تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد - الصفحة 20 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5138 - عددالزوار : 2431541 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4728 - عددالزوار : 1748755 )           »          السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 140 - عددالزوار : 1960 )           »          طريقة عمل طاجن المكرونة بالبصل وقطع الدجاج في 5 خطوات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          4 سلوكيات تحسن التواصل بين الزوجات والحموات وتحمي العائلة من الخناقات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          وصفات طبيعية لتفتيح البشرة وترطيبها بعمق.. فعالة وسهلة الاستخدام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          طريقة عمل صوص اللحمة المشوية.. 5 صلصات هتودي الطعم في حتة تانية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          10 فوائد لاستخدام الخل الأبيض في الغسيل.. يقضي على بقع العرق الصفراء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          5 قواعد مهمة للعناية ببشرة طفلك حديث الولادة.. تحافظ عليها ناعمة وصحية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          طريقة عمل سلطة المكرونة الاسباجيتي بالخضراوات.. مغذية ومفيدة للأطفال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13-05-2022, 10:52 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,781
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثانى
سُورَةُ الْمَائِدَةِ
الحلقة (194)
صــ459 إلى صــ 467



قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين

قوله تعالى: تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وقرأ ابن محيصن ، وابن السميفع ، والجحدري: لأولنا وآخرنا برفع الهمزة ، وتخفيف الواو ، والمعنى: يكون اليوم الذي نزلت فيه عيدا لنا ، نعظمه نحن ومن بعدنا ، قاله قتادة ، والسدي . وقال كعب: أنزلت عليهم يوم الأحد ، فاتخذوه عيدا . وقال ابن قتيبة: عيدا ، أي: مجمعا . قال الخليل بن أحمد: العيد: كل يوم يجمع ، كأنهم عادوا إليه . وقال ابن الأنباري: سمي عيدا للعود من الترح إلى الفرح .

قوله تعالى: وآية منك أي: علامة منك تدل على توحيدك ، وصحة نبوة نبيك . وقرأ ابن السميفع ، وابن محيصن ، والضحاك ( وأنه منك ) بفتح الهمزة ، [ ص: 459 ] وبنون مشددة . وفي قوله: وارزقنا قولان . أحدهما: ارزقنا ذلك من عندك .

والثاني: ارزقنا الشكر على ما أنعمت به من إجابتك لنا .
قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين

قوله تعالى: قال الله إني منزلها عليكم قرأ نافع ، وعاصم ، وابن عامر: "منزلها" بالتشديد ، وقرأ الباقون خفيفة . وهذا وعد بإجابة سؤال عيسى . واختلف العلماء: هل نزلت ، أم لا؟ على قولين .

أحدهما: أنها نزلت ، قاله الجمهور . فروى وهب بن منبه عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان الفارسي قال: لما رأى عيسى أنهم قد جدوا في طلبها لبس جبة من شعر ، ثم توضأ ، واغتسل ، وصف قدميه في محرابه حتى استويا ، وألصق الكعب بالكعب ، وحاذى الأصابع بالأصابع ، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره ، وطأطأ رأسه خضوعا ، ثم أرسل عينيه بالبكاء ، فما زالت تسيل دموعه على خده ، وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض من دموعه حيال وجهه ، ثم رفع رأسه إلى السماء ، فقال: اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء ، فبينما عيسى كذلك ، هبطت علينا مائدة من السماء ، سفرة حمراء بين غمامتين ، غمامة من تحتها ، وغمامة من فوقها ، وعيسى يبكي ويتضرع ، ويقول: إلهي اجعلها سلامة ، لا تجعلها عذابا ، حتى استقرت بين يديه ، والحواريون من حوله ، فأقبل هو وأصحابه حتى قعدوا حولها ، وإذا عليهم منديل مغطى ، فقال عيسى: أيكم أوثق بنفسه وأقل بلاء عند ربه فليأخذ هذا المنديل ، وليكشف لنا عن هذه الآية . قالوا: يا روح الله أنت أولانا بذلك ، فاكشف عنها ، فاستأنف وضوءا جديدا ، وصلى ركعتين ، وسأل [ ص: 460 ] ربه أن يأذن له بالكشف عنها ، ثم قعد إليها ، وتناول المنديل ، فإذا عليها سمكة مشوية ، ليس فيها شوك ، وحولها من كل البقل ما خلا الكراث ، وعند رأسها الخل ، وعند ذنبها الملح ، وحولها خمسة أرغفة ، على رغيف تمر ، وعلى رغيف زيتون ، وعلى رغيف خمس رمانات . فقال: شمعون رأس الحواريين: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا ، أمن طعام الجنة؟ فقال عيسى: سبحان الله أما تنتهون! ما أخوفني عليكم . قال شمعون: لا وإله بني إسرائيل ما أردت بهذا سوءا . قال عيسى: ليس ما ترون عليها من طعام الدنيا ، ولا من طعام الجنة ، إنما هو شيء ابتدعه الله ، فقال له: "كن" فكان أسرع من طرفة عين . فقال الحواريون: يا روح الله إنما نريد أن ترينا في هذه الآية آية ، فقال: سبحان الله! ما اكتفيتم بهذه الآية؟! ثم أقبل على السمكة فقال: عودي بإذن الله حية طرية ، فعادت تضطرب على المائدة ، ثم قال: عودي كما كنت ، فعادت مشوية ، فقال: يا روح الله كن أنت أول من يأكل منها ، فقال: معاذ الله بل يأكل منها من سألها ، فلما رأوا امتناعه ، خافوا أن يكون نزولها عقوبة ، فلما رأى عيسى ذلك دعا لها الفقراء والزمنى واليتامى ، فقال: كلوا من رزق ربكم ، ودعوة نبيكم ، ليكون مهنؤها لكم ، وعقوبتها على غيركم ، فأكل منها ألف وسبعمائة إنسان ، يصدرون عنها شباعا وهي كهيئتها حين نزلت ، فصح كل مريض ، واستغنى كل فقير أكل منها ، ثم نزلت بعد ذلك عليهم ، فازدحموا عليها ، فجعلها عيسى نوبا بينهم ، فكانت تنزل عليهم أربعين يوما ، تنزل يوما وتغب يوما ، وكانت تنزل عند ارتفاع الضحى ، فيأكلون منها حتى إذا قالوا ، ارتفعت إلى السماء وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض . وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشية ، [ ص: 461 ] حيث كانوا . وقال غيره: نزلت يوم الأحد مرتين . وقيل: نزلت غدوة وعشية يوم الأحد ، فلذلك جعلوه عيدا . وفي الذي كان على المائدة ثمانية أقوال .

أحدها: أنه خبز ولحم ، روي عن عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نزلت المائدة من السماء خبزا ولحما" . والثاني: أنها سمكة مشوية ، وخمس أرغفة ، وتمر ، وزيتون ، ورمان ، وقد ذكرناه عن سلمان . والثالث: ثمر من ثمار الجنة ، قاله عمار بن ياسر . وقال قتادة: ثمر من ثمار الجنة ، وطعام من طعامها .

والرابع: خبز ، وسمك ، رواه العوفي عن ابن عباس ، وبه قال الحسن ، وأبو عبد الرحمن السلمي . والخامس: قطعة من ثريد ، رواه الضحاك عن ابن عباس .

والسادس: أنه أنزل عليها كل شيء إلا اللحم ، قاله سعيد بن جبير .

والسابع: سمكة فيها طعم كل شيء من الطعام ، قاله عطية العوفي .

والثامن: خبز أرز وبقل ، قاله ابن السائب .

والقول الثاني: أنها لم تنزل ، روى قتادة عن الحسن أن المائدة لم تنزل ، لأنه لما قال الله تعالى: فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين قالوا: لا حاجة لنا فيها . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ، قال: أنزلت مائدة عليها ألوان من الطعام ، فعرضها عليهم ، وأخبرهم أنه العذاب إن كفروا ، فأبوها فلم تنزل . وروى ليث عن مجاهد قال: هذا مثل ضربه الله تعالى [ ص: 462 ] لخلقه ، لينهاهم عن مسألة الآيات لأنبيائه ، ولم ينزل عليهم شيء ، والأول أصح .

قوله تعالى: فمن يكفر بعد منكم أي: بعد إنزال المائدة .

وفي العذاب المذكور قولان .

أحدهما: أنه المسخ . والثاني: جنس من العذاب لم يعذب به أحد سواهم .

قال الزجاج : ويجوز أن يعجل لهم في الدنيا ، ويجوز أن يكون في الآخرة . وفي "العالمين" قولان . أحدهما: أنه عام . والثاني: عالمو زمانهم . وقد ذكر المفسرون أن جماعة من أصحاب المائدة مسخوا . وفي سبب مسخهم ثلاثة أقوال .

أحدها: أنهم أمروا أن لا يخونوا ، ولا يدخروا ، فخانوا وادخروا ، فمسخوا قردة وخنازير ، رواه عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم .

والثاني: أن عيسى خص بالمائدة الفقراء ، فتكلم الأغنياء بالقبيح من القول ، وشككوا الناس فيها ، وارتابوا ، فلما أمسى المرتابون بها ، وأخذوا مضاجعهم ، مسخهم الله خنازير ، قاله سلمان الفارسي .

والثالث: أن الذين شاهدوا المائدة ، ورجعوا إلى قومهم ، فأخبروهم ، فضحك بهم من لم يشهد ، وقالوا: إنما سحر أعينكم ، وأخذ بقلوبكم ، فمن أراد الله به خيرا ، ثبت على بصيرته ، ومن أراد به فتنة ، رجع إلى كفره . فلعنهم عيسى ، فأصبحوا خنازير ، فمكثوا ثلاثة أيام ، ثم هلكوا ، قاله ابن عباس .

[ ص: 463 ] وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب

قوله تعالى: وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم في زمان هذا القول قولان .

أحدهما: أنه يقول له: يوم القيامة ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، وابن جريج .

والثاني: أنه قاله له حين رفعه إليه ، قاله السدي . والأول أصح .

وفي إذ ثلاثة أقوال .

أحدها: أنها زائدة ، والمعنى: وقال الله ، قاله أبو عبيدة .

والثاني: أنها على أصلها ، والمعنى: وإذ يقوله الله له ، قاله ابن قتيبة .

والثالث: أنها بمعنى: "إذا" ، كقوله: ولو ترى إذ فزعوا [سبأ: 51] والمعنى: إذا . قال أبو النجم:


ثم جزاك الله عني إذ جزى جنات عدن في السموات العلا


ولفظ الآية لفظ الاستفهام ، ومعناها التوبيخ لمن ادعى ذلك على عيسى . قال أبو عبيدة: وإنما قال: "إلهين" ، لأنهم إذ أشركوا فعل ذكر مع فعل أنثى [غلب فعل الذكر] ذكروهما . فإن قيل: فالنصارى لم يتخذوا مريم إلها ، فكيف [ ص: 464 ] قال الله تعالى ذلك فيهم؟ فالجواب: أنهم لما قالوا: لم تلد بشرا ، وإنما ولدت إلها ، لزمهم أن يقولوا إنها من حيث البعضية بمثابة من ولدته ، فصاروا بمثابة من قاله .

قوله تعالى: قال سبحانك أي: براءة لك من السوء ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق أي: لست أستحق العبادة ، فأدعو الناس إليها . وروى عطاء بن السائب عن ميسرة قال: لما قال الله تعالى لعيسى: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله رعد كل مفصل منه حتى وقع مخافة أن يكون قد قاله ، وما قال: إني لم أقل ، ولكنه قال: (إن كنت قلته ، فقد علمته) فإن قيل: ما الحكمة في سؤال الله تعالى له عن ذلك وهو يعلم أنه ما قاله؟ فالجواب: أنه تثبيت للحجة على قومه ، وإكذاب لهم في ادعائهم عليه أنه أمرهم بذلك ، ولأنه إقرار من عيسى بالعجز في قوله: ولا أعلم ما في نفسك وبالعبودية في قوله: أن اعبدوا الله ربي وربكم .

قوله تعالى: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك قال الزجاج : تعلم ما أضمره ، ولا أعلم ما عندك علمه ، والتأويل: تعلم ما أعلم وأنا لا أعلم ما تعلم .
ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد

قوله تعالى: أن اعبدوا الله قال مقاتل: وحدوه .

قوله تعالى: وكنت عليهم شهيدا أي: على ما يفعلون ما كنت مقيما فيهم ، وقوله: فلما توفيتني فيه قولان . [ ص: 465 ] أحدهما: بالرفع إلى السماء . والثاني: بالموت عند انتهاء الأجل . و "الرقيب" مشروح في سورة (النساء) و "الشهيد" في (آل عمران) .
إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم

قوله تعالى: إن تعذبهم فإنهم عبادك قال الحسن ، وأبو العالية: إن تعذبهم ، فبإقامتهم على كفرهم ، وإن تغفر لهم ، فبتوبة كانت منهم . وقال الزجاج : علم عيسى أن منهم من آمن ، ومنهم من أقام على الكفر ، فقال في جملتهم: إن تعذبهم أي: إن تعذب من كفر منهم فإنهم عبادك ، وأنت العادل فيهم ، لأنك قد أوضحت لهم الحق ، فكفروا ، وإن تغفر لهم ، أي: وإن تغفر لمن أقلع منهم ، وآمن ، فذلك تفضل منك ، لأنه قد كان لك أن لا تغفر لهم بعد عظيم فريتهم ، وأنت في مغفرتك لهم عزيز ، لا يمتنع عليك ما تريد ، حكيم في ذلك . وقال ابن الأنباري: معنى الكلام: لا ينبغي لأحد أن يعترض عليك ، فإن عذبتهم ، فلا اعتراض عليك ، وإن غفرت لهم -ولست فاعلا إذا ماتوا على الكفر- فلا اعتراض عليك . [ ص: 466 ] وقال غيره: العفو لا ينقص عزك ، ولا يخرج عن حكمك . وقد روى أبو ذر قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام ليلة بآية يرددها: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم .
قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير

قوله تعالى: قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم قرأ الجمهور برفع اليوم ، وقرأ نافع بنصبه على الظرف . قال الزجاج : المعنى: قال الله هذا لعيسى في يوم ينفع الصادقين صدقهم ، ويجوز أن يكون على معنى: قال الله هذا الذي ذكرناه يقع في يوم ينفع الصادقين صدقهم . والمراد باليوم: يوم القيامة . وإنما خص نفع الصدق به ، لأنه يوم الجزاء . وفي هذا الصدق قولان .

أحدهما: أنه صدقهم في الدنيا ينفعهم في الآخرة .

والثاني: صدقهم في الآخرة ينفعهم هنالك . وفي هذه الآية تصديق لعيسى فيما قال .

[ ص: 467 ] قوله تعالى: رضي الله عنهم أي: بطاعتهم ، ورضوا عنه بثوابه . وفي قوله: لله ملك السماوات والأرض تنبيه على عبودية عيسى ، وتحريض على تعليق الآمال بالله وحده .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 13-05-2022, 10:53 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,781
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد





تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ الْأَنْعَامِ
الحلقة (195)
صــ3 إلى صــ 10


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الْأَنْعَامِ

فَصْلٌ فِي نُزُولِهَا


روى مجاهد عن ابن عباس: أن ( الأنعام ) مما نزل بمكة . وهذا قول الحسن ، وقتادة ، وجابر بن زيد .

وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس ، قال: نزلت سورة [الأنعام] جملة ليلا بمكة وحولها سبعون ألف ملك .

وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: هي مكية ، نزلت جملة واحدة ونزلت ليلا ، وكتبوها من ليلتهم ، غير ست آيات وهي: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم . . . إلى آخر الثلاث آيات ، وقوله: وما قدروا الله حق قدره . . . الآية . [الأنعام:151-153] . وقوله: " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا " أو قال: أوحي إلي إلى آخر الآيتين [الأنعام: 93 ، 94 ] وذكر مقاتل نحو هذا وزاد آيتين قوله: والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق [الأنعام:114] . وقوله: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه . . . [الأنعام:21] .

[ ص: 2 ] وروي عن ابن عباس ، وقتادة قالا: هي مكية ، إلا آيتين نزلتا بالمدينة ، قوله: وما قدروا الله حق قدره . . . الآية [الأنعام: 91] .

وقوله: وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات [الأنعام: 141 ] . وذكر أبو الفتح بن شيطا: أنها مكية ، غير آيتين نزلتا بالمدينة قل تعالوا . . . والتي بعدها [الأنعام:152 ، 151] .

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون .

فأما التفسير ، فقال كعب: فاتحة الكهف فاتحة [الأنعام] وخاتمتها خاتمة هود ، وإنما ذكر السماوات والأرض; لأنهما من أعظم المخلوقات .

والمراد "بالجعل": الخلق ، وقيل: إن "جعل" هاهنا: صلة ، والمعنى: والظلمات . وفي المراد بالظلمات والنور ثلاثة أقوال . أحدها: الكفر والإيمان ، قاله الحسن . والثاني: الليل والنهار . قاله السدي . والثالث: جميع الظلمات والأنوار .

قال قتادة خلق الله السماوات قبل الأرض ، والظلمات قبل النور ، والجنة قبل النار .

قوله تعالى: ثم الذين كفروا يعني: المشركين بعد هذا البيان بربهم يعدلون ، أي: يجعلون له عديلا ، فيعبدون الحجارة الموات ، مع إقرارهم بأنه الخالق لما وصف . يقال: عدلت هذا بهذا: إذا ساويته به . قال أبو عبيدة: هو مقدم ومؤخر ، تقديره: يعدلون بربهم . وقال النضر بن شميل: الباء: بمعنى" عن " .
هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون .

قوله تعالى: هو الذي خلقكم من طين يعني: آدم ، وذلك أنه لما شك [ ص: 3 ] المشركون في البعث ، وقالوا: من يحيي هذه العظام ، أعلمهم أنه خلقهم من طين ، فهو قادر على إعادة خلقهم .

قوله تعالى: ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده فيه ستة أقوال .

أحدها: أن الأجل الأول: أجل الحياة إلى الموت ، والثاني: أجل الموت إلى البعث ، روي عن ابن عباس ، والحسن ، وابن المسيب ، وقتادة ، والضحاك ، ومقاتل .

والثاني أن الأجل: الأول النوم الذي تقبض فيه الروح ، ثم ترجع في حال اليقظة ، والأجل المسمى عنده: أجل موت الإنسان .

رواه العوفي عن ابن عباس .

والثالث: أن الأجل الأول: أجل الآخرة متى يأتي ، والأجل الثاني: أجل الدنيا ، قاله مجاهد في رواية .

والرابع: أن الأول: خلق الأشياء في ستة أيام ، والثاني: ما كان بعد ذلك إلى يوم القيامة ، قاله عطاء الخراساني .

والخامس: أن الأول: قضاه حين أخذ الميثاق على خلقه ، والثاني: الحياة في الدنيا ، قاله ابن زيد ، كأنه يشير إلى أجل الذرية حين أحياهم وخاطبهم .

والسادس: أن الأول: أجل من قد مات من قبل . والثاني: أجل من يموت بعد ، ذكره الماوردي .

قوله تعالى: ثم أنتم أي بعد هذا البيان تمترون وفيه قولان .

أحدهما: تشكون ، قاله قتادة ، والسدي . وفيما شكوا فيه قولان . أحدهما: الوحدانية ، والثاني: البعث .

والثاني: يختلفون ، مأخوذ من المراء ، ذكره الماوردي . [ ص: 4 ] وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون .

قوله تعالى: وهو الله في السماوات وفي الأرض فيه أربعة أقوال .

أحدها: هو المعبود في السماوات وفي الأرض ، قاله ابن الأنباري .

والثاني: وهو المنفرد بالتدبير في السماوات وفي الأرض ، قاله الزجاج .

والثالث: وهو الله في السماوات ، ويعلم سركم وجهركم في الأرض ، قاله ابن جرير .

والرابع: أنه مقدم ومؤخر . والمعنى: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض ، ذكره بعض المفسرين .
وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون .

قوله تعالى: وما تأتيهم من آية من آيات ربهم نزلت في كفار قريش .

وفي الآية قولان . أحدهما: أنها الآية من القرآن ، والثاني: المعجزة مثل انشقاق القمر .

والمراد بالحق: القرآن . والأنباء: الأخبار . والمعنى: سيعلمون عاقبة استهزائهم .
ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين .

قوله تعالى: كم أهلكنا من قبلهم من قرن القرن: اسم أهل كل عصر . [ ص: 5 ] وسموا بذلك; لاقترانهم في الوجود . وللمفسرين في المراد بالقرن سبعة أقوال .

أحدها: أنه أربعون سنة ، ذكره ابن سيرين عن النبي صلى الله عليه وسلم .

والثاني: ثمانون سنة ، رواه أبو صالح عن ابن عباس .

والثالث: مائة سنة ، قاله عبد الله بن بشر المازني ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن .

والرابع: مائة وعشرون سنة ، قاله زرارة بن أوفى ، وإياس بن معاوية .

والخامس: عشرون سنة ، حكاه الحسن البصري .

والسادس: سبعون سنة ، ذكره الفراء .

والسابع: أن القرن: أهل كل مدة كان فيها نبي ، أو طبقة من العلماء ، قلت السنون ، أو كثرت ، بدليل قوله: صلى الله عليه وسلم "خيركم قرني" يعني: أصحابي "ثم الذين يلونهم" يعني: التابعين . " ثم الذين يلونهم" يعني: الذين أخذوا عن التابعين .

فالقرن: مقدار التوسط في أعمار أهل الزمان ، فهو في كل قوم على مقدار أعمارهم ، واشتقاق القرن من الاقتران وفي معنى ذلك الاقتران قولان .

أحدهما: أنه سمي قرنا; لأنه المقدار الذي هو أكثر ما يقترن فيه أهل ذلك الزمان في بقائهم . هذا اختيار الزجاج . [ ص: 6 ] والثاني: أنه سمي قرنا; لأنه يقرن زمانا بزمان ، وأمة بأمة ، قاله ابن الأنباري . وحكى ابن قتيبة عن أبي عبيدة قال: يرون أن أقل ما بين القرنين: ثلاثون سنة .

قوله تعالى: مكناهم في الأرض قال ابن عباس : أعطيناهم ما لم نعطكم . يقال مكنته ومكنت له: إذا أقدرته على الشيء بإعطاء ما يصح به الفعل من العدة . وفي هذه الآية رجوع من الخبر إلى الخطاب .

فأما السماء: فالمراد بها المطر . ومعنى "أرسلنا" أنزلنا ، و"المدرار" مفعال من در ، يدر ، والمعنى: نرسلها كثيرة الدر .

ومفعال ، من أسماء المبالغة ، كقولهم: امرأة مذكار: إذا كانت كثيرة الولادة للذكور ، وكذلك مئناث .

فإن قيل: السماء مؤنثة ، فلم ذكر مدرارا .

فالجواب: أن حكم ما انعدل من النعوت عن منهاج الفعل وبنائه أن يلزم التذكير في كل حال سواء كان وصفا لمذكر أو مؤنت ، كقولهم امرأة مذكار ، ومعطار ، وامرأة مذكر ، ومؤنث ، وهي كفور ، وشكور ، ولو بنيت هذه الأوصاف على الفعل ، لقيل كافرة ، وشاكرة ومذكرة ، فلما عدل عن بناء الفعل ، جرى مجرى ما يستغني بقيام معنى التأنيث فيه عن العلامة ، كقولهم: النعل لبستها ، والفأس كسرتها ، وكان إيثارهم التذكير للفرق بين المبني على الفعل ، والمعدول عن مثل الأفاعيل . والمراد بالمدرار: المبالغة في اتصال المطر ودوامه . يعني: أنها تدر وقت الحاجة إليها ، لا أنها تدوم ليلا ونهارا فتفسد ، ذكره ابن الأنباري .
[ ص: 7 ] ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين .

قوله تعالى: ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس سبب نزولها: أن مشركي مكة قالوا: يا محمد ، والله لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ، ومعه أربعة من الملائكة ، يشهدون أنه ، من عند الله ، وأنك رسوله فنزلت هذه الآية ، قاله ابن السائب . قال ابن قتيبة: والقرطاس: الصحيفة ، يقال للرامي إذا أصاب الصحيفة: قرطس . قال شيخنا أبو منصور اللغوي: القرطاس قد تكلموا به قديما .

ويقال: إن أصله غير عربي . والجمهور على كسر قافه ، وضمها أبو رزين ، وعكرمة ، وطلحة ، ويحيى بن يعمر .

فأما قوله تعالى: فلمسوه بأيديهم فهو توكيد لنزوله ، وقيل: إنما علقه باللمس باليد إبعادا له عن السحر; لأن السحر يتخيل في المرئيات ، دون الملموسات . ومعنى الآية: إنهم يدفعون الصحيح .
وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون [ ص: 8 ] قوله تعالى: وقالوا لولا أنزل عليه ملك قال مقاتل: نزلت في النضر بن الحارث ، وعبد الله بن أبي أمية ، ونوفل بن خويلد ، "ولولا" بمعنى "هلا" أنزل عليه ملك نصدقه ، ولو أنزلنا ملكا فعاينوه ولم يؤمنوا ، لقضي الأمر وفيه ثلاثة أقوال .

أحدها: أن المعنى: لماتوا ، ولم يؤخروا طرفة عين لتوبة ، قاله ابن عباس .

والثاني: لقامت الساعة ، قاله عكرمة ، ومجاهد .

والثالث لعجل لهم العذاب ، قاله قتادة .
ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون .

قوله تعالى: ولو جعلناه أي: ولو جعلنا الرسول إليهم ملكا ، لجعلناه في صورة رجل; لأنهم لا يستطيعون رؤية الملك على صورته ، وللبسنا عليهم أي: لشبهنا عليهم . يقال: ألبست الأمر على القوم ، ألبسه ، أي: شبهته عليهم ، وأشكلته . والمعنى: لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا ، فلا يدرون أملك هو ، أم آدمي؟ فأضللناهم بما به ضلوا ، قبل أن يبعث الملك . وقال الزجاج : كانوا يلبسون على ضعفتهم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون: إنما هذا بشر مثلكم ، فقال تعالى: لو رأوا الملك رجلا لكان يلحقهم فيه من اللبس مثل ما لحق ضعفتهم منه . وقرأ الزهري ، ومعاذ القارئ ، وأبو رجاء "وللبسنا" ، بالتشديد "عليهم ما يلبسون" مشددة أيضا .
ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين .

[ ص: 9 ] قوله تعالى: فحاق بالذين سخروا أي: أحاط قال الزجاج : الحيق في اللغة: ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله ، ومنه: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله [فاطر:34] أي: لا ترجع عاقبة مكروهه إلا عليهم . قال السدي: وقع بهم العذاب الذي استهزؤوا به .
قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون .

قوله تعالى: قل لمن ما في السماوات والأرض المعنى: فإن أجابوك ، وإلا فـ قل: لله ، كتب على نفسه الرحمة قال ابن عباس : قضى لنفسه أنه أرحم الراحمين ، قال الزجاج : ومعنى كتب: أوجب ذلك إيجابا مؤكدا ، وجائز أن يكون كتب في اللوح المحفوظ ، وإنما خوطب الخلق بما يعقلون ، فهم يعقلون أن توكيد الشيء المؤخر أن يحفظ بالكتاب . وقال غيره: رحمته عامة ، فمنها تأخير العذاب عن مستحقه ، وقبول توبة العاصي .

قوله تعالى: ليجمعنكم إلى يوم القيامة اللام: لام القسم . كأنه قال: والله ليجمعنكم إلى اليوم الذي أنكرتموه . وذهب قوم إلى أن "إلى" بمعنى: "في" ثم اختلفوا ، فقال قوم: في يوم القيامة . وقال آخرون: في قبوركم إلى يوم القيامة .

قوله تعالى: الذين خسروا أنفسهم أي: بالشرك . فهم لا يؤمنون لما سبق فيهم من القضاء . وقال ابن قتيبة: قوله: الذين خسروا أنفسهم مردود إلى قوله: كيف كان عاقبة المكذبين مردود إلى قوله: كيف كان عاقبة المكذبين الذين خسروا .
وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم .

قوله تعالى: وله ما سكن في الليل والنهار سبب نزولها أن كفار مكة [ ص: 10 ] قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: قد علمنا أنه إنما يحملك على ما تدعونا إليه الحاجة ، فنحن نجعل لك نصيبا في أموالنا حتى تكون من أغنانا رجلا ، وترجع عما أنت عليه ، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس .

وفي معنى "سكن" قولان .

أحدهما: أنه من السكنى . قال ابن الأعرابي: "سكن" بمعنى حل .

والثاني: أنه من السكون الذي يضاد الحركة . قال مقاتل: من المخلوقات ما يستقر بالنهار ، وينتشر بالليل ، ومنها ما يستقر بالليل:وينتشر بالنهار .

فإن قيل: لم خص السكون بالذكر دون الحركة ، فعنه ثلاثة أجوبة .

أحدها: أن السكون أعم وجودا من الحركة .

والثاني: أن كل متحرك قد يسكن ، وليس كل ساكن يتحرك .

والثالث: أن في الآية إضمارا ، والمعنى: وله ما سكن وتحرك كقوله تقيكم الحر [النحل:82] أراد: والبرد ، فاختصر .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 13-05-2022, 10:54 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,781
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ الانعام
الحلقة (196)
صــ11 إلى صــ 16




قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين

قوله تعالى: قل أغير الله أتخذ وليا ذكر مقاتل أن سبب نزولها ، أن كفار قريش قالوا: يا محمد ، ألا ترجع إلى دين آبائك؟ فنزلت هذه الآية . وهذا الاستفهام معناه الإنكار ، أي: لا أتخذ وليا غير الله أتولاه ، وأعبده ، وأستعينه .

قوله تعالى: فاطر السماوات والأرض الجمهور على كسر راء "فاطر" . وقرأ ابن أبي عبلة برفعها قال أبو عبيدة: الفاطر ، معناه: الخالق . وقال ابن [ ص: 11 ] قتيبة المبتدئ . "ومنه كل مولود يولد على الفطرة" أي: على ابتداء الخلقة ، وهو الإقرار بالله حين أخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم . وقال ابن عباس : كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض ، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما: أنا فطرتها ، أي: أنا ابتدأتها . قال الزجاج : إن قيل: كيف يكون الفطر بمعنى الخلق؟ والانفطار: الانشقاق في قوله تعالى : إذا السماء انفطرت فالجواب إنما يرجعان إلى شيء واحد ، لأن معنى" فطرهما" خلقهما خلقا قاطعا . والانفطار ، والفطور ، تقطع وتشقق .

قوله تعالى: وهو يطعم ولا يطعم قرأ الجمهور بضم الياء من الثاني ، ومعناه وهو يرزق ولا يرزق ، لأن بعض العبيد يرزق مولاه . وقرأ عكرمة والأعمش ولا "يطعم" بفتح الياء . قال الزجاج : وهذا الاختيار عند البصراء بالعربية ، ومعناه: وهو يرزق ويطعم ولا يأكل .

قوله تعالى: إني أمرت أن أكون أول من أسلم أي: أول مسلم من هذه الأمة ، ولا تكونن من المشركين قال الأخفش: معناه: وقيل لي: لا تكونن ، فصارت: أمرت ، بدلا من ذلك ، لأنه حين قال: أمرت قد أخبر أنه قيل له .
[ ص: 12 ] قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم .

قوله تعالى: قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم زعم بعض المفسرين أنه كان يجب عليه أن يخاف عاقبة الذنوب ، ثم نسخ ذلك بقوله: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر [الفتح: 3] والصحيح أن الآيتين خبر ، والخبر لا يدخله النسخ ، وإنما هو معلق بشرط ، ومثله: لئن أشركت ليحبطن عملك [الزمر:66]
من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين

قوله تعالى: من يصرف عنه قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم " من يصرف " بضم الياء وفتح الراء ، يعنون العذاب . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم " يصرف " بفتح الياء وكسر الراء ، الضمير قوله: " إن عصيت ربي " ، ومما يحسن هذه القراءة قوله: " فقد رحمه " فقد اتفق إسناد الضميرين إلى اسم الله تعالى ، ويعني بقوله: يصرف العذاب يومئذ يعني: يوم القيامة ، وذلك يعني: صرف العذاب .
وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير .

قوله تعالى: وإن يمسسك الله بضر الضر: اسم جامع لكل ما يتضرر به الإنسان من فقر ، ومرض ، وغير ذلك ، والخير: اسم جامع لكل ما ينتفع به الإنسان .

وللمفسرين في الضر والخير قولان .

أحدهما: أن الضر السقم ، والخير: العافية

والثاني: أن الضر: الفقر ، والخير: الغنى .

[ ص: 13 ] وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير

قوله تعالى: وهو القاهر فوق عباده القاهر:

الغالب ، والقهر: الغلبة . والمعنى: أنه قهر الخلق فصرفهم على ما أراد طوعا وكرها ، فهو المستعلي عليهم ، وهم تحت التسخير والتذليل .
قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون

قوله تعالى: قل أي شيء أكبر شهادة سبب نزولها: أن رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد ، ما نرى أحدا يصدقك بما تقول ، ولقد سألنا عنك اليهود ، والنصارى ، فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر ولا صفة ، فأرنا من يشهد أنك رسول الله ، فنزلت هذه الآية ، رواه أبو صالح عن ابن عباس ومعنى الآية: قل لقريش: أي شيء أعظم شهادة؟ فإن أجابوك ، وإلا فقل: الله ، وهو شهيد بيني وبينكم على ما أقول .

وقال الزجاج : أمر الله أن يحتج عليهم بأن شهادة الله في نبوته أكبر شهادة ، وأن القرآن الذي أتى به ، يشهد له أنه رسول الله ، وهو قوله: وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ففي الإنذار به دليل على نبوته ، لأنه لم يأت أحد بمثله ، ولا يأتي ، وفيه خبر ما كان وما يكون ، ووعد فيه بأشياء ، فكانت كما قال . وقرأ عكرمة ، وابن السميفع ، والجحدري وأوحي إلي بفتح الهمزة والحاء القرآن بالنصب فأما "الإنذار" فمعناه: التخويف ، ومعنى ومن بلغ أي: من بلغ إليه هذا القرآن ، فإني نذير له . قال القرظي: من بلغه القرآن [ ص: 14 ] فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وكلمه .

وقال أنس بن مالك: لما نزلت هذه الآية ، كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وكل جبار يدعوهم إلى الله عز وجل .

قوله تعالى: أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى هذا استفهام معناه الإنكار عليهم . قال الفراء: وإنما قال: "أخرى" ولم يقل "آخر" لأن الآلهة جمع ، والجمع يقع عليه التأنيث ، كما قال: ولله الأسماء الحسنى [الأعراف:181] وقال: فما بال القرون الأولى [طه:52] .
الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون .

قوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب في الكتاب قولان .

أحدهما: أنه التوراة والإنجيل ، وهذا قول الجمهور .

والثاني أنه القرآن .

وفي هاء" يعرفونه" ثلاثة أقوال .

أحدها: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله السدي . وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال لعبد الله بن سلام: إن الله قد أنزل على نبيه بمكة " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " [ البقرة:147 ، والأنعام: 21] فكيف هذه المعرفة؟ فقال: لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ، ولأنا أشد معرفة بمحمد صلى الله عليه وسلم مني بابني . فقال عمر: وكيف ذاك؟ فقال: إني أشهد أنه رسول الله حقا ، ولا أدري ما يصنع النساء .

[ ص: 15 ] والثاني أنها ترجع إلى الدين والنبي . فالمعنى يعرفون الإسلام أنه دين الله عز وجل ، وأن محمدا رسول الله ، قاله قتادة .

والثالث: أنها ترجع إلى القرآن .

فالمعنى: يعرفون الكتاب الدال على صدقه ، ذكره الماوردي .

وفي الذين خسروا أنفسهم قولان .

أحدهما: أنهم مشركو مكة .

والثاني كفار أهل الكتابين .
ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون .

قوله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أي: اختلق على الله الكذب في ادعاء شريك معه . وفي "آياته" قولان .

أحدهما: أنها محمد والقرآن ، قاله ابن السائب . والثاني: القرآن قاله مقاتل .

والمراد بالظلم المذكور في هذه الآية: الشرك .
ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون .

قوله تعالى: ويوم نحشرهم جميعا انتصب "اليوم" بمحذوف تقديره: واذكر يوم نحشرهم . قال ابن جرير: والمعنى: لا يفلحون اليوم ، ولا يوم نحشرهم . وقرأ يعقوب: " يحشرهم " ، "ثم يقول " بالياء فيها .

وفي الذين عنى قولان .

أحدهما: المسلمون والمشركون . والثاني: العابدون والمعبودون .

[ ص: 16 ] وقوله: أين شركاؤكم سؤال توبيخ . والمراد بشركائهم: الأوثان ، وإنما أضافها إليهم لأنهم زعموا أنها شركاء الله .

وفي معنى يزعمون قولان . أحدهما: يزعمون أنهم شركاء مع الله . والثاني: يزعمون أنها تشفع لهم .
ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين .

قوله تعالى: ثم لم تكن فتنتهم قرأ ابن كثير ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم:" ثم لم تكن" بالتاء ، "فتنتهم" بالرفع . وقرأ نافع ، وأبو عمرو ، وأبو بكر عن عاصم: "تكن" بالتاء أيضا ، "فتنتهم" بالنصب ، وقد رويت عن ابن كثير أيضا . وقرأ حمزة ، والكسائي: "يكن" بالياء ، "فتنتهم" بالنصب .

وفي "الفتنة "أربعة أقوال .

أحدها: أنها بمعنى الكلام والقول . قال ابن عباس ، والضحاك: لم يكن كلامهم .

والثاني: أنها المعذرة: قال قتادة ، وابن زيد: لم تكن معذرتهم . قال ابن الأنباري: فالمعنى: اعتذروا بما هو مهلك لهم ، وسبب لفضيحتهم .

والثالث: أنها بمعنى البلية . قال عطاء الخراساني: لم تكن بليتهم . وقال أبو عبيد: لم تكن بليتهم التي ألزمتهم الحجة ، وزادتهم لائمة .

والرابع: أنها بمعنى الافتتان . والمعنى: لم تكن عاقبة فتنتهم .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 13-05-2022, 10:54 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,781
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ الانعام
الحلقة (197)
صــ17 إلى صــ 22




قال الزجاج : لم يكن افتتانهم بشركهم ، وإقامتهم عليه ، إلا أن تبرؤوا منه . ومثل ذلك في اللغة أن ترى إنسانا يحب غاويا ، فإذا وقع في هلكة تبرأ منه ، فيقول: ما كانت محبتك لفلان إلا أن انتفيت منه . قال: وهذا تأويل لطيف ، لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام وتصرف العرب في ذلك . [ ص: 17 ] وقال ابن الأنباري: المعنى: أنهم افتتنوا بقولهم هذا ، إذا كذبوا فيه ، ونفوا عن أنفسهم ما كانوا معروفين به في الدنيا .

قوله تعالى: إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وابن عامر: "والله ربنا" بكسر الباء . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف: بنصب الباء .

وفي هؤلاء القوم الذين هذا وصفهم قولان .

أحدهما: أنهم المشركون . والثاني: المنافقون .

ومتى يحلفون ? فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا من كان مسلما قالوا: تعالوا نكابر عن شركنا ، فحلفوا ، قاله ابن عباس .

والثاني: أنهم إذا دخلوا النار ، ورأوا أهل التوحيد يخرجون ، حلفوا[ واعتذروا] قاله سعيد بن جبير ، ومجاهد . [ ص: 18 ] والثالث: أنهم إذا سئلوا: أين شركاؤكم؟ تبرؤوا ، وحلفوا: ما كنا مشركين ، قاله مقاتل .
انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون

قوله تعالى: انظر كيف كذبوا على أنفسهم أي: باعتذارهم بالباطل .

وضل عنهم ما كانوا يفترون أي: ذهب ما كانوا يدعون ويختلقون من أن الأصنام شركاء لله ، وشفعاؤهم في الآخرة .
ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون

قوله تعالى: ومنهم من يستمع إليك سبب نزولها: أن نفرا من المشركين ، منهم عتبة ، وشيبة ، والنضر بن الحارث ، وأمية وأبي ابنا خلف ، جلسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمعوا إليه ، ثم قالوا للنضر بن الحارث: ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بنية ، ما أدري ما يقول؟ إلا أني أرى تحرك شفتيه ، وما يقول إلا أساطير الأولين ، مثلما كنت أحدثكم عن القرون الماضية ، وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى ، فنزلت هذه الآية ، رواه أبو صالح عن ابن عباس .

فأما "الأكنة" ، فقال الزجاج : هي جمع كنان ، وهو الغطاء ، مثل عنان وأعنة .

[ ص: 19 ] وأما: "أن يفقهوه" ، فمنصوب على أنه مفعول له . المعنى: وجعلنا على قلوبهم أكنة لكراهة أن يفقهوه ، فلما حذفت اللام ، نصبت الكراهة ، ولما حذفت الكراهة ، انتقل نصبها إلى "أن" .

"الوقر" : ثقل السمع ، يقال: في أذنه وقر ، وقد وقرت الأذن توقر

قال الشاعر:
وكلام سيئ قد وقرت أذني عنه وما بي من صمم


والوقر ، بكسر الواو ، أن يحمل البعير وغيره مقدار ما يطيق ، يقال: عليه وقر ، ويقال: نخلة موقر ، وموقرة وإنما فعل ذلك بهم مجازاة لهم بإقامتهم على كفرهم ، وليس المعنى أنهم لم يفهموه ، ولم يسمعوه ، ولكنهم لما عدلوا عنه ، وصرفوا فكرهم عما عليهم في سوء العاقبة ، كانوا بمنزلة من لم يعلم ولم يسمع . وإن يروا كل آية أي: كل علامة تدل على رسالتك ، لا يؤمنوا بها

ثم أعلم الله عز وجل مقدار احتجاجهم وجدلهم ، وأنهم إنما يستعملون في الاحتجاج . أن يقولوا إن هذا أي: ما هذا إلا أساطير الأولين وفيها قولان .

أحدهما: أنها ما سطر من أخبارهم وأحاديثهم . روى أبو صالح عن ابن عباس قال: أساطير الأولين: كذبهم ، وأحاديثهم في دهرهم . وقال أبو الحسن الأخفش: يزعم بعضهم أن واحدة الأساطير: أسطورة . وقال بعضهم: أسطارة ، ولا أراه إلا من الجمع الذي ليس له واحد ، نحو عباديد ، ومذاكير ، وأبابيل وقال ابن قتيبة: أساطير الأولين: أخبارهم وما سطر منها ، أي: ما كتب ، ومنه قوله: ن . والقلم وما يسطرون [القلم:2 ، 1] أي: يكتبون ، واحدها سطر ، [ ص: 20 ] ثم أسطار ، ثم أساطير جمع الجمع ، مثل قول ، وأقوال وأقاويل

والقول الثاني: أن معنى أساطير الأولين: الترهات . قال أبو عبيدة: واحد الأساطير: أسطورة ، وأسطارة ، ومجازها مجاز الترهات . قال ابن الأنباري: الترهات عند العرب: طرق غامضة ، ومسالك مشكلة ، يقول قائلهم: قد أخذنا في ترهات البسابس ، يعني: قد عدلنا عن الطريق الواضح إلى المشكل ، وعما يعرف إلى ما لا يعرف . و"البسابس": الصحاري الواسعة ، والترهات: طرق تتشعب من الطريق الأعظم ، فتكثر وتشكل ، فجعلت مثلا لما لا يصح وينكشف .

فإن قيل: لم عابوا القرآن بأنه أساطير الأولين ، وقد سطر الأولون ما فيه علم وحكمة وما لا عيب على قائله؟ فعنه جوابان

أحدهما أنهم نسبوه إلى أنه ليس بوحي من الله .

والثاني: أنهم عابوه بالإشكال والغموض ، استراحة منهم إلى البهت والباطل . فعلى الجواب الأول تكون "أساطير" من التسطير ، وعلى الثاني تكون بمعنى الترهات ، وقد شرحنا معنى الترهات .

قوله تعالى: وهم ينهون عنه وينأون عنه في سبب نزولها قولان .

أحدهما: أن أبا طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتباعد عما جاء به ، فنزلت فيه هذه الآية ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وهو قول عمرو بن دينار ، وعطاء بن دينار ، والقاسم بن مخيمرة . وقال مقاتل: [ ص: 21 ] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام ، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون بالنبي صلى الله عليه وسلم سوءا ، فسألوا أبا طالب أن يدفعه إليهم ، فيقتلوه ، فقال: ما لي عنه صبر ، فقالوا: ندفع إليك من شبابنا من شئت مكان ابن أخيك ، فقال أبو طالب: حين تروح الإبل ، فإن حنت ناقة إلى غير فصيلها دفعته إليكم ، وقال:


والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا


فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وابشر وقر بذاك منك عيونا


وعرضت دينا لا محالة أنه من خير أديان البرية دينا


لولا الملامة أو حذاري سبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا


فنزلت فيه هذه الآية .


والثاني: أن كفار مكة كانوا ينهون الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ويتباعدون بأنفسهم عنه ، رواه الوالبي عن ابن عباس ، وبه قال ابن الحنفية ، والضحاك ، والسدي . فعلى القول الأول ، يكون قوله: "وهم" كناية عن واحد ، وعلى الثاني: عن جماعة .

وفي هاء "عنه" قولان .

أحدهما: أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ثم فيه قولان . أحدهما: ينهون عن أذاه ، والثاني: عن اتباعه .

والقول الثاني: أنها ترجع إلى القرآن ، قاله مجاهد ، وقتادة ، وابن زيد .

وينأون بمعنى يبعدون . وفي هاء "عنه" قولان . أحدهما: أنها راجعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم والثاني إلى القرآن .

[ ص: 22 ] قوله تعالى: وإن يهلكون أي: وما يهلكون إلا أنفسهم بالتباعد عنه وما يشعرون أنهم يهلكونها .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 13-05-2022, 10:55 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,781
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ الانعام
الحلقة (198)
صــ23 إلى صــ 28



ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين

قوله تعالى: ولو ترى إذ وقفوا على النار في معنى "وقفوا" ستة أقوال .

أحدها: حبسوا عليها ، قاله ابن السائب . والثاني: عرضوا عليها ، قاله مقاتل .

والثالث: عاينوها . والرابع: وقفوا عليها وهي تحتهم .

والخامس: دخلوا إليها فرفعوا مقدار عذابها ، تقول: وقفت على ما عند فلان ، أي: فهمته وتبينته ، ذكر هذه الأقوال الثلاثة الزجاج ، واختار الأخير . وقال ابن جرير: "على" هاهنا بمعنى "في"

والسادس: جعلوا عليها وقفا ، كالوقوف المؤبدة على سبلها ، ذكره الماوردي . والخطاب بهذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم ، والوعيد للكفار ، وجواب لو "محذوف" ومعناه: لو رأيتهم في تلك الحال: لرأيت عجبا .

قوله تعالى: ولا نكذب بآيات ربنا قرأ ابن كثير ، ونافع وأبو عمرو ، والكسائي ، وأبو بكر ، عن عاصم برفع الباء من "نكذب" والنون من "نكون"

قال الزجاج : والمعنى أنهم تمنوا الرد ، وضمنوا أنهم لا يكذبون . والمعنى: يا ليتنا نرد ، ونحن لا نكذب بآيات ربنا ، رددنا أو لم نرد ، ونكون من المؤمنين ، لأنا قد عاينا ما لا نكذب معه أبدا .

قال ويجوز الرفع على وجه آخر ، على معنى" يا ليتنا نرد" ، يا ليتنا لا نكذب ، كأنهم تمنوا الرد والتوفيق للتصديق .

[ ص: 23 ] وقال الأخفش: إذا رفعت جعلته على مثل اليمين ، كأنهم قالوا: ولا نكذب والله- بآيات ربنا ، ونكون والله- من المؤمنين . وقرأ حمزة إلا العجلي وحفص عن عاصم ، ويعقوب: بنصب الباء من "نكذب" ، والنون من "نكون"

قال مكي بن أبي طالب: وهذا النصب على جواب التمني ، وذلك بإضمار "أن" ، حملا على مصدر "نرد" فأضمرت "أن" لتكون مع الفعل مصدرا ، فعطف بالواو مصدرا على مصدر .

وتقديره: يا ليت لنا ردا وانتفاء من التكذيب ، وكونا من المؤمنين . وقرأ ابن عامر برفع الباء من "نكذب" ونصب النون من "نكون" ، فالرفع قد بينا علته ، والنصب على جواب التمني .
بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين

قوله تعالى: بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل "بل" هاهنا رد لكلامهم ، أي: ليس الأمر على ما قالوا من أنهم لو ردوا لآمنوا .

وقال الزجاج : "بل" استدراك وإيجاب بعد نفي ، تقول ما جاء زيد ، بل عمرو وفي معنى الآية أربعة أقوال .

أحدها بدا ما كان يخفيه بعضهم عن بعض ، قاله الحسن .

والثاني: بدا بنطق الجوارح ما كانوا يخفون من قبل بألسنتهم قاله مقاتل .

والثالث: بدا لهم جزاء ما كانوا يخفونه ، قاله المبرد .

[ ص: 24 ] والرابع: بدا للأتباع ما كان يخفيه الرؤساء ، قاله الزجاج .

قوله تعالى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه قال ابن عباس : لعادوا إلى ما نهوا عنه من الشرك ، وإنهم لكاذبون في قولهم: ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين

قال ابن الأنباري: كذبهم الله في إخبارهم عن أنفسهم ، أنهم إن ردوا ، آمنوا ولم يكذبوا ، ولم يكذبهم في التمني .

قوله تعالى: وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا هذا إخبار عن منكري البعث . قال مقاتل: لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كفار مكة بالبعث ، قالوا هذا . وكان عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: هذا حكاية قولهم ، لو ردوا لقالوه .
ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون

قوله تعالى: ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال مقاتل: عرضوا على ربهم قال أليس هذا العذاب بالحق . وقال غيره: أليس هذا البعث حقا ، فعلى قول مقاتل: بما كنتم تكفرون بالعذاب ، وعلى قول غيره: تكفرون بالبعث .

قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون

قوله تعالى: قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله إنما وصفوا بالخسران ، لأنهم باعوا الإيمان بالكفر ، فعظم خسرانهم .

والمراد بلقاء الله: البعث والجزاء ، والساعة: القيامة ، والبغتة: الفجأة . [ ص: 25 ] قال الزجاج : كل ما أتى فجأة فقد بغت ، يقال: قد بغته الأمر يبغته بغتا وبغتة: إذا أتاه فجأة . قال الشاعر:
ولكنهم بانوا ولم أخش بغتة وأفظع شيء حين يفجؤك البغت


قوله تعالى: يا حسرتنا الحسرة: التلهف على الشيء الفائت ، وأهل التفسير يقولون يا ندامتنا .

فإن قيل: ما معنى دعاء الحسرة ، وهي لا تعقل ،

فالجواب: أن العرب إذا اجتهدت في المبالغة في الإخبار عن عظيم ما تقع فيه ، جعلته نداء ، فتدخل عليه "يا" للتنبيه ، والمراد تنبيه الناس ، لا تنبيه المنادي . ومثله قولهم: لا أرينك هاهنا ، لفظه لفظ الناهي لنفسه ، والمعنى للمنهي ، ومن هذا قولهم يا خيل الله اركبي ، يراد: يا فرسان خيل الله . وقال سيبويه: إذا قلت: يا عجباه ، فكأنك قلت: احضر وتعال يا عجب ، فهذا زمانك . فأما التفريط فهو: التضييع .

وقال الزجاج : التفريط في اللغة: تقدمه العجز . وفي المكنى عنه بقوله: "فيها" ثلاثة أقوال .

أحدها: أنها الدنيا ، فالمعنى: على ما ضيعنا في الدنيا من عمل الآخرة ، قاله مقاتل . [ ص: 26 ] والثاني: أنها الصفقة ، لأن الخسران لا يكون إلا في صفقة ، وترك ذكرها اكتفاء بذكر الخسران ، قاله ابن جرير .

والثالث: أنها الطاعة ، ذكره بعض المفسرين .

فأما الأوزار ، فقال ابن قتيبة: هي الآثام ، وأصل الوزر: الحمل على الظهر . وقال ابن فارس: الوزر: الثقل . وهل هذا الحمل حقيقة؟ فيه قولان .

أحدهما: أنه على حقيقته . قال عمير بن هانئ: يحشر مع كل كافر عمله في صورة رجل قبيح ، كلما كان هول عظمه عليه ، وزاده خوفا ، فيقول: بئس الجليس أنت ، ما لي ولك؟ فيقول: أنا عملك طالما ركبتني في الدنيا ، فلأركبنك اليوم حتى أخزيك على رؤوس الناس ، فيركبه ويتخطى به الناس حتى يقف بين يدي ربه ، فذلك قوله: وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم وهذا قول السدي ، وعمرو بن قيس الملائي ومقاتل .

والثاني: أنه مثل ، والمعنى: يحملون ثقل ذنوبهم ، قاله الزجاج قال: فجعل ما ينالهم من العذاب بمنزلة أثقل ما يتحمل ، ومعنى ألا ساء ما يزرون بئس الشيء شيئا يزرونه ، أي يحملونه .
وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون

قوله تعالى: وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو فيه ثلاثة أقوال .

[ ص: 27 ] أحدها: وما الحياة الدنيا في سرعة انقطاعها ، وقصر عمرها ، إلا كالشيء يلعب به .

والثاني: وما أمر الدنيا والعمل لها إلا لعب ولهو ، فأما فعل الخير ، فهو من عمل الآخرة ، لا من الدنيا .

والثالث: وما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو ، لاشتغالهم عما أمروا به . واللعب: ما لا يجدي نفعا .

قوله تعالى: والدار الآخرة خير اللام: لام القسم ، والدار الآخرة: الجنة أفلا يعقلون فيعملون لها . قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي ، "يعقلون" بالياء في ( الأنعام ) و[ الأعراف] ، ويوسف ويس وقرؤوا في القصص بالتاء ، وقرأ نافع كل ذلك بالياء ، وروى حفص ، عن عاصم كل ذلك بالتاء ، إلا في يس في الخلق أفلا يعقلون [يس: 67] بالياء . وقرأ ابن عامر الذي في [ يس ] بالياء ، والباقي بالتاء .
قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون

قوله تعالى: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون

في سبب نزولها أربعة أقوال .

أحدها: أن رجلا من قريش يقال له: الحارث بن عامر ، قال: والله يا محمد ما كذبتنا قط فنتهمك اليوم ، ولكنا إن نتبعك نتخطف من أرضنا فنزلت هذه الآية ، رواه أبو صالح عن ابن عباس . وقال مقاتل: كان الحارث بن عامر يكذب النبي في العلانية ، فإذا خلا مع أهل بيته ، قال: ما محمد من أهل الكذب ، فنزلت فيه هذه الآية . [ ص: 28 ] والثاني: أن المشركين كانوا إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ، قالوا فيما بينهم: إنه لنبي ، فنزلت هذه الآية ، قاله أبو صالح .

والثالث: أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك ، ولكن نكذب الذي جئت به ، فنزلت هذه الآية قاله ناجية بن كعب .

وقال أبو يزيد المدني: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل ، فصافحه أبو جهل ، فقيل له: أتصافح هذا الصابئ؟ فقال: والله إني لأعلم أنه نبي ، ولكن متى كنا تبعا لبني عبد مناف؟ فأنزل الله هذه الآية .

والرابع: أن الأخنس بن شريق لقي أبا جهل ، فقال الأخنس: يا أبا الحكم ، أخبرني عن محمد أصادق هو ، أم كاذب فليس هاهنا من يسمع كلامك غيري . فقال أبو جهل: والله إن محمدا لصادق ، وما كذب قط ، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء ، والسقاية ، والحجابة ، والنبوة ، فماذا يكون لسائر قريش ، فنزلت هذه الآية ، قاله السدي . فأما الذي يقولون ، فهو التكذيب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والكفر بالله وفي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية عما يواجهون به .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 13-05-2022, 10:56 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,781
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ الانعام
الحلقة (199)
صــ29 إلى صــ 34




قوله تعالى: فإنهم لا يكذبونك قرأ نافع ، والكسائي: "يكذبونك" بالتخفيف وتسكين الكاف . وفي معناها قولان . [ ص: 29 ] أحدهما: لا يلفونك كاذبا قاله ابن قتيبة .

والثاني: لا يكذبون الشيء الذي جئت به ، إنما يجحدون آيات الله ، ويتعرضون لعقوباته . قال ابن الأنباري: وكان الكسائي يحتج لهذه القراءة بأن العرب تقول: كذبت الرجل: إذا نسبته إلى الكذب وصنعة الأباطيل من القول ; وأكذبته إذا أخبرت أن الذي يحدث به كذب ، ليس هو الصانع له قال: وقال غير الكسائي: يقال أكذبت الرجل: إذا أدخلته في جملة الكذابين ، ونسبته إلى صفتهم ، كما يقال: أبخلت الرجل: إذا نسبته إلى البخل ، وأجبنته: إذا وجدته جبانا قال الشاعر:


فطائفة قد أكفروني بحبكم وطائفة قالوا مسيء ومذنب


وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وحمزة وابن عامر: "يكذبونك" بالتشديد وفتح الكاف ، وفي معناها خمسة أقوال .

أحدها: لا يكذبونك بحجة ، وإنما هو تكذيب عناد وبهت ، قاله قتادة ، والسدي .

والثاني: لا يقولون لك: أنك كاذب ، لعلمهم بصدقك ، ولكن يكذبون ما جئت به ، قاله ناجية بن كعب .

والثالث: لا يكذبونك في السر ، ولكن يكذبونك في العلانيه عداوة لك قاله ابن السائب ، ومقاتل .

والرابع: لا يقدرون أن يقولوا لك فيما أنبأت به مما في كتبهم: كذبت .

والخامس: لا يكذبونك بقلوبهم ، لأنهم يعلمون أنك صادق ، ذكر القولين الزجاج . [ ص: 30 ] وقال أبو علي: يجوز أن يكون معنى القراءتين واحدا وإن اختلفت اللفظتان ، إلا أن "فعلت": إذا أرادوا أن ينسبوه إلى أمر أكثر من "أفعلت" . ويؤكد أن القراءتين بمعنى ، ما حكاه سيبويه أنهم قالوا: قللت ، وأقللت ، وكثرت ، وأكثرت بمعنى .

قال أبو علي ومعنى "لا يكذبونك" لا يقدرون أن ينسبوك إلى الكذب فيما أخبرت به مما جاء في كتبهم ، ويجوز أن يكون معنى الحقيقة: لا يصادفونك كاذبا كما يقال أحمدت الرجل: إذا أصبته محمودا ، لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون بألسنتهم ما يعلمونه يقينا ، لعنادهم

وفي "آيات الله" هاهنا ثلاثة أقوال .

أحدها أنها محمد صلى الله عليه وسلم قاله السدي .

والثاني محمد والقرآن ، قاله ابن السائب ،

والثالث: القرآن . قاله مقاتل .
ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين

قوله تعالى: ولقد كذبت رسل من قبلك هذه تعزية له على ما يلقى منهم . قال ابن عباس : فصبروا على ما كذبوا رجاء ثوابي ، وأوذوا حتى نشروا بالمناشير ، وحرقوا بالنار حتى أتاهم نصرنا بتعذيب من كذبهم [ ص: 31 ] قوله تعالى: ولا مبدل لكلمات الله فيه خمسة أقوال .

أحدها: لا خلف لمواعيده ، قاله ابن عباس .

والثاني: لا مبدل لما أخبر به ، وما أمر به قاله الزجاج .

والثالث: لا مبدل لحكوماته ، وأقضيته النافذة في عباده ، فعبرت الكلمات عن هذا المعنى ، كقوله ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين [ الزمر:71] أي: وجب ما قضي عليهم . فعلى هذا القول ، والذي قبله ، يكون المعنى: لا مبدل لحكم كلمات الله ، ولا ناقض لما حكم به ، وقد حكم بنصر أنبيائه بقوله: لأغلبن أنا ورسلي [المجادلة:21]

والرابع: أن معنى الكلام معنى النهي ، وإن كان ظاهره الإخبار ; فالمعنى: لا يبدلن أحد كلمات الله ، فهو كقوله: لا ريب فيه [البقرة:2]

والخامس: أن المعنى: لا يقدر أحد على تبديل كلام الله ، وإن زخرف واجتهد ، لأن الله تعالى صانه برصين اللفظ ، وقويم الحكم ، أن يختلط بألفاظ أهل الزيغ ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابن الأنباري

قوله تعالى: ولقد جاءك من نبإ المرسلين أي: فيما صبروا عليه من الأذى فنصروا . وقيل إن: "من" صلة .
وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين [ ص: 32 ] قوله تعالى: وإن كان كبر عليك إعراضهم سبب نزولها: أن الحارث بن عامر أتى النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قريش فقال: يا محمد ، ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي قومها بالآيات ، فإن فعلت آمنا بك ، فنزلت هذه الآية ، رواه أبو صالح عن ابن عباس . "وكبر" بمعنى: "عظم" . وفي إعراضهم قولان .

أحدهما: عن استماع القرآن . والثاني: عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم .

فأما "النفق" ، فقال ابن قتيبة: النفق في الأرض: المدخل ، وهو السرب . والسلم في السماء: المصعد . وقال الزجاج : النفق: الطريق النافذ في الأرض . والنافقاء ، ممدود: أحد جحره اليربوع يخرقه من باطن الأرض إلى جلدة الأرض ، فإذا بلغ الجلدة أرقها ، حتى إن رابه ريب ، دفع برأسه ذلك المكان وخرج ومنه سمي المنافق ، لأنه أبطن غير ما أظهر ، كالنافقاء الذي ظاهره غير بين ، وباطنه حفر في الأرض .

"والسلم" مشتق من السلامة ، وهو الشيء الذي يسلمك إلى مصعدك . والمعنى: فإن استطعت هذا فافعل ، "وحذف" فافعل ، لأن في الكلام دليلا عليه .

وقال أبو عبيدة: السلم: السبب والمرقاة ، تقول: اتخذتني سلما لحاجتك ، أي: سببا .

وفي قوله: فتأتيهم بآية قولان

أحدهما: بآية قد سألوك إياها: وذلك أنهم سألوا نزول ملك ، ومثل آيات الأنبياء ، كعصا موسى ، وناقة صالح .

والثاني: بآية هي أفضل من آيتك .

قوله تعالى: ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فيه ثلاثة أقوال . [ ص: 33 ]

أحدها: لو شاء أن يطبعهم على الهدى لطبعهم .

والثاني: لو شاء لأنزل ملائكة تضطرهم إلى الإيمان ، ذكرهما الزجاج .

والثالث: لو شاء لآمنوا كلهم فأخبر إنما تركوا الإيمان بمشيئته ، ونافذ قضائه .

قوله تعالى: فلا تكونن من الجاهلين فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: لا تجهل أنه لو شاء لجمعهم على الهدى .

والثاني: لا تجهل أنه يؤمن بك بعضهم ويكفر بعضهم .

والثالث: لا تكونن ممن لا صبر له ، لأن قلة الصبر من أخلاق الجاهلين .
إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون

قوله تعالى: إنما يستجيب الذين يسمعون أي إنما يجيبك من يسمع ، والمراد سماع قبول .

وفي المراد بالموتى قولان .

أحدهما: أنهم الكفار ، قاله الحسن ، ومجاهد وقتادة ، فيكون المعنى: إنما يستجيب المؤمنون; فأما الكفار ، فلا يستجيبون حتى يبعثهم الله ، ثم يحشرهم كفارا ، فيجيبون اضطرارا . [ ص: 34 ]

والثاني: أنهم الموتى حقيقة ، ضربهم الله مثلا; والمعنى: أن الموتى لا يستجيبون حتى يبعثهم الله ، فكذلك الذين لا يسمعون .

قوله تعالى: ثم إليه يرجعون يعني: المؤمنين والكافرين ، فيجازي الكل .
وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون

قوله تعالى: وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قال ابن عباس : نزلت في رؤساء قريش . "ولولا": بمعنى "هلا" وقد شرحناها في سورة (النساء) . وقال مقاتل: أرادوا بالآية مثل آيات الأنبياء . وقال غيره: أرادوا نزول ملك يشهد له بالنبوة .

وفي قوله تعالى: ولكن أكثرهم لا يعلمون ثلاثة أقوال .

أحدها: لا يعلمون بأن الله قادر على إنزال الآية .

والثاني: لا يعلمون ما عليهم من البلاء في إنزالها ، لأنهم إن لم يؤمنوا بها ، زاد عذابهم .

والثالث: لا يعلمون المصلحة في نزول الآية .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 13-05-2022, 10:56 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,781
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد





تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ الانعام
الحلقة (200)
صــ35 إلى صــ 40


وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون


قوله تعالى وما من دابة في الأرض قال ابن عباس : يريد كل ما دب على الأرض . قال الزجاج : وذكر الجناحين توكيد ، وجميع ما خلق لا يخلو إما أن يدب ، وإما أن يطير . [ ص: 35 ] قوله تعالى: إلا أمم أمثالكم قال مجاهد: أصناف مصنفة .

وقال أبو عبيدة: أجناس يعرفون الله ويعبدونه .

وفي معنى "أمثالكم" أربعة أقوال .

أحدها: أمثالكم في كون بعضها يفقه عن بعض ، رواه أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني: في معرفة الله ، قاله عطاء .

والثالث: أمثالكم في الخلق والموت والبعث ، قاله الزجاج .

والرابع: أمثالكم في كونها تطلب الغذاء ، وتبتغي الرزق ، وتتوقى المهالك ، قاله ابن قتيبة . قال ابن الأنباري: وموضع الاحتجاج من هذه الآية أن الله تعالى ركب في المشركين عقولا ، وجعل لهم أفهاما ألزمهم بها أن يتدبروا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ويتمسكوا بطاعته ، كما جعل للطير أفهاما يعرف بها بعضها إشارة بعض ، وهدى الذكر منها لإتيان الأنثى ، وفي كل ذلك دليل على نفاذ قدرة المركب ذلك فيها .

قوله تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء في الكتاب قولان .

أحدهما: أنه اللوح المحفوظ . روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس: ما تركنا شيئا إلا وقد كتبناه في أم الكتاب ، وإلى هذا المعنى ذهب قتادة ، وابن زيد .

والثاني: أنه القرآن . روى عطاء عن ابن عباس: ما تركنا من شيء إلا وقد بيناه لكم . فعلى هذا يكون من العام الذي أريد به الخاص ، فيكون المعنى: ما فرطنا في شيء بكم إليه حاجة إلا وبيناه في الكتاب ، إما نصا ، وإما مجملا ، وإما دلالة ، كقوله تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء [النحل:89 ]أي: لكل شيء يحتاج إليه في أمر الدين .

قوله تعالى: ثم إلى ربهم يحشرون فيه قولان . [ ص: 36 ] أحدهما: أنه الجمع يوم القيامة . روى أبو ذر قال: انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا ذر أتدري فيما انتطحتا؟ قلت: لا . قال: لكن الله يدري ، وسيقضي بينهما . وقال أبو هريرة: يحشر الله الخلق يوم القيامة ، البهائم والدواب والطير وكل شيء ، فيبلغ من عدله أن يأخذ للجماء من القرناء ، ثم يقول كوني ترابا ، فيقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا .

والثاني: أن معنى حشرها: موتها ، قاله ابن عباس ، والضحاك .
والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم

قوله تعالى: والذين كذبوا بآياتنا يعني ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم (صم) عن القرآن لا يسمعونه ، "وبكم" عنه لا ينطقون به ، في الظلمات أي: في الشرك والضلالة . من يشأ الله يضلله فيموت على الكفر ، ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم وهو الإسلام .
قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين

قوله تعالى: قل أرأيتكم قرأ ابن كثير ، وعاصم ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وحمزة ، "أرأيتم" "وأرأيتكم" و"أرأيت" بالألف في كل القرآن [ ص: 37 ] مهموزا; ولين الهمزة نافع في الكل . وقرأ الكسائي بغير همز ولا ألف . قال الفراء العرب تقول: أرأيتك ، وهم يريدون: أخبرني .

فأما عذاب الله ، ففي المراد به هاهنا قولان .

أحدهما: أنه الموت قاله ابن عباس .

والثاني: العذاب الذي كان يأتي الأمم الخالية ، قاله مقاتل .

فأما الساعة ، فهي القيامة ، قال الزجاج : وهو اسم للوقت الذي يصعق فيه العباد ، وللوقت الذي يبعثون فيه .

قوله تعالى: أغير الله تدعون أي أتدعون صنما أو حجرا لكشف ما بكم؟ فاحتج عليهم بما لا يدفعونه ، لأنهم كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله .

و قوله تعالى: إن كنتم صادقين جواب لقوله: "أرأيتكم" لأنه بمعنى أخبروا ، كأنه قيل لهم: إن كنتم صادقين ، فأخبروا من تدعون عند نزول البلاء بكم؟
بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون

قوله تعالى: بل إياه تدعون قال الزجاج : أعلمهم أنهم لا يدعون في الشدائد إلا إياه; وفي ذلك أعظم الحجج عليهم ، لأنهم عبدوا الأصنام .

فيكشف ما تدعون إليه إن شاء المعنى: فيكشف الضر الذي من أجله دعوتم ، وهذا على اتساع الكلام مثل قوله: واسأل القرية [يوسف:82] ، أي: أهل القرية .

وتنسون يجوز أن يكون بمعنى "تتركون"; ويجوز أن يكون المعنى: إنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من قد نسيهم .
[ ص: 38 ] ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون

قوله تعالى: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك في الآية محذوف ، تقديره: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا فخالفوهم ، فأخذناهم بالبأساء; وفيها ثلاثة أقوال .

أحدها: أنها الزمانة والخوف ، رواه أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني: أنها البؤس ، وهو الفقر ، قاله ابن قتيبة .

والثالث: أنها الجوع ، ذكره الزجاج .

وفي الضراء ثلاثة أقوال .

أحدها: البلاء ، والجوع ، رواه أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني النقص في الأموال والأنفس ، ذكره الزجاج .

والثالث: الأسقام والأمراض ، قاله أبو سليمان .

قوله تعالى: لعلهم يتضرعون أي لكي يتضرعوا . والتضرع: التذلل والاستكانة . وفي الكلام محذوف تقديره: فلم يتضرعوا .
فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون

قوله تعالى: فلولا معناه: "فهلا" . والبأس: العذاب . ومقصود الآية: أن الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قد أرسل إلى قوم قبله بلغوا من القسوة أنهم أخذوا بالشدائد ، فلم يخضعوا ، وأقاموا على كفرهم ، وزين لهم الشيطان ضلالتهم فأصروا عليها .
[ ص: 39 ] فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون

قوله تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به قال ابن عباس : تركوا ما وعظوا به . فتحنا عليهم أبواب كل شيء يريد رخاء الدنيا وسرورها . وقرأ أبو جعفر ، وابن عامر: فتحنا بالتشديد هنا وفي [الأعراف] ، وفي [الأنبياء]: فتحت وفي [القمر]: فتحنا والجمهور على تخفيفهن . قال الزجاج : أبواب كل شيء كان مغلقا عنهم من الخير ، حتى إذا ظنوا أن ما كان نزل بهم ، لم يكن انتقاما ، وما فتح عليهم باستحقاقهم ، أخذناهم بغتة ، أي: فاجأهم عذابنا .

وقال ابن الأنباري: إنما أراد بقوله: كل شيء التأكيد ، كقول القائل: أكلنا عند فلان كل شيء ، وكنا عنده في كل سرور ، يريد بهذا العموم تكثير ما يصفه والإطناب فيه ، كقوله وأوتيت من كل شيء [النمل:23] . وقال الحسن: من وسع عليه فلم ير أنه لم يمكر به ، فلا رأي له; ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له ، فلا رأي له ، ثم قرأ هذه الآية ، وقال: مكر بالقوم ورب الكعبة ، أعطوا حاجاتهم ثم أخذوا .

قوله تعالى: فإذا هم مبلسون في المبلس خمسة أقوال .

أحدها: أنه الآيس من رحمة الله عز وجل رواه الضحاك عن ابن عباس; وقال في رواية أخرى: الآيس من كل خير . وقال الفراء: المبلس: اليائس [ ص: 40 ] المنقطع رجاؤه ، ولذلك قيل للذي يسكت عند انقطاع حجته ، فلا يكون عنده جواب: قد أبلس قال العجاج:


يا صاح هل تعرف رسما مكرسا قال نعم أعرفه وأبلسا


أي: لم يحر جوابا . وقيل: المكرس: الذي قد بعرت فيه الإبل ، وبولت ، فيركب بعضه بعضا .

والثاني: أنه المفتضح . قال مجاهد: الإبلاس: الفضيحة .

والثالث: أنه المهلك ، قاله السدي .

والرابع: أنه المجهود المكروب الذي قد نزل به من الشر ما لا يستطيعه ، قاله ابن زيد .

والخامس: أنه الحزين النادم ، قاله أبو عبيدة ، وأنشد لرؤبة وحضرت
يوم الخميس الأخماس وفي الوجوه صفرة وإبلاس .


أي اكتئاب ، وكسوف ، وحزن .

وقال الزجاج : هو الشديد الحسرة ، الحزين ، اليائس . وقال في موضع آخر: المبلس: الساكت المتحير .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 01-06-2022, 10:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,781
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد




تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ الانعام
الحلقة (201)
صــ41 إلى صــ 46


فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين


قوله تعالى: فقطع دابر القوم الذين ظلموا قال ابن السائب: دابرهم: [ ص: 41 ] الذي يتخلف في آخرهم . والمعنى: أنهم استؤصلوا . وقال أبو عبيدة: دابرهم: آخرهم الذي يدبرهم . قال ابن قتيبة: هو كما يقال: اجتث أصلهم .

قال المفسرون: وإنما حمد نفسه على قطع دابرهم ، لأن ذلك إنعام على رسلهم الذين كذبوهم ، وعلم الحمد على كفايته شر الظالمين .
قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون

قوله تعالى: قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم أي أذهبها ، وختم على قلوبكم حتى لا تعرفون شيئا من إله غير الله يأتيكم به في هاء "به" ثلاثة أقوال .

أحدها: أنها تعود على الفعل: والمعنى: يأتيكم بما أخذ الله منكم ، قاله الزجاج . وقال الفراء: إذا كنيت عن الأفاعيل ، وإن كثرت ، وحدت الكناية ، كقوله للرجل: إقبالك وإدبارك يؤذيني .

والثاني: أنها تعود إلى الهدى ، ذكره الفراء . فعلى هذا تكون الكناية عن غير مذكور ، ولكن المعنى يشتمل عليه ، لأن من أخذ سمعه وبصره وختم على قلبه لم يهتد .

والثالث: أنها تعود على السمع ، ويكون ما عطف عليه داخلا معه في القصة ، لأنه معطوف عليه ، ذكره الزجاج . والجمهور يقرؤون: من إله غير الله يأتيكم به انظر بكسر هاء "به" وروى المسيبي عن نافع: "به انظر" [ ص: 42 ] بالضم . قال أبو علي: من كسر ، حذف الياء التي تلحق الهاء في نحو: بهي عيب ، ومن ضم ، فعلى قول من قال: فخسفنا بهو وبدارهو الأرض ، فحذف الواو .

قوله تعالى: انظر كيف نصرف الآيات قال مقاتل: يعني تكون العلامات في أمور شتى فيخوفهم بأخذ الأسماع والأبصار والقلوب ، وبما صنع بالأمم الخالية ثم هم يصدفون أي يعرضون فلا يعتبرون .
قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون

قوله تعالى: قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة قال الزجاج : البغتة: المفاجأة; والجهرة: أن يأتيهم وهم يرونه . هل يهلك إلا القوم الظالمون أي: هل يهلك إلا أنتم ومن أشبهكم لأنكم كفرتم معاندين فقد علمتم أنكم ظالمون .
وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون

قوله تعالى: وما نرسل المرسلين إلا مبشرين أي بالثواب; ومنذرين بالعقاب ، وليس إرسالهم ليأتوا بما يقترحونه من الآيات . ثم ذكر ثواب من صدق ، وعقاب من كذب في تمام الآية والتي بعدها . وقال ابن عباس : يفسقون: بمعنى يكفرون .
قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون [ ص: 43 ] قوله تعالى: قل لا أقول لكم عندي خزائن الله سبب نزولها: أن أهل مكة قالوا: يا محمد ، لو أنزل الله عليك كنزا فتستغني به ، فإنك فقير محتاج ، أو تكون لك جنة تأكل منها ، فإنك تجوع ، فنزلت هذه الآية ، رواه أبو صالح عن ابن عباس .

قال الزجاج : وهذه الآية متصلة بقوله: ( لولا أنزل عليه آية من ربه ) ، فأعلمهم أنه لا يملك خزائن الله التي منها يرزق ويعطي ، ولا يعلم الغيب فيخبرهم به إلا بوحي ، ولا يقول: إنه ملك ، لأن الملك يشاهد من أمور الله تعالى ما لا يشاهده البشر . وقرأ ابن مسعود ، وابن جبير ، وعكرمة ، والجحدري: "إني ملك" بكسر اللام . وفي الأعمى والبصير قولان .

أحدهما: أن الأعمى: الكافر ، والبصير: المؤمن ، قاله ابن عباس ، وقتادة .

والثاني: الأعمى: الضال ، والبصير: المهتدي ، قاله سعيد بن جبير ، ومجاهد . وفي قوله تعالى: أفلا تتفكرون قولان .

أحدهما: فيما بين لكم من الآيات الدالة على وحدانيته ، وصدق رسوله .

والثاني: فيما ضرب لكم من مثل الأعمى والبصير ، وأنهما لا يستويان .
وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون

قوله تعالى: وأنذر به قال الزجاج : يعني بالقرآن ، وإنما ذكر الذين يخافون الحشر دون غيرهم ، وإن كان منذرا لجميع الخلق ، لأن الحجة على الخائفين الحشر أظهر ، لاعترافهم بالمعاد ، فهم أحد رجلين: إما مسلم ، فينذر ليؤدي حق الله عليه في إسلامه ، وإما كتابي ، فأهل الكتاب . مجمعون على البعث .

[ ص: 44 ] وذكر الولي والشفيع ، لأن اليهود والنصارى ذكرت أنها أبناء الله وأحباؤه ، فأعلم عز وجل أن أهل الكفر ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ، وقال غيره: ليس لهم من دونه ولي ، أي: ليس لهم غير الله ولي ولا شفيع ، لأن شفاعة الشافعين بأمره .

وقال أبو سليمان الدمشقي: هذه الآية متعلقة بقوله: وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به [ الأنعام:19 ] .
ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين .

قوله تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم روى سعد بن أبي وقاص قال: نزلت هذه الآية في ستة: في ، وفي ابن مسعود ، وصهيب ، وعمار ، والمقداد ، وبلال ، قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نرضى أن نكون أتباعا لهؤلاء ، فاطردهم عنك . فدخل على رسول الله من ذلك ما شاء الله أن يدخل ، فنزلت هذه الآية

وقال خباب بن الأرت: نزلت فينا ، كنا ضعفاء عند النبي صلى الله عليه وسلم ، يعلمنا بالغداة والعشي ما ينفعنا ، فجاء الأقرع بن حابس ، وعيينة بن حصن ، فقالا: إنا من أشراف قومنا ، وإنا نكره أن يرونا معهم ، فاطردهم إذا جالسناك . قال: "نعم" .

[ ص: 45 ] فقالوا: لا نرضى حتى تكتب بيننا كتابا ، فأتى بأديم ودواة ، ودعا عليا ليكتب ، فلما أراد ذلك ، ونحن قعود في ناحية ، إذ نزل جبريل بقوله تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم إلى قوله: فتنا بعضهم ببعض ، فرمى بالصحيفة ودعانا ، فأتيناه وهو يقول: سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة . فدنونا منه يومئذ حتى وضعنا ركبنا على ركبته .
وقال ابن مسعود: مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده خباب ، وصهيب ، وبلال ، وعمار ، فقالوا: يا محمد ، رضيت بهؤلاء ، أتريد أن نكون تبعا لهم؟ فنزلت: ولا تطرد الذين يدعون ربهم . وقال عكرمة: جاء عتبة ، وشيبة ابنا ربيعة ، ومطعم بن عدي ، والحارث بن نوفل ، في أشراف بني عبد مناف ، إلى أبي طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك يطرد عنه موالينا وعبيدنا كان أعظم في صدورنا ، وأدنى لاتباعنا إياه ، فأتاه أبو طالب فحدثه بذلك ، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون ، فنزلت هذه الآيات ، فأقبل عمر يعتذر من مقالته . وروى أبو صالح عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت في الموالي ، منهم بلال ، وصهيب ، وخباب ، وعمار ، ومهجع ، وسلمان ، وعامر بن فهيرة ، وسالم مولى أبي حذيفة; وأن قوله: وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم نزلت فيهم أيضا . وقد روى العوفي عن ابن عباس: أن ناسا من [ ص: 46 ] الأشراف قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: نؤمن لك ، وإذا صلينا فأخر هؤلاء الذين معك ، فليصلوا خلفنا . فعلى هذا ، إنما سألوه تأخيرهم عن الصف ، وعلى الأقوال التي قبله ، سألوه طردهم عن مجلسه .

قوله تعالى: يدعون ربهم في هذا الدعاء خمسة أقوال .

أحدها: أنه الصلاة ، المكتوبة قاله ابن عمر ، وابن عباس . وقال مجاهد: هي الصلوات الخمس; وفي رواية عن مجاهد ، وقتادة قالا: يعني صلاة الصبح والعصر . وزعم مقاتل أن الصلاة يومئذ كانت ركعتين بالغداة ، وركعتين بالعشي; ثم فرضت الصلوات الخمس بعد ذلك .

والثاني: أنه ذكر الله تعالى ، قاله إبراهيم النخعي ، وعنه كالقول الأول .

والثالث: أنه عبادة الله ، قاله الضحاك .

والرابع: أنه تعلم القرآن غدوة وعشية ، قاله أبو جعفر .

والخامس: أنه دعاء الله بالتوحيد ، والإخلاص له ، وعبادته ، قاله الزجاج . وقرأ الجمهور: "بالغداة" وقرأ ابن عامر هاهنا وفي [الكهف] أيضا: "بالغدوة" بضم الغين وإسكان الدال وبعدها واو .

قال الفراء: والعرب لا تدخل الألف واللام على "الغدوة" لأنها معرفة بغير ألف ولام ، ولا تضيفها العرب ، يقولون: أتيتك غداة الخميس ، ولا يقولون: غدوة الخميس ، فهذا دليل على أنها معرفة .

وقال أبو علي: الوجه: الغداة ، لأنها تستعمل نكرة ، وتتعرف باللام; وأما غدوة ، فمعرفة .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 01-06-2022, 10:37 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,781
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد





تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ الانعام
الحلقة (202)
صــ47 إلى صــ 52



وقال الخليل: يجوز أن تقول: أتيتك اليوم غدوة وبكرة ، فجعلها بمنزلة ضحوة ، فهذا وجه قراءة ابن عامر . [ ص: 47 ] فإن قيل: دعاء القوم كان متصلا بالليل والنهار ، فلماذا خص الغداة والعشي؟ فالجواب: أنه نبه بالغداة على جميع النهار ، وبالعشي على الليل ، لأنه إذا كان عمل النهار خالصا له ، كان عمل الليل أصفى .

قوله تعالى: يريدون وجهه قال الزجاج : أي يريدون الله ، فيشهد الله لهم بصحة النيات ، وأنهم مخلصون في ذلك .

وأما الحساب المذكور في الآية ، ففيه ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه حساب الأعمال ، قاله الحسن .

والثاني: حساب الأرزاق . والثالث: أنه بمعنى الكفاية; والمعنى: ما عليك من كفايتهم ، ولا عليهم كفايتك .

قوله تعالى: فتكون من الظالمين قال ابن الأنباري: عظم هذا الأمر على النبي صلى الله عليه وسلم ، وخوف بالدخول في جملة الظالمين ، لأنه كان قد هم بتقديم الرؤساء على الضعفاء .
وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين

قوله تعالى: وكذلك فتنا بعضهم ببعض المعنى: وكما ابتلينا قبلك الغني بالفقير ، ابتلينا أيضا بعضهم ببعض . "وفتنا" بمعنى: ابتلينا واختبرنا; "ليقولوا" ، يعني الكبراء "أهؤلاء" يعنون الفقراء والضعفاء من الله عليهم بالهدى؟ وهذا استفهام معناه الإنكار ، كأنهم أنكروا أن يكونوا سبقوهم بفضيلة .

قال ابن السائب: ابتلى الله الرؤساء بالموالي ، فإذا نظر الشريف إلى الوضيع قد آمن قبله ، أنف أن يسلم ، ويقول: سبقني هذا؟ [ ص: 48 ] قوله تعالى: أليس الله بأعلم بالشاكرين أي: بالذين يشكرون نعمته إذا من عليهم بالهداية . والمعنى: إنما يهدي الله من يعلم أنه يشكر . والاستفهام في "أليس" ، معناه التقرير ، أي: إنه كذلك .
وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم

قوله تعالى: وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا اختلفوا فيمن نزلت على خمسة أقوال .

أحدها: أنها نزلت في رجال أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا أصبنا ذنوبا عظيمة ، فسكت عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه ، الآية قاله أنس بن مالك .

والثاني: أنها نزلت في الذين نهى عن طردهم ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام ، وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام ، قاله الحسن وعكرمة .

والثالث: أنها نزلت في أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وحمزة ، وجعفر ، وعثمان بن مظعون ، وأبي عبيدة ، ومصعب بن عمير ، وسالم ، وأبي سلمة ، والأرقم ابن أبي الأرقم ، وعمار ، وبلال ، قاله عطاء .

والرابع: أن عمر بن الخطاب كان أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأخير الفقراء ، [ ص: 49 ] استمال للرؤساء إلى الإسلام . فلما نزلت: ولا تطرد الذين يدعون ربهم ، جاء عمر يعتذر من مقالته ويستغفر منها ، فنزلت فيه هذه الآية ، قاله ابن السائب .

والخامس: أنها نزلت مبشرة بإسلام عمر بن الخطاب ، فلما جاء وأسلم ، تلاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حكاه أبو سليمان الدمشقي .

فأما قوله تعالى: يؤمنون بآياتنا فمعناه: يصدقون بحججنا وبراهيننا .

قوله تعالى فقل سلام عليكم فيه قولان .

أحدهما: أنه أمر بالسلام عليهم تشريفا لهم; وقد ذكرناه عن الحسن ، وعكرمة .

والثاني: أنه أمر بإبلاغ السلام إليهم عن الله تعالى ، قاله ابن زيد . قال الزجاج : ومعنى السلام: دعاء للإنسان بأن يسلم من الآفات . وفي السوء قولان .

أحدهما: أنه الشرك . والثاني: المعاصي .

وقد ذكرنا في سورة [النساء] معنى "الجهالة" قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي: "أنه من عمل منكم سوءا" فإنه غفور بكسر الألف فيهما . وقرأ عاصم ، وابن عامر: بفتح الألف فيهما . وقرأ نافع: بنصب ألف "أنه" وكسر ألف "فإنه غفور" قال أبو علي: من كسر ألف "إنه" جعله تفسيرا للرحمة ، ومن كسر ألف "فإنه غفور" فلأن ما بعد الفاء حكمة الابتداء ، ومن فتح ألف "أنه من عمل" جعل "أن" بدلا من الرحمة ، والمعنى: كتب ربكم "أنه من عمل" ومن فتحها بعد الفاء ، أضمر خبرا تقديره: فله ( أنه غفور رحيم ) والمعنى: فله غفرانه . وكذلك قوله تعالى: فإن له نار جهنم [التوبة:63] ، معناه: فله أن له نار جهنم . وأما قراءة نافع ، فإنه أبدل من الرحمة ، واستأنف ما بعد الفاء .
[ ص: 50 ] وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين

قوله تعالى: وكذلك نفصل الآيات أي: وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا وأعلامنا على المشركين ، كذلك نبين لك حجتنا في كل حق ينكره أهل الباطل . قال ابن قتيبة: ومعنى تفصيلها: إتيانها متفرقة شيئا بعد شيء .

قوله تعالى "ولتستبين" وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر: "ولتستبين" بالتاء ، "سبيل" بالرفع . وقرأ نافع ، وزيد عن يعقوب: بالتاء أيضا ، إلا أنهما نصبا السبيل . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم: "وليستبين" بالياء ، "سبيل" بالرفع . فمن قرأ "ولتستبين" بالياء أو التاء ، فلأن السبيل تذكر وتؤنث على ما بينا في (آل عمران) ومن نصب اللام ، فالمعنى: ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين . وفي سبيلهم التي بينت له ، قولان .

أحدهما: أنها طريقهم في الشرك ، ومصيرهم إلى الخزي ، قاله ابن عباس .

والثاني: أنها مقصودهم في طرد الفقراء عنه ، وذلك إنما هو الحسد ، لا إيثار مجالسته واتباعه ، قاله أبو سليمان .

فإن قيل: كيف انفردت لام "كي" في قوله: "ولتستبين" وسبيلها أن تكون شرطا لفعل يتقدمها أو يأتي بعدها؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري بجوابين .

أحدهما: أنها شرط لفعل مضمر ، يراد به: ونفعل ذلك لكي تستبين .

والثاني: أنها معطوفة على لام مضمرة ، تأويله: نفصل الآيات ليتكشف أمرهم ، ولتستبين سبيلهم .
قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين [ ص: 51 ] قوله تعالى قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله يعني الأصنام . وفي معنى "تدعون" قولان . أحدهما: تدعونهم آلهة .

والثاني: تعبدون; قاله ابن عباس . وأهواءهم: دينهم . قال الزجاج : أراد إنما عبدتموها على طريق الهوى ، لا على طريق البينة والبرهان . ومعنى "إذا" معنى الشرط; والمعنى: قد ضللت إن عبدتها . وقرأ طلحة ، وابن أبي ليلى: "قد ضللت" بكسر اللام .
قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين

قوله تعالى: قل إني على بينة من ربي سبب نزولها أن النضر بن الحارث وسائر قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد ائتنا بالعذاب الذي تعدنا به ، استهزاء; وقام النضر عند الكعبة وقال: اللهم إن كان ما يقول حقا ، فائتنا بالعذاب; فنزلت هذه الآية; رواه أبو صالح عن ابن عباس . فأما البينة ، فهي الدلالة التي تفصل بين الحق والباطل . قال الزجاج : أنا على أمر بين ، لا متبع لهوى .

قوله تعالى: وكذبتم به في هاء الكناية ، ثلاثة أقوال .

أحدها: أنها ترجع إلى الرب . والثاني: ترجع إلى البيان . والثالث: ترجع إلى العذاب الذي طلبوه استهزاء

قوله تعالى: ما عندي ما تستعجلون به أي: ما بيدي . وفي الذي استعجلوا به قولان .

أحدهما: أنه العذاب; قاله ابن عباس ، والحسن .

والثاني: أنه الآيات التي كانوا يقترحونها; ذكره الزجاج . [ ص: 52 ] قوله تعالى: إن الحكم إلا لله فيه قولان .

أحدهما: أنه الحكم الذي يفصل به بين المختلفين بإيجاب الثواب والعقاب .

والثاني: أنه القضاء بإنزال العذاب على المخالف .

قوله تعالى: يقص الحق قرأ ابن كثير ، وعاصم ، ونافع "يقص الحق" بالصاد المشددة ، من القصص; والمعنى: أن كل ما أخبر به فهو حق . وقرأ أبو عمرو ، وابن عامر ، وحمزة والكسائي: "يقضي الحق" من القضاء; والمعنى يقضي القضاء الحق .
قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين

قوله تعالى: قل لو أن عندي ما تستعجلون به أي: من العذاب لقضي الأمر بيني وبينكم قال ابن عباس : يقول: لم أمهلكم ساعة ولأهلكتكم .

قوله تعالى: والله أعلم بالظالمين فيه قولان .

أحدهما: أن المعنى: إن شاء عاجلهم ، وإن شاء أخر عقوبتهم .

والثاني: أعلم بما يؤول إليه أمرهم ، وأنه قد يهتدي منهم قوم ، ولا يهتدي آخرون; فلذلك يؤخروهم .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 01-06-2022, 10:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,781
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد





تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثالث
سُورَةُ الانعام
الحلقة (203)
صــ53 إلى صــ 58



وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين

قوله تعالى: وعنده مفاتح الغيب قال ابن جرير: المفاتح: جمع مفتح; [ ص: 53 ] يقال مفتح ومفتاح ، فمن قال مفتح ، جمعه: مفاتح . ومن قال: مفتاح ، جمعه: مفاتيح . وفي "مفاتح الغيب" سبعة أقوال .

أحدها: أنها خمس لا يعلمها إلا الله عز وجل . روى البخاري في أفراده من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ، لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله ، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ، ولا يعلم ما في غد إلا الله ، ولا تعلم نفس بأي أرض تموت إلا الله ، ولا يعلم متى ينزل الغيث إلا الله" قال ابن مسعود: أوتي نبيكم علم كل شيء إلا مفاتيح الغيب .

والثاني: أنها خزائن غيب السماوات من الأقدار والأرزاق ، قاله ابن عباس .

والثالث: ما غاب عن الخلق من الثواب والعقاب ، وما تصير إليه الأمور ، قاله عطاء .

والرابع خزائن غيب العذاب ، متى ينزل ، قاله مقاتل . [ ص: 54 ] والخامس الوصلة إلى علم الغيب إذا استعلم ، قاله الزجاج .

والسادس: عواقب الأعمار وخواتيم الأعمال .

والسابع: ما لم يكن ، هل يكون ، أم لا يكون؟ وما يكون كيف يكون وما لا يكون ، إن كان ، كيف يكون؟ فأما البر ، فهو القفر . وفي البحر قولان . أحدهما: أنه الماء ، قاله الجمهور . والثاني: أنه القرى ، قاله مجاهد .

قوله تعالى: وما تسقط من ورقة إلا يعلمها قال الزجاج : المعنى: أنه يعلمها ساقطة وثابتة ، كما تقول: ما يجيئك أحد إلا وأنا أعرفه ، ليس تأويله: اعرفه في حال مجيئه فقط . فأما ظلمات الأرض ، فالمراد بها بطن الأرض .

وفي الرطب واليابس ، خمسة أقوال .

أحدها: أن الرطب: الماء ، واليابس: البادية . والثاني: الرطب: ما ينبت ، واليابس: ما لا ينبت ، والثالث: الرطب: الحي ، واليابس: الميت . والرابع: الرطب: لسان المؤمن يذكر الله ، واليابس: لسان الكافر لا يتحرك بذكر الله . والخامس: أنهما الشيء ينتقل من إحدى الحالتين إلى الأخرى ، فهو يعلمه رطبا ، ويعلمه يابسا . وفي الكتاب المبين قولان .

أحدهما أنه اللوح المحفوظ; قاله مقاتل . والثاني: أنه علم الله المتقن; ذكره الزجاج . فإن قيل: ما الفائدة في إحصاء هذه الأشياء في كتاب؟ فعنه ثلاثة أجوبة ، ذكرهن ابن الأنباري .

أحدها: أنه أحصاها في كتاب ، لتقف الملائكة على نفاذ علمه .

والثاني: أنه نبه بذلك عباده على تعظيم الحساب ، وأعلمهم أنه لا يفوته ما يصنعون ، لأن من يثبت ما لا ثواب فيه ولا عقاب ، فهو إلى إثبات ما فيه ثواب وعقاب أسرع . [ ص: 55 ] والثالث: أن المراد بالكتاب: العلم; فالمعنى: أنها مثبتة في علمه .
وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون

قوله تعالى: وهو الذي يتوفاكم بالليل يريد به النوم لأنه يقبض الأرواح عن التصرف بالنوم ، كما يقبض بالموت . وقال ابن عباس : يقبض أرواحكم في منامكم . وجرحتم: بمعنى كسبتم . "ثم يبعثكم" أي يوقظكم فيه ، أي: في النهار ليقضى أجل مسمى أي: لتبلغوا الأجل المسمى لانقطاع حياتكم ، فدل باليقظة بعد النوم على البعث بعد الموت .
وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون

قوله تعالى: ويرسل عليكم حفظة الحفظة: الملائكة ، وأحدهما: حافظ ، والجمع: حفظة ، مثل كاتب وكتبة ، وفاعل وفعلة . وفيما يحفظونه قولان .

أحدهما: أعمال بني آدم; قاله ابن عباس . والثاني: أعمالهم وأجسادهم ، قاله السدي .

قوله تعالى: توفته رسلنا وقرأ حمزة: "توفاه رسلنا" وحجته أنه فعل مسند إلى مؤنث غير حقيقي ، وإنما التأنيث للجمع ، فهو مثل: وقال نسوة [يوسف:30] . وفي المراد بالرسل ثلاثة أقوال .

أحدها أنهم أعوان ملك الموت قاله ابن عباس وقال النخعي: أعوانه يتوفون النفوس ، وهو يأخذها منهم .

[ ص: 56 ] والثاني: أن المراد بالرسل: ملك الموت وحده ، قاله مقاتل .

والثالث: أنهم الحفظة ، قاله الزجاج .

قوله تعالى: وهم لا يفرطون قال ابن عباس : لا يضيعون . فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: توفته رسلنا وبين قوله: قل يتوفاكم ملك الموت ، [السجدة:11 ] فعنه جوابان

أحدهما: أنه يجوز أن يريد بالرسل ملك الموت وحده ، وقد يقع الجمع على الواحد . والثاني: أن أعوان ملك الموت يفعلون بأمره ، فأضيف الكل إلى فعله .

وقيل: توفي أعوان ملك الموت بالنزع ، وتوفي ملك الموت بأن يأمر الأرواح فتجيب ، ويدعوها فتخرج ، وتوفي الله تعالى بأن يخلق الموت في الميت .
ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين

قوله تعالى: ثم ردوا إلى الله يعني العباد . وفي متولي الرد قولان .

أحدهما: أنهم الملائكة ، ردتهم بالموت إلى الله تعالى .

والثاني: أنه الله عز وجل ، ردهم بالبعث في الآخرة . وفي معنى ردهم إلى الله تعالى قولان .

أحدهما: أنهم ردوا إلى المكان الذي لا يملك الحكم فيه إلا الله وحده .

والثاني: أنهم ردوا إلى الله تدبيره وحده; لأنه لما أنشأهم كان منفردا بتدبيرهم ، فلما مكنهم من التصرف ، صاروا في تدبير أنفسهم ، ثم كفهم عنه بالموت ، فصاروا مردودين . إلى تدبيره [ ص: 57 ] قوله تعالى: ألا له الحكم يعني القضاء . وبيان سرعة الحساب ، في [البقرة] .
قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون

قوله تعالى: قل من ينجيكم قرأ عاصم ، وحمزة والكسائي ، وأبو جعفر: " قل من ينجيكم قل الله ينجيكم" مشددين . وقرأ يعقوب ، والقزاز عن عبد الوارث: بسكون النون وتخفيف الجيم . قال الزجاج : والمشددة أجود للكثرة . وظلمات البر والبحر: شدائدها; والعرب تقول لليوم الذي تلقى فيه شدة يوم مظلم ، حتى إنهم يقولون: يوم ذو كواكب ، أي: قد اشتدت ظلمته حتى صار كالليل . قال الشاعر:


فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا


[ ص: 58 ] قوله تعالى: تدعونه تضرعا أي مظهرين الضراعة ، وهي شدة الفقر إلى الشيء ، والحاجة .

قوله تعالى: وخفية قرأ عاصم إلا حفصا: "وخفية" بكسر الخاء; وكذلك في [الأعراف] . وقرأ الباقون بضم الخاء ، وهما لغتان . قال الفراء: وفيها لغة أخرى بالواو ، ولا تصلح في القراءة ، خفوة ، وخفوة . ومعنى الكلام ، أنكم تدعونه في أنفسكم ، كما تدعونه ظاهرا: "لئن أنجيتنا" كذلك قرأ ابن كثير ، ونافع ، وابن عامر ، وأبو عمرو: "لئن أنجيتنا" وقرأ عاصم ، وحمزة والكسائي: "لئن أنجانا" بألف ، لمكان الغيبة في قوله: "تدعونه" . وكان حمزة ، والكسائي: وخلف يميلون الجيم .

قوله تعالى: من هذه يعني: في أي شدة وقعتم ، قلتم: "لئن أنجيتنا من هذه" . قال ابن عباس : و"الشاكرون" هاهنا: المؤمنون . وكانت قريش تسافر في البر والبحر ، فإذا ضلوا الطريق وخافوا الهلاك ، دعوا الله مخلصين ، فأنجاهم . فأما "الكرب" فهو الغم الذي يأخذ بالنفس ، ومنه اشتقت الكربة .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 433.74 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 427.85 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.36%)]