فصل في السحر - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         وصفات طبيعية لإنبات الشعر وزيادة كثافته حسب نوعه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          استعدادات رمضان.. 4 خطوات لتخزين الياميش والمكسرات بأفضل جودة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          3 حيل سهلة لتقشير الثوم بأقل مجهود.. على طريقة الشيفات المحترفين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          5 وصفات طبيعية لبشرة نضرة ومشرقة.. تغنيكى عن استخدام الغسول (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          6 ألوان مطابخ تريندى فى موضة ديكور 2026.. الأخضر بدرجاته فى الصدارة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          5 أخطاء شائعة تفسد أوانى الطهى وكيفية إصلاحها قبل رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          7 أدوات تحافظ على حمامك خال من البكتيريا.. جهزي بيتك قبل رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          4 مكونات طبيعية تقلل التجاعيد وتمنح البشرة مظهرا أكثر حيوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          أحدث اتجاهات الديكور لعام 2026.. الكاروهات راجع موضة تانى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          استعدادات رمضان.. خطة سهلة لترتيب البيت من غير إرهاق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام
التسجيل التعليمـــات التقويم

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #2  
قديم 17-12-2020, 07:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,856
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فصل في السحر

فصل في السحر
الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك







وهل يُقتل بمجرد تعلمه أو استعماله؟
فقال مالك وأحمد: يُقتل بمجرد ذلك وإن لم يقتل به[50].
وقال أبو حنيفة[51] والشافعي[52]: لا يُقتل بذلك، فإن قتل بالسحر قُتل عندهم، إلا أبا حنيفة[53] فإنه قال: لا يُقتل حتى يتكرر ذلك منه.
وروي عنه[54] أنه قال: لا يُقتل حتى يُقر: إني قتلت إنسانًا بعينه.


واختلفوا، هل يُقتل قصاصًا أو حدًا؟
فقال أبو حنيفة[55] ومالك[56] وأحمد[57]: يُقتل حدًا.
وقال الشافعي: يُقتل قصاصًا[58].


واختلفوا، هل تُقبل توبته؟
فقال أبو حنيفة[59] في المشهور عنه ومالك[60]: لا تُقبل توبته ولا تُسمع، قولًا واحدًا.
وقال الشافعي[61]: تُقبل توبته قولًا واحدًا، وعن أحمد روايتان[62]، أظهرهما: لا تُقبل توبته، والأخرى: تُقبل توبته كالمرتد.
واختلفوا في ساحر أهل الكتاب، فقال مالك[63] والشافعي[64] وأحمد[65]: لا يُقتل، وقال أبو حنيفة[66]: يُقتل.


واختلفوا في المسلمة الساحرة:
فقال مالك[67] والشافعي[68] وأحمد[69]: حكمها حُكم الرجل.
وقال أبو حنيفة[70]: تُحبس ولا تقل"[71].
وقال في "الفروع": "فصل: ويكفر الساحر بمجرد تعلمه كاعتقاد حله، وعنه[72]: لا يكفر بذلك، اختاره ابن عقيل وجزم به في "التبصرة"، وكفره أبو بكر بعمله، قال في "الترغيب": وهو أشد ترحيمًا، وقد حمل ابن عقيل كلام أحمد في تكفيره على المعتقد له، وأن فاعله يُفسق ويُقتل حدًا لا لكفره، فعلى الأول يُقتل، وهو من يركب مكنسة فتسير به في الهواء ونحوه، وكذا قيل في المُعزم على الجن "1045ب" ومن يجمعها بزعمه، وأنها تطيعه بما يأمرها به، وكاهن وعراف، وقيل: يُعزر، وقيل: ولو بقتله.


وذكر في "الترغيب": أن الكاهن والمنجم كالساحر عند أصحابنا، وأن ابن عقيل فسقه فقط إن قال: أصبت بحدسي وفراستي، فإن أوهم قومًا بطريقته أنه يعلم الغيب قُتل؛ لسعيه في الأرض الفساد.


قال شيخنا: التنجيم كالاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية نوع من السحر، وذلك محرم إجماعًا[73]، وقد أقر أولهم وآخرهم أن الله تعالى يدفع عن أهل العبادة الدعاء ببركته ما زعموا أن الأفلاك توجبه، وأن لهم من ثواب الدارين ما تعجز الأفلاك عن جلبه.


ومن سحر بشيء من الأدوية والتدخين، أو سقى بشيء مُضر عُزر، وقيل: ولو بالقتل، وذكر القاضي وتبعه الحلواني أنه إن قال: سحري ينفع من كذا وأقدر على القتل به، قُتل وإن لم يقتل به، ويُقاد منه إن قتل بما يقتُل غالبًا، وإلا وجبت الدية لا غير.


والمشعبذ، والقائل بزجر الطير، والضارب بحصى وشعير وقداح، ونحو ذلك إن لم يعتقد إباحته، وأنه يعلم به عُزر وكُف عنه، وإلا كفر، ويحرم طلسم ورقية بغير خط عربي، وقيل: يكره.


وتوقف الإمام أحمد في الحل بسحر، وفيه وجهان[74]، وسأله مُهنا عمن تأتيه مسحورة فيطلقه عنها، قال: لا بأس بذلك.


قال الخلال: إنما كره أحمد فعاله، ولا يرى به بأسًا كما بينه مُهنا، وهذا من الضرورة التي يباح فعلها، ولا يُقتل ساحر كتابي على الأصح، قال في "التبصرة": إن اعتقدوا جوازه، وإن قتل به أقيد به كما تقدم، وتقدم إن سحر مسلمًا.


وذكر في "عيون المسائل": أن الساحر يكفر، وهل تُقبل توبته؟ فيه روايتان "1046أ"، ثم قال: ومن جملة السحر المحرم: السعي بين الناس بالنميمة والإفساد بينهم، وذلك شائع وعام في الناس[75].


وقد حُكي أن امرأة أرادت أن تفسد بين زوجين، فقالت للزوجة: إن زوجك يُعرض عنك وقد سحر، وهو مأخوذ عنك، وأنا أقدر أن أسحره لك حتى لا يريد غيرك، ولكن أريد أن تأخذي لي من تحت حلقه بالموسى ثلاث شعرات إذا نام؛ فإن بها يتم ذلك الأمر - إن شاء الله - ثم ذهبت بعد ذلك إلى الرجل، فقالت له: إن امرأتك قد علقت بغيرك، وقد عزمت على قتلك، وعلامة ذلك: أنها قد أعدت لك في هذه الليلة موسى لتنحرك فأشفقت لشأنك، ولقد لزمني نصحك لأنك مسلم، فتناوم الرجل في فراشه، فلما ظنت امرأته أنه قد نام عمدت إلى الموسى ومدت يدها إلى حلقه لأخذ الشعر، ففتح الرجل عينيه فرآها كما قالت، فقام إليها قتلها.


وقد ذكر بعضهم نحو ذلك عن حماد بن سلمة أنه قال: باع رجل مرة غلامًا على أنه نمام، فاشتراه رجل على ذلك فلما استقر عنده سعى بينه وبين امرأته بذلك، وفي آخر هذه القصة: فجاء أولياء المرأة فقتلوه، فوقع القتال بين الفريقين بسبب ذلك.


ثم قال العُكبري: فأما من يسحر بالأدوية والتدخين ويسقي مُضرًا فلا يكفر به، ولا يُقتل، بل يُعزر بما يردعه، وما قال غريب؛ لأنه يقصد الناس بكلامه وعمله على وجه المكر والحيلة، فأشبه السحر؛ ولهذا يعلم بالعادة والعرف أنه يؤثر وينتج ما يعمله السحر وأكثر منه، فيعطى حكمه؛ تسوية بين المتماثلين أو المتقاربين، لا سيما إن قلنا بقتل الآمر بالقتل على رواية سبقت فهنا أولى، أو الممسك فهذا مثله.


ولهذا ذكر ابن عبد البر[76]، عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: يفسد النمام والكذاب في ساعة ما يفسده الساحر في سنة.
وقد رأيت بعضهم حكاه عن يحيى بن أكثم قال: النمام شر من الساحر فذكره "1046ب"، لكن يقال: إن الساحر إنما كفر لوصف السحر، وهو أمر خاص، ودليله خاص، وهذا ليس بساحر وإنما يؤثر عمله تأثير السحر، ويعطى حكمه إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة، ولعل هذا القول أوجه من تعزيره فقط، فظهر مما تقدم رواية مُخرجة من الآمر والممسك، كما تقدم في التعزير.


ومن أطلق الشارع عليه الكفر، كمن ادعى إلى غير أبيه، أو من أتى عرَّافًا فصدقه بما يقول، فقيل: معناه: كفر النعمة، وقيل: قارب الكفر.


وقد ذكر ابن حامد فيه روايتين[77]:
إحداهما: تشديد وتأكيد، ونقل حنبل: كُفر دون كُفر لا يُخرج ذلك عن الإسلام.


والثانية: يجب التوقف، ولا يُقطع بأنه لا ينقل عن الملة، نص عليه في رواية صالح وابن الحكم"[78].
قال في "تصحيح الفروع": "والصواب رواية حنبل، وأنه إنما أتى به تشديدًا وتأكيدًا، وقد بوَّب على ذلك البخاري في "صحيحه" بابًا ونص: أن بعض الكفر دون بعض، ونص عليهما أئمة الحديث"[79].


وقال في "التصحيح" أيضًا: "قوله:" وتوقف أحمد في الحل بسحر، وفيه وجهان[80]: أحدهما: يجوز.


قال في "المغني" و"الشرح": توقف أحمد في الحل، وهو إلى الجواز أميل، وسأله مُهنا عمن تأتيه مسحورة فيقطعه عنها قال: لا بأس.
قال الخلال: إنما كره فعاله، ولا يرى به بأسًا كما بينه مُهنا، وهذا من الضرورة التي يبيح فعلها، قال في آداب "المستوعب": وحل السحر عن المسحور جائز.
والوجه الثاني: لا يجوز.
قال في "الرعايتين" و"الحاوي الصغير": ويحرم العطف والربط، وكذا الحل بسحر، وقيل: يُكره الحل، وقيل: يباح بكلام مباح.
وقال في "الآداب الكبرى": ويجوز حله بقرآن، أو بكلام مباح غيره، فدلَّ كلامه أنه لا يباح بسحر.
قال ابن رزين في "شرحه" وغيره: ولا بأس "1047أ" بحل السحر بقرآن، أو ذكر أو كلام حسن، وإن حله بشيء من السحر فعنه التوقف، ويحتمل أن لا بأس؛ لأنه محض نفع لأخيه المسلم[81]"[82].


وقال البخاري: "باب الكهانة".
حدثنا سعيد بن عُفير، حدثنا الليث، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في امرأتين من هُذيل اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فأصاب بطنها وهي حامل، فقتلت ولدها الذي في بطنها فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى أن دية ما في بطنها غُرة: عبد أو أمة، فقال ولي المرأة التي غرمت: كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب، ولا أكل، ولا نطق، ولا استهل، فمثل ذلك يطل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما هذا من إخوان الكُهان"[83].


حدثنا قُتيبة، عن أبي مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن امرأتين رمت إحداهما الأخرى بحجر فطرحت جنينها، فقضى فيه النبي صلى الله عليه وسلم بُغرة: عبد أو وليدة[84].


وعن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين يُقتل في بطن أمه بغُرة عبد أو وليدة، فقال الذي قُضي عليه: كيف أغرم ما لا أكل، ولا شرب، ولا نطق، ولا استهل، ومثل ذلك يطل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما هذا من إخوان الكهان"[85].


حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا ابن عُيينة، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن أبي مسعود، قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحُلوان الكاهن[86].


حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا هشام بن يوسف، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن يحيى بن عروة بن الزبير، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناس عن الكهان، فقال: "ليس بشيء"، فقالوا: يا رسول الله، إنهم يحدثونا أحيانًا بشيء فيكون حقًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تلك الكلمة من الحق، يخطفها الجني، فيقرها في أذن وليه، فيخلطون معها مئة كذبة"، قال علي: قال عبد الرزاق: مرسل "الكلمة من الحق"، ثم بلغني أنه أسنده بعده[87] "1047ب".


قال الحافظ: "قوله: "باب الكهانة" وقع في ابن بطال[88] هنا: والسحر، وليس هو في نسخ "الصحيح" فيما وقفت عليه، بل ترجمة السحر في باب مفرد عقب هذه، والكهانة بفتح الكاف ويجوز كسرها: ادعاء علم الغيب، كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب، والأصل فيه: استراق الجني السمع من كلام الملائكة، فيلقيه في أذن الكاهن.


والكاهن: لفظ يُطلق على العرَّاف والذي يضرب بالحصى والمُنجم، ويُطلق على من يقوم بأمر آخر ويسعى في قضاء حوائجه، وقال في "المحكم": الكاهن: القاضي بالغيب.


وقال في "الجامع": العرب تُسمي كل من أذن بشيء قبل وقوعه كاهنًا.


وقال الخطابي[89]: الكهنة: قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطباع نارية، فألفتهم الشياطين؛ لما بينهم من التناسب في هذه الأمور ومساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم إليه، وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية، خصوصًا في العرب؛ لانقطاع النبوة فيهم، وهي على أصناف:
منها: ما يتلقونه من الجن، فإن الجن كانوا يصعدون إلى جهة السماء فيركب بعضهم بعضًا إلى أن يدنو الأعلى بحيث يسمع الكلام فيلقيه إلى الذي يليه إلى أن يتلقاه من يلقيه في أذن الكاهن فيزيد فيه، فلما جاء الإسلام، ونزل القرآن حُرست السماء من الشياطين، وأُرسلت عليهم الشهب فبقي من استراقهم ما يتخطفه الأعلى فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴾ [الصافات: 10] وكانت إصابة الكُهان قبل الإسلام كثيرة جدًا، كما جاء في أخبار شق وسطيح ونحوهما، وأما في الإسلام فقد ندر ذلك جدًا حتى كاد يضمحل، ولله الحمد.


ثانيها: ما يُخبر الجني به من يواليه بما غاب عن غيره، مما لا يطلع عليه الإنسان غالبًا، أو يطلع عليه من قرُب منه لا من بعُد "1048أ".


ثالثها: ما يستند إلى ظن وتخمين وحدس، فهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوة مع كثرة الكذب فيه.


رابعها: ما يستند إلى التجربة والعادة، فيستدل على الحادث بما وقع قبل ذلك، ومن هذا القسم الأخير ما يُضاهي السحر، وقد يعتضد بعضهم في ذلك بالزجر والطرق والنجوم، وكل ذلك مذموم شرعًا.


وورد في ذم الكهانة ما أخرجه أصحاب السنن، وأخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة رفعه: "من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد"[90]، وله شاهد من حديث جابر وعمران بن حصين، أخرجهما البزار بسندين جيدين، ولفظهما: "من أتى كاهنًا"[91].


وأخرجه مسلم من حديث امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الرواة من سماها حفصة، بلفظ: "من أتى عرافًا"[92].
وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن مسعود بسند جيد، لكن لم يُصرح برفعه، ومثله لا يقال بالرأي، ولفظه: "من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا"[93].


واتفقت ألفاظهم على الوعيد بلفظ حديث أبي هريرة إلا حديث مسلم، فقال فيه: "لم يُقبل لهما صلاة أربعين يومًا". ووقع عند الطبراني من حديث أنس بسند لين مرفوعًا بلفظ: "من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد برئ مما أُنزل على محمد، ومن أتاه غير مُصدق له لم تُقبل صلاته أربعين يومًا"[94].


والأحاديث الأول مع صحتها وكثرتها أولى من هذا.
والوعيد جاء تارة بعدم قبول الصلاة، وتارة بالتكفير، فيحمل على حالتين من الآتي، أشار إلى ذلك القرطبي[95].
والعراف: من يستخرج الوقوف على المغيبات بضرب من فعل أو قول.


ثم ذكر المصنف ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث أبي هريرة قوله: كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب، ولا أكل، ولا نطق، ولا استهل، فمثل ذلك يطل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما هذا من إخوان الكهان".


قال الحافظ: أي: لمشابهة كلامه كلامهم، زاد مسلم: "من أجل سجعه الذي سجع"[96]، وفي رواية: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسجع كسجع الأعراب؟"[97].


قال ابن بطال[98]: فيه ذم الكفار، وذم من تشبه بهم في ألفاظهم، وإنما لم يعاقبه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان مأمورًا بالصفح عن الجاهلين، وقد تمسك به من كره السجع في الكلام، وليس على إطلاقه "1048ب"، بل المكروه منه ما يقع مع التكلف في معرض مدافعة الحق، وأما ما يقع عفوًا بلا تكلف في الأمور المباحة فجائز، وعلى ذلك يُحمل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم.
والحاصل: أنه إن جمع الأمرين من التكلف وإبطال الحق كان مذمومًا، وإن اقتصر على أحدهما كان أخف في الذم، ويخرج من ذلك تقسيمه إلى أربعة أنواع: فالمحمود ما جاء عفوًا في حق، ودونه ما يقع مُتكلفًا في حق أيضًا، والمذموم عكسهما.


الثاني[99]: حديث أبي مسعود في النهي عن ثمن الكلب ومهر البغي، وحلوان الكاهن، وقد تقدم شرحه في أواخر كتاب البيع.


الثالث: حديث عائشة: قوله: سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ناسٌ عن الكهان.
وأخرج مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي، قال: قلت: يا رسول الله، أمورًا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان؟ فقال: "لا تأتوا الكُهان..." الحديث[100].


وقال الخطابي[101]: هؤلاء الكُهان فيما عُلم بشهادة الامتحان قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطبائع نارية، فهم يفزعون إلى الجن في أمورهم، ويستفتونهم في الحوادث فيلقون إليهم الكلمات، ثم تعرَّض إلى مناسبة ذكر الشعراء بعد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ﴾ [الشعراء: 221].


قوله: "فقال: ليس بشيء" في رواية مسلم: "ليسوا بشيء"[102]، أي: ليس قولهم بشيء يُعتمد عليه، والعرب تقول لمن عمل شيئًا ولم يُحكمه: ما عمل شيئًا.


قال القرطبي[103]: كانوا في الجاهلية يترافعون إلى الكُهان في الوقائع والأحكام ويرجعون إلى أقوالهم، وقد انقطعت الكهانة بالبعثة المُحمدية، لكن بقي في الوجود من يتشبه بهم، وثبت النهي عن إتيانهم، فلا يحل إتيانهم ولا تصديقهم "1049أ".


قوله: "إنهم يحدثوننا أحيانًا بشيء فيكون حقًا"، هذا أورده السائل إشكالًا على عموم قوله: "ليسوا بشيء"؛ لأنه فهم منه أنهم لا يُصدَّقون أصلًا، فأجابه صلى الله عليه وسلم عن سبب ذلك الصدق، وأنه إذا اتفق أن يصدق لم يتركه خالصًا، بل يشوبه بالكذب.


قوله: "تلك الكلمة من الحق"، أي: الكلمة المسموعة التي تقع حقًا.


قوله: "يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه"، أي: يصبها، تقول: قررت على رأسه دلوًا إذا صببته، فكأنه صب في أذنه ذلك الكلام.
قال القرطبي[104]: ويصح أن يقال: المعنى: ألقاها في أذنه بصوت، يقال: قر الطائر إذا صوت.


قال الحافظ: ووقع في رواية يونس: "فيقرقرها"، أي: يرددها، يقال: قرقرت الدجاجة تُقرقر قرقرة: إذا رددت صوتها، وأطلق على الكاهن ولي الجني؛ لكونه يواليه، أو عدل عن قوله: الكاهن، إلى قوله: وليه؛ للتعميم في الكاهن وغيره ممن يوالي الجن.


قال الخطابي[105]: بيَّن صلى الله عليه وسلم أن إصابة الكاهن أحيانًا إنما هي لأن الجِني يُلقي إليه الكلمة التي يسمعها استراقًا من الملائكة، فيزيد عليها أكاذيب يقيسها على ما سمع، فربما أصاب نادرًا وخطؤه الغالب.


قوله: "فيخلطون معها مئة كذبة"، في رواية ابن جريج: "أكثر من مئة كذبة"، وهو دال على أن ذكر المئة للمبالغة لا لتعيين العدد.
وقد أخرج مسلم في حديث آخر أصل توصل الجني إلى الاختطاف، فأخرج من حديث ابن عباس: حدثني رجال من الأنصار: أنهم بينا هم جلوس ليلًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رُمي بنجم فاستنار، فقال: "ما كنتم تقولون إذا رُمي مثل هذا في الجاهلية؟" قال: كنا نقول: وُلد الليلة رجل عظيم، أو مات رجل عظيم، فقال: "إنه لا يُرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش ثم سبح الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح إلى أهل هذه السماء الدنيا، فيقولون: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم حتى يصل إلى السماء الدنيا فيسترق منه الجني، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يزيدون فيه وينقصون[106]"...


إلى أن قال: وفي الحديث: بقاء استراق الشياطين السمع، لكنه قل وندر حتى كاد يضمحل بالنسبة لما كانوا فيه زمن الجاهلية، وفيه: النهي عن إتيان الكُهان.


قال القرطبي[107]: يجب على من قدر على ذلك من مُحتسب وغيره "1049ب" أن يقيم من يتعاطى شيئًا من ذلك من الأسواق، ويُنكر عليهم أشد النكير، وعلى من يجيء إليهم، ولا يغتر بصدقهم في بعض الأمور، ولا بكثرة من يجيء إليهم ممن يُنسب إلى العلم؛ فإنهم غير راسخين في العلم، بل من الجهال بما في إتيانهم من المحذور.


قال الحافظ: تنبيه: إيراد باب الكهانة في كتاب الطب لمناسبته لباب السحر؛ لما يجمع بينهما من مرجع كل منهما للشياطين، وإيراد باب السحر في كتاب الطب؛ لمناسبته ذكر الرُّقى وغيرها من الأدوية المعنوية، فناسب ذكر الأدواء التي تحتاج إلى ذلك، واشتمل كتاب الطب على الإشارة للأدوية الحسية، كالحبة السوداء والعسل، ثم على الأدوية المعنوية، كالرُّقى بالدعاء والقرآن، ثم ذكرت الأدواء التي تنفع الأدوية المعنوية في دفعها كالسحر، كما ذُكرت الأدواء التي تنفع الأدوية الحسية في دفعها كالجذام، والله أعلم"[108].


وقال البخاري أيضًا: "باب السحر وقول الله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾... الآية [البقرة: 102]، وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾ [طه: 69]، وقوله: ﴿ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ [الأنبياء: 3] وقوله: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴾ [طه: 66] وقوله: ﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴾ [الفلق: 4]، والنفاثات: السواحر، تسحرون: تُعَمَّوْن".


حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا عيسى بن يونس، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سحر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من بني زريق يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم - أو ذات ليلة - وهو عندي "1050أ" لكنه دعا ودعا، ثم قال: "يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مُشط ومشاطة، وجُف طلع نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان"، فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه، فجاء فقال: "يا عائشة، كأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين"، قلت: يا رسول الله، أفلا استخرجته؟


قال: "قد عافاني الله، فكرهت أن أُثير على الناس فيه شرًا"، فأمر بها فدُفنت[109].
تابعه أبو أسامة وأبو ضمرة وابن أبي الزناد، عن هشام.
وقال الليث وابن عُيينة، عن هشام: "في مُشط ومشاطة"، يقال: المشاطة ما يخرج من الشعر إذا مُشط، والمشاطة من مشاطة الكتان".


قال الحافظ: "قوله: "باب السحر"، قال الراغب وغيره: السحر يُطلق على معان: أحدها: ما لطف ودق ومنه: سحرت الصبي: خادعته واستملته، وكل من استمال شيئًا فقد سحره، ومنه: إطلاق الشعراء سحر العيون لاستمالتها النفوس، ومنه: قول الأطباء: الطبيعة ساحرة، ومنه: قوله تعالى: ﴿ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ [الحجر: 15]، أي: مصروفون عن المعرفة.


ومنه حديث: "إن من البيان لسحرًا"[110]، وسيأتي قريبًا في باب مُفرد.
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 352.92 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 351.20 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.49%)]