|
ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
#1
|
||||
|
||||
![]() السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الفقيه هو المجتهد الذي يستنبط الأحكام الشرعية ، ويوضح مقررات الشريعة ، ويشرح للناس أحكام دينهم ، فدائرة حديثه مقاصد الدين ، ومحكمات القرآن المبين ، وتحقيق الفهم الصحيح لما يريده الله سبحانه وتعالى من العباد . وهذا عمل لا يقوم به إلا أفراد الناس والقلائل منهم ، لما يقتضيه من اطلاع واسع على النصوص ، وممارسة طويلة لكلام أهل العلم ، وذكاء في دراسة الواقع وتنزيل الأحكام الشرعية عليه . أما راوي الحديث : فهو ناقل لما سمع من السنة النبوية ، يؤدي ما تحمله بكل صدق وأمانة ، ويعتني بتبليغ الحديث كما بلغ إليه بأي طريقة كانت ، ولا يتكلف عناء شرح الحديث أو استنباط الأحكام الشرعية منه ، ومعرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد ، وإنما يقتصر دوره على الأداء والرواية . وهذا عمل يتطلب الدقة والعناية النقلية ، ولا يقتضي نظرا فقهيا ولا عناية أصولية . وقد وصف الإمام الأعمش رحمه الله عملَ كلٍّ مِن الفقيه وراوي الحديث بوصف دقيق فقال : " يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة " انتهى . "نصيحة أهل الحديث للخطيب البغدادي" (1/45) . ولا يخفى أن عمل كُلٍّ من الطبيب والصيدلي عمل متكامل ، لا يستغني أحدهما عن الآخر ، فكان لكل منهما من الفضل والتأثير القدر البالغ من الأهمية ، وبذلك جاءت الشريعة أيضا تقر لكل من الفقيه والراوي بالفضل والأجر عند الله تعالى ، مع مزيد فضل للفقيه ( الطبيب ) الذي يعتني بالفهم والاستنباط . وقد استنبط بعض أهل العلم هذا التقرير من قوله صلى الله عليه وسلم : ( نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ ) رواه أبو داود (3660) قال الرامهرمزي (ت 360هـ) رحمه الله : " ففرَّق النبي صلى الله عليه وسلم بين ناقل السنة وواعيها ، ودل على فضل الواعي بقوله : ( فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ورب حامل فقه غير فقيه ) وبوجوب الفضل لأحدهما يثبت الفضل للآخر ، مثال ذلك أن تمثل بين مالك بن أنس وعبيد الله العمري ، وبين الشافعي وعبد الرحمن بن مهدي ، وبين أبي ثور وابن أبي شيبة ، فإن الحق يقودك إلى أن تقضي لكل واحد منهم بالفضل ، وهذا طريق الإنصاف لمن سلكه ، وعلم الحق لمن أمه ولم يتعده " انتهى . "المحدث الفاصل" (1/169-170) . وأما من جمع بين الحسنيين ، فوعى مقالة النبي صلى الله عليه وسلم ، وحفظ ما جاء به من العلم ، وتفقه في معانيه ، فانتفع به في نفسه ، ونفع به الناس ، فهؤلاء خير أصناف الناس قاطبة . عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا ، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا ، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ ، لَا تُمْسِكُ مَاءً ، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً . فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا ، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ) رواه البخاري (79) ، ومسلم (2282) . الغيث : المطر . الأجادب : الأرض التي لا تنبت كلأ . القيعان : جمع القاع وهو الأرض التي لا نبات فيها . يقول الإمام النووي رحمه الله : " أما معاني الحديث ومقصوده فهو تمثيل الهدى الذي جاء به صلى الله عليه وسلم بالغيث ، ومعناه أن الأرض ثلاثة أنواع ، وكذلك الناس : فالنوع الأول من الأرض ينتفع بالمطر ، فيحيى بعد أن كان ميتا ، وينبت الكلأ فتنتفع بها الناس والدواب والزرع وغيرها ، وكذا النوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحيا قلبه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع وينفع . والنوع الثاني من الأرض ما لا تقبل الانتفاع في نفسها ، لكن فيها فائدة ، وهي إمساك الماء لغيرها ، فينتفع بها الناس والدواب ، وكذا النوع الثاني من الناس ، لهم قلوب حافظة لكن ليست لهم أفهام ثاقبة ، ولا رسوخ لهم في العقل يستنبطون به المعاني والأحكام ، وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل به ، فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج متعطش لما عندهم من العلم أهل للنفع والانتفاع فيأخذه منهم فينتفع به ، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم . والنوع الثالث من الأرض السباخ التي لا تنبت ، ونحوها ، فهي لا تنتفع بالماء ، ولا تمسكه لينتفع بها غيرها ، وكذا النوع الثالث من الناس ، ليست لهم قلوب حافظة ، ولا أفهام واعية ، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا يحفظونه لنفع غيرهم " انتهى . "شرح مسلم" (15/47-48) . وقال ابن القيم رحمه الله : " شبه صلى الله عليه و سلم العلم والهدى الذي جاء به بالغيث ، لما يحصل بكل واحد منهما من الحياة والنافع والأغذية والأدوية وسائر مصالح العباد ، فإنها بالعلم والمطر . وشبه القلوب بالأراضي التي وقع عليها المطر ، لأنها المحل الذي يمسك الماء ، فينبت سائر أنواع النبات النافع ، كما أن القلوب تعي العلم فيثمر فيها ويزكو وتظهر بركته وثمرته . ثم قسم الناس إلى ثلاثة أقسام ، بحسب قبولهم واستعدادهم لحفظه وفهم معانيه واستنباط أحكامه واستخراج حكمه وفوائده : أحدها : أهل الحفظ والفهم الذين حفظوه وعقلوه وفهموا معانيه ، واستنبطوا وجوه الأحكام والحكم والفوائد منه ؛ فهؤلاء بمنزلة الأرض التي قبلت الماء ، وهذا بمنزلة الحفظ ، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وهذا هو الفهم فيه والمعرفة والاستنباط ... فهذا مثل الحفاظ الفقهاء ، أهل الرواية والدراية . القسم الثاني : أهل الحفظ الذين رُزِقوا حفظه ونقله وضبطه ، ولم يرزقوا تفقها في معانيه ولا استنباطا ولا استخراجا لوجوه الحكم والفوائد منه ، فهم بمنزلة من يقرأ القرآن ويحفظه ، ويراعي حروفه وإعرابه ، ولم يرزق فيه فهما خاصا عن الله ، كما قال على بن أبي طالب رضي الله عنه : ( إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه ) . والناس متفاوتون في الفهم عن الله ورسوله أعظم تفاوت ، فرب شخص يفهم من النص حكما أو حكمين ، ويفهم منه الآخر مائة أو مائتين ، فهؤلاء بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس فانتفعوا به ، هذا يشرب منه وهذا يسقى وهذا يزرع . فهؤلاء القسمان هم السعداء ، والأولون أرفع درجة وأعلى قدرا ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . القسم الثالث : الذين لا نصيب لهم منه ، لا حفظا ولا فهما ، ولا رواية ولا دراية ؛ بل هم بمنزلة الأرض التي هي قيعان ، لا تنبت ولا تمسك الماء . وهؤلاء هم الأشقياء ، والقسمان الأولان اشتركا في العلم والتعليم ، كل بحسب ما قبله ووصل إليه ، فهذا يعلم ألفاظ القرآن ويحفظها ، وهذا يعلم معانيه وأحكامه وعلومه ، والقسم الثالث لا علم ولا تعليم ، فهم الذين لم يرفعوا بهدى الله رأسا ولم يقبلوه ، وهؤلاء شر من الأنعام ، وهم وقود النار . فقد اشتمل هذا الحديث الشريف العظيم على التنبيه على شرف العلم والتعليم وعظم موقعه ، وشقاء من ليس من أهله ، وذكر أقسام بني آدم بالنسبة فيه إلى شقيهم وسعيدهم ، وتقسم سعيدهم إلى سابق مقرب وصاحب يمين مقتصد . وفيه دلالة على أن حاجة العباد إلى العلم كحاجتهم إلى المطر ، بل أعظم ، وأنهم إذا فقدوا العلم فهم بمنزلة الأرض التي فقدت الغيث . قال الإمام أحمد : الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين ، والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس " انتهى . "مفتاح دار السعادة" (1/65-66) . فيا أيها الأخ الكريم ، أين أنت من ذلك كله ، ومن أي أنواع الأرض ـ يا ترى ـ طينتك ، أمن التي انتفعت في نفسها ، ونفعت الناس ، فحفظت وتفقهت ، وعملت وعلّمت ؟ أمن التي حفظت لغيرها حتى انتفع ، والدال على الخير كفاعله ؟ إننا نعيذك بالله ، ونكرمك عن أن تكون طينتك من الأرض السباخ ، فلا أمسكت ولا أنبتت ، ولا حفظت ولا تفقهت ، ثم هي تقيم نفسها مقام الحكم بين الفريقين !! انظر في همتك ـ يا عبد الله ـ ووطنها على معالي الأمور ، واطلب لها الحفظ والفقه ، فإن عجزت عن بعض ذلك ، فليس أقل من أن تكون دالا على الخير ، حافظا لما أمرت به . قد رشَّحوك لأمرٍ إنْ فطِنتَ لهُ فاربأْ بنفسكَ أن ترعى مع الهَمَلِ والله أعلم . اللهم صلي وسلم علي سيدنا محمد وعلي اله الطاهرين |
![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
أدوات الموضوع | |
انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |