|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#2
|
||||
|
||||
|
وقال ابن نجيم: "واعلم أن اعتبار العادة والعرف يُرجَع إليه في الفقه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلًا"[15]. كما أن اعتبار العادة والعرف هو من أصول مذهب مالك، ومنه جاء أصلُ عملِ أهل المدينة؛ فهو مبنيٌّ على العادة المتَّبَعة في المدينة على عهد الصحابة والتابعين. فحَمْلُ الناس على أعرافهم ومقاصدهم فيما لم يخالف فيه الشرع واجب، والحكم عليهم بخلاف ذلك من الزَّيغ والجَور، ومن أمثلة مراعاة العرف الإفتاء به؛ كما جاء في البهجة: "أنه لما سُئل الإمام قاضي القضاة سيدي عيسى السجستاني حسبما في نوازله عن بيع الثنيا في هذا الزمان: هل تفوت بأنواع التفويت لأنها بيع فاسد، وكيف إذا جُهل قصد المفوت؟ فقال: الذي أفتي به في بياعات نواحي سوس وجبال درن أنها رهون؛ لأنهم يعتقدون أنها على ملك بائعها، ويطلبون فيها زيادة الأثمان والمبيع بيد مشتريه، وإذا كان هكذا، فلا يفوت بشيء، بل هي على ملك الأول، إلا أن يرضى بإمضاء البيع فيها والسلام"[16]. وأضاف التسولي إلى ذلك قياسًا عليه: "ولا يخفى أنها في نواحي فاس وجبالها كذلك، ولا يشكُّ منصف فيه، والله أعلم"[17]، ومنه أيضًا في حكم الغلة في بيع الثنيا، إذا كان عند أهل البلد رهينة ثم تحايلوا بالبيع، "فقد جاء في نوازل الزياتي أيضًا ما نص الغرض منه: سُئل بعض الفقهاء عن الغلة في بيع الثنيا، وكيف الحكم إن كان عرف البلد الرهنية، إلا أنهما تحيلا بكتب البيع مخافة الغلة؟ فأجاب: في المسألة قولان: قيل: الغلة للمشتري، وقيل: للبائع، وأما إن كان عرف البلد أنهم يعتقدون الثنيا في بيوتهم، ويتحرفون بكتب البيع مخافة الغلة، فإن الغلة لازمة للمشتري قولًا واحدًا، مع يمين الراهن أنه كان رهنًا في نفس الأمر، وبهذا صدرت الفتوى من أهلها"[18]. وغيرها من الصور التي راعى فيها الفقهاء العرف في إفتاء الناس في معاملاتهم، وتعاملاتهم لاختلاف أحوالهم؛ فعُمْدَتُهم في ذلك قوله تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾ [الأعراف: 199]. الاستثناء من القاعدة: القاعدة وإن اعتُبرت عامة منطبقة على فروعها، فقد يُستثنى منها صور؛ فمن ذلك: ما جرى به العرف في التنازع في متاع البيت بين الزوجين: أن للمرأة ما هو خاص بالنساء، لكن يُستثنى من ذلك إذا كان ما للنساء في حوزة الرجل الأخص، أو كانت المرأة معروفة بالفقر، فلا شيء لها من المتاع، ولها قدر الصداق فقط. ففي البهجة: "أن محل كون القول للمرأة فيما شأنه للنساء ما لم يكن ذلك في حوز الرجل الأخص، وما لم تكن معروفة بالفقر، وإلا فلا يُقبل قولها في أزيد من قدر صداقها؛ قاله ابن فرحون"[19]. لذلك وجب مراعاة هذا الاستثناء في تنزيل قاعدة العرف، فعدم اعتباره يوقع الفقيه في الحرج، بالقضاء للزوجة ما ليس لها من متاع البيت، وهذا في حق الزوج ظلم. القاعدة الثالثة: البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر[20]: ووردت أيضًا بلفظ: البينة على المدعي، واليمين على المدَّعَى عليه[21]. شرح القاعدة: هذه القاعدة عظيمة جليلة، أصلها حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((البينة على من ادعى، واليمين على المدعى عليه))[22]. وفي البهجة[23]: "ذكره ابن عبدالبر عن عمر بن شعبة عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)). وهو أن القاضي أو الحاكم إذا تحاكم عنده شخصان، وجب عليه ابتداء أن يميز المدعي من المدعى عليه؛ لما يتوقف عليه ذلك من مطالبة المدعي بالبينة، ومطالبة المدعى عليه باليمين حالة الإنكار، ومنه إذا ادعى شخص الاعتداء عليه من طرف شخص آخر، فإن الأول يُطالَب ببينة تصدِّق دعواه، والآخر إذا أنكر يُطالب باليمين على عدم الاعتداء، والبينة تشمل الشاهدين والأربعة، والشاهد مع اليمين والمرأتين[24]. وعلى المدَّعِي عمومًا صالِحًا كان أو طالِحًا، ادعى على صالح أو طالح البينةُ؛ لقول القرافي وغيره: "أجمعت الأمة على أن الصالح التقي مثل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لو ادعى على أفسق الناس درهمًا واحدًا لا يُصدَّق فيه، وعليه البينة"[25]، والمدعى عليه شأنه في ذلك شأن المدعي في العموم، وقد بيَّن ابن المسيب كلًّا من المدعي والمدعى عليه: "كل من قال قد كان فهو مدَّعٍ، وكل من قال لم يكن فهو مدَّعًى عليه"[26]، كما يُطالب المدعى عليه باليمين إذا عجز المدعي عن البينة؛ كما في التحفة[27]: والمُدَّعِي مُطالَبٌ بِالبَيِّنَهْ ![]() وَحالةُ العُمومِ فيهِ بَيِّنَهْ ![]() والمُدَّعى عليهِ باليمينِ ![]() في عَجْزِ مُدَّعٍ عَنِ التَّبيينِ ![]() وأيضًا يلزمه اليمين، في حال كون الدعوى في المال أو ما يؤول إليه، وإلا فكل دعوى لا تثبت إلا بعِدلَين، فلا يمين بمجردها[28]. ومن أمثلة القاعدة: دعوى المرأة على زوجها الحاضر أنه لم ينفق عليها، وقال هو: أنفقتُ، وبدعوى المرأة المسيس على زوجها في خلوة الاهتداء، وادعى هو عدمه، فهو مدعى عليه في الأولى لشهادة العرف له، وهي مدعية، وهما في الثانية على العكس[29]. الاستثناء من القاعدة: وردت استثناءات من القاعدة في البهجة[30]، نقلًا عن القرافي قوله: خُولفت قاعدة الدعاوى في خمس: • في لعان الزوج في الحمل والولد، فقُبل قوله؛ لأن العادة أن ينفي الزوج عن زوجه الفواحش؛ فحيث رماها بها مع إيمانه، قدَّمه الشرع. • وفي القسامة، فقُبل فيها قول القتيل لترجيحه باللوث. • وفي دعوى الأمناء التلف، فقُبل قولهم لئلا يزهد الناس في قبول الأمانات؛ فتفوت مصالحها، والأمين قد يكون من جهة مستحِقِّ الأمانة، وقد يكون من جهة الشرع كالوصي والملتقط ومن ألقت الريح ثوبًا في بيته. • وفي التعديل والتجريح قُبل فيهما قول الحاكم؛ لئلا تفوت المصالح المرتبة على الولاية. • وفي دعوى الغاصب التلف، قُبل قوله؛ لئلا يخلد في السجن. ويمكن أن نجمل ما ساقه القرافي رحمه الله تعالى من المستثنيات من القاعدة، في أسباب الاستثناء: فالاستثناء في قبول قول الزوج بلا بينة، في دعوى اللعان، سببه هو أن الأصل في الزوج عدم الرضا بالفاحشة لأهله، فلما ادعاه، قُبل قوله، والاستثناء في قبول قول القتيل في مسألة القسامة، فلا يُطالب بالبينة، لترجيحه باللوث، وفي دعوى الأمناء من جهة الشرع إذا ادَّعوا التلف يُقبل قولهم بدون بينة استثناءً؛ وذلك حفاظا على مصالح الناس، والاستثناء في قبول قول الحاكم في تعديل شخص أو تجريحه، فمردُّه لعدم تفويت المصالح المترتبة على الولاية؛ لأن رد قول الحاكم طعن في الولاية، أما الاستثناء في قبول قول الغاصب بدون بينة، إذا اعترف بالتلف، فذلك لئلا يخلد السجن؛ لأن ردَّ قولِهِ تخليد له في السجن. وبعد أن ذكرها المكناسي في مجالسه قال: "ومنها اللصوص إذا قدموا بمتاع وادعى شخص أنه له، وأنهم نزعوه منه، فيُقبل قوله مع يمينه ويأخذه، ومنها السمسار إذا ادعي عليه أنه غيب ما أعطى له للبيع، وكان معلومًا بالعداء وبإنكار الناس، فيُصدَّق المدعي بيمينه ويُغرم السمسار، ومنها السارق إذا سرق متاع رجل، وانتهب ماله، وأراد قتله، وقال المسروق: أنا أعرفه، فيُصدَّق المسروق بيمينه[31]. ثم عقب عليه التسولي بعد أن ذكر كلامه: "وهذه المسائل التي زادها لا تحملها الأصول كما لأبي الحسن"[32]. فأسأل الله أن أكون بذلك قد سرجتُ الجواد لراكبه، ومهدت الطريق لسالكه، للأخذ بهذا العلم، والجمع والتأصيل فيه فأُولِي هذا الأمر لمن حباه الله بعلم نافع وفضل واسع؛ لأن ذلك يحتاج إلى عالم فتَّاح ذي علم وضَّاح، لجمع المستثنيات من القواعد في الفقه الإسلامي عمومًا، والفقه المالكي خصوصًا. هذا، وصلى الله وسلم على نبيينا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. [1] البهجة: 1/ 134. [2] البهجة: 1/ 33. [3] الفروق:1/ 179. [4] التاج والإكليل: 8/ 141. [5] البهجة: 1/ 32. [6] المنجور، شرح المنهج المتنخب: 147. [7] الأصل الجامع: 3/ 103. [8] البهجة: 1/ 33. [9] المصدر نفسه: 1/ 33. [11] البهجة: 1/ 218. [12] من قواعد الفقه أن العرف كالشرط، وأن العادة محكمة، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 2/ 4. [13] صحيح البخاري: رقم الحديث: 5049. [14] إعلام الموقعين عن رب العالمين: 3/ 2. [15] ابن نجيم، الأشباه والنظائر: ص: 93. [16] البهجة: 2/ 101. [17] المصدر نفسه: 2/ 101. [18] البهجة: 2/ 101 - 102. [19] البهجة: 1/ 477. [20] البهجة: 1/ 54. [21] البهجة: 1/ 45. [22] سنن الترمذي: رقم الحديث: 1341. [23] البهجة: 1/ 54. [24] البهجة: 1/ 54. [25] المصدر نفسه: 1/ 54. [26] البهجة: 1/ 47. [27] تحفة الحكام: 18. [28] البهجة: 1/ 54. [29] البهجة: 1/ 47. [30] البهجة: 1/ 49. [31] البهجة: 1/ 50. [32] المصدر نفسه: 1/ 50.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |