الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 31 - عددالزوار : 5395 )           »          أحكام الحج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          من أحكام شهر شوال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          10 أخطاء تجنبيها عند استخدام المكنسة الكهربائية.. عشان تحافظى عليها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          روتين العناية بالبشرة خلال فصل الربيع.. عشان تفضل مشرقة ونضرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          7 نصائح للتغلب على مشكلة ثبات الوزن.. لو بتعمل دايت ومش عارف تخس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          قراءة شرعية في آثار التطرف والإفساد .. ضرورة الأمن .. وخطورة الإرهاب! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          أهمية البناء الإيماني في المجتمعات المسلمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          الأربعون الوقفية الموجزة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 8 - عددالزوار : 2047 )           »          همس القلم.. سيقان ابن مسعود ! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #6  
قديم 01-10-2020, 07:17 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,277
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


الموافقات

أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الاول
الحلقة (6)
صـ67 إلى صـ79

[ ص: 67 ] وَذَلِكَ أَنَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الْمَطْلُوبِ قَدْ يَكُونُ لَهُ طَرِيقٌ تَقْرِيبِيٌّ يَلِيقُ بِالْجُمْهُورِ ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ طَرِيقٌ لَا يَلِيقُ بِالْجُمْهُورِ ، وَإِنْ فُرِضَ تَحْقِيقًا .

فَأَمَّا الْأَوَّلُ ; فَهُوَ الْمَطْلُوبُ الْمُنَبَّهُ عَلَيْهِ ، كَمَا إِذَا طُلِبَ مَعْنَى الْمَلِكِ ، فَقِيلَ : إِنَّهُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَتَصَرَّفُ فِي أَمْرِهِ ، أَوْ مَعْنَى الْإِنْسَانِ ; فَقِيلَ : إِنَّهُ هَذَا الَّذِي أَنْتَ مِنْ جِنْسِهِ ، أَوْ مَعْنَى التَّخَوُّفِ فَقِيلَ : هُوَ التَّنَقُّصُ ، أَوْ مَعْنَى الْكَوْكَبِ فَقِيلَ : هَذَا الَّذِي نُشَاهِدُهُ بِاللَّيْلِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ; فَيَحْصُلُ فَهْمُ الْخِطَابِ مَعَ هَذَا الْفَهْمِ التَّقْرِيبِيِّ حَتَّى يُمْكِنَ الِامْتِثَالُ .

وَعَلَى هَذَا وَقَعَ الْبَيَانُ فِي الشَّرِيعَةِ ; كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ ، وَغَمْطُ النَّاسِ ; فَفَسَّرَهُ بِلَازِمِهِ الظَّاهِرِ لِكُلِّ أَحَدٍ ، وَكَمَا تُفَسَّرُ أَلْفَاظُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ بِمُرَادِفَاتِهَا لُغَةً ، مِنْ حَيْثُ كَانَتْ أَظْهَرَ فِي الْفَهْمِ مِنْهَا ، وَقَدْ بَيَّنَ عَلَيْهِ [ ص: 68 ] السَّلَامُ الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالْجُمْهُورِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأُمُورِ ، وَهُوَ عَادَةُ الْعَرَبِ ، وَالشَّرِيعَةُ عَرَبِيَّةٌ ، وَلِأَنَّ الْأُمَّةَ أُمِّيَّةٌ ; فَلَا يَلِيقُ بِهَا مِنَ الْبَيَانِ إِلَّا الْأُمِّيُّ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ هَذَا فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ مَشْرُوحًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .

فَإِذًا التَّصَوُّرَاتُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي الشَّرْعِ إِنَّمَا هِيَ تَقْرِيبَاتٌ بِالْأَلْفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ وَمَا قَامَ مَقَامَهَا مِنَ الْبَيَانَاتِ الْقَرِيبَةِ .

وَأَمَّا الثَّانِي : - وَهُوَ مَا لَا يَلِيقُ بِالْجُمْهُورِ - ; فَعَدَمُ مُنَاسَبَتِهِ لِلْجُمْهُورِ أَخْرَجَهُ عَنِ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ لَهُ ; لِأَنَّ مَسَالِكَهُ صَعْبَةُ الْمَرَامِ ، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الْحَجِّ : 78 ] كَمَا إِذَا طُلِبَ مَعْنَى الْمَلِكِ ، فَأُحِيلَ بِهِ عَلَى مَعْنًى أَغْمَضَ مِنْهُ ، وَهُوَ مَاهِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الْمَادَّةِ أَصْلًا ، أَوْ يُقَالُ : جَوْهَرٌ بَسِيطٌ ذُو نِهَايَةٍ وَنُطْقٍ عَقْلِيٍّ ، أَوْ طُلِبَ مَعْنَى الْإِنْسَانِ فَقِيلَ : هُوَ الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ الْمَائِتُ ، أَوْ يُقَالُ : مَا الْكَوْكَبُ ؟ فَيُجَابُ بِأَنَّهُ جِسْمٌ بَسِيطٌ كُرِيٌّ ، مَكَانُهُ الطَّبِيعِيُّ نَفْسُ الْفَلَكِ ، مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُنِيرَ ، مُتَحَرِّكٌ عَلَى الْوَسَطِ ، غَيْرُ مُشْتَمِلٍ عَلَيْهِ ، أَوْ سُئِلَ عَنِ الْمَكَانِ ; فَيُقَالُ : هُوَ السَّطْحُ الْبَاطِنُ مِنَ الْجِرْمِ الْحَاوِي ، الْمُمَاسُّ لِلسَّطْحِ الظَّاهِرِ مِنَ الْجِسْمِ الْمَحْوِيِّ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ ، وَلَا يُوصَلُ إِلَيْهَا إِلَّا بَعْدَ قَطْعِ أَزْمِنَةٍ فِي طَلَبِ تِلْكَ الْمَعَانِي ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى هَذَا ، وَلَا كَلَّفَ بِهِ .

وَأَيْضًا ; فَإِنَّ هَذَا تَسَوُّرٌ عَلَى طَلَبِ مَعْرِفَةِ مَاهِيَّاتِ الْأَشْيَاءِ ، وَقَدِ اعْتَرَفَ أَصْحَابُهُ [ ص: 69 ] بِصُعُوبَتِهِ ، بَلْ قَدْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ عِنْدَهُمْ مُتَعَذِّرٌ ، وَأَنَّهُمْ أَوْجَبُوا أَنْ لَا يُعَرَّفَ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ عَلَى حَقِيقَتِهِ ; إِذِ الْجَوَاهِرُ لَهَا فُصُولٌ مَجْهُولَةٌ ، وَالْجَوَاهِرُ عُرِّفَتْ بِأُمُورٍ سَلْبِيَّةٍ ; فَإِنَّ الذَّاتِيَّ الْخَاصَّ إِنْ عُلِمَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَاهِيَّةِ لَمْ يَكُنْ خَاصًّا ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ، فَكَانَ غَيْرَ ظَاهِرٍ لِلْحِسِّ فَهُوَ مَجْهُولٌ ; فَإِنْ عُرِفَ ذَلِكَ الْخَاصُّ بِغَيْرِ مَا يَخُصُّهُ فَلَيْسَ بِتَعْرِيفٍ ، وَالْخَاصُّ بِهِ كَالْخَاصِّ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا ; فَلَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى أُمُورٍ مَحْسُوسَةٍ أَوْ ظَاهِرَةٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، وَذَلِكَ لَا يَفِي بِتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّاتِ ، هَذَا فِي الْجَوْهَرِ ، وَأَمَّا الْعَرَضُ ; فَإِنَّمَا يُعَرَّفُ بِاللَّوَازِمِ ; إِذْ لَمْ يَقْدِرُ أَصْحَابُ هَذَا الْعِلْمِ عَلَى تَعْرِيفِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ .

وَأَيْضًا ; مَا ذُكِرَ فِي الْجَوَاهِرِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الذَّاتِيَّاتِ لَا يَقُومُ الْبُرْهَانُ عَلَى أَنْ لَيْسَ ذَاتِيٌّ سِوَاهَا ، وَلِلْمُنَازِعِ أَنْ يُطَالِبَ بِذَلِكَ ، وَلَيْسَ لِلْحَادِّ أَنْ يَقُولَ : لَوْ كَانَ ثَمَّ وَصْفٌ آخَرُ لَاطَّلَعْتُ عَلَيْهِ ; إِذْ كَثِيرٌ مِنَ الصِّفَاتِ غَيْرُ ظَاهِرٍ ، وَلَا يُقَالُ أَيْضًا : لَوْ كَانَ ثَمَّ ذَاتِيٌّ آخَرُ مَا عُرِفَتِ الْمَاهِيَّةُ [ دُونَهُ ] ; لِأَنَّا نَقُولُ : إِنَّمَا تُعْرَفُ الْحَقِيقَةُ إِذَا عُرِفَ جَمِيعُ ذَاتِيَّاتِهَا ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ ذَاتِيٌّ لَمْ يُعْرَفْ ، حَصَلَ الشَّكُّ فِي مَعْرِفَةِ الْمَاهِيَّةِ .

فَظَهَرَ أَنَّ الْحُدُودَ عَلَى مَا شَرَطَهُ أَرْبَابُ الْحُدُودِ يَتَعَذَّرُ الْإِتْيَانُ بِهَا ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُجْعَلُ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يُسْتَعَانُ بِهَا فِيهَا ، وَهَذَا الْمَعْنَى تَقَرَّرَ ، وَهُوَ أَنَّ مَاهِيَّاتِ الْأَشْيَاءِ لَا يَعْرِفُهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا بَارِيهَا ; فَتَسَوُّرُ الْإِنْسَانِ عَلَى [ ص: 70 ] مَعْرِفَتِهَا رَمْيٌ فِي عَمَايَةٍ ، هَذَا كُلُّهُ فِي التَّصَوُّرِ .

وَأَمَّا [ فِي ] التَّصْدِيقِ ; فَالَّذِي يَلِيقُ مِنْهُ بِالْجُمْهُورِ مَا كَانَتْ مُقَدِّمَاتُ الدَّلِيلِ فِيهِ ضَرُورِيَّةً أَوْ قَرِيبَةً مِنَ الضَّرُورِيَّةِ ، حَسْبَمَا يَتَبَيَّنُ فِي آخِرِ هَذَا الْكِتَابِ بِحَوْلِ اللَّهِ ، وَقُوَّتِهِ .

فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ; فَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ طَلَبُهُ فِي الشَّرِيعَةِ ، وَهُوَ الَّذِي نَبَّهَ الْقُرْآنُ عَلَى أَمْثَالِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ [ النَّحْلِ : 17 ] .

وَقَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [ يس : 79 ] إِلَى آخِرِهَا .

وَقَوْلِهِ تَعَالَى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ [ الرُّومِ : 40 ] .

وَقَوْلِهِ تَعَالَى : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [ الْأَنْبِيَاءِ : 22 ] .

وَقَوْلِهِ تَعَالَى : أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ [ الْوَاقِعَةِ : 58 - 59 ] .

وَهَذَا إِذَا احْتِيجَ إِلَى الدَّلِيلِ فِي التَّصْدِيقِ ، وَإِلَّا فَتَقْرِيرُ الْحُكْمِ كَافٍ ، وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ مَرَّ السَّلَفُ الصَّالِحُ فِي بَثِّ الشَّرِيعَةِ لِلْمُؤَالِفِ وَالْمُخَالِفِ ، وَمَنْ نَظَرَ فِي اسْتِدْلَالِهِمْ عَلَى إِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ عَلِمَ أَنَّهُمْ قَصَدُوا أَيْسَرَ الطُّرُقِ ، وَأَقْرَبَهَا إِلَى عُقُولِ الطَّالِبِينَ ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ مُتَكَلَّفٍ ، وَلَا نَظْمٍ مُؤَلَّفٍ ، بَلْ كَانُوا يَرْمُونَ بِالْكَلَامِ عَلَى عَوَاهِنِهِ ، وَلَا يُبَالُونَ كَيْفَ وَقَعَ فِي [ ص: 71 ] تَرْتِيبِهِ ، إِذَا كَانَ قَرِيبَ الْمَأْخَذِ ، سَهْلَ الْمُلْتَمَسِ ، هَذَا وَإِنْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى نَظْمِ الْأَقْدَمِينَ فِي التَّحْصِيلِ ; فَمِنْ حَيْثُ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ إِيصَالَ الْمَقْصُودِ ، لَا مِنْ حَيْثُ احْتِذَاءُ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ .

وَأَمَّا إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ مُرَتَّبًا عَلَى قِيَاسَاتٍ مُرَكَّبَةٍ أَوْ غَيْرِ مُرَكَّبَةٍ ، إِلَّا أَنَّ فِي إِيصَالِهَا إِلَى الْمَطْلُوبِ بَعْضَ التَّوَقُّفِ لِلْعَقْلِ ; فَلَيْسَ هَذَا الطَّرِيقُ بِشَرْعِيٍّ ، وَلَا تَجِدُهُ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا فِي السُّنَّةِ ، وَلَا فِي كَلَامِ السَّلَفِ الصَّالِحِ ; فَإِنَّ ذَلِكَ مَتْلَفَةٌ لِلْعَقْلِ وَمَحَارَةٌ لَهُ قَبْلَ بُلُوغِ الْمَقْصُودِ ، وَهُوَ بِخِلَافِ وَضْعِ التَّعْلِيمِ ، وَلِأَنَّ الْمَطَالِبَ الشَّرْعِيَّةَ إِنَّمَا هِيَ فِي عَامَّةِ الْأَمْرِ وَقْتِيَّةٌ ، فَاللَّائِقُ بِهَا مَا كَانَ فِي الْفَهْمِ وَقْتِيًّا ، فَلَوْ وُضِعَ النَّظَرُ فِي الدَّلِيلِ غَيْرَ وَقْتِيٍّ ; لَكَانَ مُنَاقِضًا لِهَذِهِ الْمَطَالِبِ ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ .

وَأَيْضًا ; فَإِنَّ الْإِدْرَاكَاتِ لَيْسَتْ عَلَى فَنٍّ وَاحِدٍ ، وَلَا هِيَ جَارِيَةٌ عَلَى [ ص: 72 ] التَّسَاوِي فِي كُلِّ مَطْلَبٍ إِلَّا فِي الضَّرُورِيَّاتِ وَمَا قَارَبَهَا ; فَإِنَّهَا لَا تَفَاوُتَ فِيهَا يُعْتَدُّ بِهِ فَلَوْ وُضِعَتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَتَعَذَّرَ هَذَا الْمَطْلَبُ ، وَلَكَانَ التَّكْلِيفُ خَاصًّا لَا عَامًّا ، أَوْ أَدَّى إِلَى تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ أَوْ مَا فِيهِ حَرَجٌ ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ عَنِ الشَّرِيعَةِ ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ تَقْرِيرُ هَذَا الْمَعْنَى .
[ ص: 73 ] كُلُّ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ فَطَلَبُ الشَّارِعِ لَهُ إِنَّمَا يَكُونُ [ مِنْ ] حَيْثُ هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى التَّعَبُّدِ بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى ، لَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ; فَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ اعْتِبَارُ جِهَةٍ أُخْرَى فَبِالتَّبَعِ وَالْقَصْدِ الثَّانِي ، لَا بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ أَحَدُهَا : مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلُ أَنَّ كَلَّ عِلْمٍ لَا يُفِيدُ عَمَلًا ; فَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْسَانِهِ ، وَلَوْ كَانَ لَهُ غَايَةٌ أُخْرَى شَرْعِيَّةٌ ; لَكَانَ مُسْتَحْسَنًا شَرَعَا ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحْسَنًا شَرْعًا ; لَبَحَثَ عَنْهُ الْأَوَّلُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، [ ص: 74 ] وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ ، فَمَا يَلْزَمُ عَنْهُ كَذَلِكَ .

وَالثَّانِي : أَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا جَاءَ بِالتَّعَبُّدِ ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ بِعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [ النِّسَاءِ : 1 ] .

الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [ هُودِ : 1 - 2 ] .

كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [ إِبْرَاهِيمِ : 1 ] .

ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [ الْبَقَرَةِ : 2 ] .

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [ الْأَنْعَامِ : 1 ] ; أَيْ يُسَوُّونَ بِهِ غَيْرَهُ فِي الْعِبَادَةِ ، فَذَمَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ .

وَقَالَ : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [ الْمَائِدَةِ : 92 ] .

لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ [ الْكَهْفِ : 2 ] .

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ الْأَنْبِيَاءِ : 25 ] .

إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ الْآيَةَ [ الزُّمَرِ : 2 - 3 ] .

[ ص: 75 ] وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي لَا تَكَادُ تُحْصَى ، كُلُّهَا دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ التَّعَبُّدُ لِلَّهِ ، وَإِنَّمَا أُوتُوا بِأَدِلَّةِ التَّوْحِيدِ لِيَتَوَجَّهُوا إِلَى الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [ مُحَمَّدٍ : 19 ] .

وَقَالَ : فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ هُودٍ : 14 ] .

وَقَالَ : هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ غَافِرٍ : 65 ] .

وَمَثَلُهُ سَائِرُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي نُصَّ فِيهَا عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ، لَا بُدَّ أَنْ أُعْقِبَتْ بِطَلَبِ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ وَحْدَهُ ، أَوْ جُعِلَ مُقَدِّمَةً لَهَا ، بَلْ أَدِلَّةُ التَّوْحِيدِ هَكَذَا جَرَى مَسَاقُ الْقُرْآنِ فِيهَا أَلَّا تُذْكَرَ إِلَّا كَذَلِكَ ، وَهُوَ وَاضِحٌ فِي أَنَّ التَّعَبُّدَ لِلَّهِ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْعِلْمِ ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى لَا تُحْصَى .

وَالثَّالِثُ : مَا جَاءَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ رُوحَ الْعِلْمِ هُوَ الْعَمَلُ ، وَإِلَّا فَالْعِلْمُ عَارِيَةٌ ، وَغَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [ فَاطِرٍ : 28 ] .

وَقَالَ : وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ [ يُوسُفَ : 68 ] .

قَالَ قَتَادَةُ : يَعْنِي لَذُو عَمَلٍ بِمَا عَلَّمْنَاهُ .

[ ص: 76 ] وَقَالَ تَعَالَى : مَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ . . . إِلَى أَنْ قَالَ : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ الْآيَةَ [ الزُّمَرِ : 9 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ [ الْبَقَرَةِ : 44 ] .

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ [ الشُّعَرَاءِ : 94 ] ; قَالَ : قَوْمٌ وَصَفَوُا الْحَقَّ وَالْعَدْلَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَخَالَفُوهُ إِلَى غَيْرِهِ .

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : إِنَّ فِي جَهَنَّمَ أَرْحَاءَ تَدُورُ بِعُلَمَاءِ السُّوءِ ، فَيُشْرِفُ عَلَيْهِمْ مَنْ كَانَ يَعْرِفُهُمْ فِي الدُّنْيَا ، فَيَقُولُ : مَا صَيَّرَكُمْ فِي هَذَا ، وَإِنَّمَا كُنَّا نَتَعَلَّمُ مِنْكُمْ ، قَالُوا : إِنَّا كُنَّا نَأْمُرُكُمْ بِالْأَمْرِ وَنُخَالِفُكُمْ إِلَى غَيْرِهِ .

[ ص: 77 ] وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : إِنَّمَا يُتَعَلَّمُ الْعِلْمُ لِيُتَّقَى بِهِ اللَّهُ ، وَإِنَّمَا فُضِّلَ الْعِلْمُ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يُتَّقَى اللَّهُ بِهِ .

وَعَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا تَزُولُ قَدَمَا الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسِ خِصَالٍ ، وَذَكَرَ فِيهَا : وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ .

[ ص: 78 ] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ : " إِنَّمَا أَخَافَ أَنْ يُقَالَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ : أَعَلِمْتَ أَمْ جَهِلْتَ ، فَأَقُولُ : عَلِمْتُ ، فَلَا تَبْقَى آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ آمِرَةٌ أَوْ زَاجِرَةٌ إِلَّا جَاءَتْنِي تَسْأَلُنِي فَرِيضَتَهَا ، فَتَسْأَلُنِي الْآمِرَةُ : هَلِ ائْتَمَرْتَ ؟ وَالزَّاجِرَةُ : هَلِ ازْدُجِرْتَ ؟ فَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، [ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ ] ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ " .

وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ هُمْ أَوَّلُ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ [ ص: 79 ] الْقِيَامَةِ ، قَالَ فِيهِ : وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا ، فَقَالَ : مَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : تَعَلَّمْتُ فِيكَ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ ، وَقَرَأْتُ الْقُرْآنَ ، قَالَ : كَذَّبْتَ ، وَلَكِنْ لِيُقَالَ : فُلَانٌ قَارِئٌ ، فَقَدْ قِيلَ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ .

وَقَالَ : إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمًا لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 407.83 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 406.11 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.42%)]