراتبة» اهـ . زاد المعاد (1 / 191 ) .
وقال الحافظ ابن حجر: «وقد اتفق العلماء على مدح الإيجاز، والإتيان بالمعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة، وعلى مدح الإطناب في مقام الخطابة بحسب المقام» اهـ . الفتح (11 / 404).
وقال في الإنصاف: «ويقصر الخطبة، هذا بلا نزاع، لكن تكون الخطبة الثانية أقصر، قاله القاضي في التعليق، والواقع كذلك» اهـ . الإنصاف (5/ 242).
وهذه مسألة مهمة يَغفل عنها كثير من الخطباء، ألا وهي مسألة قصر الخطبة وطول الصلاة، فالناس فيها بين الإفراط والتفريط إلا من رحم الله، فبعضهم يُطيل الخُطبة إطالةَ مملة، فيخالف بذلك السُنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وآخرون يقصرونها تقصيراً مخلاً؛ بحيث تقل فائدتها المرجوة منها؛ وسبب ذلك هو عدم فهم الحديث الوارد في هذه المسألة فهماً صحيحاً؟! فالخطبة ليست قصيرة جداً كما يظن بعضهم؛ لأنها لو كانت كذلك، لما احتاج بعض السلف كعثمان ومعاوية -رضي الله عنهما- إلى أنْ يجلسوا فيها أثناء الخطبة لما كبروا في السن.
وأيضا العجب من بعض الخطباء ذوي العلم، كيف يُطيلون الخطبة، حتى يتجاوز بعضهم ثلاثة أرباع الساعة؟ ولربما قال الناس: ليته سكت!
فما سبق يدلَّ على أن الخطبة وسط بين القصر والطول، وخير الأمور الوسط، كما قال جابر ابن سمرة -رضي الله عنه- في حديث الباب: «قصدا».
قال أبو وائل رحمه الله: خطبنا عمار رضي اللَّهُ عنه فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان! لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست -أي أطلت قليلاً- فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ طول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مَئِنةٌ -أي علامة- منْ فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقْصُرُوا الخُطبة، وإنّ من البيان سِحْراً» رواه مسلم.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إنكم في زمان قليلٌ خطباؤه، كثير علماؤه، يُطيلون الصلاة، ويقصرون الخطبة، وسيأتي عليكم زمانٌ، كثير خطباؤه، قليل علماؤه، يطيلون الخطبة، ويؤخرون الصلاة..» .
رواه الطبراني في الكبير (9496) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ( 2/ 417 ) : ورجاله ثقات ، وهو كما قال .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #113  
قديم 19-10-2025, 10:44 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 117 )

باب: إذا دَخَلَ والإمام يَخطب يوم الجمعة يركع

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
421.عن جابرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قال: جاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ورسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَاعِدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَقَعَدَ سُلَيْكٌ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فقال لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟»، قال: لَا، قَال : «قُمْ فَارْكَعْهُمَا».
الشرح:
قال المنذري : باب : إذا دَخَلَ والإمام يَخطب يوم الجمعة يركع .
والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/596) باب: التحية والإمام يخطب.
قوله: «جاء سُليك الغطفاني» سليك بالسين المهملة مصغراً، هو ابن هدبة وقيل: ابن عمرو الغطفاني، بفتح المعجمة ثم المهملة بعدها فاء من غطفان بن سعد بن قيس عيلان، ووقع غير مسمى في هذه القصة عند البخاري عن جابر بلفظ: جاء رجلٌ يوم الجمعة».
قوله: «ورسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَاعِدٌ علَى الْمِنْبَرِ وفي رواية البخاري» ورسول الله[ قائم على المنبر»، وهذا معنى قوله «قاعد» .
قوله: «فقعد سليك قبل أنْ يصلي، فقال له: أركعت ركعتين؟»، وفي رواية البخاري «أصليت ركعتين»، وفي رواية الأكثر «فقال: صليت؟» بحذف همزة الاستفهام.
قوله: «فقال: لا. فقال: «قم فاركعهما». وفي رواية: «قم فاركع ركعتين» وهو دليل على أنّ الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد.
السنة عند دخول المسجد أن يصلي الداخل ركعتين تحية المسجد ولو كان الإمام يخطب .
ولما روى مسلم في صحيحه: عن جابر -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين وليتجوز فيهما». أخرجه البخاري في الجمعة برقم (1170)، ومسلم في الجمعة برقم (875) واللفظ له.
وهذا نصٌ صريح في المسألة، لا يجوز لأحد أنْ يخالفه.
وكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا دخلَ أحدُكم المسجدَ، فلا يجلس حتى يُصلي ركعتين» أخرجه الشيخان.
وقال المالكية: لا يجوز أنْ يصلي وقت الخطبة، قال خليل: ومنع نفل وقت طلوع شمس وغروبها، وخطبة جمعة.
وقال في (الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني): ودليلنا ما في أبي داود والنسائي: أن رجلاً تخطّى رقاب الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له: «اجلس ، فقد آذيت». فأمره بالجلوس دون الركوع، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وخبر «إذا قلت لصاحبك أنصت، والإمام يخطب ، فقد لغوت». نهى عن النهي عن المنكر مع وجوبه، فالمندوب أولى، وأما خبر سليك الغطفاني وأمره صلى الله عليه وسلم بالركوع لما دخل المسجد وهو يخطب، فيحتمل نسخه بنهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة حينئذ ، كما في الخبر السابق ، وعلى تقدير معارضته وعدم نسخه فحديثنا أولى - كما قال ابن العربي - لاتصاله بعمل أهل المدينة ولجريه على القياس من وجوب الاشتغال بالاستماع الواجب، وترك التحية المندوبة... اهـ (1/266).
وقال القاضي ابن العربي: «عارض قصة سليك ما هو أقوى منها، كقوله تعالى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} (الأعراف: 204). وقوله: «إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت» متفق عليه، قال: فإذا امتنع الأمر بالمعروف، وهو أمر اللاغي بالإنصات مع قصر زمنه، فمنع التشاغل بالتحية مع طول زمنها أولى.
والجواب عن حديث: «اجلس، فقد آذيت» من وجوه: الأول: أنه يحتمل أن يكون هذا الرجل قد صلى التحية في مؤخر المسجد، على مرأى منه صلى الله عليه وسلم ، ثم تقدم ليتمكن من سماع الخطبة، فتخطى الأعناق فأنكر عليه .
الثاني: أنّ معنى قوله صلى الله عليه وسلم : «اجلس» هو النهي عن تخطي الأعناق ، بدليل قوله: «فقد آذيت»، وأما التحية فقد وكله عليه الصلاة والسلام إلى ما علمه قبل ذلك من ضرورة التحية.
ومع هذه الاحتمالات، لا يقوى الحديث المذكور على رد حديث سليك.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: ولعل الإمام مالكاً رحمه الله لم تبلغه هذه السُنة، إذْ ثبت عنه أنه نهى عن الركعتين وقت الخطبة، وإذا صحّت السُنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يَجز لأحدٍ أنْ يخالفها لقول أحد من الناس ، كائناً من كان ؛ لقول الله عز وجل : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}(النساء : 59).
ولقوله سبحانه: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} (الشورى : 10)،
ومعلوم أنّ حكم الرسولصلى الله عليه وسلم ، من حكم الله عز وجل، لقوله سبحانه: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } (النساء : 80).انتهى.
وقال بعضهم: إنها واقعة عين لا عموم لها، فيحتمل اختصاصها بسليك، ويدل عليه قوله في حديث أبي سعيد الذي أخرجه أصحاب السنن وغيرهم: جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب والرجل في هيئة بذة، فقال له: أصليت؟ قال: لا. قال: «صل ركعتين». وحض الناس على الصدقة الحديث، فأمره أن يصلي ليراه بعض الناس، وهو قائم فيتصدق عليه، ويؤيده أن في هذا الحديث عند أحمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا الرجل دخل المسجد في هيئة بذة فأمرته أن يصلي ركعتين، وأنا أرجو أن يفطن له رجل فيتصدق عليه وعرف بهذه الرواية الرد على من طعن في هذا التأويل فقال: لو كان كذلك لقال لهم: إذا رأيتم ذا بذة فتصدقوا عليه، أو إذا كان أحد ذا بذة فليقم فليركع حتى يتصدق الناس عليه.
وكله مردود؛ لأن الأصل عدم الخصوصية ومما يُبيِّن أن الْحكم عام، وليس خاصًّا بِسُليك، عموم قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين وليتجوّز فيهما». رواه مسلم .
والتعليل بكونه صلى الله عليه وسلم قصد التصدق عليه، لا يمنع القول بجواز التحية بل والأمر بها.
وهذا ما فهمه الصحابة رضي الله عنهم، فقد روى الترمذي: من طريق عِيَاضِ بنِ عبد اللَّهِ بن أَبي سَرْحٍ أَنَّ أَبا سعيدٍ الْخُدْرِيَّ دَخَلَ يوم الْجُمُعَةِ ومروانُ يَخْطُبُ، فقامَ يُصلِّي، فجاءَ الْحَرَسُ لِيُجْلِسُوهُ فأَبَى حتى صلَّى ، فلما انْصرفَ أَتَيْنَاهُ فَقُلْنا: رَحِمَكَ اللَّهُ، إِنْ كَادُوا لَيَقَعُوا بك! فقال: ما كنتُ لأَتْرُكَهُمَا بعد شيءٍ رَأَيْتُهُ من رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ ذكر أَنَّ رجلا جاءَ يوم الْجُمُعَةِ في هَيْئَةٍ بَذَّةٍ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ يومَ الْجُمُعَةِ، فَأَمَرَهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ.
قال الترمذي عقبه: قال ابنُ أَبي عمرَ كان سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ يُصلي ركْعَتينِ إِذا جاءَ والإِمامُ يخطبُ، وكان يأْمر بِهِ ، وكَان أَبو عبْد الرحمن الْمُقرئُ يَراهُ. اهـ .
قال الألباني: حكاية عياض بن عبد الله بن أبي السرح عن أبي سعيد الخدري. حسن صحيح. اهـ .
وأما قول من قال: إن التحية تفوتُ بالجلوس، فقد حكى النووي في شرح مسلم عن المحققين: أن ذلك في حقّ العامد العالم، أما الجاهل أو الناسي فلا.
وعارضوا أيضا: بما روى الطبراني: من حديث ابن عمر رفعه: «إذا دخل أحدكم والإمام على المنبر، فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام».
والجواب: أن حديث ابن عمر هذا ضعيف، فيه أيوب بن نهيك ، وهو منكر الحديث، قاله أبو زرعة وأبو حاتم؛ فالأحاديث الصحيحة لا تعارض بمثله، وأما قصة سليك فقد ذكر الترمذي أنها أصح شيء روي في هذا الباب وأقوى .
وقال الحافظ ابن حجر شيئا مما اعترض به المانعون أيضا، نذكره ملخصاً:
1- أن هذه القصة كانت قبل شروعه صلى الله عليه وسلم في الخطبة، ويدل عليه قوله في رواية الليث عند مسلم، «والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر».
وأجيب بأن القعود على المنبر لا يختص بالابتداء، بل يحتمل أن يكون بين الخطبتين أيضا، فيكون كلّمه بذلك وهو قاعد، فلما قام ليصلي قام النبي صلى الله عليه وسلم للخطبة؛ لأن زمن القعود بين الخطبتين لا يطول، ويحتمل أيضا أن يكون الراوي تجوّز في قوله: «قاعد»؛ لأن الروايات الصحيحة كلها مطبقة على أنه دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب.
2- قيل: كانت هذه القصة قبل تحريم الكلام في الصلاة.
وتعقب بأن سليكاً متأخر الإسلام جدا، وتحريم الكلام متقدم جدا، فكيف يدعى نسخ المتأخر بالمتقدم؟ مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل: كانت قبل الأمر بالإنصات، وقد تقدم الجواب عنه.
3- قالوا : قد اتفقوا على أن منع الصلاة في الأوقات المكروهة، يستوي فيه من كان داخل المسجد أو خارجه، وقد اتفقوا على أنّ من كان داخل المسجد يمتنع عليه التنفل حال الخطبة، فليكن الآتي كذلك، قاله الطحاوي، وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد.
4- قالوا : اتفقوا على أن الداخل والإمام في الصلاة، تسقط عنه التحية، ولا شك أنّ الخُطبة صلاة، فتسقط عنه فيها أيضا!
وتعقب بأن الخطبة ليست صلاة من كل وجه، والفرق بينهما ظاهر من وجوه كثيرة، والداخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل جلوسه، بخلاف الداخل في حال الصلاة، فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت يحصل به المقصود ، هذا مع تفريق الشارع بينهما، فقال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، وقد وقع في بعض طرقه: «فلا صلاة إلا التي أقيمت « ولم يقل ذلك في حال الخطبة، بل أمرهم فيها بالصلاة .
5- قالوا : اتفقوا على سقوط التحية عن الإمام ، مع كونه يجلس على المنبر مع أن له ابتداء الكلام في الخطبة دون المأموم؛ فيكون ترك المأموم التحية بطريق الأولى.
وتعقب بأنه أيضا قياس في مقابلة النص فهو فاسد؛ ولأن الأمر وقع مقيدا بحال الخطبة، فلم يتناول الخطيب.
وقال الزين بن المنير: منع الكلام إنما هو لمن شهد الخطبة، لا لمن خطب؛ فكذلك الأمر بالإنصات واستماع الخطبة.
6- قال جماعة منهم القرطبي: أقوى ما اعتمده المالكية في هذه المسألة: عمل أهل المدينة خلفاً عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك ، أن التنفل في حال الخطبة ممنوع مطلقا؟
وتعقب بمنع اتفاق أهل المدينة على ذلك ، فقد ثبت فعل التحية عن أبي سعيد الخدري كما سبق، وهو من فقهاء الصحابة من أهل المدينة، وحمله عنه أصحابه من أهل المدينة أيضا.
ولم يثبت عن أحدٍ من الصحابة صريحا ما يخالف ذلك، ثم قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وهذه الأجوبة التي قد قدمناها، تندفع من أصلها بعموم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». متفق عليه ، وقد تقدم الكلام عليه .
وورد أخص منه في حال الخطبة، ففي رواية جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب: «إذا جاء أحدكم والإمام يخطب - أو قد خرج - فليصل ركعتين». متفق عليه أيضا .
ولمسلم: عن جابر أنه قال ذلك في قصة سليك، ولفظه بعد قوله: «فاركعهما وتجوّز فيهما»، قال النووي: هذا نصٌ لا يتطرق إليه التأويل، ولا أظن عالماً يبلغه هذا اللفظ، ويعتقده صحيحا فيخالفه.
وقال أبو محمد بن أبي جمرة: هذا الذي أخرجه مسلم نصٌ في الباب لا يحتمل التأويل . وحكى ابن دقيق العيد أن بعضهم تأول هذا العموم بتأويل مستكره؛ وكأنه يشير إلى بعض ما تقدم من ادعاء النسخ أو التخصيص.
وقد عارض بعض الحنفية الشافعية بأنهم لا حجة لهم في قصة سليك؛ لأن التحية عندهم تسقط بالجلوس ، وقد تقدم جوابه .
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: جواز صلاة التحية في الأوقات المكروهة ، لأنها إذا لم تسقط في الخطبة مع الأمر بالإنصات لها ، فغيرها أولى.
وفيه: أن التحية لا تفوت بالقعود، لكن قيده بعضهم بالجاهل أو الناسي كما تقدم.
وأنَّ للخطيب أنْ يأمر في خطبته وينهى، ويبين الأحكام المحتاج إليها، ولا يقطع ذلك التوالي المشترط فيها، بل لقائل أنْ يقول : كل ذلك يُعد من الخطبة . واستدل به على أن المسجد شرطٌ للجمعة، للاتفاق على أنه لا تُشرع التحية لغير المسجد، وفيه نظر.
(فائدة): قيل يخص عموم حديث الباب، بالداخل في آخر الخطبة كما تقدم، قال الشافعي: أرى للإمام أن يأمر الآتي بالركعتين، ويزيد في كلامه ما يمكنه الإتيان بهما قبل إقامة الصلاة، فإنْ لم يفعل كرهت ذلك!
وحكى النووي عن المحققين: أن المختار إن لم يفعل، أن يقف حتى تقام الصلاة؛ لئلا يكون جالسا بغير تحية، أو متنفلا حال إقامة الصلاة؛ واستثنى المحاملي المسجد الحرام؛ لأن تحيته الطواف! وفيه نظر لطول زمن الطواف بالنسبة إلى الركعتين . والذي يظهر من قولهم أن تحية المسجد الحرام الطواف، إنما هو في حق القادم، ليكون أول شيء يفعله الطواف، وأما المقيم فحكم المسجد الحرام وغيره في ذلك سواء، ولعل قول من أطلق أنه يبدأ في المسجد الحرام بالطواف ، لكون الطواف يعقبه صلاة الركعتين، فيحصل شغل البقعة بالصلاة غالبا وهو المقصود، ويختص المسجد الحرام بزيادة الطواف، والله أعلم.
وأما التنفل بركعتين بعد صلاة الجمعة، فقد سنّه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما سيأتي في الخبر الصحيح .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #114  
قديم 19-10-2025, 10:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 118 )

بـــــاب : فــــي الإنْصـــــــــات للخُــطــبـــــــة

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
422-عن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه : أَنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «إِذا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ والْإِمامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ».
الشرح: قال المنذري: باب: في الإنصات للخطبة.
والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/ 583) باب في الإنصات يوم الجمعة في الخطبة.
وأخرجه البخاري في الجمعة ( 2/413) باب: الْإِنْصاتِ يومَ الجُمُعةِ والْإِمامُ يَخْطُبُ، وإِذا قال لصاحبه: أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَا.
قوله: «إِذا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ»، قال الأزهري‏:‏ يقال: أنصت ونصت وانتصت، قال ابن خزيمة‏:‏ المراد بالإنصات: السكوت عن مكالمة الناس دون ذكر الله‏.‏
قال الحافظ: وتُعقب بأنه يلزم منه جواز القراءة والذكر حال الخطبة، فالظاهر أن المراد السكوت مطلقا، ومن فرق احتاج إلى دليل، ولا يلزم من تجويز التحية لدليلها الخاص ، جواز الذكر مطلقا‏.‏
وقال الحافظ في تبويب البخاري: «باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب»: أشار بهذا إلى الرد على من جعل وجوب الإنصات: من خروج الإمام؛ لأن قوله في الحديث: ‏«والإمام يخطب» جملةٌ حالية، يخرج ما قبل خطبته من حين خروجه وما بعده، إلى أنْ يَشرع في الخطبة‏،‏ نعم الأولى أنْ ينصت كما تقدم الترغيب فيه في ‏«باب فضل الغسل للجمعة»‏ وأما حال الجلوس بين الخُطبتين ، فحكى صاحب ‏(المغني)‏ عن العلماء فيه قولين، بناءً على أنه غير خاطب، أو أن زمن سكوته قليل، فأشبه السكوت للتنفس .‏
قوله: «يوم الجُمعة» مفهومه أن غير يوم الجمعة بخلاف ذلك.‏
قوله‏: «فَقَدْ لَغَوْتَ»، وفي رواية البخاري «‏وإذا قال لصاحبه: أنصت فقد لغا‏»،‏ وفي رواية النسائي: ‏«مَنْ قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت، فقد لغا»‏ والمراد بالصاحب: من يخاطبه بذلك مطلقا؛ وإنما ذكر الصاحب لكونه الغالب.‏
وقوله:‏ «‏فقد لغوت»، قال الأخفش‏:‏ اللغو الكلام الذي لا أصل له، من الباطل وشبهه‏.‏
وقال ابن عرفة‏:‏ اللغو السقط من القول، وقيل‏:‏ الميل عن الصواب، وقيل:‏ اللغو: الإثم، كقوله تعالى: {‏وإذا مَرُوا باللغوِ مرُوا كراما}.‏
وقال الزين بن المنير: اتفقت أقوال المفسرين على أن «اللغو» ما لا يحسن من الكلام‏ .‏
قال الحافظ (2/414): وأغرب أبو عبيد الهروي في ‏«الغريب»‏ فقال‏:‏ معنى لغا تكلم! كذا أطلق‏،‏ والصواب التقييد‏.‏
وقال النضر ابن شميل‏: معنى لغوت: خبتَ من الأجر، وقيل: بطلت فضيلةُ جمعتك، وقيل: صارت جمعتك ظهرا‏.‏
قال الحافظ :‏ أقوال أهل اللغة متقاربة المعنى، ويشهد للقول الأخير ما رواه أبو داود وابن خزيمة: من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا ‏«ومَنْ لغا وتخطى رقاب الناس، كانت له ظُهرا»، قال ابن وهب أحد رواته‏:‏ معناه أجزأت عنه الصلاة، وحرم فضيلة الجمعة‏.‏
ولأحمد: من حديث علي مرفوعا‏ «منْ قال: صه فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له»‏. ولأبي داود نحوه .
وروى أحمد (1/230) والبزار: من حديث ابن عباس مرفوعا ‏«من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب، فهو كالحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له: أنصت، ليست له جمعة»‏، قلت: وإسناده ضعيف، فيه مجالد بن سعيد.
قال الحافظ: وله شاهد قوي في جامع حماد بن سلمة عن ابن عمر موقوفا. قال العلماء:‏ معناه لا جمعة له كاملة، للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه؛ لأنه إذا جعل قوله: ‏«أنصت»‏ مع كونه أمراً بمعروف لغواً، فغيره من الكلام أولى أنْ يسمى لغوا‏.‏
وقد وقع عند أحمد من رواية الأعرج عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث بعد قوله: «فقد لغوت‏ :‏ عليك بنفسك»،‏ واستدل به على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة، وبه قال الجمهور في حق من سمعها؛ وكذا الحكم في حق من لا يسمعها عند الأكثر‏.‏
وقال ابن عبد البر‏:‏ «لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار: في وجوب الإنصات للخطبة على من سمعها في الجمعة»‏.‏
وهو قول مالك وأبي حنيفة وعامة العلماء.
لكن إذا أراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليجعله بالإشارة ‏.‏
فالحديث يدل على أنه لا يجوز أن يقول لمن سمعه من الجهال يتكلم، والإمام يخطب‏:‏ أنصت، ونحوها، أخذاً بهذا الحديث‏ .‏
قال الحافظ: وروى عن الشعبي وناس قليل؛ أنهم كانوا يتكلمون إلا في حين قراءة الإمام في الخطبة خاصة، قال‏:‏ وفعلهم في ذلك مردودٌ عند أهل العلم، وأحسن أحوالهم أنْ يقال: إنه لم يبلغهم الحديث‏.‏
وقال: وللشافعي في المسألة قولان مشهوران، وبناهما بعض الأصحاب على الخلاف في أنّ الخطبتين بدلٌ عن الركعتين أم لا‏؟‏ فعلى الأول: يَحرم لا على الثاني، والثاني هو الأصح عندهم، فمن ثَم أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام، حتى شنّع عليهم من شنع من المخالفين.‏
وعن أحمد أيضا روايتان
وعنهما أيضا: التفرقة بين من يسمع الخطبة ومن لا يسمعها، ولبعض الشافعية التفرقة بين من تنعقد بهم الجمعة؛ فيجب عليهم الإنصات دون من زاد ، فجعله شبيها بفروض الكفاية‏.‏
واختلف السلف إذا خطب بما لا ينبغي من القول، وعلى ذلك يحمل ما نقل عن السلف من الكلام حال الخطبة .‏
والذي يظهر أن من نفى وجوبه أراد أنه لا يشترط في صحة الجمعة، بخلاف غيره .‏
ويدل على الوجوب في حق السامع ، أن في حديث على المشار إليه آنفا ‏«ومن دنا فلم ينصت كان عليه كفلان من الوزر»؛‏ لأن الوزر لا يترتب على من فعل مباحا‏، ولو كان مكروها كراهة تنزيه.
وأما ما استدل به من أجاز مطلقا من قصة السائل في الاستسقاء ونحوه ففيه نظر؛ لأنه استدلال بالأخص على الأعم، فيمكن أن يخص عموم الأمر بالإنصات بمثل ذلك كأمر عارض في مصلحة عامة‏.‏
ونقل صاحب ‏«المغني»‏ الاتفاق على أنّ الكلام الذي يجوز في الصلاة، يجوز في الخطبة كتحذير الضرير من البئر، وعبارة الشافعي‏:‏ وإذا خاف على أحد لم أر بأسا إذا لم يفهم عنه بالإيماء أنْ يتكلم .‏
وقد استثنى من الإنصات في الخطبة ما إذا انتهى الخطيب إلى كل ما لم يشرع مثل الدعاء للسلطان مثلا، بل جزم صاحب التهذيب بأن الدعاء للسلطان مكروه‏.‏
وقال النووي :‏ محله ما إذا جازف وإلا فالدعاء لولاة الأمور مطلوب اهـ‏.‏
قال الحافظ : ومحل الترك إذا لم يخف الضرر، وإلا فيباح للخطيب إذا خشي على نفسه ، والله أعلم .
قلت: هذا في الدعاء للسلطان بالاسم، وأما الدعاء لولاة الأمر عامة بالسداد والصلاح وغيره، فهو من سمات أهل السنة والجماعة، بخلاف الخوارج ومن شابههم!
قال النووي: واختلفوا إذا لم يسمعوا الإمام، هل يلزمه الإنصات كما لو سمعه؟ فقال الجمهور: يلزمه، وقال النخعي وأحمد: لا يلزمه انتهى
والصحيح المختار وهو مذهب الجمهور أنه يلزمه الإنصات؛ لأن الحديث لم يفصل.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #115  
قديم 25-10-2025, 07:22 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 119 )

باب: فَضلُ مَنْ استمعَ وأنصتَ يومَ الجُمعة

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
423.عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه : عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «مَنْ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى ما قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ».
الشرح: قال المنذري: باب: فضلُ مَنْ استمعَ وأنصت يوم الجمعة.
والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/587 ) وبوب عليه النووي: باب فضل من استمع وأنصت في الخُطبة.
وقد رواه البخاري بنحوه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه في الجمعة (883).
قوله «مَنْ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ» سبق الكلام في غسل يوم الجمعة، وذكر خلاف أهل العلم فيه، وقول كثير من الفقهاء أنه سُنةٌ مُؤكدة، وأنّ الصحيح قول من قال بالوجوب، فينبغي المحافظة على هذا الغسل قدر الإمكان، والأفضل أنْ يكون عند توجهه إلى صلاة الجمعة، لأن هذا أبلغ في التطهر، وقطع للروائح الكريهة.
وقد ورد في الرواية الأخرى لهذا الحديث عند مسلم ( 2/588 ): «منْ توضّأ فأحسنَ الوضوء، ثم أتى الجُمعة فاستمعَ وأنصتَ، غُفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادةَ ثلاثة أيام».
كذا وقع فيه: «منْ توضّأ فأحسنَ الوضوء..» وهو لا يعارض ما ثبت في الصحيحين وغيرهما: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «غُسل الجُمعة واجبٌ على كل محتلم»، فإن هذا الحديث الثاني فيه زيادة على الحديث الأول، فيُؤخذ بها.
كما أن حديث الغسل أصح منه، فقد أخرجه الأئمة السبعة، وهذا لم يخرجه إلا مسلم.
وهو يدل على أن الغسل ليس شرطاً لصحة الصلاة، وإنْ كان واجبا، كما سبق بيانه في حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه ، لما دخل متأخراً ذات يوم، وأمير المؤمنين عمر ابن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة، فسأله أمير المؤمنين عمر؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين، ما زدتُ على أنْ توضأت ثم أتيت ..» الحديث.
قال النووي في شرح الحديث: فيه فضيلة الغسل، وأنه ليس بواجب للرواية الثانية!
وفيه: استحباب الوضوء وتحسينه . ومعنى «إحسانه» الإتيان به ثلاثاً ثلاثا، ودَلْك الأعضاء، وإطالة الغرة والتحجيل وتقديم الميامن، والإتيان بسننه المشهورة.
قال: وفيه أنّ التنفل قبل خروج الإمام يوم الجمعة مستحب، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور.
وفيه: أنّ النوافل المُطلقة، لا حَدّ لها، لقوله صلى الله عليه وسلم : «فصلّى ما قُدر له».
وفيه: الإنصات للخطبة.
وفيه: أن الكلام بعد الخطبة، قبل الإحرام بالصلاة، لا بأس به.انتهى
قال كاتبه: وقد غفل أو أهمل أكثر المسلمين اليوم، التنفّل قبل خروج الإمام يوم الجمعة، وصار كثيرٌ منهم يجعل انتظاره للإمام، في قراءة القرآن! أو في قراءة سورة الكهف خاصة! مع أنها لم تقيد بهذا الوقت، بل يوم الجمعة كله وقتٌ لقراءتها، كما هو معلوم.
وقد سبق بيان أنّ الإنصات للخطيب يوم الجمعة من الواجبات، فلا يجوز للمسلم أن يتساهل في ذلك، فيعبث بثوبه أو بالسجاد، أو يتحدث مع صاحبه، أو يشتغل بشيء عن الخطبة، وقد ورد في فضائل الإنصات للخطبة أحاديث منها:
1- أنه يكفّر ما بين الجمعة والجمعة السابقة: كما في قوله صلى الله عليه وسلم هاهنا: «غُفِرَ لَهُ ما بينه وبينَ الجُمُعَةِ الْأُخرَى، وفَضْلُ ثَلَاثَة أَيَّامٍ».
2- أنه يُكتَب له بكل خُطوة إلى الجمعة، أجرُ صيامِ سنةٍ وقيامها: كما في حديث أَوْسِ بنِ أَوْسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : «مَنْ اغْتَسَلَ يومَ الْجُمُعَةِ وغَسَّلَ، وبَكَّرَ وابْتَكَرَ، ودَنَا واسْتَمَعَ وأَنْصَتَ، كَان لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا: أَجْرُ سَنَةٍ، صِيَامُهَا وقِيَامُهَا» رواه الترمذي (496) وصححه البيهقي في (السنن الكبرى) (3/227).
3- أنّ أجرَ صلاة الجمعة موقوفٌ على الإنصات: فعن أَبي هُريرةَ رضي الله عنه : أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يومَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، والْإِمامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» رواه البخاري (934) ومسلم (851).
وفي الرواية الأخرى قال: «فاستمع وأنصت» وهما شيئان متمايزان، وقد يجتمعان، فالاستماع: هو الإصغاء، والإنصات: هو السكوت، ولهذا قال الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف: 204)، ففرّق بينهما.
وقوله: «حتى يفرغ من خُطبته» هكذا روي من غير ذِكر الإمام، وعاد الضمير إليه للعلم به، وإنْ لم يكن مذكوراً.
وقوله: «غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى»، وهذا مشروط باجتناب الكبائر، كما في حديث أَبي هُريرةَ: أَنّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، كفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، ما لم تُغْشَ الْكِبَائِر». رواه مسلم.
وهو كما قال تعالى: { إنْ تَجتنبُوا كبائرَ ما تُنهونَ عنه نُكفّرْ عنكم سيئاتِكم ونُدخلكم مُدْخلاً كريماً} النساء: 31.
قوله: «وفضل ثلاثة أيام» أي: وزيادة ثلاثة أيام. قال العلماء: معنى المغفرة له ما بين الجمعتين وثلاثة أيام: أنّ الحسنة بعشرِ أمثالها، وصار يوم الجمعة الذي فعل فيه هذه الأفعال الجميلة، في معنى الحَسَنة، التي تجعل بعشر أمثالها. قاله النووي، ثم قال: قال بعض أصحابنا: والمراد بما بين الجمعتين: من صلاة الجمعة وخطبتها، إلى مثل الوقت من الجمعة الثانية، حتى تكون سبعة أيام، بلا زيادة ولا نقصان، ويضم إليها ثلاثة، فتصير عشرة.
وقد جاء قوله صلى الله عليه وسلم في بعض روايات الحديث السابق:» ومن مسّ الحصى لغا» وهو ينافي الإنصات، ويلهي عن الاستماع لخطبة الجمعة، التي فُضلت بها هذه الأمة على سائر الأمم.
وكان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم المساجد تفرش بالحصباء، وهي الحصى الصغار.
والنهي عن مس الحصى، يشمل غيره من أنواع العبث حال الخطبة، كالذي يعبث بتحريك القلم أو الساعة، أو يقوم إلى المروحة ويحركها دون حاجة، أو الذي يعبث بالسواك، يريد أنْ يتسوك والإمام يخطب.
وفيه: إشارة إلى وجوب إقبال القلب والجوارح على الخُطبة، والمراد باللغو هنا: الباطل المذموم المردود، وقد سبق بيانه قريبا.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: عن الرجل يكتب ما يسمعه في الخطبة، لأنّ بعض الناس ينسى فيقول: أنا كلما مرّت عليَّ جملة مفيدة أكتبها، هل يجوز أم لا؟
فأجاب: «الظاهر أنه لا يجوز؛ لأن هذا إذا اشتغل بالكتابة، تلهّى عما يأتي بعدها؛ لأنّ الإنسان ليس له قلبان، فإذا كان يشتغل بالكتابة، تلهّى عما يقوله الخطيب أثناء كتابته لما سبق، ولكن - الحمد لله - الآن قد جعل الله للناس ما يُريحهم؛ حيثُ جاءت هذه الأشرطة، وهذه المسجلات، فبإمكانك أن تحضر المسجل، وتسجل الخطبة في راحة، وتستمع إليها في بيتك أو في سيارتك، على أي وضعٍ كنت». من شرح رياض الصالحين.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #116  
قديم 25-10-2025, 07:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 120 )

باب: في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا }

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
424.عن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ رضي الله عنه : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم : «كانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنْ الشَّامِ، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا}(الجمعة :11).
الشرح: قال المنذري : باب : في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا }(الجمعة :11).
والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/590) وبوب عليه النووي كتبويب المنذري .
ورواه البخاري في الجمعة (936) باب: إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة، فصلاة الإمام ومَنْ بقيَ جائزة.
قوله: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَخطبُ قائما» سبق في باب الجلسة بين الخطبتين، بيان أنَّ السُنة النبوية أنْ يخطب الإمام قائماً، وفيه حديث جابر -رضي الله عنه-: «أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً..».
وذكرنا أيضاً حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه في إنكاره على عبد الرحمن ابن أم الحكم حين خَطب قاعدًا، فقال كعب رضي الله عنه: انظروا إلى هذا الخبيث! يخطب قاعِدًا، وقال الله تعالى : {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا }(الجمعة : 11). رواه مسلم .
قوله: «فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنْ الشَّامِ»، وفي رواية البخاري: «إذ أقبلت عيرٌ تحمل طعاما»، العير: بكسر العين، هي الإبل التي تحمل التجارة، طعاما كانت أو غيره، وهي مؤنثةٌ لا واحدَ لها من لفظها.
وفي الرواية الأخرى له «فقدِمتْ سُويقة، سويقة: تصغير سُوق، وسميت سوقا؛ لأنّ البضائع تُساق إليها.
قوله: «فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا»، ظاهره أن الانفضاض وقع حال الخطبة، وظاهر قوله في الرواية الأخرى: «ونحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم » أن الانفضاض وقع بعد دخولهم في الصلاة .
قوله: «فانفتل الناس إليها» وفي الرواية الأخرى: «فانفض الناس إليها»، وهو موافق للفظ القرآن.
وفي رواية للبخاري: «فالتفتوا إليها»، والمراد بالانْفتَال والالتفات: الانصراف، يدل على ذلك رواية: «فانفض» وفيه ردٌ على من حمل الالتفات على ظاهره، وقال: لا يفهم منه الانصراف عن الصلاة وقطعها، وإنما يفهم منه التفاتهم بوجوههم أو بقلوبهم.
وأيضا: لو كان الالتفات على ظاهره، لما وقع الإنكار الشديد عليهم؛ لأنه لا ينافي الاستماع للخطبة، قاله الحافظ.
قوله: «حتى لم يبق معه إلا إثنا عشر رجلا ، فأنزل الله: {وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً}».
في رواية لمسلم: «فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما».
وفي أخرى قال جابر: «وأنا فيهم»، وفيها منقبة لهم رضي الله عنهم .
وقوله: «إلا اثنا عشر رجلا»، قال الكرماني: ليس هذا الاستثناء مفرغاً فيجب رفعه، بل هو من ضمير «لم يبق العائد إلى الناس»؛ فيجوز فيه الرفع والنصب. قال: وثبت الرفع في بعض الروايات.
قوله: «فأنزلت هذه الآية»، ظاهر في أنها نزلت بسبب قدوم العير المذكورة. والمراد باللهو على هذا، ما ينشأ من رؤية القادمين وما معهم.
ووقع عند الشافعي: من طريق جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، وكان لهم سوقٌ كانت بنو سليم يجلبون إليه الخيل والإبل والسمن، فقدموا فخرج إليهم الناس وتركوه قائما، وكان لهم لهو يضربونه فنزلت»، ووصله أبو عوانة في صحيحه ، قاله الحافظ .
قوله: انفضوا إليها قيل: النكتة في عود الضمير إلى التجارة دون اللهو، أنّ اللهو لم يكن مقصوداً، وإنما كان تبعاً للتجارة.
وقيل: حذف ضمير أحدهما لدلالة الآخر عليه، وقال الزجاج: أعيد الضمير إلى المعنى، أي: انفضوا إلى الرؤية.
وقد استشكل الأصيلي حديث الباب فقال: إن الله تعالى قد وصف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {لا تُلهيهم تِجارةٌ ولا بيْعٌ عنْ ذِكرِ اللهِ}، ثم أجاب باحتمال: أنْ يكون هذا الحديث قبل نزول الآية.
قال الحافظ: وهذا الذي يتعين المصير إليه، مع أنه ليس في آية النور التصريح بنزولها في الصحابة، وعلى تقدير ذلك؛ فلم يكن تقدم لهم نهي عن ذلك، فلما نزلت آية الجمعة، وفهموا منها ذم ذلك اجتنبوه، فوصفوا بعد ذلك بما في آية النور.
وقد أثار بعض أعداء الإسلام شبهة، حول انفضاض بعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم خلال خطبة الجمعة.
قال الكاشاني والقمي والطبرسي وغيرهم من الشيعة: نزلت فى أكثر الصحابة الذين انفضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العير التي جاءت من الشام، وتركوه وحده في خطبة الجمعة، وتوجهوا إلى اللهو، واشتغلوا بالتجارة، وذلك دليل على عدم الديانة .
والرد على هذه الشبهة من وجوه:
1- لابد أولاً من العلم: أن أبا بكر وعمر وجابر وغيرهم، كانوا من بين الصحابة الذين لم ينفضوا عن النبي صلى الله عليه وسلم , فلماذا يطعنون عليهم، وينفون عنهم العدالة، وهم خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم؟
2- سبق أن انفضاضهم كان في وقت الخطبة وليس في الصلاة، كما ورد في حديث الباب عند مسلم: «أَنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم كان يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ..»، كما رجحه ابن حجر الصلاة, وهو اللائق بالصحابة, وعلى تقدير كون الانفضاض كان في الصلاة كما في رواية البخاري, فيحمل على أن ذلك وقع قبل النهي ، وقبل النهي عن الفعل الكثير في الصلاة .
وجاء في عمدة القاري: أن رواية «ونحن نصلي...» أي: ننتظر الصلاة، من باب تسمية الشيء بما يُقاربه, والمراد بالصلاة هنا: انتظارها في حال الخُطبة, وهو ما رجحه النووي ليوافق رواية مسلم.
3- أن الحادثة وقعت في بدء زمن الهجرة, ولم يكن الصحابة حينئذ واقفين على جملة الآداب والأحكام الشرعية, بل الأحكام الشرعية لم تتكامل بعد، ولذلك لم يتوعدهم الله تعالى في الآية الكريمة بعذابٍ, ولم يُعاتبهم صلى الله عليه وسلم على ما فعلوا, وقد انتهوا عن ذلك بعد نزول الآية.
4- وأخرج أبو يعلى (3/468) الحديث بالإسناد نفسه، وفيه التصريح بمن ثبت من الصحابة رضي الله عنهم أيضا، وأنهم سبب دفع العقوبة عن الباقي:
فعن جابر بن عبد الله قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقدمت عيرٌ إلى المدينة، فابتدرها أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده، لو تتَابعتم حتى لم يَبق منكم أحدُ، لسَالَ بكم الوادي نارًا»، ونزلت هذه الآية: {وإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا}، وقال: كان في الاثني عشر الذين ثَبَتُوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبو بكر، وعمر -رضي الله عنهما-.
5 – أن ذلك كان في زمن كان فيه جوعٌ وقحط، فقد أخرج ابن جرير في تفسيره : عن الحسن قال : إن أهل المدينة أصابهم جوعٌ وغلاء سعر، فقدمت عيرٌ والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فسمعوا بها، فخرجوا والنبي صلى الله عليه وسلم قائم، كما قال الله عز وجل .
والحديث استدل به من قال: إنّ العدد المشترط للجمعة اثنا عشر رجلا!
وقد اختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة على أقوال:
فقال الحسن: تنعقد الجمعة باثنين. وقال الليث وأبو يوسف: تنعقد بثلاثة . وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة بأربعة. وقال ربيعة : باثني عشر رجلا .
وقال الشافعي: بأربعين رجلا.
ومال أحمد وإسحاق إلى هذا القول.
وقال مالك: إذا كانت قرية فيها سوقٌ ومسجد، فعليهم الجمعة .
قال كاتبه: وكونها لا تقام إلا في المدن والقرى، تدل عليه سُنة النبي صلى الله عليه وسلم وعمل الصحابة من بعده بالاستقراء، فلم تُقم الجُمعة في عهده صلى الله عليه وسلم ، ولا عهد الخلفاء الراشدين في القبائل في الصحراء ونحوها، وعليه أكثر أهل العلم .
وهو ما يدل عليه أيضا: حديث ابن عباس، قال: إن أول جمعة جُمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بقرية من قرى البحرين يقال لها: جواثى.
وحجة الإمام الشافعي وأحمد في الأربعين: حديث جابر رضي الله عنه الذي خرجه الدارقطني (164) والبيهقي (3/177)، ولفظه: «مضت السُنة أنّ في كل أربعين فما فوق ، جمعة وأضحى وفطر».
وهو حديث ضعيف جدا، فيه: عبدالعزيز القرشي، منكر الحديث، انظر الإرواء (603).
وكذا حديث: كعب بن مالك قال: «أول من جَمّع بنا أسعدُ بن زرارة في هزم النبيت, فى نقيعٍ يقال له: نقيع الخضمات, قلت : كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا». أخرجه أبو داود (1069) والدارقطني (164- 165) والحاكم (1/281) والبيهقي (3/176ـ 177)
قال الحافظ في «التلخيص» (ص 133) وهذا إسناد حسن، ووافقه الألباني في الإرواء (600) .
وقال الإمام أحمد في مسائل ابنه عبد الله (108): «قد جمع بهم أسعد بن زرارة, وكانت أول جمعة جمعت في الإسلام, وكانوا أربعين رجلا».
لكن هذا لا يدل على اشتراط العدد في الجمعة.
وقول الليث وأبو يوسف: أنها تنعقد بثلاثة، هو الصحيح الذي تدل عليه الأدلة، واختاره الشيخ ابن باز رحمه الله .
أما تفسير الآيات : فيعاتب الله تبارك وتعالى ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ فيقول تعالى: {وإذا رأوا تجارةً أو لهوا انفضوا إليها} أي: إلى التجارة؛ لأنها مطلوبهم دون اللهو (وتركوك قائما) أي : في الخطبة (قل ما عند الله) من الثواب (خير) للذين آمنوا {من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين}، يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : {قل لهم يا محمد}، الذي عند الله من الثواب، لمن جلس مستمعاً خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وموعظته يوم الجمعة، إلى أن يفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، خيرٌ له من اللهو ومن التجارة التي ينفضون إليها {والله خير الرازقين}. والله خير رازق، فإليه فارغبوا في طلب أرزاقكم، وإياه فاسألوا أن يوسع عليكم من فضله دون غيره.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #117  
قديم 25-10-2025, 07:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 121 )

باب: ما يقـــــرأ فـي صـــــلاة الجمعــــــــة

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
425- عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رضي الله عنهما- قال: كان رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ في الْعِيدَيْنِ وفي الْجُمُعَةِ: بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}، قال: وإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ والْجُمُعَةُ في يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِما أَيضًا في الصَّلَاتَيْنِ.
الشرح: قال المنذري: باب: ما يقرأ في صلاة الجمعة. والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/598) وبوب عليه النووي كتبويب المنذري. وقد أخرجه الجماعة إلا البخاري والنسائي.
قوله: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ {سبح اسم ربك الأعلى}، و{هل أتاك حديث الغاشية}» فيه استحباب القراءة فيهما بهما، ولفظ «كان» يفيد الاستمرار في ذلك، فهي سُنةٌ نبوية للإمام في صلاة الجمعة.
وفي الحديث الآخر في الباب عند مسلم أيضا: عن ابنِ أَبي رافِعٍ قال: اسْتَخْلَفَ مروانُ أَبا هُريرةَ رضي الله عنه على المدينة، وخرج إِلَى مكَّةَ، فَصَلَّى لَنا أَبو هُريرة الْجُمُعَةَ، فَقَرأَ بعد سُورَةِ الْجُمُعَةِ، في الرَّكعةِ الْآخرةِ: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ)، قال: فأَدركتُ أَبا هريرةَ حين انْصرفَ، فقلْتُ لَه: إِنَّك قَرَأْتَ بِسُورتَيْنِ، كان عليُّ بنُ أَبي طَالِبٍ يَقْرأُ بِهِما بِالْكُوفَةِ، فقال أَبو هريرة: إِنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرأُ بِهِما يومَ الْجُمُعَةِ.
وهذه سنة أخرى مأثورة صحيحة عنه صلى الله عليه وسلم .
فكان النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً يقرأ في الجمعة بـ(الجمعة) و(المنافقين)، وأحياناً بـ(سبح) و (هل أتاك).
قال العراقي: والأفضل من هذه الكيفيات قراءة «الجمعة» في الأولى، ثم «المنافقين» في الثانية، كما نص عليه الشافعي فيما رواه عنه الربيع انتهى.
كذا قال! ولا وجه للتفضيل، بل إن الحديث الذي فيه لفظ: «كان» مشعر بأن فعل ذلك كان على سبيل المداومة، كما تقرر في الأصول، وهو حديث الباب، فهو الأفضل.
وقال مالك: أدركت الناس يقرؤون في الأولى بالجمعة والثانية بسبح، ولم يثبت ذلك في الأحاديث !
وقال ابن عيينة: إنه يُكره أن يتعمد القراءة في الجمعة بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لئلا يجعل ذلك من سننها وليس منها!
قال ابن العربي: وهو مذهب ابن مسعود، وقد قرأ فيها أبو بكر الصديق بالبقرة.
قال كاتبه: ولعل المقصود: ترك القراءة بهما أحياناً، لئلا يُتوهم وجوبهما على الإمام في صلاة الجمعة، أما كونها سنة نبوية ثابتة، فلا شك في ذلك.
وقال الشوكاني: وحكى ابن عبد البر في الاستذكار عن أبي إسحق المروزي مثل قول ابن عيينة، وحكي عن ابن أبي هريرة مثله، وخالفهم جمهور العلماء، وممن خالفهم من الصحابة: علي وأبوهريرة. قال العراقي: وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور.
قوله: «وربما اجتمعا»، أي: العيد والجمعة «فيقرأ بهما» أي بـ ( سبح اسم ربك ) و ( هل أتاك). وهذا يدل على استحباب القراءة في العيدين أيضا بـ (سبح اسم ربك الأعلى) و(الغاشية)، وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل، وذهب الشافعي إلى استحباب القراءة فيهما بـ (ق ) و (اقتربت ) لحديث أبي واقد الليثي. واستحب ابن مسعود القراءة فيهما بأوساط المفصل من غير تقييد بسورتين معينتين.
وقال أبو حنيفة: ليس فيه شيء مؤقت!
وحديث أبي واقد الليثي في صحيح مسلم: أَنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ سَأَل أَبا واقِدٍ اللَّيْثيَّ ما كان يَقْرأُ بِهِ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم في الأَضْحَى والْفِطْرِ؟ فقَال: كان يَقْرَأُ فِيهِمَا بِـ (ق والْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ) و(اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)».
وقد جمع النووي بين الأحاديث فقال: كان في وقتٍ يقرأ في العيدين بـ (ق) و(اقتربت)، وفي وقت: بـ (سبح) و(هل أتاك ).
ووجه الحكمة في القراءة في العيدين بهذه السور: أن في سورة (سبح) الحث على الصلاة، وزكاة الفطر، على ما قال سعيد بن المسيب في تفسير قوله تعالى: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى)، فاختصت الفضيلة بها كاختصاص الجمعة بسورتها.
وأما (الغاشية) فللموالاة بين (سبح) وبينها، كما بين (الجمعة) و(المنافقين).
وأما سورتا (ق ) و ( اقتربت) فنقل النووي في (شرح مسلم) عن العلماء أن ذلك: لما اشتملتا عليه من الإخبار بالبعث، والإخبار عن القرون الماضية، وإهلاك المكذبين، وتَشبيه بروز الناس في العيد، ببروزهم في البعث، وخروجهم من الأجداث كأنهم جَرادٌ منتشر.
وقد ورد في الحكمة من القراءة في الجمعة بسورة (الجمعة والمنافقين) ما أخرجه الطبراني في الأوسط: عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يقرأ في صلاة الجمعة بالجمعة، فيحرض به المؤمنين، وفي الثانية بسورة المنافقين، فيفزع المنافقين»، قال العراقي: وفي إسناده من يحتاج إلى الكشف عنه.
أما القراءة في فجر الجمعة، فقد جاء عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان يَقْرأُ في صلَاةِ الْفجرِ، يومَ الْجُمُعَةِ: (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ )، و(َهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ)، وأَنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يَقرأُ في صلَاةِ الْجُمعَةِ سُورةَ الجُمعة، والْمُنَافقين.
مسألة: وفي قوله: «وإِذا اجْتَمَعَ العِيدُ والْجُمُعَةُ في يومٍ واحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِما أَيضًا في الصَّلَاتَيْنِ»، ما إذا اجتمع يوم العيد ويوم الجمعة، كعيد الفطر أو الأضحى مع الجمعة التي هي عيد الأسبوع، هل تجب صلاة الجمعة على من حضر صلاة العيد؟ أم يجتزئ بصلاة العيد ويصلى بدل الجمعة ظهرا ً؟
وهل يُؤَذّن لصلاة الظهر في المساجد أم لا ؟
والجواب: قد وردت أحاديث وآثار في هذه المسألة، فمنها:
1- حديث زيد بن أرقم -رضي الله عنه-: أن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- سأله -: هل شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم واحد؟ قال: نعم، قال: كيف صنع ؟ قال: صلى العيد ثم رخّص في الجمعة، فقال: «مَنْ شاء أنْ يُصلي فليصل». رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي والحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد على شرط مسلم. ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
2- حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قدْ اجتمعَ في يومكم هذا عِيدان، فمن شاءَ أجْزأه من الجُمعة، وإنّا مُجمّعون». رواه أبو داود وابن ماجة وغيرهما.
3- حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتمعَ عيدان في يومكم هذا، فمنْ شاءَ أجزأه من الجمعة، وإنا مُجمعون إن شاء الله». رواه ابن ماجة، وقال البوصيري: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
4- وعن عطاء بن أبي رباح قال: صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا، فصلينا وحداناً، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدمنا ذكرنا ذلك له، فقال: «أصاب السنة». رواه أبو داود.
5- وعن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال أبو عبيد: شهدت العيدين مع عثمان بن عفان، وكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبل الخطبة ثم خطب، فقال: يا أيها الناس، إنّ هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحبَّ أن ينتظر الجمعة منْ أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له. رواه البخاري ومالك في الموطأ.
أما مذاهب العلماء في ذلك، فمذهب الحنفية والمالكية أنه إذا اجتمع يوم العيد ويوم الجمعة، فإن إحدى الصلاتين لا تجزئ عن الأخرى!
وهذا هو مذهب الشافعي، غير أنه يرخص لأهل القرى الذين بلغهم النداء وشهدوا صلاة العيد، ألا يشهدوا صلاة الجمعة.
وجاء في المغني لابن قدامه: « مذهب الإمام أحمد: أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة، إلا الإمام لا تسقط عنه، إلا ألا يجتمع معه من يصلي به الجمعة، وقيل في وجوبها على الإمام روايتان، وروي عنه أيضاً: أنه إذا صليت الجمعة في وقت العيد، أجزأت صلاة الجمعة عن صلاة العيد، وذلك مبني على رأيه في جواز تقديم الجمعة قبل الزوال.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى: عن ذلك فأجاب: « الحمد لله، إذا اجتمع الجمعة والعيد في يوم واحد، فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:
- أحدها: أنه تجب الجمعة على من شهد العيد، كما تجب سائر الجمع للعمومات الدالة على وجوب الجمعة.
- الثاني: تسقط عن أهل البر، مثل أهل العوالي والشواذ؛ لأن عثمان بن عفان أرخص لهم في ترك الجمعة، لما صلى بهم العيد.
- والقول الثالث: وهو الصحيح: أنّ من شهد العيد سقطت عنه الجمعة، لكن على الإمام أنّ يقيم الجمعة ليشهدها منْ شاء شهودها، ومنْ لم يشهد العيد، وهذا هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: كعمر، وعثمان، و ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير وغيرهم.
ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف، وأصحاب القولين المتقدمين لم يبلغهم ما في ذلك من السُنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لما اجتمع في يومه عيدان صلى العيد ثم رخص في الجمعة، وفي لفظ أنه قال: «أيها الناس إنكم قد أصبتم خيرا، فمن شاء أنْ يشهد الجمعة فليشهد، فإنا مجمعون».
وأيضاً: فإنه إذا شهد العيد حصل مقصود الاجتماع، ثم إنه يصلي الظهر إذا لم يشهد الجمعة، فتكون الظهر في وقتها، والعيد يحصل مقصود الجمعة.
وفي إيجابها على الناس تضييق عليهم، وتكدير لمقصود عيدهم، وما سن لهم من السرور فيه، والانبساط، فإذا حبسوا عن ذلك عاد العيد على مقصوده بالإبطال؛ ولأن يوم الجمعة عيد، ويوم الفطر والنحر عيد، ومن شأن الشارع إذا اجتمع عبادتان من جنس واحد أدخل إحداهما في الأخرى، كما يدخل الوضوء في الغسل، وأحد الغسلين في الآخر. والله أعلم».
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة، بعد ذكر الأحاديث الواردة ما يلي:
- وبناء على هذه الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذه الآثار الموقوفة عن عدد من الصحابة -رضي الله عنهم-، وعلى ما قرره جمهور أهل العلم في فقهها، فإن اللجنة تبين الأحكام الآتية:
1- منْ حضر صلاة العيد فيرخص له في عدم حضور صلاة الجمعة، ويصليها ظهراً في وقت الظهر، وإنْ أخذ بالعزيمة فصلى مع الناس الجمعة فهو أفضل.
2- من لم يحضر صلاة العيد فلا تشمله الرخصة؛ ولذا فلا يسقط عنه وجوب الجمعة، فيجب عليه السعي إلى المسجد لصلاة الجمعة، فإنْ لم يوجد عدد تنعقد به صلاة الجمعة، صلاها ظهراً.
3- يجب على إمام مسجد الجمعة إقامة صلاة الجمعة ذلك اليوم، ليشهدها من شاء شهودها، ومن لم يشهد العيد، إنْ حضر العدد التي تنعقد به صلاة الجمعة، وإلا فتصلى ظهرا.
4- من حضر صلاة العيد وترخص بعدم حضور الجمعة، فإنه يصليها ظهراً بعد دخول وقت الظهر.
5- لا يشرع في هذا الوقت الأذان إلا في المساجد التي تقام فيها صلاة الجمعة، فلا يشرع الأذان لصلاة الظهر ذلك اليوم.
6- القول بأن من حضر صلاة العيد تسقط عنه صلاة الجمعة وصلاة الظهر ذلك اليوم، قول غير صحيح؛ ولذا هجره العلماء وحكموا بخطئه وغرابته، لمخالفته السُنة، وإسقاطه فريضةً من فرائض الله بلا دليل، ولعل قائله لم يبلغه ما في المسألة من السنن والآثار، التي رخصت لمن حضر صلاة العيد بعدم حضور صلاة الجمعة، وأنه يجب عليه صلاتها ظهراً.
والله تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ. . الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الغديان. . الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد. . الشيخ صالح بن فوزان الفوزان.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #118  
قديم 25-10-2025, 07:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 122 )

باب: الصــــلاة بعـــد الجُــمــعــــــة فـــي المســجـــد

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
426.عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا صَلَّيْتُمْ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَصَلُّوا أَرْبَعًا».
زاد عمرٌو فِي روايَتِه قال ابنُ إِدْرِيسَ قال سُهَيْلٌ: فَإِنْ عَجِلَ بِكَ شيءٌ، فصَلِّ ركعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ، وركْعَتَيْنِ إِذا رَجَعْتَ.
الشرح: قال المنذري: باب: الصلاة بعد الجمعة في المسجد .
والحديث أخرجه مسلم في الجمعة ( 2/600) وبوب عليه النووي كتبويب المنذري .
قوله: « إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا» وفي رواية: «إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعا» وفي رواية «منْ كان منكم مصلياً بعد الجمعة، فليصل أربعا». وفي رواية «أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعدها ركعتين». في هذه الأحاديث - وكلها في مسلم - استحباب سُنة الجمعة بعدها، والحث عليها، وأنَّ أقلها ركعتان، وأكملها أربع، فنبه صلى الله عليه وسلم بقوله: « إذا صلى أحدكم بعد الجمعة، فليصل بعدها أربعا» على الحث عليها فأتى بصيغة الأمر .
قال النووي: نبّه بقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كان منكم مصلياً» على أنها سُنةٌ ليست واجبة، وذكر الأربع لفضيلتها، وفعله صلى الله عليه وسلم الركعتين في أوقات، بياناً لأنّ أقلها ركعتان، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان يُصلي في أكثر الأوقات أربعا؛ لأنّه أمرنا بهن، وحثّنا عليهن، وهو أرغبُ في الخير، وأحرص عليه، وأولى به . انتهى
وجاء عن عبد الله بن عمر: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين» رواه البخاري (937 ) .
وقد اختلف الفقهاء في التطوع بعد الجمعة.
فقال مالك: ينبغي للإمام إذا سلّم من الجمعة، أنْ يدخل منزله فيركع الركعتين في بيته، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ومن خلف الإمام أيضا، إذا سلّموا، فأحبّ إلي أنْ ينصرفوا ولا يركعوا في المسجد، فإنْ ركعوا فإنّ ذلك واسع.
وقال الشافعي: ما أكثر المصلي من التطوع بعد الجمعة، فهو أحبُ إلي .
وقال أبو حنيفة: يصلي بعد الجمعة أربعا، وقال في موضع آخر: ستا، وقال الثوري: إنْ صليتَ أربعاً أو ستا فحسن .
وقال أحمد بن حنبل: يصلي ستا بعد الجمعة أحبُ إلي، وإنْ شاء أربعا، وكان ابن عمر يصلي بعدها ركعتين في بيته، ويقول: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحجة من قال: يصلي بعد الجمعة أربعا: الراوية السابقة لمسلم: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كان منكم مُصلياً بعد الجُمعة، فليصلّ أربعاً».
وفي رواية قال: «إذا صَليتم الجُمعة، فَصلُوا بعدَها أربعاً».
وروي أن ابن مسعود كان يُصلي بعدها أربعا، وإليه ذهب إسحق، وأصحاب الرأي ; وجاء عن النخعي أنه قال: إنْ شئت ركعتين، وإنْ شئت أربعا.
وقد روي عن جماعة من السلف: أنهم كانوا يصلون بعد الجمعة ركعتين، ثم أربعا، وممن روى ذلك عنه: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وأبو موسى، ومجاهد، وعطاء .
قال أبو عمر ابن عبد البر: الاختلاف عن السلف في هذا الباب، اختلافُ إباحة واستحسان، لا اختلاف منع وحظر، وكل ذلك حسنٌ إنْ شاء الله.
ثم روي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قدم علينا عبد الله فكان يصلي بعد الجمعة أربعا، وقدم بعده عليٌ فكان يصلي بعد الجمعة ركعتين وأربعا.
قال: وكذلك مَنْ لم ير الركعتين بعد المغرب في المسجد، ورآهما في البيت، إنما هو على الاختيار، لا على أن ذلك لا يجوز، والله أعلم . انتهى .
وصلاة الجمعة ليس لها سُنةٌ راتبة قبلية, لكن يُصلي ما ييسر الله له بعدها، ثنتين أو أربع أو أكثر من ذلك ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « مَنْ اغتسلَ يوم الجمعة، ثم أتى المسجد فصلى ما قُدّر له، ثم أنصتَ إذا خرج الإمام ..» فقوله: « صلى ما قدر له» يدل على أنه يصلي ما كتب الله له , حتى يخرج الإمام , فإذا خرج الإمام ترك الصلاة، وقعد ينصت للخطبة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أما النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يكن يصلي قبل الجمعة بعد الأذان شيئاً، ولا نقل هذا عنه أحد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يؤذن على عهده، إلا إذا قعد على المِنبر، ويؤذن بلال، ثم يخطب النبي صلى الله عليه وسلم الخطبتين، ثم يقيم بلال، فيصلي بالناس، فما كان يمكن أنْ يُصلي بعد الأذان، لا هو، ولا أحد من المسلمين الذين يصلون معه صلى الله عليه وسلم، ولا نقل عنه أحدٌ، أنه صلى في بيته قبل الخروج يوم الجمعة، ولا وقّت بقوله صلاةً مقدرة قبل الجمعة، بل ألفاظه صلى الله عليه وسلم فيها الترغيب في الصلاة، إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة، من غير توقيت، كقوله: «من بكّر، وابتكر، ومشى، ولم يركب، وصلى ما كتب له».
وهذا هو المأثور عن الصحابة، كانوا إذا أتوا المسجد يوم الجمعة، يصلون من حين يدخلون ما تيسر؛ فمنهم من يصلي عشر ركعات، ومنهم من يصلي اثنتي عشرة ركعة، ومنهم من يصلي ثماني ركعات، ومنهم من يصلي أقل من ذلك، ولهذا كان جماهير الأئمة متفقين على، أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت، مُقَدّرَة بعدد، لأن ذلك إنما يثبت بقول النبي صلى الله عليه وسلم أو فعله، وهو لم يَسن في ذلك شيئاً، لا بقوله، ولا فعله .انتهى كلامه رحمه الله.
تنبيه: أخرج الترمذي: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعاً، وبعدها أربعاً‏ .‏
والحديث رواه الترمذي معلقاً بصيغة التمريض، وموقوفاً على ابن مسعود، ونقل في التحفة عن الحافظ: أن عبد الرزاق والطبراني أخرجاه مرفوعاً، وفي سنده ضعف وانقطاع‏ .‏ ومثل هذا لا يحتج به‏.‏
واحتج بعضهم للسنة القبلية: بحديث سليك الغطفاني الماضي ؟!
والحديث صحيح، لكنه في تحية المسجد، لا في السنة القبلية للجمعة.
باب: الصَّلاة بعدَ الجُمعة في البَيت
427.عن عبد اللَّهِ: أَنَّه كان إِذا صلَّى الْجُمُعَةَ، انْصرفَ فسجَدَ سجدَتَيْنِ في بيتِهِ، ثُمَّ قال: كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ ذلك .
الشرح: قال المنذري: باب: الصلاة بعد الجمعة في البيت .
والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/600) في الباب السابق نفسه .
ورواه البخاري في الجمعة ( 2/425 ) باب: الصلاة بعد الجمعة وقبلها بلفظ « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين».
وأما صلاة أربع ركعات بعد صلاة الجمعة، فهي سنة مستحبة وليست بفرض، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: في هذه الأحاديث استحباب سنة الجمعة بعدها والحث عليها، وأن أقلها ركعتان وأكملها أربع .
قال الإمام ابن القيم: وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى الجمعة، دخل منزله، فصلى ركعتين، وأمر من صلاها أن يصلي بعدها أربعاً . قال شيخنا ابن تيمية: إن صلى في المسجد، صلى أربعاً، وإن صلى في بيته، صلى ركعتين . قلت: وعلى هذا تدل الأحاديث .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #119  
قديم 25-10-2025, 07:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري



شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 123 )

باب: لا يصلي بعد الجمعة حتى يتكلم أو يخرج

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
428.عن عمرَ بنِ عطاءِ بنِ أَبي الْخُوَارِ: أَنَّ نافعَ بنَ جُبَيْرٍ أَرسلَهُ إِلَى السَّائبِ ابنِ أُختِ نَمِرٍ، يسأَلُه عن شيءٍ رآه منه معاويةُ في الصَّلَاةِ، فقال: نعم، صلَّيْتُ معه الْجُمُعَةَ في الْمَقْصُورةِ، فلَمَّا سَلَّمَ الْإِمامُ، قُمْتُ في مقَامِي فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا دخل أَرْسلَ إِلَيَّ فقال: لا تَعُدْ لِمَا فعلْتَ، إِذا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ، فلا تَصِلْهَا بصلاةٍ، حتَّى تَكَلَّمَ أَو تَخْرُجَ، فإِنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم أَمَرَنَا بذلك: أَنْ لَا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ، حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ.
الشرح: قال المنذري: باب: لا يصلي بعد الجمعة حتى يتكلم أو يخرج.
والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/601) في الباب السابق نفسه.
والحديث رواه عبد الرزاق وأبو داود.
قوله: «وعن عمرو بن عطاء قال: إن نافع بن جبير أرسله»، أي: عمرا «إلى السائب» -رضي الله عنه - «يسأله»، أي: يسأل عمرو السائب «عن شيء رآه منه معاوية» أي: رأى ذلك الشيء منه معاوية في الصلاة، أي: من السائب.
قوله: «قال: رأيت ابن عمر صلى بعد الجمعة ركعتين، ثم صلى بعد ذلك أربعا».
قال الطيبي: «نعم» حرف إيجاب وتقرير لما سأله نافع من قوله: هل رأى منك معاوية شيئا في الصلاة فأنكر عليك؟ والمذكور معناه: «صليت معه» أي: مع معاوية.
قوله: «الجمعة في المقصورة» موضع معين في الجامع مقصور للسلاطين قوله: «فلما سلم الإمام قمت في مقامي» أي: الذي صليت فيه الجمعة.
قوله: «فصليت» أي: سُنة الجمعة من غير أن أفصل بينهما بشيء.
قوله: «فلما دخل» أي: معاوية بيته « أرسلَ إلي» لئلا تكون النصيحة على وجه الفضيحة «فقال: لا تعد لما فعلت»: من العود، أي: صلاة السنة في مكان فعل الجمعة بلا فصل.
قوله: «إذا صليت الجمعة»، وهي مثال؛ إذ غيرها كذلك كما مر، ويؤيده ما يأتي من حكمة ذلك، كذا ذكره ابن حجر، ويحتمل أن ذكر الجمعة بعد خصوص الواقعة للتأكيد الزائد في حقها، لاسيما ويوهم أنه يصلي أربعا، وأنه الظهر، وهذا في مجتمع العام سبب للإيهام.
قوله: «فلا تصلها» من الوصل، أي: لا توصلها «بصلاة» أي: نافلة أو قضاء «حتى تكلم» بحذف إحدى التاءين، من التكليم، أي: أحدا من الناس، فإن به يحصل الفصل لا بالتكلم بذكر الله. «أو تخرج» أي: حقيقة أو حكما، بأن تتأخر عن ذلك المكان.
قوله: «فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك» أي: بما تقدم وهو «أن لا نوصل» أي: الجمعة أو صلاة، أي: صلاة من المكتوبات.
وقوله: «بصلاة حتى نتكلم أو نخرج»، والمقصود بهما الفصل بين الصلاتين لئلا يوهم الوصل؛ فالأمر للاستحباب والنهي للتنزيه.
قال النووي رحمه الله في شرحه: «فيه دليل لما قاله أصحابنا - يعني فقهاء الشافعية - أن النافلة الراتبة وغيرها، يستحب أن يتحوّل لها عن موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحول إلى البيت، وإلا فموضع آخر من المسجد أو غيره، ليكثر مواضع سجوده، ولتنفصل صورة النافلة عن صورة الفريضة.
وقوله: «حتى نتكلم» دليل على أن الفصل بينهما يحصل بالكلام أيضا، ولكن بالانتقال أفضل لما ذكرناه. والله أعلم» انتهى.
وقد روى أبو داود (854) وابن ماجه (1417) واللفظ له عن أبي هريرة رضي الله عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إِذا صَلَّى، أَنْ يَتَقَدَّمَ أَو يَتَأَخَّرَ، أَو عن يَمِينِهِ أَوْ عن شمالِهِ، يعني: السُّبْحَةَ». وصححه الألباني.
والسُّبْحَةَ هي: صلاة النافلة بعد الفريضة أو السُنة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «الفتاوى الكبرى» (2/359): «والسُنة أنْ يفصل بين الفرض والنفل في الجمعة وغيرها، كما ثبت عنه في الصحيح: «أنه صلى الله عليه وسلم نهى أنْ تُوصل صلاةٌ بصلاة، حتى يفصل بينهما بقيامٍ أو كلام».
قال: فلا يفعل ما يفعله كثير من الناس، يصل السلام بركعتي السنة، فإنّ هذا ركوبٌ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا من الحكمة التمييز بين الفرض وغير الفرض، كما يميز بين العبادة وغير العبادة، ولهذا استُحب تعجيل الفطور، وتأخير السحور، والأكل يوم الفطر قبل الصلاة، ونهي عن استقبال رمضان بيوم أو يومين، فهذا كله للفصل بين المأمور به من الصيام، وغير المأمور به، والفصل بين العبادة وغيرها، وهكذا تتميّيز الجمعة التي أوجبها الله من غيرها» انتهى.
وعلة الفصل بين الفريضة والنافلة إذاً: تمييز إحداهما عن الأخرى، وذكر بعض العلماء علة أخرى لذلك، وهي: تكثير مواضع السجود، لأجل أن تشهد له يوم القيامة، كما سبق في كلام النووي رحمه الله.
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (7/429): «ففي هذا إرشاد إلى طريق الأمن من الالتباس، وعليه تحمل الأحاديث المذكورة، ويؤخذ من مجموع الأدلة أن للإِمام أحوالاً؛ لأن الصلاة إما أن تكون مما يتطوع بعدها أو لا يتطوع، الأول اختلف فيه: هل يتشاغل قبل التطوع بالذكر المأثور ثم يتطوع؟ وهذا الذي عليه عمل الأكثر، وعند الحنفية يبدأ بالتطوع، وحجة الجمهور حديث معاوية.
ويمكن أن يقال: لا يتعين الفصل بين الفريضة والنافلة بالذكر، بل إذا تنحى من مكانه كفى.
فإن قيل: لم يثبت الحديث في التنحي، قلنا: قد ثبت في حديث معاوية: «أو تخرج» ويترجح تقديم الذكر المأثور بتقييده في الأخبار الصحيحة بدبر الصلاة.
وزعم بعض الحنابلة أن المراد بدبر الصلاة: ما قبل السلام، وتعقب بحديث «ذهب أهل الدثور» فإنّ فيه: « تسبحون دبر كل صلاة» وهو بعد السلام جزماً، فكذلك ما شابهه، وأما الصلاة التي لا يتطوع بعدها، فيتشاغل الإِمام ومن معه بالذكر المأثور، ولا يتعين له مكان، بل إنْ شاؤوا انصرفوا وذكروا، وإن شاؤوا مكثوا وذكروا». اهـ
وقال الرملي في «نهاية المحتاج» (1/552): «ويُسن أن ينتقل للنفل أو الفرض من موضع فرضه أو نفله إلى غيره تكثيراً لمواضع السجود؛ فإنها تشهد له، ولما فيه من إحياء البقاع بالعبادة، فإن لم ينتقل إلى موضع آخر فصل بكلام إنسان» انتهى.
وقال المجد بن تيمية في كتابه المشهور «منتقى الأخبار»: باب استحباب التطوع في غير موضع المكتوبة: عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يُصلي الإمامُ في مقامه الذي صلّى فيه المكتوبة، حتى يتنحى عنه « رواه أبو داود وابن ماجة (وصححه الألباني).
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيَعجزُ أحدُكم إذا صلى أنْ يتقدم، أو يتأخر، أو عن يمينه، أو عن شماله»، وقال: يعني السُّبْحة. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة (وصححه الألباني).
قال الشارح: والحديثان يدلان على مشروعية انتقال المصلي عن مصلاه الذي يصلي فيه، لكل صلاةٍ يفتتحها من أفراد النوافل. أما الإمام، فبنص الحديث الأول، وبعموم الثاني.
وأما المؤتم والمنفرد، فبعموم الحديث الثاني، وبالقياس على الإمام.
والعلة في ذلك: تكثير مواضع العبادة، كما قال البخاري والبغوي؛ لأن مواضع السجود تشهد له، كما في قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} (الزلزلة: 4). أي: تخبر بما عُمِل عليها.
وورد في تفسير قوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْاَرْضُ} أن المؤمن إذا مات، بكى عليه مصلاه من الأرض، ومصعد عمله من السماء.
وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله- في «تهذيب سنن أبي داود» (7/429): «قالوا: فمقصود عمر، أن اتصال الفرض بالنفل، إذا حصل معه التمادي وطال الزمن، ظن الجُهال أن ذلك من الفرض، كما قد شاع عند كثيرٍ من العامة: أنّ صُبح يوم الجمعة خمس سجدات ولا بد، فإذا تركوا قراءة (الم تنزيل) قرؤوا غيرها من سور السجدات!».
وفي وصل النافلة بالفريضة دون فصل، تفويتٌ لسُنة أخرى: وهي الأذكار التي تُقال دُبُر الصلوات المكتوبة.
ومنها: حديث أهل الدُّثور، عن أبي هريرة رضي الله عنه : وفيه: «تسبحون، وتحمدون، وتكبرون، خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين..» أخرجه البخاري (843) في الأذان، وفي (6329) في الدعوات، ومسلم (595).
وحديث كعب بن عجرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مُعقباتٌ لا يخيب قائِلُهن -أو فاعلهن- دُبر كل صلاة مكتوبة: ثلاثاً وثلاثين تسبيحةً، وثلاثاً وثلاثين تحميدةً، وأربعاً وثلاثين تكبيرة» رواه مسلم (596).
وما جاء عن بعض الصحابة أنهم عملوا بخلاف الحديث، محمولٌ على عدم العلم به.
قال الإمام البخاري رحمه الله (848): باب: مكث الإمام في مصلاه بعد السلام: ثم روى عن نافع قال: كان ابن عمر يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة. وفعله القاسم، ويذكر عن أبي هريرة رفعه: «لا يتطوع الإمام في مكانه»، ولم يصح.اهـ.
قال الحافظ في (الفتح 2/335): لضعف إسناده، واضطرابه.
قال كاتبه: كذا قال! وقد سبق أن الحديث ورد من طرق، يثبت بها.
وحكى ابن قدامة في (المغني) عن أحمد: أنه كره ذلك، وقال: لا أعرفه عن غير علي!
فكأنه لم يثبت عنده حديث أبي هريرة، ولا حديث المغيرة.
والله أعلم


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #120  
قديم 01-11-2025, 04:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري



شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري (124)

- باب: التَّغليظ في تَرْكِ الجُمعة

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
429.عن الْحَكَمِ بنِ مِينَاءَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقولُ علَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عن وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ، أَو لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ».
الشرح:
قال المنذري: باب: التغليظ في ترك الجمعة.
والحديث أخرجه مسلم في الجمعة (2/598) وبوب عليه النووي كتبويب المنذري.
قولهما: «سَمِعَا رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقولُ علَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ» فيه: استحباب اتخاذ المنبر. قال النووي: وهو سُنةٌ مُجمع عليها.
قوله: «لينتهين أقوام عن وَدْعهم» وَدْعهم: بفتح الواو وسكون الدال المهملة وكسر العين المهملة، أي: تركهم الجُمعات.
قوله: «أَو لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ» الختم: هو الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه؛ كتماً له وتغطية؛ لئلا يُتوصل إليه، ولا يطلع عليه، شُبّهت القلوب بسبب إعراضها عن الحق، واستكبارها عن قبوله، وعدم نفوذ الحق إليها: بالأشياء التي استوثق عليها بالختم، فلا ينفذ إلى باطنها شيءٌ، وهذه عقوبة له على عدم الامتثال لأمر الله تعالى.
وأخرج الطبراني: من حديث أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- الحديث بلفظ: «مَنْ تركَ ثلاث جُمعاتٍ، من غير عذرٍ، كُتبَ من المنافقين».
وفي الحديث الآخر: عن أَبي الجعْدِ الضَّمْرِيِّ: أَنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِها، طَبَعَ اللَّهُ على قَلْبِهِ».
رواه أبو داود (1052) والترمذي (500) والنسائي (1369) وابن ماجة (1126).
وقوله «تهاوناً» قال الطيبي: أي إهانة، وقال الشيخ عبد الحق في (اللمعات): الظاهر أنّ المراد بالتهاون التكاسل، وعدم الجِد في أدائه؛ لا الإهانة والاستخفاف، فإنه كفرٌ، والمراد بيان كونه معصية عظيمة، قوله «طبع الله على قلبه» أي: ختم على قلبه، بمنع إيصال الخير إليه، وقيل: كتبه منافقا ً. كذا في المرقاة. انتهى.
قال ابن الجوزي رحمه الله: «أَصلُ الطَّبْعِ: الوَسَخُ والدَّرَنُ، ويحتمل أَنْ يُراد به: الخَتْمُ عَلَى القَلْبِ، حتَّى لاَ يَفْهَمَ الصَّوابَ» غريب الحديث (2 / 26، 27).
والمعني الثاني هو الأظهر عند عامة الشرَّاح.
قال السيوطي: قال الباجي: معنى الطبع على القلب: أن يُجعل بمنزلة المختوم عليه، لا يصل إليه شيء من الخير». كذا في (تنوير الحوالك شرح موطأ مالك) (1 / 102).
ومثله «الرين» في قوله تعالى: {كلا بل رانَ على قُلوبهم ما كانوا يكسبون} (المطففين: 14).
وفي الترمذي (3334): عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ العبدَ إذا أخطأ خطيئةً، نُكتتْ في قلبه نكتةٌ سوداء، فإذا هو نزع واستغفر الله وتاب، صُقل قلبه، فإنْ عاد زِيدَ فيها، حتى تعلو على قلبه، وهو الران الذي ذكر الله في كتابه: {كلا بل رانَ على قُلوبهم ما كانوا يكسبون}». قال: هذا حديث حسن صحيح، وحسَّنه الألباني.
والريْن: هو الطبع.
قال المفسرون: هو الذَّنب على الذنب، حتى يسوّدَ القلب.
وقيل الرين: الغشاوة، وهو كالصدأ على الشيء الصقيل.
وعن مجاهد قال: كانوا يرون الرين، هو الطبع (فتح الباري) (8 / 696).
قوله «تهاوناً بها» المراد بالتهاون: الترك عن غير عذر.
قوله «ثم ليكونن من الغافلين» بعد ختمه تعالى على قلوبهم، فيغفلون عن اكتساب ما ينفعهم من الأعمال، وعن ترك ما يضرهم منها.
وهذا الحديث: من أعظم الزواجر عن ترك الجمعة والتساهل فيها.
قال الصنعاني: «وفيه إخبارٌ بأنّ تركها: من أعظم أسباب الخذلان بالكلية» سبل السلام (2/ 45).
وحرمانه إتيان الجمعة بالطبع على قلبه، من باب تيسيره للعسرى، فمن بخل بطاعة ربه، وتأخر عنها، صار ذلك الكسل والتأخر عن الطاعة، عادةً ملازمة له، فيشق عليه إتيانها، ويسهل عليه تركها، وهي طريق موصلة للعسرى، نسأل الله السلامة.
قال ابن كثير -رحمه الله- في قوله: {فسنيسره للعسرى} (الليل: 10)، قال: «أي: لطريق الشر، كما قال تعالى: {
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
} (الأنعام: 11)، والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أنّ الله -عزوجل- يُجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومَن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مُقدّر» انتهى. حسن التحرير (4/517).

والطبع على القلب يدل على عظم الذنب، وأنه من الكبائر، فمن وجبت عليه صلاة الجمعة وتركها متعمدًا من غير عذر فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، وقد عصى الله ورسوله، فيجب عليه المبادرة بالتوبة النصوح من هذا العمل السيئ، وعدم العودة لمثله.
ومن الأحاديث الصحيحة في الباب: في الوعيد الشديد لمن ترك الجمعة من غير عذر شرعي، والتغليظ في تركها: ما رواه ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: «لقد هممتُ أن آمر رجلاً يُصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم» رواه الإمام مسلم والإمام أحمد.
أما من ترك الجمعة مستحلاًّ لذلك؛ فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لتكذيبه بالآيات، والأحاديث الصريحة الواردة في وجوب صلاة الجمعة، وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى كفر من ترك الجمعة أو غيرها من الصلوات الخمس، ولو تكاسلاً وتهاونًا، وإنْ لم يجحد وجوبها؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : «بين الرجلِ وبينَ الكفر والشرك: ترك الصلاة» أخرجه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «العهدُ الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمنْ تركها فقد كفر» أخرجه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربع بإسناد صحيح عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه.
- فائدة: الطبع على القلوب يكون على قلوب الكفار، وكذلك على قلوب المسلمين العاصين، فأما الطبع على قلوب الكفار: فهو طبعٌ على القلب كله، وأما الطبع على قلوب المسلمين العاصين: فيكون طبعاً جزئيّاً، بحسب معصيته، وفي كل الأحوال الطبع على القلب ليس ابتداء من الرب تعالى، بل هو عقوبة منه تعالى، لأولئك المطبوع على قلوبهم، أولئك بما كفروا، والآخرون بما عصوا، كما قال تعالى في حق الكفار: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا} (النساء: 155).
أما الطبع الوارد في الشرع في حق عصاة المسلمين، فيكون بسبب كثرة الذنوب والمعاصي، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ الذي سبق «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ...».
وقال ابن القيم رحمه الله: «الذنوب إذا تكاثرت: طُبع على قلب صاحبها، فكان من الغافلين، كما قال بعض السلف في قوله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}، قال: هو الذنب بعد الذنب، وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمي القلب، حتى قال: وأصل هذا: أن القلب يصدأ من المعصية، فاذا زادت، غلب الصدأ حتى يصير راناً، ثم يغلب حتى يصير طبْعاً، وقفلاً، وختماً، فيصير القلب في غشاوة وغلاف، فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة: انتكس، فصار أعلاه أسفله، فحينئذ يتولاه عدوه، ويسوقه حيث أراد. (الجواب الكافي) (ص 139).
- ومن أسباب الطبع على القلب: التعرض لفتن الشهوات، والشبهات.
فعن حُذيْفة قال: سمعتُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقولُ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ على الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ، عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَها، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَودَاءُ، وأَيُّ قَلبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: على أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فلا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ والْأَرْضُ، والْآخَرُ أَسودُ مُرْبَادًّا، كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا ما أُشْرِبَ من هَوَاهُ». رواه مسلم (144).
وقوله مرباداً: الذي في لون رُبدة، وهي بين السواد والغبرة.
كالكوز مجخياً: كالإناء المائل عن الاستقامة والاعتدال.
قال النووي -رحمه الله-: قال القاضي -رحمه الله-: شبَّه القلب الذي لا يعي خيراً: بالكوز المنحرف الذي لا يثبت الماء فيه. وقال (صاحب التحرير) – وهو محمد بن إسماعيل الأصبهاني -: معنى الحديث: أن الرجل إذا تبع هواه، وارتكب المعاصي دخل قلبَه بكل معصية يتعاطاها ظلمةٌ، وإذا صار كذلك افتُتن، وزال عنه نور الإسلام، والقلب مثل الكوز، فإذا انكب انصب ما فيه، ولم يدخله شيء بعد ذلك.(شرح مسلم) (2 / 173).
وقال ابن القيم رحمه الله: والفتن التي تُعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات، وفتن الشبهات، فتن الغي والضلال، فتن المعاصي والبدع، فتن الظلم والجهل، فالأولى: توجب فساد القصد والإرادة، والثانية: توجب فساد العلم والاعتقاد. (إغاثة اللهفان) (1 / 12).

- أما أسباب النجاة من ذلك البلاء، وفك قفل القلوب، وفتحها لأسباب الهدى:
- أولا: التوبة والاستغفار: فقد مر معنا في حديث أبي هريرة: «فإِذا هو نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وتَابَ، صقِلَ قَلْبُهُ» فهذا أول ما يعمل العبد إذا أراد لنفسه النجاة: أنْ يعلم الذنب الذي أُتي من قبله، والباب الذي دخل عليه البلاء منه، ثم يطهر نفسه من رجس ذلك الذنب، ويغلق على نفسه باب ذلك البلاء.
- ثانيا: صمود القلب أمام ما يطرقه من فتن الشبهات والشهوات، وثباته في مواقف الفتن: هو من أعظم أسباب هدايته، وحفظ صحته وسلامته، وأما تعرضه للفتن، واستجابته لها: فهو من أعظم أسباب ضلاله وفساد حاله.
- ثالثا: أن يلازم الافتقار إلى من بيده مقاليد كل شيء، أن يزيل عنه ما أصابه، وأن يفتح قلبه للهدى والنور.
وللإمام ابن القيم -رحمه الله- كلام جامع عظيم في هذا الأمر الجلل، قال رحمه الله: «ومما ينبغي أن يعلم: أنه لا يمتنع مع الطبع والختم والقفل حصول الإيمان؛ بأن يفَك الذي ختم على القلب وطبع عليه وضرب عليه القفلَ، ذلك الختمَ والطابع والقفل، ويهديه بعد ضلاله، ويعلمه بعد جهله، ويرشده بعد غيه، ويفتح قفل قلبه بمفاتيح توفيقه التي هي بيده، حتى لو كتب على جبينه الشقاوة والكفر: لم يمتنع أن يمحوها ويكتب عليه السعادة والإيمان. وقرا قارئ عند عمر بن الخطاب: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}(محمد: 24)، وعنده شاب فقال: «اللهم عليها أقفالها، ومفاتيحها بيدك لا يفتحها سواك»، فعرفها له عمر وزادته عنده خيرا. وكان عمر يقول في دعائه: «اللهم إنْ كنتَ كتبتني شقياً، فامحني واكتبني سعيدا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت».
والمقصود: أنه مع الطبع والختم والقفل، لو تعرض العبد أمكنه فك ذلك الختم والطابع وفتح ذلك القفل؛ يفتحه من بيده مفاتيح كل شيء.
وأسباب الفتح مقدورة للعبد غير ممتنعة عليه، وإنْ كان فك الختم وفتح القفل غير مقدور له؛ كما أن شرب الدواء مقدور له، وزوال العلة وحصول العافية غير مقدور، فإذا استحكم به المرض وصار صفة لازمة له، لم يكن له عذر في تعاطي ما إليه من أسباب الشفاء، وإن كان غير مقدور له، ولكن لما ألف العلة وساكنها، ولم يحب زوالها ولا آثر ضدها عليها، مع معرفته بما بينها وبين ضدها من التفاوت: فقد سد على نفسه باب الشفاء بالكلية...
فإذا عرف الهدى فلم يحبه ولم يرض به، وآثر عليه الضلال مع تكرار تعريفه منفعة هذا وخيره، ومضرة هذا وشره: فقد سد على نفسه باب الهدى بالكلية.
فلو أنه في هذه الحال تعرض وافتقر إلى من بيده هداه، وعلم أنه ليس إليه هدى نفسه، وأنه إن لم يهده الله فهو ضال، وسأل الله أن يُقبِل بقلبه، وأن يقيه شر نفسه وفَّقَه وهداه، بل لو علم الله منه كراهيةً لما هو عليه من الضلال، وأنه مرض قاتل، إن لم يشفه منه أهلكه لكانت كراهته وبغضه إياه، مع كونه مبتلي به، من أسباب الشفاء والهداية؛ ولكن من أعظم أسباب الشقاء والضلال محبته له ورضاه به، وكراهته الهدى والحق.
فلو أن المطبوع على قلبه، المختوم عليه، كره ذلك ورغب إلى الله في فك ذلك عنه، وفعل مقدوره لكان هداه أقرب شيء إليه، ولكن إذا استحكم الطبع والختم حال بينه وبين كراهة ذلك، وسؤال الرب فكه وفتح قلبه». انتهى.
«شفاء العليل»، لابن القيم (192-193).
والله أعلم.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 199.55 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 193.71 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (2.93%)]