
01-04-2021, 12:52 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,605
الدولة :
|
|
اجعل لنا نصيباً من وقتك
اجعل لنا نصيباً من وقتك
محمد بن إبراهيم الحمد
من الأزواج من يطيل المكث خارج المنزل، فلا يكاد يجد وقتاً يجلس فيه إلى أهله.
فمنهم من يشتغل بكسب المال، فتراه يكدح نهاره، وزلفاً من ليله، فلا يعود إلى منزله إلا وهو مكدود الجسم، مهدود القوى، قد استنفد طاقته، فلم يعد لديه أدنى استعداد لمحادثة أو مؤانسة، فيخلد إلى فراشه، فيسلمه الفراش إلى سبات عميق.
ومنهم من يمكث خارج المنزل مع زملائه وأصدقائه في رحلات، وسهرات، وحضور حفلات، ومناسبات؛ فلا يأتي منزله إلا في ساعة متأخّرة من الليل.
وربّما أتى وزوجته تغطّ في سبات عميق بعد أن أعياها السهر، وطال عليها الانتظار.
وربّما أتى وزوجته قد استعدّت له بكامل زينتها، فتستقبله بوجه مشرق، وجبين وضَّاح، فلا يقابلها إلا بوجه عابس، وجبين مُقَطِّب، ونفس كَزَّة.
وهناك من الأزواج من يخرج لاستراحته أو استراحة غيره، فيلتقي زملاءه هناك، فتستمر الجلسة إلى وقت متأخّر من الليل، فلا يعلم ماذا يحلّ في المنزل، ولا إلى أين يسير الأولاد، ولا يدري ما تعانيه الزوجة من جرّاء ذلك الإهمال.
وهناك من يستضيف صحبه في منزله كلّ ليلة، فيثقل كاهل زوجته بما تعدّه للضيوف من أنواع المآكل والمشارب، وربّما طال وقت الجلسة إلى ما بعد منتصف الليل، وربّما كانت الجلسة على لهو أو باطل، فإذا خرج الضيوف آوى الزوج إلى فراشه؛ وترك زوجته تغسل الأواني، فلا تكاد تنتهي إلا قرب الفجر دون أن تسمع منه كلمة شكر، أو ترى منه ابتسامة رضاً.
إنّ هذا الإنسان قد يكسب ودَّ أصدقائه، وقد يكسب سمعة اجتماعيّة واسعة، ولكنّه يُعَرِّض نفسه لخسران السعادة المنزليّة، وأيّ سعادة تفوق سعادة الإنسان في منزله، وأيّ شقاوة تعدل شقاوة الإنسان مع أهله[1].
كما أنّ هناك من يشتغل كثيراً عن زوجته بأمور محمودة، فتراه في عبادة وذكر، أو دعوة، أو نصح، أو أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، أو قراءة، أو كتابة، أو تأليف، أو نحو ذلك من الأمور المحمودة.
ولكن بعض أولئك يفتقدون التوازن، حيث يهمل واحدهم زوجته تماماً.
وفقدان القدرة على الموازنة يورث خللاً، واضطراباً في الحياة الداخليّة للفرد في حياته، ومع زوجته وأولاده.
إنّ الحزم وحسن التدبير يبدوان في المقدرة على الموازنة بين الحقوق والواجبات التي قد تتعارض؛ فيستبين الحزم، وحسن التدبير في أداء الحقّ لكلّ ذي حقّ دون إلحاق جور في أحد من أصحاب الحقوق.
إنّ الاشتغال عن الأهل تفريط عظيم، وظلم بَيِّن؛ إذ كيف يسوغ للإنسان أن يشتغل طيلة وقته خارج منزله، فيترك شريكة عمره نهباً للوساوس والخطرات، والوحشة، والأزمات، أو يتركها للانغماس والدخول في مجامع لا تحمد سيرتها[2].
ولا يفهم من ذلك أن يعيش الزوج حبيس منزله لا يتعدّاه، فيعيش مؤثراً للعزلة، قابضاً يده عن التعاون مع بني جنسه، قاطعاً علاقاته بالناس، تاركاً الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، والسعي في طلب الرزق.
وإنّما هي دعوة للتوازن وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه قدر الإمكان؛ فحريٌّ بك أيّها الزوج العاقل أن توازن بين الحقوق، وأن يكون لك مع أهلك وقت تملؤه بالمؤانسة العذبة، والحديث الجذّاب، وتشرق عليهم بعطفك ولطفك وحنانك.
وممّا يعينك على أداء حقّ الزوجة، ويجلب لها السعادة، وينفي عنها مرارة الألم، وحسرة الوحدة مايلي:
أ- أن تعطي زوجتك فرصة لمشاركتك في بعض أعمالك: حيث تكلّفها ببعض الأمور ولو كانت يسيرة؛ فتكسب مساعدتها، وإشغالها بما ينفعها.
ب- أن تذكّرها بفضل الصبر والاحتساب: خصوصاً إذا كنت ذا دعوة، وإصلاح، أو أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر، أو كنت طالب علم، أو مشغولاً بكتابة وتأليف، أو نحو ذلك؛ فتذكّرها بفضل الصبر، واحتساب ما قد يحصل من تقصير في حقّها، وتشعرها بأنّها شريكة في الأجر إذا هي أعانت على الخير، وتغاضت عن بعض حقّها؛ فذلك ممّا يعزيها، ويطفىء لوعتها.
ج- الإشادة بالزوجة: حيث تثني عليها، وعلى صبرها، وحسن تدبيرها.
د- الاعتذار إليها إذا كثر التقصير في حقّها: كأن تتأخّر في الليل، أو أن تشتغل طويلاً، أو أن تضطرك الحال إلى البعد عن المنزل كثيراً.
فإذا وقَعْتَ في ذلك فإنّه يحسن بك أن تعتذر، وأحسن من ذلك أن تصطحب معك هدية ولو كانت يسيرة؛ فالهديّة بمعناها لا بقيمتها، أو أن تعدها بهدية.
وإلا فلا أقلّ من أن تأتي مبتسماً متهلّلاً إذا تأخرت عن المجيء إلى المنزل، وأن تتحمّل بعض اللوم والعتاب إذا صدر من الزوجة؛ فذلك يُنَفِّس عنها، ويزيل ما قد يكون في قلبها.
هـ - إعانتها على بعض الأعمال: خصوصاً إذا كان لديها أعمال كثيرة؛ إذ يحسن بالزوج أن يعينها على ذلك، فلقد كان النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - يكون في مهنة أهله.
قال الإمام البخاريّ - رحمه الله - : "حدّثنا محمد بن عرعرة، حدّثنا شعبة عن الحكم بن عُتيبة، عن إبراهيم عن الأسود بن يزيد: "سألت عائشة - رضي الله عنها -: ما كان النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - يصنع في البيت؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله؛ فإذا سمع الأذان خرج"[3].
و- تذكيرها بوضعك الاجتماعيّ: فإذا كنت ذا مكانة اجتماعيّة أو علميّة، والناس ينتجعونك ويفدون إليك كثيراً، ويحتاجون إلى علمك أو جاهك - فذكِّر زوجتك بذلك، وأشعرها بفضل خدمة الناس، وتنفيس كرباتهم، ونَفْعِهم بأيّ وجه من الوجوه، وأشعرها بأنّها شريكة في الأجر، وأنّ ما يحصل لك أيّها الزوج من نجاح وسؤدد فهي وراء ذلك، ولها أيادٍ بيضاء فيه؛ فذلك ممّا يعينها على القيام بأعباء الضيافة، وتحمّل التبعات.
على أنّه يحسن بالمرأة أن تقدّر وضع زوجها الاجتماعيّ، وأن تعينه على الخير؛ فذلك دليل نبلها وكرم نفسها، وسرّ عظمتها.
ورحم الله الأديب مصطفى صادق الرافعي إذ يقول: "ولكنّ المرأة حقّ المرأة هي تلك التي خلقت لتكون للرجل مادّة الفضيلة، والصبر، والإيمان، فتكون له وحياً، وإلهاماً، وعزاءً، وقوّة، أي زيادةً في سروره، ونقصاً من آلامه.
ولن تكون المرأة في الحياة أعظم من الرجل إلا بشيء واحد، هو صفاتُها التي تجعل رَجُلَها أعظم منها"[4].
[1] انظر أخلاقنا الاجتماعية ص22.
[2] انظر نظرات في الأسرة المسلمة ص92-93.
[3] البخاري (5363).
[4] وحي القلم للرافعي 2/151.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|