|
ملتقى اللغة العربية و آدابها ملتقى يختص باللغة العربية الفصحى والعلوم النحوية |
![]() |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
![]() على أن شاعرنا يتوجع بالدرجة ذاتها الّتي يفخر فيها بأجداده. فهم، رغم إقامتهم في داخله ورغم استعادته لهم بالفعل - الاستمرار وبالقول - البعث، ورغم إحيائه لهم في ذاكرة الأيام وإنعاشها بالمآثر، قد رحلوا. إنه يشعر بالغصة! ونحن لا نشعر عادة بالغصة لفقدان أمر غير ذي قيمة، بل العكس هو الصّحيح؛ لذا فهو يحاول الوقوف موقفَ حياد مِن الزَّمن الّذي يجتاح الأمم دونما تفريق بين قوم وقوم: عمروا الأرضَ مدةً ثم زالوا ![]() مثلما زالَتِ القرونُ اجتياحا[18] ![]() بيد أنه لا يلبث أن يتخلى عن الحياد في موقفه من الزّمان، فيرى في اجتياحه لهم بالذَّاتِ عبثًا ولهوًا وملولاً وغدرًا وإزالة استقرار أو تفجير شمل: أقاموا زمانًا ثم بدَّدَ شملَهُم ![]() مَلولٌ مِن الأيامِ شيمتُهُ الغدرُ[19] ![]() ويعود مِن جديد لمحاوِلاً استيعاب لعبة الزّمان العابثة المؤمنةِ دائمًا وأبدًا بالتّغيير: لعمركَ ما حَيٌّ وإنْ طالَ سيرُهُ ![]() يُعَدُّ طليقًا والمَنونُ له أسْرُ ![]() وما هذه الأيام إلا منازلٌ ![]() يَحُلُّ بها سَفْرٌ ويتركها سَفْرُ[20] ![]() وإذ يصل إلى بعض مِن رضا لا يخلو مِن وجع، يحاول شاعرنا أن يتقبل الواقع أكثر، فيجمّله ويضفي عليه مِن أفكاره الإيجابية ما يجعله أكثر قبولاً. إنه يلاحق آثار الزَّمن، ويجد لنظرية النّسب العريق في الآثار موضعًا يدخل منه مِن الباب الواسع؛ فهذه الآثار - رغم عدم موازاتها للواقع الّذي كان يجب أن يسود - آثار طيبة عابقة بالعطر والمجد: فلم يبقَ منهم غيرُ آثارِ نعمةٍ ![]() تَضُوعُ بريَّاها[21] الأحاديثُ والذِّكْرُ[22] ![]() النّعمة تكمن في الحرية الّتي علمها قومه للأمم وتكمن في الأثر المتروك على العلا: ماتوا كرامًا وأبقوا للعُلا أثرًا ![]() نالَتْ به شرفَ الحريَّةِ الأمَمُ[23] ![]() والعُلا أثر لا يستهان به ولا يمحى: إنَّ العلا أثرٌ تحيا بذُكرَتِه ![]() أسماءُ قومٍ طوى أحسابَها القِدَمُ[24] ![]() وإن كان لا بد مِن الإقناع أو الاقتناع بأن الآثار لا تصمت، بل تتحدث بطلاقة حين يكون الماضي يستحق أن يُتَحَدث عنه، فليس أمام شاعرنا إلا موقفان: الأول: دعاء بالسّقيا لمن رحل على عادة العرب القدامى: فسَقاهم مُنَزِّلُ الغَيثِ سَحْلاً ![]() يجعل النَّبتَ لِلْعراءِ وِشاحا[25] ![]() والثّاني: إبقاء على طيب الذّكر من خلال استمرار الأبناء بما قام به الآباء، والمرء قادر - إن شاء - على متابعة رحلة المجد. هنا يتصالح الشّاعر مع الزمن إذ يثبت له أن الاستمرارية فعل ممكن عندما يكون الوارث على قدر مسؤولية الإرث العظيم: لنا الفضلُ فيما قد مضى وهو قائِمٌ ![]() لدينا وفيما بعدَ ذاكَ لنا الفضلُ[26] ![]() مِن الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، والمجد إرث يعتز به ويحافظ عليه. وإن زال، فلا بدَّ وأن يكون زواله مؤقتًا مِن أجل إعادته إلى صانعيه. كان المجد مدرسة أيضًا لشاعرنا. [1] الخافقان: المشرق والمغرب أو أفقاهما. [2] النزائع: الغرائب أو النجائب التي تنزع إلى أصل كريم* الأعراف: جمع عرف، وهو الشعر النابت في رقبة الفرس. [3] الديوان، ص217، والخدارية: العقاب، وهو طائر من عتاق الطير ويضرب بها المثل في القوة وسرعة الطيران* فتخاء: من صفات العقاب، أي لين الجناح لأنها إذا انحطّت كسرت جناحيها وغمزتهما. [4] الديوان، ص428. [5] الديوان، ص425. [6] علي محمد الحديدي، ع.س، ص36. [7] مساعير: جمع مسعار (بوزن مفتاح): اسم آلة من سعرت النار؛ أي: أوقدتها وألهبتها، وقومه مساعير حرب: أي يقدمون على الحرب فيؤججون نارها. [8] الديوان، ص425. [9] علي محمود الحديدي، ع.س، 37. [10] الوترات: ج وترة: اسم مرة من وترت الرّجل، أدركته أو قتلت حميمه فأفردته منه. [11] الديوان، ص425. [12] عباس محمود العقاد: شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1950)، ص133 - 134. [13] م.ن، ص.ن. [14] الديوان، ص217. [15] الديوان، ص217. [16] الديوان، ص426. [17] نفسه، ص427. [18] الديوان، ص117. [19] الديوان، ص218. [20] الديوان، ص218. [21] وللشاعر بيت يتحدث عن ريا الآثار يقول فيه: وقد تنطق الآثار وهي صوامت ![]() ويثني برياه على الوابل الزهر ![]() [الديوان، ص218]. [22] الديوان، ص218. [23] نفسه، ص602. [24] نفسه، ص603. [25] الديوان، ص117، السّحل: الدلو العظيمة إن كانت مملوءة. الوشاح: أي فرعان من لؤلؤ وجوهر منظومان يخالف بينهما معطوف أحدهما على الآخر، أو أديم عريضٌ يرصّع بالجواهر تشده المرأة بين عاتقها وكشحها، والمراد غيث غزير يجعل النبات زينة للفضاء. [26] الديوان، ص429.
__________________
|
![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |