شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج --- متجدد - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 199 )           »          نصائح ومواعظ للاسرة المسلمة______ يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 135 )           »          سِيَرِ أعلام المحدثين من الصحابة والتابعين .....يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 195 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5187 - عددالزوار : 2496292 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4782 - عددالزوار : 1831985 )           »          فوائد الصيام.. كيف تنعش صحتك لشهر كامل؟ يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 204 )           »          سحور 5 رمضان.. طريقة عمل البطاطس المتبلة بالكمون والليمون (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          مجالس الحقوق | الشيخ مصطفى العدوي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 22 )           »          سألت النبي ﷺ | الدكتورعبدالرحمن الصاوي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 19 )           »          أئمة الهدي | الدكتور رامي عيسي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 20 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > ملتقى الحج والعمرة
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الحج والعمرة ملتقى يختص بمناسك واحكام الحج والعمرة , من آداب وأدعية وزيارة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 07-07-2022, 01:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,361
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج --- متجدد



شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج (2)
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية
من صــ 257الى صــ 270
(58)

(فَصْلٌ)
وَيَجِبُ أَنْ يَقْضِيَ مِثْلَ الَّذِي أَفْسَدَهُ إِنْ كَانَ حَجًّا قَضَى حَجًّا، وَإِنْ كَانَ عُمْرَةً قَضَى عُمْرَةً، وَإِنْ كَانَ عُمْرَةً وَحَجَّةً قَضَاهُمَا. وَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَبْعَدِ الْمَوْضِعَيْنِ، وَهُمَا: الْمَكَانُ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ أَوَّلًا، وَمِيقَاتُ بَلَدِهِ؛ فَلَوْ كَانَ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ أَوِ الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ فِي الْقَضَاءِ مِنَ الْمِيقَاتِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ أَنْ يُجَاوِزَ الْمِيقَاتَ إِلَّا مُحْرِمًا، وَلِأَنَّ تَرْكَهُ لِوَاجِبٍ، أَوْ فِعْلَهُ لِمَحْظُورٍ فِي الْأَدَاءِ لَا يُسَوِّغُ لَهُ تَعَدِّيَ حُدُودِ اللَّهِ فِي الْقَضَاءِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِهِمَا مِنْ فَوْقِ الْمِيقَاتِ، مِثْلَ: أَنْ يَكُونَ قَدْ أَحْرَمَ فِي مِصْرٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْقَضَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. هَذَا نَصُّهُ وَمَذْهَبُهُ؛ قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: فِي الرَّجُلِ إِذَا وَاقَعَ امْرَأَتَهُ فِي الْعُمْرَةِ عَلَيْهِمَا قَضَاؤُهَا مِنْ حَيْثُ أَهَلَّا بِالْعُمْرَةِ لَا يُجْزِئُهُمَا إِلَّا مِنْ حَيْثُ أَهَلَّا {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة: 194].
وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مُشَيْشٍ -: إِذَا أَفْسَدَ الرَّجُلُ الْحَجَّ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ مِنْ حَيْثُ أَوْجَبَ الْإِحْرَامَ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ وَقَدْ أَوْجَبَ الْإِحْرَامَ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ قَابِلٍ زَادٌ وَلَا رَاحِلَةٌ، فَعَلَيْهِ مَتَى وَجَدَ.
وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُحْصَرِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: وَيُحْرِمَانِ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَا. وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ صَحَابِيٍّ خِلَافُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْحُرُمَاتُ} [البقرة: 194] فَأَوْجَبَ عَلَى مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَةً ... .
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْمُرْسَلَيْنِ: «حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا بِالْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا، فَأَحْرِمَا وَتَفَرَّقَا» وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ - وَحَظُّهُ مِنَ الْقِيَاسِ وَافِرٌ -؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَسَافَةَ قَطَعَهَا بِالْإِحْرَامِ الصَّحِيحِ، وَإِنَّمَا يَقْضِي مَا أَفْسَدَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا: أَنَّ الْوَاطِئَ بَعْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَقْضِي مَا بَقِيَ عَلَيْهِ.

(فَصْلٌ)
وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا قَضَاءٌ وَاحِدٌ. فَإِنْ كَانَتِ الْحَجَّةُ الْمَقْضِيَّةُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ إِذَا قَضَاهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ نَذْرًا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ قَضَاءً فَأَفْسَدَهَا: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِلَّا قَضَاءٌ وَاحِدٌ حَتَّى لَوْ أَفْسَدَ الْقَضَاءَ أَلْفَ مَرَّةٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِلَّا قَضَاءُ الْوَاجِبِ الْأَوَّلِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ إِذَا قَضَاهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ قَضَاءٍ يُفْسِدُهُ إِذَا قَضَاهُ فَإِنَّ قَضَاءَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَإِذَا أَفْسَدَ هَذَا الْقَضَاءَ فَإِنَّ قَضَاءَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ وَهَلُمَّ جَرًّا. فَمَتَى قَضَى قَضَاءً لَمْ يُفْسِدْهُ: فَقَدْ أَدَّى الْوَاجِبَ. وَقَدْ قِيلَ لِأَحْمَدَ: أَيَّتُهُمَا حَجَّةٌ؛ الَّتِي أَفْسَدَهَا، أَوِ الَّتِي قَضَاهَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.


(فَصْلٌ)
وَيَنْحَرُ هَدْيَ الْفَسَادِ فِي عَامِ الْقَضَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا وَطِئَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، أَوْ قَارِنٌ: فَسَدَ حَجُّهُ فِي سَنَتِهِ الَّتِي وَطِئَ فِيهَا فَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ نَحَرَهُ، وَإِلَّا فَلَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ وَقَدْ فَسَدَ حَجُّهُ إِلَى قَابِلٍ إِذَا حَجَّ أَهْدَى. وَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: يُعَجِّلُ الْهَدْيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَيَقُولُ: مَا يَدْرِي مَا يَحْدُثُ عَلَيْهِ. وَالَّذِي أَقُولُ بِهِ: إِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ نَحَرَهُ، وَإِذَا حَجَّ مِنْ قَابِلٍ أَهْدَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ، وَكَذَلِكَ نَقَلَ الْأَثْرَمُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ إِخْرَاجُ الْكَفَّارَةِ فِي السَّنَةِ الَّتِي أَفْسَدَهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ كَفَارَّةٌ ثَانِيَةٌ فِي السَّنَةِ الَّتِي يَقْضِي فِيهَا، قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ -: إِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ نَحَرَهُ، وَيُهْدِي فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ: يَعْنِي بِهِ هَدْيًا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَوْلُهُ: يُهْدِي فِي السَّنَةِ: يَعْنِي يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: فَسَدَ حَجُّهُمَا وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَةٌ، وَالْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ إِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ، وَإِنِ اسْتَكْرَهَهَا كَفَّرَ عَنْهَا، وَأَحَجَّهَا مِنْ قَابِلٍ مِنْ مَالِهِ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ فِي الْعَامِ الْمَاضِي.
وَقِيلَ عَنْهُ: يُجْزِئُهُمَا بَدَنَةٌ وَاحِدَةٌ طَاوَعَتْهُ، أَمْ أَكْرَهَهَا؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الْإِفْسَادِ وَمُوَاقَعَةِ الْمَحْظُورِ، فَوَجَبَ إِخْرَاجُهُ حِينَئِذٍ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ بِفِعْلِ الْمَحْظُورَاتِ.
وَوَجْهُ الْمَنْصُوصِ: أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ الْمُرْسَلَيْنِ، وَآثَارَ الصَّحَابَةِ عَامَّتَهَا: إِنَّمَا فِيهَا الْأَمْرُ بِالْهَدْيِ مَعَ الْقَضَاءِ وَهِيَ الْعُمْدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ، لَكِنَّ بَعْضَ أَلْفَاظِهَا مُحْتَمَلَةٌ وَأَكْثَرُهَا مُفَسَّرٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ إِذَا وَجَبَ الْقَضَاءُ وَالْهَدْيُ: فَإِنَّمَا يُخْرِجُ الْهَدْيَ مَعَ الْقَضَاءِ كَهَدْيِ الْفَوَاتِ وَعَكْسُهُ الْإِحْصَارُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْهَدْيَ إِنَّمَا جُبْرَانٌ لِلْإِحْرَامِ، وَهَذَا الْإِحْرَامُ الْفَاسِدُ إِنَّمَا يَنْجَبِرُ بِالْقَضَاءِ وَالْهَدْيِ، بِخِلَافِ الْإِحْرَامِ الصَّحِيحِ فَإِنَّهُ يَنْجَبِرُ بِمُجَرَّدِ الْهَدْيِ. فَأَمَّا إِنْ أَتَى فِي الْإِحْرَامِ الْفَاسِدِ مَحْظُورًا مِثْلَ: اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ: فَإِنَّهُ يُخْرِجُهُ ... .
فَإِنْ أَخْرَجَ هَدْيَ الْفَسَادِ قَبْلَ الْقَضَاءِ ... ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ بِالْإِفْسَادِ إِلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ الْمُرْسَلَيْنِ وَسَائِرِ فَتَاوَى الصَّحَابَةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ ذِكْرُ هَدْيَيْنِ، وَهِيَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ، فَلَعَلَّهُمَا كَانَا قَدْ سَاقَا هَدْيًا، وَهَذَا لِأَنَّ.
فَإِنْ كَانَ هَذَا الْوَاطِئُ قَدْ سَاقَ هَدْيًا نَحَرَهُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى كَمَا يَقْضِي سَائِرَ الْمَنَاسِكِ، وَلَمْ يُجْزِهِ عَنْ هَدْيِ الْإِفْسَادِ، كَمَا لَا يُجْزِئُهُ عَنْ سَائِرِ الدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ دَمٌ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ مِنْ لِبَاسٍ أَوْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ: لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَضَاءُ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَإِنْ كَانَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ وَاجِبٍ؛ مِثْلُ: إِنْ أَحْرَمَ دُونَ الْمِيقَاتِ ثُمَّ أَفْسَدَ الْإِحْرَامَ، أَوْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ اللَّيْلِ، أَوْ تَرَكَ رَمْيَ الْجِمَارِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ بِفِعْلِ الْقَضَاءِ؟ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: يَسْقُطُ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ مِنْهَا فِي رَجُلٍ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ إِلَى مَكَّةَ ثُمَّ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَأَفْسَدَهَا: عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا يَرْجِعُ إِلَى الْوَقْتِ يُحْرِمُ مِنْهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَفَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِتَرْكِهِ الْوَقْتَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ: لَا.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّمَ قَائِمٌ مَقَامَ النُّسُكِ الْمَتْرُوكِ، فَإِذَا قَضَى مَا تَرَكَهُ: فَقَدْ قَامَ الْقَضَاءُ مَقَامَ مَا تَرَكَ فَأَغْنَى عَنِ الدَّمِ، بِخِلَافِ مَا وَجَبَ لِفِعْلٍ مَحْظُورٍ فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَحْظُورَ لَمْ يُخْرِجْ عَنْهُ كَفَّارَةً، وَبِخِلَافِ مَا لَوْ عَادَ إِلَى الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا، فَإِنَّ إِحْرَامَهُ قَدْ نَقَصَ نَقْصًا لَمْ يُجْبَرْ بِالْعَوْدِ إِلَيْهِ، وَهُنَا قَدْ أَحْرَمَ إِحْرَامًا مُبْتَدَأً مِنَ الْمِيقَاتِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَسْقُطُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ سُفْيَانَ فِي رَجُلٍ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَأَهَّلَ ثُمَّ جَامَعَ: عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْمِيقَاتَ، قَالَ أَحْمَدُ: عَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْمِيقَاتَ وَيَمْضِي فِي حَجَّتِهِ وَيَصْنَعُ مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ، وَيَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ فِي كُلِّ مَا أَتَى لِأَنَّ الْإِحْرَامَ قَائِمٌ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ.
وَهَذِهِ اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الدَّمَ الْوَاجِبَ بِتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ لَا يَسْقُطُ بِالْقَضَاءِ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ دُونَ الْمِيقَاتِ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْوَقْتِ مُحْرِمًا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْحَجَّةَ الْفَاسِدَةَ حُكْمُهَا حُكْمُ الصَّحِيحِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَجْبُرَهَا إِذَا تَرَكَ وَاجِبًا، أَوْ فَعَلَ مَحْظُورًا، فَلَوْ قُلْنَا: إِنَّ مَا يَفْعَلُهُ فِي قَضَائِهَا يَقُومُ مَقَامَ مَا يَفْعَلُهُ فِيهَا: لَكِنَّا لَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ إِتْمَامَ الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ. وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَضَاءُ يَقُومُ مَقَامَ مَا يَتْرُكُهُ فِي الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِيهَا، بَلْ قَدْ أَوْجَبَ الشَّرْعُ عَلَيْهِ إِتْمَامَ الْأُولَى وَقَضَاءَهَا.
وَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ثُمَّ وَطِئَ فَهَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ مَنْصُوصَتَيْنِ أَيْضًا:
إِحْدَاهُمَا: لَيْسَ عَلَيْهِ دَمُ مُتْعَةٍ وَلَا قِرَانٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّهُ عَلَى ذَلِكَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: فِيمَا إِذَا وَطِئَ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ أَوْ قَارِنٌ إِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ نَحَرَهُ، وَإِلَّا فَلَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ إِلَى قَابِلٍ فَإِذَا حَجَّا أَهْدَيَا، وَقَالَ أَيْضًا -: فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مُتَمَتِّعٍ دَخَلَ مَكَّةَ فَوَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فَقَالَ: لَا تَقُلْ: مُتَمَتِّعٌ وَلَكِنْ قُلْ: مُعْتَمِرٌ يَرْجِعُ إِلَى الْمِيقَاتِ الَّذِي أَهَلَّ مِنْهُ، فَيُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ.
فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ دَمَ التَّمَتُّعِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَرَفَّهْ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ سَفَرٌ آخَرُ فِي الْقَضَاءِ 30
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ سُفْيَانَ فِي رَجُلٍ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ جَامَعَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ أَقَامَ إِلَى الْحَجِّ: حَجَّ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِعُمْرَتِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ لِلْمُتْعَةِ لِأَنَّهُ أَفْسَدَهَا، فَقَالَ أَحْمَدُ: عَلَيْهِ دَمٌ لِلْمُتْعَةِ وَدَمٌ لِمَا أَفْسَدَ مِنَ الْعُمْرَةِ.
لِأَنَّ كُلَّ مَا وَجَبَ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي النُّسُكِ الصَّحِيحِ: وَجَبَ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي الْفَاسِدِ كَالطَّوَافِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِتْمَامِ الْفَاسِدِ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الصَّحِيحِ، إِلَّا فِي أَنَّ أَحَدَهُمَا حَصَلَ فِيهِ الْوَطْءُ فَأَفْسَدَهُ وَالْآخَرَ عَرِيَ عَنْ ذَلِكَ. فَعَلَى هَذَا: إِذَا أَحْرَمَ بِقِرَانِ الْقَضَاءِ فَهَلْ عَلَيْهِ دَمُ الْفَسَادِ، وَدَمُ الْقِرَانِ الْفَاسِدِ؟ كَلَامُ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ آخَرُ.
وَأَمَّا الْمُتَمَتِّعُ: فَإِنْ كَانَ قَدْ وَطِئَ فِي الْعُمْرَةِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا. فَإِذَا قَضَاهَا
فَإِنْ لَمْ يَقْضِهَا قَبْلَ الْحَجِّ: فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ نَصَّ عَلَيْهِ .. .

(فَصْلٌ)
وَالدَّمُ الْوَاجِبُ بِالْوَطْءِ وَنَحْوِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا: بَدَنَةٌ مَعَ الْإِفْسَادِ، وَالثَّانِي:شَاةٌ مَعَ الْإِفْسَادِ، وَالثَّالِثُ: بَدَنَةٌ بِلَا إِفْسَادٍ، وَالرَّابِعُ: شَاةٌ بِلَا إِفْسَادٍ.

(فَصْلٌ)
وَعَلَيْهِمَا أَنْ يَتَفَرَّقَا فِي الْقَضَاءِ؛ قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - فِي الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ مُهِلًّا بِالْحَجِّ: يُهِلَّانِ مِنْ قَابِلٍ وَيَتَفَرَّقَانِ، وَأَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُمَا هَدْيٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ - فِي الرَّجُلِ يُصِيبُ أَهْلَهُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ: يَتَفَرَّقَانِ إِذَا عَادَا إِلَى الْحَجِّ فِي النُّزُولِ وَالْمَحْمَلِ وَالْفُسْطَاطِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
لِأَنَّ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ الْمُرْسَلَيْنِ: فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «اقْضِيَا نُسُكَكُمَا وَأَهْدِيَا هَدْيًا ثُمَّ ارْجِعَا حَتَّى إِذَا جِئْتُمَا الْمَكَانَ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا فَتَفَرَّقَا وَلَا يَرَى وَاحِدٌ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ وَعَلَيْكُمَا حَجَّةٌ أُخْرَى، فَتُقْبِلَانِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا بِالْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا فَأَحْرِمَا» ". وَفِي الْآخَرِ فَقَالَ لَهُمَا: " «أَتِمَّا حَجَّكُمَا ثُمَّ ارْجِعَا وَعَلَيْكُمَا حَجَّةٌ أُخْرَى مِنْ قَابِلٍ حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فَأَحْرِمَا وَتَفَرَّقَا، وَلَا يَرَى وَاحِدٌ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ أَتِمَّا مَنَاسِكَكُمَا وَأَهْدِيَا» ".
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ: " «يَقْضِيَانِ حَجَّهُمَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَجِّهِمَا - ثُمَّ يَرْجِعَانِ حَلَالًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ حَلَالًا حَتَّى إِذَا كَانَا مِنْ قَابِلٍ حَجَّا وَأَهْدَيَا، وَتَفَرَّقَا مِنْ حَيْثُ أَصَابَا فَلَمْ يَجْتَمِعَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا» ".
وَفِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «اقْضِيَا مَا عَلَيْكُمَا مِنْ نُسُكِكُمَا هَذَا، وَعَلَيْكُمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، فَإِذَا أَتَيْتُمَا الْمَكَانَ الَّذِي فَعَلْتُمَا فِيهِ مَا فَعَلْتُمَا، فَتَفَرَّقَا وَلَا تَجْتَمِعَانِ حَتَّى تَقْضِيَانِ نُسُكَكُمَا» وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ: وَلَا يَمُرَّانِ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَا إِلَّا وَهُمَا مُحْرِمَانِ، وَيَتَفَرَّقَانِ إِذَا أَحْرَمَا. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ: وَيُحْرِمَانِ مِنْ حَيْثُ كَانَا أَحْرَمَا وَيَتَفَرَّقَانِ.
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتَيْبَةَ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ قَالَ: عَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ ثُمَّ يَتَفَرَّقَانِ مِنْ حَيْثُ يُحْرِمَانِ وَلَا يَجْتَمِعَانِ حَتَّى يَقْضِيَا مَنَاسِكَهُمَا وَعَلَيْهِمَا الْهَدْيُ. رَوَاهُ النَّجَّادُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: يَتَفَرَّقَانِ وَلَا يَجْتَمِعَانِ إِلَّا وَهُمَا حَلَالَانِ وَيَنْحَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزُورًا، وَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ يُحْرِمَانِ بِمِثْلِ مَا كَانَا أَحْرَمَا بِهِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، فَإِذَا مَرَّا بِالْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ تَفَرَّقَا فَلَمْ يَجْتَمِعَا إِلَّا وَهُمَا حَلَالَانِ.
وَذَكَرَ مَالِكٌ عَنْ عَلِيٍّ: فَإِذَا أَهَلَّا بِالْحَجِّ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ تَفَرَّقَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا " فَهَذِهِ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ مَعَ الْمُرْسَلِ الْمَرْفُوعِ لَا يُعْرَفُ أَثَرٌ صَرِيحٌ يُخَالِفُ ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا جَامَعَهَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي وَاقَعَهَا فِيهِ: لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ تَتَكَرَّرَ تِلْكَ الْحَالُ فَتَدْعُوهُ نَفْسُهُ إِلَى مُوَاقَعَتِهَا، فَيُفْسِدَ الْحَجَّةَ الثَّانِيَةَ كَمَا أَفْسَدَ الْأُولَى، فَإِنَّ رُؤْيَةَ الْأَمْكِنَةِ تُذَكِّرُ بِالْأَحْوَالِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا، وَشَهْوَةُ الْجِمَاعِ إِذَا هَاجَتْ فَهِيَ لَا تَنْضَبِطُ وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي الطِّبَاعِ، وَذَكَرَ الشُّعَرَاءُ ذَلِكَ فِي أَشْعَارِهِمْ حَتَّى قِيلَ: إِنَّ سَبَبَ حُبِّ الْوَطَنِ مَا قَضَتْهُ النَّفْسُ مِنَ الْأَوْطَارِ فِيهِ، وَرُبَّمَا قَدْ جَرَّبَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ مُفَارَقَةَ الْحَالِ وَالْمَكَانِ الَّذِي عَصَى اللَّهَ فِيهِ مِنْ تَمَامِ التَّوْبَةِ.

وَأَيْضًا: فَإِنَّهُمَا لَمَّا اجْتَمَعَا عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ: كَانَ مِنْ تَوْبَتِهِمَا أَنْ يَتَفَرَّقَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67]، وَقَدْ قَالَ طَاوُسٌ: مَا اجْتَمَعَ رَجُلَانِ عَلَى غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا تَفَرَّقَا عَنْ ثِقَالٍ فَإِنْ تَعَجَّلَا ذَلِكَ الثِّقَالَ فِي الدُّنْيَا كَانَ خَيْرًا لَهُمَا مِنْ تَأْخِيرِهِ إِلَى الْآخِرَةِ.
فَعَلَى هَذَا: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُفَارِقَهَا فِي الْإِحْرَامِ الْفَاسِدِ، وَبَعْدَ رُجُوعِهَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِحَجَّةِ الْقَضَاءِ. فَأَمَّا أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ الْمُرْسَلَيْنِ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ .... فَإِذَا أَحْرَمَا بِالْقَضَاءِ فَهَلْ يُفَارِقُهَا مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ، أَوْ إِذَا بَلَغَا مَكَانَ الْإِصَابَةِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ذَكَرَهُمَا
؛ إِحْدَاهُمَا: مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ وَحَدِيثِ ابْنِ الْعَبَّاسِ، وَلِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِمَا فَسَادُ الْإِحْرَامِ فِي أَوَّلِهِ كَمَا يُخَافُ عَلَيْهِمَا فِي آخِرِهِ وَالثَّانِيَةُ: مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَعَامَّةُ ... ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي الْمَرْفُوعِ: حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا فَتَفَرَّقَا. وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ هُوَ أَجْوَدُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَلَعَلَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ: بِأَنْ يَكُونَ التَّفَرُّقُ مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ مُسْتَحَبًّا، وَمِنْ مَوْضِعِ الْإِصَابَةِ وَاجِبًا، وَلَعَلَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّفَرُّقُ فِي الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ. وَلَا يَزَالَانِ مُتَفَرِّقَيْنِ إِلَى حِينِ الْإِحْلَالِ الثَّانِي لِأَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ فَالْجِمَاعُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، وَيَتَوَجَّهُ.
وَصِفَةُ التَّفَرُّقِ - عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ -: أَنْ لَا يَجْتَمِعَا فِي مَحْمَلٍ، وَلَا فُسْطَاطٍ فِي الرُّكُوبِ، وَلَا فِي النُّزُولِ، وَفِي الْمُرْسَلِ: أَنْ لَا يَرَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ
فَأَمَّا كَوْنُهُمَا فِي رُفْقَةٍ، أَوْ فِي قِطَارٍ؛ فَلَا يَضُرُّهُمَا.
وَهَلْ هَذَا التَّفَرُّقُ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ خَرَّجَهَا ابْنُ حَامِدٍ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي ذَلِكَ ... .

[مَسْأَلَةٌ المرأة كالرجل في محظورات الإحرام إلا في لبس المخيط وتخمير الرأس]
مَسْأَلَةٌ: (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، إِلَّا أَنَّ إِحْرَامَهَا فِي وَجْهِهَا وَلَهَا لُبْسُ الْمَخِيطِ).
فِي هَذَا الْكَلَامِ فُصُولٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَرْأَةَ فِي تَحْرِيمِ الطِّيبِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ، وَالْحَلْقِ، وَالْمُبَاشَرَةِ؛ كَالرَّجُلِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا؛ وَلِأَنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا حُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ مَوْجُودَةٌ فِي الْمَرْأَةِ وَرُبَّمَا كَانَتْ أَشَدَّ.
الثَّانِي: أَنَّهَا لَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا لُبْسُ الْمَخِيطِ، وَلَا تَخْمِيرُ الرَّأْسِ؛ فَلَهَا أَنْ تَلْبَسَ الْخُفَّيْنِ وَالْقَمِيصَ لِمَا تَقَدَّمَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مُحْتَاجَةٌ إِلَى سَتْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ وَلَا يَحْصُلُ سَتْرُهُ فِي الْعَادَةِ إِلَّا مَا صُنِعَ عَلَى قَدْرِهِ، وَلَوْ كُلِّفَتِ السَّتْرَ بِغَيْرِ الْمَخِيطِ لَشَقَّ عَلَيْهَا مَشَقَّةً شَدِيدَةً. وَلَمَّا كَانَ السَّتْرُ وَاجِبًا وَهُوَ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ لَمْ يَكُنْ مَحْظُورًا فِي الْإِحْرَامِ، وَسَقَطَ عَنْهُنَّ التَّجَرُّدُ كَمَا سَقَطَ اسْتِحْبَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْإِهْلَالِ وَالصُّعُودِ عَلَى مُزْدَلِفَةَ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ بُرُوزِهَا وَظُهُورِهَا.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ إِحْرَامَهَا فِي وَجْهِهَا، فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَلْبَسَ النِّقَابَ وَالْبُرْقُعَ وَهَذَا إِجْمَاعٌ.

قَالَ أَصْحَابُنَا: وَسَتْرُ رَأْسِهَا وَاجِبٌ، فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي حَقِّهَا سَتْرُ الرَّأْسِ، وَوُجُوبُ كَشْفِ الْوَجْهِ، وَلَا يُمْكِنُ تَكْمِيلُ أَحَدِهِمَا إِلَّا بِتَفْوِيتِ تَكْمِيلِ الْآخَرِ. فَيَجِبُ أَنْ تُكْمِلَ الرَّأْسَ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ كَمَا وَجَبَ أَنْ تَسْتُرَ سَائِرَ الْبَدَنِ وَلَا تَتَجَرَّدَ؛ وَلِأَنَّ الْمَحْظُورَ أَنْ تَسْتُرَ الْوَجْهَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ كَمَا سَيَأْتِي. وَسَتْرُ شَيْءٍ يَسِيرٍ مِنْهُ تَبَعًا لِلرَّأْسِ لَا يُعَدُّ سَتْرًا لِلْوَجْهِ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ: فَلَا بَأْسَ أَنْ تَطُوفَ مُنْتَقِبَةً نَصَّ عَلَيْهِ.
فَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى سَتْرِ الْوَجْهِ، مِثْلُ أَنْ يَمُرَّ بِهَا الرِّجَالُ وَتَخَافُ أَنْ يَرَوْا وَجْهَهَا، فَإِنَّهَا تُرْسِلُ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا ثَوْبًا، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: وَإِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ، وَمَنْ نَامَ فَوَجَدَ رَأْسَهُ مُغَطًّى فَلَا بَأْسَ وَالْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ. يُخَمِّرُ أَسْفَلَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ وَأَسْفَلَ مِنَ الْأَنْفِ.
وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ". فَاذْهَبْ إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا لَا تَنْتَقِبُ، وَتَتَبَرْقَعُ، وَتُسْدِلُ الثَّوْبَ عَلَى رَأْسِهَا مِنْ فَوْقُ، وَتَلْبَسُ مِنْ خَزِّهَا وَمُعَصْفَرِهَا وَحُلِيِّهَا فِي إِحْرَامِهَا» مِثْلُ قَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَذَلِكَ لِمَا «رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَلَوْ فَعَلَتْ ذَلِكَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ جَازَ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إِنِ احْتَاجَتْ سَدَلَتْ لَكِنْ عَلَيْهَا أَنْ تُجَافِيَ مَا تُسْدِلُهُ عَنِ الْبَشَرَةِ، فَإِنْ أَصَابَ الْبَشَرَةَ بِاخْتِيَارِهَا افْتَدَتْ، وَإِنْ وَقَعَ الثَّوْبُ عَلَى الْبَشَرَةِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا: رَفَعَتْهُ بِسُرْعَةٍ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ غَطَّى.
فَإِنْ لَمْ تَرْفَعْهُ عَنْ وَجْهِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ افْتَدَتْ، هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ وَأَكْثَرِ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا، وَحَمَلُوا مُطْلَقَ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَالَ: إِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ، وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا، قَالُوا: لِأَنَّ وَجْهَ الْمَرْأَةِ كَرَأْسِ الرَّجُلِ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ.
وَرَأْسُ الرَّجُلِ لَا يَجُوزُ تَخْمِيرُهُ بِمَخِيطٍ وَلَا غَيْرِ مَخِيطٍ فَكَذَلِكَ وَجْهُ الْمَرْأَةِ. لَكِنَّ مُوجَبَ هَذَا الْقِيَاسِ أَنْ لَا تُخَمِّرَ وَجْهَهَا بِشَيْءٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ كَرَأْسِ الرَّجُلِ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ: جَوَازُ الْإِسْبَالِ سَوَاءٌ وَقَعَ عَلَى الْبَشَرَةِ أَوْ لَمْ يَقَعْ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: تُسْدِلُ الثَّوْبَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إِحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا فَلَا تُغَطِّيهِ وَلَا تَتَبَرْقَعُ، فَإِنِ احْتَاجَتْ سَدَلَتْ عَلَى وَجْهِهَا؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ ذَكَرَتْ أَنَّهُنَّ كُنَّ يُدْلِينَ جَلَابِيبَهُنَّ عَلَى وُجُوهِهِنَّ مِنْ رُؤُوسِهِنَّ، وَلَمْ تَذْكُرْ مُجَافَاتَهَا. فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ؛ لَا سِيَّمَا وَهُوَ لَمْ يُذْكَرْ، مَعَ أَنَّ الْحَاجَةَ وَالظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يُفْعَلْ؛ لِأَنَّ الْجِلْبَابَ مَتَى أُرْسِلَ مَسَّ بِبَشَرَةِ الْوَجْهِ؛ وَلِأَنَّ فِي مُجَافَاتِهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، وَالْحَاجَةُ إِلَى سَتْرِ الْوَجْهِ عَامَّةٌ. وَكُلُّ مَا احْتِيجَ إِلَيْهِ لِحَاجَةٍ عَامَّةٍ: أُبِيحَ مُطْلَقًا كَلُبْسِ السَّرَاوِيلِ وَالْخُفِّ. فَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ إِنْ بَاشَرَ لِغَيْرِ حَاجَةِ السَّتْرِ.
وَلِأَنَّ وَجْهَ الْمَرْأَةِ كَبَدَنِ الرَّجُلِ وَكَيَدِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ». وَلَمْ يَنْهَهَا عَنْ تَخْمِيرِ الْوَجْهِ مُطْلَقًا. فَمَنِ ادَّعَى تَحْرِيمَ تَخْمِيرِهِ مُطْلَقًا: فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، بَلْ تَخْصِيصُ النَّهْيِ بِالنِّقَابِ، وَقِرَانُهُ بِالْقُفَّازِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَاهَا عَمَّا صُنِعَ لِسَتْرِ الْوَجْهِ كَالْقُفَّازِ الْمَصْنُوعِ لِسَتْرِ الْيَدِ، وَالْقَمِيصِ الْمَصْنُوعِ لِسَتْرِ الْبَدَنِ.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,527.77 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,526.05 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.11%)]