|
|||||||
| الحدث واخبار المسلمين في العالم قسم يعرض آخر الاخبار المحلية والعالمية |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#23
|
|||
|
|||
|
رابعا: العلماء والفقهاء، أي دور؟ وأية وظيفة؟
في كتابه "مفهوم الدولة" يرى المفكر المغربي عبدالله العروي أن العلماء والفقهاء ظلوا يمثلون الرأي العام في الحواضر الإسلامية حتى أواخر العهد العثماني، وتحديدا حتى انطلاقة الدفعة الثانية من الإصلاحات سنة 1882، ومع أنهم استبشروا خيرا في توجهات الدولة العثمانية الجديدة إلا أنهم فوجئوا باستبعادهم وتهميشهم عن إبداء آرائهم في الإصلاحات أو الشأن العام واستبدالهم بالخبراء والمستشارين الأوروبيين فما كان منهم إلا الانزواء منذ ذلك الحينفلا هم دافعوا عن حقوقهمواختصاصاتهم ولا هم لملموا شتاتهم،وها هم اليوم مفككين وعاجزين عن التقرير بأي شأن عام صغر أو كبر، بل إنهم وقعوا فريسة الاحتواء والتدجين وبعضهم تسابق على التحالف مع السلطة وشرعنة سياساتها علَّه يحظى ببعض الامتيازات والحضور وبعضهم استحدث له جماعة أو فرقة وبعضهم تمرد على واقعه وواقع الأمة فاختار طريق الجهاد وقضى فيه قتلا أو أسرا أو مطاردا. مع تقدم الوقت وانهيار الإمبراطورية العثمانية ودار الخلافة ومجيء القوى الاستعمارية الغربية وانتصاب الدولة الوطنية صرنا نلحظ تجذرا لجماعات إسلامية وفرق مختلفة ومتنوعة بعضها منحرف كالقاديانية والبهائية، وأخرى صوفية كل ما لديها من الدين الدروشة والترانيم والموشحات، وجماعات دعوية عادت السياسة واكتفت بالوعظ والإرشاد، وجماعات الإسلام السياسي كالإخوان المسلمين وحزب التحرير، والجماعات الجهادية كتلك التي قادها الشيخ عمر المختار في ليبيا والشيخ عز الدين القسام في فلسطين. وبطبيعة الحال فإن بعض هذه الجماعات خاصة الجهادية منها اندثرت لسبب أو لآخر، وبقيت جماعات أخرى تضخمت وخرجت من حدودها نحو العالمية كالإخوان والتبليغ والدعوة والصوفية والتحرير، وعلى خلفية النشأة والاستمرارية، وقعت اصطفافات للعلماء والأتباع داخل هذه الجماعات التي شهدت صراعات داخلية على خلفية سياساتها وأيديولوجياتها أو بسبب صراعاتها مع الدولة الوطنية كان من نتائجها ظهور انشقاقات قوية تبلورت في صيغة: · تيارات جهادية وطنية خاصة في مصر والجزائر وفلسطين ...؛ · تيارات عالمية كالقاعدة في أفغانستان والعراق ومجاهدي الشيشان وكشمير والفلبين وغيرها؛ · تيارات سلمية معارضة للدولة والحاكم تميزت بتاريخ جهادي أو قربها من الجهاد والمجاهدين إلا أنها تراجعت وباتت أقرب ما تكون إلى جمعيات ذات طابع إغاثي واستثماري كالإخوان في مصر والسرورية في السعودية؛ · تيارات إخوانية المنشأ والانتماء تحالفت مع السلطة حيث تكون كما هو الحال في أفغانستان والجزائر والعراق، وبقطع النظر عن هوية السلطة أو القوة ما إذا كانت محلية أو أجنبية غازية؛ · تيارات حليفة للدولة حملت أسماء رموزها كالمدخلية والجامية؛ · وتيارات ارتدت عن أهدافها ونشأتها ونبذت تاريخها وعقدت صلحا مع الدولة؛ · التيارات الإرجائية، وهم الذين يعتقدون اعتقاد المرجئة الأوائل على طبقاتهم ودرجاتهم، والقاسم المشترك الأغلب بينهم هو: إخراج العمل من مسمى الإيمان أي من حد الإيمان ... أي القول: بأن الإيمان هو الاعتقاد فقط، أو الاعتقاد مع القول باللسان فقط، أو المعرفة فقط. ولا ريب أن العمل الإسلامي وفقا لصيغ التيارات المعروضة معقد خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار وجود تيارات إسلامية أخرى ذات طابع علماني! وأخرى تعلن تمسكها بالعلمانية كما هو الحال في تركيا وثالثة تروج لما تسميه بالإسلام الليبرالي، وبالتأكيد فالأمر يزداد تعقيدا ويصبح عصيا على الفهم كلما توالت التصريحات والبيانات الصادرة عن التيارات والجماعات والعلماء والفقهاء وهي محملة بالتناقضات والفتاوى المثيرة إلى الدرجة التي يستحيل معها التصنيف والمراقبة وحتى الفهم. ففي أي سياق شرعي، مثلا، نضع عالم يفتي بحق فرنسا بحظر الحجاب؟ أو عالم يبيح إمامة المرأة؟ أو عالم يدافع عن الأمريكيين وجرائمهم؟ أو يفتي بجواز قتال الجندي الأمريكي المسلم للمسلمين!!وآخر يفتى بأن بول بريمر ولي أمر ولا يجوز الخروج عليه؟ وعالم يفتي بعدم جواز الدعاء على اليهود لأنهم أهل كتاب!؟ ويحرم الجهاد ويكفر المجاهدين لأنهم يقاتلون في سبيل الطاغوتحسب قوله!؟ وعالم يطالب قادة المجاهدين ورموزهم بالخروج من سراديبهم وهو يعلم ما ينتظرهم؟ وعالم يدعو لدولة علمانية في فلسطين تجمع اليهود والنصارى والمسلمين ثم يتراجع ويقول دولة مدنية!؟ وثاني يجيز الصلحالمطلق مع اليهود؟ وثالث يتنكر لوجود جماعة جهادية من الأساس ويصف فكرها بالمنحرف وصنيعة الأمريكيين واليهود وفي نفس الوقت يبيح تناول المشروبات الروحية في الفنادق!؟ وعالم يفتي بجواز إرضاع الموظفة لزميلها في العمل لتجاوز الخلوة؟ وعالم يعطي الحق للمسلم بالارتداد عن دينه؟ ويرى بالصحابة أشاعرة!؟ ويقول إن عمر بن الخطاب أحول بطول ثلاثة أمتار؟ وعلماء يتساءلون عمن أجاز للقاعدة الجهاد باسم الأمة؟ وعلماء يؤيدون هذه الجماعة ضد تلك؟ وعلماء يهاجمون علماء ويجردونهم من علمهم لاختلافهم معهم في الرأي والتوجه؟ وعلماء يبترون الآيات القرآنية والأحاديث في أسانيدهم أو يقطعونها من سياقها؟ وعلماء يجهدون في تشويه الجهاد والمجاهدين ويفتون بعدم مشروعيته ولكنهم لا يبينون مرة واحدة متى يكون الجهاد فرض عين؟ كل هذا "العجب" بعرف السلفية هو ضلال مبين وتضليل وظلم للأمة وانحراف خطير في العقيدة، وعلى حد قول أبي يحيى الليبي في رده على مفتي السعودية لو صمت هؤلاء عن قول الحق لكان "خيرالهم ولنا إذ أن للحق أهله"، ولكنهم اصطفوا يدافعون عن الباطل ويشرعون له ويروجون[39] ويهاجمون الجهاد وأهله، لذا فهي تستخدم توصيفات صارمة بحق أمثال هؤلاء العلماء والوعاظ والدعاة الذين تعتبرهم ممن حجبوا قول الحق الذي أودعه الله فيهم وحرفوا وبدلوا في دين الله وتسببوا في هزيمة الأمة وقهرها وفي أحسن الأحوال هربوا من الفصل في النوازل والقضايا المطروحة إلى العموميات[40]عبر تمييع الحكم الشرعي القابل للبناء عليه، وبالتالي فلا هم إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ولو اعتدلوا لتغيرت موازين القوى ومالت الكفة لصالح الإسلام والمسلمين، ولأنهم لم يفعلوا فلا بد من قول كلمة الحق فيهم والتخلص منهم باعتبارهم "علماء سوء" أو "تجار دين"، فمثلهم من يبرر أو يجادل أو يدافع عن ثقافة سايكس – بيكو ومنتجاتها، ومثلهم من يسهل عليه دعم سياسات الدولة والحاكم وتبني أطروحات الغرب في "تهذيب" الإسلام ونبذ التطرف ومحاربته، ومثلهم من أجاز غزو البلاد الإسلامية وشرّع لبناء قواعد عسكرية ضخمة على أراضيها ومنعوا أهل البلاد من مقاومتها وأحالوا أمر جهاد الدفع إلى ولي الأمر باعتباره الإماموهو الذي لم يدعُ في يوم ما إلى نفير أو شارك في جهاد، ومثلهم من يجهد في إصدار فتاوى القعود والتشكيك بالمجاهدين وصولا إلى وصمهم بالإرهاب والخوارج ودعاة الفتنة. ومثلهم من ينتصر للوطن والنظام أكثر مما ينتصر للعقيدة والأمة[41]، ومنهم من يروج لما يسميه بالإسلام الوسطي[42]المعتدل. ومثلهم من وصل بهم الأمر إلى حد السخرية من الجهاد والمجاهدين ومن كل مقدس ومحرم حتى أن بعضهم سار في ركب فتنة الجهاد والمجاهدين في ساحات مختلفة من الجهاد[43] فامتطوا ظهور الدبابات الأمريكية وشاركوا في الحكومات العميلة وشرّعوا لقواعدهم الفتك بالمجاهدين ومحاربتهم وكشف مخابئهم وإعانة المحتل عليهم، وكل ذلك تحت بند الاجتهاد! لكن المشكلة الحقيقية ليست في هذه التوصيفات التي تعج بها أدبيات السلفية الجهادية بل فيمن يصنعها، ولعل أبرز من تنبه لإشكالية من هذا النوع كان الشيخ أبا محمد المقدسي الذي خصص مؤلفا ثقيلا رفض فيه النظام التعليمي ومخرجاته برمته، وحمله مسؤولية الفشل والضلال والجهل الذي تعانيه الأمة في دينها[44] ودنياها. إذ أن هذا النظام صمم، ابتداء من المدرسة وحتى الجامعة، ليفرز شرائح واسعة من العلماء والفقهاء وطلبة العلم ذوي النزعة القطرية ممن يتمتعون بهوى وبمواصفات تميل إلى المسكنة والدِّعة والراحة ولا تأبه للجهاد والمشقة. والثابت أن مواقف العلماء والفقهاء تجاه الأحداث الكبرى تختلط وتتناقض رغم تشابهها إلى حد التطابق، وتتأرجح بين التأييد العلني تارة للجهاد والمجاهدين وبين الخضوع لسطوة السلطان تارة أخرى وبين التطوع لعداء سافر أو الانزواء، فمن بين المواقف صدور فتاوى تدعم الجهاد في أفغانستان وتحرض عليه وتدعو للنفير لرد الاحتلال الشيوعي بما في ذلك فتاوى مماثلة ضد جرائم الشيعة في العراق وما يسمى بالمشروع الصفوي في المنطقة، ولكن ثمة فتاوى أخرى نفرَّت من الجهاد في العراق بحجة غياب الإمام والراية، وليس مفهوما كيف يتمتع الشيعي بامتياز المجاهدة ولا يكون للغازي والمحتل المعاملة بالمثل! ومنهم من أفتى باعتبار القوات الأجنبية مستأمنة في بلاد المسلمين، وآخرون أفتوا بمقاتلتهم إبان حرب الخليج الثانية. لا شك أن مثل هذه الفتاوى تجعل من حسم الموقف مع العلماء مهمة عسيرة على السلفية الجهادية ومريرة، لكن ملاحظة تمايز بينهم على أساس قربهم أو بعدهم عن الجهاد والمجاهدين يمكن أن يسهل المهمة ويضيق الخناق على من يسميهم د. أيمن الظواهري بـ "علماء السوء" ويتيح لها الاستفادة من علمهم وتوسيع دائرة العلماء العاملين، فهم ليسوا صنفا واحدا ولا يمكن أن يكونوا كذلك، فثمة: 1) صنف جهادي عامل، التحق بساحات الجهاد وعمل بها لسنوات طويلة وما يزال على حاله، ومثل هؤلاء فقدوا كل الدنيا وما فيها وتفرغوا للجهاد في ساحاته وميادينه. 2) صنف جهادي يشرِّع للجهاد والمجاهدين ويدعم أطروحاتهم ويصدع بمواقفه غير آبه بأية عواقب، حتى أن أغلبهم يقبع في السجون أو أنه دفع حياته ثمنا لفتاواه. 3) صنف جهادي يختلف مع السلفية الجهادية وبعض نشاطاتها المسلحة في العالم. وهذا الصنف يدخل في نطاق العلماء المؤيدين للجهاد والمجاهدين إلا أنهم لا يستطيعون الجهر بأطروحاتهم، ومثل هؤلاء ممن رفضوا إدانة القاعدة في العراق خشية انقسام أهل السنة ولعدم وجود أدلة دامغة على الدعاوى المرفوعة ضدهم يشكلون في الواقعمع غيرهمصمام الأمان للمشروع الجهادي برمته رغم ملاحظاتهم الكثيرة عليه واختلافهم حتى مع رموز القاعدة. 4) صنف له تاريخ جهادي ولكنه خضع لضغوط السلطة وبات بعضه ينفذ ما يطلب منه، وأحيانا تصدر منه فتاوى غالبا ما تكون بلغة السلطة والخصوم، بل أنه أدان تاريخه بالكامل ويجهد لتبرير اختياراته ويدعو إلى الاقتداء بها. 5) صنف رسمي متذبذب ولكنه أميل إلى خطاب السلطة ولا يتوانى عن التصريح بما يطلب منه أو القيام بأي عمل يخدم سياسة الدولة وتوجهاتها بحجة طاعة ولي الأمر. 6) صنف معادي بمبادرة ذاتية منه، واشتهر بعدائه للجهاد والمجاهدين وبتمييعه للدين عبر إصداره لفتاوى متطرفة لا أساس لها من الشريعة، وبتخليه شبه التام عن قضايا الإسلام والحرب الشعواء عليه من قبل الغرب واللادينيين، ولم يعد يضيره أن يكون في صف القوة الغاشمة حيث تكون، ولا يضيره التطوع في القول دون أن يطلب منه أحد التدخل، ولا يتورع عن نصرة أعداء الإسلام عبر التقليل من إساءاتهم وتهجماتهم على الإسلام كعقيدة ودين وعلى المسلمين، ومثل هؤلاء تسميهم السلفية الجهادية بـ "المنافقين". 7) صنف يوصف بالقصاصين المنبوذين في التاريخ الإسلامي، وهؤلاء قدموا الدين كما لو أنه قصص وحكايات على حساب الحكم الشرعي مبتعدين طواعية عن قضايا الأمة، ومثل هؤلاء جاهروا بعدائهم للجهاد والمجاهدين وسخروا منهم، وهم مَنْ فتحت لهم الأبواب وأجيز لهم التنقل بين أرجاء العالم واستخدموا في إلقاء المحاضرات وعقد الندوات مبشرين بالإسلام الحضاري والمعتدل، بل أن بعضهم منح الجوائز والألقاب. وفقا لهذه التصنيفات فمن السهل معرفة جبهة المجاهدين والمناصرين من العلماء والفقهاء وجبهة المخالفين والأعداء منهم، على أن السمت الرئيس في العلاقة ما بين العلماء والسلفية الجهادية يبقى مركزا على وجوب الالتزام بثنائية "العلم للعمل"[45] لأنه لا قيمة لعلم دون عمل (= الجهاد والصدع بالحق)، ولا قيمة لعلم يوظفه حامله لإلحاق الأذى بالأمة، ولا قيمة لعلم الولاء والبراء فيه لسايكس - بيكو.غير أن للعلماء والفقهاء أكثر من نقطة قوة تشكل بالنسبة للسلفية الجهادية نقاط ضعف كبيرة والعكس صحيح، أبرزها: · طلبة العلم[46] بعض هؤلاء غالبا ما يتسببون بإثارة الخلافات والانقسامات ويشيعون الأحقاد والضغائن إما بسببضعف علمهم أو تعصبهم لمشايخهم وإما لأنهم يتلقون علوما شرعية فيها اجتهادات متنوعة لقضايا حساسة أو حتى بسيطة بحيث يحل الاجتهاد بديلا عن النص وسعته، وبديلا عن أية اجتهادات أخرى، وإما لأنهم ممن تأخذهم العزة بالإثم فيتصدرون قبل أن يتأهلوا ويتنمرون[47] بما يعتقدون أنه سلطان العلم. · الحصانة من البديهي أن يتمتع العالم أو الفقيه بعلم شرعي مرموق، ومن الطبيعي أن يستمد هيبته أو حصانته من الرصيد العلمي الذي يتمتع به، ولكن الإشكال يكمن في النظر إلى العالم وكأنه يتمتع علاوة على حصانته العلمية بحصانة شرعية تجعله معصوما[48] من الوقوع في الزلل والخطأ، وللمسألة أكثر من مشهد نورد بعضها: 1) مشهد عالم من المفترض أنه موثوق يفتي في نازلة على نحو مخالف لما هو مألوف أو مفاجئ فتكون الردود متوافقة مع الفتوى أو متحفظة بحجة أن العالم لا يرد عليه إلا عالم وهذا موقف منطقي، لكن مقولة " اتقوا لحوم العلماء فإن لحومهم مسمومة" حدث فيها مبالغة وتعسف في استعمالها فيما يبدو، وباتت كالسيف المسلط على من يعارض الفتوى أو ينتقدها خاصة ممن هم أقل درجة وكأن ما يحق للعلماء، حتى لو كان فيه اعوجاج، لا يحق لغيرهم وإن أصابوا. 2) مشهد عالم راسخ في العلم، وخدم في علمه العقيدة والدين والمسلمين وانتشرت كتبه وفتاواه حتى بلغت أقاصي الأرض وباتت مراجع أساسية كبرى يتدارسها العلماء والطلبة على حد سواء ويرجع لها في الحكم على النوازل، لكن مواقف هذا العالم في قضايا سياسية وشرعية كبرى كالجهاد والحاكمية والقوى الأجنبية وغيرها مما يلتبس على العامة والخاصة إما أنها قريبة من السلطة أو متطابقة معها أو مختلطة أو ذات معايير مزدوجة، هذا النوع من العلماء ممن ذاع صيتهم بين الأمم غالبا ما يتسببون بانقسام الأمة التي تنتظر القول الفصل على ألسنتهم ثقة بسعة علمهم، ومع ذلك يصعب الطعن بهم دون ثمن باهظ، بل يحظون بالتماس العذر حتى من أتباعهم فيما لو ثبت عليهم من الزلات ما هو عظيم الأثر. فمن يجيز الصلح مع اليهود سيكون أقرب إلى الحث على التفتيش عن وسائل السلامة معهم من قربه إلى وجوب قتالهم. وأخطر ما في فتاواهم أنها لا تأخذ بعين الاعتبار عامل الزمن. فمن يجيز الصلح الدائم (التطبيع) مع اليهود مثلا عليه أن يعرف مقدار صمود الفتوى ومدى مطابقتها للشريعة وإلا ففي حال سقوطها فالمشكلة ستكون وبالا على الأمة خاصة وأنها ستغدو سابقة يقاس عليها ولو بعد ألف عام بحجة أن راسخا في العلم أفتى في يوم ما. 3) مشهد عالم حتى لو كان عاملا إلا أن تلامذته يتبعونه فيما يذهب إليه من أقوال وأفعال ومذاهب، ويحيطونه بهالة من القدسية والعظمة. فإذا التحق بالجهاد لحقوا به وإذا قعد عنه قعدوا معه وإذا نكص على عقبيه نكصوا معه وإذا أخطأ التمسوا له ما لا يلتمسون لغيره من الأعذار، وبما يفيض عن حاجته، أما صعوبة التعامل مع هذه الحالة فتكمن في تلامذته ومريديه الذين يشكلون بالنسبة له، شاء أو أبى، ما يشبه الحصانة بحيث يترصدون كل نقد يصيبه أو نصيحة توجه له. وفي هذه الحالة التي يُنتظر فيها من العالم أن يحمي الأمة والدين نراه حين ينزلق يحتاج إلى حماية من أتباعه ويركن إليهم! 4) مشهد عالم لا يعنيه الموقف الشرعي فيبرر التعامل الصريح لجماعته أو حزبه مع العدو أو إعانته بمجرد اجتهاد سياسي قد يصيب وقد يخطئ رغم ما يتسبب فيه مثل هذا الموقف من انقسام في الأمة وتضليل للعامة، والإشكال أن هذا العالم يجر معه القاعدة إذا ما كان في موقع القيادة. والأسوأ أن أغلب مكونات القاعدة تلحق به وتدافع عن خياراته كما لو أن مرجعيتها الحزبية أقوى من أية مرجعية أخرى بما فيها الشريعة. وحقيقة فالمشاهد كثيرة في هذا السياق، وغالبا ما تفشل المناقشات والردود ومحاولات بيان الموقف الشرعي في تحقيق أية نتيجة تذكر حتى لو احتمت السلفية الجهادية بنصيحة الإمامين أحمد بن حنبل وابن المبارك[49] أو احتجت بعقيدة الولاء والبراء أو بمقولات من نوع: "الحق يعرف بالحجة ولا يعرف بالرجال" أو "كل قول يؤخذ منه ويرد إلا قول رسول اللهصلى الله عليه وسلم "، فالخلاف قد يطال أهل الثغور أنفسهم مثلما يطال الحق نفسه دون أن تسلم عقيدة الولاء والبراء من الاجتهاد وحتى الطعن. لكن نقطة القوة لدى السلفية الجهادية تكمن في دعوتها المفتوحة والمستمرة للعلماء للالتحاق بساحات الجهاد بدلا من إصدار الفتاوى التي تطعن في الجهاد عن بعد. وحجة السلفية أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في مقدمة الجيش الإسلامي في غزواته وفتوحاته ولم يكن متخلفا في يوم ما، كما أن الصحابة والعلماء من بعدهم كانوا على الدوام في صفوف الجيش. إذ هو واجب شرعي أولاعلى كل المسلمين علماء وعامة، فضلا عن أن ساحات الجهاد لا تخلوا من أخطاء، والمجاهدون كغيرهم من البشر ليسوا معصومين فيمكن أن يصيبوا أو يخطئوا، وبدلا من التجرؤ عليهم كان من الأولى بالعلماء ألا يفارقوا الجهاد والمجاهدين ويفتوا في أمورهم عن بينة، وأن يكونوا عونا لهم لا عليهم، وحينها يمكن محاصرة الفتن ووأدها في مهدها عبر بيان الحكم الشرعي بناء على الظروف والواقع وليس عبر الاستماع من هنا وهناك وما يترتب على ذلك من قصور في الصورة وربما تجني من طرف على آخر[50]. غير أن مثل هذه الدعوات التي تتكرر في كثير من خطابات رموز السلفية الجهادية وتعج بها كتاباتهم بصورة كثيفة للغاية[51] لم تلق آذانا صاغية بالشكل المرجو الوصول إليه حتى الآن، بل أنها تلقى تجاهلا وصدودا وبعضها لا تخلو من ريبة وهي تطالبهم بـ "الخروج من سراديبهم لمباهلة العلماء ومجالستهم"! [52].
__________________
![]() ![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |