|
|||||||
| ملتقى الإنشاء ملتقى يختص بتلخيص الكتب الاسلامية للحث على القراءة بصورة محببة سهلة ومختصرة بالإضافة الى عرض سير واحداث تاريخية عربية وعالمية |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#16
|
||||
|
||||
|
القول البديع في علم البديع (7/8) للعلامة الشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي (1033هـ) باب الكناية * وهي أن يُعبر عن المعنى القبيح [21أ/21ب] باللَّفظ الحسن، وعن الفاحش بالطَّاهر؛ كقوله تعالى: {كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75] كناية عن الحَدَث، {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ} [النساء: 43] كناية عن قضاء الحاجة، وقوله: {وَلَكِنْ لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} [البقرة: 235] كناية عن الجماع، وقوله: {الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} [النور: 26]، والمراد الزُّناة. ولا تجد معنًى من هذه المعاني في القرآن[1] إلاَّ بلفظ الكناية؛ لأنَّ المعنى الفاحش متى عبِّر بلفظه الموضوع له كان الكلامُ معيبًا من جهة فُحش المعنى، وكقول مَن هجا شخصًا به داءُ الأسد، فكنى عنه، ورمى أمَّه بالفجور بطريق الكناية: أرَادَ أَبُوكَ أُمَّكَ حِينَ زُفَّتِ فَلَمْ تُوجَدْ لأُمِّكَ بِنْتُ سَعْدِ أخُو لَخَمٍ أَعَارَكَ مِنْه ثَوْبًا هَنِيئًا بِالقَمِيصِ المُسْتَجِدِّ[2] بنت سعد: العذرة، وأخو لخم: هو الجذام. وقوله في حجَّام: إِذَا عَوَّجَ الكُتَّابُ يَوْمًا سُطُورَهُمْ فَلَيْسَ بِمُعْوَجٍّ لَهُ أَبَدًا سَطْر[3] ومن مليح الكناية قول بعض العرب: أَلا يَا نَخْلَةً مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ السَّلامُ سَأَلْتُ النَّاسَ عَنْكِ فَخَبَّرُونِي هَنَا مِنَ ذَاكَ يَكْرَهُهُ الكِرَامُ ولَيْسَ بِمَا أَحَلَّ اللَّهُ بَأْسٌ إِذَا هُوَ لَمْ يُخَالِطْهُ الحَرَام[4] كنى بالنَّخلة عن المرأة، وبـ "الهَن" عن الرَّفث، لكن من عادة العرب الكناية بِـ "هَن" عن مثل ذلك، وأمَّا الكناية بالنَّخلة عن المرأة، فمن ظريف الكناية وغريبها. باب التورية ويُقال[5] لها الإيهام والتوجيه والتخييل، والتورية أولى، مصدر ورَّيت الخبر توريةً، إذا سترته وأظهرت غيره، وفي الاصطلاح[6]: أن يذكر المتكلِّم لفظًا مفردًا له معنيان حقيقيان، أو حقيقة ومجاز، أحدهما قريب والآخَرُ بعيد، فيريد المتكلِّم المعنى البعيد، ويورِّي عنه بالمعنى القريب، فيتوهَّم السامع أنَّه يريد القريب، وليس كذلك، قال الزمخشري[7]: ولا نَرى[8] بابًا في البيان أدقَّ ولا ألطفَ من هذا الباب، ولا أنفع منه، ولا أعون على تعاطي [21ب/22أ] تأويل المشتبهات من كلام الله - تعالى - وكلام رسوله، وكلام أصحابه، وذلك كقوله - عليه السلام - في مجيئه إلى بدر، وقيل له مِمَّن أنتم؟ فلم يُرِدْ أن يُعلِم السائل، فقال: ((مِن ماء))[9]، فورَّى بقبيلة من العرب يُقال لها: ماء، وأراد: أنا مخلوقٌ من ماء. وكقول الصِّديق[10] في الهجرة، وقد سُئِل عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - مَن هذا؟ فقال: هادٍ يَهديني[11]، فورَّى عنه بهادي الطَّريق، وأراد هاديًا يَهديني للإسلام. وكقول عليٍّ في الأشعث بن قيس[12]: وهذا كان أبوه ينسج الشمال باليمين[13]؛ لأنَّ قيسًا كان يحوك الشِّمال التي واحدها شملة. وأقسام التورية أربعة، وفي التلخيص[14] ضربان: - مجرَّدة: وهي التي لا تجامع شيئًا ممَّا يلائم المعنى القريب، نحو: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى}[طه: 5] أراد[15] باستوى معناه البعيد، وهو استولى، ولم يُقرنْ به شيءٌ ممَّا يلائم المعنى القريب، الذي هو الاستقرار كالجلوس والاضطجاع. - مرشحة: وهي التي تجامع شيئًا ممَّا يلائم المعنى القريب، نحو: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [الذاريات: 47]. أراد بالأيدي معناها البعيد وهو القدرة، وقرن بها ما يلائم المعنى القريب الذي هو الجارحة المخصوصة، وهو قوله بنيناها؛ لأنَّ البناء يلائم اليد. والتحقيق أنَّ الأقسام[16] أربعة: - المجرَّدة: وهي التي لم يُذكر لها لازمٌ من لوازم المورَّى به، ولا لازم من لوازم المورَّى عنه كقول القاضي عياض[17] في صيفية باردة: كَأَنَّ كَانُونَ أَهْدَى مِنْ مَلابِسِهِ لِشَهْرِ تَمُّوزَ أَنْوَاعًا مِنَ الحُلَلِ أَوِِ الغَزَالَةُ مِنْ طُولِ المَدَى خَرِفَتْ فَمَا تُفَرِّقُ بَيْنَ الجَدْيِ والحَمَلِ[18] فالغزالة تطلق على الحيوان المعروف، وهو المعنى القريب المورَّى به، وعلى الشَّمس، وهو المعنى البعيد المورَّى عنه؛ وهو المراد، ولم يُذكر في البيت شيءٌ من لوازم المورَّى به، كطول العنق وحسن الالتفات، ولا من لوازم المورَّى عنه كالإشراق والطُّلوع والغروب، والجدي والحمل يُطلقان على الحيوان المعروف؛ وهو [22أ/22ب] المعنى القريب المورَّى به، وعلى بُرجين في السَّماء معروفين؛ وهو المعنى المورَّى عنه، ولم يُذكر شيءٌ من لوازم المورى به كالرَّعْي، ولا من لوازم المورَّى عنه كالسَّير في السماء[19]، فوقعت التورية مجرَّدة. ومنها ما ذُكر معها لازمُ المورى به ولازم المورى عنه، كقوله: يَا حَبَّذَا زَمَنُ الرَّبِيعِ وَرَوْضُهُ وَنَسِيمُهُ الخَفَّاقُ بِالأَغْصَانِ زَمَنٌ يُرِيكَ النَّجْمَ فِيهِ يَانِعًا وَالشَّمْسُ كَالدِّينَار فِي المِيزَان[20] فالميزان يحتمل السَّابع من بروج السَّماء، وقد ذكر من لوازمه الشمس؛ وهو المعنى القريب، ويحتمل ميزان الذهب، وقد ذكر من لوازمه الدِّينار؛ وهو المعنى البعيد المورَّى عنه، فلمَّا ذُكر لهذا لازم، ولهذا لازم كانا كالبينتين المتكافئتين فتعارضَا وتساقطَا، فصارتِ التورية مجرَّدة. الثاني: التورية المرشَّحة: وهي المقرونة بلازم المورى به، لا المورى عنه، واللازم تارة يتقدَّم، وتارة يتأخَّر، كقوله: تَوَلَّتْ وَجَاءَتْ بِشِعْرِيَّةٍ حَلالِي بِهَا الوَزْنُ وَالقَافِيَهْ وَرَاحَتْ كَشَمْسِ الضُّحَى تَجْتَلِي بِمِيزَانِهَا وَالسَّمَا صَافِيَه[21] فالشِّعرية يراد بها الميزان، وهو المعنى القريب المورَّى به، وذكر من لوازمه على جهة الترشيح الوزن، ويُراد بها غشاء الوجه للمرأة، وهو المعنى البعيد المورَّى عنه؛ وهو المراد، ولم يُذكر من لوازمه شيءٌ، ومنها: تَوَلَّى بَاخِلاً بِالوَصْلِ تِيهًا عَلى عُشَّاقِهِ وَرَنَا كَرِيمْ وَقَالَ وَقَدْ رَأَى دَمْعِي حَمِيمًا لَقَدْ أَصْبَحْتَ صَبًّا ذَا حَمِيمْ[22] فالحميم يُراد به الماء الحار، وهو المعنى القريب المورَّى به، وقد ذكر من لوازمه على جهة الترشيح الدَّمع، ويُراد به الصَّدِيق، وهو المعنى البعيد المورَّى عنه، ولم يُذكر من لوازمه شيءٌ. الثالث: التورية المبيَّنة: وهي المقرونة بلازم المورَّى [22ب/23أ] عنه، لا المورَّى به؛ ولذلك سُمِّيت المبيَّنة، كقوله: لَقَدْ حَفِظَتْ بَنُو الأَيَّامِ عَهْدِي كَحِفْظِ الرِّيحِ أَجْزَاءَ الرَّمَادِ وَكَمْ عَيْنٍ صَرَفْنَاهَا فَكَانَتْ مُسَاعِدَةً عَلَى نَيْلِ المُرَاد[23] فعين يحتمل الذَّهب، وهو المعنى البعيد المورَّى عنه؛ وهو المراد، وقد ذكر من لوازمه على جهة التبيين الصَّرف، ويحتمل عين الجارحة، وهو المعنى القريب المورَّى به، ولم يُذكر شيءٌ من لوازمه، ومنها: وَلَمَّا هَاجَ لِي تِذْكَارُ لَيْلَى وَأَكْنَافُ الحِجَازِ سَنَا البُرُوقِ تَبَسَّمَ بُغْيَتِي لَيْلاً فَلاحَتْ ثَنِيَّاتُ العُذَيْبِ مَعَ العَقِيقِ[24] فالثنيات[25] والعذيب[26] والعقيق[27] تحتمل الأماكنَ الثلاثة من أودية الحِجاز، وهو المعنى القريب المورَّى به، ولم يُذكر شيءٌ من لوازمه، ويحتمل: ثنيات الثغر، والعذيب الريق، والعقيق حمرة الشفتين، واللاَّزم تبسم، ومنها: أَيُّهَا المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلاً عَمْرَكَ اللَّهُ كَيفَ يَجْتَمِعَانِ هِيَ شَامِيَّةٌ إِذَا مَا اسْتَقَلَّتْ وَسُهَيْلٌ إِذا اسْتَقَلَّ يَمَانِي[28] قاله عمر بن أبي ربيعة[29] في صاحبته[30] الثريا من ولد تيم بن عبد مناف؛ لمَّا تزوَّجها سهيل[31] ابن عبدالرحمن بن عوف أحد العشرة[32]، وأمُّه من قبيلة باليمن فنسبه إليها، فالثريا وسهيل يُراد بهما النَّجم، وهو المعنى القريب المورَّى به، ويراد بهما الشخص؛ وهو المعنى البعيد المطلوب المورَّى عنه، واللازم قوله المنكح. الرَّابع: التورية المهيِّئة: وهي ما وقعت فيها التهيئة للمورَّى به، لا المورى عنه، كقوله: لِلَّهِ عَصْرُ الرَّبِيعِ المُشْتَهَى فَلَكَمْ جَاءَتْ مِنَ السُّحْبِ في آيَاتِهِ زُمَرُ عَصْرٌ بِهِ تَغْتَدِي الأَطْيَارُ صَادِحَةً وَالنَّجْمُ يُزْهِرُ لَمَّا يُوُرِقُ الشَّجَرُ[33] فالنجم يحتمل النبات، وهو المعنى القريب المورى به، وقد ذكر له الشجر، ولولا ذكره بَعْدُ ما تنبه السامع للنبات، ولكن بذكره [23أ/23ب] تهيَّأت التورية، ويحتمل الكوكب، وهو المعنى البعيد المورَّى عنه؛ وهو المراد، ولم يذكر له شيء، ومنها: رَاحَتْ ظُعُونُهُمُ تَحْدُو بِكَاعِبَةٍ تَغَارُ مِنْهَا لَدَى الظَّلْمَاءِ أَقْمَارُ ما أَنْجَدُوا بَلْ تَوَلَّوْا مُتْهِمِينَ بِه يَا لَيْتَهُمْ أَنْعَمُوا مِنْ بَعْدِ مَا غَارُوا[34] يُقال لِمَن خيَّم بنجد أنجد، ولِمَن حلَّ بتهامة أتهم، ولمن ارتبع بنعمان أنعم، و لمن ضرب بالغور غار، فقوله: "متهمين" يحتمل دخولهم تهامة، وهو المعنى القريب المورَّى به، ويحتمل التهمة، وهو المعنى البعيد المورَّى عنه؛ وهو المراد، ولو لم يتقدَّم "متهمين ما أنجدوا" ما تهيَّأت التورية في متهمين، ولم يفهم منها إلاَّ معنى التُّهمة، فلمَّا ذكر ما يُفهم منه دخول نجد تهيَّأت التورية في متهمين، وقوله: "غاروا" يحتمل دخوله غورة تهامة، وهو المعنى القريب المورى به، ويحتمل الغيرة أو الإغارة، ولو لم يذكر ما يفهم منه دخولُ نعمان، ما تهيَّأت في "غاروا". ومنها ما تهيَّأت فيه التورية بين لفظين، لولا كلُّ واحد منهما لَمَا تهيَّأت التورية في الآخَرِ، كقوله: مُذْ غَدَا الكَلْبُ صَائِدًا ظَبْيَةَ الحِقْ فِ وَلاقَتْ بَعْدَ النَّعِيمِ نَكَالَهْ قُلْتُ أَيُّ الزَّمَانِ مِثْلُ زَمَانٍ فِيهِ تَلْقَى العَوَّاءَ فَوْقَ الغَزَالَهْ[35] فالعوَّاء يحتمل الكوكب، وهو المعنى القريب المورى به، ويحتمل الكلب، وهو المعنى البعيد المورى عنه؛ وهو المراد، ولولا ذِكْرُه العواء المشترك بين اسم الكوكب والكلب ما فُهِم معنى اسم الغزالة المشترك بين الشمس والحيوان، وكذلك لولا ذِكْر الغزالة ما فُهِم اسم العواء، فلم تتهيَّأ التورية في كلِّ واحد منهما، إلاَّ بذِكْر الآخر. تنبيهات: الأول:أنَّه ليس كلُّ لفظ مشترك بين معنيين يُتصوَّر فيه التورية، وإنما تُتصوَّر حيثُ يكون المعنيان ظاهرين، إلاَّ أنَّ أحدهما أسبقُ إلى الفَهْم من الآخر، وهذا يختلف باختلاف الأماكن والعُرْف، وبحسب اللوازم المبينة والمرشحة. الثاني: [23ب/24أ] التورية المهيِّئة أعمُّ من المجرَّدة؛ لأنَّه كلَّما وُجِدت المهيِّئة وُجِدت المجرَّدة، ولا عكس؛ لأنَّ المجرَّدة قد تكون في لفظ واحد لا يتعلَّق بغيره. الثالث:الفرْق بين اللَّفظ الذي يهيئ، واللَّفظ الذي يرشح أو يبين؛ هو أنَّ اللَّفظ الذي وقعت فيه التهيِّئة، لو لم يذكر لم يكن ثَمَّ تورية، والمرشح والمبين إنَّما هما مقومان للتورية، فلو فُقِدَا لكانت التورية موجودة. الرابع: اللُّغز، والفرق بينه وبين التورية: أنَّ لفظ التورية يكون المعنى المراد منه مدلولاً عليه باللَّفظ؛ حقيقةً كان أو مجازًا، والمعنى المراد من اللُّغز لا يدلُّ عليه اللَّفظ بحقيقة ولا مجاز، ولا يكون من عوارض ذلك اللَّفظ، وإنَّما هو أمر يُدرك بالحدس، وتتفاوت فيه الأفهام بحسب التمرين والاعتياد، فكمْ مَن يكون أقوى النَّاس ذِهنًا، وهو بطيء في استخراجه؛ لقلَّة اعتياده، وكم من هو بالعكس، مأخوذ من اللّغز: وهو الطَّريق الذي يلتوي، ويُشكِل على سالكه، كقوله في كتاب: وَمَا رَوْضَةٌ يَجْنِي اللَّبِيبُ ثِمَارَهَا وَذُو الجَهْلِ مِنْها لا يَنَالُ سِوَى الوَرَقْ زَكَا غَرْسُهَا فِي غَيْرِ أَرْضٍ وَزَهْرُهَا إِذَا مَا سُقِي مَاءً تَمَزَّقَ وانْخرَقْ[36] وقوله في إبرة: سَعَتْ ذَاتُ سَمٍّ فِي قَمِيصِي فَغَادَرَتْ بِهِ أَثَرًا وَاللَّهُ شَافٍ مِنَ السُّمِّ كَسَتْ قَيْصَرًا ثَوْبَ الجَمَالِ وَتُبَّعًا وَكِسْرَى وَعَادَتْ وَهْيَ عَارِيَةُ الجِسْمِ[37] وقوله في الأيام والليالي: وَمَا مُقْبِلاتٌ مُدْبرِاتٌ تَشَابَهَتْ مُفَرَّقَةُ الأَسْمَاءِ واللَّوْنُ وَاحِدُ يُصَادَفُ فِي أَطْوَارِهِنَّ حَلاوَةٌ وَمِنْهُنَّ مُرَّاتٌ وسُخْنٌ وبَارِدُ[38] وقوله في الشمعة: وَرَائِقُ اللَّوْنِ مُسْتَحَبّْ يَجْمَعُ أَوْصَافَ كُلِّ صَبّْ سُهَادُ عَيْنٍ وَسَكْبُ دَمْعٍ وذَوْبُ جِسْمٍ، وَحَرُّ قَلْبْ[39] باب التمثيل[40] وهو أن يريد المتكلِّم معنًى ما، فلا يدلُّ عليه بلفظه الموضوع له، ولا بلفظ قريب من لفظه، بل بلفظ يصلح أن يكون مثالاً للفظ المعنى المراد كقوله [24أ/24ب] - تعالى -: {وَقُضِيَ الأَمْرُ} [هود: 44]؛ أي: هلك مَن قُضي هلاكُه، ونجا مَن قُدِّرت نجاته، وإنَّما عدل عن اللفظ الخاص إلى التمثيل؛ لأمرين: اختصار اللفظ، وكون الهلاك والنجاة كانَا بأمرِ آمرٍ مطاع. ولحديث أمِّ زرع[41] ((زوجي ليل تهامة، فلا حَرٌّ، ولا بَرْدٌ، ولا خامة ولا سآمة))، فإنَّها أرادت وصْفَه بحُسن العِشرة مع نسائه، فعدلت عن لفظ التمثيل؛ لِمَا فيه من الزِّيادة لتمثيلها الممدوحَ بليل تهامة، الذي صِفتُه بأنَّه معتدل، فتضمن ذلك وصف الممدوح باعتدال المزاج المستلزم: حسن الخُلق، وكمال الخَلق، وكمال العقل المنتج لِين الجانب وطِيب المعاشرة، وحذفت أداة التَّشبيه؛ ليقربَ المشبَّه من المشبَّه به، وهذا ممَّا يُبيِّن لك لفظ التمثيل في كونه لا يجيء إلاَّ مقدَّرًا بمثل غالبًا، وكقول الرماح بن ميادة[42]: أَلَمْ أَكُ فِي يُمْنَى يَدَيْكَ جَعَلْتَنِي فَلا تَجْعَلَنِّي بَعْدَهَا فِي شِمَالِكَا[43] أراد أن يقول: ألم أكن قريبًا منك؟! فلا تجعلني بعيدًا عنك، فَعَدل عنه إلى لفظ التمثيل، لِمَا فيه من الزِّيادة في المعنى؛ لِمَا يعطيه لفظتا اليمين والشِّمال من الأوصاف؛ لأنَّ اليمين أشدُّ قوة، معدَّة للطعام والشراب، والأخذ والعطاء، وكل ما شَرُف، والشِّمال بالعكس، واليمين مشتق من اليمن وهو البركة، والشِّمال من الشؤم، فكأنَّه قال: ألم أكن مكرمًا عندك فلا تجعلني مهانًا! وكنت منك في المكان الشريف! فلا تجعلني في الوضيع. ويُلحق بالتمثيل ما خرج مخرج المثل السَّائر، كقوله – تعالى -: {وَتَرَى الجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل: 88]، {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ} [الإسراء: 7]، وكقول النابغة[44]: وَلَسْتَ بِمُسْتَبْقٍ أَخَا لا تَلُمُّهُ عَلَى شَعَثٍ أَيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ[45]؟! وقول بشار[46]: فَعِشْ وَاحِدًا أَوْ صِلْ أَخَاكَ فَإِنَّهُ مُقَارِفُ ذَنْبٍ مَرَّةً ومُجَانِبُهُ إِذَا أَنْتَ لَمْ تَشْرَبْ مِرَارًا عَلَى القَذَى ظَمِئْتَ وَأَيُّ المَاءِ[47] تَصْفُو مَشَارِبُه[48] باب الإفراط في الصفة[49]ويسمى المبالغة[50] وهو أن يُدَّعى [24ب/25أ] لوصف بلوغُه في الشِّدة أو الضعف حدًّا مستحيلاً أو مستبعدًا؛ خوفَ توهُّم السامع أنَّ الموصوف قاصرٌ في تلك الصِّفة. وهي ثلاثة أقسام: تبليغ، وإغراق، وغلو؛ لأنَّ الصفة المبالغ فيها إمَّا أن تمكن عقلاً وعادة؛ وهو التبليغ، أو عقلاً لا عادة؛ وهو الإغراق، أو لا عقلاً ولا عادة؛ وهو الغلو، وأصل الإغراق في الزَّرع، والغلو بعد الرَّمية بالسهم بقدر الإمكان، ولَمَّا كان الخروج من الحقِّ إلى الباطل يشبه خروج هذه الرَّمية عن الحدِّ سُمِّي غلوًّا. وقد اختُلف[51] في المبالغة: فقوم يَرَوْنها من محاسن هذا الفن؛ لقولهم: أحسنُ الشِّعر أكذبُه، وخير الكلام ما بولغ فيه، وقوم يَرَوْنها من عيوب الكلام، ولا يرون من محاسنه إلاَّ ما خرج مخرجَ الصِّدق، واحتجُّوا بقول حسان[52] - رضي الله عنه -: وَإِنَّمَا الشِّعْرُ لُبُّ المَرْءِ يَعْرِضُهُ عَلَى المَجَالِسِ إِنْ كَيْسًا وَإِنْ حُمُقَا وَإِنَّ أَشْعَرَ بَيْتٍ أَنْتَ قَائِلُهُ بَيْتٌ يُقَالَ إِذَا أَنْشَدْتَهُ صَدَقَا[53] وذلك كقول طَرَفة[54]: لَعَمْرُكَ إِنَّ المَوْتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَى لَكَالطِّوَلِ المُرْخَى وَثِنْيَاهُ فِي اليَدِ سَتُبْدِي لَكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً وَيَأتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ[55] والصواب أنَّ المبالغة من المحاسن، لوقوعها في مواضعَ من القرآن، كقوله – تعالى -: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]، مع قوله – تعالى -: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8]، وكقوله – سبحانه -: ((كلُّ عمل ابن آدمَ له إلاَّ الصَّوْم، فإنَّه لي وأنا أجزي به))[56]، فهذا لقصد المبالغة في تعظيمه وتشريفه، وإلاَّ فالأعمال كلُّها لله، باعتبار قصد وجهه بها، وللعبد باعتبار ثوابه عليها، فالتبليغ والإغراق مقبولان. فالتبليغ كقوله: وَرَامٍ كَبَدْرٍ حَلَّ بِالقَوْسِ لَمْ يَزَلْ لأَسْهُمِهِ فِي القَلْبِ مِنِّيَ مَوْقِعُ وَأَلْحَاظُهُ مِنْ مُرْسَلاتِ نِبَالِهِ إِلَى مُهَجِ العُشَّاقِ أَمْضَي وَأَسْرَعُ[57] وصف المعشوق الرَّامي بالقوس أنَّ نِبال ألحاظِه أمضى وأسرع إلى مهج عشاقه مِن نِبال قوسه، وهذا غير مستحيل عقلاً وعادةً، في [25أ/25ب] كون اللَّحظ أمضى، وأسرع من مَرِّ السهم. يتبع
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |