|
|||||||
| ملتقى الإنشاء ملتقى يختص بتلخيص الكتب الاسلامية للحث على القراءة بصورة محببة سهلة ومختصرة بالإضافة الى عرض سير واحداث تاريخية عربية وعالمية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القران" (62) مثنى محمد الهبيان (إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ٦٢) السؤال الأول:لِمَ عبّر تعالى في هذه الآية بـ (وَٱلَّذِينَ هَادُواْ) [البقرة:62] ولم يقل اليهود؟ الجواب: في هذا التعبير إشارة إلى أنهم ليسوا اليهود، وإنما هم الذين انتسبوا إلى اليهود ولم يكونوا من سبط يهوذا أكبر أولاد يعقوب عليه السلام. والنصارى جمع (نصرى)، نسبة إلى الناصرة، وهي قرية نشأت فيها مريم عليها السلام أم المسيح، وقد خرجت مريم من الناصرة قاصدة البيت المقدس فولدت المسيح في بيت لحم، ولذا سمي عيسى: يسوع الناصري، ومن ثَمَّ أُطلق على أتباعه اسم: النصارى. السؤال الثاني: ما وجه الاختلاف من الناحية البيانية بين آية 62 في سورة البقرة، وآية 69 في سورة المائدة وآية الحج 17؟ ولماذا النصب والرفع في: (الصابئين) و(الصابئون)؟وما دلالة التقديم والتأخير؟ الجواب: جاء ذكر كلمة (الصابئين) في القرآن في ثلاث آيات، لكن بصور مختلفة: ![]() والجواب أنه: 1ـ في آية البقرة ( 62 ) جاءت كلمة (وَٱلصَّٰبِِٔينَ) بالنصب والعطف على اسم إنّ باللفظ، وجاءت في الوضع العادي بعد اليهود والنصارى , فالتسلسل هو المناسب تاريخياً. بينما رفع (وَٱلصَّٰبُِٔونَ) في آية المائدة على غير إرادة التوكيد، ولو أراد التوكيد لنصبها , وذلك لأنّ الصابئين هم أبعد المذكورين عن الإيمان، أي: أقلهم منزلة فقلّل التوكيد لهم؛ أي: أنّ الله جعل موازنة في آية المائدة فقدّم الصابئين ولم يؤكدهم ولم يعطهم الأولوية ليكون مقامهم كما في آية سورة البقرة مؤخرين على من ذُكر معهم , وأخّر النصارى وأكّدهم, بينما في سورة البقرة قدّم النصارى وأكّدهم وأخّر الصابئين، لكنْ جعلهم ملحوقين بالنصارى. 2ـ التقديم كان لمقتضى السياق وليس التقديم للأفضل, والسياق في سورة المائدة هو ذم عقائد النصارى وأنهم كفروا بالله وجعلوا له شركاء, فأخّر النصارى لتقترب الكلمة من متابعة ذم عقائد النصارى, قال تعالى: (لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ٧٢ لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ٧٣﴾ [المائدة:72-73]. لذلك رفع (الصابئون) للدلالة على أنهم أبعد المذكورين في الضلال؛ ولأنهم أقل منزلة، وأخّر النصارى لمتابعة السياق في ذم عقائدهم. وكلمة (الصابئون) تعرب مبتدأ، وقد تكون اعتراضية وخبرها محذوف بمعنى: والصابئون كذلك. 3ـ الدليل على أنّ التقديم ليس من الضروري أنْ يكون للتفضيل قوله تعالى في سورة الحج: (ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ٤٠) [الحج:40] , فالمساجد هي أفضل المذكور في الآية لكن أحيانا يُقدم ما هو أقل تفضيلاً؛ لأنّ سياق الآية يقتضي ذلك، وكذلك نرى في ذكر موسى وهارون في القرآن أحيانا يُقدم موسى على هارون وأحيانا يُقدم هارون على موسى بحسب سياق الآيات. 4ـ في آية الحج رقم (17) قال فيها سبحانه: (وَٱلصَّٰبِِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ) فنصب الصابئين وقدّمهم على النصارى لأنّ السياق في سورة الحج موقف قضاء، والله سبحانه وتعالى لا يفرّق بين المتخاصمين ما داموا في طور الفصل (وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ) [النساء:58] فالمتخاصمون جميعهم سواء أمام القاضي حتى على المستوى اللغوي. قال تعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ) [الحج:17]. 5 ـ هناك فرق بين نهايتي آيتي البقرة والمائدة، علماً أنّ المذكورين في الآيتين واحد: نهاية آية البقرة (فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ) [البقرة:62]. نهاية آية المائدة (فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ) [المائدة:69]. فلماذا جاء في البقرة (فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ) [البقرة:62] ولم تأتِ في المائدة؟ والجواب على ذلك أنه: آ ـ السياق في سورة المائدة في ذم عقائد اليهود والنصارى بشكل مسهب, أمّا في البقرة فالكلام عن اليهود فقط وليس النصارى, أي أنّ سورة المائدة تكلمت عن اليهود أكثر مما جاء في سورة البقرة, حتى أنّ القرآن لم يذكر في البقرة العقوبات التي ذكرها في المائدة, انظر آيات المائدة [60،65] وسياق الغضب في المائدة على معتقدات النصارى أشد، فاقتضى السياق أنْ يكون زيادة الخير والرحمة في المكان الذي يكون أقل غضباً أي في آية البقرة. مع ملاحظة أنّ جوَّ الرحمة ومفردات الرحمة وتوزيعها في سورة البقرة أكثر مما جاء في سورة المائدة, ولم تُجمع القردة والخنازير إلا في سورة المائدة. ب ـ وردت الرحمة ومشتقاتها في سورة البقرة (19) مرة، بينما وردت في المائدة (5) مرات؛ لذا اقتضى التفضيل بزيادة الرحمة في البقرة، والأجر يكون على قدر العمل للذين آمنوا من أهل الكتاب قبل تحريفه وهم مؤمنون بالله واليوم الآخر إيماناً حقيقياً. ج ـ ورد في سورة المائدة ذكرحوالي (10) أنواع من العمل الصالح، ومنها: الوفاء بالعقود ـ الوضوء ـ الزكاة ـ الأمر بطاعة الله ورسوله ـ الإحسان ـ التعاون على البر والتقوى ـ إقام الصلاة ـ الجهاد في سبيل الله ـ استباق الخيرات. بينما ورد في سورة البقرة أكثر من (30) نوعاً من أنواع الخير، وتشمل كل ما ذُكر في المائدة عدا الوضوء إضافة إلى [ الحج والعمرة ـ الصيام ـ الإنفاق ـ العكوف في المساجد ـ بر الوالدين ـ الهجرة في سبيل الله ـ إيفاء الدين ـ الإصلاح بين الناس وغيرها كثير ]؛ لذا اقتضى كل هذا العمل في البقرة أنْ يكون الأجر أكبرفقال:(فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ) [البقرة:62]. د ـ لم ترد الآية (فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ٦٢) [البقرة:62] بهذا الشكل إلا في سورة البقرة , وترددت مفردات الجزء الأول منها (فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ) [البقرة:62] في البقرة أكثر من المائدة حسبما يلي: جاء حرف (الفاء) في البقرة (751) مرة، وفي المائدة (291) مرة. (لَهُمۡ) في البقرة (29) مرة، وفي المائدة (15) مرة. (أَجۡرُهُمۡ) في البقرة (5) مرة، وفي المائدة (1) مرة واحدة. (عِندَ) في البقرة (19) مرة، وفي المائدة (1) مرة واحدة. (رَبِّهِمۡ) في البقرة (10) مرات، وفي المائدة (2) مرتان. والله أعلم. 6ـ وقوله تعالى: (وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ) [البقرة:38] [المائدة:69] يفيد التالي: آـ الفاء ليست للعطف وإنما هي جواب شرط. ب ـ نفى الخوف بالصيغة الاسمية، ونفى الحزن بالصيغة الفعلية , وخصص الحزن بالضمير (وَلَا هُمۡ) وعطف بـ (هُمۡ) على الجملة الاسمية؛ لأنها أفصح وأثبت. ولا يصح أنْ يقال: (لا يخافون) فالخوف شيء طبيعي موجود عند الإنسان , فالمعنى أنه لا يُخشى عليه خطر، فقد يكونون خائفين لكنّ الأمان من الله أمّنهم بأنه لا خوف عليهم. ج ـ جعل الحزن بالفعل وأسنده إليهم, ولو قال: (لا حزن) فتعني لا حزن عليهم من الغير، بينما المهم للإنسان أنْ لا يكون هو في حزن، وليس المهم حزن الآخرين عليه. د ـ قالوا: إنّ معنى (وَلَا خَوۡفٌ) أي: على الماضي من الدنيا، فجاء بالصيغة الاسمية للتثبيت أنه لا خوف (وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ) مما يقابلهم في المستقبل، وقد تتكرر دواعي الحزن فجاء بالفعل الدال على الحدوث. هـ ـ قدّم الضمير: (هُمۡ) للقصر، فنفى عنهم الحزن وأثبته لغيرهم من أهل الضلال. وـ لم يقل: (لا عليهم خوف)؛ لأنه لا يصح المعنى ولو قالها لكان معناها: أنه نفى الخوف عنهم وأثبت أنّ الخوف على غيرهم، يعني يخاف على الكفار. زـ لم يقل: (لا خوفَ)؛ لأنه في هذه الحالة تكون (لا) نافية لجنس الخوف، أي: للجميع، أمّا (وَلَا خَوۡفٌ) بالرفع فتفيد نفي الجنس ونفي الواحد, والسياق عيّن أنه لا خوف عليهم على سبيل المدح والاستغراق. والله أعلم. السؤال الثالث: ما المعنى العام المشترك بين آيات [ البقرة 62 ـ المائدة 69 ـ الحج 17 ]؟ الجواب: المعنى العام للآيات: أنّ من آمن وعمل صالحا من كل هذه الفرق في زمانه أو زمان رسوله الخاص فله أجره, وهذا ما قبل بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم , أمّا بعد بعثته فلا بدّ من الإيمان به والتصديق بدعوته، ولا يصح إيمان الفرق السابقة بعد بعثة الرسول الكريم (وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ) [آل عمران:85]. وفي الآية دعوة للجميع للدخول في الإسلام، وذكر الذين آمنوا بمعنيين: آ ـ الذين آمنوا بدين أنبيائهم وفي زمانهم آنذاك, وهؤلاء مطالبون بالدخول في الإسلام إنْ كانوا لا يزالون أحياء على زمن الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ب ـ غيرهم، فالجميع حتى المسلمون مطالبون بالدخول في الإسلام، والآية تعطي تساويا للجميع في طلب الدخول في دين الإسلام, وحتى يشعر اليهود الذين يظنون أنهم شعب الله المختار أنه طالما طُلِبَ من المسلمين أنْ يدخلوا في الإيمان بدين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فمن الأولى أنْ نطالب نحن بذلك أيضاً , والله أعلم. السؤال الرابع: ما سبب تقديم وتأخير كلمة (الصابئين)، وما سبب رفعها ونصبها في آيتي البقرة [ 62] والمائدة [69]؟ ولِمَ بقي الوضع على أصله في آية الحج؟ الجواب: في سورة المائدة قوله تعالى: (إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبُِٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ) [المائدة:69] وفي سورة البقرة: (إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ) [البقرة:62]. بشكل عام نقول: (النصب) ليس فيه إشكال، وإنما (الرفع) هو الذي كثيراً ما يُسأل عنه، والنصب معطوف على منصوب. 1ـ الرفع في آية سورة المائدة من حيث الناحية الإعرابية ليس فيه إشكال عند النحاة؛ لأنهم يقولون على غير إرادة (إِنَّ) أي: على محل إسم إنّ. وفي الأصل اسم إنّ قبل أنْ تدخل عليه مرفوع، فهذا مرفوع على المحل، أو يجعلونه جملة: (والصابئون كذلك)، لكن لماذا فعل ذلك حتى لو خرّجناها نحوياً؟ هي ليست مسألة إعراب فالإعراب يُخرّج؛ لأنه يمكن أنْ نجعلها جملة معترضة وينتهي الإشكال، لكنْ لماذا رفع؟ (إِنَّ) تفيد التوكيد، معناه أنه قسم مؤكّد وقسم غير مؤكد، أي: (الصابئون) غير مؤكد والباقي مؤكد لماذا؟ لأنهم دونهم في المنزلة، فهم أبعد المذكورين ضلالاً، ويقول المفسرون: إنّ هؤلاء يعبدون النجوم، (صبأ) في اللغة، أي: خرج عن المِلّة، عن الدين , فالصابئون خرجوا عن الديانات المشهورة، وهم قسمان: قسم قالوا إنهم يعبدون النجوم، وقسم متبعون ليحيى عليه السلام، فهؤلاء أبعد المذكورين، والباقون أصحاب كتاب، الذين هادوا أصحاب كتاب وعندهم التوراة، والنصارى عندهم كتاب الإنجيل، والذين آمنوا عندهم القرآن, بينما الصابئون ليس عندهم كتاب, وبالنسبة لنا هم أبعد المذكورين ضلالاً، ولذلك هم دونهم في الديانة والاعتقاد ولذلك لم يجعلهم بمنزلة واحدة فرفع فكانوا أقل توكيداً. و(إِنَّ) للتوكيد. نقول: محمد قائم،ونقول: إنّ محمداً قائم، هذه أقوى. 2ـ لكن لماذا لم يأت بها مرفوعة ووضعها في نهاية الترتيب؟ في آية التوبة (وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُ) [التوبة:3] ما قال: (ورسولَه) بالنصب، مع أنه يمكن العطف على لفظ الجلالة (ٱللَّهَ)، فلم يعطف على اسم الجلالة وإنما عطف على المحل، أي: (ورسولُه بريء)؛ لأنّ براءة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليست ندّاً لبراءة الله تعالى ولكنها تبعٌ لها وليست مثلها، فبراءة الله تعالى هي الأولى، ولو قال: (ورسولَه) بالنصب تكون مؤكدة كالأولى، فإشارة إلى أنّ براءته ليست بمنزلة براءة الله سبحانه وتعالى، وإنما هي دونها فرفع على غير إرادة (إِنَّ)، حتى في الشعر العربي قول الشاعر جرير: إنّ النبوةَ والخلافةَ فيهم= والمكرماتُ وسادةٌ أطهارُ قال: (المكرماتُ) بالرفع ولم يقل: (المكرماتِ) بالنصب؛ لأنّ هؤلاء السادة لا يرتقون لا إلى النبوة ولا إلى الخلافة، هذه الدلالة موجودة في الشعر ففهمها العرب.3ـ يبقى السؤال حول التقديم والتأخير في الترتيب: آية المائدة قال: (وَٱلصَّٰبُِٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ) [المائدة:69] وآية البقرة: (وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِِٔينَ) [البقرة:62]، أي: في المائدة قدّم ورفع الصابئين؛ لأنه أتبع هذه الآية بذمّ النصارى في المائدة ذماً فظيعاً على معتقداتهم، وتكلم عن عقيدة التثليث فجعلهم كأنهم لم يؤمنوا بالله وكأنهم صنف من المشركين , قال تعالى: (لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ) [المائدة:72] (لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ٧٣ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ٧٤) [المائدة: 73 - 74]. فلمّا كان الكلام عن ذم العقائد (عقيدة النصارى) أخّر النصارى حتى تكون منزلتهم أقل وقدّم الصابئين مع أنهم لا يستحقون، وأخّر النصارى لأنه ذمّ عقيدتهم. 4ـ في سورة الحج تحدث عن مطلق الإيمان والكفر والحساب يوم القيامة، لذلك لمّا ذكرهم أولاً ذكرهم بالتأكيد ثم جمعهم جميعاً حتى يأتي معنى كلمة يفصل بينهم. لاحظ الآية: (وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ ءَايَٰتِۢ بَيِّنَٰتٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يُرِيدُ١٦إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ) [الحج: 16 - 17] إذن هنا لا مجال ولا معنى لفصل المؤمنين؛ لأنّ الفصل سيكون يوم القيامة. السؤال الخامس: قال في آية البقرة: (وَعَمِلَ صَٰلِحٗا) [البقرة:62] فما الفرق بينها وبين: (فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا)؟ الجواب: في عموم القرآن إذا كان السياق في العمل يقول: (عَمَلٗا صَٰلِحٗا) كما في آخر سورة الكهف (فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا) [الكهف:110] لأنه تكلم عن الأشخاص الذين يعملون أعمالاً سيئة , ويكون السياق في الأعمال نحو: (قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا١٠٣ ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا) [الكهف:103-104] والسورة أصلاً بدأت بالعمل (وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا) [الكهف:2].والله أعلم. أمّا قوله تعالى: (إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ) [البقرة:62] فليست في سياق الأعمال فقال: (وَعَمِلَ صَٰلِحٗا). والله أعلم.
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 04-07-2024 الساعة 02:43 PM. |
|
#2
|
||||
|
||||
|
مختارات من تفسير (من روائع البيان في سور القرآن) (63) مثنى محمد الهبيان (وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ) السؤال الأول:ما اللمسة البيانية في تقديم كلمة (ٱلۡجَبَلَ) فى آية الأعراف: 171،وتأخير (ٱلطُّورَ) فى آية البقرة رقم 63، والنساء: 154 ؟ الجواب: 1ـ استعمل القرآن (ٱلطُّورَ) في آيتي البقرة والنساء، واستعمل (ٱلۡجَبَلَ) في آية الأعراف؛ وذلك لأنّ التهديد في آية الأعراف أشد، فاستعمل لفظ الجبل؛ لأنّ الجبل أعظم من الطور . 2ـ وأمّا سبب التقديم والتأخير فيقول سيبويه: يقدمون الذي هو أهمّ لهم وهم أعنى به. 3ـ والتقديم والتأخير في القرآن الكريم يقرره سياق الآيات، فقد يتقدم المفضول، وقد يتقدم الفاضل، والكلام في سورة الأعراف عن بني إسرائيل والطور (وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ) [الأعراف:171] فقدّم الجبل على بني إسرائيل . أمّا في آية سورة البقرة (وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ) [البقرة:63] أخّر الطور؛ لأنّ سياق الآيات في السورة هو في الكلام عن بني إسرائيل وليس في الطور نفسه. 4ـ الجبل هو اسم لما طال وعظُم من أوتاد الأرض، والجبل أكبر وأهم من الطور من حيث التكوين. 5ـ النتق أشد وأقوى من الرفع الذي هو ضد الوضع، ومن النتق أيضاً: الجذب والاقتلاع وحمل الشيء والتهديد للرمي به، وفيه إخافة وتهديد كبيرين. ولذلك ذكر الجبلَ في آية سورة الأعراف؛ لأنّ الجبل أعظم ويحتاج للزعزعة والاقتلاع، وعادة ما تُذكر الجبال في القرآن في مواقع التهويل والتعظيم, ولذا جاء في قوله تعالى: (وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ) [الأعراف:143] ولم يقل الطور. 6ـ لذلك استعمل (نَتَقۡنَا) مع (ٱلۡجَبَلَ) ؛لأنّ النتق والجبل أشد تهديداً وتهويلاً؛ ولأنّ المقام يقتضي ذلك، فإنه أفاض في ذكر صفات بني إسرائيل الذميمة ومعاصيهم في الأعراف ما لم يُفضه في سورتي البقرة والنساء، فاقتضى أنْ يكون كل تعبير في مكانه , والله أعلم. السؤال الثاني: قال في الآية: (وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ) [البقرة:63] ولم يقل: (من فوقكم) فما السبب؟ الجواب: (من) تفيد الابتداء، وفي آية البقرة (وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ) [البقرة:63] ليس رفع الطور مباشرة من فوق رؤوسهم بل هناك مسافة بين الطور والرؤوس ولذلك لم يستعمل (من فوقكم). السؤال الثالث: ما سبب تخويفهم برفع الطور فوق رؤوس بني إسرائيل ؟ الجواب: التكليف من الله تعالى، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها, والله يعلم منذ الأزل أنّ في وسعك أنْ تؤدي التكليف، ولكنّ اليهود قالوا: نحن لا نطيق التكليف وفكّروا ألا يلتزموا به بالرغم من تعدد نعم الله عليهم ، والله تعالى لم يرغم أحداً على التكليف, ولكنه – رحمة منه - خيّرهم بين التكليف وعذاب يصيبهم فيهلكهم، وهذا العذاب هو أنْ يُطبق عليهم جبل الطور, فالمسألة ليس فيها إجبار ولكن فيها تخيير, وقد خُيّر الذين من قبلهم بين الإيمان والهلاك فلم يصدقوا حتى أصابهم الهلاك. وحين رأى بنو إسرائيل الجبل فوقهم خشعوا ساجدين على الأرض , فكان معنى سجودهم أنهم قبلوا المنهج, ولكنهم كانوا وهم ساجدون ينظرون إلى الجبل فوقهم خشية أنْ يطبق عليهم .. ولذلك تجد سجود اليهود حتى اليوم على جهة من الوجه بينما الجهة الأخرى تنظر إلى أعلى . ولو سألت يهودياً عن ذلك لقال : أنا أحمل التوراة واهتز منتفضاً, لأنهم اهتزوا ساعة رفع الله الطور فوقهم فكانوا في كل صلاة يأخذون الوضع نفسه ثم نقل ذلك إلى الأبناء والأحفاد، واعتقدت ذريتهم من بعدهم أنها شرط من شروط السجود عندهم, ولذلك أصبح سجودهم على جانب من الوجه، أي: على الصورة التي حدثت لهم ساعة رفع جبل الطور. والله أعلم .
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 04-07-2024 الساعة 02:45 PM. |
|
#3
|
||||
|
||||
|
مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (64) مثنى محمد الهبيان (وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِِٔينَ٦٥)[البقرة: 65] السؤال الأول:الفعل (كونوا) هو فعل أمر، وفعل الأمر له معانٍ متعددة، فما أشهر معانيه؟ الجواب: فعل الأمر هو طلب الفعل بصيغة مخصوصة , ومن أشهر معانيه : 1ـ الإباحة: (وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْۚ) [المائدة:2] . 2ـ الدعاء : (رَّبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ) [نوح:28] . 3ـ التهديد : (ٱعۡمَلُواْ مَا شِئۡتُمۡ) [فُصِّلَت:40] . 4ـ التوجيه والإرشاد : (وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ) [البقرة:45] . 5ـ الإكرام : (ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ) [الحِجر:46] . 6ـ الإهانة : (ذُقۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡكَرِيمُ) [الدخان:49] . 7ـ الاحتقار : (فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ) [طه:72] . 8ـ التسوية : (ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ) [الطور:16] . 9ـ الامتنان : (فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِ) [المُلك:15] . 10 ـ التعجب : (ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَالَ) [الإسراء:48] . 11 ـ التكذيب : (قُلۡ فَأۡتُواْ بِٱلتَّوۡرَىٰةِ فَٱتۡلُوهَآ) [آل عمران:93] . 12ـ التعجيز : (فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ) [البقرة:23] . 13ـ الإذلال : (كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِِٔينَ) [البقرة:65] . 14ـ إظهار القدرة : (قُلۡ كُونُواْ حِجَارَةً أَوۡ حَدِيدًا) [الإسراء:50] . وزمن فعل الأمر للمستقبل , لكنه أوسع من ذلك فقد يكون دالاً على : آـ الاستقبال المطلق قريباً أو بعيداً: (فَٱفۡعَلُواْ مَا تُؤۡمَرُونَ) [البقرة:68] للقريب، (رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ) [الفرقان:65] للبعيد. ب ـ الحال:( ثُمَّ صُبُّواْ فَوۡقَ رَأۡسِهِۦ مِنۡ عَذَابِ ٱلۡحَمِيمِ * ذُقۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡكَرِيمُ) [الدخان: 48 ، 49] فـ (ذق) من الذوق مصاحب لصب الحميم . ج ـ الأمر الحاصل في الماضي، فقوله :( ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ) [يوسف:99] كان بعد دخولهم إياها فهو أمر يفيد الماضي. وكذلك قوله تعالى: (إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ٤٥ ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ٤٦﴾) [الحِجر:45-46] فقوله: (ٱدۡخُلُوهَا) كان بعد دخولهم الجنة، وكذلك قوله: (وَلَقَدۡ صَبَّحَهُم بُكۡرَةً عَذَابٞ مُّسۡتَقِرّٞ٣٨ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ٣٩) [القمر:38-39] فقوله: (فَذُوقُواْ) كان بعد تصبيحهم بالعذاب. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «افعل ولا حرج» فهذا من باب إقرار ما حصل في الماضي. د ـ الأمر المستمر (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا) [البقرة:83] . (قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ٦٩)[البقرة: 69] السؤال الأول: ما دلالة (فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا) [البقرة:69] في الآية؟ الجواب: لو قال تعالى: (بقرة صفراء) لعلِم بنو إسرائيل أنه لون الصُفرة لاسيما أنّ هذا اللون نادر في البقر، فلِمَ قيّد الصفرة بصفة فاقع؟ في هذا التعبير مزيد من التعجيز، والتقييد والتحديد لبقرة بعينها دون سواها وهنا تضييق على بني إسرائيل، فعندما شدّدوا شدّد الله تعالى عليهم. السؤال الثاني: ما دلالات الألوان التي ورد ذكرها في القرآن الكريم ؟ الجواب: الألوان التي وردت في القرآن الكريم هي : الأصفر ـ الأبيض ـ الأسود ـ الأخضر ـ الأزرق ـ الأحمر ـ الوردي ـ الأخضر الغامق . وأهم دلالات هذه الألوان هي : 1ـ اللون الأصفر : و هو أول لون ذُكِرَ في القرآن , فقد ورد (5) مرات في (5) آيات , ومن دلالاته : آ ـ إدخال السرور: ﴿ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ} [ البقرة:69]. ب ـ اﻹفساد والدمار: ﴿ وَلَئِنۡ أَرۡسَلۡنَا رِيحٗا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرّٗا} [ الروم:51]. ج ـ الفناء واليبوسة: ﴿ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ} [ الحديد:20]. 2- اللون الأبيض : وهو ثاني اﻷلوان ذكراً في القرآن , وقد ذُكٍرَ (12) مرة في (12) آية, ومن دﻻﻻته: آ ـ الضياء وإشراق الشمس ووقت الفجر والصباح: ﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ} [ البقرة:187]. ب ـ لون وجوه أهل الجنة: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبۡيَضَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فَفِي رَحۡمَةِ ٱللَّهِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} [ آل عمران:107]. ج ـ مرض في العين من شدة الحزن: ﴿ وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ} [ يوسف:84]. د ـ لون يد موسى في معجزته : ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ} [ الأعراف:108]. هـ ـ لون الطرق بين الجبال: ﴿ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ} [ فاطر:27]. و ـ لون شراب أهل الجنة: ﴿ بَيۡضَآءَ لَذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ} [ الصافات:46]. وللعلم فإنّ اللون الأبيض هو الأساس لجميع الألوان، وإذا تم تحليله ينتج عنه ألوان الطيف السبعة . ( انظر آية آل عمران 107). 3ـ اللون الأسود : وهوثالث لون ذُكِرَ في القرآن , وقد ورد ( 7) مرات على عدد أبواب النارفي الآيات : [ البقرة 187 ـ آل عمران مرتان 106 ـ النحل 58 ـ فاطر 27 ـ الزمر 60 ـ الزخرف 17 ] , ومن دﻻﻻته: آ ـ ظلمة الليل: ﴿ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ } [ البقرة:187]. ب ـ لون وجوه أهل النار: {وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ١}[ آل عمران:106]. ج ـ الكرب والهم والحزن: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ} [ النحل:58]. د ـ اليبوسة والفناء: {فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحۡوَىٰ} [ الأعلى:5]. ومعنى (أَحْوَىٰ) أي: أسود أي: جعله هشيمًا رميمًامسوداً. هـ ـ لون بعض الجبال: {وَغَرَابِيبُ سُودٞ} [ فاطر:27]. 4ـ اللون اﻷخضر: وهورابع لون ذكر في القرآن, وقد ذكر 8 مرات على عدد أبواب الجنة الثمانية في الآيات : [ الأنعام 99 ـ يوسف 43 , 46 ـ الكهف 31 ـ الحج 63 ـ يس 80 ـ الرحمن 76 ـ الإنسان 21 ] , وأهم دﻻﻻته: آ ـ لون الشجر والزرع والأرض بعد المطر: {وَسَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖۖ} [ يوسف:43]. ب ـ لباس أهل الجنة: {عَٰلِيَهُمۡ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞۖ} [ الإنسان:21]. ج ـ لون أغطية وسائد الجنة: {مُتَّكِِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ} [ الرحمن:76]. 5ـ اللون الأزرق : وهوخامس اﻷلوان ذكراً في القرآن الكريم , وذُكَرَ مرة واحدة , ودﻻﻻته لون وجوه الكفار عند الحشر من شدة أهوال اليوم، والخوف والرهبة. {يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ وَنَحۡشُرُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ زُرۡقٗا}[ طه:102]. 6ـ اللون اﻷحمر: وهو سادس اﻷلوان ذكراً في القرآن , وذُكِرَ مرة واحدة , ودﻻﻻته لون الطرق بين الجبال وألوان بعض الثمار: {وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُود} [فاطر:27]. 7 ـ اللون الوردي : وهو سابع اﻷلوان ذكراً في القرآن , وذُكِرَ مرة واحدة, ودلالته لون السماء عند انشقاقها وتفطرها يوم القيامة: {فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ وَرۡدَةٗ كَٱلدِّهَانِ} [الرحمن:37]. 8 ـ اللون الأخضر الغامق : وهوثامن اﻷلوان ذكراً في القرآن، وذُكِرَ مرة واحدة , ودﻻلته لون أشجار الجنة المتكاثفة: {مُدۡهَآمَّتَانِ} [الرحمن:64]. والله أعلم .
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 14-07-2024 الساعة 12:08 PM. |
|
#4
|
||||
|
||||
|
مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (67) مثنى محمد هبيان (وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا فَٱدَّٰرَٰٔتُمۡ فِيهَاۖ وَٱللَّهُ مُخۡرِجٞ مَّا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ٧٢ فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ٧٣ ﱠ [البقرة: 72-73] السؤال الأول:قوله تعالى في هذه الآية: (وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا) [البقرة:72] جاء بعد الأمر بذبح البقرة في الآية 67، فما فائدة تقديم الذبح في البيان؟ وما دلالة هاتين الآيتين بشكل عام؟ الجواب: بشكل عام آيات البقرة هي في بيان النعم على بني إسرائيل، فناسب تقديم ذكر النعمة على ذكر الذنب. وجاء قوله تعالى: (وَٱللَّهُ مُخۡرِجٞ مَّا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ) [البقرة:72] بالصيغة الاسمية (مخرج ) لتدل أنه لا بدّ وأن يفعل ذلك , وأنه تعالى عالم بجميع المعلومات وإلا لما قدر على إظهار ما كتموه. من جهة أخرى , قوله تعالى: (فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ) [البقرة:73] من المفيد أن نذكر هنا أنّ الله قادر على إحياء الميت دون ضربه ببعض البقرة , لكنّ الله تعالى اقتضت حكمته ترتيب الأشياء على أسبابها , ولجبر اليتيم صاحب البقرة بما حصل له من ثمنها , إضافة إلى بيان قدرة الله على إحياء الموتى أمام بني إسرائيل (لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ٧٣) [البقرة:73] أي: حتى تتفكروا بعقولكم , فتمتنعوا عن معاصيه. والله أعلم. والله أعلم. السؤال الثاني: ما معنى قوله تعالى في هذه الآية: (فَٱدَّٰرَٰٔتُمۡ فِيهَاۖ) ؟ الجواب: أي تدافعتم لأنّ المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاَ أي يدفعه , والمعنى: اتهم بعضكم بعضاً وتدافعتم لطمس معالم الجريمة ودرء الشبهة.والله أعلم. **** { ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ}[البقرة: 74] السؤال الأول:تكرر الضمير ( منها ) و ( منه ) في الآية مرتين لكل منهما , إلى أين تعود هذه الضمائر؟وما إعراب قوله: (وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ)؟ الجواب: الضمير ( منها ) في الموضعين يعودان إلى كلمة:(الحِجَارة) و ( مِن ) هنا للتبعيض , أي: من بعض الحجارة , بينما يعود الضمير ( منه ) في قوله تعالى: ( يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ) إلى مكان التفجّر, وهو التفتح بسعة وكثرة , ويعود في قوله تعالى: ( لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ) إلى مكان التشقق أو التصدع الذي يخرج الماء منه , وهو دون النهر. وأمّا الإعراب فهو كالتالي: وإنّ: الواو حرف إستئناف , و ( إنّ) حرف توكيد ونصب. من الحجارة: جار ومجرور , وشبه الجملة في محل رفع خبر إنّ مقدم. لما: اللام للتوكيد , و ( ما ) إسم موصول مبني على السكون في محل نصب إسم ( إنّ). يتفجّر: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة. منه: جار ومجرور. الأنهارُ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة , والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. والله أعلم. السؤال الثاني: ما دلالة حكم الإظهار في التلاوة في قوله تعالى في الآية: (وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ)؟ الجواب: وردت جملة: (وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ) ست مرات في القرآن الكريم في الآيات: [ البقرة 74 ـ 85 ـ 140 ـ144 ـ 149 ـ آل عمران 99] ووردت جملة: (وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ) ثلاث مرات في القرآن الكريم في الآيات: [ الأنعام 132 ـ هود 123 ـ النمل 93 ] , ونلاحظ وجود إظهار بين كلمتي (بِغَٰفِلٍ عَمَّا) وبذلك لا توجد غنة وإنما نون ظاهرة توحي بقطعية هذا الخبر , وأنّ الله ليس بغافل عما تعملون ولو للحظة واحدة. أمّا في حالة نسبة (الغفلة) إلى البشر فقد وردت في القرآن , وبعدها كلمات لا تبدأ بحروف الحلق , كما في قوله تعالى: (وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ٣٩) [مريم:39]. (وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ) [الأنبياء:1]. (يَٰوَيۡلَنَا قَدۡ كُنَّا فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا) [الأنبياء:97]. (وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا) [القصص:15]. (لَّقَدۡ كُنتَ فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ) [ق:22]. أي توجد غنة حسب أحكام علم التجويد في: (غَفۡلَةٖ وَهُمۡ) (غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ ) (غَفۡلَةٖ مِّنۡ) , أي أنّ البشر غافلون لمدة طويلة , وليس لمدة قصيرة فقط. وهذا من لطائف معاني أحكام التجويد. والله أعلم.
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 25-08-2024 الساعة 04:11 PM. |
|
#5
|
||||
|
||||
|
مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (70) مثنى محمد هبيان (وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ)[البقرة: 80] السؤال الأول:ما الفرق بين دلالة الجمع في (معدودة) و (معدودات)؟ الجواب: القاعدة: وصف جمع غير العاقل: إنْ كان بالإفراد يكون أكثر من حيث العدد من الجمع السالم، كأنهار جارية وأنهار جاريات، فالجارية أكثر من حيث العدد من الجاريات، وأشجار مثمرة أكثر من مثمرات، وجبال شاهقة أكثر من حيث العدد من شاهقات، فالعدد في الأولى أكثر، وجمع السالم قلة. فهذه من المواضع التي يكون فيها المفرد أكثر من الجمع. لذلك تكون (معدودات) جمع قلّة، وهي أقل من (10)، أمّا (معدودة) فهي تدل على أكثر من (10). شواهد قرآنية: ـ قال تعالى في سورة آل عمران: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ) [آل عمران:24] اختيار كلمة (مَّعۡدُودَٰتٖۖ) في هذه الآية؛ لأنّ الذنوب التي ذُكرت في هذه الآية أقلّ. وهذا يناسب أمنية من قال من اليهود: أنهم سيُعَذبون سبعة أيام فقط , لكل ألف سنة من عمر الدنيا سيُعَذبون يوماً واحداً في النار , وهي في زعمهم سبعة آلاف سنة , ثم ينقطع العذاب. ـ وقال تعالى في سورة البقرة: (وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ) [البقرة:80] اختيار كلمة (مَّعۡدُودَةٗۚ) في هذه الآية؛ لأنّ الذنوب التي ذُكرت في سياق هذه الآية أكثر. انظر آيات البقرة [75: 80].وهذا يناسب أمنية من قال من اليهود: أنهم سيُعَذبون أربعين يوماً فقط , بعدد الأيام التي عبدوا فيها العجل , ثم ينقطع العذاب. ـ وقد قال تعالى في سورة يوسف عليه السلام: (وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۢ بَخۡسٖ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ) [يوسف:20] أي أكثر من 11 درهماً، ولو قال: (معدودات)، لكانت أقل. السؤال الثاني: ما دلالة هذه الآية؟ وما نوع الفاء في قوله تعالى: (فَلَن) ؟ وما دلالة الحرف (أَمۡ) ؟ الجواب: 1 ـ هذه من الأماني التي يعتقدها اليهود أنهم لن يُعذبوا إلا أربعين يوماً بعدد الأيام التي عبدوا فيها العجل , ثم ينقطع العذاب , فيمنون أنفسهم بذلك , فردّ الله عليهم: (قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ) [البقرة:80] فأخبر سبحانه أنّ أمر دعواهم متوقفٌ على: آ ـ إمّا أن يكونوا قد اتخذوا عند الله عهداً, فتكون دعواهم صحيحة. ب ـ وإمّا أنهم متقولين على الله , فتكون دعواهم كاذبة , وهذا أبلغ في خزيهم وعذابهم. ولمّا عُلم من حالهم , بسبب تكذيبهم وقتلهم لكثير من أنبيائهم , أنهم لم يتخذواعند الله عهداً , فتعيّن أنهم متقولون على الله , وهذا من أشنع القبائح. 2ـ الفاء في: (فَلَن) هي فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر: إنْ اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده. وأمّا الحرف: (أَمۡ) في الآية فهو حرف عطف معادل للاستفهام فهي متصلة , ويحتمل أن تكون منقطعة بمعنى: ( بل ) وكلاهما يفيد معنى التقرير والتوبيخ. والله أعلم.
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 16-09-2024 الساعة 12:28 PM. |
|
#6
|
||||
|
||||
|
مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (73) مثنى محمد هبيان (وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ)[البقرة: 84] السؤال الأول:هذه الآية تخاطب بني إسرائيل الذين مضوا، ومع ذلك جاءت بصيغة المخاطب، فما السبب في مخاطبة من مضى؟ الجواب: إنّ المخاطبة جاءت للخَلَف من بني إسرائيل لتبين للمؤمنين أنّ الخلف من بني إسرائيل هم بمنزلة أسلافهم؛ فأفعالهم واحدة وتصرفاتهم موروثة، والله أعلم. السؤال الثاني: ما دلالة هذه الآية؟ الجواب: هذه الآية تبين تتمة بنود الميثاق المذكور في الآية السابقة , وهما: 1ـ ألا يسفك بعضُهم دماء بعض دون حدٍ أوقصاص. 2ـ ألا يخرج بعضهم بعضاً من داره. وكان هذا يحدث في المدينة وقت تنزل الوحي , حيث كان هناك ثلاث فرق لليهود , وتحالفت كل فرقة مع الأوس والخزرج قبل الإسلام , فإذا حدث بينهما قتال , استعان كلُ حليف بحليفه من اليهود , فكان اليهوديُ يقتل اليهوديَ ويخرجه من داره.فإذا توقفت الحرب وكان بينهما أسرى , فدى بعضُهم بعضاً. وللعلم فقد تحالفت قريظة والنضير مع الأوس , وتحالف بنو قينقاع مع الخزرج , وكل منهما يقاتل مع حليفه , ومارسوا القتل والإخراج ,وهم بذلك قد خالفوا بنود الميثاق الذي أخذه الله عليهم , وكان الله قد أخذ عليهم الميثاق ألا يقتل بعضهم بعضاً , ولا يخرج بعضهم بعضاً من داره , وإذا وجد أسيراً وجب عليه فداؤه , فعملوا بالأخير وتركوا ما قبله , فوبّخهم الله على إيمانهم ببعض الكتاب , وهو فداء الأسير , وكفرهم ببعض , وهو القتل والإخراج. وفي الآية توبيخ لليهود السابقين واللاحقين على تضييع أحكام التوراة التي كانوا يقرون بها ويشهدون على ما فيها , وإنْ كان الخطاب موجهاً ليهود المدينة في عصر النبوة , إلا أنه عام في اليهود في كل زمان ومكان.والله أعلم.
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 02-10-2024 الساعة 04:56 PM. |
|
#7
|
||||
|
||||
|
مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (76) مثنى محمد هبيان (وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ) [البقرة: 89] السؤال الأول:جاءت كلمة (مُصَدِّقٞ) [البقرة:89] مرفوعة في هذه الآية وفي الآية[101] بينما جاءت منصوبة في آية البقرة (مُصَدِّقٗا) [البقرة:91] وجميع الآيات هي في سورة البقرة، فلماذا؟ الجواب: أولا: لنسنعرض الآيات: قوله تعالى: (وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ) [البقرة:89]. قوله تعالى: (وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ ) [البقرة:91]. قوله تعالى: (وَلَمَّا جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ) [البقرة:101]. ثانياً: الآية[89] كتابٌ: فاعل مرفوع، فتكون الصفة (مُصَدِّقٞ) مرفوعة. الآية [91] جملة (وَهُوَ ٱلۡحَقُّ) الواو: واو الحال، والجملة (هو الحق) مبتدأ وخبر في محل نصب حال , و(مُصَدِّقٗا) حال منصوبة. الآية[101] رَسُولٌ: فاعل، وتكون (مُصَدِّقٞ) صفة مرفوعة. السؤال الثاني: ما دلالة الفعل (يَسۡتَفۡتِحُونَ) في هذه الآية؟ الجواب: الفعل (يَسۡتَفۡتِحُونَ) أي يستنصرون , وفتح الله على نبيه أي نصره. قال أبو العالية: كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب , يقولون لهم: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوباً عندنا في التوراة حتى نُعذّب المشركين ونقتلهم , فلمّا بَعث اللهُ محمداً عليه السلام , ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسداً للعرب وهم يعلمون أنه رسول الله. وقال قتادة: لمّا بعث الله محمداً , فرأوه أنه بُعث من غيرهم كفروا به , حسداً للعرب , وهم يعلمون أنه رسول الله ,يجدونه ممكتوباً عندهم في التوراة. **** {بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ} [البقرة: 90] السؤال الأول:ما دلالة لفظة (بَغۡيًا) في الآية؟ وما دلالة قوله تعالى: (فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ) ؟ الجواب: 1 ـ لفظة (بَغۡيًا) أي حسداً وظلماً لأن تكون النبوة في بني إسماعيل عليه السلام , والبغي: هو اشتداد في طلب شيء ما, وأصله مطلق الطلب والإرادة. وكلمة(بَغۡيًا) تعرب مفعول لأجله , وهو علة ( اشتروا ) أو علة ( يكفروا ). 2ـ قوله تعالى: (فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ) أي عاقبهم الله بغضبين: آ ـ الغضب الأول: بسبب عبادتهم للعجل من دون الله , وعدم إيمانهم بعيسى عليه السلام وبالإنجيل , وتحريفهم للتوارة. ب ـ الغضب الثاني: بسبب عدم إيمانهم بالرسول عليه الصلاة والسلام وبالقرآن , ونتيجة عملهم هي: (وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ) من الإهانة فيُذلهم ويُخزيهم. السؤال الثاني: وردت لفظة ( بئسما ) في القرآن الكريم متصلة (بِئۡسَمَا) ومنفصلة (لَبِئۡسَ مَا) فما تعليل ذلك؟ الجواب: 1 ـ وردت لفظة (بِئۡسَمَا) في القرآن الكريم متصلة في ثلاثة مواضع وهي: [ البقرة 90 ـ 93 ـ الأعراف 150 ] ووردت منفصلة (لَبِئۡسَ مَا) في ستة مواضع وهي: [ البقرة 102 ـ المائدة 62 ـ 63 ـ 79 ـ 80 ـ آل عمران 189 ]. 2ـ حرف ( ما ) في لفظ {بِئۡسَمَا} يأتي موصولاً في الآيات التي ليس فيها تفصيل , لأنه بمعنى واحد من جهة كونه مذموماً , بخلاف قوله تعالى : { وَتَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ}[ المائدة: ٦٢ ] فحرف ( ما ) يشتمل على الأقسام الثلاثة التي ذكرت قبل في الآية , وكذلك قوله تعالى: { تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ} [ المائدة: 80 ] فحرف ( ما ) مفصول لأنه يشتمل ما بعده من الأقسام. والله أعلم. السؤال الثالث: ما دلالة رسم كلمة (فَبَآءُو) بدون ألف في القرآن الكريم؟ الجواب: وردت كلمة (فَبَآءُو) بدون ألف في آخرها ثلاث مرات في كل القرآن الكريم في الآيات: [ البقرة 61 ـ90 ـ آل عمران 112 ] وكلها بدون ألف في آخرها , ويوحي هذا الحذف للألف بسرعة اكتسابهم غضب الله , وهم اليهود الذين عصوا الله سبحانه فاستحقوا سرعة غضبه. والله أعلم.
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 20-10-2024 الساعة 06:24 AM. |
|
#8
|
||||
|
||||
|
مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (79) مثنى محمد هبيان (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ٩٤ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)[البقرة: 94-95] السؤال الأول:ما دلالة هاتين الآيتين؟ الجواب: في هاتين الآيتين تصحيح لمزاعم اليهود أنّ الآخرة والجنة لهم من دون الناس , وأنّ النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة , وأنهم شعب الله المختار , فأمر اللهُ رسوله عليه السلام أن يبلغهم: إنْ كان الأمر كما تزعمون فتمنوا لقاء الله وادعوا على أنفسكم بالموت , فإنّ الحبيب يَودُ لقاء حبيبه , وهذا نوع من مباهلة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم , وليس أمام اليهود بعد هذا الإلجاء والمضايقة إلا أحد أمرين: إمّا أن يؤمنوا بالله ورسوله , وإمّا أن يباهلوا على ما هم عليه بأن يتمنوا الموت , فامتنعوا من ذلك كله , فعلم كلُ واحد أنهم في غاية المعاندة والمحادة لله ورسوله مع علمهم بذلك . وسُميت المباهلة تمنياً لأنّ كل محقٍ يودُّ لو أهلك اللهُ المبطلَ المناظر له. وجاء في الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( لو تمنوا الموت لشرق أحدُهم بريقه ). وفي قوله تعالى: (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) خروج الأمر من معناه الأصلي إلى معنى التعجيز , لأنّ ذلك ليس من صفاتهم , ولأنّ تمني الموت لا يكون إلا من شأن المقربين الأبرارلأنّ من أيقن بالشهادة اشتاق لها , وحنّ إليها. ثم بيّن الله أنّ اليهود لن يتمنوا الموت أبداً بسبب ما قدمت أيديهم في حياتهم من الذنوب والتكذيب والمعاصي والكفر بالرسول عليه الصلاة والسلام , وبسبب علمهم أنّ الموت طريق الحساب والجزاء , فالموت أكره شيء لهم , وهم أحرص الناس على الحياة مهما كان نوعها , قال تعالى: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) [البقرة:95]. السؤال الثاني: عبّر الله تعالى في الآية عن الذنوب والمعاصي التي ارتكبها بنو إسرائيل بقوله: (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) [البقرة:95] فلِمَ خصَّ اليد بالذنب دون غيرها مع أنهم أساءوا لعيسى عليه السلام بلسانهم وكذبهم عليه؟ الجواب: إذا رجعت إلى فظائعهم وجدت أفظعها باليد, فأكثر ما صنعوه هو تحريف التوراة ووسيلته اليد، وأفظع ما اقترفوه قتل الأنبياء وآلته اليد. السؤال الثالث: نفى التمني في هذه الآية بـ ( لن) (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ) [البقرة:95] ونفاه في آية الجمعة بـ ( لا ) (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ) [الجمعة:7] فما سبب الفرق؟ الجواب: السبب هو اختلاف سياق الآيتين: أولا ً ـ السياق: قال في الجمعة: (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ٦ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ٧) وقال في البقرة: (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ٩٤ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ٩٥) فأنت ترى الفرق واضحاً بين السياقين؛ فالكلام في آية البقرة عن الآخرة, والدار الآخرة للاستقبال؛ فنفى بـ(لن)؛ إذ هو حرفٌ خاصٌ بالاستقبال. وأمّا الكلام في آية الجمعة فهو عام لا يختص بزمن دون زمن (إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ) [الجمعة:6] فهذا أمر مطلق ؛ من أجل هذا نفى بـ (لا)، وهو حرف يفيد الإطلاق والعموم. ثانياً: لمّا كان الزمنُ في آية الجمعة عاماً مطلقاً غير مقيد نفاه بـ(لا) التي آخرها حرف إطلاق وهو الألف , ولمّا كان الزمن مقيداً في آية البقرة للاستقبال وهو زمنٌ مقيد نفاه بـ(لن) التي آخرها حرف مقيد , وهو النون الساكنة، وهو تناظر فني جميل. ثالثاً: تُعدّ هذه الآية بما فيها من تحدٍّ سافر لليهود إحدى معجزات القرآن وإحدى دلائل النبوة، ألا ترى أنها نفت صدور تمني الموت مع حرصهم على أنْ يظهروا تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان تمني الموت فيه تكذيب لهذه الآية ومن ثَمَّ تكذيب للنبي عليه السلام، ومع ذلك لم يُنقل عن أحد منهم أنه تمنى الموت. السؤال الرابع: قوله تعالى: (قَدَّمَتْ) في الآية، ما العلاقة بين التعبيرين (بما قدمت) و (بما كسبت) في القرآن الكريم؟ الجواب: 1ـ الآيات التي فيها فعل (قَدَّمَتْ) ليس فيها كسب. شواهد قرآنية: (بِمَا قَدَّمَتْ): البقرة 95ـ النساء 62ـ القصص47ـ الروم36ـ الشورى 48ـ الجمعة 7 2ـ آيات الكسب (فَبِمَا كَسَبَتْ) يسبقها شيء يدل على الكسب, والكسب هنا هو الكسب غير المشروع. شواهد قرآنية: (فَبِمَا كَسَبَتْ) : البقرة 225ـ الأنعام 70ـ الرعد 33ـ الروم41ـ غافر17ـ الشورى 30ـ الجاثية 22ـ المدثر 38. فمثلاً: آية الشورى 30، ورد فيها قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) وسبقها في الآية 27 قوله تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) [الشورى:27] وبسط الرزق يدل على الكسب.والله أعلم.
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 23-11-2024 الساعة 10:17 AM. |
|
#9
|
||||
|
||||
|
مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (82) مثنى محمد هبيان (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ٩٨ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَﱠ [البقرة:98ـ99] السؤال الأول:ما دلالة ذكر الملائكة ثم ذكر جبريل وميكال في هذه الآية؟ الجواب: لدينا نوعان رئيسان من العطف: الأول: يسمى من باب عطف الخاص على العام لأهمية المذكور، كما في الآية (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة:98] جبريل وميكال من الملائكة، وهما من رؤساء الملائكة فذكرهم لأهميتهم، وهذا كثير في القرآن نحو: قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) [البقرة:238] والصلاة الوسطى من الصلوات؛ فهذا من باب عطف الخاص على العام. وقوله تعالى عن الجنة: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) [الرحمن:68] هذا لأهمية هذا الأمر وخصوصيته. وكذلك فإنّ جبريل وميكال عليهما السلام ليسا كعموم الملائكة، لكنهم منهم فيسمونه عطف الخاص على العام، وذكر هؤلاء دلالة على أنّ للمذكور مزية خاصة ليست كالعموم. الثاني: هو عطف العام على الخاص، كما في قوله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة:136] وإبراهيم وإسماعيل من النبيين. وهذا له قيمة بلاغية دلالية ليُظهر أهميته، فعندما يذكر الصلاة الوسطى والمحافظة عليها يذكرها لأهميتها الخاصة، وعندما يذكر جبريل وميكال يذكرهما لأنهما ليسا كعموم الملائكة؛ فجبريل مختص بالوحي. السؤال الثاني: ما معنى اسم (جبريل)؟ الجواب: (جبريل) اسم عبراني للملك المرسَل من الله تعالى بالوحي لرسله وهو مركّب من كلمتين: كلمة (جِبر) وكلمة (إيل)، فأما كلمة (جِبر) فمعناها عبد أو القوة، وكلمة (إيل) تعني اسماً من أسماء الله في العبرانية. وقد ورد اسم جبريل في القرآن في عدة صور منها: (جِبريل)، وبها قرأ الجمهور، ومنها (جَبريل) وبها قرأ ابن كثير، ومنها (جِبرائيل) وبها قرأ حمزة والكسائي، و(جَبرائيل) وبها قرأ أبو بكر عن عاصم. السؤال الثالث: ما دلالة ختام الآية في قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة:98]؟ الجواب: قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة:98] هي إجابة عامة وليست للشرط فقط , والمقصود بها إرادة العموم، ولا يكون الجواب منحصراً بالشخص المذكور، فلم يقل مثلا: (عدو لهم) بل أفاد أنّ هؤلاء كافرون، والآية تشمل كل الكافرين، وهؤلاء دخلوا في زمرة الكافرين، ولا تقتصر عداوة الله تعالى على هؤلاء، وإنما تعم جميع الكافرين. فأفاد في الآية أمرين: آ ـ أنّ هؤلاء كافرون. ب ـ وأنّ عداوة الله ليست مقصورة عليهم، وإنما تشمل كل كافر. والآية نظير قوله تعالى في سورة الأعراف: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) [الأعراف:170] فجاءت للعموم ولم يقل تعالى: (لا نضيع أجرهم) للأفراد، حتى لا يكون الأمر مقتصرا على الذين يمسكون بالكتاب ويقيمون الصلاة؛ بل ليشملهم ويشمل غيرهم من المصلحين. والله أعلم. السؤال الرابع: ما أهم الدلالات في الآيتين؟ الجواب: 1ـ كيف يجوز أن يكونوا أعداء الله ومن حق العداوة الإضرار بالعدو وذلك محال على الله؟ والجواب: أنّ معنى العداوة لا يصح إلا في المخلوقات ومنها البشر , لأنّ العدو للغير هو الذي يريد إنزال المضار به , وهذا محال على الله , بل المُراد منه أحد وجهين: إما أن يعادوا أولياء الله فيكون ذلك عداوة لله , كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [المائدة:33] أو المُراد كراهتهم القيام بطاعة الله وعبادته , فلمّا كان العدولا يكاد يوافق عدوه شبّه طريقتهم في هذا الوجه بالعداوة. 2ـ قال بعض أهل العلم: إنّ معنى اسم (وَمِيكَالَ) هو اسم عبودية لله , وهو اسم لملك موكل بأمر الله بإيصال الأرزاق لأصحابها. 3ـ (الواو) في(وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) قيل حرف عطف , وقيل بمعنى (أو) بمعنى من كان عدواً لأحدٍ من هؤلاء فإنّ الله عدوٌ لجميع الكافرين. 4ـ قوله تعالى: (عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) أراد عدو لهم إلا أنه جاء بالظاهر ليدل على أنّ الله تعالى إنما عاداهم لكفرهم وأنّ عدواة الملائكة كفر. 5ـ قوله تعالى: (وَلَقَدْ) اللام جواب لقسم محذوف , و(قد) حرف تحقيق. 6 ـ قوله تعالى: (أَنْزَلْنَا) جاء بضمير الجمع للتعظيم ,والإنزال هو تحريك الشيء من الأعلى إلى الأسفل , وذاك لا يتحقق إلا في الجسمي فهو على هذا الكلام محال , لكنّ جبريل لمّا نزل من الأعلى إلى الأسفل سُمي ذلك إنزالاً. 7ـ قوله تعالى: (إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) فالأظهر أنّ المراد من الآيات البينات آيات القرآن الدالة على صدق النبي عليه السلام , وفيها ما يدل على الغيب ودلائل التوحيد. والبينة هي الدلالة الفاصلة بين القصة الصادقة والكاذبة. 8ـ قوله تعالى: (وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ) الفسق في اللغة خروج الإنسان عمّا حُد له كما قال تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) [الكهف:50] , وتقول العرب للنواة إذا خرجت من الرطبة عند سقوطها فسقت النواة ,وفي قوله تعالى: (الْفَاسِقُونَ)وجهان: آ ـ أنّ كل كافر فاسق ولا ينعكس , فكأنّ ذكر الفاسق يأتي على الكافر وغيره. ب ـ المُراد بذلك الكافر المتجاوز عن كل حد في كفره الذي تجاوز كل حدٍ مستحسن في العقل والشرع. وجاء بالصيغة الاسمية الدالة على الصفة الدائمة. والله أعلم.
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 04-01-2025 الساعة 11:28 PM. |
|
#10
|
||||
|
||||
|
مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (65) مثنى محمد هبيان (قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ٧٠)[البقرة: 70] السؤال الأول:قوله تعالى: (إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا) [البقرة:70] لِمَ قالوا هذه الجملة في هذه الآية، مع أنهم لم يقولوها في المرات السابقة؟ الجواب: في الأصل طلب الله منهم أنْ يذبجوا (بَقَرَةٞ) بالتنكير المطلوب، أي: أنْ يمسكوا أي بقرة فيذبحوها، فشددوا فشدد الله سبحانه وتعالى عليهم. طلب بنو إسرائيل صفات البقرة على ثلاث مراحل: ﴿ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا فَارِضٞ وَلَا بِكۡرٌ عَوَانُۢ بَيۡنَ ذَٰلِكَۖ فَٱفۡعَلُواْ مَا تُؤۡمَرُونَ٦٨ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ٦٩﴾ [البقرة: 68-69] آ ـ طلبوا تحديد ماهيتها في البداية (قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَۚ) [البقرة:68]. ب ـ و طلبوا تحديد لونها (قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ) [البقرة:69] ولم يعللوا سبب طلبهم. ج ـ في المرة الثالثة قالوا: (قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ٧٠) [البقرة:70] ولجأوا للتعليل؛ لأنّ فعل الشيء ثلاث مرات يكون له وقع في النفس من الضجر؛ فلا بدّ من إضافة تعليل في المرة الثالثة. السؤال الثاني: قوله تعالى في الآية: (وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ) [البقرة:70] ما الفرق في الاستعمال بين: ( إن شاء الله ) وبين: ( بإذن الله ) في القرآن الكريم؟ الجواب: 1 ـ وردت جملة (إِن شَآءَ ٱللَّهُ) في القرآن الكريم (6) مرات في الآيات: [ البقرة 70 ـ يوسف 99 ـ الكهف 69 ـ القصص 27 ـ الصافات 102 ـ الفتح 27]. ووردت جملة (بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ) في ( 18 ) موضعاً في ( 17 ) آية , ووردت كلمة (بِإِذۡنِهِۦ) في ( 9 ) مواضع. 2ـ الفرق في الاستعمال بين ( إنْ شاء الله ) وبين ( بإذن الله ) في القرآن الكريم, هناك أقوال عدة منها: القول الأول: آ ـ أنّ استخدام جملة (إِن شَآءَ ٱللَّهُ) يكون عندما أقوم بنفسي بالعمل أو الحاجة أو أتدخل بها بالأمر بشكل شخصي فردي أو جماعي: شواهد قرآنية: ـ (إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ٧٠) [البقرة:70] هم سيقومون بذبح البقرة بأنفسهم بدليل قوله تعالى: (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفۡعَلُونَ٧١) [البقرة:71]. ـ (وَقَالَ ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ٩٩) [يوسف:99] هم سيدخلون. ـ (قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا٦٩) [الكهف:69] هو سيصبر. ـ (قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ١٠٢) [الصافات:102] هو سيصبر. ب ـ وأمّا (بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ) فالعمل ليس لي أي دخل به , بل هو بتدبيرٍ خارج إرادتي. شواهد قرآنية: ـ (قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ ) [البقرة:97] فنزول القرآن الكريم على النبي عليه السلام ليس له دخل فيه بل هو من عند الله. ـ (كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ ﱽ) [البقرة:249] فنصر القلة يكون بتدبير إلهي , وإلا فالمنطقُ يقول إنهم يهزمون , بدليل قوله تعالى: (فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ) [البقرة:251] فالنصرُ كان من عند الله تعالى. ـ (وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ) [البقرة:102] فالسحر لا يضر الآخرين إلا بقضاء الله وإذنه. والله أعلم. القول الثاني: لا فرق في الاستثناء بقولك: ( إنْ شاءَ الله ) وقولك: ( بإذن الله ) وذلك لأسباب عدّة منها: آ ـ أنّ معنى كلٍ من الاستعمالين متقارب , فالتعليق على مشيئة الله يشابهُ التعليق على إذنه سبحانه. ب ـ الاستعمال القرآني لكلٍ من هذين اللفظين أيضاً متقارب , وفي القرآن هناك بعض الآيات التي ورد فيه اللفظان على معنى واحد متقارب في آية واحدة , كما في قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡيًا أَوۡ مِن وَرَآيِٕ حِجَابٍ أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولٗا فَيُوحِيَ بِإِذۡنِهِۦ مَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ عَلِيٌّ حَكِيمٞ٥١ ﱠ [الشورى:51] وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيًۡٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ٢٦ ﱠ [النجم:26] ج ـ معظم المفسرين لم يفرقْ بين الاستعمالين , وهناك منهم من يفسر المشيئة بإذن الله سبحانه. د ـ وعند الفقهاء كذلك , فقد جاء في ( الموسوعة الفقهية ) في باب ( الاستثناء ) عن الأَيمَان والنذور والطلاق وغيرها: أنّ كلَ تعليقٍ على مشيئة الله ونحوه هومما يبطل الحكم , وقالوا: إنّ قولك: ( بإذن الله ) استثاء , كقولك: ( إن شاء الله ). القول الثالث: جملة ( إنْ شاء الله ) جملة فعلية , وجملة ( بإذن الله ) جملة إسمية , والجملة الفعلية تدل على الحدث , وربما يشير ذلك إلى ما ذهب به أصحاب القول الأول من أنّ ( إنْ شاء الله ) تأتي مع عملٍ أنت ستقوم به أي: ( حدث ) , بينما الجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستمرار, لتشير إلى أنّ مشيئة الله هي السائدة المستمرة لكل الأزمنة قبل زمن الأفعال والأحداث , وخلالها وبعدها في الزمن السرمدي, وهي الأصل في كل خلق الله تعالى. ولذلك من الأفضل أن نعلق كلَ شيء مستقبلي بالمشيئة كما قال تعالى: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا٢٣ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ ٢٤ ﱠ[الكهف: 23ـ24 ] , أمّا الشيء الماضي فلا يُعلق بالمشيئة إلا إذا قُصِدَ بذلك التعليل , فمثلاً لوقال لك شخص حين صلى:صليتُ إنْ شاء الله , فإنْ قَصَدَ فِعلَ الصلاة فإنّ الاستثناء هنا لا ينبغي , وإنْ قصَدَ الصلاة المقبولة فهذا يصح معه أنْ يقول: ( إنْ شاء الله ) لأنه لا يعلم أقبلتْ أم لم تقبل. والله أعلم.
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 17-07-2024 الساعة 12:06 PM. |
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |