الإدماج في القران الكريم - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         طيب الحياة وسبيل السعادة الحقيقية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          الإغراق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          مكاره الشتاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          مفاسد الفراغ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          تصرم الأعوام والدراسة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الإخلاص (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          تواضع النبي صلى الله عليه وسلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الإفراط (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الوحي والعقل والخرافة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الإيمان باليوم الآخر وثمراته (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #2  
قديم 16-02-2021, 05:55 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,027
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الإدماج في القران الكريم

المطلب الرابع: موقع الإدماج عند ابن عاشور:

حاول ابن عاشور رحمه الله تعالى ان يعطي لمساته في توجيه المعنى البياني لمصطلح الإدماج فقال: "وهذا الإدماج من افانين البلاغة، ان يكون مراد البليغ غرضين فيقرن الغرض المسوق له الكلام بالغرض الثاني، وفيه تظهر مقدرة البليغ، إذ يأتي بذلك الاقتران بدون خروج عن غرضه المسوق له الكلام ولا تكلف، قال الحارث بن حلزة ([31]):
اذنتنا ببينها أسماءرب ثاو يمل منه الثواء ([32])
فإن قوله: "رب ثاو" عند ذكر بعد الحبيبة والتحسر منه، كناية عن ان ليست هي من هذا القبيل الذي يمل ثواؤه، وقد قضى بذلك حق إرضائها بأنه لا يحفل بإقامة غيرها" ([33]).
فالذي تطرق له ابن عاشور هو موقع الإدماج في علوم البلاغة، ولم يقدم خصوصية تذكر في الجانب القرآني، وهذا بلا شك يعد مأخذا من الناحية النظرية، والذي يغفر له ان عنايته كانت بالجانب التطبيقي لا النظري، ومع ذلك فكان من المناسب ان يطرق باب النقد، وان يقدم لمسة بيانية في بعدها القرآني، وقد رجعت لرسالته " موجز البلاغة" لأستزيد البيان بيانا فلم اظفر بشيء حول الإدماج.
ولا يخفى ان ابن عاشور يمثل اتجاها مستقلا في طريقة عرضه للمسائل البيانية، وهو كذلك صاحب مدرسة في إحياء بعض المصطلحات البيانية وتناوله لها، والإدماج من تلك المصطلحات التي ركز نظره تجاهها، وهو مصطلح مرقوم في علم البديع عند اهل البديع، وان كان رحمه الله تعالى لم يرتض ذلك بل أثر ان يكون في علم المعاني، إما في باب الإطناب، او تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، وفي ذلك يقول: "وقد عد الإدماج من المحسنات البديعية، وهو جدير بأن يعد في الأبواب البلاغية في مبحث الإطناب، او تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر"([34]).
وهذا ما يكشف لنا سبب عدم متابعة ابن عاشور المتقدمين في عد اية واحدة من الإدماج، وذلك لسببين اثنين، اما احدهما: فلقلة ذكر المفسرين لهذا اللون من البلاغة، واما الثاني: فلاستقلال نظرة ابن عاشور وعده الإدماج إطنابا، وفي التطبيق العملي نجد انه يميل إلى جعل الإدماج من باب الإطناب " وذلك لتحقيق غرض من الأغراض البيانية، فعند قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (الأعراف:189).
يقول ابن عاشور: "ووصفت النفس بواحدة على اسلوب الإدماج بين العبرة والموعظة " لأن كونها واحدة ادعى للاعتبار، إذ ينسل من الواحدة ابناء كثيرون، حتى ربما صارت النفس الواحدة قبيلة او امة، ففي هذا الوصف تذكير بهذه الحالة العجيبة الدالة على عظم القدرة وسعة العلم، حيث بثه من نفس واحدة رجالا كثيرا ونساء"([35])، وبه تظهر وجهة نظر ابن عاشور في عده الإدماج من قبيل الإطناب، ومما يزيد وضوح هذا الأمر قوله: "ووصف الحمل ب(خَفِيفًا) إدماج ثان، وهو حكاية للواقع، فإن الحمل في مبدئه لا تجد منه الحامل ألما" ([36])، ويقول: "فمعنى (فَمَرَّت بِهِ) لم تتفطن له، ولم تفكر في شأنه، وكل هذا حكاية للواقع، وهو إدماج" ([37]).
فالواقع يقتضي معرفة هذه المذكورات في الآية، وذكر القران لها مع انها معلومة للمخاطب لهو من قبيل الإدماج تذكيرا للتالي، وليزيد المعنى ثراء وحسن موقع، وهذا يزيدنا بيانا ان ابن عاشور نظر للإدماج على انه اسلوب إطناب، لا على انه شكل من اشكال التحسين المعنوي للنص القرآني كما نظر إليه اهل البديع، وبلا شك ان عد الإدماج إطنابا هو إطناب في الحسن والبيان "لما يترتب على ذلك من الكشف عن الأغراض المعنوية التي يريدها النص القرآني، وهو ما سنعرضه في المبحث التالي.
المبحث الثاني


أغراض الادماج


لما نظر ابن عاشور للإدماج على انه لون من الإطناب، لزم من ذلك ان يكون وراء هذا الإطناب غرض بياني، وذلك عائد بطبيعة الحال إلى طبيعة الموضوع الذي تتكلم عنه الآية، وطبيعة السياق الذي وقع فيه الإدماج، فتعدد الأغراض البيانية عائد إلى تعدد الموضوعات القرآنية، وبالتالي تعدد السياقات القرآنية، ومن خلال ذلك نستطيع ان نسجل مجموعة من الأغراض البيانية للإدماج، وقبل ذلك علينا ان نستحضر مسألتين منهجيتين، تجب ملاحظتهما في التعامل مع اسلوب الإدماج، وهما:
المسألة الأولى: عند تعدد الآراء في بيان اية، يصح ان يكون الإدماج على بعض الآراء دون جميعها، فمن ذلك: ما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) (مريم: 71-72)، حيث يقول ابن عاشور: "وجملة: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا) زيادة في الارتقاء بالوعيد بأنهم خالدون في العذاب، فليس ورودهم النار بموقت بأجل، و(ثم) للترتيب الرتبي، تنويها بإنجاء الذين اتقوا، وتشويها بحال الذين يبقون في جهنم جثيا، فالمعنى: وعلاوة على ذلك ننجي الذين اتقوا من ورود جهنم، وليس المعنى: ثم ينجي المتقين من بينهم، بل المعنى انهم نجوا من الورود إلى النار، وذكر إنجاء المتقين، اي: المؤمنين، إدماج ببشارة المؤمنين في اثناء وعيد المشركين، وجملة (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) عطف على جملة (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) والظالمون: المشركون" ([38]).

القول بالإدماج فرع عن القول بأن النجاة هي من الورود، وقد اختلف المفسرون في الورود على اقوال: فمنهم: من قال: معناه الدخول، ومنهم: من قال: معناه المرور على الصراط، ومنهم: من قال: الإشراف على النار، ومنهم: من قال: ما يناله المؤمن من الحمى في الدنيا ([39]). وان كان لي من قول في توجيه هذه المسألة، فأقول:
قوله تعالى: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا) محمول على معنى الاستثناء، لا على لفظه واسلوبه ([40])، فقد اخبرت الآية ان جميع الناس سيردون النار لدخولها، فمأل الورود دخول النار، ثم اخبر تعالى بأنه سينجي الذين اتقوا، ولم يقيد خبر الإنجاء امن النار او من ورودها، والمعنى الثاني هو الراجح؛ لأن الله تعالى جعل النار لغير المؤمنين، فيكون معنى الآية ان الله سيدخل النار جميع الناس إلا الذين اتقوا فسينجيهم من هذا الورود فلا يدخلون النار، فالأصل ان جميع الناس مؤمنهم وفاجرهم سيدخلون النار، لكن رحمة الله تعالى ستقي الذين اتقوا من ورودها، وهو ما يتناسب ويتوافق مع قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ) وهذا معنى الإنجاء من الورود، حيث لن يسمعوا حسيسها ([41])؛ لأنهم مبعدون عنها برحمة الله تعالى وفضله ومنه.
ولا تعارض بين هذا التوجيه والقول: بأن معنى الورود الدخول، وهو ما ذهب إليه جمهور المفسرين وعلى راسهم: حبر الأمة رضي الله عنه، وذلك ان منتهى الورود دخول النار، فأطلق الورود الذي هو طريق النار، واراد ماله وهو الدخول، ودخولها لن يكون للمتقين لأن الله سينجيهم بواسع رحمته من ورودها، فكيف دخولها؟ يقول مكي رحمه الله تعالى: "اي: ننجيهم من ورودها فلا يردونها" ([42])، ويظهر معنى الإدماج جليا على هذا التوجيه، اما على الأقوال الأخرى فلا.
وكذلك عند قوله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) (الأنبياء: 95)، قال ابن عاشور: "وجملة: (أَهْلَكْنَاهَا) إدماج للوعيد بعذاب الدنيا قبل عذاب الاخرة" ([43]).
وهذا المعنى الذي يؤخذ على انه إشارة نصية من فعل الإهلاك هو الإدماج، فالآية تلوح بعصا التهديد لأولئك المعرضين المناوئين، فأدمج تهديدا ووعيدا بالعذاب في الدنيا قبل الاخرة، وهذا اللون من الإدماج فيه من دقة المسلك ما لا يخفى.
هذا ويصح القول: بالإدماج على جعل الإهلاك إهلاك العذاب الدنيوي، لا إهلاك الطبع على القلوب، بحيث لا يرجعون إلى الإيمان والإسلام، فيموتون على الكفر ويبعثون على ذلك ([44]).
المسألة الثانية: إظهار المعاني الكامنة قبل الجملة المدمجة وبعدها، فتكون جملة الإدماج في حقيقتها همزة وصل، وتطرية ذهن، وكشف خبيء" فعند قوله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص:29) يقول رحمه الله: "عقب الإمعان في تهديد المشركين وتجهيلهم على إعراضهم عن التدبر بحكمة الجزاء ويوم الحساب عليه والاحتجاج عليهم، اعرض الله عن خطابهم ووجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالثناء على الكتاب المنزل عليه، وكان هذا القران قد بين لهم ما فيه لهم مقنع، وحجاجا هو لشبهاتهم مقلع، وانه إن حرم المشركون انفسهم من الانتفاع به فقد انتفع به اولو الألباب وهم المؤمنون، وفي ذلك إدماج الاعتزاز بهذا الكتاب لمن أنزل عليه، ولمن تمسك به، واهتدى بهديه من المؤمنين.. والجملة استئناف معترض، وفي هذا الاستئناف نظر إلى قوله في اول السورة: (وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ) (ص: 1) إعادة للتنويه بشأن القران كما سيعاد ذلك في قوله تعالى: (هَذَا ذِكْرٌ) (ص:49)" ([45]).

فجملة الاستئناف التي أدمجت هنا كان لها غرض بيان الاعتزاز بالقران من حيث معناها الذاتي، وهي كذلك جاءت لبيان مناسبة بين السابق واللاحق، فوجه بركة القران انه ذكر للناس، وهذا ما اشارت إليه السورة من مطلعها وفي ثناياها كذلك.
بعد بيان هاتين المسألتين نشرع في تعداد الأغراض القرآنية لأسلوب الإدماج، وهي على النحو الاتي:
المطلب الأول: الأغراض النفسية والتربوية:

بيان الغرض النفسي من مقاصد القران في الكشف عن بواطن النفوس، لتوليد القناعة الداخلية في نفسية المتلقي للنص القرآني، او لتمهيد الطريق في سبيل التطبيق العملي للأوامر الشرعية، وحسن ان يكون بيان الأغراض النفسية في القران على سبيل الإدماج؛ لما فيها من تدعيم الغرض النفسي بأسلوب ضمني، وشأن النفوس حب التلويح لا التصريح، وهذا منهج القران في التعامل مع النفس البشرية، فهو ادعى للتقبل والنزول على مقتضيات الخطاب، فعند قوله تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (البقرة: 105) يقول ابن عاشور: "والرحمة هنا مثل الخير المنزل عليهم، وذلك إدماج للامتنان عليهم بأن ما نزل عليهم هو رحمة بهم"([46])، وهو إدماج امتنان على المؤمنين في الإخبار عن اهل الكتاب والمشركين، وقد نطق بمعنى الإدماج دون النطق بحروفه شيخ المفسرين فقال: "والله يختص من يشاء بنبوته ورسالته، فيرسله إلى من يشاء من خلقه، فيتفضل بالإيمان على من احب فيهديه له، واختصاصه إياهم بها، إفرادهم بها دون غيرهم من خلقه" ([47]).
فقوله رحمه الله: "فيتفضل بالإيمان على من أحب" اي يمتن عليهم بالإيمان والرحمة، وقد أدمج ذكره في الإخبار عن اهل الكتاب، فالغرض الأساس من السياق بيان موقف اهل الكتاب والمشركين من نزول الرسالة على النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء ذكر اختصاص الله تعالى بعض عباده بالرحمة؛ للامتنان على المؤمنين ضمن هذا السياق على سبيل الإدماج.
اقول: وفي آية إدماج اخر، فقوله تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أًهلِ الْكِتَابِ) فيه ان اهل الكتاب كفار وهو إدماج؛ لان الغرض الأساس في الآية بيان موقف اهل الكتاب والمشركين من نزول الرسالة، فلما قال: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) ولم يقل: ما يود اهل الكتاب ولا المشركون، مع انها أوجز لفظا، قصد بذلك بيان كفر الصنفين اللذين لا يودان إنزال الخير وهو الإيمان والإسلام على المؤمنين، وفائدة هذا الإدماج بيان وضوح كفر اولئك بمكان، لا يقبل معه في شأنهم جدال، وهو إطناب كما لا يخفى ([48]).
وعند قوله تعالى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (البقرة: 132)، نجد ان ابن عاشور يصرح بمقصد الآية في تذكير بني إسرائيل بوصية ابيهم يعقوب عليه السلام، وذلك لتربيتهم على اسس تلك الوصية التي جامعها التوحيد وعبادة الله وحده، وفي ذلك يقول: "وعطف يعقوب على إبراهيم هنا إدماج مقصود به تذكير بني إسرائيل- الذي هو يعقوب- بوصية جدهم، فكما عرض بالمشركين في إعراضهم عن دين اوصى به ابوهم، عرض باليهود كذلك" لأنهم لما انتسبوا إلى إسرائيل- وهو يعقوب - الذي هو جامع نسبهم بعد إبراهيم" لتقام الحجة عليهم بحق اتباعهم الإسلام"([49]).
فالغرض من اختصاص ذكر يعقوب عليه السلام غرض تربوي، وهو مقصد الإدماج، ففيه متابعة الابن للأب في امور الخير، فكما وصى إبراهيم بنيه كذلك صنع يعقوب عليهما السلام مع بنيه، فحري بمن يدعي الانتساب إلى يعقوب ان يتابعه فيما وصى به من كلمة الإخلاص، وهذا المقصد الذي حققه إدماج يعقوب عليه السلام دون غيره، لا يتأتى تركيزه بالأذهان، إلا بالنص عليه والتصريح به دون التلميح؛ لأن بني إسرائيل اعتادوا التفلت دون الانقياد لإرشادات الوحي، فأراد الله سبحانه وتعالى ان يقيم عليهم الحجة بينة ظاهرة، فهذه فائدة الإدماج في هذه الآية.
وعند قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُون إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) (المؤمنون: 109-111)، يقول ابن عاشور: "وقوله: (بِمَا صَبَرُوا) إدماج للتنويه بالصبر، والتنبيه على ان سخريتهم بهم كانت سببا في صبرهم الذي كسبهم الجزاء، وفي ذلك زيادة تلهيف للمخاطبين بأن كانوا هم السبب في ضر انفسهم ونفع من كانوا يعدونهم اعداءهم"([50])، وهي فائدة في تربية المؤمنين على كظم الغيظ، وانتظار ما عند الله تعالى من جزيل الثواب، وفيها من تربية النفوس وتهذيبها على هذه الفضيلة ما يجعلها معينة على الإيمان وعمل الصالحات.
وقوله تعالى: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) (الأحقاف: 15) فيه من تربية الاباء على الدعاء لأبنائهم، واخذ العبرة في ان من أحسن إلى والديه في حاضر الأيام وسابقها، أحسن إليه ابناؤه في حاضر الأيام ولاحقها، يقول ابن عاشور: "وفي إدماج تلقين الدعاء بإصلاح ذريته مع ان سياق الكلام في الإحسان إلى الوالدين، إيماء إلى ان المرء يلقى من إحسان ابنائه إليه مثل ما لقي ابواه من إحسانه إليهما، ولأن دعوة الأب لابنه مرجوة الإجابة" ([51]).
المطلب الثاني: الأغراض التشريعية:

عني القران ببيان الأغراض التشريعية، وذلك من خلال التعقيبات القرآنية تارة، والتصريح بمقصد التشريع تارة، وبالإدماج تارة اخرى، فعند قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة:222)، بين ابن عاشور مقصد التشريع في هذه الآية، وانه غير مقتصر على التطهر فحسب، بل تعداه إلى غاية عظيمة من غايات الطهارة الفقهية، وهي: التوبة، يقول رحمه الله: "واما ذكر التوابين، فهو إدماج، للتنويه بشأن التوبة عند ذكر ما يدل على امتثال ما امرهم الله به من اعتزال النساء في المحيض، اي: إن التوبة اعظم شأنا من التطهر، اي: إن نية الامتثال اعظم من تحقق مصلحة التطهر لكم؛ لأن التوبة تطهر روحاني، والتطهر جثماني" ([52]).
فالمعنى المدمج: التوبة، والمدمج فيه التطهر، والمدمج هو غاية المدمج فيه، وفائدته؛ ربط المعنى الذي سيقت له الآية - وهو التطهر - بأصل عظيم، وهو تخليص العبد من الذنوب، يقول ابو السعود: "وفي ذكر التوبة: إشعار بمساس الحاجة إليها بارتكاب بعض الناس لما نهوا عنه" ([53])، وفي ذلك تنويه بمقصد تشريع التطهر للتوبة، وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) قام مقام العلة، فكأن سائلا سأل: لماذا امر الله بما امر؟ فكان الجواب: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) من باب الاستئناف البياني.
وكذلك نجده رحمه الله يبين الغرض الاجتماعي الأخلاقي من التشريع عند قوله تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (البقرة:229)، وفي ذلك يقول: "والمقصود من هذه: الجملة إدماج الوصاية بالإحسان في حال المراجعة، وفي حال تركها، فإن الله كتب الإحسان على كل شيء" إبطالا لأفعال اهل الجاهلية"([54])، فلم يقل: فإمساك او تسريح، بل عدل إلى تقييد هذه الجملة ليدمج قصد الوصاية بالمعروف بالزوجة إمساكا، وبالإحسان تركا.
ويقول: "وقد ظهر من هذا ان المقصود من الجملة هو الإمساك او التسريح المطلقين، واما تقييد الإمساك بالمعروف، والتسريح بالإحسان، فهو إدماج لوصية اخرى في كلتا الحالتين، إدماجا للإرشاد في اثناء التشريع" ([55]).
ويدل هذا الإدماج على ان المقصود من التشريع ليس تقنين الروابط الأسرية، بقدر ما هو إضفاء الأخلاق السامية عليها، فكم من قانون ينظم الروابط الأسرية، بجفاف العاطفة، وقسوة التعامل، وهذا ما لا يريده القران، فأراد ان يعطينا صورة مشرقة للقانون الإسلامي في نزاع من تلك النزاعات الأسرية، وهنا تظهر بلاغة الإدماج، في انه يؤصل لقانون تسابق فيه الأخلاق طبيعة التنظيم " ليكون النظام مرتكزا على قاعدة اخلاقية لا مثيل لها في عالم القيم.
المطلب الثالث: التذكير بغرض الترهيب:

من تلك الأغراض التي يحتضنها اسلوب الإدماج، التذكير بغرض ترهيب المخاطب، إما بقصد الارتداع كما جاء عند قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) (آل عمران:56)، يقول ابن عاشور: "وانما يكون ذلك في الاخرة، فذكر عذاب الدنيا هنا إدماج... واعلم ان قوله: (فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) قضية جزئية لا تقتضي استمرار العذابين "فأما عذاب الدنيا فهو يجري على نظام احوال الدنيا، من شدة وضعف وعدم استمرار، فمعنى انتفاء الناصرين لهم منه " انتفاء الناصرين في المدة التي قدرها الله لتعذيبهم في الدنيا، وهذا متفاوت، وقد وجد اليهود ناصرين في بعض الأزمان مثل قصة استير في الماضي، وقضية فلسطين في هذا العصر.
واما عذاب الاخرة فهو مطلق هنا، ومقيد في آيات كثيرة بالتأبيد، كما قال: (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) (البقرة: 167)" ([56]).
وقد ذهب المفسرون إلى ان المقصود بالعذاب الدنيوي القتل والسبي ([57])، ولم يصرح ابن عاشور رحمه الله بغرض الإدماج في الآية، وفي ظني ان الغرض يكمن في قلة إيمان اولئك القوم بالغيب، فأراد ان يجعل لهم عذاب الدنيا نقدا، وعذاب الاخرة نسيئة، همزا لمتن تغافلهم وجسد تناسيهم " لعلهم يرتدعون عن غيهم وكفرهم؛ لأن النفس إن علمت نزول العذاب بها في الاجل، سارعت إلى تجنب اسبابه، فكان ذكر عذاب الدنيا لأجل المسارعة في الارتداع.
واما بقصد الوعظ والتنبيه على علة نزول العذاب، فعند قوله تعالى: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (آل عمران: 117)
يقول ابن عاشور: "وقوله: (ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) إدماج في خلال التمثيل، يكسب التمثيل تفظيعا وتشويها، وليس جزءا من الهيئة المشبه بها... والسامعون عالمون بأن عقاب الأقوام الذين ظلموا أنفسهم غاية في الشدة، فذكر وصفهم بظلم أنفسهم لتذكير السامعين بذلك على سبيل الموعظة" ([58]).
يقول الزمخشري: "فأهلك عقوبة لهم على معاصيهم؛ لأن الإهلاك عن سخط اشد وابلغ" ([59])، وقد تابعه البيضاوي ([60]) وابو السعود ([61]) والخطيب الشربيني ([62]) والالوسي ([63])،
فهذا الوصف من باب الإدماج " لأن المقصود بالوصف هاهنا ليس بيان علة الإهلاك فحسب، بل زيادة على ذلك وهو جعل علة الإهلاك تذكيرا لما يؤول إليه الظالمون، فيحصل الاعتبار والاتعاظ حينئذ عند السامعين.

وبذلك يحصل قصد الإدماج وهو التذكير إما بقصد الارتداع واما بقصد الوعظ والتنبيه، وهذا يدل على ان اغراض الإدماج عنيت بالمعنى وابعاده الوعظية.
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 211.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 209.46 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.81%)]