|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
|
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ الحلقة (20) سُورَةُ الْبَقَرَةِ (19) قَوْلُهُ تَعَالَى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا قَدْرَ هَذِهِ الْأَضْعَافِ الْكَثِيرَةِ ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهَا تَبْلُغُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ وَتَزِيدُ [ ص: 154 ] عَنْ ذَلِكَ . وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ [ 2 \ 162 ] . قَوْلُهُ تَعَالَى : وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا شَيْئًا مِمَّا عَلَّمَهُ ، وَقَدْ بَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ كَقَوْلِهِ : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ [ 21 \ 80 ] الْآيَةَ ، وَقَوْلُهُ : وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ [ 34 \ 11 ، 10 ] . قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ، وَإِنَّكَ لِمَنَ الْمُرْسَلِينَ يُفْهَمُ مِنْ تَأْكِيدِهِ هُنَا بَأَنَّ وَاللَّامِ أَنَّ الْكُفَّارَ يُنْكِرُونَ رِسَالَتَهُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي فَنِّ الْمَعَانِي ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَفْهُومِ فِي قَوْلِهِ : وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا [ 13 \ 43 ] . قَوْلُهُ تَعَالَى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا هَذَا الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ مِنْهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [ 4 \ 164 ] ، وَقَوْلُهُ : إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي [ 7 \ 144 ] . قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ، يَعْنِي مُوسَى وَمُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ ، وَكَذَلِكَ آدَمُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي " صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ " عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ : تَكْلِيمُ آدَمَ الْوَارِدُ فِي " صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ " يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [ 2 \ 35 ] ، وَأَمْثَالُهَا مِنَ الْآيَاتِ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةِ الْمَلَكِ ، وَيَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ نَهْيُ حَوَّاءَ عَنِ الشَّجَرَةِ عَلَى لِسَانِهِ ، فَهُوَ رَسُولٌ إِلَيْهَا بِذَلِكَ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ، مَا نَصُّهُ : وَقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ آدَمَ أَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ هُوَ ؟ فَقَالَ : " نَعَمْ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ " ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ : وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ تَكْلِيمَ آدَمَ كَانَ فِي الْجَنَّةِ ، فَعَلَى هَذَا تَبْقَى خَاصِّيَّةُ مُوسَى اهـ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [ 2 \ 38 ] ، فِي سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " مَا نَصُّهُ : لِأَنَّ آدَمَ كَانَ هُوَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيَّامَ حَيَاتِهِ ، بَعْدَ أَنْ أُهْبِطَ إِلَى [ ص: 155 ] الْأَرْضِ ، وَالرَّسُولُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى وَلَدِهِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا وَهُوَ ، الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ، أَيْ : رُسُلٌ اهـ مَحَلُّ الْحُجَّةِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ وَفِيهِ وَفِي كَلَامِ ابْنِ كَثِيرٍ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ " صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ " التَّصْرِيحُ بِأَنَّ آدَمَ رَسُولٌ وَهُوَ مُشْكِلٌ مَعَ مَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوَّلُ الرُّسُلِ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [ 4 \ 163 ] ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ لِلْجَمْعِ إِلَّا مِنْ وَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ : أَنَّ آدَمَ أُرْسِلَ لِزَوْجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ فِي الْجَنَّةِ ، وَنُوحٌ أَوَّلُ رَسُولٍ أُرْسِلَ فِي الْأَرْضِ ، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْجَمْعِ مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَغَيْرِهِمَا ، وَيَقُولُ : " وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ " ، الْحَدِيثَ . فَقَوْلُهُ : " إِلَى أَهْلِ " الْأَرْضِ ، لَوْ لَمْ يُرَدْ بِهِ الِاحْتِرَازُ عَنْ رَسُولٍ بُعِثَ لِغَيْرِ أَهْلِ الْأَرْضِ ، لَكَانَ ذَلِكَ الْكَلَامُ حَشْوًا ، بَلْ يُفْهَمُ مِنْ مَفْهُومِ مُخَالَفَتِهِ مَا ذَكَرْنَا . وَيَتَأَنَّسُ لَهُ بِكَلَامِ ابْنِ عَطِيَّةَ الَّذِي قَدَّمْنَا نَقْلَ الْقُرْطُبِيِّ لَهُ . الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ آدَمَ أُرْسِلَ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ وَهُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمْ كُفْرٌ فَأَطَاعُوهُ ، وَنُوحٌ هُوَ أَوَّلُ رَسُولٍ أُرْسِلَ لِقَوْمٍ كَافِرِينَ يَنْهَاهُمْ عَنِ الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ تَعَالَى ، وَيَأْمُرُهُمْ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ وَحْدَهُ ، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً الْآيَةَ [ 10 \ 19 ] . أَيْ : عَلَى الدِّينِ الْحَنِيفِ ، أَيْ حَتَّى كَفَرَ قَوْمُ نُوحٍ ، وَقَوْلُهُ : كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ الْآيَةَ [ 2 \ 213 ] . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ، أَشَارَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ إِلَى أَنَّ مِنْهُمْ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَقَوْلِهِ : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [ 17 \ 79 ] ، أَوْ قَوْلِهِ : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ الْآيَةَ [ 34 \ 28 ] ، وَقَوْلِهِ : إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [ 7 \ 158 ] ، وَقَوْلِهِ : تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [ 25 ] ، وَأَشَارَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ إِلَى أَنَّ مِنْهُمْ إِبْرَاهِيمَ كَقَوْلِهِ : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [ 4 \ 125 ] ، وَقَوْلِهِ : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [ 2 \ 124 ] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ . وَأَشَارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِلَى أَنَّ مِنْهُمْ دَاوُدَ وَهُوَ قَوْلُهُ : وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [ 17 ] ، وَأَشَارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِلَى أَنَّ مِنْهُمْ إِدْرِيسَ [ ص: 156 ] وَهُوَ قَوْلُهُ : وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [ 19 \ 57 ] ، وَأَشَارَ هُنَا إِلَى أَنَّ مِنْهُمْ عِيسَى بِقَوْلِهِ : وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ [ 2 \ 87 ] . تَنْبِيهٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ، أَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْآيَةَ ، إِشْكَالٌ قَوِيٌّ مَعْرُوفٌ . وَوَجْهُهُ : أَنَّهُ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى ; فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفِيقُ ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ " ، وَثَبَتَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : " لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ ; فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " الْحَدِيثَ ، وَفِي رِوَايَةٍ : " لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ " ، وَفِي رِوَايَةٍ : " لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ " . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا نَصُّهُ : وَهَذِهِ الْآيَةُ مُشْكِلَةٌ ، وَالْأَحَادِيثُ ثَابِتَةٌ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ " ، رَوَاهَا الْأَئِمَّةُ الثِّقَاتُ ، أَيْ : لَا تَقُولُوا فُلَانٌ خَيْرٌ مِنْ فُلَانٍ ، وَلَا فُلَانٌ أَفْضَلُ مِنْ فُلَانٍ ، اهـ . قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ مَا نَصُّهُ : وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُعْلَمَ بِالتَّفْضِيلِ ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ . الثَّانِي : أَنَّ هَذَا قَالَهُ مِنْ بَابِ الْهَضْمِ وَالتَّوَاضُعِ . الثَّالِثُ : أَنَّ هَذَا نَهْيٌ عَنِ التَّفْضِيلِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ الَّتِي تَحَاكَمُوا فِيهَا عِنْدَ التَّخَاصُمِ وَالتَّشَاجُرِ . الرَّابِعُ : لَا تُفَضِّلُوا بِمُجَرَّدِ الْآرَاءِ وَالْعَصَبِيَّةِ . الْخَامِسُ : لَيْسَ مَقَامُ التَّفْضِيلِ إِلَيْكُمْ ، وَإِنَّمَا هُوَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَعَلَيْكُمُ الِانْقِيَادُ وَالتَّسْلِيمُ لَهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ ، اهـ مِنْهُ بِلَفْظِهِ . وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي " تَفْسِيرِهِ " أَجْوِبَةً كَثِيرَةً عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ ، وَاخْتَارَ أَنَّ مَنْعَ التَّفْضِيلِ فِي خُصُوصِ النُّبُوَّةِ ، وَجَوَازَهُ فِي غَيْرِهَا مِنْ زِيَادَةِ الْأَحْوَالِ ، وَالْخُصُوصِ ، وَالْكَرَامَاتِ فَقَدْ قَالَ مَا نَصُّهُ : قُلْتُ : وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَنْعَ مِنَ التَّفْضِيلِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ النُّبُوَّةِ هُوَ الَّتِي هِيَ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَفَاضُلَ فِيهَا ، وَإِنَّمَا التَّفْضِيلُ [ ص: 157 ] فِي زِيَادَةِ الْأَحْوَالِ وَالْخُصُوصِ ، وَالْكَرَامَاتِ ، وَالْأَلْطَافِ ، وَالْمُعْجِزَاتِ الْمُتَبَايِنَاتِ . وَأَمَّا النُّبُوَّةُ فِي نَفْسِهَا فَلَا تَتَفَاضَلُ ، وَإِنَّمَا تَتَفَاضَلُ بِأُمُورٍ أُخَرَ زَائِدَةٍ عَلَيْهَا ، وَلِذَلِكَ مِنْهُمْ رُسُلٌ وَأُولُو عَزْمٍ ، وَمِنْهُمْ مَنِ اتُّخِذَ خَلِيلًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [ 17 ] ، قُلْتُ : وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ ، فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْآيِ وَالْأَحَادِيثِ مِنْ غَيْرِ نَسْخٍ ، وَالْقَوْلُ بِتَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، إِنَّمَا هُوَ بِمَا مَنَحَ مِنَ الْفَضَائِلِ وَأَعْطَى مِنَ الْوَسَائِلِ ، وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى هَذَا فَقَالَ : إِنِ اللَّهَ فَضَّلَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَعَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ ، فَقَالُوا : بِمَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَضَّلَهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ ؟ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [ 21 \ 29 ] ، وَقَالَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [ 48 ] ، قَالُوا : فَمَا فَضْلُهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ؟ قَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [ 14 \ 4 ] ، وَقَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [ 34 \ 28 ] ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ فِي " مُسْنَدِهِ " ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : خَيْرُ بَنِي آدَمَ نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَمُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ، وَهَذَا نَصٌّ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي التَّعْيِينِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ أُرْسِلَ أَفْضَلُ مِمَّنْ لَمْ يُرْسَلْ ; فَإِنَّ مَنْ أُرْسِلَ فَضُلَ عَلَى غَيْرِهِ بِالرِّسَالَةِ ، وَاسْتَوُوا فِي النُّبُوَّةِ إِلَى مَا يَلْقَاهُ الرُّسُلُ مِنْ تَكْذِيبِ أُمَمِهِمْ وَقَتْلِهِمْ إِيَّاهُمْ ، وَهَذَا مِمَّا لَا خَفَاءَ بِهِ . اهـ مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ . وَاخْتَارَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ وَجْهَ الْجَمْعِ جَوَازُ التَّفْضِيلِ إِجْمَالًا كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ " ، وَلَمْ يُعَيِّنْ وَمَنَعَ التَّفْضِيلَ عَلَى طَرِيقِ الْخُصُوصِ كَقَوْلِهِ : " لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى مُوسَى " ، وَقَوْلِهِ : " لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى " ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . قَوْلُهُ تَعَالَى : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ مَنْ أَتْبَعَ إِنْفَاقَهُ الْمَنَّ وَالْأَذَى لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذَا الثَّوَابَ الْمَذْكُورَ هُنَا فِي قَوْلِهِ : مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [ 2 \ 262 ] . وَقَدْ صَرَّحَ تَعَالَى بِهَذَا الْمَفْهُومِ فِي [ ص: 158 ] قَوْلِهِ : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى الْآيَةَ [ 2 \ 264 ] . قَوْلُهُ تَعَالَى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [ 2 \ 257 ] ، صَرَّحَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّ اللَّهَ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَصَرَّحَ فِي آيَةٍ أُخْرَى بِأَنَّهُ وَلِيُّهُمْ ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِيُّهُمْ ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الْآيَةَ [ 5 ] ، وَقَالَ : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [ 9 \ 71 ] ، وَصَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِخُصُوصِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ لِلْمُسْلِمِينَ دُونَ الْكَافِرِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ [ 47 \ 11 ] ، وَصَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِأَنَّ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ 33 \ 6 ] ، وَبَيَّنَ فِي آيَةِ " الْبَقَرَةِ " هَذِهِ ، ثَمَرَةَ وِلَايَتِهِ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَهِيَ إِخْرَاجُهُ لَهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [ 2 \ 257 ] ، وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ مِنْ ثَمَرَةِ وِلَايَتِهِ إِذْهَابَ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ عَنْ أَوْلِيَائِهِ ، وَبَيَّنَ أَنَّ وِلَايَتَهُمْ لَهُ تَعَالَى بِإِيمَانِهِنَّ وَتَقْوَاهُمْ ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [ 10 \ 62 ، 63 ] ، وَصَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ تَعَالَى وَلِيُّ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُ أَيْضًا يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [ 7 \ 196 ] . قَوْلُهُ تَعَالَى : يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ الْمُرَادُ بِالظُّلُمَاتِ الضَّلَالَةُ ، وَبِالنُّورِ الْهُدَى ، وَهَذِهِ الْآيَةُ يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّ طُرُقَ الضَّلَالِ مُتَعَدِّدَةٌ ; لِجَمْعِهِ الظُّلُمَاتِ وَأَنَّ طَرِيقَ الْحَقِّ وَاحِدَةٌ ; لِإِفْرَادِهِ النُّورَ ، وَهَذَا الْمَعْنَى الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُنَا بَيَّنَهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [ 6 \ 153 ] . قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، مَا نَصُّهُ : وَلِهَذَا وَحَّدَ تَعَالَى لَفْظَ النُّورِ وَجَمَعَ الظُّلُمَاتِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ وَالْكُفْرَ أَجْنَاسٌ كَثِيرَةٌ وَكُلُّهَا بَاطِلَةٌ كَمَا قَالَ : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ، وَقَالَ تَعَالَى : وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [ 6 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ [ 70 \ 37 ] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي فِي لَفْظِهَا إِشْعَارٌ بِتَفَرُّدِ [ ص: 159 ] الْحَقِّ وَانْتِشَارِ الْبَاطِلِ وَتَعَدُّدِهِ وَتَشَعُّبِهِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ . قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ الْآيَةَ ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : الطَّاغُوتُ الشَّيْطَانُ وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ [ 3 \ 175 ] ، أَيْ يُخَوِّفُكُمْ مِنْ أَوْلِيَائِهِ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [ 4 ] ، وَقَوْلُهُ : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ الْآيَةَ [ 18 \ 50 ] ، وَقَوْلُهُ : إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ الْآيَةَ [ 7 ] ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ كُلَّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ طَاغُوتٌ وَالْحَظُّ الْأَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ الْآيَةَ [ 36 \ 60 ] ، وَقَالَ : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا [ 4 \ 117 ] ، وَقَالَ عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ : يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ الْآيَةَ [ 19 \ 44 ] ، وَقَالَ : وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [ 6 \ 121 ] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ . قَوْلُهُ تَعَالَى : كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ بَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِـ الَّذِي الَّذِينَ بِقَوْلِهِ : لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا [ 2 \ 264 ] . قَوْلُهُ تَعَالَى : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْآيَةَ [ 2 \ 273 ] لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا سَبَبَ فَقْرِهِمْ ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي سُورَةِ " الْحَشْرِ " أَنَّ سَبَبَ فَقْرِهِمْ هُوَ إِخْرَاجُ الْكُفَّارِ لَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ بِقَوْلِهِ : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ الْآيَةَ [ 59 \ 8 ] . قَوْلُهُ تَعَالَى : فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ الْآيَةَ ، مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ مَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ يَزْجُرُهُ بِهَا عَنْ أَكْلِ الرِّبَا فَانْتَهَى أَيْ : تَرَكَ الْمُعَامَلَةَ بِالرِّبَا ; خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَامْتِثَالًا لِأَمْرِهِ فَلَهُ مَا سَلَفَ أَيْ : مَا مَضَى قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ اللَّهَ لَا يُؤَاخِذُ الْإِنْسَانَ بِفِعْلِ أَمْرٍ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُحَرِّمَهُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ ، فَقَدْ قَالَ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ ، وَيَأْكُلُونَ مَالَ الْمَيْسِرِ قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا الْآيَةَ [ 5 \ 93 ] . [ ص: 160 ] وَقَالَ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَزَوَّجُونَ أَزْوَاجَ آبَائِهِمْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ : وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [ 4 \ 22 ] ، أَيْ : لَكِنْ مَا سَلَفَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيهِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ الْآيَةَ [ 4 \ 23 ] . وَقَالَ فِي الصَّيْدِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ : عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ الْآيَةَ [ 5 \ 95 ] . وَقَالَ فِي الصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ نَسْخِ اسْتِقْبَالِهِ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [ 2 \ 143 ] ، أَيْ : صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ النَّسْخِ . وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمِينَ لَمَّا اسْتَغْفَرُوا لِقُرَبَائِهِمُ الْمَوْتَى مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [ 9 \ 113 ] ، وَنَدِمُوا عَلَى اسْتِغْفَارِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [ 9 \ 115 ] ، فَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يُضِلُّهُمْ بِفِعْلِ أَمْرٍ إِلَّا بَعْدَ بَيَانِ اتِّقَائِهِ .
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |