|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ المجلد الرابع الحلقة (311) سُورَةُ الْحَجِّ صـ 264 إلى صـ 270 [ ص: 264 ] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ويهديه إلى عذاب السعير [ 22 \ 4 ] يدل على أن الهدى كما أنه يستعمل في الإرشاد والدلالة على الخير ، يستعمل أيضا في الدلالة على الشر ، لأنه قال : ويهديه إلى عذاب السعير ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى : فاهدوهم إلى صراط الجحيم [ 37 \ 23 ] ، وقوله تعالى : وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار الآية [ 28 \ 41 ] لأن الإمام هو من يقتدى به في هديه وإرشاده . وإطلاق الهدى في الضلال كما ذكرنا أسلوب عربي معروف وكلام البلاغيين في مثل ذلك ، بأن فيه استعارة عنادية ، وتقسيمهم العنادية إلى تهكمية وتمليحية معروف ، كما أشرنا إليه سابقا ، وقوله تعالى : كل شيطان مريد [ 22 \ 3 ] قد أوضحنا معنى الشيطان في سورة الحجر ، والمريد والمارد في اللغة العربية : العاتي ، تقول : مرد الرجل - بالضم - يمرد ، فهو مارد ومريد : إذا كان عاتيا . والظاهر أن الشيطان في هذه الآية ، يشمل كل عات يدعو إلى عذاب السعير ويضل عن الهدى ، سواء كان من شياطين الجن أو الإنس ، والله تعالى أعلم . قوله تعالى ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا . هذه الآية الكريمة والآيات التي بعدها ، تدل على أن جدال الكفار المذكور في قوله : ومن الناس من يجادل في الله بغير علم يدخل فيه جدالهم في إنكار البعث ، زاعمين أنه جل وعلا لا يقدر أن يحيي العظام الرميم ، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ، كما قال تعالى : وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم [ 36 \ 78 ] وكقوله تعالى عنهم : وما نحن بمبعوثين [ 6 \ 29 ] ، وقوله : وما نحن بمنشرين [ 44 \ 35 ] ونحو ذلك من الآيات ، كما قدمنا الإشارة إليه قريبا . ولأجل ذلك أقام تعالى البراهين العظيمة على بعث الناس من قبورهم أحياء إلى عرصات القيامة للحساب ، والجزاء فقال جل وعلا : ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب [ 22 \ 5 ] فمن أوجدكم الإيجاد الأول ، وخلقكم من التراب لا شك أنه قادر على إيجادكم ، وخلقكم مرة ثانية ، بعد أن بليت عظامكم ، [ ص: 265 ] واختلطت بالتراب ; لأن الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من ابتداء الفعل ، وهذا البرهان القاطع على القدرة على البعث - الذي هو خلقه تعالى للخلائق المرة الأولى - المذكور هنا ، جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه [ 30 \ 27 ] ، وقوله : قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم [ 36 \ 79 ] ، وقوله تعالى : كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين [ 21 \ 104 ] ، وقوله : فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة [ 17 \ 51 ] ، وقوله تعالى : أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد [ 50 \ 15 ] ، وقوله تعالى : ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون [ 56 \ 62 ] ، وقوله : ألم يك نطفة من مني يمنى إلى قوله : أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى [ 75 \ 40 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا ، وقد أوضحنا ذلك في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك في سورة البقرة ، وسورة النحل وغيرهما ، ولأجل قوة دلالة هذا البرهان المذكور على البعث بين جل وعلا أن من أنكر البعث فهو ناس للإيجاد الأول كقوله : وضرب لنا مثلا ونسي خلقه [ 36 \ 78 ] ، إذ لو تذكر الإيجاد الأول على الحقيقة ، لما أمكنه إنكار الإيجاد الثاني ، وكقوله : ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا [ 19 \ 66 - 67 ] إذ لو تذكر ذلك تذكرا حقيقيا لما أنكر الخلق الثاني ، وقوله في هذه الآية الكريمة : إن كنتم في ريب من البعث [ 22 \ 5 ] ؛ أي في شك من أن الله يبعث الأموات ، فالريب في القرآن يراد به الشك ، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : فإنا خلقناكم من تراب قد قدمنا في سورة طه : أن التحقيق في معنى خلقه للناس من تراب ، أنه خلق أباهم آدم منها ، ثم خلق منه زوجه ، ثم خلقهم منهما عن طريق التناسل ، كما قال تعالى : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب [ 3 \ 59 ] فلما كان أصلهم الأول من تراب ، أطلق عليهم أنه خلقهم من تراب ; لأن الفروع تبع للأصل . وقد بينا في طه أيضا أن قول من زعم أن معنى خلقه إياهم من تراب : أنه خلقهم من النطف ، والنطف من الأغذية ، والأغذية راجعة إلى التراب - غير صحيح ، وقد بينا هناك الآيات الدالة على بطلان هذا القول . وقد ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أطوار خلق الإنسان ، فبين أن ابتداء خلقه من [ ص: 266 ] تراب كما أوضحنا آنفا ، فالتراب هو الطور الأول . والطور الثاني هو النطفة ، والنطفة في اللغة : الماء القليل ، ومنه قول الشاعر وهو رجل من بني كلاب : وما عليك إذا أخبرتني دنفا وغاب بعلك يوما أن تعوديني وتجعلي نطفة في القعب باردة وتغمسي فاك فيها ثم تسقيني فقوله : وتجعلي نطفة ؛ أي : ماء قليلا في القعب ، والمراد بالنطفة في هذه الآية الكريمة : نطفة المني ، وقد قدمنا في سورة النحل : أن النطفة مختلطة من ماء الرجل وماء المرأة ، خلافا لمن زعم أنها من ماء الرجل وحده . الطور الثالث : العلقة ، وهي القطعة من العلق ، وهو الدم الجامد ، فقوله : ثم من علقة [ 22 \ 5 ] ؛ أي قطعة دم جامدة ، ومن إطلاق العلق على الدم المذكور قول زهير : إليك أعملتها فتلا مرافقها شهرين يجهض من أرحامها العلق الطور الرابع : المضغة : وهي القطعة الصغيرة من اللحم ، على قدر ما يمضغه الآكل ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : " إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله " الحديث . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : مخلقة وغير مخلقة في معناه أوجه معروفة عند العلماء ، سنذكرها هنا إن شاء الله ، ونبين ما يقتضي الدليل رجحانه . منها أن قوله : مخلقة وغير مخلقة صفة للنطفة ، وأن المخلقة هي ما كان خلقا سويا ، وغير المخلقة هي ما دفعته الأرحام من النطف ، وألقته قبل أن يكون خلقا ، وممن روي عنه هذا القول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، نقله عنه ابن جرير وغيره ، ولا يخفى بعد هذا القول ; لأن المخلقة وغير المخلقة من صفة المضغة ، كما هو ظاهر . ومنها : أن معنى ( مخلقة ) تامة ، و ( غير مخلقة ) أي : غير تامة ، والمراد بهذا القول عند قائله : أن الله جل وعلا يخلق المضغ متفاوتة ، منها ما هو كامل الخلقة ، سالم من العيوب ، ومنها ما هو على عكس ذلك ، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم ، وصورهم ، وطولهم ، وقصرهم ، وتمامهم ، ونقصانهم . وممن روي عنه هذا القول : قتادة كما نقله عنه ابن جرير وغيره ، وعزاه الرازي لقتادة والضحاك . ومنها : أن معنى مخلقة مصورة إنسانا ، وغير مخلقة ؛ أي : غير مصورة إنسانا كالسقط الذي هو مضغة ، ولم يجعل له تخطيط وتشكيل ، وممن نقل عنه هذا القول : مجاهد ، والشعبي ، وأبو العالية ، كما نقله [ ص: 267 ] عنهم ابن جرير الطبري . ومنها : أن المخلقة : هي ما ولد حيا ، وغير المخلقة : هي ما كان من سقط . وممن روي عنه هذا القول : ابن عباس رضي الله عنهما . وقال صاحب الدر المنثور : إنه أخرجه عنه ابن أبي حاتم وصححه ونقله عنه القرطبي ، وأنشد لذلك قول الشاعر : أفي غير المخلقة البكاء فأين الحزم ويحك والحياء وقال أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : المخلقة : المصورة خلقا تاما . وغير المخلقة : السقط قبل تمام خلقه ; لأن المخلقة وغير المخلقة من نعت المضغة ، والنطفة بعد مصيرها مضغة لم يبق لها حتى تصير خلقا سويا إلا التصوير . وذلك هو المراد بقوله : مخلقة وغير مخلقة [ 22 \ 5 ] خلقا سويا ، وغير مخلقة : بأن تلقيه الأم مضغة بلا تصوير ، ولا ينفخ الروح . انتهى منه . وهذا القول الذي اختاره ابن جرير ، اختاره أيضا غير واحد من أهل العلم . قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : هذا القول الذي اختاره الإمام الجليل الطبري رحمه الله تعالى ، لا يظهر صوابه ، وفي نفس الآية الكريمة قرينة تدل على ذلك ، وهي قوله جل وعلا في أول الآية : فإنا خلقناكم من تراب [ 22 \ 5 ] لأنه على القول المذكور الذي اختاره الطبري يصير المعنى : ثم خلقناكم من مضغة مخلقة ، وخلقناكم من مضغة غير مخلقة . وخطاب الناس بأن الله خلق بعضهم من مضغة غير مصورة ، فيه من التناقض كما ترى ; فافهم . فإن قيل : في نفس الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بغير المخلقة : السقط ; لأن قوله : ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى [ 22 \ 5 ] يفهم منه أن هناك قسما آخر لا يقره الله في الأرحام ، إلى ذلك الأجل المسمى ، وهو السقط . فالجواب : أنه لا يتعين فهم السقط من الآية ; لأن الله يقر في الأرحام ما يشاء أن يقره إلى أجل مسمى ، فقد يقره ستة أشهر ، وقد يقره تسعة ، وقد يقره أكثر من ذلك كيف شاء . أما السقط : فقد دلت الآية على أنه غير مراد بدليل قوله : فإنا خلقناكم ; لأن السقط الذي تلقيه أمه ميتا ، ولو بعد التشكيل والتخطيط ، لم يخلق الله منه إنسانا واحدا من المخاطبين بقوله : فإنا خلقناكم من تراب الآية . فظاهر القرآن يقتضي أن كلا من [ ص: 268 ] المخلقة وغير المخلقة : يخلق منه بعض المخاطبين في قوله : ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة الآية . وبذلك تعلم أن أولى الأقوال في الآية هو القول الذي لا تناقض فيه ; لأن القرآن أنزل ليصدق بعضه بعضا ، لا ليتناقض بعضه مع بعض ، وذلك هو القول الذي قدمنا عن قتادة والضحاك ، وقد اقتصر عليه الزمخشري في الكشاف ، ولم يحك غيره . وهو أن المخلقة هي التامة ، وغير المخلقة هي غير التامة . قال الزمخشري في الكشاف : والمخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب ، يقال : خلق السواك والعود : إذا سواه وملسه . من قولهم : صخرة خلقاء : إذا كانت ملساء ، كأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة ; منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ، ومنها ما هو على عكس ذلك ، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم . انتهى منه . وهذا المعنى الذي ذكره الزمخشري معروف في كلام العرب ، تقول العرب : حجر أخلق ؛ أي : أملس مصمت لا يؤثر فيه شيء ، وصخرة خلقاء بينة الخلق ؛ أي : ليس فيها وصم ، ولا كسر ، ومنه قول الأعشى : قد يترك الدهر في خلقاء راسية وهيا وينزل منها الأعصم الصدعا و " الدهر " في البيت فاعل " يترك " والمفعول به : وهيا . يعني : أن صرف الدهر قد يؤثر في الحجارة الصم السالمة من الكسر والوصم ، فيكسرها ويوهيها ، ويؤثر في العصم من الأوعال برءوس الجبال ، فينزلها من معاقلها ، ومن ذلك أيضا قول ابن أحمر يصف فرسا ، وقد أنشده صاحب اللسان للمعنى المذكور : بمقلص درك الطريدة متنه كصفا الخليقة بالفضاء الملبد فقوله : كصفا الخليقة ، يعني : أن متن الفرس المذكور كالصخرة الملساء التي لا كسر فيها ولا وصم ، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته . والسهم المخلق : هو الأملس المستوي . قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : وهذا القول هو أولى الأقوال بالصواب - فيما يظهر لي - لجريانه على اللغة التي نزل بها القرآن ، وسلامته من التناقض ، والله جل وعلا أعلم . [ ص: 269 ] وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة : لنبين لكم ؛ أي : لنبين لكم بهذا النقل من طور إلى طور ، كمال قدرتنا على البعث بعد الموت ، وعلى كل شيء ، لأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا ، ثم من نطفة ثانيا ، مع ما بين النطفة والتراب من المنافاة والمغايرة ، وقدر على أن يجعل النطفة علقة ، مع ما بينهما من التباين والتغاير ، وقدر على أن يجعل العلقة مضغة ، والمضغة عظاما ، فهو قادر بلا شك على إعادة ما بدأه من الخلق ، كما هو واضح . وقوله : لنبين الظاهر أنه متعلق بـ " خلقناكم " في قوله : ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ؛ أي : خلقناكم خلقا من بعد خلق على التدريج المذكور لنبين لكم قدرتنا على البعث وغيره . وقال الزمخشري مبينا نكتة حذف مفعول " لنبين لكم " ما نصه : وورود الفعل غير معدى إلى المبين إعلام بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه ما لا يكتنهه الذكر ، ولا يحيط به الوصف . انتهى منه . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى [ 22 \ 5 ] ؛ أي : نقر في أرحام الأمهات ما نشاء إقراره فيها من الأحمال والأجنة إلى أجل مسمى ؛ أي : معلوم معين في علمنا ، وهو الوقت الذي قدره الله لوضع الجنين ، والأجنة تختلف في ذلك حسبما يشاؤه الله جل وعلا ، فتارة تضعه أمه لستة أشهر ، وتارة لتسعة ، وتارة لأكثر من ذلك . وما لم يشأ الله إقراره من الحمل مجته الأرحام وأسقطته ، ووجه رفع " ونقر " أن المعنى : ونحن نقر في الأرحام ، ولم يعطف على قوله : لنبين لكم لأنه ليس علة لما قبله ، فليس المراد : خلقناكم من تراب ، ثم من نطفة ، لنقر في الأرحام ما نشاء ، وبذلك يظهر لك رفعه ، وعدم نصبه ، وقراءة من قرأ : ونقر بالنصب عطفا على : لنبين ، على المعنى الذي نفيناه على قراءة الرفع ، ويؤيد معنى قراءة النصب قوله بعده ثم لتبلغوا أشدكم وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ثم نخرجكم طفلا ؛ أي : وذلك بعد أن يخلق الله المضغة عظاما ، ثم يكسو العظام لحما ، ثم ينشئ ذلك الجنين خلقا آخر ، فيخرجه من بطن أمه في الوقت المعين لوضعه في حال كونه طفلا ؛ أي : ولدا بشرا سويا . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ثم لتبلغوا أشدكم ؛ أي : لتبلغوا كمال قوتكم وعقلكم وتمييزكم بعد إخراجكم من بطون أمهاتكم في غاية الضعف وعدم علم شيء . [ ص: 270 ] وقد قدمنا أقوال العلماء في المراد بالأشد ، وهل هو جمع أو مفرد مع بعض الشواهد العربية في سورة الأنعام ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . وقوله تعالى في هذه الآية : ومنكم من يتوفى [ 22 \ 5 ] ؛ أي : ومنكم أيها الناس من يتوفى من قبل ؛ أي : من قبل بلوغه أشده ، ومنكم من ينسأ له في أجله ، فيعمر حتى يهرم فيرد من بعد شبابه وبلوغه غاية أشده إلى أرذل العمر ، وهو الهرم ، حتى يعود كهيئته في حال صباه من الضعف ، وعدم العلم . وقد أوضحنا كلام العلماء في أرذل العمر ومعنى : لكيلا يعلم من بعد علم شيئا في سورة النحل ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . وهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من الاستدلال على كمال قدرته على بعث الناس بعد الموت وعلى كل شيء ، بنقله الإنسان من طور إلى طور ، من تراب ، ثم من نطفة ، ثم من علقة إلى آخر الأطوار المذكورة ، ذكره جل وعلا في مواضع من كتابه مبينا أنه من البراهين القطعية على قدرته ، على البعث وغيره . فمن الآيات التي ذكر فيها ذلك من غير تفصيل لتلك الأطوار قوله تعالى : كلا إنا خلقناهم مما يعلمون [ 70 \ 39 ] ، وقوله تعالى : ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا [ 71 \ 13 - 14 ] ؛ أي : طورا بعد طور كما بينا . وقوله تعالى : خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون [ 39 \ 6 ] ، وقوله في آية الزمر هذه في ظلمات ثلاث ؛ أي : ظلمة البطن ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة . فقد ركب تعالى عظام الإنسان بعضها ببعض ، وكساها اللحم ، وجعل فيها العروق والعصب ، وفتح مجاري البول والغائط ، وفتح العيون والآذان والأفواه وفرق الأصابع وشد رءوسها بالأظفار إلى غير ذلك من غرائب صنعه وعجائبه ، وكل هذا في تلك الظلمات الثلاث ، لم يحتج إلى شق بطن أمه وإزالة تلك الظلمات . ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |