منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         أرجى آيات القرآن الكريم (8) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 45 )           »          البلد الأمين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »          أمانة الكلمة وحماية الوطن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 53 )           »          وجوب شكر الله على نعمة الطمأنينة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 44 )           »          أم المؤمنين عائشة الفقيهة العالمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          الزكاة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          لوازم الإيمان وحقيقتها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 78 )           »          أوصاف القرآن الكريم (18) {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 59 )           »          أم المؤمنين خديجة صديقة النساء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 74 )           »          عبد الله بن عباس حبر الأمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 68 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام
التسجيل التعليمـــات التقويم

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 24-06-2025, 06:58 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,022
الدولة : Egypt
افتراضي رد: منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله


منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية
أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحنبلي الدمشقي
المجلد السادس
الحلقة (361)
صـ 75 إلى صـ 84





يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ [1] ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "لَوْلَا ثَلَاثٌ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ قَدْ لَحِقْتُ بِاللَّهِ، لَوْلَا أَنْ أَسِيرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ أَضَعَ جَبْهَتِي فِي التُّرَابِ سَاجِدًا، أَوْ أُجَالِسَ قَوْمًا يَلْتَقِطُونَ طِيبَ الْكَلَامِ كَمَا يُلْتَقَطُ طِيبُ الثَّمَرِ" [2] .
وَكَلَامُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ أَجْمَعِ الْكَلَامِ [وَأَكْمَلِهِ، فَإِنَّهُ مُلْهَمٌ] [3] مُحَدِّثٌ، كُلُّ كَلِمَةٍ مِنْ كَلَامِهِ تَجْمَعُ عِلْمًا كَثِيرًا، مِثْلَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ الَّتِي ذَكَرَهُنَّ [4] ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ وَالْجِهَادَ وَالْعِلْمَ، وَهَذِهِ الثَّلَاثُ هِيَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أَفْضَلُ مَا تَطَوَّعَ بِهِ الْإِنْسَانُ الْجِهَادُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَفْضَلُ مَا تَطَوَّعَ بِهِ الصَّلَاةَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: الْعِلْمُ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الثَّلَاثَةِ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْآخَرِينَ، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا أَفْضَلَ فِي حَالٍ، وَهَذَا أَفْضَلَ فِي حَالٍ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَاؤُهُ يَفْعَلُونَ هَذَا وَهَذَا وَهَذَا، كُلٌّ فِي مَوْضِعِهِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَعُمَرُ جَمَعَ الثَّلَاثَ.
وَمِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ
(1)
يَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ: كَذَا فِي (ن) ، (م) ، (ر) ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: يَحْيَى بْنُ أَبِي جَعْدَةَ، وَهُوَ خَطَأٌ، وَهُوَ يَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ، رَوَى عَنْهُ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَغَيْرُهُمَا، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَالنَّسَائِيُّ: ثِقَةٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، تَرْجَمَتُهُ فِي: تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ 11/192 - 193

(2)
ح، ر، ي: التَّمْرِ.

(3)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ مَكَانَهُ بَيَاضٌ فِي (ن) ، (م) .

(4)
ن، م: الَّتِي ذَكَرَهَا.





عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ مَا يَصْلُحُ لِهَذَا الْأَمْرِ إِلَّا الْقَوِيُّ فِي غَيْرِ عُنْفٍ، اللِّينُ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ، الْجَوَادُ فِي [1] غَيْرِ سَرَفٍ، الْمُمْسِكُ فِي غَيْرِ بُخْلٍ، قَالَ: يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَاللَّهِ مَا أَعْرِفُهُ غَيْرَ عُمَرَ.
وَعَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذُكِرَ عُمَرُ قَالَ: لِلَّهِ دَرُّ عُمَرَ، لَقَلَّ مَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ، يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بِشَيْءٍ قَطُّ يَتَخَوَّفَهُ إِلَّا كَانَ حَقًّا.
[فصل كلام الرافضي أن عمر رضي الله عنه منع المغالاة في المهور]
فَصْلٌ [2]
قَالَ الرَّافِضِيُّ [3] : "وَقَالَ فِي خُطْبَةٍ لَهُ: مَنْ غَالَى فِي مَهْرِ امْرَأَةٍ جَعَلْتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: كَيْفَ تَمْنَعُنَا مَا أَعْطَانَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ حِينَ قَالَ: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 20] ؟ فَقَالَ: كُلُّ أَحَدٍ [4] أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ حَتَّى الْمُخَدَّرَاتُ" .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ فَضْلِ عُمَرَ وَدِينِهِ وَتَقْوَاهُ، وَرُجُوعِهِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ، وَأَنَّهُ يَقْبَلُ الْحَقَّ حَتَّى مِنِ امْرَأَةٍ، وَيَتَوَاضَعُ لَهُ، وَأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِفَضْلِ الْوَاحِدِ عَلَيْهِ، وَلَوْ فِي أَدْنَى مَسْأَلَةٍ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ
(1)
ح، ر، ي: مِنْ.

(2)
فَصْلٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، (ر) ، وَفِي (ي) الْفَصْلُ الْخَامِسُ وَالثَلَاثُونَ.

(3)
فِي (ك) ص 138 (م) .

(4)
ك: كُلُّ النَّاسِ.





الْأَفْضَلِ أَنْ لَا يُنَبِّهَهُ الْمَفْضُولُ لِأَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ، فَقَدْ قَالَ الْهُدْهُدُ لِسُلَيْمَانَ: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [سُورَةُ النَّمْلِ: 22] وَقَدْ قَالَ مُوسَى لِلْخِضْرِ: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [سُورَةُ الْكَهْفِ: 66] وَالْفَرْقُ بَيْنَ مُوسَى وَالْخِضْرِ أَعْظَمُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ عُمَرَ وَبَيْنَ أَشْبَاهِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا بِالَّذِي أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ الْخِضْرُ قَرِيبًا مِنْ مُوسَى، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ، بَلِ الْأَنْبِيَاءُ الْمُتَّبِعُونَ لِمُوسَى، كَهَارُونَ وَيُوشَعَ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمْ، أَفْضَلُ مِنَ الْخِضْرِ.
وَمَا كَانَ عُمَرُ قَدْ رَآهُ فَهُوَ مِمَّا يَقَعُ مِثْلُهُ لِلْمُجْتَهِدِ الْفَاضِلِ، فَإِنَّ الصَّدَاقَ فِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ - تَعَالَى، لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ وَالْأُجْرَةِ، فَإِنَّ الْمَالَ وَالْمَنْفَعَةِ يُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ، وَيَجُوزُ بَذْلُهُ بِلَا عِوَضٍ، وَأَمَّا الْبُضْعُ فَلَا يُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ، وَلَا يَجُوزُ النِّكَاحُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، لِغَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِحْلَالِ الْبُضْعِ بِنِكَاحٍ لَا صَدَاقَ فِيهِ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَكِنْ يَجُوزُ عَقْدُهُ بِدُونِ التَّسْمِيَةِ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا فَفِيهَا قَوْلَانِ لِلصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَمَنِ اتَّبَعَهُ، كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَالثَّانِي: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ.
وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي بِرْوَعِ بِنْتِ وَاشِقٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ [1] ، فَكَانَ هَذَا قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَعُمَرُ لَمْ يَسْتَقِرَّ قَوْلُهُ
(1)
سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى بِرْوَعِ بِنْتِ وَاشِقٍ 4/183





عَلَى خِلَافِ النَّصِّ، فَكَانَ حَالُهُ أَكْمَلَ مِنْ حَالِ مَنِ اسْتَقَرَّ قَوْلُهُ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ [1] ، وَإِذَا كَانَ الصَّدَاقُ فِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا بِالشَّرْعِ، كَالزَّكَاةِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ إِلَى أَنَّ أَقَلَّهُ مُقَدَّرٌ [2] بِنِصَابِ السَّرِقَةِ، وَإِذَا جَازَ تَقْدِيرُ أَقَلِّهِ جَازَ تَقْدِيرُ أَكْثَرِهِ، وَإِذَا كَانَ مُقَدَّرًا اعْتُبِرَ بِالسُّنَّةِ، فَلَمْ يَتَجَاوَزْ بِهِ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نِسَائِهِ وَبَنَاتِهِ.
وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ هَذَا لَا يَسُوغُ، كَانَتْ [3] قَدْ بُذِلَتْ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، فَلَا يُعْطَاهَا الْبَاذِلُ لِحُصُولِ مَقْصُودِهِ، وَلَا الْآخِذُ لِكَوْنِهِ [لَا] [4] يَسْتَحِقُّهَا، فَتُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، كَمَا تَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: إِنَّ الْمُتَّجِرَ بِمَالِ غَيْرِهِ يَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَكَمَا يَقُولُهُ مُحَقِّقُو الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ بَاعَ سِلَاحًا فِي الْفِتْنَةِ، أَوْ عَصِيرًا أَوْ عِنَبًا لِلْخَمْرِ: إِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِالثَّمَنِ.
فَفِي الْجُمْلَةِ عُمَرُ لَوْ نَفَذَ اجْتِهَادُهُ لَمْ يَكُنْ أَضْعَفَ مِنْ كَثِيرٍ مِنِ اجْتِهَادِ غَيْرِهِ الَّذِي أَنْفَذَهُ، وَكَيْفَ لَمْ يُنْفِذْهُ؟ !
وَقَوْلُهُ - تَعَالَى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 20] يَتَأَوَّلُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مَا هُوَ أَصْرَحُ مِنْهَا، بِأَنْ يَقُولُوا: هَذَا قِيلَ لِلْمُبَالَغَةِ، كَمَا قَالُوا فِي
(1)
سَاقِطٌ مِنْ (ح) .

(2)
ن: يُقَدَّرُ.

(3)
ح، ب: لَا يَسُوغُ فَإِنْ كَانَتْ.

(4)
لَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .





قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "«الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»" [1] ، أَنَّهُ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ، فَإِذَا كَانَ الْمُقَدِّرُونَ لِأَدْنَاهُ يَتَأَوَّلُونَ مِثْلَ هَذَا، جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُقَدَّرُ لِأَعْلَاهُ يَتَأَوَّلُ مِثْلَ هَذَا.
وَإِذَا كَانَ فِي هَذَا مَنْعٌ لِلْمَرْأَةِ الْمُسْتَحِقَّةِ، فَكَذَلِكَ مَنَعَ الْمُفَوَّضَةَ الْمَهْرَ [2] الَّذِي اسْتَحَقَّتْهُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَا سِيَّمَا وَالْمُزَوَّجَةُ بِلَا تَسْمِيَةٍ لَمْ تُغَالِ فِي الصَّدَاقِ، وَعُمَرُ مَعَ هَذَا لَمْ يُصِرَّ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ رَجَعَ إِلَى الْحَقِّ.
فَعَلِمَ أَنَّ تَأْيِيدَ اللَّهِ لَهُ وَهِدَايَتَهُ إِيَّاهُ أَعْظَمُ مِنْ تَأْيِيدِهِ لِغَيْرِهِ وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُ، وَأَنَّ أَقْوَالَهُ الضَّعِيفَةَ الَّتِي رَجَعَ عَنْهَا وَلَمْ يُصِرَّ عَلَيْهَا خَيْرٌ مِنْ أَقْوَالِ غَيْرِهِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي لَمْ يَرْجِعْ عَنْهَا.
(1)
هَذِهِ الْعِبَارَةُ وَرَدَتْ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْبُخَارِيِّ 7/6 - 7 كِتَابِ النِّكَاحِ بَابِ تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ، وَأَوَّلُهُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَعِدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةً فَزَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، فَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ. . . . الْحَدِيثَ، وَجَاءَ الْحَدِيثُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ أُخْرَى مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ وَفِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَكِتَابِ اللِّبَاسِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: اذْهَبْ فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، انْظُرْ بَعْضَ رِوَايَاتِهِ فِي طَبْعَةِ د. الْبَغَا الْأَرْقَامَ 2186، 4799، 4833، 4842، 4847، 4854، 4855 وَالْحَدِيثُ فِي: مُسْلِمٍ 2/1040 - 1041 كِتَابِ النِّكَاحِ، بَابِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازُ كَوْنِهِ تَعْلِيمَ قُرْآنٍ وَخَاتَمَ حَدِيدٍ، وَالْحَدِيثُ فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَالدَّارِمِيِّ وَالْمُوَطَّأِ وَالْمُسْنَدِ.

(2)
الْمَهْرَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ر) ، وَفِي (ن) ، (م) : الْمُمَيَّزَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.





وَاللَّهُ - تَعَالَى - قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْخَطَأَ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعُوا عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ رَجَعَ [1] عَنْهُ؟
وَقَدْ ثَبَتَ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ هَذَا أَنَّ اجْتِهَادَاتِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَانَتْ أَكْمَلَ مِنِ اجْتِهَادَاتِ [2] الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَنَّ صَوَابَهُمْ أَكْمَلُ مِنْ صَوَابِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَخَطَأَهُمْ أَخَفُّ مِنْ خَطَأِ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَالَّذِينَ قَالُوا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِصِحَّةِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ خَطَؤُهُمْ أَيْسَرُ مِنْ خَطَأِ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ بِصِحَّةِ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ، مِنْ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ وَجْهًا، قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي مُصَنَّفٍ مُفْرَدٍ، وَالَّذِينَ قَالُوا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِجَوَازِ الدِّرْهَمِ بِدِرْهَمَيْنِ خَطَؤُهُمْ أَخَفُّ مِنْ خَطَأِ مَنْ جَوَّزَ الْحِيَلَ الرِّبَوِيَّةِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَنَّ الَّذِينَ أَنْكَرُوا مَا قَالَهُ الصَّحَابَةُ، عُمَرُ وَغَيْرُهُ، فِي مَسْأَلَةِ الْمَفْقُودِ مِنْ أَنَّ زَوْجَهَا إِذَا أَتَى خُيِّرَ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَمَهْرِهَا - قَوْلُهُمْ ضَعِيفٌ، وَقَوْلُ الصَّحَابَةِ هُوَ الصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِأُصُولِ الشَّرْعِ، وَالَّذِينَ عَدُّوا هَذَا خِلَافَ الْقِيَاسِ، وَقَالُوا: لَا يَنْفُذُ حُكْمُ الْحَاكِمِ إِذَا حَكَمَ بِهِ، قَالُوا ذَلِكَ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِمَآخِذِ الصَّحَابَةِ وَدِقَّةِ فَهْمِهِمْ [3] ؛ فَإِنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى وَقْفِ الْعُقُودِ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ وَهُوَ أَصْلٌ شَرِيفٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ.
وَكَذَلِكَ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ مِنْ جَعْلِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ فَيْئًا هُوَ فِيهِ عَلَى الصَّوَابِ، دُونَ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ ذَلِكَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَنَّ الَّذِي أَشَارَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ كَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيهِ عَلَى الصَّوَابِ، دُونَ مَنْ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ.
(1)
ن، م، ي: بِمَا رَجَعُوا، ر: بِمَنْ رَجَعُوا.

(2)
ح، ر: مِنِ اجْتِهَادِ.

(3)
ح، ر، ي: الصَّحَابَةِ وَفِقْهِهِمْ، م: الصَّحَابَةِ وَدِقَّةِ فَهْمِهِمْ





وَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ، قَوْلُهُمْ فِيهَا هُوَ الصَّوَابُ، دُونَ قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا بَابٌ يَطُولُ وَصْفُهُ، فَالصَّحَابَةُ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ وَأَفْقَهُهَا وَأَدْيَنُهَا، وَلِهَذَا أَحْسَنَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي قَوْلِهِ: "هُمْ فَوْقَنَا فِي كُلِّ عِلْمٍ [وَفِقْهٍ] [1] وَدِينٍ وَهُدًى، وَفِي كُلِّ سَبَبٍ يُنَالُ بِهِ عِلْمٌ وَهُدًى، وَرَأْيُهُمْ لَنَا خَيْرٌ مِنْ رَأْيِنَا لِأَنْفُسِنَا" أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: "أُصُولُ السُّنَّةِ عِنْدَنَا التَّمَسُّكُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -" .
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ قَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ [2] ، [فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ] [3] أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ: أَبَرَّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ وَإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَدِينِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ" .
وَقَالَ حُذَيْفَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا وَخُذُوا طَرِيقَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَوَاللَّهِ لَئِنِ اسْتَقَمْتُمْ لَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، وَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا" .
(1)
وَفِقْهٍ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(2)
ح: بِمَنْ كَانَ قَدْ مَاتَ.

(3)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .





[فصل كلام الرافضي أن عمر رضي الله عنه لم يحد قدامة في الخمر]
فَصْلٌ [1]
قَالَ الرَّافِضِيُّ [2] : "وَلَمْ يَحُدَّ قُدَامَةَ [3] فِي الْخَمْرِ، لِأَنَّهُ تَلَا عَلَيْهِ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 93] الْآيَةَ، فَقَالَ [لَهُ] [4] عَلِيٌّ: لَيْسَ قُدَامَةُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ يَحُدُّهُ، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حِدَّهُ ثَمَانِينَ، إِنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ إِذَا شَرِبَهَا [5] [سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ] [6] هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى" .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مِنَ الْكَذِبِ [الْبَيِّنِ] [7] الظَّاهِرُ عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ فَإِنَّ عِلْمَ ابْنِ الْخَطَّابِ بِالْحُكْمِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ أَبْيَنُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ، فَإِنَّهُ قَدْ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ غَيْرَ مَرَّةٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ قَبْلَهُ، وَكَانُوا يَضْرِبُونَ فِيهَا تَارَةً أَرْبَعِينَ وَتَارَةً ثَمَانِينَ، وَكَانَ عُمَرُ أَحْيَانًا يُعَزَّرُ فِيهَا بِحَلْقِ الرَّأْسِ وَالنَّفْيِ، وَكَانُوا يَضْرِبُونَ فِيهَا تَارَةً بِالْجَرِيدِ، وَتَارَةً بِالنِّعَالِ وَالْأَيْدِي
(1)
فَصْلٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ح) ، (ر) ، وَفِي (ي) : الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالثَلَاثُونَ.

(2)
فِي (ك) ص 138 م.

(3)
ك: قُّدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ.

(4)
لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .

(5)
ح، ب: إِذَا شَرِبَ.

(6)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(7)
الْبَيِّنِ: زِيَادَةٌ فِي (ح) ، (ب) .





وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ، وَقَدْ تَنَازَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي الزَّائِدِ عَنِ الْأَرْبَعِينَ إِلَى الثَمَانِينَ: هَلْ هُوَ حَدٌّ يَجِبُ إِقَامَتُهُ؟ أَوْ تَعْزِيرٌ يَخْتِلَفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، أَحَدُهُمَا [1] : أَنَّهُ [2] حَدٌّ لِأَنَّ أَقَلَّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، وَهُوَ حَدُّ الْقَذْفِ، وَادَّعَى أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعَتْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ مَا نُقِلَ مِنَ الضَّرْبِ أَرْبَعِينَ كَانَ بِسَوْطٍ لَهُ طَرَفَانِ، فَكَانَتِ الْأَرْبَعُونَ قَائِمَةً مَقَامَ الثَمَانِينَ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ جَائِزٌ، فَلَيْسَ بِحَدٍّ وَاجِبٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ [3] وَغَيْرُهُمَا. وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ جَلَدَ الْوَلِيدَ أَرْبَعِينَ، وَقَالَ: جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ [4] سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ [5] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَفَعَلَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ عُمَرُ فَاسْتَشَارَ النَّاسَ فِي الْحُدُودِ،
(1)
أَحَدُهُمَا: كَذَا فِي (ح) ، (ب) وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: إِحْدَاهُمَا.

(2)
ر: أَنَّهَا.

(3)
ن: أَبُو بَكْرٍ وَمُحَمَّدٌ.

(4)
ح: وَالْكُلُّ.

(5)
سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْأَثَرِ فِي هَذَا الْجُزْءِ ص [0 - 9] 9





فَقَالَ ابْنُ عَوْفٍ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ» [1] .
وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ الضَّرْبُ فِيهِ بِغَيْرِ السَّوْطِ، كَالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وَالْأَيْدِي وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ، فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ صِفَةُ الضَّرْبِ مُقَدَّرَةً [2] ، بَلْ يَرْجِعُ فِيهَا إِلَى الِاجْتِهَادِ، فَكَذَلِكَ مِقْدَارُ الضَّرْبِ، وَهَذَا لِأَنَّ أَحْوَالَ الشَّارِبِينَ تَخْتَلِفُ، وَلِهَذَا أَمَرَ أَوَّلًا بِقَتْلِ الشَّارِبِ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مُحْكَمٌ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ تَعْزِيرٌ جَائِزٌ يُفْعَلُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الضَّرْبَ بِالثَّوْبِ لَيْسَ أَمْرًا مَحْدُودًا، بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قِلَّتِهِ وَكَثْرَتِهِ، وَخِفَّتِهِ وَغِلْظَتِهِ، وَالنُّفُوسُ قَدْ لَا تَنْتَهِي فِيهِ عِنْدَ مِقْدَارٍ، فَرُدَّتْ أَكْثَرُ الْعُقُوبَةِ [3] فِيهِ إِلَى الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلُّهَا مُقَدَّرًا، كَمَا أَنَّ [4] مِنَ التَّعْزِيرَاتِ مَا يُقَدَّرُ أَكْثَرُهُ وَلَا يُقَدَّرُ أَقَلُّهُ.
وَأَمَّا قِصَّةُ قُدَامَةَ فَقَدْ رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ [وَغَيْرُهُ حَدِيثَهُ] [5] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [6] : أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا يَحْمِلُكَ [7] عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا
(1)
الْحَدِيثَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مُسْلِمٍ 3/1330 - 1331 كِتَابِ الْحُدُودِ، بَابِ حَدِّ الْخَمْرِ، وَجَاءَ الْحَدِيثُ عَنْهُ مُخْتَصَرًا فِي: الْبُخَارِيِّ 8/158 كِتَابِ الْحُدُودِ بَابِ الضَّرْبِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ.

(2)
ح: فَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الضَّرْبُ مُقَدَّرًا.

(3)
ح، ب: الْعُقُوبَاتِ.

(4)
ح، ب: كَمَا كَانَ.

(5)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(6)
ح، ب: حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ.

(7)
ح، ر، ي: مَا يَحْمِلُكُمْ.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,800.61 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,798.89 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.10%)]