|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
|
الحلقة (261) - تفسير البغوى الجزء الخامس سُورَةُ الْإِسْرَاءِ الاية5 إلى الاية 20 ثم انصرف إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد [ أن يفنيهم ] وهي الوقعة الأخيرة التي أنزل الله ببني إسرائيل وذلك قوله : ( لتفسدن في الأرض مرتين ( فكانت الوقعة الأولى بختنصر وجنوده [ والأخرى خردوش وجنوده ] وكانت أعظم الوقعتين فلم تقم لهم بعد ذلك راية وانتقل الملك بالشام ونواحيها إلى الروم اليونانية إلا أن بقايا من بني إسرائيل كثروا وكانت لهم الرياسة ببيت المقدس ونواحيها على غير وجه الملك وكانوا في نعمة إلى أن بدلوا وأحدثوا الأحداث فسلط الله عليهم ططيوس بن إسبيانوس الرومي فأخرب بلادهم وطردهم عنها ونزع الله عنهم الملك والرياسة وضربت عليهم الذلة فليسوا في أمة إلا وعليهم الصغار والجزية وبقي بيت المقدس خرابا إلى أيام عمر بن الخطاب فعمره المسلمون بأمره . وقال قتادة : بعث الله عليهم جالوت في الأولى فسبى وقتل وخرب ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم ( يعني في زمان داود ، فإذا جاء وعد الآخرة بعث الله عليهم بختنصر فسبى وخرب ، ثم قال : ( عسى ربكم أن يرحمكم ( فعاد الله عليهم بالرحمة ثم عاد القوم بشر ما بحضرتهم فبعث الله عليهم ما شاء من نقمته وعقوبته ، ثم بعث الله عليهم العرب كما قال : ( وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ( فهم في العذاب إلى يوم القيامة . وذكر السدي بإسناده : أن رجلا من بني إسرائيل رأى في النوم أن خراب بيت المقدس على يدي غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل يدعى بختنصر وكانوا يصدقون فتصدق رؤياهم فأقبل ليسأل عنه حتى نزل على أمه وهو يحتطب فجاء وعلى رأسه حزمة حطب فألقاها ثم قعد فكلمه ثم أعطاه ثلاثة دراهم فقال : اشتر بهذا طعاما وشرابا فاشترى بدرهم لحما وبدرهم خبزا وبدرهم خمرا فأكلوا وشربوا وفعل في اليوم الثاني كذلك وفي اليوم الثالث كذلك ، ثم قال : إني أحب [ ص: 77 ] أن تكتب لي أمانا إن أنت ملكت يوما من الدهر [ فقال : تسخر مني؟ فقال : إني لا أسخر منك ، ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندي يدا فكتب له أمانا وقال : أرأيت ] إن جئت والناس حولك قد حالوا بيني وبينك ، قال : ترفع صحيفتك على قصبة فأعرفك فكتب له وأعطاه ثم إن ملك بني إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكريا ويدني مجلسه وأنه هوي ابنة امرأته وقال ابن عباس : ابنة أخته فسأل يحيى بن زكريا عن تزويجها فنهاه عن نكاحها فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى بن زكريا وعمدت حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثيابا رقاقا حمرا وطيبتها وألبستها الحلي وأرسلتها إلى الملك وأمرتها أن تسقيه ، فإن أرادها عن نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته فإذا أعطاها سألت رأس يحيى بن زكريا أن يؤتى به في طست ففعلت ، فلما أرادها قالت لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك قال : ما تسأليني؟ قالت : رأس يحيى بن زكريا في هذا الطست ، فقال : ويحك سليني غير هذا ، فقالت : ما أريد إلا هذا فلما أبت عليه بعث فأتي برأسه حتى وضع بين يديه والرأس يتكلم ويقول : لا تحل لك فلما أصبح إذا دمه يغلي فأمر بتراب فألقي عليه فرقى الدم يعني صعد الدم يغلي ويلقي عليه من التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يغلي ، فبعث صخابين ملك بابل جيشا إليهم وأمر عليهم بختنصر فسار بختنصر وأصحابه حتى بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم فلما اشتد عليهم المقام أراد الرجوع فخرجت إليه عجوز من عجائز بني إسرائيل فقالت : تريد أن ترجع قبل المدينة؟ قال : نعم قد طال مقامي وجاع أصحابي قالت : أرأيت إن فتحت لك المدينة تعطيني ما أسألك فتقتل من أمرتك بقتله وتكف إذا أمرتك أن تكف؟ قال : نعم ، قالت : إذا أصبحت تقسم جندك أربعة أرباع ثم أقم على كل زاوية ربعا ثم ارفعوا أيديكم إلى السماء فنادوا : إنا نستفتحك يا ألله بدم يحيى بن زكريا فإنها سوف تتساقط ففعلوا فتساقطت المدينة ودخلوا من جوانبها ، فقالت : كف يدك وانطلقت به إلى دم يحيى بن زكريا وقالت : اقتل على هذا الدم حتى يسكن فقتل عليه سبعين ألفا حتى سكن ، فلما سكن قالت : كف يدك فإن الله لم يرض إذا قتل نبي حتى يقتل من قتله ومن رضي بقتله وأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته فكف عنه وعن أهل بيته فخرب بيت المقدس وطرح فيه الجيف وأعانه على خرابه الروم من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا وذهب معه بوجوه بني إسرائيل وذهب بدانيال وقوم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس جالوت فلما قدم بابل وجد صخابين قد مات فملك مكانه وكان أكرم الناس عنده دانيال وأصحابه فحسدهم المجوس ووشوا بهم إليه وقالوا : إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ولا يأكلون ذبيحتك فسألهم فقالوا : أجل إن لنا ربا نعبده ولسنا نأكل من [ ص: 78 ] ذبيحتكم ، فأمر الملك بخد فخد لهم فألقوا فيه وهم ستة وألقى معهم بسبع ضار ليأكلهم فذهبوا ثم راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه معهم لم يخدش منهم أحدا ووجدوا معهم رجلا سابعا فقال : ما هذا السابع إنما كانوا ستة فخرج السابع وكان ملكا فلطمه لطمة فصار في الوحوش ومسخه الله سبع سنين . وذكر وهب : أن الله مسخ بختنصر نسرا في الطير ثم مسخه ثورا في الدواب ثم مسخه أسدا في الوحوش فكان مسخه سبع سنين وقلبه في ذلك قلب إنسان ثم رد الله إليه ملكه فآمن فسئل وهب أكان مؤمنا؟ فقال وجدت أهل الكتاب اختلفوا فيه فمنهم من قال مؤمنا ومنهم من قال أحرق بيت المقدس وكتبه وقتل الأنبياء فغضب الله عليه فلم يقبل توبته . وقال السدي : ثم إن بختنصر لما رجع إلى صورته بعد المسخ ورد الله إليه ملكه كان دانيال وأصحابه أكرم الناس عليه فحسدهم المجوس وقالوا لبختنصر : إن دانيال إذا شرب الخمر لم يملك نفسه أن يبول وكان ذلك فيهم عارا فجعل لهم طعاما وشرابا فأكلوا وشربوا وقال للبواب : انظر أول من يخرج ليبول فاضربه بالطبرزين فإن قال أنا بختنصر فقل كذبت بختنصر أمرني فكان أول من قام للبول بختنصر فلما رآه البواب شد عليه فقال : ويحك أنا بختنصر فقال : كذبت بختنصر أمرني فضربه فقتله هذا ما ذكره في المبتدأ إلا أن رواية من روى أن بختنصر غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا غلط عند أهل السير بل هم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم شعياء في عهد أرمياء ومن وقت أرمياء وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكريا أربعمائة وإحدى وستون سنة ، وذلك أنهم كانوا يعدون من لدن تخريب بختنصر بيت المقدس إلى حين عمارته في عهد كيرش بن أخشورش بن أصيهيد ببابل من قبل بهمن بن إسفنديار [ سبعين سنة ثم من بعد عمارته إلى ظهور الإسكندر على بيت المقدس ثمان وثمانون سنة ثم من بعد مملكته ] إلى مولد يحيى بن زكريا ثلاثمائة وستون سنة . والصحيح من ذلك ما ذكر محمد بن إسحاق . قوله عز وجل : ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ( أي : أعلمناهم وأخبرناهم فيما آتيناهم من الكتب أنهم سيفسدون . والقضاء على وجوه : يكون أمرا ، كقوله : " وقضى ربك " ( الإسراء - 23 ) . ويكون حكما ، كقوله : " إن ربك يقضي بينهم " ( يونس - 93 ، والنحل - 78 ) . ويكون خلقا كقوله : " فقضاهن سبع سماوات " ( فصلت - 2 ) . [ ص: 79 ] وقال ابن عباس وقتادة : يعني وقضينا عليهم ، و " إلى " بمعنى " على " والمراد بالكتاب : اللوح المحفوظ . ( لتفسدن ( لام القسم مجازه : والله لتفسدن ( في الأرض مرتين ( بالمعاصي والمراد بالأرض : أرض الشام وبيت المقدس ، ( ولتعلن ( ولتستكبرن ولتظلمن الناس ( علوا كبيرا ( ( فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ( 5 ) ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ( 6 ) إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ( 7 ) ) ( فإذا جاء وعد أولاهما ( يعني : أولى المرتين . قال قتادة : إفسادهم في المرة الأولى ما خالفوا من أحكام التوراة ، وركبوا المحارم . وقال ابن إسحاق : إفسادهم في المرة الأولى قتل شعياء بين الشجرة وارتكابهم المعاصي . ( بعثنا عليكم عبادا لنا ( قال قتادة : يعني جالوت الجزري وجنوده وهو الذي قتله داود . وقال سعيد بن جبير : يعني سنجاريب من أهل نينوى . وقال ابن إسحاق : بختنصر البابلي وأصحابه . وهو الأظهر . ( أولي بأس ( ذوي بطش ، ( شديد ( في الحرب ، ( فجاسوا ( أي فطافوا وداروا ( خلال الديار ( وسطها يطلبونكم ويقتلونكم والجوس طلب الشيء بالاستقصاء . قال الفراء : جاسوا : قتلوكم بين بيوتكم . ( وكان وعدا مفعولا ( قضاء كائنا لا خلف فيه . ( ثم رددنا لكم الكرة ( يعني : الرجعة والدولة ، ( عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ( عددا ، أي من ينفر معهم وعاد البلد أحسن مما كان . ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ( أي : لها ثوابها ، ( وإن أسأتم فلها ( أي : فعليها كقوله تعالى : " فسلام لك " ( الواقعة - 91 ) أي : عليك وقيل : فلها الجزاء والعقاب . [ ص: 80 ] ( فإذا جاء وعد الآخرة ( أي : المرة الأخيرة من إفسادكم ، وذلك قصدهم قتل عيسى عليه السلام حين رفع ، وقتلهم يحيى بن زكريا عليهما السلام ، فسلط الله عليهم الفرس والروم خردوش وطيطوس حتى قتلوهم وسبوهم ونفوهم عن ديارهم ، فذلك قوله تعالى ( ليسوءوا وجوهكم ( أي : تحزن وجوهكم وسوء الوجه بإدخال الغم والحزن . قرأ الكسائي [ ويعقوب ] . " لنسوء " بالنون وفتح الهمزة على التعظيم كقوله : " وقضينا " و " بعثنا " وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر بالياء [ وفتح ] الهمزة [ على التوحيد ] أي : ليسوء الله وجوهكم وقيل : ليسوء الوعد وجوهكم . وقرأ الباقون بالياء وضم الهمزة على الجمع أي ليسوء العباد أولوا البأس الشديد وجوهكم . ( وليدخلوا المسجد ( يعني : بيت المقدس ونواحيه ( كما دخلوه أول مرة وليتبروا ( وليهلكوا ( ما علوا ( أي : ما غلبوا عليه من بلادكم ( تتبيرا ( ( عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ( 8 ) إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا ( 9 ) وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما ( 10 ) ) ( عسى ربكم ( يا بني إسرائيل ( أن يرحمكم ( بعد انتقامه منكم فيرد الدولة إليكم ( وإن عدتم عدنا ( أي : إن عدتم إلى المعصية عدنا إلى العقوبة . قال قتادة : فعادوا فبعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون . ( وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ( سجنا ومحبسا من الحصر وهو الحبس . قال الحسن : حصيرا أي : فراشا . وذهب إلى الحصير الذي يبسط ويفرش . ( ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) أي : إلى الطريقة التي هي أصوب . وقيل : الكلمة التي هي أعدل وهي شهادة أن لا إله إلا الله ، ( ويبشر ( يعني : القرآن ( المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم ( بأن لهم ( أجرا كبيرا ( وهو الجنة . ( وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما ( وهو النار . [ ص: 81 ] ( ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا ( 11 ) وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا ( 12 ) ) وقوله تعالى : ( ويدع الإنسان ( حذف الواو لفظا لاستقبال اللام الساكنة كقوله : " سندع الزبانية " ( العلق - 18 ) وحذف في الخط أيضا وهي غير محذوفة في المعنى . ومعناه : ويدعو الإنسان على ماله وولده ونفسه ، ( بالشر ( فيقول عند الغضب : اللهم العنه وأهلكه ونحوهما ، ( دعاءه بالخير ( أي : كدعائه ربه [ بالخير ] أن يهب له النعمة والعافية ولو استجاب الله دعاءه على نفسه لهلك ولكن الله لا يستجيب بفضله ( وكان الإنسان عجولا ( بالدعاء على ما يكره أن يستجاب له فيه . قال جماعة من أهل التفسير وقال ابن عباس : ضجرا لا صبر له على السراء والضراء . قوله عز وجل ( وجعلنا الليل والنهار آيتين ( أي : علامتين دالتين على وجودنا ووحدانيتنا وقدرتنا ( فمحونا آية الليل ( قال ابن عباس : جعل الله نور الشمس سبعين جزءا ونور القمر كذلك فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءا فجعلها مع نور الشمس . وحكى أن الله تعالى أمر جبريل فأمر جناحه على وجه القمر ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور . وسأل ابن الكواء عليا عن السواد الذي في القمر؟ قال : هو أثر المحو . ( وجعلنا آية النهار مبصرة ( منيرة مضيئة يعني يبصر بها . قال الكسائي : تقول العرب أبصر النهار إذا أضاء بحيث يبصر بها ( لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب ( أي : لو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم يعرف الليل من النهار ولم يدر الصائم متى يفطر ولم يدر وقت الحج ولا وقت حلول الآجال ولا وقت السكون والراحة . ( وكل شيء فصلناه تفصيلا ( [ ص: 82 ] ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ( 13 ) اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ( 14 ) من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ( 15 ) ) قوله عز وجل ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ) قال ابن عباس : عمله وما قدر عليه فهو ملازمه أينما كان . وقال الكلبي ومقاتل : خيره وشره معه لا يفارقه حتى يحاسبه به . وقال الحسن : يمنه وشؤمه . وعن مجاهد : ما من مولود إلا في عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد . وقال أهل المعاني : أراد بالطائر ما قضى الله عليه أنه عامله وما هو صائر إليه من سعادة أو شقاوة سمي " طائرا " على عادة العرب فيما كانت تتفاءل وتتشاءم به من سوانح الطير وبوارحها . وقال أبو عبيدة والقتيبي : أراد بالطائر حظه من الخير والشر من قولهم : طار سهم فلان بكذا وخص العنق من بين سائر الأعضاء لأنه موضع القلائد والأطواق وغيرهما مما يزين أو يشين فجرى كلام العرب بتشبيه الأشياء اللازمة إلى الأعناق . ( ونخرج له ( يقول الله تعالى : ونحن نخرج ( يوم القيامة كتابا ( وقرأ الحسن ومجاهد ويعقوب : " ويخرج له " بفتح الياء وضم الراء معناه : ويخرج له الطائر يوم القيامة كتابا . وقرأ أبو جعفر " يخرج " بالياء وضمها وفتح الراء . ( يلقاه ( قرأ ابن عامر وأبو جعفر " يلقاه " بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف يعني : يلقى الإنسان ذلك الكتاب أي : يؤتاه وقرأ الباقون بفتح الياء خفيفة أي يراه ( منشورا ( وفي الآثار : إن الله تعالى يأمر الملك بطي الصحيفة إذا تم عمر العبد فلا تنشر إلى يوم القيامة . ( اقرأ كتابك ( أي : يقال له : اقرأ كتابك . قوله تعالى : ( كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ( محاسبا . قال الحسن : لقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك . قال قتادة : سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئا في الدنيا . ( من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ( لها ثوابه ( ومن ضل فإنما يضل عليها ( لأن عليها عقابه . ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ( أي : لا تحمل حاملة حمل أخرى من الآثام أي : لا يؤخذ أحد بذنب أحد . ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ( إقامة للحجة وقطعا للعذر ، وفيه دليل على أن ما وجب وجب بالسمع لا بالعقل . [ ص: 83 ] ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ( 16 ) ) ( ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ) قرأ مجاهد : " أمرنا " بالتشديد أي : سلطنا شرارها فعصوا وقرأ الحسن وقتادة ويعقوب " آمرنا " بالمد أي : أكثرنا . وقرأ الباقون مقصورا مخففا أي : أمرناهم بالطاعة فعصوا ويحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء ويحتمل أن تكون بمعنى أكثرنا يقال : أمرهم الله أي كثرهم الله . وفي الحديث : " خير المال مهرة مأمورة " أي كثيرة النسل . ويقال منه : أمر القوم يأمرون أمرا إذا كثروا وليس من الأمر بمعنى الفعل فإن الله لا يأمر بالفحشاء . واختار أبو عبيدة قراءة العامة وقال : لأن المعاني الثلاثة تجتمع فيها يعني الأمر والإمارة والكثرة . ( مترفيها ( منعميها وأغنياءها ( ففسقوا فيها فحق عليها القول ( وجب عليها العذاب ( فدمرناها تدميرا ( أي : خربناها وأهلكنا من فيها . أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا يحيى بن بكر حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن زينب بنت أبي سلمة حدثته عن أم حبيبة بنت أبي سفيان عن زينب بنت جحش أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا وهو يقول : " لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها " قالت زينب فقلت : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : " نعم إذا كثر الخبث " . [ ص: 84 ] ( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ( 17 ) ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ( 18 ) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ( 19 ) كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا ( 20 ) ) قوله : ( وكم أهلكنا من القرون ( أي : المكذبة ( من بعد نوح ( يخوف كفار مكة ( وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ( قال عبد الله بن أبي أوفى : القرن مائة وعشرون سنة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول قرن وكان في آخره يزيد بن معاوية . وقيل : مائة سنة . وروي عن محمد بن القاسم عن عبد الله بن بسر المازني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على رأسه وقال : " سيعيش هذا الغلام قرنا " قال محمد بن القاسم فما زلنا نعد له حتى تم له مائة سنة ثم مات . قال الكلبي : ثمانون سنة . وقيل : أربعون سنة . ( من كان يريد العاجلة ( يعني الدنيا أي : الدار العاجلة ، ( عجلنا له فيها ما نشاء ( من البسط والتقتير ( لمن نريد ( أن نفعل به ذلك أو إهلاكه ( ثم جعلنا له ( في الآخرة ( جهنم يصلاها ( يدخل نارها ( مذموما مدحورا ( مطرودا مبعدا . ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ( عمل عملها ، ( وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ( مقبولا . ( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء ( أي : نمد كلا الفريقين من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة ( من عطاء ربك ( أي : يرزقهما جميعا ثم يختلف بهما الحال في المآل ( وما كان عطاء ربك ( رزق ربك ( محظورا ( ممنوعا عن عباده فالمراد من العطاء : العطاء في الدنيا وإلا فلا حظ للكفار في الآخرة .
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |