«عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله - الصفحة 47 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الصراع بين الحق والباطل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          اعرف عدوك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          مقرر الثقافة الإسلامية واستيعابُه للقضايا المُستجدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          توطيد الأسلمة في أوساط معلمنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          الوحدة الإسلامية.. (البعبع) المخيف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          حديث: اللهم اهده فمال إلى أبيه فأخذه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          باب في اليقين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          الحلم زينة العالم وسبيل السلامة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          تعريف القصص القرآني (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          هل المرأة لا تعرف العنف الأسري؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 56 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 09-01-2025, 02:20 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,954
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



فوائد وأحكام من قوله تعالى:﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ... ﴾


قوله تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: 18، 20].

1- شهادة الله - عز وجل - لنفسه بتفرده بالألوهية، وأنه لا إله إلا هو، بقوله وفعله وعجيب صنعه؛ لقوله تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾، وفي هذا تنبيهٌ لعباده على غناه عن توحيدهم له، وأنه سبحانه هو الموحِّد نفسه بنفسه.

2- شهادة الملائكة وأولو العلم بما شهد الله به لنفسه من الوحدانية؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ ﴾، والمراد: أولو العلم بالله وشرعه وأتباعهم.

3- فضيلة الملائكة؛ حيث جعلهم الله تعالى في المرتبة الأولى في الشهادة بالتوحيد بعده سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ ﴾.

4- أخذ طائفة من أهل العلم من قوله: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ أنه لا يشترط للشاهد عند الحاكم وغيره في قبول شهادته أن يتلفظ بلفظ الشهادة، فمن تكلم بشيء وأخبر به، فقد شهد به؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ [الأنعام: 150]، وقال تعالى: ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾ [الزخرف: 19].

فجعل منهم شهادة وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة، ولم يؤدوها عند غيرهم، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: 135]، فسمى إقرار المرء على نفسه شهادة.

وفي حديث ماعز: «فلما شهد على نفسه أربع مرات، رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم »[1]. فَسُمِّيَ إقراره شهادة.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «شهد عندي رجال مرضيون - وأرضاهم عندي عمر - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس»[2].

ومعلوم أنهم لم يتلفظوا بلفظ الشهادة.

والعشرة الذين شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة لم يتلفظ بشهادته لهم بلفظ الشهادة، وإنما قال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة...»[3].

وأجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» دخل في الإسلام وشهد الشهادتين، وإن لم يقل: «أشهد» ونحو ذلك.

وقد ذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه لابد للشاهد عند الحاكم ونحوه من التلفظ بلفظ الشهادة.

5- فضل العلم بالله وشرعه، وفضل أهل هذا العلم والثناء عليهم؛ حيث جعلهم الله شهودًا بعد الملائكة على وحدانيته، وقرَن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، واستشهد بهم على أجل مشهود به، وجعلهم حُجة على من أنكر هذه الشهادة، فزكَّاهم بهذا وعدَّلهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾، وهذه منقبة عظيمة للعلماء في هذا المقام.

وهذا لمن قدَّر منهم للعلم قدره، فعظَّم ربه، وصان علمه، وعمل به وعلَّمه، فوَفَّى بما أخذه الله من الميثاق على أهل العلم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ [آل عمران: 187].

وهؤلاء من أهل العلم قليل؛ ولهذا قال تعالى في ختام الآية: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ [آل عمران: 187].

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أن مِن أول مَن يُقضى يوم القيامة عليه رجل تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن فأُتِيَ به فعرَّفهُ نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلَّمت العلم وعلَّمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلَّمت العلم لِيُقال: عالِم، وقرأت القرآن لِيُقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به، فَسُحِبَ على وجهه حتى أُلقِيَ في النار»[4].

وقد أحسن القائل:
وعالم بعلمه لم يعلمن
معذب في قبره من قبل عباد الوثن[5]




وقال الآخر:
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم
ولو عظَّموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهانوا ودنَّسوا
محياه بالأطماع حتى تجهما[6]

6- الترغيب في العلم بالله وشرعه؛ لأن به تحصل الشهادة على وحدانية الله - عز وجل - بل هي من مقتضياته، فمن لم يشهد من أهل العلم لله بالواحدانية، فهو من أجهل الجهال، وإن علم من أمور الدنيا ما لم يعلَمه غيره.

7- حكم الله - عز وجل - أنه لا إله حق إلا هو، بعد شهادته وإخباره بذلك، وأمره - عز وجل - عباده بتوحيده؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ [الإخلاص: 1، 2]، فمن عبد مع الله غيره فهو مُشرك.

8- تأكيد تفرده - عز وجل - بالألوهية، فشهد عز وجل بذلك لنفسه، وأخبر به، وحكم به وأمر، كما شهِد بذلك الملائكة وأولو العلم.

9- إثبات قيام الله تعالى واتصافه بالعدل قولًا وفعلًا وحكمًا وإخبارًا، وحكمًا به وأمرًا، وشهادته - عز وجل - لنفسه بذلك وشهادة الملائكة وأولو العلم؛ لقوله تعالى: ﴿ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾.

10- اجتماع صفات الكمال لله عز وجل؛ لأن التوحيد والعدل هما جماع صفات الكمال، فالتوحيد يتضمن تفرُّدَه سبحانه بالكمال والجلال والمجد والتعظيم الذي لا ينبغي لأحدٍ سواه، والعدل يتضمن وقوع أفعاله كلها على السداد والصواب، وموافقة الحكمة؛ ففي الأول كمال ذاته، وفي الثاني كمال أفعاله.

11- إثبات اسم الله «العزيز» وصفة العزة التامة له - عز وجل - لقوله تعالى: ﴿ العزيز .


12-إثبات اسم الله «الحكيم» وأن له - عز وجل - الحكم التام، والحكمة البالغة؛ لقوله تعالى:﴿ الحكيم ﴾، وفي هذا رد على الجبرية والجهمية الذين ينفون حكمة الله تعالى.

13- في اقتران العزة والحكمة في حقه - عز وجل - زيادة كماله تعالى إلى كمال.

14- أن الدين الذي يُعتد به ويُقبل عند الله هو الإسلام الذي جاء به جميع الأنبياء والرسل، وهو توحيد الله تعالى، والانقياد لشرعه، وهو بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، ما جاء به من الشرع، فهو الإسلام الذي لا يُقبل من أحدٍ سواه؛ لنسخه لجميع الأديان قبله؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسِلت به إلا كان من أصحاب النار»[7].

15- أن حقيقة الدين والتدين لله تعالى الاستسلام له بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك؛ لأن الله سمى «الدين» الإسلام.

16- أن أهل الكتاب اليهود والنصارى لم يختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم؛ أي: إن اختلافهم كان عن علم، فلا يعذرون فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ ﴾.

17- أن اختلاف أهل الكتاب كان بسبب بغي بعضهم على بعض؛ لقوله تعالى: ﴿ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾.

18- التحذير من الاختلاف؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾، وقال تعالى محذرًا هذه الأمة: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 105].

وقال صلى الله عليه وسلم محذرًا أمته من ذلك: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفرق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة»[8].

19- خطر البغي، ووجوب الحذر منه؛ لأنه سبب للاختلاف ورد الحق؛ لقوله تعالى: ﴿ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾.

20- ينبغي في مسائل الخلاف الانتصار للحق، والبحث عنه، والبعد عن التطاول، والانتصار للنفس.

21- التحذير من الكفر بآيات الله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾، فمن كفر بآيات الله فسيُحاسبه الله سريعًا، ويجازيه على كفره قريبًا، وفي هذا وعيدٌ لمن كفر بآيات الله، وحضٌّ على الإيمان.

22- سرعة حساب الله تعالى للخلائق؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾.

23- إثبات حساب الخلق على أعمالهم، لكن حساب المؤمنين تقريرٌ وعرضٌ، أما حساب الكفار فمناقشة وتوبيخ وتقريعٌ.

كما في حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حوسِب عُذِّب»، قالت عائشة: فقلت: أَوَليس يقول الله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾ [الانشقاق: 8]؟ قالت: فقال: «إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك»[9].

24- عناية الله - عز وجل - بنبيه صلى الله عليه وسلم ، وتهيئته لما سيواجه ممن يدعوهم، وتعليمه ما يقوله للمحاجين له، ولمن يدعوهم؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ﴾ [آل عمران: 20]، وفي هذا إعدادٌ من الله له، وتقوية لقلبه ولحجته ودعوته.

25- في قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ [آل عمران: 20]، توجيه له صلى الله عليه وسلم لما هو أخصر، وبما فيه قطع الطريق على المحاجين وإسكاتهم؛ أي: هذا طريقي وطريق أتباعي دون محاجة أو جدال، وهذا من أساليب الرد على المحاج إذا كان لا جدوى للمحاجة؛ كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان: 63].

26- أن المنهج الحق في الإسلام أن يتوجه المسلم إلى الله تعالى بكليته، وبوجهه، وقلبه، وبدنه ممتثلًا لأمر الله، مجتنبًا لنهيه، فهذا هو منهج الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه؛ لقوله تعالى: ﴿ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ﴾.

27- شرف الوجه من بين الأعضاء؛ لقوله تعالى: ﴿ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ، فخصَّهُ من بين الأعضاء لشرفه، ولأن توجهه علامة ظاهرة على توجه بقية الأعضاء.

28- أن من لم يُسلِم وجهه لله تعالى فليس متبعًا للرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ﴾.

29- وجوب الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ﴾.

30- عموم رسالة الإسلام التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم للعرب وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾، وفي هذا ردٌّ على من زعم من أهل الكتاب أن رسالته صلى الله عليه وسلم خاصة بالعرب فقط.

عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعِثت إلى الناس عامة»[10].

وفى رواية: «وبُعِثت إلى كل أحمر وأسود»[11].

ولما زار صلى الله عليه وسلم الغلام اليهودي في مرض موته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : «يا فلان، قُل: لا إله إلا الله»، فنظر إلى أبيه، فأعاد النبي صلى الله عليه وسلم ، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطِعْ أبا القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه بي من النار»[12].

31- في تقديم ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ في قوله تعالى: ﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ : إشارة إلى أن قيام الحجة عليهم أعظم؛ لما عندهم من العلم عن الإسلام وعن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ [البقرة: 41].

32-أن العرب أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب؛ لقوله تعالى:﴿ وَالْأُمِّيِّينَ ﴾.

33- أن من أسلم فقد اهتدى للطريق المستقيم، وَوُفِّق إليه؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾، وفي هذا حض على الإسلام، وترغيب فيه.

34- أن من لم يُسلِم فقد تولَّى وأعرَض عن الحق، وليس على الرسول صلى الله عليه وسلم هدايته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ﴾.

35- أن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والواجب عليه بالنسبة للناس هي إبلاغهم الرسالة ودعوتهم، وأما هدايتهم فهي إلى الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ﴾.

36- اطلاع الله - عز وجل - وبصره بالعباد وأعمالهم وأحوالهم، ومَن هو أهل للهداية، ومَن ليس أهلًا لها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، وفي هذا وعدٌ لمن أسلَم واهتدَى، ووعيدٌ لمن تولى وأعرَض.

[1] أخرجه البخاري في الطلاق (5272)، ومسلم في «الحدود» (1691)، وأبو داود في «الحدود» (4430)، والنسائي في «الجنائز» (1956)، والترمذي في «الحدود» (1429)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] أخرجه البخاري في «مواقيت الصلاة» (581)، ومسلم في «صلاة المسافرين» (826)، وأبو داود في الصلاة (1276)، والنسائي في «المواقيت» (562)، والترمذي في الصلاة (183).

[3] أخرجه الترمذي في «المناقب» (3747)، من حديث عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه.

[4] أخرجه مسلم في «الإمارة» (1905)، والنسائي في «الجهاد» (3137)، والترمذي في «الزهد» (2382).

[5] البيت لابن رسلان الشافعي؛ انظر: «غاية البيان» (ص4).

[6] البيتان للقاضي الجرجاني؛ انظر: «محاضرات الأدباء ومحاورات لشعراء» (ص14).

[7] أخرجه مسلم في «الإيمان» وجوب الإيمان برسالة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس (153)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[8] أخرجه أبو داود في «السنة» (4596)، والترمذي في «الإيمان» (2640)، وابن ماجه في «الفتن» (3991)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[9] أخرجه البخاري في «العلم» (103)، ومسلم في «الجنة وصفة نعيمها وأهلها» (2876)، والترمذي في «صفة القيامة» (2426).

[10] أخرجه البخاري في «التيمم» (335)، ومسلم في «الغسل والتيمم» (432).

[11] أخرجها مسلم في «المساجد ومواضع الصلاة» (521).

[12] أخرجه البخاري في «الجنائز» (1356)، وأبو داود في «الجنائز» (3095)، من حديث أنس رضي الله عنه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 09-01-2025, 02:22 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,954
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



تفسير قوله تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾


قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: 21 - 25].

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾.

أمر الله - عز وجل - في الآية السابقة النبي صلى الله عليه وسلم بدعوة الذين أوتوا الكتاب إلى الإسلام، وحذَّرهم من التولي، ثم ذمَّهم في هذه الآية بذِكر ما هم علىه من الكفر، وقتل النبيين والآمرين بالقسط، وتوعدهم بعذابٍ أليم.

قوله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾؛ أي: إن الذين يُكذبِّون بآيات الله الشرعية والكونية ويجحدونها، من أهل الكتاب وغيرهم.

﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾: معطوف على ﴿ يَكْفُرُونَ ﴾.

قرأ حمزة: «ويقاتلون»، وقرأ الباقون: ﴿ يَكْفُرُونَ ﴾، وقرأ نافع «النبيئين» جمع «نبيء»، وقرأ الباقون: ﴿ النَّبِيِّينَ ﴾ بلا همز، جمع (نبي)، مأخوذ من «النبأ»، وهو الخبر الهام، كما قال تعالى: ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾ [النبأ: 1، 2].

وسُمِّيَ النبيون بهذا الاسم؛ لأن النبي مُنْبَأ من عند الله، أي: مُخْبَر من عند الله، و(مُنْبِئ): مُخْبِر لقومه بما أوحاه الله إليه، ومأخوذ أيضًا من «النّبْوة» وهي المكان المرتفع؛ لأن الأنبياء ذوو مكانة عالية مرتفعة عند الله تعالى وعند المؤمنين.

﴿ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾: جار مجرور حال مؤكدة من فاعل «يقتلون».

والمراد بهذا الوصف: بيان الواقع، أي أن قتلهم عدوانًا وظلمًا كما فعل اليهود؛ حيث قتلوا كثيرًا من أنبياء الله - عز وجل - منهم: زكريا وابنه يحيى، كما همُّوا بقتل عيسى، بل زعموا أنهم قتلوه؛ ولهذا ذمَّهم الله تعالى بهذين الوصفين في آياتٍ كثيرة، كما قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 61]، وقال تعالى: ﴿ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 112]، وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 91].

وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾ [المائدة: 70]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ [البقرة: 87]، وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [آل عمران: 183].

ولا يراد بقوله: ﴿ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ إخراج ما خالفه؛ إذ لا يمكن أن يكون قتل النبيين بحق بحالٍ من الأحوال.

﴿ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ ﴾: معطوف على قوله ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ ﴾ من عطف العام على الخاص؛ لأن الأنبياء في مقدمة الذين يأمرون بالقسط من الناس.

و«القسط»: العدل في الحكم والأقوال والأفعال، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ [النساء: 58]، وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾ [الأنعام: 152]؛ أي: ويقتلون الذين يأمرون بالعدل من الناس عنادًا منهم ومعارضة للعدل والحق وبطرًا وكِبرًا، وفي الحديث: «الكبر بطر الحق وغمط الناس»[1].

﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾: خبر المبتدأ ﴿ الَّذِينَ ﴾، ودخلت علىه الفاء؛ لتضمُّن الموصول معنى الشرط، أي: بشرهم يا محمد، ويا أي مبشر.

والبشارة في الأصل: الإخبار بما يَسُر، واستُعمِلت هنا في الإِخْبار بما يسوء من باب التهكم بهم، كما في قوله تعالى: ﴿ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [النساء: 138]، وقوله تعالى: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ [الدخان: 49]، وفي هذا من العذاب المعنوي ما قد يفوق العذاب الحسي، والمعنى هنا: فأخبرهم بعذابٍ أليم، أي: مؤلم موجِع حسيًّا للأبدان، ومعنويًا للقلوب، و(العذاب): العقاب.

قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ [آل عمران: 22].

﴿ أُولَئِكَ ﴾: الإشارة للذين يُكذِّبون بآيات الله، ويقتلون النبيين والآمرين بالقسط، وأشار إليهم بإشارة البعيد (أولئك) تحقيرًا لهم.

﴿ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾؛ أي: الذين بطلت وذهبت واضمحلت أعمالهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [الفرقان: 23].

﴿ فِي الدُّنْيَا ﴾ أي: فلم يستفيدوا منها في الدنيا بل كانت سببًا لشقائهم فيها، ﴿ وَالْآخِرَةِ)؛ أي: ولم يُثابوا علىها في الآخرة بل عوقبوا بسببها.


﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ «مِنْ»: زائدة من حيث الإعراب، مؤكدة من حيث المعنى لعموم النفي؛ أي: وما لهم أيُّ ناصرين، أي: وما لهم أي أحد ينصرهم من بأس الله تعالى وعذابه، وجمع «ناصر» لمقابلة الجمع قبله مع مراعاة المناسبة لفواصل الآيات.

قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾.

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾: الاستفهام للتعجيب، والرؤية هنا علمىة، ويُحتمل كونها بصرية، والأول أولى؛ لأنه أشمل، ولأنه يتعلق بالحال، والحال تعلُّم ولا تبصُّر؛ أي: ألم تعلم إلى حال ﴿ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ﴾، والمراد بــ﴿ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ﴾ هنا: اليهود، و﴿ نَصِيبًا ﴾ حظًّا، والتنوين فيه للتكثير والتعظيم، و﴿ من ﴾ للتبعيض أو للبيان.

و( أل ) في ﴿ الْكِتَابِ ﴾ للعهد، والمراد به «التوراة»، أي: ألم تعلم وتنظر إلى حال اليهود الذين أُعطوا نصيبًا من الكتاب، أي: أُعطوا حظًا كثيرًا عظيمًا من الكتاب؛ لأن التوراة هي أعظم كتب الله تعالى بعد القرآن الكريم.

وقيل: المعنى: الذين أُعطوا نصيبًا قليلًا من الكتاب، أي: من العلم، كما قال تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85]، والأول أصح وأنسب للسياق.

﴿ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ ﴾: حال من الموصول؛ أي: حال كونهم يدعون إلى كتاب الله، أو مستأنفة مُبيِّنة لمحل التعجب.

والدعاء: النداء؛ كقوله تعالى: ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ [الحجرات: 13]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [المائدة: 11].

و«كتاب»: بمعنى مكتوب، أي: إلى مكتوب الله؛ لأن كتب الله تعالى كلها مكتوبة عنده في اللوح المحفوظ.

والمراد بــ ﴿ كتاب الله ﴾ هنا: «القرآن الكريم»، والداعي إليه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن دعا بدعوته إلى يوم القيامة.

وقيل المراد بــ ﴿ كتاب الله ﴾: «التوراة أو الإنجيل»؛ لما فيهما من تصديق لبعثته صلى الله عليه وسلم ورسالته، كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 157].

﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾: (اللام): للتعلىل، أي: لأجل أن يحكم بينهم، والضمير في ﴿ لِيَحْكُمَ ﴾ يُحتمل أن يعود إلى «الله»، أي: يدعون إلى كتاب الله؛ ليحكم الله بينهم بكتابه.

ويُحتمل عود الضمير إلى «الكتاب»، أي: ليحكم كتاب الله بينهم.

وأُسند الحكم إلى الكتاب؛ لأن الحكم بينهم بما فيه هو حكم الله، أي: ليفصل بينهم ببيان الحق من الباطل فيما بينهم أنفسهم، وفيما بينهم وبين الداعي لهم وهو الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن الإسلام، أو في حكم الرجم، أو غير ذلك.

﴿ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ ﴾: التولي يكون بالأبدان، أي: ثم يتولى فريق وجماعة منهم بأبدانهم.

﴿ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾: الجملة معطوفة على ما قبلها، ويجوز كونها حالية.

والإعراض يكون بالقلوب؛ أي: وهم صادون بقلوبهم عن كتاب الله، والمعرِض بقلبه لا فائدة فيه، ولا مطمع في رجوعه، بخلاف المتولي ببدنه فإنه قد يراجع نفسه، ويعود إلى رشده.

وقد جمع هؤلاء بين التولي في الظاهر بأبدانهم، والإعراض في الباطن بقلوبهم، والتولي عن الداعي، والإعراض عن المدعو إليه، فلا مطمع فيهم.

و«التولي» و«الإعراض» من الكلمات المترادفة التي إذا انفردت اجتمعت، واذا اجتمعت انفردت. فإذا انفرد أحدهما عن الآخر حمل كل منهما على المعنيين، وهما التولي بالأبدان والإعراض بالقلوب.

أما إذا اجتمعا فيُحمل «التولي» على الإعراض بالأبدان، ويُحمل الإعراض على التولي بالقلوب، كما في الآية هنا.

ويُفهم من قوله ﴿ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ﴾: أن فريقًا منهم لا يتولى ولا يُعرِض، بل يقبل ويؤمن.

قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾.

ذكر عز وجل في الآية السابقة تولي وإعراض فريق من أهل الكتاب عن كتاب الله تعالى، ثم ذكر في هذه الآية سبب توليهم وإعراضهم.

قوله ﴿ ذلك ﴾: الإشارة إلى تولي فريق منهم وإعراضهم عن كتاب الله، أي: ذلك التولي والإعراض.

﴿ بأنَّهم ﴾: الباء للسببية، أي: بسبب أنهم.

﴿ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾: أي بسبب أنهم خدعوا أنفسهم بهذه المقالة الباطلة، والاعتقاد الخاطئ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 80]، فهونوا بهذا الخطوب ولم يبالوا معه بارتكاب الذنوب.

﴿ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ ﴾: لن تصيبنا النار ونعذب فيها.

﴿ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾ «إلا»: أداة حصر، أي: إلا أيامًا قليلات، أو قلائل؛ لأن كل معدود فهو قليل؛ لأنه ينتهي، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ﴾ [هود: 104].

وجمع هنا جمع القلة ﴿ مَعْدُودَاتٍ ﴾؛ لأنه أليق بمقام التعجيب والتشنيع.

قيل: إنهم قالوا: لن نعذب إلا سبعة أيام، وقيل: أربعين يومًا، وهي الأيام التي عبدوا فيها العجل[2].

﴿ غَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ﴾؛ أي: أطمعهم في غير مطمع، وخدعهم في دينهم الباطل.

﴿ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ «ما»: مصدرية، أو موصولة، أي: وخدعهم في دينهم افتراؤهم أو الذي كانوا يفترون ويختلقون من الكذب والدعاوى والأماني الباطلة، ومن ذلك قولهم: ﴿ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾، وقولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [المائدة: 18]، وقولهم: ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ [البقرة: 111].

فذكر لتوليهم وإعراضهم سببين، الأول: أمنهم وشهادتهم الباطلة لأنفسهم بالنجاة، وأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودات.

والثاني: تزيين الشيطان لهم سوء عملهم، فاغتروا بذلك وتراءى لهم أنه الحق؛ عقوبةً لهم على إعراضهم عن الحق.

قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾.

ذكر الله - عز وجل - في الآية السابقة زعم أهل الكتاب الباطل أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودات، وخداعهم لأنفسهم بالافتراء والأماني الباطلة، ثم أتبع ذلك باستعظام وتهويل سوء حالهم ومآلهم يوم القيامة مهددًا ومتوعدًا.

قوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ ﴾: ﴿ فَكَيْفَ ﴾: استفهام لتعظيم وتهويل سوء حالهم؛ أي: كيف تكون حالهم، أو كيف يصنعون إذا جمعناهم ﴿ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ الآية.

فلا تسأل عما هم فيه من الهم والكرب وشدة العذاب والحسرة والندم على ما فاتهم من الأجر والثواب.

﴿ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾: (اللام) بمعنى «في»، وتُسمى لام التوقيت، أي: في يومٍ لا ريب فيه، وهو يوم القيامة، ونُكِّر «يوم» للتعظيم، كما قال تعالى: ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [المطففين: 4، 5]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ﴾ [الإنسان: 27]، وقال تعالى: ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾ [المدثر: 9، 10].

قال ابن كثير[3]: «أي: كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله، وكذبوا رسله، وقتلوا أنبياءه والعلماء من قومهم، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والله تعالى سائلهم عن ذلك كله، ومحاسبهم علىه، ومجازيهم به».

﴿ لا ريب فيه ﴾؛ أي: لا ريب ولا شك في وقوعه؛ وهذا خبر من الله تعالى، فهذا اليوم آتٍ وواقع لا محالة، وعلى ذلك دلَّ الكتاب والسنة والعقل.

ويُحتمل أن يكون قوله: ﴿ لا ريب فيه ﴾ خبر بمعنى النهي، أي: لا ترتابوا فيه[4].

﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾ معطوف على قوله: ﴿ جَمَعْنَاهُمْ ﴾، وجاء العطف بالواو دون «ثم» التي للتراخي؛ للدلالة على سرعة حسابه عز وجل للخلائق؛ كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ [الأنعام: 62]، وقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [البقرة: 202].

و«ما»: موصولة أو مصدرية؛ أي: أُعطِيت كل نفس مكلفة من الإنس أو الجن كسبها أو الذي كسبته من خير أو شر وافيًا، أي: أُعطِيت جزاء عملها وافيًا ثوابًا كان أو عقابًا، وجُعِلت التوفية للكسب، وجُعِل المكسوب مكان الجزاء؛ إشارة إلى أن الجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ [آل عمران: 185]، وقال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 281].

﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾: الجملة حالية، أي: والحال أنهم لا يظلمون، أي: وهم لا يُنقَصون شيئًا من أعمالهم وثوابها، ولا يتعدى علىهم بالزيادة في عقابهم، كما قال تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47]، وقال تعالى: ﴿ فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [يس: 54]، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله - عز وجل -: يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»[5].

[1] أخرجه مسلم في «الإيمان» (91)، والترمذي في «البر والصلة» (1999)، من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.

[2] راجع ما سبق في الكلام على قوله تعالى في سورة البقرة ﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ﴾ [البقرة: 80].

[3] في «تفسيره» (2/ 22).

[4] راجع ما سبق في الكلام على قوله تعالى في سورة البقرة ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ﴾ [البقرة: 2].

[5] أخرجه مسلم في «البر والصلة والآداب» (2577).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 09-01-2025, 02:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,954
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



فوائد وأحكام من قوله تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ.... ﴾


قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [ال عمران: 21، 25].

1- ذم أهل الكتاب، والتشنيع علىهم، وتوعدهم بعذابٍ أليم؛ لكفرهم بآيات الله، وقتلهم النبيين والآمرين بالعدل تكبرًا منهم وعنادًا؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾، وهذا وعيدٌ لهم ولمن سلك مسلكهم.

2- وجوب الإيمان بآيات الله، والحذر من الكفر بها.

3- عِظم حُرمة قتل وقتال النبيين، وأنه من الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾.

4- أن قتل الأنبياء وقتالهم لا يمكن أن يكون بحق؛ لقوله تعالى: ﴿ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾.

5- شدة حرمة قتل وقتال الذين يأمرون بالقسط من الناس؛ حيث قُرِنَ بالكفر وقتل النبيين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ ﴾.

6- فضل الأمر بالعدل والآمرين به؛ لأن الله جعلهم بعد النبيين.

7- جوز التهكم بالكفار؛ لقوله تعالى: ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، فسمى إخبارهم بالعذاب بشارة تهكمًا وسخرية بهم.

8- شدة عذاب الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين والآمرين بالقسط؛ لقوله تعالى: ﴿ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾؛ أي: موجِع حسيًّا للأبدان، ومعنويًّا للقلوب.

9- تحقير الذين يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين والآمرين بالقسط، وحبوط أعمالهم؛ لقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾، فأشار إليهم بإشارة البعيد تحقيرًا لهم، وبيَّن بطلان أعمالهم وجزائها في الدنيا والآخرة.

10- أن الكفر مُحبِط للأعمال، وأن مِن أعظم وأشنع أعمال الكفار قتل الأنبياء والآمرين بالقسط من الناس.

11- أن الكفار ليس له ناصر يدفع عنهم عذاب الله ونقمته؛ لقوله تعالى: ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾.

12- التعجيب من حال الذين أُتوا نصيبًا من الكتاب يدعون إلى القرآن ليحكم بينهم، ثم يتولى فريقٌ منهم ويُعرِض مع ما عندهم مما يصدقه في كتبهم؛ لقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾.

13- أن العلم إذا لم يصاحبه توفيق من الله تعالى فإنه لا ينفع صاحبه، بل يكون وبالًا علىه، فهؤلاء مع ما هم علىه من العلم لم يهتدوا للعمل.

14- أن اللوم والذم والمؤاخذة لمن تولى وأعرض إنما تكون بعد إقامة الحُجة عليه بدعوته؛ لقوله تعالى: ﴿ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾.

15- أن التحاكم بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن يجب أن يكون إلى حكم الله - عز وجل - في القرآن الكريم في كل شيء من العبادات والمعاملات وغير ذلك؛ لنسخه لجميع الكتب قبله.

16- تعظيم القرآن وتشريفه بإضافته إلى الله - عز وجل - لقوله تعالى: ﴿ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ ﴾.

17- أن من أهل الكتاب من أجاب الدعوة إلى كتاب الله، فأسلموا وحَسُنَ إسلامهم؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾، ومفهوم هذا أن فريقًا منهم لم يتوَلَّ ولم يُعرِض، بل أسلم.

18- أن أشد ما يكون في المخالفة والرد والعناد، وفي الذم أن يجتمع التولي عن الحق بالأبدان والإعراض عنه بالقلوب؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾.

19- أن سبب تولي وإعراض فريق من أهل الكتاب زعمهم أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودات؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾.

20- جرأة أهل الكتاب على الكذب على الله وغرورهم؛ لقوله تعالى: ﴿ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾.

21- تصديق أهل الكتاب بوجود النار، وبالبعث بعد الموت، لكن هذا لا ينفعهم مع توليهم وإعراضهم عن الانقياد والعمل بكتاب الله تعالى.

22- التحذير من الاغترار بالأماني الباطلة والانخداع بها؛ لقوله تعالى: ﴿ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾.

23- لا ينبغي أن يغتر الإنسان ويعجب بما هو علىه من تدين، ويُدِلَّ على الله بعمله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ﴾، وليسأل الله التوفيق للإخلاص والثبات على الحق وحسن الختام.

24- تهويل وتعظيم سوء حال ومآل هؤلاء المتولين المعرضين؛ لقوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ الآية.

25- إثبات القيامة والمعاد وجمع العباد؛ لقوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾.

26- تعظيم الله تعالى لنفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ جَمَعْنَاهُمْ ﴾ بضمير العظمة وهو العظيم سبحانه.

27- تعظيم يوم القيامة وأهواله؛ لقوله تعالى: ﴿ لِيَوْمٍ ﴾ بالتنكير.

28- إعطاء كل نفس عملها وجزاءها وافيًا يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾، وأن الجزاء من جنس العمل.

29- انتفاء الظلم في ذلك اليوم، فلا أحد يُظلم بأن يُنتقص من حقه، أو يُزاد في عقابه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾.

لكن المؤمنين يُعاملون بالفضل، فَيُضاعِف الله لهم ويزيدهم من فضله، ويعفو عن سيئات من شاء منهم.

وأما الكفار فَيُعاملون بالعدل، ويجازون بأعمالهم من غير زيادة أو نُقصان.

30- كمال عدل الله - عز وجل - لقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾؛ فهذا من الصفات المنفية الدالة على كمال ضدها وهو العدل، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: 46]، وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴾ [طه: 122]، وغير ذلك.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 09-01-2025, 02:26 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,954
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم




تفسير قوله تعالى:﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ.... ﴾ [آل عمران: 26].


قوله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 26].

في هذه الآية بيان عظمة الله - عز وجل - وكمال ملكه، وتمام قدرته، كما أن فيها تعريضًا بأهل الكتاب، وأن إعراضهم إنما هو حسد على زوال النبوة منهم وانقراض ملكهم، وإبطالًا لزعمهم أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة.

قوله: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾: الخطاب والأمر للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: قُل يا محمد مُعَظِّمًا لربك ومتوكلًا علىه وشاكرًا له ومفوضًا إليه، وهو خطاب له ولمن تبِعه.

﴿ اللَّهُمَّ﴾: أصلها «يا الله» مُنادى حُذِفت منه ياء النداء.

قال ابن القيم[1]: «لا خلاف أن لفظ «اللهم» معناها: (يا الله)؛ ولهذا لا تُستعمل إلا في الطلب، فلا يُقال: (اللهم الغفور الرحيم)، بل يقول: (الله اغفر لي وارحمني)».

واختلفوا في الميم المشددة من آخر الاسم (اللهمَّ) فقيل: زيدت عِوضًا عن حرف النداء؛ ولهذا لا يُجمع بينهما في الشعر، كما قال ابن مالك[2]:
وشذ يا اللهم في قريض

ومن هذا قول الشاعر:
إني إذا ما حدث ألمَّا
أقول يا اللهمَّ يا اللهمَّ[3]




وقيل: زيدت الميم للتعظيم والتفخيم كزيادتها في (زرقم) لشديد الزرقة، وفي (ابنم) في (ابن).

قال ابن القيم بعد أن ذكر هذا[4]: «وهذا القول صحيح لكن يحتاج إلى تتمة، وقائله لحظ معنى صحيحًا لابد من بيانه، وهو أن الميم تدل على الجمع وتقتضيه، ومخرجها يقتضي ذلك، وهذا مُطرد على أصل من أثبت المناسبة بين اللفظ والمعني، كما هو مذهب أساطين العربية».

إلى أن قال: «وإذا علم هذا من شأن الميم، فهم قد ألحقوها في آخر هذا الاسم (اللهم) الذي يسأل العبد به ربه سبحانه في كل حاجة وكل حال، إيذانًا بجمع أسمائه تعالى وصفاته، فإذا قال السائل: (اللهم إني أسألك) كأنه قال: أدعو الله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العُلى بأسمائه وصفاته، فأتى بالميم المؤذنة بالجمع في آخر هذا الاسم إيذانًا بسؤاله تعالى بأسمائه كلها.

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «مَا أَصَابَ عبدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ...» وذكر الحديث بطوله.

إلى أن قال: «وهذا القول الذي اخترناه قد جاء عن غير واحد من السلف، قال الحسن البصري: «اللهم»: مجمع الدعاء، وقال أبو رجاء العطاردي: إن الميم في قوله «اللهم» فيها تسعة وتسعون اسمًا من أسماء الله تعالى، وقال النضر بن شُميل: من قال «اللهم» فقد دعا الله بجميع أسمائه».

﴿ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾: بدل من قوله «اللهم»، أو منادى ثانٍ، أي: يا مالك الملك.

ومعنى ﴿ مَالِكَ الْمُلْكِ ؛ أي: لك الملك، أي: أنت المالك لكل شيء، المتصرف فيه، و(ال) في الملك هنا وفي الموضع بعده للجنس؛ أي: لك الملك كله؛ كما قال تعالى: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [المائدة: 120]، وقال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [المائدة: 17]، وقال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ [المائدة: 18].

﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ ﴾: جملة استئنافية فيها مع ما عطف علىها، ومع قوله: ﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ﴾ الآية بيان تمام ملكه، وكمال تصرفه.

و﴿ مَن ﴾: اسم موصول في محل نصب مفعول ثانٍ لـ ﴿ تُؤْتِي﴾؛ أي: تُعطي الملك الذي تشاء، أي: الذي تريد كونًا إعطاءه إيَّاه لحكمة تعلمها.

وهو مُلك نسبي كمًّا؛ لأن من أعطاه الله الملك لا يملك إلا مملكته التي أعطاها الله إيَّاها دون غيرها.

وهو مُلك نسبي كيفًا؛ لأن من أتاه الله الملك إنما يجوز له التصرف في ملكه وفق ما شرع الله، وليس له التصرف المطلق.

﴿ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾: نزع الملك أخذه ومنعه، وفي التعبير بـ«تنزع» إشارة إلى تشبث الملوك بملكهم.

و«ما»: موصولة، أي: وتأخذ الملك من الذي تريد أخذ الملك منه بعد تمليكه، وتمنع الملك ممن تريد فلا يحصل على الملك أصلًا، كل ذلك لحكمة تعلمها.

﴿ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي: وتقوي وتنصُر وتؤيد الذي تريد نصره، فتكون له العزة والنصر والغلبة.

﴿ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ؛ أي: وتذل الذي تريد إذلاله، فيكون ضعيفًا ذليلًا.

والإعزاز قد يكون كونيًا فقط لحكمة وأسباب مادية، بأن يجعل الله تعالى القوة والغلبة لطائفة ولو كانت كافرة على طائفة أخرى، فيعز هذه الطائفة ويذل الأخرى وهذا في الدنيا.

وقد يكون الإعزاز كونيًا شرعيًا؛ بأن يوفق الله الإنسان لأسباب العزة الحقيقية وهي الإيمان بالله تعالى وطاعته والتقرب إليه؛ فهذه هي العزة حقًّا في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [المنافقون: 8].

وبها تحصل الغلبة والنصر مع توافُر أسبابه المادية؛ كما قال تعالى: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [المجادلة: 21].

كما أن الإذلال قد يكون كونيًّا فقط لحكمة وأسباب مادية، وقد يكون كونيًّا شرعيًّا، بأن يُخذل الإنسان ويُبتلى بأسباب الذل وهي الكفر والمعاصي؛ وهذا هو الذل حقًّا، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ [الحج: 18].

فالعز كل العز بالإيمان بالله تعالى وطاعته، والذل كل الذل بالكفر بالله ومعصيته، ولهذا قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 9، 10]، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل الناس يغدو فمعتق نفسه أو موبقها»[5].

﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾: قدَّم الخبر للتخصيص، أي: بيدك وحدك الخير كله. خير الدين، وخير الدنيا، وخير الآخرة، أي: كل ما فيه نفع ومصلحة، دينية أو دنيوية أو أُخروية من التوفيق للإيمان والعلم النافع والعمل الصالح، وأسباب العزة الحقيقية، والنصر على الأعداء، والأمن في الأوطان، والصحة في الأبدان، والرزق الحلال، وغير ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ [النحل: 53]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّا ﴾ [إبراهيم: 34].

وفي الحديث: «اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك»[6]، وقال صلى الله عليه وسلم: «يده ملأى سحاء الليل والنهار»[7].

﴿ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾: الجملة تعليل لما قبلها، أي: لأنك على كل شيءٍ قدير. «إنَّ»: حرف توكيد، ﴿ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ﴾: متعلق بــ«قدير»، وقُدِّم عليه لتأكيد عموم قدرته على كل شيء أيًّا كان صغيرًا أو كبيرًا، قليلًا أو كثيرًا.

و«القدرة»: فعل الشيء بدون عجز، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾ [فاطر: 44].

فالقدرة ضدها العجز، كما أن القوة ضدها الضعف، والقدرة يوصف بها فقط ذوو الإدراك، أما القوة فيوصف بها ذوو الإدراك وغيرهم، فيُقال: فلان قوي، كما يُقال: الحديد قوي.

قوله تعالى: ﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [آل عمران: 27].

دلَّل عز وجل في الآية السابقة على عظمة ملكه، وتمام قدرته بكونه يؤتي الملك من يشاء، وينزعه عمن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ثم دلَّل لذلك في هذه الآية بمداولته الليالي والأيام والتصرف بالزمان.

قوله: ﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ﴾: أي وتُدخِل الليل في النهار، فيطول الليل ويزيد على النهار.

﴿ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ : أي وتُدخِل النهار في الليل، فيطول النهار ويزيد على الليل.

قال ابن كثير[8]: «أي: تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا، فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان، ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة: ربيعًا وصيفًا وخريفًا وشتاءً».

فإذا طال الليل- وذلك في الشتاء- مال الجو إلى البرودة حتى تصل البرودة ذروتها لقلة زمن وجود الشمس على سطح الأرض وكون شعاعها غير عمودي، وإذا طال النهار- وذلك في الصيف- مال الجو إلى الحرارة حتى تصل الحرارة ذروتها، وذلك لطول زمن وجود الشمس على سطح الأرض وكون شعاعها عموديًّا.

ومن حكمة الله تعالى ورحمته كون هذا التداخل بين الليل والنهار تدريجيًّا؛ حتى لا يؤثِّر ذلك على الكائنات والنبات ونظام الحياة؛ ولهذا كانت فصول السنة أربعة فصول: فصل الشتاء، وفصل الصيف، وفصلان انتقالان بينهما وهما: فصل الربيع، وفصل الخريف.

وفي هذا كله من المنافع والمصالح للإنسان والحيوان والنبات وغير ذلك ما لا يُحصى، فيحصل كل نوع من الكائنات الحية والنباتات على ما يناسبه، فبعض الكائنات والنباتات تحتاج إلى البرودة، وبعضها يحتاج إلى الحرارة، وبعضها يحتاج إلى الأمرين، وبعضها يحتاج إلى الاعتدال.

﴿ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ﴾: قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر «الميْت» بالتخفيف، وقرأ الباقون ﴿ الْمَيِّتِ﴾بالتشديد.

و«الميْت» بالتخفيف: الذي قد مات دون الذي لم يَمُت، و«الميِّت» بالتشديد الذي قد مات والذي لم يَمُت وسيموت، قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾ [الزمر: 30].

قال الشاعر:
ليس من مات فاستراح بمَيْتٍ
إنما المَيْتُ مَيِّتُ الأحياءِ[9]




أي: ﴿ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ ﴾حياة حسيَّة ﴿ مِنَ الْمَيِّتِ﴾موتًا حسيًّا، ومن ذلك أن الله - عز وجل - خلق آدم وأوجده وأحياه من التراب والطين الذي هو جماد لا حياة فيه، وخلق كل واحد من ذريته من نطفة وهي ميتة إلى نفخ الروح فيه بعد تمام مراحل تكوينه، كما قال تعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 28].

ومن ذلك إخراج الدجاجة من البيضة، وإخراج الزرع من الحبة، والنخلة من النواة، كما قال تعالى: ﴿ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ [الروم: 50]، ومن ذلك أن تموت الأم ويخرج ما في بطنها حيًّا.

وأيضًا ﴿ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ ؛ أي: الولد المؤمن الحيّ حياة معنوية قلبية ﴿ مِنَ الْمَيِّتِ﴾؛ أي: من الوالد الكافر الميت موتًا معنويًّا قلبيًّا، أي: يخرج الولد المؤمن من الوالد الكافر، وهذا أعظم وأهم؛ كما قال تعالى: ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: 122].


﴿ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ﴾: أي: وتخرج المولود الميت موتًا حسيًّا إنسانًا كان أو حيوانًا ﴿ مِنَ الْحَيِّ ﴾ من الوالد الحيّ حياة حسية إنسانًا كان أو حيوانًا، فتلد الأنثى من الإنسان أو الحيوان وتُسقِط مولودًا ميتًا، ومن ذلك إخراج البيضة من الدجاجة.

وأيضًا ﴿ وَتُخْرِجُ﴾ الولد الكافر الميت موتًا معنويًّا قلبيًّا ﴿ مِنَ الْحَيِّ ؛ أي: من الوالد المؤمن الحيّ حياة معنوية قلبية، أي: وتُخرِج الولد الكافر من الوالد المؤمن.

فهو سبحانه الذي يُخرِج المتضادات بعضها من بعض، وقد انقادت له جميع العناصر، كما قال الشاعر:
من ظاهر النِّعم الكبرى وباطنها
هذا السحاب به ماءٌ به نار
لا ينكر الله إلا جاهل نَزِقٌ
غِرٌّ بليد سفيه الرأي ختّار[10]


﴿ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: (الرزق): العطاء، ويشمل رزق الدنيا والآخرة. ورزق الدنيا نوعان: رزق به قوام الأبدان من المآكل والمشارب والمساكن والمراكب.. ونحو ذلك، وهذا يُعطيه الله لجميع الخلق المؤمن والكافر، والبر والفاجر حتى البهائم؛ كما قال تعالى: ﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ [الإسراء: 20].


ورزق به قوام القلوب والأرواح من الإيمان والعلم النافع والعمل الصالح، وهذا خاص بمن وفَّقهم الله لذلك، نسأل الله من فضله.

أما رزق الآخرة فهو ما أعدهُ الله لأهل الجنة من الثواب العظيم والنعيم المقيم؛ كما قال تعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [غافر: 40]، وقال تعالى: ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ﴾ [مريم: 62].

والمعني: وتعطي الذي تريد من الخلق حسب ما اقتضته حكمتك ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وحذف مفعول «ترزق»، ليعم كل رزق من رزق الدين والدنيا والآخرة.

﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ؛ أي: من غير أن تُحصي عليهم ما أعطيتهم وتحده بحد، بل تُعطي العطاء الجزيل بلا حد.

وليس معنى هذا أن الأرزاق غير مقدرة، بل كل شيء مقدر عند الله - عز وجل - كما قال الله تعالى: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ [الرعد: 8]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ [الحجر: 21].

كما أنه سبحانه يُعطي العطاء الجزيل، ولا يخاف أن ينفد ما عنده، ويعطي تفضلًا منه وكرمًا بغير عوض.

[1] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 483).

[2] انظر: «ألفيته» (50).

[3] البيت لأبي خراش الهذلي، ويقال: لأمية بن أبي الصلت؛ انظر: «المقتضب» (4/ 242).

[4] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 487).

[5] سبق تخريجه.

[6] أخرجه أبو داود في «الطب» (3919)، من حديث عروة بن عامر رضي الله عنه.

[7] سبق تخريجه.

[8] في «تفسيره» (2/ 23).

[9] البيت لعدي بن الرعلاء الغساني، والرعلاء أمه. انظر: «معاني القرآن وإعرابه» للزجَّاج (2/ 157)، و«لسان العرب» مادة: (موت).

[10] البيتان للشاعر وليد الأعظمي؛ انظر: «المجموعة الكاملة» (ص135).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 09-01-2025, 02:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,954
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



فوائد وأحكام من قوله تعالى:﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ... ﴾


فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [آل عمران: 26، 27].

1- أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى وإنما هو مُبلِّغ عن الله - عز وجل - لقوله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ ﴾ الآية، وفي هذا رد على من يزعمون أنه تقوَّل القرآن وافتراه من عند نفسه.

2- أمر الله - عز وجل - لنبيه صلى الله عليه وسلم بالثناء عليه وتعظيمه وتفويض الأمر إليه، والتوسل إليه؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾ الآيتين، وهذا أمر له صلى الله عليه وسلم ولأتباعه.

3- أن الله - عز وجل - مالك الملك كله، فهو المنفرد بالملك، والمنفرد بالتصـرف فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾ الآية.

4- تمام ملك الله - عز وجل - وكمال تصرفه؛ لقوله تعالى: ﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾ الآية، وقوله: ﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ الآية.

5- منح الله - عز وجل - الملك من يشاء، ونزعه ومنعه ممن يشاء، وأنه سبحانه هو المعطي المانع؛ لقوله تعالى: ﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ﴾ لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى.

6- إثبات المشيئة لله تعالى، وهي الإرادة الكونية المبنية على الحكمة، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ لقوله تعالى: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ } الآية، وقوله: ﴿ تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾ الآية، وقوله: ﴿ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ ﴾، وكما قال تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [الإنسان: 30].

7- أن الله - عز وجل - يُعِز من يشاء، ويُذِل من يشاء لحكمة يعلمها سبحانه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾.
8- أن الله تعالى بيده الخير كله؛ لقوله تعالى: ﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾.

9- ينبغي طلب العزة والخير من الله وحده؛ لأن كل ذلك بيده سبحانه وتعالى، مع بذل الأسباب المادية.

10- أن أفعال الله تعالى كلها خير، وأن الشر لا يُضاف إليه، وإن كان سبحانه هو الذي خلق كل شيء؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «الخير كله بيديك والشر ليس إليك»[1].

قال ابن القيم[2]: «فتبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه، بل كل ما يُنسب إليه فهو خير، والشر إنما صار شرًّا لانقطاع نسبته وإضافته إليه، فلو أُضيف إليه لم يكن شرًّا، وهو سبحانه خالق الخير والشـر، فالشـر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله، وخلقه وفعله وقضاؤه وقدره خير كله».

وقال السعدي[3]: «وأما الشر فإنه لا يُضاف إلى الله تعالى، لا وصفًا ولا اسمًا ولا فعلًا ولكنه يدخل في مفعولاته، ويندرج في قضائه، فالخير والشر كله داخل في القضاء والقدر، فلا يقع في ملكه إلا ما شاءه، ولكن الشر لا يُضاف إلى الله».

11- الإرشاد والتنبيه إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذه الأمة بما خصها به من بعثة رسولها محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل إلى جميع الثقلين، وجعل كتابه مهيمنًا على جميع الكتب السماوية، وبلغ ملك أمته مشارق الأرض ومغاربها، وأظهر دينه على الأديان كلها. وفي هذا رد على المعترضين بقوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ [الزخرف: 31]؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ﴾ [الأنعام: 124]، وقال تعالى: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [الزخرف: 32].

12- عموم قدرة الله تعالى لكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.

13- الاستغناء بالثناء عن الدعاء؛ لأن الثناء مما يتوسل به إلى الله تعالى، فهذا الثناء والتعظيم متضمن طلب العزة والخير من الله وحده؛ لأنه أهل ذلك والقادر عليه.

وكما قيل:
إذا أثنى عليك المرء يومًا
كَفَاهُ من تعرضه الثناء[4]



14- حكمة الله تعالى البالغة، وقدرته التامة، ورحمته وعنايته بخلقه في إيلاج الليل في النهار، وجعل ذلك بتدرج، وما يترتب على ذلك من اختلاف فصول السنة من حر إلى برد إلى اعتدال، وما في ذلك من المنافع والمصالح العظيمة للإنسان والحيوان والنبات وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ﴾.

15- قدرة الله تعالى العظيمة، وحكمته البالغة في إخراج الحيّ من الميت، وإخراج الميت من الحيّ، حسيًّا كان ذلك أو معنويًّا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ﴾.

16- إخراج الحي من الميت أعظم في القدرة، وأظهر في الحكمة، وأجلّ في النعمة؛ لهذا قُدِّم- والله أعلم- على إخراج الميت من الحيّ.

17- ينبغي طلب الهداية من الله تعالى وحده، لأنه وحده القادر على التوفيق للهداية والحياة المعنوية بالإيمان.

18- بلاغة القرآن وبديع نظمه، ففي قوله تعالى: ﴿ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ جناس، وفي قوله: ﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾ طِباق، وكذا في قوله: ﴿ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ﴾.

19- أن الله تعالى يَرزُق ويُعطي من يشاء، والأرزاق والخزائن كلها بيده؛ لقوله تعالى: ﴿ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ ﴾.

20- أن الله - عز وجل - لا حدَّ لرزقه وعطائه، بل يرزق من يشاء بغير حساب؛ لقوله تعالى: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾.

21- ينبغي طلب الرزق من الله تعالى وحده؛ لأن الأرزاق بيده مع بذل الأسباب المادية.

[1] أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (771)، وأبو داود في الصلاة (760)، والنسائي في الافتتاح (897)، والترمذي في الدعوات (3422)، من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه .

[2] انظر: «بدائع التفسير» (1/495).

[3] في «تيسير الكريم الرحمن» (1/370).

[4] البيت لأمية بن أبي الصلت؛ انظر: «ديوانه» (ص17).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 09-01-2025, 02:30 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,954
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



تفسير قوله تعالى:﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ.... ﴾



قوله تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 28، 29].

قوله تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾.

بيَّن الله - عز وجل - في الآيات السابقة في السورة قبل هذه الآيات عداوة المشركين للإسلام وأهله، وحسد اليهود لهم وتوليهم عن الإسلام، ثم أتبع ذلك بنهي المؤمنين عن موالاتهم كنتيجة لذلك.

قوله: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ «لا» ناهية، و«يتخذ» مجزوم بها، وكسر لالتقاء الساكنين، و﴿ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ فاعل، و﴿ الْكَافِرِينَ ﴾ مفعول أول لـ﴿ يَتَّخِذ ﴾ و﴿ أَوْلِيَاءَ ﴾ مفعول ثان.

والمعنى: لا يجعل المؤمنون الكافرين أولياء لهم، يوالونهم ويناصرونهم ويوادونهم.

﴿ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾؛ أي: من سوى المؤمنين، أي: لا يوالون الكافرين، ويتركون ولاية المؤمنين، ولا يوالون الكافرين مع المؤمنين، بل يجب عليهم موالاة المؤمنين، وترك موالاة الكافرين.

وأيضًا: لا يجعلون للكافرين ولاية عليهم، وينتصرون بهم، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [آل عمران: 118]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾ [هود: 113]، وقال تعالى: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 141].

والنهي للتحريم، فلا يجوز للمؤمنين موالاة الكافرين، ولا مناصرتهم، ولا الانتصار بهم، بل يجب عليهم معاداتهم، والبراءة منهم، كما قال تعالى في سورة النساء: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 144]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [المائدة: 51]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 57]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [التوبة: 23]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ [الممتحنة: 1].

وقال تعالى: ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [النساء: 89].

وقال هنا: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ بأسلوب الغيبة، والإظهار مقام الإضمار، ولم يقل: «لا تتخذوا» كما في آية آل عمران، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ﴾ [آل عمران: 118]، وكما في آية النساء، وآيتي المائدة، وآية التوبة وآية الممتحنة؛ لأنه سبق نداء المؤمنين في هذه الآيات الخمس بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ثم جاء خطابهم بالنهي بقوله: ﴿ لَا تَتَّخِذُوا ﴾.

كما سبق خطاب المؤمنين بقوله في سورة النساء: ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ﴾، ثم خاطبهم بقوله: ﴿ فَلَا تَتَّخِذُوا ﴾.

أما قوله: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ فلم يسبقه نداء للمؤمنين، ولا خطاب لهم، ولهذا جاء بأسلوب الغيبة، وجاء بالإظهار للدلالة على أن إيمان المؤمنين يمنعهم من موالاة الكافرين.

وقوله: ﴿ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ دليل على أن الموالاة إنما تكون بين المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ ﴾ [التوبة: 71].

﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ الإشارة لمصدر الفعل «يتخذ» أي: للمفهوم من النهي السابق، وهو اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أي: ومن يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين.

﴿ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾؛ أي: فقد برئ من الله، والله بريء منه، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [المائدة: 51]، وقال تعالى: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [المجادلة: 22].

﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ قرأ يعقوب «تَقِيَّة» بفتح التاء، وكسر القاف، وتشديد الياء مفتوحة بعدها، وقرأ الباقون بضم التاء، وألف بعد القاف ﴿ تُقَاةً ﴾.

والاستثناء منقطع؛ لأن التقية منهم ليست بموالاة لهم. وفي الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب.

أي: لكن أن تتقوا منهم تقاة بمداراتهم عند الضرورة في الظاهر واللسان، لاتقاء شرهم- دون الباطن والجنان، وهذا أشبه بحال المكره، وقد قال الله - عز وجل -: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النحل: 106].

قال ابن القيم[1]: «معلوم أن التقاة ليست بموالاة، ولكن لما نهاهم عن موالاة الكفار، اقتضى ذلك معاداتهم، والبراءة منهم، ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال، إلا إذا خافوا من شرهم، فأباح لهم التقية، وليست التقية موالاة لهم».

وقال ابن كثير[2]: «إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره، لا بباطنه ونيته، كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: «إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم»[3].

﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ الواو: عاطفة، و«يحذر» ينصب مفعولين؛ الأول: ضمير الخطاب الكاف، والثاني: قوله: «نفسه».

والمعنى: ويخوفكم الله نفسه وعقابه، إذا ارتكبتم نهيه فواليتم الكافرين.

وفي ربط التحذير بنفسه - عز وجل - تعظيم للتهديد؛ لأنه العظيم، القادر على كل شيء، الذي لا يقدر أحد على منع عذابه أو رفعه.
﴿ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾ هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها، وقدم الخبر، وهو قوله: ﴿ وَإِلَى اللَّهِ ﴾ لأجل الحصر، أي: وإلى الله- عز وجل وحده، لا إلى غيره ﴿ الْمَصِيرُ ﴾.

وأظهر في مقام الإضمار، فلم يقل: «وإليه المصير»؛ لتربية المهابة في النفوس، أي: وإلى الله- عز وجل وحده المرجع والمآب، وعليه الحساب.

كما قال تعالى: ﴿ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾ [الشورى: 53]، وقال تعالى: ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ [البقرة: 210]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ [الغاشية: 25، 26]، وقال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 281]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ [الفجر: 14].

قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.

نهى الله - عز وجل - المؤمنين في الآية السابقة عن موالاة الكافرين، وحذَّرهم عذابه ونقمته، ثم أكد ذلك بالتنبيه على علمه - عز وجل - بما يخفونه في صدورهم أو يبدونه من موالاة الكافرين وغير ذلك، وعلمه ما في السماوات والأرض وقدرته التامة على كل شيء.

قوله: ﴿ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ ﴾ الخطاب والأمر في الآية للرسول صلى الله عليه وسلم.

وكثيرًا ما يأتي الخطاب له صلى الله عليه وسلم مصدرًا بقوله تعالى: ﴿ قُلْ ﴾ وهو أمر بالتبليغ الخاص لهذا القول، يدل على مزيد العناية والاهتمام به والتوكيد له، وإلا فهو صلى الله عليه وسلم مأمور بأن يقول القرآن كله ويبلغه للناس.

﴿ إِنْ تُخْفُوا ﴾ أي: إن تسروا وتكتموا، وهو خطاب للمؤمنين وغيرهم.

﴿ مَا فِي صُدُورِكُمْ ﴾ «ما» اسم موصول بمعنى «الذي» يعم أي شيء أخفوه من عداوة أو موالاة أو خير أو شر، أو غير ذلك. أي: الذي في قلوبكم أيًّا كان، ويعبر بـ«الصدور»؛ لأن القلوب فيها، كما قال تعالى: ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46]، ولهذا يقال للقلوب: «ذات الصدور».

﴿ أَوْ تُبْدُوهُ ﴾؛ أي: أو تظهروه وتعلنوه، والضمير «الهاء» يعود إلى «ما» الموصولة.

يَعْلَمْهُ اللَّهُ }: جواب الشرط في قوله: ﴿ إِنْ تُخْفُوا ﴾.

والضمير في قوله: ﴿ يَعْلَمْهُ ﴾ يعود إلى المفهوم من الفعلين في قوله: إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ }؛ أي: يعلم ما أخفيتموه وما أبديتموه؛ لأنه - عز وجل - يعلم السر وأخفى، والسر والعلانية عنده سواء، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ [طه: 7]، وقال تعالى: ﴿ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴾ [الرعد: 10]، وقال تعالى: ﴿ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [الملك: 13].

﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ الواو: استئنافية، و«ما»: في الموضعين اسم موصول يفيد العموم، وكررت لتأكيد عموم علمه عز وجل.

والمعنى: وهو يعلم أزلًا وأبدًا جميع الذي في السموات، وجميع الذي في الأرض من المخلوقات والكائنات، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ [آل عمران: 5]، وقال تعالى: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ [إبراهيم: 38]، وقال تعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام: 59].

وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } قدم المتعلِّق وهو قوله: ﴿ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ على المتعلَّق به وهو ﴿ قَدِيرٌ ﴾؛ لتأكيد عموم وكمال وتمام قدرته - عز وجل - أي: أن قدرته - عز وجل - نافذة في كل شيء، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، كما قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾ [فاطر: 44].

وقال - عز وجل - في الحديث القدسي: «إني على ما أشاء قادر»[4].

[1] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 497).

[2] في «تفسيره» (2/ 24).

[3] نكشر: أي نضحك في وجوههم ونباسطهم من الكشر، وهو ظهور الأسنان للضحك.

[4] أخرجه مسلم في الإيمان- آخر أهل النار خروجًا (187)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 09-01-2025, 02:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,954
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

فوائد وأحكام من قوله تعالى:﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ.... ﴾


قوله تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 28، 29].

1- تحريم اتخاذ الكافرين أولياء ومناصرتهم، والانتصار بهم، ووجوب معاداتهم؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ [الممتحنة: 1].

فلا تجوز موالاة الكافرين ومناصرتهم على أحد من المؤمنين بحال من الأحوال، ولا تجوز مناصرتهم على أحد من الكافرين، إلا إذا كان في مناصرتهم على الكافرين مثلهم مصلحة ظاهرة للمسلمين، كأن يناصر المسلمون الكفار على كفار يخشى المسلمون منهم، فتكون مناصرتهم، لا لمصلحة الكفار، ولكن لمصلحة المسلمين أنفسهم، ولهذا فرح المؤمنون بنصر الروم على الفرس؛ لشدة عداوة الفرس للمسلمين وتربصهم بهم، وتمزيق مَلِكهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه إليه، بخلاف ملك الروم[1].

قال تعالى: ﴿ الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ [الروم: 1 - 5].

كما لا يجوز الانتصار بالكافرين والاستعانة بهم على غيرهم من الكافرين، وهذا ما يدل عليه ظاهر الآية، وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لكافر تبعه يوم أحد: «ارجع فلن استعين بمشرك»[2].

لكن إن احتاج المسلمون إلى الانتصار بهم، وكان في ذلك مصلحة ظاهرة للمسلمين فقد أجاز ذلك بعض أهل العلم بشرط أن يكون ذلك عند الضرورة، وبقدر الحاجة، ودفع الضرر عن المسلمين، من غير مداهنة للكافرين على حساب الدين والأخلاق، ولا مذلة على المؤمنين.

وقد استدلوا على هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم استعار يوم خيبر أدرعًا من صفوان بن أمية، وكان يومئذٍ مشركًا، فقال: «أغصبًا يا محمد؟» فقال: «بل عارية مضمونة»[3].

وقد شهد صفوان حنينًا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يسلم بعد[4].

وحالف صلى الله عليه وسلم خزاعة[5].

1- أن الإيمان الحقيقي يمنع من اتخاذ الكافرين أولياء، ويوجب عداوتهم؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ ﴾، فعلق الحكم بالمؤمنين، وبوصف الإيمان، فمن والى الكافرين فإيمانه ناقص، ويخشى عليه ما هو أعظم من ذلك.

2- وجوب الموالاة بين المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71].

3- براءة الله - عز وجل - ممن اتخذ الكافرين أولياء، لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ ومن برئ الله منه تولاه الشيطان.

4- أن اتخاذ الكافرين أولياء من كبائر الذنوب؛ لأن الله رتب عليه براءته من فاعله، وما رُتب عليه براءة الله، أو براءة رسوله من فاعله فهو من الكبائر.

5- لا يجوز أن يكون لأحد من الكفار ولاية على أحد من المسلمين، كما قال تعالى: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 141].

6- في براءة الله - عز وجل - ممن يوالي الكافرين من دون المؤمنين إثبات ولايته عز وجل للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [البقرة: 257]، وقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 68].

7- تقدير الدين الإسلامي لكل حال ولكل ظرف قدره، ورفع الحرج عن الأمة في اتخاذ التقاة من الكفار ومداراتهم عند الضرورة؛ لاتقاء شرهم؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾.

8- تحريم الركون إلى الكفار ومداهنتهم على حساب ديننا؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾؛ أي: لاتقاء شرهم، دون الرضا بما هم عليه؛ ولهذا قال بعده: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾.

9- التحذير من نقمة الله وعقابه، وأليم عذابه، لمن اتخذ الكافرين أولياء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ وفي هذا من الوعيد ما لا يخفى.

10- جواز إضافة لفظ «نفس» إليه - عز وجل - لقوله تعالى: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾.

11- أن مصير جميع الأمور والأحكام والخلائق إلى الله - عز وجل - وحده، لا إلى غيره في الدنيا والآخرة، وسيحاسب العباد على أعمالهم، ويجازيهم عليها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾ وفي هذا وعيد لمن خالف أمر الله، ووعد لمن أطاع الله.

12- أن القرآن الكريم كلام الله - عز وجل - أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يتقوَّله صلى الله عليه وسلم من عند نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ قلْ ﴾ وفي هذا رد على من زعموا أنه اختلقه وافتراه؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الطور: 33]، وقال تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ﴾ [يونس: 38].

13- الأمر بإبلاغ الناس بعلم الله - عز وجل - بما يخفون في صدورهم، وبما يبدون؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾، وذلك ليحاسب المرء نفسه على ما يخفي وما يعلن، قبل محاسبته على ذلك.

14- إحاطة علم الله - عز وجل - بما يخفي الناس في صدورهم وبما يبدونه؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾، ومقتضى علمه - عز وجل - محاسبتهم على ذلك، كما قال تعالى: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 284].

15- التحذير من أن يخفي الإنسان في نفسه ما لا يرضي الله - عز وجل - من موالاة الكافرين، أو غير ذلك.

16- إثبات الاختيار للإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ ﴾، وفي هذا رد على الجبرية.

17- كما أن في الآية وعيدًا وتحذيرًا ظاهرًا لمن أخفى الشر أو أبداه، ففيها في المقابل وعد لمن عمل الخير أو نواه.

18- سعة علم الله - عز وجل - وإحاطته بما في السموات وما في الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾.

19- عموم قدرة الله - عز وجل - وتمامها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

[1] أخرج قصة تمزيق كسرى لكتابه صلى الله عليه وسلم، أحمد (3/ 441-442)، من حديث التنوخي رسول هرقل.
وأخرج قصة ملك الروم «هرقل» وإكرامه لمن وفد عليه من الصحابة- أخرجه من حديث ابن عباس عن أبي سفيان رضي الله عنهما البخاري في بدء الوحي (7)، ومسلم في الجهاد والسير (1773).

[2] أخرجه مسلم في الجهاد والسير (1817)، وأبو داود في الجهاد (2732)، والترمذي في السير (1558)، وابن ماجه في الجهاد (2832)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

[3] أخرجه أبوداود في البيوع، تضمين العارية (3562)، وأحمد (3/ 401)، من حديث صفوان بن أمية رضي الله عنه.

[4] انظر: «فتح الباري» (6/ 179).

[5] أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (13/ 340) حديث (5996)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وله شاهد من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أخرجه البخاري في الشروط (2731، 2732). وانظر: «السيرة النبوية» (3/ 321-326)، «فتح الباري» (5/ 337-338).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 21-01-2025, 08:47 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,954
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ... ﴾


قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: 33 - 37].


قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾.

قوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ ﴾: «إنَّ»: حرف توكيد ونصب، ﴿ اصْطَفَى ﴾:
الاصطفاء الاختيار والاجتباء، وصفوة الشيء خياره وأفضله، واصطفى الشيء أخذ صفوته.

أي: إن الله اجتبى آدم عليه السلام واختارة نبيًّا وفضَّلهُ، فخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وعلمه أسماء كل شيء، وأسجَد له ملائكته، وأسكَنه الجنة، ثم أهبَطه منها ليعود إليها أفضل مما كان عليه قبل ذلك، وأوحى إليه بشرع تَعَبَّد الله تعالى به، وبقي الناس عليه مدة لم يحصل بينهم اختلاف، فلما اختلفوا بعث الله النبيين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [البقرة: 113]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [يونس: 19].

﴿ ونوحًا ﴾؛أي: واصطفى نوحًا عليه السلام، واختاره نبيًّا رسولًا؛ كما قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴾ [النساء: 63]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [نوح: 1].

وجعله أول رسول إلى أهل الأرض بعد أن أشرك الناس وعبدوا مع الله غيره؛ كما جاء في حديث الشفاعة أن آدم عندما يعتذر عن الشفاعة يقول: «ائتوا نوحًا، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض»[1].

ونجَّاه ومن اتَّبعه في السفينة، وأغرق من عصاه، وجعل النبيين بعده من ذريته؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد: 26].

وذكر الله - عز وجل - نوحًا بعد آدم؛ لأنه النبي الثاني، والأب الثاني للبشرية بعد آدم؛ لأن البشر كلهم بعده يرجعون إلى أبنائه الثلاثة: (سام، وحام، ويافث)؛ كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ﴾ [الصافات: 77].

﴿ وَآلَ إِبْرَاهِيمَ ﴾؛ أي: واصطفى (آل إبراهيم) واختارهم واجتباهم وفضَّلهم، (وآل إبراهيم) هم: ذريته وعشيرته وقرابته، فاختار إبراهيم نبيًّا رسولًا، واتخذه خليلًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النساء: 125].

وجعل النبوة بعده في عقبه وذريته، ونصَّ على آله - والله أعلم - مع أنه يدخل فيهم من باب الأولى لكثرة الرسل فيهم، ولأن فيهم أفضل الرسل وسيدهم وخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [العنكبوت: 27]، وقال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 84 - 86].

﴿ وَآلَ عِمْرَانَ ﴾؛ أي: واصطفى (آل عمران) واختارهم، و(عمران): هو والد مريم أم عيسى عليهما السلام؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴾ [التحريم: 12]، ويدل على هذا قوله بعده: ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [آل عمران:35].

و(آل عمران): هم أهل بيته امرأته التي أثنى الله تعالى عليها بقوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [آل عمران:35].

و«مريم» ابنتها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 42].

وعيسى ابن مريم؛ كما قال تعالى: ﴿ آتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ [البقرة: 253].

فهم مصطفى من مصطفى، من مصطفى من مصطفى.

فاصطفى الله آدم، واصطفى من ذريته نوحًا، واصطفى من ذرية نوح آل إبراهيم، واصطفى من آل إبراهيم آل عمران.

﴿ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾: «العالمين» جمع «عالَم» بفتح اللام، وهو كل من سوى الله تعالى.

والمعنى: اصطفينا هؤلاء المذكورين، واخترناهم، وفضَّلنا كلًّا منهم على عالم زمانه، ومنهم من اصطُفِيَ وفُضِّلَ على جميع الخلق، فالرسلُ والأنبياء أفضل الخلق كلهم، وأفضلهم أولوا العزم من الرسل، وأفضل أُولي العزم محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم نوح وعيسى على اختلاف بين أهل العلم أيهما أفضل.

ويدخل في اصطفاء وتفضيل المذكورين من تبعهم من المؤمنين والصالحين؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما «قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، قال: «هم المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد؛ يقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 68]، وهم المؤمنون»[2].

قوله تعالى: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران:34].

قوله: ﴿ ذُرِّيَّةً ﴾: منصوب بدلًا من ﴿ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ، أو حال من آل إبراهيم وآل عمران.

و﴿ ذُرِّيَّةً ﴾: مأخوذ من (ذرأ) بمعنى: خلق؛ كما قال تعالى: ﴿ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، أي: يخلقكم فيه، والمعنى على هذا أن هؤلاء الأصناف الأربعة (ذرية)؛ أي نسلًا.

﴿ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ﴾: فكلهم أولاد آدم، ومتوالد بعضهم من بعض، وبعضهم من بعض في جنس الخلقة، وفي الدين، والأخلاق والآداب، وفي التسلسل في الاصطفاء، وعلى هذا تكون الذرية شاملة للأصول والفروع.

ويُحتمل أن ﴿ ذرية ﴾ مأخوذ من (وذر) بمعنى: ترك، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إنك إن تذر ورثتك أغنياءَ خيرًا من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»[3].

وعلى هذا يكون المراد بالذرية: الفروع، أي: الأولاد الذين خلفهم وتركهم الإنسان بعده.

﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ ﴾؛ أي: ذو سمعٍ واسع يسع جميع الأصوات والأقوال ويجيب الدعوات.

﴿ عَلِيمٌ ﴾؛ أي: ذو علمٍ واسع يسع كلَّ شيء، يَصطفي ويُفضِّل مَنْ هو أهل لذلك بعلمه وحكمته؛ كما قال تعالى: ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ [الأنعام: 124] وقال تعالى ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ * وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء:90، 91].

فاصطفاؤه لمن اصطفاه من عباده عن سمعٍ منه - عز وجل - لأقوالهم، وعِلم منه بضمائرهم وأفعالهم، وأحوالهم.

قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾.

تقرير لاصطفاء الله - عز وجل - آل عمران، وبيان له.

وقد فصَّل عز وجل في هذه الآية وما بعدها قصة أم عمران وزكريا ومريم وعيسى؛ لأن أول هذه السورة نزل في وفد نجران، وهم من النصارى الذين جاؤوا لمحاجة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليعلموا أنه صلى الله عليه وسلم أعلم منهم بما جرى لأسلافهم.

قوله ﴿ إِذْ قَالَتِ ﴾«إذ»: طرف متعلق بمحذوف تقديره: اذكر.

﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ ﴾: أي: حين قالت امرأة عمران - وقد مات زوجها عمران وهي حبلى، وهي أم مريم، أي: جدة عيسى ابن مريم عليهما السلام.

﴿ رَبِّ ﴾؛ أي: (يا رب) حُذِفت منه ياء النداء اختصارًا؛ لكثرة الاستعمال، وحُذِفَ منه ضمير المتكلم الياء؛ تخفيفيًا، وأصله: (يا ربي).

﴿ إِنِّي نَذَرْتُ ﴾ (النذر): أن يُلزِم المرء نفسه بشيءٍ لله لم يكن واجبًا عليه في الأصل.

﴿ مَا فِي بَطْنِي ﴾ «ما»: موصولة، أي: الذي في بطني من الحمل، ذكرًا كان أو أنثى، واحدًا أو أكثر.

﴿ مُحَرَّرًا ﴾؛ أي: مخلصًا لعبادتك، وخدمة بيتك المقدس.

والمعنى: إني التزمت أن يكون الذي في بطني محررًا من خدمتي، مخلصًا لعبادتك، وخدمة بيتك المقدس، وكان من عادتهم أن يفعلوا ذلك تعظيمًا لبيت المقدس.

﴿ فَتَقَبَّلْ مِنِّي ﴾: (التقبُّل): أخذ الشيء على وجه الرضا؛ أي: فتقبل مني هذا النذر وهذا العمل بجعله خالصًا لوجهك وفق شرعك، وأثِبْنِي عليه.

﴿ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾: هذه الجملة استئنافية للتعليل؛ أي: لأنك أنت السميع العليم.

و﴿ السَّمِيعُ ﴾: اسم من أسماء الله تعالى، يدل على أنه ذو السمع الذي وسع جميع الأصوات والأقوال، يسمع الدعاء سمع إدراك، وسمع إجابة، كما في قول المصلي: «سمع الله لمن حمده»، أي: استجاب.

﴿ الْعَلِيمُ ﴾: اسم من أسماء الله تعالى، يدل على أنه ذو العلم الواسع الذي وسع كل شيء، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [طه: 98].

والمعنى: لأنك أنت السميع للدعاء، المستجيب له، العليم بنيتي وبالحال وبالأصلح وبكل شيء، وقد أكدت هذا بــ «إنَّ» وبضمير الفصل «أنت».

قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾.

قوله: ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا ﴾؛ أي: فلما ولدتها، وأنَّث الضمير مراعاة لمعنى «ما» في قولها: ﴿ ما في بطني ﴾؛ لأنها وضعت أنثى.

﴿ قالت ربِّ ﴾؛ أي: يا رب.

﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ﴾ «أنثى» حال؛ أي: إني ولدتها حال كونها أنثى، وقيل: بدل من «ها» بدل كل من كل؛ أي: إني وضعت أنثى.

وكأنها بهذا تعتذر أو تتحسر؛ لأنها كانت ترجو أن يكون ما في بطنها ذكرًا، وإنما قالت هذا؛ لأنها جهلت قدر هذه المولودة، وما سيكون لها من شأن عظيم.

﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾: الجملة اعتراضية بين قولها: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ﴾ وقوله: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾.

قرأ ابن عامر ويعقوب وأبو بكر عن عاصم: «وضعْتُ» بإسكان العين وضم التاء، فيكون هذا من كلام امرأة عمران، احتراسًا منها؛ أي: ولست أُخبِر الله بما وضعت، فهو أعلم بذلك.

وقرأ الباقون: ﴿ وَضَعَتْ ﴾ بفتح العين وإسكان الياء، فيكون هذا من كلام الله تعالى.

وفي هذا الاعتراض مع بيان علمه - عز وجل - بما وضعت فائدتان:
الأولى: دفع ما قد يتوهم من أنها قصدت إعلام الله تعالى بقولها: ﴿ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى، وهي لم تقصد ذلك قطعًا؛ لعلمها أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

والثانية: الإشارة إلى أنه سيكون لها شأن عظيم، مما لم تعلمه أمها ولا غيرها.

وقوله ﴿ أَعْلَمُ ﴾: اسم تفضيل؛ أي: إنه - عز وجل - أعلم منها ومن كل أحد بما وضعت.

﴿ بِمَا وَضَعَتْ ﴾ «ما»: موصولة، والعائد ضمير في محل نصب مفعول به؛ أي: بالذي وضعته في كونه أنثى، وفيما سيكون لهذه الأنثى من شأنٍ عظيم، خير من مطلق الذكر.

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾: هذا وما بعده من تتمة كلام امرأة عمران.

وقيل: يُحتمل أن قوله: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾ من كلام الله – قُصد به التماس العذر لها في التحسُّر والتحزُّن ببيان فضل الذكر على الأنثى؛ ولهذا جُبِلت النفوس على الرغبة فيه.

والظاهر أن قوله: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾ كالذي بعده من كلام امرأة عمران على القراءتين معًا، وهو أظهر على قراءة من قرأ: (والله أعلم بما وضَعْتُ) بضم التاء، ويدل عليه قوله: ﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾.

كما يدل عليه السياق السابق.

والمعنى: فإن امرأة عمران كانت تأمل أن يكون ما في بطنها ذكرًا فتجعله مخلصًا لعبادة لله تعالى وخدمة بيت المقدس، فلما كان أنثى قالت هذه المقالة: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾ اعتذارًا منها وتحسُّرًا وانكسارًا؛ أي: وليس الذكر في الخدمة لبيت المقدس والعبادة فيه كالأنثى، بل هو أقوى وأقدر، وخدمته أتم وأكمل وأدوم، بخلاف الأنثى؛ فهي أضعف، وخدمتها أقل لخروجها من المسجد اضطرارًا حال الحيض والنفاس.

وحقًّا، فالذكر ليس كالأنثى، والأنثى ليست كالذكر، فلا مساواة بينهما، فلكل منهما ميزاته وخصائصه وقدراته العقلية والبدنية وغير ذلك، فالذكر من حيث العموم أكمل عقلًا، وأقوى بدنًا، وأقدر على تحمُّل المشاق، كما أن الرجل من حيث العموم أفضل من المرأة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 228].

وهذا لا يمنع أن يكون من النساء من هي خير من كثير من الرجال في كمال عقلها، وقوة بدنها، وتحمُّلها، ويكفي النساء فخرًا أن منهن فاطمة سيدة نساء العالمين، ومنهن أمهات المؤمنين - رضي الله عنهن - خديجة، وعائشة، وحفصة، وبقية أمهات المؤمنين، ومنهن مريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون.. وغيرهن كثيرٌ.

وقدَّم «الذكر» في قوله: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾؛ لأنه هو المأمول، فهو أسبق إلى لفظ المتكلم، ولم يقُل: (وليس الأنثى كالذكر)؛ لدفع ما يشعر بنقص الأنثى مع أن المؤدى واحد، كما في قوله تعالى: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ [النساء: 11]، دون أن يقول: «للأنثى نصف ميراث الرجل»؛ لئلا يشعر ذلك بنقص ميراث الأنثى مع أن المؤدى واحد؛ وفي هذا ما لا يخفى من مراعاة الشعور وحسن التعبير.

و( أل ) في الذكر والأنثى للجنس، وقيل: للعهد؛ أي: ليس الذكر الذي طلَبَتْ، كالأنثى التي وُهِبَتْ لها.

قال السعدي[4] في كلامه على قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْوَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾: «كأن في هذا الكلام نوع تضرُّع منها، وانكسار نفس؛ حيث كان نذرها بناء على أنه يكون ذكرًا، يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها، وتقبَّل نذرها وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر».

﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾: هذا وما بعده من تتمة كلام امرأة عمران؛ أي: وإني اخترت لها اسم (مريم)، والاسم مأخوذ من السمو، وهو العلو؛ لأن صاحبه يسمو ويرتفع به، ومن السمة، وهي العلامة؛ لأن الاسم علامة على صاحبه يتميز بها.

﴿ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾؛ أي: وإني أُجيرها بك يا رب.

﴿ وَذُرِّيَّتَهَا ﴾؛ أي: وأُجير ذريتها بك، ولم يكن لمريم ذرية إلا ابنها عيسى عليه السلام.

﴿ مِنَ الشَّيْطَانِ ﴾؛ أي: من إبليس وذريته وجنوده وأعوانه من شياطين الجن والإنس.. وغيرهم.

و﴿ الشَّيْطَانِ ﴾ مشتق من «شطن» بمعنى «بعد»؛ لأنه بَعُدَ عن رحمة الله تعالى، وعن الجنة، وعن كل خير.

وهو في الشرع: كل متمرد، عاتٍ، خارج عن طاعة الله تعالى من الإنس والجن والحيوان، كما قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ [الأنعام: 112]، وفي الحديث: «الكلب الأسود شيطان»[5].

وقد استجاب الله دعاء امرأة عمران، فأعاذ مريم وذريتها من الشيطان الرجيم، فلم يجعل له عليهما سبيلًا؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان حين يولَد، فيستهل صارخًا من مسه إيَّاه إلا مريم وابنها»، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ[6].

﴿ الرَّجِيمِ ﴾؛ أي: المرجوم فهو «فعيل» بمعنى: «مفعول» أي: مرجوم حسًّا، ومعنىً بإهباطه من الجنة، ورميه بالشُّهُب، وطرده عن رحمة الله وعن كل خير.

قوله تعالى: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [آل عمران:37].

قوله ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا ﴾: الفاء: للتعقيب والتفريع؛ وهذا مُؤذِن بسرعة إجابة دعائها، وضمير «الهاء» يعود إلى مريم؛ أي: تقبل تحريرها لخدمة بيت المقدس وعبادة الله - عز وجل - فيه.

قال ابن كثير[7]: «تقبلها من أمها نذيرة».

و(تقبَّل) أبلغ من (قبل)؛ لأن زيادة المبنى تدل غالبًا على زيادة المعنى.

وفي إضافة اسم الرب إلى ضميرها تكريم وتشريف لها بربوبية الله - عز وجل - لها ربوبية خاصة.

﴿ بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾ الباء: للتأكيد، و(قبول): اسم مصدر؛ أي: قبولًا حسنًا، فقبِل من أمها نذرها إيَّاها وآجرها فيها، ويسَّرها لليُسرى، وسهَّل أمرها.

﴿ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾؛ أي: أنشأها إنشاءً صالحًا، جسديًا وعقليًا وروحيًا فَنَمَّى جسمها، وأتم عقلها، وأكمل خُلُقها وأخلاقها دينًا وعفة وأدبًا وقنوتًا وطاعة لله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴾ [التحريم: 12]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 91].

وفي الحديث: «كملَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»[8].

﴿ وَكَفَّلَهَا ﴾: قرأ حمزة والكسائي وعاصم: ﴿ وَكَفَّلَهَا ﴾ بتشديد الفاء، فيكون «زكريا» على هذا مفعولًا ثانيًا لــ«كفل» ومفعولها الأول (الهاء)؛ أي: كفَّل الله مريم زكريا؛ أي: جعل الله زكريا كافلًا لها.

وقرأ الباقون «فكفلها» بالتخفيف، فيكون «زكريا» على هذا فاعل؛ أي: صار زكريا كافلًا لها، أي: تولى كفالتها، وزكريا زوج خالتها، ويُقال: زوج أُختها.

كما قرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف ﴿ زكريَّا ﴾ بالقصر من غير همز في جميع القرآن، وقرأ الباقون بالمد والهمز «زكرياء»، وهما لغتان.

كفلها زكريا بعد أن تنازع في كفالتها جماعة من أحبار بني إسرائيل، واقترعوا في ذلك أيهم يكفلها؛ كما قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ [آل عمران: 44]، فصارت من نصيب زكريا زوج خالتها فكفلها، وكان كل واحد منهم حريصًا على كفالتها لمكانة أبيها عمران.

﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ ﴾: «كلما» تفيد التكرار، وهي مركبة من «كل» التي تفيد العموم، و«ما» الظرفية، والتقدير: كل وقت يدخل عليها زكريا المحراب يجد عندها رزقًا، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 25].

﴿ المحراب ﴾: مكان العبادة والصلاة، وفي هذا دلالة على ملازمتها الصلاة والعبادة.

وفي قصة داود عليه السلام: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ﴾ [ص: 21]؛ أي: مكان تعبُّده.

وقيل: سُمِّيَ مكان العبادة بــ«المحراب»؛ لأن المتعبد كأنه يحارب الشيطان فيه.

ويُحتمل أن المراد بـ(المحراب) هنا محراب بيت المقدس بعد أن دخلت فيه لنذر أمِّها، أو محراب خاص بها في منزلها.

﴿ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ﴾: عطاء من الله تعالى لها بلا كد ولا تعب، تأكل منه، ويقوم به بدنها ويحفظ حياتها.

قال جمع من المفسرين: وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف[9]، كرامة من الله تعالى أكرمها بها، كما أكرمها بقوله: ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴾ [مريم: 25].

ومثل هذا ما وُجِدَ عند خبيب بن عدي الأنصاري - رضي الله عنه - الذي استشهد بمكة على أيدي المشركين حيث وُجِدَ عنده قطف عنب[10].

﴿ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا ﴾؛ أي: من أين لكِ هذا الرزق؟

﴿ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾؛ أي: أن الله هو الذي رزقها إياه، وساقه إليها، وأعطاها إياه.

وهذا يذكرني بقصة عمي عبد الرحمن العبد الله مع محمد المطوع - رحمهما الله - وكان محمد رجلًا كفيفًا مقعدًا بسبب المرض، فكان عمي - رحمه الله - يأتي إلى منزل هذا الرجل ويملأ الثلاجة بالفواكه والخضروات، وكان هذا الرجل لا يعلم من الذي يفعل ذلك، وتمر الأيام ويموت عمي - رحمه الله - وتبدو الثلاجة فارغة لا شيء فيها، فيتفطن ذلك الرجل المقعد ويقول: والله ما علمت أن الذي يفعل ذلك هو عبد الرحمن العبدالله حتى فرغت الثلاجة بعد وفاته، فعلمت أنه الذي كان يفعل ذلك، رحم الله الرجلين معًا، وأسكنهما فسيح جناته، ولا أزكي على الله أحدًا.

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾: الجملة اسئنافية تعليلية، و«من»: موصولة؛ أي: لأن الله يعطي الذي يشاء من خلقه عطاءً دنيويًّا؛ وهذا لا يختص بطائفة دون أخرى، وعطاءً دنيويًّا وأُخرويًّا، وهذا للمؤمنين خاصة.

﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾؛ أي: بلا حصر ولا حدَّ لما يعطيه، وبغير استحقاق، بل تفضلًا منه.

[1] أخرجه البخاري في «الأنبياء»، قول الله تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [نوح: 1]، (3340)، ومسلم في «الإيمان» أول أهل الجنة منزلة فيها (19)، وابن ماجه في «الزهد» (4312)، من حديث أنس رضي الله عنه.

[2] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (5/ 328)، وابن حبان في «تفسيره» (2/ 635).

[3] أخرجه البخاري في الجنائز (1296)، ومسلم في الوصية (1628)، وأبو داود في الوصايا (2864)، والنسائي (3626)، والترمذي في الوصايا (2116)، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

[4] في «تيسير الرحمن الكريم» (1/ 376).

[5] أخرجه مسلم في الصلاة (510)، وأبو داود في الصلاة (702)، والنسائي في القبلة (750)، والترمذي في الصلاة (338)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

[6] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (3431)، ومسلم في الفضائل (2366).

[7] في «تفسيره» (2/ 28).

[8] أخرجه البخاري في «أحاديث الأنبياء» (3411)، ومسلم في «فضائل الصحابة» (2431)، والترمذي في الأطعمة (1834)، وابن ماجه في الأطعمة (3280)، من حديث أبي موسى رضي الله عنه.

[9] انظر: «جامع البيان» (3535).

[10] أخرجه البخاري في الجهاد هل يستأسر الرجل (3045)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 27-01-2025, 02:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,954
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم


تفسير قوله تعالى:﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ... ﴾


قوله تعالى:﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾[آل عمران: 38 - 41].

قوله تعالى: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾.

لما رأى زكريا عليه السلام هذه الحال، والبر واللطف من الله تعالى بمريم عليها السلام، ذكَّره ذلك أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه، فقال: ﴿ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾ [آل عمران: 38].

لِـمَـا رأى من قدرة الله تعالى في جلب رزق مريم مع أنها متفرغة للعبادة، بل في رزقها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف طمع حينئذٍ في الولد، مع أنه قد بلغ من الكبر عتيًّا، وامرأته كبيرة عاقر، فدعا ربه أن يهبه ذريةً طيبةً.

قوله ﴿ هُنَالِكَ س ﴾: «هنا» اسم إشارة إلى المكان، واللام للبعد، والكاف للخطاب، أي: في ذلك المكان وهو محراب مريم.

ويُحتمل أن تكون الإشارة للزمان، أي: في ذلك الزمان، كما في قوله تعالى: ﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾ [الأحزاب: 11].

ويُحتمل أن تكون لهما معًا، أي: في ذلك الزمان والمكان عند رؤية زكريا ما رأى عند مريم من رزق الله.

﴿ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ ﴾؛ أي: نادى زكريا ربه قائلًا: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾.

﴿ رَبِّ هَبْ ﴾؛ أي: يا رب أعطني، و(الهبة) العطية بلا عوض.

﴿ مِنْ لَدُنْكَ ﴾؛ أي: من عندك لا من عند غيرك؛ لأنك أنت الكريم وعطاءك أجزل وأعظم، وكما جاء في الدعاء: «فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني»[1].

﴿ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾؛ أي: طيبة في خلْقها وخُلُقِها، في أبدانها وأخلاقها وأقوالها وأفعالها، والذرية هم الأولاد وأولاد الأبناء وإن نزلوا بمحض الذكور، ولا يدخل معهم أولاد البنات، كما قال الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا
بنوهن أبناء الرجال الأباعد[2]



﴿ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾: جملة استئنافية تعليلية، أي: لأنك سميع الدعاء، أي: تسمع دعاء الداعي وتجيبه، كما قال تعالى: ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: 60]، وقال تعالى: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [النمل: 62].

قوله تعالى: ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾.

قوله ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ ﴾: الفاء: للتفريع والتعقيب، أي: فنادته الملائكة استجابةً

من الله تعالى لدعائه.


قرأ حمزة والكسائي وخلف «فناداه» بألف بعد الدال، وقرأ الباقون ﴿ فَنَادَتْهُ ﴾ بتاء ساكنة بعد الدال، أي: فكلمته وخاطبته الملائكة شفاهةً.

و﴿ الملَائِكَةُ ﴾: عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، ﴿ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6].

﴿ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ ﴾: الجملة في محل نصب على الحال، أي: حال كونه يصلي في المحراب، والصلاة تُطلق ويُراد بها الدعاء؛ كما في قوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 103].

وتُطلق ويُراد بها الصلاة ذات القيام والركوع والسجود، وهي المرادة هنا، بدليل قوله: ﴿ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي و﴿ الْمِحْرَابِ ﴾: مكان العبادة والصلاة والمناجاة والخلوة، ومقتضى قوله: ﴿ هنالك ﴾ والتفريع عليه بقوله: ﴿ فنادته ﴾ أن المحراب محراب مريم.

﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ﴾: قرأ حمزة وابن عامر بكسر الهمزة: «إنَّ»، فالجملة في محل نصب مقول القول؛ لأن النداء قول، ومقول القول إذا صدر بــ«إنَّ» وجب فيه كسر الهمزة.

كما قال ابن مالك[3]:
واكسر في الابتدا وفي بدء صلةْ
وحيثُ «إن» ليمينٍ مكملةْ
أوحُكِيتْ بالقول أوحَلَّتْ محلّ
حال كزرته وإني ذو أملْ

وقرأ الباقون ﴿ أنَّ ﴾ بفتح الهمزة على تقدير حرف جر، أي: بأن الله يبشرك.

﴿ يُبشِّرك ﴾: قرأ حمزة والكسائي: (يَبْشُرُك) بفتح الياء، وسكون الباء، وتخفيف الشين وضمها، وقرأ الباقون: ﴿ يُبشِّرك ﴾ بضم الياء، وفتح الباء، وتشديد الشين وكسرها.

والبشارة: الإخبار بأمر سار، مأخوذة من البشرة؛ لأن الإنسان إذا أُخبِر بما يَسُرُه استنار وجهه، واتسعت بشرته، وفي حديث كعب بن مالك رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرَّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر»[4].

﴿ بِيَحْيَى ﴾: أي بولد لك من صلبك اسمه يحيى، وسمَّاه الله يحيى إشارة إلى أنه سيحيا حياة بدنية، أي: يبقى، وحياة قلبية بالنبوة والإيمان، وهو أول من سُمِّيَ بهذا؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: 7]، وهو ابن خالة عيسى، وهو أكبر من عيسى، وأول من صدَّق به[5]، ولهذا قال: ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾، ﴿ مُصَدِّقًا ﴾: حال من (يحيى)، أي: حال كونه ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾، أي: مصدقًا بعيسى ابن مريم عليه السلام، وعلى سنته ومنهاجه، وأنه كلمة من الله، وكلمته، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ﴾ [النساء: 171]، وقال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾ [آل عمران: 45].

وسُمِّيَ عيسى عليه السلام (كلمة من الله)، و(كلمته)؛ لأنه خُلِقَ بكلمة من الله تعالى، أي بقوله تعالى: ﴿ كنْ ﴾ ولم يكن من أب؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران: 59].

وذلك من باب إطلاق السبب على المسبب.

﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾: «من»: للابتداء، أي: مبدؤها ومنشؤها من الله، تكلم بها، وهي قوله تعالى: ﴿ كنْ ﴾.

﴿ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾: منصوب على الحال عطفًا على ﴿ مُصَدِّقًا ﴾.

﴿ وَسَيِّدًا ﴾: السيد «فيعل» من ساد يسود إذا فاق قومه في محامد الخصال.

والسؤدد عند العرب يعتمد كفاية مهمات القبيلة، والبذل لها، وإتعاب النفس لراحة الناس.

قال الهذلي[6]:
وإن سيادة الأقوام فاعلم
لها صعداء مطلبها طويل
أترجو أن تسود ولن تُعنَّى
وكيف يسود ذو الدعة البخيل

وملاك السؤدد عندهم بذل الندى، وكف الأذى، واحتمال العظائم، وأصالة الرأي، وفصاحة اللسان.

والسيد في الشرع أعم من ذلك، فهو من يفوق غيره في محامد الخصال، والسعي في إصلاح الناس في دنياهم وأخراهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة»[7].

وقال صلى الله عليه وسلم في الحسن: «إن ابني هذا سيد وسيُصلِح الله به بين طائفتين من المسلمين»[8].

والمعنى: أن يحيى عليه السلام قد فاق قومه دينًا وتقىً وورعًا وحكمةً وعلمًا وأدبًا وخُلُقًا وشرفًا وكرمًا.. وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ﴾ [مريم: 12 - 15].

﴿ وَحَصُورًا ﴾ أي: «فعول» بمعنى «فاعل»، أي: حاصرًا نفسه، والحصر بمعنى المنع، أي: حصينًا مانعًا نفسه من الشهوات والمعاصي ومساوئ الأخلاق، فجمع الله له بين كونه «سيدًا» موصوفًا بأكمل الصفات، وبين كونه «حصورًا» سالمًا مبرأ من سيئ الصفات.

وقيل معنى (حصورًا)؛ أي: لا يأتي النساء مع القدرة على ذلك، وقيل: ممنوعًا من إتيان النساء؛ أي: لا يستطيع إتيان النساء؛ وهذا لا يناسب المقام؛ لأن المقام مقام مدح وثناء، وهذا الآخر يُعد نقصًا وعيبًا.

﴿ وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾: وصف الله - عز وجل - يحيى عليه السلام أولًا بكونه مصدقًا بعيسى ابن مريم، ثم بكونه «سيدًا»، ثم بكونه «حصورًا»، ثم وصفه بما هو أفضل وأعظم من ذلك وهو كونه (نبيًّا من الصالحين)، فنفى الله عنه عليه السلام صفات النقص، وأثبت له صفات الكمال، وأعظمها النبوة والصديقية لعيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام.

وقوله: ﴿ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾؛ أي: من جملة الصالحين، بل من الذين بلغوا في الصلاح ذِروته؛ إخلاصًا لله تعالى، ومتابعة لشرعه، فصلحت سرائرهم وعلانيتهم باطنهم وظاهرهم، وفي مقدمتهم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

قوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾.

لما تحقق لزكريا عليه السلام هذه البشارة؛ أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر وامرأته عاقر، ليتثبت ويتأكد من ذلك.

قوله: ﴿ قَالَ رَبِّ ﴾ أي: قال زكريا: (يا رب).

﴿ أَنَّى ﴾: استفهام تعجب، أي: كيف أو من أين يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر؟، أي: والحال أنه قد بلغني الكبر وامرأتي عاقر، كما قال تعالى عنه في سورة مريم: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ﴾ [مريم: 8].

وهذان سببان لعدم وجود الولد، وهذا منه من باب التثبت والتأكد، وليس من باب الاستبعاد والاستنكار أو الشك؛ لأنه قد آمن بما بشره الله به، كما قال إبراهيم: ﴿ وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ [البقرة: 260].

﴿ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ﴾: الجملة حالية، أي: والحال أنه قد بلغني الكبر، أي: قد وصلني الكبر وأصابني وتمكن مني كما وصلت إليه وبلغته ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ﴾ [مريم: 8].

فمن بلغه الكبر، فقد بلغ هو الكبر، ومن بلغ الكبر فقد بلغه الكبر، على نحو قول الشاعر:
فهن المنايا أي وادٍ سلكته
عليها طريقي أو على طريقها[9]



والمعنى: كيف يوجد لي غلام وقد أصابني الكبر بينما لم يولد لي لما كنت شابًّا؟!

والعادة أن الإنجاب والإخصاب إنما يكون غالبًا في سن الشباب بالنسبة للرجال والنساء.

﴿ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ﴾؛ أي: وزوجتي ﴿ عَاقِرٌ ﴾، أي: عقيم لا تحمل. يُقال: رجل عاقر، وامرأة عاقر، لمن لا يولد له.

فكل من زكريا وامرأته في الغالب والعادة لا يولد لمثله؛ فهو كبير السن قد بلغ الغاية في الكبر، وهي عاقر لا يولد لها، ولكن الله جلَّت قدرته إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [النحل: 40].

وفي هذا التعجب من زكريا عليه السلام كناية عن الشكر لله عز وجل.

﴿ قَالَ ﴾ أي: قال الملك، أو قال الله.

﴿ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾: الكاف: للتشبيه، وهي في محل نصب نعت لمصدر محذوف، أي: مثل ذلك الفعل العجيب- وهو حصول الولد بين رجل كبير وامرأة عاقر، وقيل: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك.

والمعنى: أنه سيكون لك غلام ولو بلغك الكبر وامرأتك عاقر؛ لأن الله يفعل ما يشاء، فكما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة غالبًا، فإنه قد يخرق ذلك؛ لأنه الفعال لما يشاء ويريد، الذي تنقاد جميع الأشياء لقدرته فلا يتعاصى على قدرته شيءٍ منها.

قوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾.

﴿ قَالَ ﴾ أي: قال زكريا لما تيقن بأن الله سيهب له الولد.

﴿ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً؛ أي: يا رب صَيِّر لي علامة أعرف بها وقت حصول هذا الحمل؛ قال هذا زكريا عليه السلام لزيادة الطمأنينة فيما بشره الله به؛ كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 260].

﴿ قَالَ آيَتُكَ ﴾؛ أي: قال الله له: ﴿ آيَتُكَ ﴾؛ أي: الآية والعلامة التي أجعلها لك، وأضافها إلى زكريا؛ لأن الله تعالى جعلها علامة له.

﴿ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ﴾: «ألا»: مكونة من «أن» التي هي حرف مصدري ونصب، و«لا»: النافية؛ أي: ألا تستطيع تكليم الناس ثلاثة أيام بلياليها؛ لقوله تعالى في سورة مريم: ﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ﴾ [مريم: 10].

﴿ إِلَّا رَمْزًا ﴾ «إلا»: أداة استثناء، والاستثناء منقطع؛ لأن الرمز ليس من الكلام، أي: لكن ترمز إليهم رمزًا، أي: إشارة وإيماءً باليد أو بالرأس أو بالشفتين، أو الحاجبين أو العينين.. ونحو ذلك، ويجوز كون الاستثناء متصلًا باعتبار المعنى؛ لأن «الرمز» تعبير عما في النفس كالكلام، والمعنى واحد، أي: وآيتك أن لا تستطيع تكليم الناس نطقًا بلسانك ثلاثة أيام بلياليهن إلا إشارة مع أنك سويٌّ صحيح، فمتى تمت الثلاثة أيام كان ذلك علامة على ابتداء الحمل.

﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾: أعظم بهذا من آية يعجز عن تكليم الناس بلسانه، بينما لسانه طلق بذكر الله تعالى، وفي هذا بشارة لزكريا وامتنان عليه، وأمر له بذكر الله وتسبيحه، وفي سورة مريم: ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ﴾ [مريم: 11].

﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا ﴾، أي: واذكر ربك بقلبك ولسانك وجوارحك ذِكرًا كثيرًا، شكرًا لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الأحزاب: 41، 42]، وزمانًا كثيرًا، أي: في جميع الأوقات، وقد كان صلى الله عليه وسلم يذكر الله على جميع أحيانه[10].

﴿ وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾: (التسبيح) تنزيه الله عن النقائص والعيوب؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ﴾ [الفرقان: 58]، وقال تعالى: ﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾ [البقرة: 255]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ﴾ [ق: 38].

وعن مماثلة المخلوقين، كما قال تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى: 11]، وقال تعالى: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: 65]، وقال تعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 4].

ويُطلق على ما هو أعم من ذلك، وهو التعبُّد لله تعالى بأنواع العبادة كلها؛ من الصلاة، والتهليل، والتكبير، والتحميد، وقراءة القرآن.. وغير ذلك.

والتعبُّد لله تعالى هو تسبيح لله تعالى وإن لم يكن بكلمة «سبحان»؛ لأن التعبُّد له يستلزم تعظيمه والإقرار له بالكمال ونفي النقص عنه.

وحيث قُرِنَ التسبيح بالذِّكر قد يُحمل الذِّكر على التعبُّد لله بأنواع العبادة، ويُحمل التسبيح على التنزيه جمعًا بين الإثبات والنفي.

وقد يُحمل التسبيح على ما يعُم ذلك كله، فيكون الأمر به بعد الأمر بالذِّكر أشبه بعطف العام على الخاص، فيشمل التنزيه لله تعالى والتعبُّد له بأنواع العبادة.

﴿ وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾ «العشيّ»: آخر النهار، ما بعد الزوال، وهو: الأصيل والرواح.

وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشيّ»[11]، يعني: صلاة الظهر أو العصر، ويُقال: (العشيّ) ما بعد صلاة العصر.

﴿ وَالْإِبْكَارِ ﴾: «الإبكار» أول النهار إلى الزوال، وهو: الغدو والإشراق.

وقد عظَّم الله تعالى هذين الوقتين، وأمر بالتسبيح والذِّكر والصلاة فيهما، وشرع فيهما أعظم الصلوات صلاة الفجر وصلاة العصر، كما قال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾ [غافر: 55]، وقال تعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ﴾ [مريم: 11]، وقال تعالى: ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الأحزاب: 42]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ﴾ [ص: 18]، وقال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴾ [طه: 130]، وقال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴾ [ق: 39].

بل إن الأمر بالتسبيح والذِّكر في الصلاة فيهما قد يشمل جميع الصلوات الخمس، ويشمل التسبيح والذِّكر في جميع الأوقات، كما قال تعالى عن أهل الجنة: ﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ﴾ [مريم: 62]؛ أي: في جميع الأوقات؛ لأن رزق أهل الجنة لا ينقطع، بل هو على الدوام.

[1] أخرجه البخاري في الأذان، الدعاء قبل السلام (834)، ومسلم في الذكر والدعاء، استحباب خفض الصوت بالذكر (2705)، والنسائي في السهو (1302)، والترمذي في الدعوات (3531)، وابن ماجه في الدعاء (3835)، من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

[2] البيت للفرزدق. انظر: «ديوانه» (ص217).

[3] في «ألفيته» (ص21).

[4] أخرجه البخاري في المناقب (3556)، ومسلم في التوبة (2769)، والترمذي في التفسير (3102)، من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه.

[5] انظر: «جامع البيان» (5/ 372).

[6] انظر: «البيان والتبيين» (1 / 275).

[7] أخرجه مسلم في الفضائل (2278)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[8] أخرجه البخاري في الصلح (2704)، وأبو داود في السنة (2662)، والنسائي في الجمعة (1410)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.

[9] البيت بلا نسبة. انظر: «مجموع الفتاوى» (15/ 215)، و«بدائع الفوائد» (1/ 11)، و«مدارج السالكين» (1/ 15).

[10] أخرجه مسلم في الحيض (373)، وأبو داود في الطهارة (18)، والترمذي في الدعوات (3384)، وابن ماجه في الطهارة (302)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

[11] أخرجه البخاري في الصلاة تشبيك الأصابع في المسجد (482)، ومسلم في المساجد، في الصلاة والسجود له (573)، وأبو داود في الصلاة (1008)، والنسائي في السهو (1224)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1214)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 03-02-2025, 07:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,954
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم





فوائد وأحكام من قوله تعالى:﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ...ِ ﴾


قوله تعالى: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾ [آل عمران: 38 - 41].

1- دعاء زكريا ربه بأن يهبه من لدنه ذرية طيبة، وتوسله إليه بربوبيته له؛ لقوله تعالى: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾.

كما قال تعالى عنه في سورة (الأنبياء) أنه قال: ﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾ [الأنبياء: 89].

وقال عنه في سورة (مريم): ﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ [مريم: 5، 6].

2- في إضافة الهبة إلى الله في قوله: ﴿ مِنْ لَدُنْكَ ﴾ إشارة إلى كرم الله - عز وجل - وعظيم هِباته، وإلى الاستغناء به - عز وجل - عن خلقه.

3- حاجة الخلق كلهم وافتقارهم إلى الله تعالى حتى الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾ الآية.

4- أن من أعظم ما ينبغي أن يسأل المسلم ربه من أمور الدنيا الذرية الصالحة، والصالحة فقط، وما عدا الذرية الصالحة فلا غبطة فيهم، بل هم عبء وثِقَل وشر على والديهم وعلى الأمة، فعلى من طلب الذرية مراعاة هذا المعنى.

5- الدعاء بصلاح الأولاد؛ لقوله تعالى: ﴿ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ؤ، كما جاء في سورة «الأحقاف»: ﴿ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ﴾ [الأحقاف: 15].

6- إثبات السمع لله - عز وجل - وكرمه وقدرته، وأنه سميع قريب مجيب الدعاء، والثناء على الله - عز وجل - بذلك، والتوسل به؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾، وكما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾ [إبراهيم: 39]؛ فهو - عز وجل - سميع مجيب الدعاء.

فإما إن يُعَجِّل للسائل ويُعطيه سؤله في الدنيا، وإما أن يدخره له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من الشر بسبب سؤاله.

ما لم يكن هناك مانع من الإجابة، كالدعاء مع سهو القلب وغفلته ولهوه، وأكل الحرام.. ونحو ذلك.

7- أن على من حُرِم الذرية أن يلجأ إلى الله - عز وجل - وحده ويسأله، كما قال زكريا عليه السلام: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، وقال: ﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾ [الأنبياء: 89]، مع الأخذ بالأسباب المادية.

وقد دعا زكريا عليه السلام بهذه الدعوات فأجاب الله دعاءه، ورزقه يحيى عليهما السلام.

وقد ذُكِرَ عن بعضهم أنه لازم في سجوده الدعاء بقوله: ﴿ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴾ [الأنبياء: 89]، فرزقه الله الذرية، كما ذكر بعضهم أنه دعا بهذه الدعوات في الملتزم بين الحجر وباب الكعبة، فاستجاب الله دعاءه.

8- إثبات وجود الملائكة، والإيمان بذلك؛ وهو ركن من أركان الإيمان الستة؛ لقوله تعالى: ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ ﴾.

9- أن الملائكة تتكلم بصوت مسموع وتخاطب البشر، لقوله تعالى: ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ ﴾.

10- جواز تكليم المصلِّي؛ لقوله تعالى: ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ ﴾، وخصوصًا فيما تدعو الحاجة إليه، كالسلام.. ونحو ذلك، فقد كان الصحابة- رضوان الله عليهم- يُسلِّمون على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ويرد عليهم بالإشارة[1].

11- لزوم زكريا العبادة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ ﴾.

12- جواز اتخاذ أماكن خاصة بالصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ ﴾.

13- بشارة الله تعالى لزكريا بيحيى استجابةً منه - عز وجل - لدعائه أن يهبه من لدنه ذرية طيبة؛ لقوله تعالى: ﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾.


14- استحباب البشارة بما يسر، فهي منهج شرعي؛ لقوله تعالى: ﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ﴾، كما قال تعالى في إبراهيم: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾ [الصافات: 101]، هذا في البشارة بإسماعيل، وقال تعالى في البشارة بإسحاق ﴿ قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ﴾ [الحجر: 53]، وقال تعالى: ﴿ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [الصافات: 112]، وقال تعالى في بشارة زوجه: ﴿ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ [هود: 71]، وقال تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 223].

وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى رضي الله عنهما: «وبشرا ولا تنفرا»[2].

15- مشروعية تسمية المولود، وجواز تهيئة الاسم قبل ولادته؛ لقوله تعالى: ﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا ﴾.

16- أن عيسى ابن مريم «كلمة من الله»؛ لقوله تعالى: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ خلقه الله تعالى بكلمته، أي: بقوله: ﴿ كن ﴾؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران: 59].

17- الثناء على يحيى عليه السلام وامتداحه بهذه الصفات العظيمة، وهي تصديقه بعيسى ابن مريم، وكونه سيدًا وحصورًا، وإثبات نبوته، وأنه من الصالحين؛ لقوله تعالى: ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾.

18- الجمع ليحيى عليه السلام بين صفات الكمال، وأعظم ذلك صفة النبوة، وبين كونه مانعًا نفسه من الشهوات وسيء الصفات؛ لقوله تعالى: ﴿ وَحَصُورًا ﴾.

19- أن الصلاح وصف عظيم عام لكل من أخلص لله تعالى، واتبع شرعه من الأنبياء والرسل ومن دونهم؛ ولهذا وصف الله به أنبياءه ورسله كما وصف الله به غيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾.

20- في تعجب زكريا بقوله: ﴿ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ﴾ طلب التثبُّت والتأكد مما بشره الله به من الولد، وخاصة أنه على خلاف ما جرت به العادة؛ فهو كبير وامرأته عاقر.

21- أن زكريا عليه السلام قد بلغه الكبر دون أن يولد له ولد؛ لقوله تعالى: ﴿ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ﴾، وقوله في سورة (مريم): ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ﴾ [مريم: 8].

22- أن من أسباب عدم الإنجاب الكبر والعقر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ﴾.

23- جواز الوصف بالعقر لمن كان كذلك للبيان، لا على سبيل التنقص؛ لقوله تعالى: ﴿ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ﴾.

24- إثبات الأفعال الاختيارية لله تعالى؛ لأنه تعالى يفعل ما يشاء؛ لقوله تعالى: ﴿ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾.

25- إثبات المشيئة لله تعالى، وهي الإرادة الكونية المتعلِّقة بالحكمة.

26- طلب زكريا عليه السلام من ربه علامة على حصول هذه البشارة لزيادة الاطمئنان، واستعجالًا منه لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾.

27- قدرة الله تعالى التامة على كل شيء، ولو كان على خلاف العادة، كحصول الولد للكبير والعاقر، وجعل الإنسان لا يستطيع أن يكلم الناس مع كون لسانه طلقًا بذكر الله وتسبيحه؛ لقوله تعالى: ﴿ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾، وقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾، كما قال تعالى في سورة (مريم): ﴿ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ [مريم: 9].

28- أن الإشارة تقوم مقام العبارة عند العجز عن النطق بالكلام؛ لقوله تعالى: ﴿ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ﴾.

29- الحث على ذكر الله كثيرًا، وتسبيحه في العشيّ والإبكار وفي جميع الأوقات؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾ جمعًا بين ذِكر الله تعالى والثناء عليه، وتنزيهه عن النقائص والعيوب.

30- فضل هذين الوقتين (العشيّ والإبكار)، والتسبيح فيهما، بتخصيصهما بالذِّكر من بين الأوقات.

31- فضل زكريا عليه السلام ومكانته عند الله؛ حيث استجاب الله دعاءه، وبشره بيحيى ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾، وخاطبه، وجعل له آية على حصول هذا الولد.

[1] أخرجه أبو داود في الصلاة (925)، والنسائي في السهو (1186)، والترمذي في الصلاة (367)، من حديث صُهيب رضي الله عنه.

[2] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (3038)، ومسلم في الأشربة (1733)، وأبو داود في الأدب (4835)، من حديث أبي موسى رضي الله عنه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 379.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 373.40 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.55%)]