شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج --- متجدد - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         إشارات قرآنية إلى الانتفاع بالثروات الطبيعية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 50 )           »          The interpretation of Surat Al Masad (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          تفسير سورة المسد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          The stance of the Glorious Qur'an from luxury and the sybarites (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          موقف القرآن الكريم من الترف والمترفين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          الشيخ عبدالحميد بن باديس ونموذج صحافة الكفاح الوطني (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          من أعلام أئمة الهدي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 30 - عددالزوار : 41 )           »          سباق النانومترات.. كيف ستغير الرقائق متناهية الصغر أداء هاتفك القادم؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 59 )           »          لماذا يصعب فتح علب الآيفون؟.. سر "ثواني الانتظار" التي صممها ستيف جوبز (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 48 )           »          الذكاء الاصطناعي يحارب نفسه.. أدوات مبتكرة لكشف التزييف العميق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 55 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > ملتقى الحج والعمرة
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الحج والعمرة ملتقى يختص بمناسك واحكام الحج والعمرة , من آداب وأدعية وزيارة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 07-07-2022, 02:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,019
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج --- متجدد


شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج (2)
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية
من صــ 271الى صــ 284
(59)


فَعَلَى هَذَا: يَجُوزُ أَنْ تُخَمِّرَهُ بِالثَّوْبِ مِنْ أَسْفَلُ وَمِنْ فَوْقُ، مَا لَمْ يَكُنْ مَصْنُوعًا عَلَى وَجْهٍ يَثْبُتُ عَلَى الْوَجْهِ، وَأَنْ تُخَمِّرَهُ بِالْمِلْحَفَةِ وَقْتَ النَّوْمِ، وَرَأْسُ الرَّجُلِ بِخِلَافِ هَذَا كُلِّهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَمَتَى غَطَّتْ وَجْهَهَا أَوْ تَبَرْقَعَتِ: افْتَدَتْ.

(فَصْلٌ)
وَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمَةِ لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ وَنَحْوِهِمَا؛ وَهُوَ كُلُّ مَا يُصْنَعُ لِسَتْرِ الْيَدَيْنِ إِلَى الْكُوعَيْنِ. هَذَا نَصُّهُ وَمَذْهَبُهُ لَا خِلَافَ فِيهِ. وَكَلَامُ الشَّيْخِ هُنَا يَقْتَضِي جَوَازَ لُبْسِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَأَبَاحَ لُبْسَ الْمَخِيطِ مُطْلَقًا. وَهَذَا تَسَاهُلٌ فِي اللَّفْظِ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مَذْهَبٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَلْبَسِ الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى النِّسَاءَ فِي الْإِحْرَامِ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ، وَمَا مَسَّ الْوَرْسَ وَالزَّعْفَرَانَ مِنَ الثِّيَابِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ حَقَّ الْمُحْرِمِ أَنْ لَا يَلْبَسَ شَيْئًا مِنَ اللِّبَاسِ الْمَصْنُوعِ لِلْبَدَنِ، لَكِنَّهُ رَخَّصَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَلْبَسَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ.
وَلَا حَاجَةَ بِهَا إِلَى أَنْ تَسْتُرَ يَدَهَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ سَتْرَهَا يَحْصُلُ بِالْكُمِّ وَبِإِدْخَالِهَا فِي الْعُبِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ إِلَى صُنْعِ الْقُفَّازِ وَنَحْوِهِ كَبَدَنِ الرَّجُلِ لَمَّا أَمْكَنَ سَتْرُهُ بِالرِّدَاءِ وَنَحْوِهِ: لَمْ يَجُزْ سَتْرُهُ بِالْقَمِيصِ - وَهَذَا بِخِلَافِ قَدَمَيْهَا فَإِنَّهَا لَوْ أُمِرَتْ بِلُبْسِ النَّعْلَيْنِ أَيْضًا - فَإِنَّ يَدَيْهَا تَظْهَرُ غَالِبًا، فَسَتْرُهُمَا بِالْقُفَّازِ وَنَحْوِهِ صَوْنٌ لَهُمَا فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، فَلَمْ يَجُزْ.
وَقَدْ سَلَكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ طَرِيقَةً؛ وَهُوَ أَنَّ الْيَدَيْنِ لَيْسَتَا مِنَ الْعَوْرَةِ، فَوَجَبَ كَشْفُهُمَا كَالْوَجْهِ، وَعَكْسُهُ الْقَدَمَانِ وَسَائِرُ الْبَدَنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَوْرَةَ يَجِبُ سَتْرُهَا بِخِلَافِ مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ. وَمَنْ سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ: جَوَّزَ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ مَكْشُوفَةَ الْيَدَيْنِ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ فِيهَا نَظَرٌ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْيَدَيْنِ لَا يَجِبُ كَشْفُهُمَا، وَلَا يَحْرُمُ تَعَمُّدُ تَخْمِيرِهِمَا بِمَا لَمْ يُصْنَعْ عَلَى قَدْرِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ لَهَا أَنْ تَقْصِدَ إِدْخَالَ اليَدِ فِي الْكُمِّ وَفِي الْجَيْبِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَلَوْ كَانَ مُطْلَقُ السَّتْرِ حَرَامًا إِلَّا لِحَاجَةٍ لَمَا جَازَ ذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنَّ كَوْنَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لَيْسَا بِعَوْرَةٍ لَا يُبِيحُ إِبْدَاءَهُمَا لِلرِّجَالِ بِكُلِّ حَالٍ، وَكَوْنَ الْعَضُدِ وَالسَّاقِ عَوْرَةً لَا يُوجِبُ سَتْرَهُمَا فِي الْخَلْوَةِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهِمَا [بَابُ الْفِدْيَةِ] [مَسْأَلَةٌ الْفِدْيَةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ]

مَسْأَلَةٌ: (وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: عَلَى التَّخْيِيرِ وَهِيَ فِدْيَةُ الْأَذَى، وَاللُّبْسِ وَالطِّيبِ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامِ ثَلَاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ، لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ، أَوْ ذَبْحِ شَاةٍ).
الْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْفِدْيَةِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] فَأَبَاحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْحَلْقَ لِلْمَرِيضِ، وَلِمَنْ فِي رَأْسِهِ قَمْلٌ يُؤْذِيهِ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ الْمَذْكُورَةَ، وَفَسَّرَ مِقْدَارَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَالَ لَهُ: " «فَاحْلِقْ وَاذْبَحْ شَاةً، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِثَلَاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ».
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مِثْلِ هَذَا. وَتَقْدِيرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ صِيَامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ: مِثْلُ تَقْدِيرِهِ لِأَعْدَادِ الصَّلَاةِ وَلِلرَّكَعَاتِ وَالْأَوْقَاتِ وَفَرَائِضِ الصَّدَقَاتِ وَنُصُبِهَا، وَأَعْدَادِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالرَّمْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِذْ كَانَ هُوَ الْمُبِيِّنَ عَنِ اللَّهِ مَعَانِيَ كِتَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَأَمَّا مَنْ حَلَقَ شَعْرَ بَدَنِهِ، أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ، أَوْ لَبِسَ، أَوْ تَطَيَّبَ: فَمُلْحَقٌ بِهَذَا الْمَحْظُورِ فِي مِقْدَارِ الْفِدْيَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الْإِحْرَامِ (فَصْلٌ)
إِنْ فَعَلَ الْمَحْظُورَ لِعُذْرٍ فَفِدْيَتُهُ عَلَى التَّخْيِيرِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ: فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ فِدْيَتَهُ عَلَى التَّخْيِيرِ أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ؛ لِأَنَّ كُلَّ كَفَّارَةٍ وَجَبَتْ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَسَبَبُهَا مُبَاحٌ وَجَبَتْ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَإِنْ كَانَ مَحْظُورًا كَجَزَاءِ الصَّيْدِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ جَبْرٌ لِمَا نَقَصَ مِنَ الْإِحْرَامِ بِفِعْلِ الْمُحْرِمِ، وَالنَّقْصُ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ، أَوْ مَحْظُورٍ، إِلَّا أَنَّ فِي أَحَدِهِمَا: جَائِزًا، وَالْآخَرِ حَرَامًا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ جَابِرًا لِنَقْصِ الْإِحْرَامِ لَمَا اكْتُفِيَ بِهِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ تَجِبُ عَلَى التَّخْيِيرِ سَوَاءٌ كَانَ الْحِنْثُ جَائِزًا، أَوْ حَرَامًا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ كَوْنَ سَبَبِ الْكَفَّارَةِ جَائِزًا لَا يُوجِبُ التَّخْيِيرَ بِدَلِيلِ دَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ هُوَ عَلَى التَّرْتِيبِ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ جَائِزًا، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْكَفَّارَةُ عَلَى التَّخْيِيرِ: عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِجَوَازِ السَّبَبِ، بَلْ لِأَنَّهَا جَابِرَةٌ لِنَقْصِ الْإِحْرَامِ.
وَأَمَّا الْآيَةُ: فَإِنَّمَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا إِلَّا الْمَعْذُورُ: لِأَنَّ اللَّهَ بَيَّنَ جَوَازَ الْحَلْقِ، وَوُجُوبَ الْفِدْيَةِ - لِأَنَّهُ قَدْ نَهَى قَبْلَ ذَلِكَ عَنِ الْحَلْقِ - وَهَذَا الْحُكْمَانِ يَخْتَصَّانِ الْمَعْذُورَ خَاصَّةً.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الدَّمُ وَلَا يَتَخَيَّرُ؛ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ. فَإِنْ عَدِمَ الدَّمَ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ انْتَقَلَ إِلَى الصِّيَامِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٍّ، فِي الْمُحْرِمِ يَحْلِقُ رَأْسَهُ مِنْ غَيْرِ أَذًى لَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَحْلِقُ مِنْ أَذًى؛ إِذَا حَلَقَ رَأْسَهُ مِنْ أَذًى فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْفِدْيَةِ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا. وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ؛ مِثْلِ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ: وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي تَعْلِيقِهِمْ خِلَافًا.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَإِنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَلَيْسَ بِمُخَيَّرٍ فِيهَا فَيَلْزَمُهُ دَمٌ. وَإِنْ تَنَوَّرَ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ عَلَى التَّخْيِيرِ.
فَفَرْقٌ بَيْنَ حَلْقِ الرَّأْسِ وَالتَّنَوُّرِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِأَنَّ حَلْقَ الرَّأْسِ نُسُكٌ عِنْدَ التَّحَلُّلِ، فَإِذَا فَعَلَهُ قَبْلَ وَقْتِهِ فَقَدْ فَعَلَ مَحْظُورًا وَفَوَّتَ نُسُكًا فِي وَقْتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ. بِخِلَافِ شَعْرِ الْبَدَنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي حَلْقِهِ تَرْكُ نُسُكٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا ذَكَرَ التَّخْيِيرَ فِي الْمَرِيضِ وَمَنْ بِهِ أَذًى، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ غَيْرَ الْمَعْذُورِ بِخِلَافِ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّ مَنْ حَرْفُ شَرْطٍ وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِهِ حَتَّى عِنْدَ أَكْثَرِ نُفَاةِ الْمَفْهُومِ.
وَالْحُكْمُ الْمَذْكُورُ هُنَا: وُجُوبُ فِدْيَةٍ عَلَى التَّخْيِيرِ إِذَا حَلَقَ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْفِدْيَةُ مَشْرُوعَةً فِي حَالِ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ: لَزِمَ إِبْطَالُ فَائِدَةِ الشَّرْطِ وَالتَّخْصِيصِ.
وَقَوْلُهُمُ: التَّخْصِيصُ لِجَوَازِ الْحَلْقِ وَإِبَاحَتِهِ: يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْجَوَازَ لَيْسَ مَذْكُورًا فِي الْآيَةِ، وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ، وَإِنَّمَا الْجَوَازُ يُسْتَفَادُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ، وَلَوْ كَانَ الْجَوَازُ مَذْكُورًا أَيْضًا: فَالشَّرْطُ: شَرْطٌ فِي جَوَازِ الْحَلْقِ وَفِي الْفِدْيَةِ الْمَذْكُورَةِ.
الثَّانِي: الْمَرِيضُ وَمَنْ بِهِ أَذًى مَعْذُورٌ فِي اسْتِبَاحَةِ الْمَحْظُورِ. وَالْمَعْذُورُ يُنَاسِبُ حَالُهُ التَّخْفِيفَ عَنْهُ وَالتَّرْخِيصَ لَهُ، فَجَازَ أَنْ تَكُونَ التَّوْسِعَةُ لَهُ فِي التَّخْيِيرِ لِأَجْلِ الْعُذْرِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إِذَا عُلِّقَ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ: كَانَ ذَلِكَ الْوَصْفُ عِلَّةً لَهُ. وَإِذَا كَانَ عِلَّةُ التَّوْسِعَةِ هُوَ الْعُذْرَ: لَمْ يَجُزْ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِدُونِ عِلَّتِهِ. يُوَضِّحُ هَذَا: أَنَّ اللَّهَ بَدَأَ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ مِنْ خِصَالِ الْفِدْيَةِ؛ قَالَ: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] تَنْصِيصًا عَلَى أَنَّ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ إِذْ وَقَعَ الِابْتِدَاءُ بِأَدْنَى الْخِصَالِ، وَغَيْرُ الْمَعْذُورِ بَعِيدٌ مِنْ هَذَا، وَلِهَذَا بَدَأَ فِي آيَةِ الْجَزَاءِ بِأَشَدِّ الْخِصَالِ وَهُوَ الْمِثْلُ لَمَّا ذَكَرَ الْمُعْتَمَدَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ سَمَّاهَا فِدْيَةً، وَالْفِدْيَةُ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الْجَائِزَاتِ كَفِدْيَةِ الصِّيَامِ، وَهَذَا لِأَنَّ الصَّائِمَ وَالْمُحْرِمَ مَمْنُوعَانِ مِمَّا حَرُمَ عَلَيْهِمَا مَحْبُوسَانِ عَنْهُ كَالرَّقِيقِ وَالْأَسِيرِ الْمَمْنُوعِ مِنَ التَّصَرُّفِ، فَجَوَّزَ اللَّهُ لَهُمَا أَنْ يَفْتَدِيَا أَنْفُسَهُمَا عِنْدَ الْحَاجَةِ كَمَا يَفْتَدِي الْأَسِيرُ وَالرَّقِيقُ أَنْفُسَهُمَا، وَكَمَا تَفْتَدِي الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْحَلْقِ: لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَفْتَدِيَ نَفْسَهُ وَلَا يَفُكَّ رَقَبَتَهُ مِنَ الْإِحْرَامِ فَلَا يَكُونُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِدْيَةً.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا ذَكَرَ التَّخْيِيرَ تَقْسِيمًا لِلْفِدْيَةِ وَتَوْسِيعًا فِي الِافْتِدَاءِ: فَلَا يَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ فِي غَيْرِ الْفِدْيَةِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْفِدْيَةِ وَبَيْنَ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ التَّخْيِيرَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ مَعَ النَّصِّ عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا، فَكَانَ التَّخْيِيرُ فِي حَقِّ الْمُخْطِئِ أَوْلَى، وَذَكَرَ التَّرْتِيبَ وَالتَّخْيِيرَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مُطْلَقًا.

وَأَيْضًا: فَإِنَّهَا كَفَّارَةٌ وَجَبَتْ لِفِعْلِ مَحْظُورٍ فَتَعَيَّنَ فِيهَا الدَّمُ كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ وَتَوَابِعِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِلْحَاقَ الْمَحْظُورِ بِالْمَحْظُورِ: أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهِ بِجَزَاءِ الصَّيْدِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الدَّمَ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ عَيْنًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى التَّمَتُّعِ بِحِلِّهِ - مَعَ جَوَازِ التَّمَتُّعِ بِهِ، فَلَأَنْ يَجِبَ عَلَى مَنْ تَمَتَّعَ فِي الْإِحْرَامِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مَعَ تَحْرِيمِ اللَّهِ أَوْلَى، وَعَكْسُهُ الْمَعْذُورُ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَجَبَتْ لِجِنَايَةٍ عَلَى الْإِحْرَامِ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ: فَوَجَبَ الدَّمُ عَيْنًا كَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ، وَعَكْسُهُ جَزَاءُ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ بَدَلٌ لِمُتْلَفٍ فَهُوَ مُقَدَّرٌ بِقَدْرِ مُبْدَلِهِ، وَأَبْدَالُ الْمُتْلَفَاتِ لَا يُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ مُتْلَفٍ وَمُتْلَفٍ بِخِلَافِ الْكَفَّارَاتِ الَّتِي لِخَلَلٍ فِي الْعِبَادَةِ كَالْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ، وَالْإِحْرَامِ، وَتَرْكِ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ. فَإِنْ فَعَلَ الْمَحْظُورَ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ، أَوْ مُخْطِئًا، وَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ فَهُوَ كَمَنْ فَعَلَ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الشَّرْعُ فِي إِتْيَانِهِ، وَخَطَؤُهُ: يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنَ الْإِثْمِ، أَمَّا مُخَفِّفًا لِلْكَفَّارَةِ فَلَا. وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَعْذُورِ، فَإِنَّ الْحَلْقَ صَارَ فِي حَقِّهِ مُبَاحًا جَائِزًا، وَلَمْ يَصِرْ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ إِلَّا بِمَعْنَى أَنَّ جِنْسَهُ مَحْظُورٌ؛ كَالْأَكْلِ فِي رَمَضَانَ لِلْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ. وَلِهَذَا نُوجِبُ عَلَى مَنْ جَامَعَ نَاسِيًا: الْكَفَّارَةَ، وَلَا نُوجِبُهَا عَلَى مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ.

(فَصْلٌ)
إِذَا أَرَادَ الْحَلْقَ، أَوِ اللُّبْسَ، أَوْ الطِّيبَ لِعُذْرٍ: جَازَ لَهُ إِخْرَاجُ الْفِدْيَةِ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ الْمُبِيحِ وَقَبْلَ فِعْلِ الْمَحْظُورِ، كَمَا يَجُوزُ تَحْلِيلُ الْيَمِينِ بَعْدَ عَقْدِهَا وَقَبْلَ الْحِنْثِ سَوَاءٌ كَانَتْ صِيَامًا، أَوْ صَدَقَةً، أَوْ نُسُكًا
(فَصْلٌ)
يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْفِدْيَةِ حَيْثُ وَجَبَتْ مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ، وَكَذَا حَيْثُ جَازَتْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ سَمَّى الدَّمَ الْوَاجِبَ هُنَا نُسُكًا وَالنُّسُكُ لَا يَخْتَصُّ بِمَوْضِعٍ فَإِنَّ الضَّحَايَا لَمَّا سُمِّيَتْ نَسَائِكَ جَازَ أَنْ تُذْبَحَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ سَوَاءٌ كَانَتْ وَاجِبَةً، أَوْ مُسْتَحَبَّةً كَمَا قَالَ: {إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} [الأنعام: 162] وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي بُرْدَةَ: " هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ " بِخِلَافِ دَمِ الْمُتْعَةِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ سَمَّاهُ هَدْيًا، وَالْهَدْيُ: مَا أُهْدِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ.
وَأَمَّا هَدْيُ الْمُحْصَرِ ... .
[مَسْأَلَةٌ ما يجب بترك الواجب]
مَسْأَلَةٌ: (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ دَمٍ وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ).
هَذَا قَوْلُ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَوَجْهُهُ أَنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ بِمَنْزِلَةِ فِعْلِ الْمَحْظُورِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَنْقُصُ النُّسُكَ، وَأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى جُبْرَانٍ يَكُونُ خَلَفًا عَنْهُ.
فَعَلَى هَذَا: هَلْ يَكُونُ عَلَى التَّخْيِيرِ أَوِ التَّرْتِيبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ إِذَا أَذِنَ فِيهِ الشَّرْعُ: لَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ كَتَرْكِ الْحَائِضِ طَوَافَ الْوَدَاعِ، وَتَرْكِ أَهْلِ السِّقَايَةِ وَالرُّعَاةِ الْمَبِيتَ بِمِنًى وَنَحْوِ ذَلِكَ. نَعَمْ قَدْ يَتْرُكُهُ جَهْلًا أَوْ عَجْزًا، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا.


[مَسْأَلَةٌ جزاء الصيد]
مَسْأَلَةٌ: (وَجَزَاءُ الصَّيْدِ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ إِلَّا الطَّائِرَ فَإِنَّ فِيهِ قِيمَتَهُ إِلَّا الْحَمَامَةَ فِيهَا شَاةٌ وَالنَّعَامَةَ فِيهَا بَدَنَةٌ).
فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَا وَجَبَ ضَمَانُهُ مِنَ الصَّيْدِ إِمَّا بِالْحَرَمِ أَوْ بِالْإِحْرَامِ: فَإِنَّهُ يُضْمَنُ بِمِثْلِهِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَهُوَ مَا شَابَهَهُ فِي الْخِلْقَةِ وَالصِّفَةِ تَقْرِيبًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] وَقَدْ قُرِئَ بِالتَّنْوِينِ، فَيَكُونُ الْمِثْلُ هُوَ الْجَزَاءَ بِعَيْنِهِ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْهُ فِي الْإِعْرَابِ وَقُرِئَ (فَجَزَاءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ) بِالْإِضَافَةِ، وَالْمَعْنَى فَعَطَاءُ مِثْلِ الْمَقْتُولِ، فَالْجَزَاءُ عَلَى هَذَا مَصْدَرٌ، أَوْ اسْمُ مَصْدَرٍ أُضِيفَ إِلَى مَفْعُولِهِ وَضُمِّنَ مَعْنَى الْإِعْطَاءِ وَالْإِخْرَاجِ وَالْإِيتَاءِ، وَمِثْلُ هَذَا: الْقِرَاءَتَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا حَيْثُ جَعَلَ الْفِدْيَةَ نَفْسَ الطَّعَامِ وَجَعَلَ الْجَزَاءَ: إِعْطَاءَ الْمِثْلِ.
وَالْمُرَادُ بِالْمِثْلِ: مَا مِثَالُ الصَّيْدِ مِنْ جِهَةِ الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُه أَزْيَدَ مِنْ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ، أَوْ أَنْقَصَ؛ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَمِنْ وُجُوهٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ مِثْلَ الْمَقْتُولِ، وَالْمِثْلُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ مِثْلِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمِثْلَ حَيَوَانٌ، وَلِهَذَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَمْوَالِ: ذَوَاتُ الْأَمْثَالِ، وَذَوَاتُ الْقِيَمِ، وَهَذَا الشَّيْءُ يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ، وَهَذَا يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْعِبَارَاتِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِمْ، وَقِيمَةُ الْمُتْلَفِ لَا يُسَمَّى مِثْلًا.
الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الْمِثْلَ مِنَ النَّعَمِ: احْتِرَازًا مِنْ إِخْرَاجِ الْمِثْلِ مِنْ نَوْعِ الْمَقْتُولِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ الْمِثْلَ لَفُهِمَ مِنْهُ أَنْ يُخْرَجَ عَنِ الضَّبُعِ ضَبُعٌ، وَعَنِ الظَّبْيِ ظَبْيٌ. وَلَوْ كَانَ الْمِثْلُ هُوَ قِيمَةَ الْمَقْتُولِ: لَكَانَ الْوَاجِبُ فِي ذِمَّةِ الْقَاتِلِ قِيمَةَ الصَّيْدِ ثُمَّ إِنَّهُ يَصْرِفُهَا فِي شِرَاءِ هَدْيٍ، أَوْ شِرَاءِ صَدَقَةٍ، حِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْهَدْيِ وَبَيْنَ الصَّدَقَةِ حَتَّى يَجْعَلَ الْمِثْلَ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: {مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] بَيَانٌ لِجِنْسِ الْمِثْلِ كَقَوْلِهِمْ: بَابٌ مِنْ حَدِيدٍ وَثَوْبُ خَزٍّ، وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمِثْلُ مِنَ النَّعِمِ، وَلَوْ كَانَ الْمِثْلُ هُوَ الْقِيمَةَ وَالنَّعَمُ مَصْرَفٌ لَهَا لَقِيلَ: جَزَاءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ فِي النَّعَمِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمِثْلِ: الْقِيمَةَ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ صَرْفِهَا فِي الْهَدْيِ وَالصَّدَقَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أُرِيدَ بِالْمِثْلِ: الْهَدْيُ بِاعْتِبَارِ مُسَاوَاتِهِ لِلْمَقْتُولِ فِي الْقِيمَةِ: فَإِنَّ الْهَدْيَ وَالْقِيمَةَ مِثْلٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَكَانَ يَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} [المائدة: 95] بِالْخَفْضِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَجَزَاءٌ مِثْلُ الْمَقْتُولِ مِنَ النَّعَمِ وَمِنَ الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّهُمَا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ سَوَاءٌ. فَلَمَّا كَانَتِ الْقِرَاءَةُ تَرْفَعُ كَفَّارَةً: عُلِمَ أَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى جَزَاءٍ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْمِثْلِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمِثْلُ الْقِيمَةَ وَلَا مَا اشْتُرِيَ بِالْقِيمَةِ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي جَزَاءِ الْمِثْلِ: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ تَقْوِيمَ التَّلَفِ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْهَدْيِ وَالصَّدَقَةِ وَاحِدٌ. فَلَمَّا خَصَّ ذَوَيِ الْعَدْلِ بِالْجَزَاءِ دُونَ الْكَفَّارَةِ: عُلِمَ أَنَّهُ الْمِثْلُ مِنْ جِهَةِ الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْآيَةُ تَقْتَضِي الْإِيجَابَ الْجَزَاءِ فِي قَتْلِ صَيْدٍ وَذَلِكَ يَعُمُّ مَا لَهُ نَظِيرٌ، وَمَا لَا نَظِيرَ لَهُ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْقِيمَةِ.
قُلْنَا يَقْتَضِي إِيجَابَ جَزَاءِ الْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ إِنْ أَمْكَنَهُ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ وَاحِدًا مِنْ ثَلَاثَةٍ وَذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِالْإِمْكَانِ بِدَلِيلِ مَنْ يُوجِبُ الْقِيمَةَ إِنَّمَا يَصْرِفُهَا فِي النَّعَمِ إِذَا أَمْكَنَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا فَتَكُونُ الْقِيمَةُ لَا تَصْلُحُ لِشِرَاءِ هَدْيٍ: هُوَ بِمَثَابَةِ عَدَمِ النَّظِيرِ فِي الْخِلْقَةِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ أَحْمَدُ: فَمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الضَّبُعِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ كَبْشًا وَجَعَلَهُ مِنَ الصَّيْدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَأَمَّا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ: فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُمْ قَضَوْا فِي النَّعَامَةِ بِبَدَنَةٍ وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ، وَبَقَرَةِ الْأُيَّلِ وَالثَّيْتَلِ وَالْوَعْلِ: بِبَقَرَةٍ وَفِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ، وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ، وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ، وَإِنَّمَا حَكَمُوا بِذَلِكَ لِمُمَاثَلَتِهِ فِي الْخِلْقَةِ لَا عَلَى جِهَةِ الْقِيمَةِ؛ لِوُجُوهٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي قِصَصِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي بَعْضُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
الثَّانِي: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْقَضَايَا تَعَدَّدَتْ فِي أَمْكِنَةٍ وَأَزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَلَوْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ قِيمَتَهُ لَاخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَالْبِقَاعِ. فَلَمَّا قَضَوْا بِهِ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ عُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوا الْقِيمَةَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْبَدَنَةَ أَكْثَرُ قِيمَةً مِنَ النَّعَامَةِ وَالْبَقَرَةَ أَكْثَرُ قِيمَةً مِنْ حِمَارِ الْوَحْشِ، وَالْكَبْشَ أَكْثَرُ قِيمَةً، كَمَا شَهِدَ بِهِ عُرْفُ النَّاسِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ قَضَوْا فِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةً ... .
الْفَصْلُ الثَّانِي.

أَنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي حُكْمِ حَاكِمَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ عَلَى مَا حَكَمَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْنَافِ حُكْمٍ ثَانٍ؛ قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي النَّضْرِ -: مَا حَكَمَ فِيهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْجَزَاءِ فَعَلَى مَا حَكَمُوا؛ لِأَنَّهُمْ أَعْدَلُ مَنْ يَحْكُمُ فِيهِ، وَلَوْ حَكَمُوا بِخِلَافِ حُكْمِهِمْ فَلَا يُتْرَكُ حُكْمُهُمْ لِقَوْلِ مَنْ بَعْدَهُمْ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ صَيْدًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُكْمٌ: جَازَ أَنْ يَقُولَ قَاتِلُ الصَّيْدِ لِرَجُلٍ آخَرَ مَعَهُ أَنِ احْكُمْ مَعِي فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ هُوَ الْحَاكِمَ وَآخَرُ مَعَهُ.
قَالَ - فِي رِوَايَةِ الشَّالَنْجِيِّ -: إِذَا أَصَابَ صَيْدًا: فَهُوَ عَلَى مَا حَكَمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكُلَّمَا سُمِّيَ فِيهِ شَيْءٌ فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ وَفِي الضَّبُعِ شَاةٌ. وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ - فِي الَّذِي يُصِيبُ الصَّيْدَ يَتَّبِعُ مَا جَاءَ: قَدْ حُكِمَ فِيهِ وَفُرِغَ.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,553.87 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,552.15 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.11%)]