تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         سحور 9 رمضان.. طريقة عمل البطاطس بالجبنة فى الفرن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          منيو فطار 8 رمضان.. طريقة عمل لحمة بالفلفل الرومى وأرز أبيض (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          تحذيرات من ثغرة أمنية خطيرة فى متصفح Comet من Perplexity AI قد تُعرّض بياناتك للاخترا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          جوجل تطلق ميزة "التحقق من الهوية" فى هواتف بيكسل.. تنقذك من السرقة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          جوجل تدعم مكالمات واتساب عبر الأقمار الصناعية فى هواتف Pixel 10.. تفاصيل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          بدون برامج.. جوجل درايف يقدم ميزة تحرير الفيديو مباشرة عبر Google Vids (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          كيفية استخدام (أو إيقاف) خريطة إنس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          جوجل تجعل حجز المطاعم أسهل عبر وضع الذكاء الاصطناعى فى البحث (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          أوعى تسيبه على تابلوه السيارة.. أفضل أماكن لوضع هاتفك لحمايته من حرارة الصيف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          أرخص علبة كمبيوتر فى العالم لا تكلف سوى رسوم التوصيل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 29-12-2022, 05:08 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,566
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد السادس
الحلقة (436)
سُورَةُ الْأَحْزَابِ
صـ 189 إلى صـ 196


قوله تعالى : وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم .

في هذه الحرف أربع قراءات سبعية : قرأه عاصم وحده : تظاهرون بضم التاء وتخفيف الظاء بعدها ألف فهاء مكسورة مخففة ، وقرأه حمزة والكسائي : ( تظاهرون ) بفتح التاء بعدها ظاء مفتوحة مخففة ، فألف فهاء مفتوحة مخففة ، وقرأه ابن عامر وحده كقراءة حمزة والكسائي ، إلا أن ابن عامر يشدد الظاء ، وهما يخففانها . وقرأه نافع ، وابن كثير وأبو عمرو : ( تظهرون ) بفتح التاء بعدها ظاء فهاء مفتوحتان مشددتان بدون ألف ، فقوله تعالى : تظاهرون ، على قراءة عاصم مضارع ظاهر بوزن فاعل ، وعلى قراءة حمزة والكسائي ، فهو مضارع تظاهر بوزن تفاعل حذفت فيه إحدى التاءين على حد قوله في " الخلاصة " :


وما بتاءين ابتدى قد يقتصر فيه على تا كتبين العبر


فالأصل على قراءة الأخوين تتظاهرون ، فحذفت إحدى التاءين . وعلى قراءة ابن عامر ، فهو مضارع تظاهر أيضا ، كقراءة حمزة والكسائي ، إلا أن إحدى التاءين أدغمت في الظاء ولم تحذف ، وماضيه اظاهر كـ ادارك [ 27 \ 66 ] ، و اثاقلتم [ 9 \ 38 ] ، و ادارأتم [ 2 \ 72 ] ، بمعنى تدارك ، إلخ .

[ ص: 189 ] وعلى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو ، فهو مضارع تظهر على وزن تفعل ، وأصله تتظهرون بتاءين ، فأدغمت إحدى التاءين في الظاء ، وماضيه : اظهر ، نحو : اطيرنا [ 27 \ 47 ] وازينت [ 10 \ 24 ] ، بمعنى : تطيرنا ، وتزينت ; كما قدمنا إيضاحه في سورة " طه " ، في الكلام على قوله تعالى : فإذا هي تلقف ما يأفكون [ 7 \ 117 ] ، فعلم مما ذكرنا أن قولهم ظاهر من امرأته ، وتظاهر منها ، وتظهر منها كلها بمعنى واحد ، وهو أن يقول لها : أنت علي كظهر أمي ، يعني : أنها حرام عليه ، وكانوا يطلقون بهذه الصيغة في الجاهلية .

وقد بين الله جل وعلا في قوله هنا : وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ، أن من قال لامرأته : أنت علي كظهر أمي ، لا تكون أما له بذلك ، ولم يزد هنا على ذلك ، ولكنه جل وعلا أوضح هذا في سورة " المجادلة " ، فبين أن أزواجهم اللائي ظاهروا منهن لسن أمهاتهم ، وأن أمهاتهم هن النساء الاتي ولدنهم خاصة دون غيرهن ، وأن قولهم : أنت علي كظهر أمي ، منكر من القول وزور .

وقد بين الكفارة اللازمة في ذلك عند العود ، وذلك في قوله تعالى : الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم [ 58 \ 2 - 4 ] .

فقوله تعالى في آية " الأحزاب " هذه : وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ، كقوله تعالى في سورة " المجادلة " : الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ، وقد رأيت ما في سورة " المجادلة " ، من الزيادة والإيضاح لما تضمنته آية " الأحزاب " هذه .
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة

المسألة الأولى : قد علمت من القرآن أن الإقدام على الظهار من الزوجة حرام حرمة شديدة ; كما دل عليه قوله تعالى : وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ، فما صرح [ ص: 190 ] الله تعالى بأنه منكر وزور فحرمته شديدة كما ترى . وبين كونه كذبا وزورا بقوله : ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ، وقوله تعالى : ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم .
وأشار بقوله تعالى : وإن الله لعفو غفور ، أن من صدر منه منكر الظهار وزوره ، إن تاب إلى الله من ذلك توبة نصوحا غفر له ذلك المنكر والزور وعفا عنه ، فسبحانه ما أكرمه وما أحلمه .
المسألة الثانية : في بيان العود الذي رتب الله عليه الكفارة ، في قوله : ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ، وإزالة إشكال في الآية .

اعلم أن هذه المسألة قد بيناها في كتابنا " دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " ، وسنذكر هنا كلامنا المذكور فيه تتميما للفائدة .

ففي " دفع إيهام الاضطراب " ، ما نصه : قوله تعالى : والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ، لا يخفى أن ترتيبه تعالى الكفارة بالعتق على الظهار والعود معا يفهم منه أن الكفارة لا تلزم إلا بالظهار والعود معا ، وقوله تعالى : من قبل أن يتماسا صريح في أن التكفير يلزم كونه من قبل العود إلى المسيس .

اعلم أولا : أن ما رجحه ابن حزم من قول داود الظاهري ، وحكاه ابن عبد البر عن بكير بن الأشج والفراء وفرقة من أهل الكلام ، وقال به شعبة : من أن معنى : ثم يعودون لما قالوا هو عودهم إلى لفظ الظهار ، فيكررونه مرة أخرى قول باطل ، بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصل المرأة التي نزلت فيها آية الظهار ، هل كرر زوجها صيغة الظهار أو لا ؟ وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال ، كما تقدم مرارا .

والتحقيق : أن الكفارة ومنع الجماع قبلها ، لا يشترط فيهما تكرير صيغة الظهار ، وما زعمه بعضهم أيضا من أن الكلام فيه تقديم وتأخير ، وتقديره : والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ، سالمين من الإثم بسبب الكفارة غير صحيح أيضا ، لما تقرر في الأصول من وجوب الحمل على بقاء الترتيب ، إلا لدليل . وإليه الإشارة بقول صاحب " مراقي السعود " :


كذاك تريب لإيجاب العمل بما له الرجحان مما يحتمل


[ ص: 191 ] وسنذكر إن شاء الله الجواب عن هذا الإشكال على مذاهب الأئمة الأربعة - رضي الله عنهم - وأرضاهم .

فنقول وبالله تعالى نستعين : معنى العود عند مالك فيه قولان ، تؤولت المدونة على كل واحد منهما ، وكلاهما مرجح .

الأول : أنه العزم على الجماع فقط .

الثاني : أنه العزم على الجماع وإمساك الزوجة معا ، وعلى كلا القولين فلا إشكال في الآية .

لأن المعنى حينئذ : والذين يظاهرون من نسائهم ، ثم يعزمون على الجماع أو عليه مع الإمساك ، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا فلا منافاة بين العزم على الجماع ، أو عليه مع الإمساك ، وبين الإعتاق قبل المسيس .

وغاية ما يلزم على هذا القول حذف الإرادة ، وهو واقع في القرآن ; كقوله تعالى : إذا قمتم إلى الصلاة [ 5 \ 6 ] ، أي : أردتم القيام إليها ، وقوله تعالى : فإذا قرأت القرآن [ 16 \ 98 ] ، أي : أردت قراءته فاستعذ بالله الآية [ 16 \ 98 ] .

ومعنى العود عند الشافعي : أن يمسكها بعد المظاهرة زمانا يمكنه أن يطلقها فيه فلا يطلق ، وعليه فلا إشكال في الآية أيضا ; لأن إمساكه إياها الزمن المذكور لا ينافي التكفير قبل المسيس ، كما هو واضح .
ومعنى العود عند أحمد : هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه . أما العزم ، فقد بينا أنه لا إشكال في الآية على القول به ، وأما على القول بأنه الجماع .
فالجواب : أنه إن ظاهر وجامع قبل التكفير يلزمه الكف عن المسيس مرة أخرى حتى يكفر ، ولا يلزم من هذا جواز الجماع الأول قبل التكفير ; لأن الآية على هذا القول ، إنما بينت حكم ما إذا وقع الجماع قبل التكفير ، وأنه وجوب التكفير قبل مسيس آخر ، وأما الإقدام على المسيس الأول فحرمته معلومة من عموم قوله تعالى : من قبل أن يتماسا .

ومعنى العود عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى : هو العزم على الوطء ، وعليه فلا [ ص: 192 ] إشكال كما تقدم . وما حكاه الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عن مالك ، من أنه حكى عنه أن العود الجماع ، فهو خلاف المعروف من مذهبه ، وكذلك ما حكاه عن أبي حنيفة من أن العود هو العود إلى الظهار بعد تحريمه ورفع ما كان عليه أمر الجاهلية ، فهو خلاف المقرر في فروع الحنفية من أنه العزم على الوطء ; كما ذكرنا . وغالب ما قيل في معنى العود راجع إلى ما ذكرنا من أقوال الأئمة رحمهم الله .

وقال بعض العلماء : المراد بالعود الرجوع إلى الاستمتاع بغير الجماع ، والمراد بالمسيس في قوله : من قبل أن يتماسا ، خصوص الجماع وعليه فلا إشكال ، ولا يخفى عدم ظهور هذا القول .

والتحقيق : عدم جواز الاستمتاع بوطء أو غيره قبل التكفير ، لعموم قوله : من قبل أن يتماسا ، وأجاز بعضهم الاستمتاع بغير الوطء ، قائلا : إن المراد بالمسيس في قوله : من قبل أن يتماسا ، نفس الجماع لا مقدماته ، وممن قال بذلك : الحسن البصري ، والثوري ، وروي عن الشافعي في أحد القولين .

وقال بعض العلماء : اللام في قوله : لما قالوا ، بمعنى : في ، أي : يعودون فيما قالوا بمعنى يرجعون فيه ; كقوله - صلى الله عليه وسلم - : " الواهب العائد في هبته " الحديث ، وقيل : اللام بمعنى : عن ، أي : يعودون عما قالوا ، أي : يرجعون عنه ، وهو قريب مما قبله .

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : الذي يظهر لي والله تعالى أعلم : أن العود له مبدأ ومنتهى ، فمبدؤه العزم على الوطء ومنتهاه الوطء بالفعل ، فمن عزم على الوطء فقد عاد بالنية ، فتلزمه الكفارة لإباحة الوطء ، ومن وطء بالفعل تحتم في حقه اللزوم ، وخالف بالإقدام على الوطء قبل التكفير .

ويدل لهذا قوله - صلى الله عليه وسلم - لما قال : " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " ، قالوا : يا رسول الله قد عرفنا القاتل ، بما بال المقتول ؟ قال : " إنه كان حريصا على قتل صاحبه " ، فبين أن العزم على الفعل عمل يؤاخذ به الإنسان .

فإن قيل : ظاهر الآية المتبادر منها يوافق قول الظاهرية ، الذي قدمنا بطلانه ; لأن الظاهر المتبادر من قوله : لما قالوا ، أنه صيغة الظهار ، فيكون العود لها تكريرها مرة أخرى .

[ ص: 193 ] فالجواب : أن المعنى لما قالوا : أنه حرام عليهم ، وهو الجماع ، ويدل لذلك وجود نظيره في القرآن ، في قوله تعالى : ونرثه ما يقول [ 19 \ 80 ] ، أي : ما يقول إنه يؤتاه من مال وولد في قوله : لأوتين مالا وولدا [ 19 \ 77 ] ، وما ذكرنا من أن من جامع قبل التكفير ، يلزمه الكف عن المسيس مرة أخرى ، حتى يكفر ، هو التحقيق خلافا لمن قال : تسقط الكفارة بالجماع قبل المسيس ; كما روي عن الزهري ، وسعيد بن جبير وأبي يوسف . ولمن قال : تلزم به كفارتان ; كما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وذكره بعضهم عن عمرو بن العاص ، وعبد الرحمن بن مهدي . ولمن قال : تلزمه ثلاث كفارات ; كما رواه سعيد بن منصور ، عن الحسن ، وإبراهيم ، والعلم عند الله تعالى . انتهى بطوله من " دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " .
المسألة الثالثة : أظهر قولي أهل العلم عندي أنه لو قال لها : أنت علي كظهر ابنتي ، أو أختي ، أو جدتي ، أو عمتي ، أو أمي من الرضاع ، أو أختي من الرضاع ، أو شبهها بعضو آخر غير الظهر ، كأن يقول : أنت علي كرأس ابنتي أو أختي إلخ ، أو بطن من ذكر ، أو فرجها ، أو فخذها أن ذلك كله ظهار ، إذ لا فرق في المعنى بينه وبين : أنت علي كظهر أمي ; لأنه في جميع ذلك شبه امرأته بما هي في تأبيد الحرمة كأمه ، فمعنى الظهار محقق الحصول في ذلك .

قال ابن قدامة في " المغني " : وهذا قول أكثر أهل العلم ، منهم : الحسن ، وعطاء ، وجابر بن زيد ، والشعبي ، والنخعي ، والزهري ، والثوري ، والأوزاعي ، ومالك ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي ، وهو جديد قولي الشافعي . وقال في القديم : لا يكون الظهار إلا بأم أو جدة ، لأنها أم أيضا ; لأن اللفظ الذي ورد به القرآن مختص بالأم ، فإذا عدل عنه لم يتعلق به ما أوجبه الله تعالى فيه ، ولنا أنهن محرمات بالقرابة فأشبهن الأم . فأما الآية فقد قال فيها : وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ، وهذا موجود في مسألتنا ، فجرى مجراه ، وتعليق الحكم بالأم لا يمنع ثبوت الحكم في غيرها ، إذا كانت مثلها .

الضرب الثالث : أن يشبهها بظهر من تحرم عليه على التأبيد سوى الأقارب ، كالإمهات المرضعات والأخوات من الرضاعة ، وحلائل الآباء ، والأبناء ، وأمهات النساء ، والربائب اللاتي دخل بأمهن فهو ظهار أيضا ، والخلاف فيها كالتي قبلها ، ووجه المذهبين [ ص: 194 ] ما تقدم ، ويزيد في الأمهات المرضعات دخولها في عموم الأمهات فتكون داخلة في النص ، وسائرهن في معناها ، فثبت فيهن حكمها ، انتهى من " المغني " ، وهو واضح كما ترى .
فرعان يتعلقان بهذه المسألة .

الأول : اعلم أن أهل العلم اختلفوا فيما إذا شبه امرأته بظهر من تحرم عليه تحريما مؤقتا ، كأخت امرأته ، وعمتها وكالأجنبية ، فقال بعض أهل العلم : هو ظهار وهو قول أصحاب مالك ، وهو عندهم من نوع الكناية الظاهرة ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، واختارها الخرقي . والرواية الأخرى عن أحمد : أنه ليس بظهار ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي .

وحجة القول الأول : أنه شبه امرأته بمحرمة ، فأشبه ما لو شبهها بالأم ، لاشتراك الجميع في التحريم ; لأن مجرد قوله : أنت علي حرام ، إذا نوى به الظهار ، يكون ظهارا على الأظهر ، والتشبيه بالمحرمة تحريم ، فيكون ظهارا .

وحجة القول الثاني : أن التي شبه بها امرأته ليست محرمة على التأبيد ، فلا يكون لها حكم ظهر الأم إلا إن كان تحريمها مؤبدا كالأم ، ولما كان تحريمها غير مؤبد كان التشبيه بها ليس بظهار ، كما لو شبهها بظهر حائض ، أو محرمة من نسائه ، وأجاب المخالفون عن هذا : بأن مجرد التشبيه بالمحرمة يكفي في الظهار لدخوله في عموم قوله : وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ، قالوا : وأما الحائض ، فيباح الاستمتاع بها في غير الفرج ، والمحرمة يحل له النظر إليها ولمسها من غير شهوة ، وليس في وطء واحدة منهما حد بخلاف مسألتنا ، انتهى من " المغني " ، مع تصرف يسير لا يخل بالمعنى .

وقال صاحب " المغني " : واختار أبو بكر : أن الظهار لا يكون إلا من ذوات المحرم من النساء ، قال : فبهذا أقول .

وقال بعض العلماء : إن شبه امرأته بظهر الأجنبية ، كان طلاقا . قاله بعض المالكية ، ا هـ .

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : أظهر أقوال أهل العلم عندي وأجراها على الأصول ، هو قول من قال : إنه يكون مظاهرا ، ولو كانت التي شبه امرأته بظهرها غير مؤبدة [ ص: 195 ] التحريم ، إذ لا حاجة لتأبيد التحريم ; لأن مدار الظهار على تحريم الزوجة بواسطة تشبيهها بمحرمة ، وذلك حاصل بتشبيهها بامرأة محرمة في الحال ، ولو تحريما مؤقتا لأن تحريم الزوجة حاصل بذلك في قصد الرجل ، والعلم عند الله تعالى .
الفرع الثاني : في حكم ما قال لها : أنت علي كظهر أبي أو ابني أو غيرهما من الرجال ، لا أعلم في ذلك نصا من كتاب ولا سنة ، والعلماء مختلفون فيه . فقال بعضهم : لا يكون مظاهرا بذلك ، قال ابن قدامة في " المغني " : وهو قول أكثر العلماء ، لأنه شبيه بما ليس بمحل للاستمتاع ، فأشبه ما لو قال : أنت علي كمال زيد ، وهل فيه كفارة ؟ على روايتين :

إحداهما : فيه كفارة ، لأنه نوع تحريم فأشبه ما لو حرم ماله .

والثانية : ليس فيه شيء ، ونقل ابن القاسم عن أحمد ، فيمن شبه امرأته بظهر الرجل ، لا يكون ظهارا ، ولم أره يلزم فيه شيء ، وذلك لأنه تشبيه لامرأته بما ليس بمحل للاستمتاع ، أشبه التشبيه بمال غيره . وقال بعضهم : يكون مظاهرا بالتشبيه بظهر الرجل . وعزاه في " المغني " لابن القاسم صاحب مالك ، وجابر بن زيد . وعن أحمد روايتان ، كالمذهبين المذكورين ، وكون ذلك ظهارا هو المعروف عند متأخري المالكية .

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : الذي يظهر جريان هذه المسألة على مسألة أصولية فيها لأهل الأصول ثلاثة مذاهب ، وهي في حكم ما إذا دار اللفظ بين الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية ، على أيهما يحمل ؟ والصحيح عند جماعات من الأصوليين : أن اللفظ يحمل على الحقيقة الشرعية أولا إن كانت له حقيقة شرعية ، ثم إن لم تكن شرعية حمل على العرفية ، ثم اللغوية .

وعن أبي حنيفة : أنه يحمل على اللغوية قبل العرفية ، قال : لأن العرفية ، وإن ترجحت بغلبة الاستعمال فإن الحقيقة اللغوية مترجحة بأصل الوضع .

والقول الثالث : أنهما لا تقدم إحداهما على الأخرى بل يحكم باستوائهما ، فيكون اللفظ مجملا لاستواء الاحتمالين فيهما ، فيحتاج إلى بيان المقصود من الاحتمالين بنية أو دليل خارج ، وإلى هذه المسألة أشار في " مراقي السعود " ، بقوله :


واللفظ محمول على الشرعي إن لم يكن فمطلق العرفي فاللغوي على الجلي ولم يجب
بحث عن المجاز في الذي انتخب ومذهب النعمان عكس ما مضى
والقول بالإجمال فيه مرتضى


وإذا علمت ذلك ، فاعلم أن قول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أبي مثلا لا ينصرف [ ص: 196 ] في الحقيقة العرفية إلى الاستمتاع بالوطء أو مقدماته ; لأن العرف ليس فيه استمتاع بالذكور ، فلا يكون فيه ظهار . وأما على تقديم الحقيقة اللغوية ، فمطلق تشبيه الزوجة بمحرم ولو ذكرا يقتضي التحريم ، فيكون بمقتضى اللغة له حكم الظهار ، والظاهر أن قوله : أنت علي كالميتة والدم ، وكظهر البهيمة ، ونحو ذلك ; كقوله : أنت علي كظهر أبي ، فيجري على حكمه ، والعلم عند الله تعالى .
المسألة الرابعة : اعلم أن قول الرجل لامرأته : أنت علي حرام ، أو إن دخلت الدار فأنت حرام ثم دخلتها ، فيها للعلماء نحو عشرين قولا ، كما هو معروف في محله .

وقد دلت آية الظهار هذه على أن أقيس الأقوال وأقربها لظاهر القرآن قول من قال : إن تحريم الزوجة ظهار ، تلزم فيه كفارة الظهار ، وليس بطلاق .

وإيضاح ذلك : أن قوله : أنت علي كظهر أمي ، معناه : أنت علي حرام ، وقد صرح تعالى بلزوم الكفارة في قوله : أنت علي كظهر أمي ، ولا يخفى أن : أنت علي حرام ، مثلها في المعنى ، كما ترى .

وقال في " المغني " : وذكر إبراهيم الحربي عن عثمان ، وابن عباس ، وأبي قلابة ، وسعيد بن جبير ، وميمون بن مهران ، والبتي ، أنهم قالوا : التحريم ظهار ، ا هـ . وأقرب الأقوال بعد هذا لظاهر القرآن القول بكفارة اليمين ، والاستغفار لقوله : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [ 66 \ 2 ] ، وقوله : والله غفور رحيم [ 66 \ 1 ] ، بعد قوله : لم تحرم الآية [ 66 \ 1 ] .
المسألة الخامسة : الأظهر أن قوله : أنت عندي أو مني أو معي كظهر أمي ، لا فرق بينه وبين قوله : أنت علي كظهر أمي ، فهو ظهار كما قاله غير واحد ، وهو واضح كما ترى .
المسألة السادسة : أظهر أقوال العلم عندي فيمن قال لامرأته : أنت علي كأمي أو مثل أمي ، ولم يذكر الظهر أنه لا يكون ظهارا إلا أن ينوي به الظهار ; لاحتمال اللفظ معاني أخرى غير الظهار ، مع كون الاستعمال فيها مشهورا ، فإن قال : نويت به الظهار ، فهو ظهار في قول عامة العلماء ، قاله في " المغني " . وإن نوى به أنها مثلها في الكرامة عليه والتوقير ، أو أنها مثلها في الكبر أو الصفة فليس بظهار ، والقول قوله في نيته ، قاله في " المغني " .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,357.74 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,356.03 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.13%)]