العقل بين المفهوم الغربي والبيان القرآني - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         النهي عن السفر بالمصحف إلى أرض العدو إذا خيف عليه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 512 - عددالزوار : 239183 )           »          جمال الحوض المورود (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          باب دعاء لقضاء الدَّين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5309 - عددالزوار : 2707877 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4911 - عددالزوار : 2057503 )           »          جوجل تُطلق نموذج الذكاء الاصطناعى مفتوح المصدر "Gemma 4" (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 73 )           »          آبل تفاجئ المطورين بإصدار جديد من iOS 26.5… لكن أين Siri 2.0؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 70 )           »          تسريبات تصميم Google Pixel 11 Pro XL.. تعرف عليها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 56 )           »          أبل تستعد لإطلاق آيفون فولد قريبا.. أول هاتف لها قابل للطى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 59 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-06-2026, 03:50 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,920
الدولة : Egypt
افتراضي العقل بين المفهوم الغربي والبيان القرآني

العقل بين المفهوم الغربي والبيان القرآني (1 / 2)

عرض: أحمد فتحي



أرسل الله إلى كلِّ أمةٍ نبيًّا يعلِّمها أمرَ دينها، وكان من حكمة الله - تعالى - البالغة أنْ كان كلُّ رسولٍ يأتي لينذر قومه بلسانهم الذي يتحدَّثون به، وبآيةٍ مما يختصُّ بها قومه؛ ليكون أبلغ في إقامة الحجة عليهم، وكان من شأن هذه الأمة أنْ أنزل الله إليها كتابًا هو خاتم الكتب، فكان عربيًّا مبينًا، وكان مُعجِزًا في ذاته، فكان العرب يستمعون القرآن ويُدرِكون ما فيه من المعاني بغير كُلْفةٍ ومشقَّة، بل كانت تُبهِرهم فصاحته وبيانه بما يملكونه من ذائقةٍ عربية سليمة، ثم احتاج المسلمون مع مرور الوقت وضعف المسلمين إلى ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبية.

وكانت الترجمة التي فرَضَتْها ضرورات الدعوة تحمل في طيَّاتها مخاطَرة الخطأ في توصيل المعنى المراد، خاصةً أنه قلَّما يجتمع في المترجم المؤهِّلات التي تُمَكِّنه من القيام بهذه المهمَّة الشاقَّة، بَلْهَ أن يستطيع ذلك مع كلام الله - تعالى - المعجز، فكان التتبُّع لأخطاء الترجمات وتتبُّع كيفية تلقِّي القارئ الغربي لها واجبًا تفرضه الحاجة إلى تصحيح مستمر، يعلم المتتبِّع له أنه لن ينقطع طالما أن البيان الإنساني لن يرقى يومًا للإحاطة بمعاني القرآن، وطالما كانت عملية الترجمة مجرَّد محاولة لتقريب النص الأصلي ولا تطرح نفسها بديلاً عنه.

تُعَدُّ ترجمة المستشرق الألماني رودي باريت للقرآن الترجمة العلمية الأهم إلى اللغة الألمانية؛ حيث تحظى بتقديرٍ علمي واحتفاءٍ شديد في أوساط المستشرقين والمسلمين على حدٍّ سواء، وقد تناوَلَها المهتمِّين بالدراسات الإسلامية وترجمة القرآن بالفحص والمراجعة والنقد، طوال عقودٍ من ظهورها؛ حيث التزمت الترجمة بالدقَّة في نقل المعنى، إلى الحدِّ الذي جعلها في بعض المواضع ترجمةً معقَّدة وغير مستساغةٍ للقارئ غير المتخصص.

نعرض في هذا المقال دراسةً قام بها الكاتب الألماني نافيد كرماني حول ترجمة رودي باريت لمصطلح (العقل) في القرآن الكريم، تحت عنوان "هل يدعو الله إلى العقل... ملاحظات حول معاني العقل في القرآن وترجمة رودي باريت لها"[1].

ونافيد كرماني هو واحد من أشهر الباحثين في الدراسات الإسلامية في ألمانيا، ويعمل الآن صحفيًّا مستقلاًّ في عِدَّة صحف ألمانية، كما أنه كاتب مسرحي وروائي معروف، برَز اسمه للرأي العام في السنة الماضية بسبب حصوله على جائزة ولاية هيسن الثقافية، ثم سحبها منه على إثر اعتراض اثنين من رجال الكنيسة على مشاركته لهما في هذه الجائزة؛ لأنه انتَقَد فكرة صلب المسيح في أحد مقالاته.

ترجع أهمية هذه الدراسة إلى إظهارها لأثر اختلاف السياق الثقافي في فهْم الغرب لحقيقة الإسلام والمفاهيم القرآنية، والذي يجعل الكلمة الواحدة تفقد كثيرًا من معناها أثناء استعمالها في محيطٍ مختلفٍ ثقافيًّا وتاريخيًّا عن البيئة التي نشَأت فيها، بل ربما تنتج الكلمة عكس مفهومها في بعض السياقات الأخرى.

يترجم باريت مشتقَّات الفعل (عقل)، والتي وردت في القرآن 49 مرة إلى التركيبين Verstand haben، أو verständig sein، واللذان يعنيان حرفيًّا: العقلاء، أو: الذين لهم عقول، وهنا يشير كرماني إلى المفارقة التي تظهر للمطَّلع على القرآن من خلال ترجمة باريت فحسب، إذا علم أن لفظة (العقل) بصيغتها الاسمية لم تَرِد في القران إطلاقًا.

تبحث هذه الدراسة المتعمِّقة مدى صحة هذه الترجمة في السياقات المختلفة للآيات، وما تثيره هذه الترجمات من تداعيات وتساؤلات لدي المتلقِّي الغربي؛ نتيجة اختلاف الثقافات والبيئات.

ووصولاً إلى هذا الهدف؛ فقد قسَّم كرماني الآيات ذات الصلة بموضوع العقل إلى عِدَّة مجموعات، تمثِّل المجموعة الأهم تلك الآيات التي ورَدَت فيها حجج عقلية قرآنية صريحة؛ مثل قوله - تعالى -: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ [آل عمران: 65]، وأمثالها من الآيات التي وَرَد فيها الفعل (يعقلون) في سياق المدح للذين آمنوا، والحض على طريقتهم في تدبُّر آيات الله؛ حيث يترجم رودي باريت قوله - تعالى -: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ [آل عمران: 65].

"Habt ihr denn keinen Verstand"
وهذه الترجمة نقلت المعنى عن طريق استخدام فعل الملكية، بالإضافة إلى كلمة العقل في صيغتها الاسمية التي أشرنا سابقًا إلى عدم ورودها في القرآن، ومع التسليم بأن هذه الترجمة ليست ترجمة خاطئة إلا أنها ليست صحيحة تمامًا، لماذا؟

لأن ترجمة باريت ليست قريبةً بما يكفي إلى النص الأصلي؛ مما يُوقِع القارئ في تداعيات خاطئة؛ لأن استخدام باريت للصيغة الاسمية أثناء ترجمة الفعل (عقل) يذهب بحيوية الجملة الفعلية وتجدُّدها، وهذه الملحوظة وإن بَدَتْ أسلوبية وغير جوهرية، إلاَّ أنها تؤدِّي إلى لَبْسٍ لدى المتلقِّي الغربي؛ حيث ارتبطت كلمة العقل بالمنطق اليوناني القديم بوصفه مرادِفًا للعقل الصحيح، مع ظلال أخرى للمصطلح مرتبطة بعصور التنوير والصراع بين الدين والعقل.

فضلاً عن ذلك، فإن استخدام فعل الملكية مع كلمة العقل يُوحِي للمتلقِّي أن القرآن ينفي وجود العقل عن غير المسلم، وهذا الخلط لا يَرِدُ على خاطر المستمِع العربي للآية، حيث نفيُ التعقُّل عن الكفار لا يعني أنهم ليسوا عقلاء، بل أنهم عقلاء لكنهم لا يحكِّمون عقولهم في هذا الشأن الذي تدعوهم له الآيات.

فالمعنى العربي لا يدور حول (صفة العقل)؛ بل حول (فعل التعقُّل)، وبالتالي فإن ترجمة روكرت تكون أقرب للصواب؛ حيث ترجمها باستخدام الفعل إلى: "O wollt ihr nicht verstehen".

وهذه الترجمة ليست أقرب إلى المعنى القرآني فحسب، ولكنها أقل تكلُّفًا وأكثر مناسبةً للصياغة العربية، من حيث استخدامُها للفعل بدلاً من الاسم المحمَّل بظلال فكرية وتاريخية غربيَّة غريبَة عن النص القرآني، كما يحمل معانيَ تجريدية فلسفية بعيدة عن روح القرآن.

يرى نافيد كرماني أن مفهوم (العقل) في الغرب هو مفهومٌ يوناني في أصله، ومصطبِغ بأفكار إيمانويل كانط في كتابه "نقد العقل المجرَّد"، التي جعل فيها المعرفة العقلية مقابِلاً للمعرفة الحسية، بينما العقل في القرآن يشمل هذا وغيره من أنواع المعرفة الحسية والنفسية، والنظر إلى آيات الله في الأرض، والاستماع إلى آيات الله في الوحي.

وقد تطرَّق نافيد كرماني إلى اختيار أفضل مُقابِل للفعل (عقل) في اللغة الألمانية، وذكر عِدَّة إمكانيات كان من أطرفها استحسانه للفعل einsehen الذي يتركَّب من بادئة مضافة إلى الفعل sehen بمعنى "يرى"، مما يُناسِب ويؤكِّد معنى الحق الموصوف دائمًا في القرآن بأنه (مبين)؛ أي: كأنه ظاهر للعيان والمشاهدة، لكن أكثر الترجمات تضليلاً للقارئ هي ترجمة رودي باريت؛ لأنها تربط مفهوم العقل في القرآن بمفهوم العقل لدى كانط في كتابه "Kritik der reinen Vernunft، أو "نقد العقل المجرَّد"، وهو الكتاب الذي يمثِّل عمود البناء للفلسفة الألمانية الحديثة، بل والأوربية أيضًا.

وسوف يتبيَّن من الآيات القادمة أن مفهوم العقل في القرآن ليس مساويًا لما يفهمه القارئ الغربي من العقل المقابل للمعرفة الحسية والمعرفة القلبية، وهذا موضوع مقال آخر.

[1] Appelliert Gott an den Verstand? Eine Randbemerkung zum koraniscg´hen Begriff "aql" und seiner Paretischen Übersetzung ein teil von Arabistische Texte und Studien Band 10.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم يوم أمس, 05:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,920
الدولة : Egypt
افتراضي رد: العقل بين المفهوم الغربي والبيان القرآني




العقل بين المفهوم الغربي والبيان القرآني (2 / 2)

عرض: أحمد فتحي




يواصل نافيد كرماني رحلتَه في استِكْشاف استِخدامات القرآن لمشتقَّات الجذر "ع ق ل"، ومدى وصول هذه المفاهيم إلى المتلقِّي الغربي - الألماني تحديدًا - عن طريق ترْجمة المستشرق الألماني رودي باريت.

يتناول نافيد كرماني مجموعة أخرى من الآيات التي ورد فيها الفِعْل "عقل" مقترنًا بذكْر الحواسِّ، كالسَّمع والبصر، أو فقْدها كالصَّمم والعمى؛ يقول الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 171]، وقد ترجم باريت قوله تعالى:﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 171] إلى الألمانية:
Taub sind sie، stumm und blind.Und sie haben keinen Verstand

مع استخدام التركيب المعتاد keinen Verstand haben مع ما فيه من الإشكاليَّات التي مرَّت الإشارة إليْها.

غير أنَّ هذه الترجمة قد ربطت بين قوله تعالى: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾[البقرة: 171]، وقوله تعالى: ﴿ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 171] بحرف العطْف الألماني und ممَّا أفقد الجملتَين ما بينهما من علاقة تسبُّب الأولى في الثانية، فقد اعتبرت التَّرجمة أنَّ الفاء عاطفة، فلم يظهَر في التَّرجمة معنى السَّببيَّة، فإنَّهم إذا كانوا صمًّا بكمًا عميًا، فقد انسدَّت عليهم أبوابُ التعقُّل وطرُقُ الفهْم بالكلِّيَّة، وهذا التَّرابط بين سلامة "استخدام الحواس" والتدبُّر والتعقُّل أكثر وضوحًا في قوله تعالى: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ [البقرة: 17-18]، حيث كان الصَّمم والعمى والبكم سببًا في عدم رجوعهم؛ لوقوعهم في الظُّلمات وعدم رجوعهم منها، وهو المثل المضْروب لهم في عدم تفكُّرهم في آيات الله وإعْراضهم عنها، ومع ذلك فقد أشار كرماني إلى إهْمال باريت لعلاقة السببيَّة الواضحة بين العمَى والظُّلمات من جهة، وعدم الرُّجوع من جهةٍ أخرى في ترجمة هذه الآية أيضًا؛ حيث ترجم باريت قوله تعالى: ﴿ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ [البقرة: 18] إلى:
und sie bekehren sich nicht باستِخدام حرف العطف دون الإشارة إلى علاقة السببيَّة.

ومن الآيات التي عرض نافيد كرماني من خلالِها علاقة السَّمع بالعقْل قولُه تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [يونس: 42]، حيث تبيِّن الآية أنَّ عدم التدبُّر والتأمُّل في آيات الله يجعل المستمِع إليها كالأصمِّ الَّذي لا سمع له، بل الآية تَجعل المعرِض عن الحُجَج الصَّحيحة الواضحة الَّتي أتَى بها النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليس أصمَّ فحسب وإنَّما أصمّ لا يعقل؛ تأكيدًا على معنى عدم انتِفاعه بالموعظة، وقد ترجمها رودي باريت على هذا النحو:
(unter ihnen gibt es welche، die hören dir zu (ohne dich zu verstehen). Willst du denn bewirken، dass die Tauben hören(und aufnehmen، was du sagst) auch für den Fall، dass sie keinen Verstand haben)، oder (Was nützt dein Bemühen)wenn sie nun (einmal) keinen Verstand haben

والقارئ لهذه الترْجمة يجد أنَّ الصورة التي يرسمها باريت جعلت جهود النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - في دعوة الكفَّار لا قيمة لها ولا جدوى منها؛ لأنَّ الكفَّار لا يسمعون ولا يعقلون، بينما المعنى المقصود من الآية تسْلية النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بسبب حزنه لعدم استجابتِهم لهداية القرآن مع وضوحها، فجاءت الآيات لتعلِّم النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّ الله قد طبع على قلوبِهم بإعراضهم عن الوحي؛ قال تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [الأنعام: 25]، وذلك هو عدْل الله فيهم.

يعطي نافيد كرماني مثالاً آخر للآيات التي وردت فيها العلاقة بين العقْل والحواسّ في القُرآن في الفترة المدنيَّة؛ ليبين علاقة مفهوم العقْل بالحواسّ في البيان القرآني، ومدى نجاح التَّرجمة في نقل هذه العلاقة بطريقة واضحة؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [الأنفال: 22]، والَّتي ترجمها رودي باريت:
(Als die schlimmsten Tiere gelten bei Gott die tauben und stummen، die keinen Verstand haben)

يعترض نافيد على التَّرجمة التي قدَّمها رودي باريت: أنَّ قارئ الترجمة سوف يفْهم من هذه التَّرجمة أنَّ الحيوانات التي لا تَسمع ولا تتكلَّم هي أقلُّ قدرًا - عند الله - من غيرِها من المخْلوقات، وهو فهم مقْطوع عن السِّياق الَّذي وردتْ فيه الآية، فضلاً عن ذلك فإنَّ الحديث لا يتعلَّق أصلاً بالحيوانات كما يبْدو من الترجمة؛ وإنَّما عن البشَر الَّذين لم يؤمنوا مع وضوح الدلائل؛ لذا فإنَّ التَّرجمة الأصحّ من وجهة نظر نافيد هي:
(Schlimmer noch als Tiere sind bei Gott die Tauben und Stummen، die nichts verstehen)

باستخدام أداة التشبيه als لبيان أنَّ الآية تتناول الَّذين كفروا وتشبِّهُهم بالأنعام، والتَّرجمة في الحالتين مبنيَّة على القول بأنَّ المقصود بالدوابِّ البهائم، وليس كلّ ما يدبّ على الأرض.

فضلاً عن ذلك فإنَّ التَّرجمة ينشأ عنها تناقض غير موجود بالأصل؛ نظرًا لاستخدام باريت للفظ Verstand والَّذي يعني العقْل بالمفهوم الفلسفي الغرْبي، وهنا يتساءل القارئ الغرْبي - وفقًا لكرماني - ما المعنى في وصف "ما لا عقْل له" بأنَّه أعمى أو أصمّ أو أبكم؟ وما هو الارتباط بين كوْن الشيء أعمى أو أصم، وبين كونه لا عقل له؟

وهذه التساؤلات لا تخطر على ذهن القارئ للقرآن؛ لأنَّ الحديث في الآية ليس عن وجود العقْل من عدمه، وإنَّما عن عدم إمكانيَّة التعقُّل والتدبُّر مع عدم وجود السَّمع والبصر، وبالتَّالي فإنَّ هذا يعني أنَّ السَّمع والبصر بلا فائدة؛ لأنَّهما لا يهْديان صاحبَهما إلى سواء السَّبيل، فالمعنى القرآني بعيد عن هذه التَّناقضات الناشِئة عن الترجمة.

ينشأ وهم آخر لدى المتلقِّي الغربي عند قراءة الترجمة التي أوردها باريت لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنفال: 55]، حيثُ يشير كرماني إلى إمكانية توهم القارئ الغربي أنَّ الإسلام يقسّم الحيوانات إلى مؤمنة وكافرة، يقول باريت في ترجمته للآية:
(Als die schlimmsten Tiere gelten Bei Gott diejenigen، die ungläubig sind und (auch) nicht glauben werden)

ومع أنَّ هذا التوهُّم غريب إلاَّ أنَّ التَّشويه المستمرَّ والمتعمَّد للإسلام - بوصفه دينًا يخالف العقل والمنطق - يجعل غير المسلم الَّذي ينشأ في الغرب مستعدًّا لتصوُّر هذه الأوْهام المضحكة، خاصَّةً إذا ساعده على ذلك احتِمال في التَّرجمة، ونافيد نشأ في الغرْب، وهو يدلُّنا على ما لا يعلمُه إلاَّ مَن نشأ بين ظهرانَي القوم وعلِم ما في عقولهم من مؤثِّرات خارجية، وهو يقترح ترجمة هذه الآية على النَّحو التالي:
(Schlimmer noch als Tiere sind bei Gott Undankbaren، die nicht glauben)

وهو بهذا يستخدم نفس الأدوات التي استخدمها في ترجمة الآية الأولى لبيان المقصود من الآية، وهو تشبيه الكافرين بالدَّوابّ الَّتي لا تعقل، بل جعلهم من شرِّ هذه الدَّواب؛ كما يقول تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179].

يرى نافيد كرماني أنَّ السَّبب في وجود هذا الخلل في التَّرجمتين السَّابقتين يرجع إلى عدم مراعاة باريت لعمْق تركيبة المعنى في القرآن، فالإنسان يتميَّز عن الحيوان بالعقل الَّذي يهتدي به إلى معرفة الحق واتِّباعه، والسَّمع والبصر اللَّذين لا ينتفع بهما العبد في التعرُّف على آيات الله لا فرق بينهما وبين الصَّمم والعمى؛ لهذا وصف الله الإنسان الذي لا يؤمن بآيات الله بأنه كالأنعام في عدم انتفاعه بالعقل؛ بل هو شر من الأنعام؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ﴾ [الإسراء: 26].

تعليق: تؤثر في المترجِم عدَّة مؤثرات تاريخيَّة وثقافيَّة، وتنعكس على تصوُّره للعالم ونظرته إليه، بعض هذه المؤثرات من العمق بحيث لا يُمكن للمترجم الإفلات من حيِّز تأثيرها عليه بوعي أو بغير وعي، هذا من جهة، ومن جهةٍ أُخرى فإنَّ الثَّقافة التي يترْجم منها قد تكون على درجة كبيرة من الاختلاف مع المنظومة التي نشأ بداخِلها، والتي يرى العالم من خلالها، كلّ هذه العوامل تَزيد من إمكانية وجود أخطاء في التَّرجمة والفشل في توصيل رسالة صحيحة إلى المتلقِّي.

فإذا أضفنا إلى هذه الصُّعوبات أنَّ المترجِم يُحاول نقل كلام الله - سبحانه وتعالى - فإنَّ الخطأ لازم لا محالة، وأصل الاختِلاف هنا هو أنَّ الفكر الغربي قد أقام صراعًا بين المعرفة التي نستمدُّها من الحواس في مقابل المعرفة التي نستمدُّها من العقل المجرد - بحسب تعبير كانط - واستمدَّ من الأولى منهجه التَّجريبي الَّذي أقام عليه حضارته، غير أنَّ هذا الصِّراع بين العقل والحواس لم يكن معروفًا في تاريخ الأمَّة الإسلاميَّة التي نشأ العلم التجريبي فيها من منطلق إيمانهم بالقرآن؛ وبالتَّالي فإنَّ تَحديد مفهوم العقل وعلاقته بالحواس اختلاف أعْمق من هذه الملاحظات اللُّغويَّة البسيطة في ظاهرِها، ولكنَّها دليل على تقاصر ترْجمات القرآن - خاصَّةً تلك التي قام بها غربيون - عن نقل معاني القرآن الكريم إلى الغرب.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 66.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 64.02 كيلو بايت... تم توفير 2.09 كيلو بايت...بمعدل (3.16%)]