عبادات عشر ذي الحجة القلبية - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 254 - عددالزوار : 111541 )           »          مواضع وأوقات استعمال الطيب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          غزة في ذاكرة التاريخ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 16 - عددالزوار : 23322 )           »          عكرمة -رضي الله عنه- وقصة السفينة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 2152 )           »          هل تسمعني.. ؟! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 175 )           »          الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 17 - عددالزوار : 12960 )           »          تفسير سورة الفاتحة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 6 - عددالزوار : 299 )           »          {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ}ا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 440 - عددالزوار : 144755 )           »          النهي عن السفر بالمصحف إلى أرض العدو إذا خيف عليه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 53 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > ملتقى الحج والعمرة
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى الحج والعمرة ملتقى يختص بمناسك واحكام الحج والعمرة , من آداب وأدعية وزيارة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 27-05-2026, 11:54 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,932
الدولة : Egypt
افتراضي عبادات عشر ذي الحجة القلبية

عبادات عشر ذي الحجة القلبية

د. محمد أحمد صبري النبتيتي

ساعات قليلة ونُقبِل على تلك العشر العظيمة التي عظَّمها الله تبارك وتعالى في كتابه، وكذلك عظَّمَها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال الله: ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: 1، 2]، وقال سبحانه: ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ﴾ [الحج: 28]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى الله من هذه العشر"، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله؛ إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء". وقال صلى الله عليه وسلم: "أفضل أيام الدنيا أيام العشر".

حديثي معكم عن أمر يغفل عنه كثير من الناس؛ فكثير من الناس يهتم بالعبادات الظاهرة ويتغافل عن العبادات الباطنة، وهي العبادات القلبية. فحديثي معكم عن عبادات العشر القلبية، وهي عبادات لا بد أن يهتم بها "القاعد" الذي لم يوفق لحج بيت الله، و"السائر" الذي امتنَّ الله عليه ووفَّقه لأداء الفريضة. والسعيد من الفريقين هو من حصَّل تلك العبادات القلبية.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". فبالقلب يتفاضل الناس؛ فلربما صلَّى رجلان صلاةً واحدةً وبينهما في الأجر والثواب كما بين السماء والأرض؛ لما وقر في قلب كل واحد منهما.

أولًا: عبادة الإخلاص:
العبادة الأولى هي الإخلاص. كثير من الناس قد يجتهد جدًّا في حجه وفي هذه العشر، لكنه يجتهد ليقال "مجتهد"، ويحج ليقال "حاج" عياذًا بالله. يفعل الأعمال ويتعب البدن وينفق المال ابتغاء الناس ومحمدتهم، والله تبارك وتعالى لا يقبل العمل الذي أريد به وجه الناس. إن كان الذي دفعك للحج هو إرادة وجه الله والخوف منه، فابشر بالحج المبرور الذي يغفر الله به الذنوب ويستر العيوب. أما إن كانت لدنيا أو مدح، فأنت من المحرومين. وقد قال الله عز وجل: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ... * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ﴾ [الحج: 30-31]، والمقصود الحذر من الشرك فلا بد للعبد من الحذر من الشرك بنوعيه الأكبر والأصغر مثل الرياء؛ فاجعل عملك لوجه الله وحده لتكون من الموفَّقين السعداء.

قال السعدي رحمه الله: ﴿ وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ [الحج: 37]، ففي هذا حثٌّ وترغيب على الإخلاص في النحر، وأن يكون القصد وجه الله وحده، لا فخرًا ولا رياء، ولا سمعة، ولا مجرد عادة، وهكذا سائر العبادات، إن لم يقترن بها الإخلاص وتقوى الله، كانت كالقشور الذي لا لُبَّ فيه، والجسد الذي لا روح فيه.

وقال تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾ [الإنسان: 8، 9].

قال تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2]؛ أي: صلاة ابتغاء وجه ربك، وكذلك انحر لله مبتغيًا بذاك وجهه سبحانه.

ثانيًا: عبادة الإخبات:
العبادة الثانية هي الإخبات، وقد ذكره الله في قوله: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ﴾ [الحج: 34]. والإخبات هو التواضُع والخضوع والاستكانة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى. وقال الله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [هود: 23]. والإخبات عمل قلبي لا يطَّلِع عليه إلا الله؛ قال تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الحج: 54]. فتخبت قلوبهم، من هم المخبتون؟

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [الحج: 34، 35].

﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾؛ أي: إذا ذكرت بالله خفت وتركت المعصية. وأيضًا: ﴿ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [الحج: 35].

ثالثًا: عبادة التقوى:
من العبادات القلبية أيضًا التقوى. والتقوى هي أن تتقي عذاب الله بفعل المأمور وترك المحظور. العبد التقي هو من يترك المعصية ويفعل الطاعة. وقد ركز الله على التقوى في العبادات؛ ففي الصلاة قال: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45].

وفي الزكاة قال: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 103].

وفي الصيام قال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]. وفي الحج قال: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ [البقرة: 197]. والتقوى محلُّها القلب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا"، وأشار إلى صدره.

قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32]، وفي ختام آيات أيام التشريق قال: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [البقرة: 203]. وعن الهدي والأضاحي قال: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ [الحج: 37]. فالله لا يريد لحمًا ولا دمًا، بل يريد التقوى التي في قلبك.

رابعًا: عبادة الإحسان:
من العبادات القلبية أيضًا الإحسان، قال تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الحج: 37]. والإحسان في علاقتك مع الله هو ما عرفه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وهذا مقام المراقبة. ويكون الإحسان مع الخلق بإطعام الفقير والمسكين، وبالإحسان إليهم بجاهك ومنصبك ومعاملتك؛ فخَالِقِ النَّاسَ بخُلُق حسن.

قال السعدي رحمه الله: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾ بعبادة الله بأن يعبدوا الله، كأنهم يرونه، فإن لم يصلوا إلى هذه الدرجة فليعبدوه، معتقدين وقت عبادتهم اطِّلاعه عليهم، ورؤيته إياهم، والمحسنين لعباد الله، بجميع وجوه الإحسان من نفع مال، أو علم، أو جاه، أو نصح، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو كلمة طيبة ونحو ذلك، فالمحسنون لهم البشارة من الله، بسعادة الدنيا والآخرة وسيحسن الله إليهم، كما أحسنوا في عبادته ولعباده ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60] ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26].

خامسًا: عبادة الرحمة:
ومن العبادات أيضًا الرحمة بالبشر والحيوان. الله يحب العبد ذا القلب الرحيم، قال تعالى: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴾ [البلد: 17]، وقال لنبيِّه: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: 159]. والرحمة بالبشر تظهر في إخراج الصدقة والأضحية وأنت طيب النفس بها، وليست كأنها "غُرم". قال الله: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ [الحج: 28]، وقوله: ﴿ وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ﴾ [الحج: 36]. أما الرحمة بالحيوان، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء... وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليُحِدَّ أحدكم شفرتها، وليُرِحْ ذبيحته". وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل يشحذ السكين أمام عين الشاة، فقال له: "أتريد أن تميتها ميتتين؟". فهو نبي الرحمة القائل فيه ربُّه: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107].

سادسًا: عبادة الاستعانة بالله:
من العبادات القلبية الاستعانة بالله. اعلم أنه لولا عون الله لما فعلت شيئًا. عندما نسمع المنادي يقول: "حي على الصلاة، حي على الفلاح"، نقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، ومعناها: أنه لولا حول الله وقوته ما صلينا ولا أفلحنا. وهذا من صلب الدين: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، والعبادة لله تنفي الرياء، والاستعانة تنفي الكبرياء.

سابعًا: عبادة التكبير وتعظيم الرب:
لماذا نكبر في هذه الأيام؟ التكبير هو لتثبيت تعظيم الله في قلبك؛ فالله أكبر من كل شيء، وأكبر من عباداتنا التي لا تليق بجلاله. قال تعالى: ﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185].

وقال: ﴿ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الحج: 37].

قال السعدي رحمه الله: ﴿ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ ﴾؛ أي: تُعظِّموه وتُجِلُّوه، ﴿ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾؛ أي: مقابلة لهدايته إياكم، فإنه يستحق أكملَ الثناء، وأجَلَّ الحمد، وأعلى التعظيم.

ثامنًا: عبادة الشكر:
أصل الشكر يكون في القلب ثم يطفح على اللسان والجوارح، تشكره سبحانه أن وفقك ومَنَّ عليك بالعبادة والحج والمال وجعلك صاحب يد عُلْيا.

قال تعالى: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الحج: 36].

وقال: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [آل عمران: 123].

تاسعًا: عبادة توقي الشح:
الشُّحُّ أمر مجبول عليه الناس، ﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ [النساء: 128].

قال السعدي رحمه الله: أي: جبلت النفوس على الشح، وهو: عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعًا؛ أي: فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخُلُق الدنيء من نفوسكم، وتستبدلوا به ضده وهو السماحة، وهو بذل الحق الذي عليك، والاقتناع ببعض الحق الذي لك. فمتى وفق الإنسان لهذا الخُلُق الحسن سهل حينئذٍ عليه الصلح بينه وبين خَصْمه ومعامله، وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب، قال تعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9].

وقال: ﴿ وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [التغابن: 16].

تذبح الهدي والأضحية طيبة به نفسك وتخرج منها الطيب لا الرديء، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [البقرة: 267].

وقال: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 92].

وقال: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾ [الإنسان: 8، 9].

عاشرًا: عبادة الخوف من الله:
قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 199].

قال السعدي رحمه الله: فالاستغفار للخلل الواقع من العبد، في أداء عبادته وتقصيره فيها، وذكر الله شكر الله على إنعامه عليه بالتوفيق لهذه العبادة العظيمة والمنة الجسيمة. وهكذا ينبغي للعبد، كلما فرغ من عبادة، أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق، لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة، ومَنَّ بها على ربِّه، وجعلت له محلًّا ومنزلةً رفيعةً، فهذا حقيق بالمقت، ورد الفعل، كما أن الأول حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر.

وقال: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201].

فرغم أن من حسنة الآخرة الوقاية من عذاب النار لكنهم لخوفهم ذكروا النار وعذابها.

قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [البقرة: 203].

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يُعيننا ويُعين حُجَّاج بيته على تحصيل هذه العبادات القلبية التي ترضيه. اللهم أعِنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم تقبَّل من حُجَّاج بيتك هذا العام، اللهم أخلص نيَّاتهم، وأرجعهم إلى أوطانهم بذنب مغفور وعمل مستور وتجارة لا تبور. اللهم لا تحرمنا من زيارة بيتك حجًّا واعتمارًا. اللهم اشْفِ مرضانا، وارحم أمواتنا، واغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وللمسلمين والمسلمات. ﴿ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [المؤمنون: 118]، ﴿ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [المؤمنون: 109]، ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحشر: 10].




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 81.97 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 80.29 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (2.05%)]