|
|||||||
| ملتقى الأخت المسلمة كل ما يختص بالاخت المسلمة من امور الحياة والدين |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
مفاهيم زوجية.. القوامة د. يحيى عثمان تناولنا في الحلقات السابقة: إخلاص النية لله في زواجي، هل المودة والرحمة هبة أم توفيق من الله؟ ونبدأ في هذه الحلقة بتناول بعض المفاهيم الزوجية ومع أول هذه المفاهيم، وهو: القوامة إن الزواج في الإسلام ميثاق غليظ، وقد حدد الشارع الحكيم ضوابطه، حتى تسير سفينة الأسرة المسلمة بعيدة عن أهواء النفس وغواية الشيطان، وكلف الرجل بالقوامة {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهم} (النساء: 34). يقول علماء اللغة: "قام بالأمر" يقوم" به "قياماً" فهو "قوام". ومن واقع ما يأتي إلينا من استشارات نرى أن الفهم الخاطئ لدى بعض الرجال لمفهوم القوامة يسبب العديد من المشكلات؛ فقد تكون شكوى الزوج -الذي وصل به الأمر إلى حافة الطلاق- أن "زوجتي لا تطيعني! أليس لي عليها حق القوامة؟"، عندما أسمع ذلك أعلم أن هذا الزوج فشل في أن يسوس حياته الزوجية وأنه لا يعلم من أمر حقوق وواجبات الحياة الزوجية غير أن يأمر فيطاع، وهذا هو فهمه القاصر للقوامة. إن قوامة الرجل تكليف وليس تشريفا؛ فهو القائم والمسؤول عن زوجته من حيث حمايتها ورعايتها وتوفير أسباب الحياة الكريمة لها من مسكن وملبس وخادم وكل الأسباب المادية لمتطلبات الحياة طبقا لقدرته المالية، بالإضافة إلى الرعاية المعنوية من حب وحنان وعلاقة حميمية وتقدير واحترام وحسن العشرة بصفة عامة، {وعاشروهن بالمعروف}. ومن القوامة ألا يضع الزوج زوجته في عوز، بل عليه أن يتلمس احتياجاتها ويلبي قبل أن تطلب، لأن الحياء قد يمنعها من المطالبة بحقها، خاصة ما يتعلق بالعاطفة والعلاقة الحميمية. إن قوامة الزوج لا تعني أن يكون السيد الآمر الناهي المطاع، ويكون نسخاً من الدكتاتورية والاستبداد الذي دمر الأمة من مستوى الحاكم المستبد إلى مستوى الزوج. فالقوامة بهذا المعنى ليست انتقاصاً من الزوجة، كما أنها ليست بسبب الجنس، فلم يقل المولى عز وجل: "الذكور قوامون"، بل قال: "الرجال"، لأن الأصل المساواة بين الجنسين إلا في أدوار الحياة {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} (النحل: 97)، وقد أشاد المولى بزوجة فرعون مصر وملكة سبأ، ومريم ابنة عمران. من أسباب الفهم الخاطئ للقوامة: تغليب الموروث البيئي على المقاصد الشرعية للأحكام: سادت في عصور ما قبل الإسلام فكرة دونية الأنثى وعلو مكانة الذكر، ولم يقتصر ذلك على الجزيرة العربية بل إنه كان أسوأ منه في كل المعمورة، حتى القرن الحادي والعشرون لم يسلم من بعض أشكال التمييز ضد المرأة، وحتى يبرر الزوج استبداده يبرر ظلمه بتفسيره الخاطئ لآية القوامة. عدم التدبر: إن تدبر الآيات الكريمة التي تناولت الأنثى والذكر تبين أن الأصل المساواة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "النساء شقائق لرجال"، وعندما بين المولى عز وجل لآدم وزوجه عداوة إبليس لهما وحذرهما من أن يخرجهما من الجنة، خص آدم بالقول "فتشقى"، ولم يقل فتشقيا، لأنه هو المسؤول عن زوجه بقوامته عليها، {فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} (طه: 117)، فإن قام بحق قوامته وجبت طاعته. عدم اتباع الهدي النبوي: لنا في سول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، لقد كان هينا لينا رفيقا بأهله، وكيف كان حلمه على سيدتنا عائشة رضوان الله عليها حينما كسرت الصفحة التي أرسلتها سيدتنا صفية أمام ضيوفه؟ جلس يجمع ما وقع من الطعام ويقول "غارت أمكم"؛ فعلى كل زوج أن يدرس ويتعلم من سيرته العطرة كيف كان زوجاً. مقومات قوامة الرجل: إن الأصل أن تقوم العلاقة بين الرجل والمرأة على الفضل قبل العدل، وعلى الحوار والتفاهم وليس الأمر والنهي، وفي الوقت ذاته يجب ألا تتحول القوامة إلى نوع من ممارسة السلطة المطلقة، {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}. ولعل من أهم واجبات قوامة الزوج لزوجته دعوتها لطاعة الله وتيسير معرفة دينها مهتديا بالتوجيه الإلهي {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125)، وكم أتعجب من زوج لم يهتم بإلزام زوجته باللباس الشرعي، ثم يثير مشكلة أنها لم تطعه في أمر دنيوي مثل ترتيب المنزل أو إعداد طعام يحبه! إن حق طاعة الزوج مرتبط بقيامه بحق زوجته في قوامته، وقد أفتى العلماء بأن الزوج الذي قصّر في نفقات زوجته رغم قدرته تسقط قوامته عليها، فمن المؤكد أن القوامة ليست فقط نفقة مادية بل هي منظومة شاملة ومتكاملة من المتطلبات المادية والمعنوية تكفل للزوجة حياة كريمة. وأود التركيز على المتطلبات المعنوية التي تدخل ضمن قوامة الزوج، وعليه تلبيتها: الحياة في معية الله: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول"، "أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ،.."، "فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لكَ مِن أَنْ يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ"، "خَيرُكم خَيرُكم لأهلِه، وأنا خَيرُكم لأهلي"، لذا فمن أولى أولويات القوامة أن يأخذ الزوج بيد زوجته إلى رحاب الله ويكون عونا لها على طاعته، فيحييا في معية الله. الأمان النفسي: إن شعور الزوجة بالأمان النفسي في حياتها الزوجية يعد من النعم الجليلة التي تحسبها الزوجة لزوجها، إن وفقه الله لها؛ فمعيشة الزوجة في مثلث التهديد والصراخ والتأنيب يحطمها نفسيا ويجعلها تتوجس من زوجها؛ لذا فإن من مقتضيات القوامة حرص الزوج على احتواء زوجته وإشعارها بالأمان النفسي في رحابه من خلال حسن الخلق وغض الطرف عن الهفوات والعفو عن الزلات، ويكون الهدف من أي معالجة لخطئها، هو ما هي الدروس المستفادة، وليس الانتقام. الارتواء العاطفي والحميمي: يعتبر الارتواء العاطفي والحميمي من خصائص العلاقة الزوجية، ورغم قيمة وأهمية باقي مقومات القوامة التي يمكن أن يكفلها للزوجة والدها إن عجز الزوج عنها، إلا أن الارتواء العاطفي والارتواء الحميمي للزوجة مرتبطان بعنق الزوج وحده؛ لذا فإن من قوامة الزوج ألا يضع زوجته في عوز وأن يراعي حياءها؛ حيث يستطيع بذكائه الوجداني أن يستشعر احتياجات زوجته؛ فلا يجعلها تعاني من العوز العاطفي أو الحميمي؛ حيث يمنعها حياؤها من التصريح بحقها. حمايتها: قَالَ رسُول اللَّهِ ﷺ: "منْ قُتِل دُونَ مالِهِ فهُو شَهيدٌ، ومنْ قُتلَ دُونَ دمِهِ فهُو شهيدٌ، وَمَنْ قُتِل دُونَ دِينِهِ فَهو شهيدٌ، ومنْ قُتِل دُونَ أهْلِهِ فهُو شهيدٌ"؛ فمن القوامة أن يحمي الزوج زوجته، وهنا أود التنبيه بل والتركيز على معنى "الحماية العامة"؛ فمن الطبيعي أن يحمي الزوج زوجته في الطريق العام، ولكن ما أود التنبيه إليه هو حمايتها من أي تطاول من جانب أهله؛ فليس من القوامة أن يقبل الزوج إهانة زوجته من أمه، بل وليس من البر بأمه أن يدعها تظلم نفسها بظلمها لزوجته، قال رسول الله ﷺ: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره"، هذا ليس معناه -أعوذ بالله- أن يتطاول على أمه مقتصاً لزوجته، بل عليه أن يتخذ من الأسباب ما يحمي به زوجته: مثل استقلالية المعيشة وعدم إقحام أمه في حياته الزوجية.. إلخ. المشاركة: إن شعور الزوجة بمشاركة زوجها في حياتهما يطلق طاقاتها الإبداعية، وشتان بين زوجة يراجعها زوجها فيما يعن له من أمر، وقد يفتح الله له برأيها آفاقا لم تخطر على باله، وأخرى همل رغم ما قد يوفره لها زوجها من أسباب المعيشة والرفاهية. وها هي سيدتنا أم سلمة أشارت على الرسول صلى الله عليه وسلم في حادثة صلح الحديبية "اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك.."، فأخذ بنصيحتها فتأسى به الصحابة وبفضل الله كان في رأيها الخير الكثير. هذا ملخص لأهم مقومات القوامة، التي إن وفق الله الزوج للقيام بها فسيجد الأثر الطيب من حب ولين وطاعة زوجته؛ بل ستسعى بفضل الله إلى مرضاته عنها. وفي النهاية هذه همسة في أذن الزوجة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت"، لذا على الزوجة أن تطيع زوجها وأن تساعده وتيسر له أمر القوامة وتكون لينة هينة وعونا له على أداء مسؤولياته. ____________________________ (*) استشاري علاقات زوجية وتربوية.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
مفاهيم زوجية.. هن لباس لكم وأنتم لباس لهن تناولنا في الحلقات السابقة: إخلاص النية لله في زواجي هل المودة والرحمة هبة أم توفيق من الله؟ مفاهيم زوجية.. القوامة ونتناول في هذه الحلقة: "..هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ..". من المفاهيم الأساسية في ضبط سلوكيات الزوجين، المعاني العظيمة التي يمكن فهمها من قول الله عز وجل {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} (النساء: 187). يقول الشيخ الشعراوي في تفسير هذه الآية العظيمة إن للباس ثلاثة وظائف أساسية هي الستر والحماية والجمال، وسنتناول أثر كل منها على سلوك الزوجين: الستر: من المهام الأساسية للزوج ستر زوجه، والستر له عدة معان بين الزوجين: إن الإفضاء بين الزوجين والارتواء بينهما يقوي النفس بعد اتباع الضوابط الشرعية على غواية الشيطان، فيكون كل زوج في ستر وكنف زوجه. ستر كل ما يدور بين الزوجين من تصرفات أو خلافات؛ فخصوصية العلاقة الزوجية تقتضي بل تحتم على كلا الزوجين ستر زوجه، فمن واقع ما يعرض علينا من مشكلات أستطيع أن أؤكد أنه قد يحدث خلاف بسيط، ولكن تسريب أحد الزوجين لذلك الخلاف للخارج عادة ما يؤدي إلى تعقيد الأمور. ستر العلاقة الحميمية: فعن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجال والنساء قعودا عنده فقال: "لعل رجلاً يقول ما يفعله بأهله، ولعل امرأة تخبر ما فعلت مع زوجها، فأرَمَّ القوم (يعني سكتوا ولم يجيبوا) فقلت: إي والله يا رسول الله، إنهن ليقلن وإنهم ليفعلون". قال: "فلا تفعلوا فإنما مثل ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة في طريق فغشيها والناس ينظرون"، وهنا يحذر الرسول صلى الله عليه وسلم كلا الزوجين من إفشاء العلاقة الحميمية، وفي هذا حفاظ على أمانة هذه العلاقة المقدسة وأن تكون بمنأى عن أعين الناس. كما أنها علاقة خاصة جدا وحتى لا يدخل الشيطان للنفس من جانب المقارنة (زوج فلانه أكثر إمتاعا لزوجته من زوجي)، نعوذ بالله أو (يتطلع الصاحب لزوجة صاحبه بعد ما حكى له ما دار بينه وبين وزوجته). كما أنه من الناحية الشرعية لا يحق لأحد الزوجين أن يهتك ستر زوجه حتى أمام المصلحين، نعم عليه أن يوضح أسباب الخلاف، ولكن الحذر من التعرض للموضوعات خارج نطاق دائرة الخلاف، وحتى وهو يتناول موضوع الخلاف يتناوله بألفاظ ساترة. كما أنه واجب على كلا الزوجين أن يكون عينا لزوجه، فيستره: من الناحية المادية: على سبيل المثال إذا كان زي الزوج غير مناسب من الناحية الشرعية أو الاجتماعية، فعلى زوجه تنبيه لذلك. من الناحية المعنوية: على سبيل المثال قد يكون الزوج يتعمد المبالغة في الحديث أو السؤال عما لا يخصه أو التدخل فيما لا يعنيه، مما قد ينتقص من قيمته، فعلى زوجه تنبيهه إلى ذلك دون خدش حيائه أو الانتقاص منه. الزوجة التي تعلم أن زوجها ضعيف أمام النساء ويصعب عليه غض البصر عليها أن تأخذ بأسباب حمايته وتجنبه ذلك كما أن ستر الزوج لا يتضمن فقط ستره من أعين الآخرين، بل ستره من نفسه، بمعنى أنه قد يطلع الزوج على نقص مادي أو معنوي في زوجه، ولكن زوجه قد يجهل أن به هذا النقص أو يعلمه ولكنه يتجاهل هذا النقص، فيجب ستره من نفسه! هذا لا يتعارض مع الشفافية التي سنتناولها إن شاء الله في حلقة مستقلة، ولكن يجب على الزوج أن يعالج هذا النقص في زوجه دون أن يهتك ستره أمام نفسه أو يجرح حياءه. الحماية: على كل من الزوجين حماية الآخر، وطبعا الحماية المادية للزوجة حقا على الزوج، قال الرسول صلى الله عليه وسلم "..ومنْ قُتِل دُونَ أهْلِهِ فهُو شهيدٌ"، ولكن وهو المهم الحماية المعنوية. للأسف قد يفهم بعض الأزواج البر بالأهل خطأ، فتكون زوجته مباحة لأمه أو إخوته الإناث! ولا يرد عنها غيبتهم لها حفاظا على بره لهن! وهذا ظلم لنفسه وأهله قبل أن يكون تخلي عن واجب الحماية لزوجته. كما يجب على الزوج حماية زوجه من نفسه، فإن علم أن به ضعفا ما، فعليه حمايته من ضعفه؛ فالزوجة التي تعلم أن زوجها ضعيف أمام النساء ويصعب عليه غض البصر، عليها أن تأخذ بأسباب حماية زوجها من هذا الضعف وتجنبه ذلك. كما أن الزوج الذي يعلم ضعف زوجته أمام التسوق عليه أن يجنبها ذلك. كما أنه إذا علم الزوج أن زوجه إذا غضب فقد قدرته على ضبط تصرفاته وأُغلق عقله، فعليه تجنب غضبه وحمايته من هذه الآفة. من القصص الرائعة التي تتضمن التطبيق العملي لذلك: أن زوجة كانت جميلة وتعتز بإطراء زوجها لها، وإشادته بحسنها، ولكنها لاحظت أن معدل تساقط شعرها زاد، ورغم أنها ما زالت في منتصف العقد الرابع من عمرها إلا أن بعض التجاعيد بدأت تزحف على وجهها. ذهبت مع زوجها للطبيب الذي طلب منها بعض التحليلات، واتصل الطبيب بالزوج ليخبره أن نتائج التحليلات تبين أن زوجته مصابة بفيروس نادر لا علاج له، ومن أعراضه شيخوخة مبكرة. خاف الزوج على زوجته من الصدمة، واستسمحه ألا يخبرها وأن يطمئنها وعليها أن تستخدم بعض الكريمات. بعد يومين عاد الزوج إلى بيته وهو معصوب العينين، وأخبر زوجته وهو يهون عليها أمر إصابته، بأنه أثناء متابعته للعمال في مصنعه ارتطم بإحدى الآلات في جبهته، وتم نقله إلى المستشفى، ولكن تبين إصابة أدت إلى فقد بصره. عاشت الزوجة عدة أشهر مع زوجها الضرير الذي دوام على إطرائه والتغني بجمالها، وهي في قمة السعادة رغم أن مظاهر الشيخوخة تزحف على جمالها، إلى أن وافتها المنية. فوجئ الناس بالزوج الضرير مبصراً! وهو يجهز دفن زوجته باكياً! فأجاب: "عندما علمت بمرض زوجتي، أدركت حجم الآلام النفسية التي سوف تعانيها ليس فقط بسبب المرض ولكن بسبب ما سوف تراه في عيني من شفقة وحزن، وهي العين التي كانت ترى فيها جمالها. لقد كنت خائفا عليها من هول الصدمة، فآثرت أن أعيش معها ضريرا موهما إياها بأنني ما زلت أراها بجمالها، حتى أحميها من نفسها". الحرص على أن أبدو جميلاً في عين زوجي لا يرتبط بسنوات الزواج الأولى لكنه قيمة في الحياة الزوجية الجمال: يجب أن يحرص الزوج أن يكون في أجمل وأبهى صورة في عين زوجه. وهنا أوجه حديثي خاصة للأزواج، فكم أعجب من زوج كرشه ممتد أمامه، ويصف زوجته بأنها لم تعد رشيقة بعد أن ولدت له عدة أولاد وأرضعتهم وخدمته هو وهم، يقول الله عز وجل {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (البقرة: 288)، وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنه "إني لأتزين لزوجتي كما أحب أن تتزين لي". وفي المقابل هذه الأخت المحجبة التي قد تذهب إلى عملها وهي معتنية بزينتها، ولكن لا تعطي نفس القدر من العناية بمظهرها بالمنزل، حتى وهي بالمطبخ أو وهي تنظف المنزل يجب أن تحرص على أن تبدو جميلة أمام زوجها. الجمال لا يعني التكلف أو المبالغة سواء في تكلفة الجمال أو مستوى التجمل، ولكنه قيمة يجب أن يحرص عليها الزوجان؛ فالحرص على أن أبدو جميلا في عين زوجي، لا يرتبط بسنوات الزواج الأولى، لكنه قيمة في الحياة الزوجية، بل يجب على الزوجين الحرص على هذه القيمة دون مبالغة. إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان أسبق الناس للتزين لزوجاته، وقال صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" رواه الترمذي، وقال ﷺ: "استوصوا بالنساء خيرا" رواه الشيخان ومن الخيرية بالزوجة التجمل لها. وكان أول ما يفعله عند دخوله البيت استخدام السواك. كما أقر ﷺ سليمان الفارسي على وصيته لأبي الدرداء رضي الله عنهما وقد تضمنت وصيته ".. وإنَّ لأهلِكَ عليكَ حقًّا، فأَعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه.." زواه الترمذي. كما أنه نهى عن أكل ما فيه رائحة مكروهة. ويروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، عندما دخل على رجل أشعث أغبر ومعه زوجته تقول: يا أمير المؤمنين لا أريد هذا الرجل، أمره عمر بالاستحمام وتهذيب شعره وتقليم أظفاره، ففعل الزوج، فلما رأته الزوجة رجعت عن طلبها فقال سيدنا عمر: "هكذا فاصنعوا لهن، فوالله إنهن ليحببن أن تتزينوا لهن كما تحبون أن يتزين لكم". إن نظافة الزوج وتزينه لزوجته من المعاشرة بالمعروف التي أمر بها المولى عز وجل الرجال للنساء، وقد قال الفقهاء إن الزوجة لو امتنعت عن الجماع لوجود شيء يضرها وتأذت به تأذياً لا يحتمل لم تعد ناشزا، وواجب الزوج أن يعالج نفسه إن كان به مرض، أو يعتني بنفسه إن كان سببه الإهمال، فكما من حق الزوج على زوجته النظافة والتجمل، أيضأ من حق الزوجة على زوجها النظافة والتجمل. كما أنني أستطيع أن أؤكد من واقع تحليلنا لما يعرض علينا من طلب استشارات: أن أحد الأسباب الرئيسة للمشاكل الزوجية هو عدم الإشباع العاطفي والحميمي، الذي من أهم أسبابها عدم الاهتمام بالنظافة والصحة الذاتية والعناية بالتجمل والزينة الشخصية. كم أشفقت على إحدى الأخوات وهي تروي "مأساة الليل" كما سمتها، فزوجها لا يعتني بنظافته حتى الغسل الشرعي يكتفي بإسالة الماء، وحتى عندما تصر بعد عودته من عمله أن يغير ملابسه الداخلية، فسرعان بعد دقائق ما تزكم أنفها. مآسٍ للأسف كثيرة تتعلق بالنظافة الشخصية خاصة ما يتعلق بالبخر الذي كان سببا في نفور أحد الأزواج والطلاق. القرب: كما يتميز اللباس بالقرب، نعم الزوجان هم الأقرب لبعضهما، فرغم قدسية علاقة الوالدين، إلا أن بعد الزواج يكون الزوج بالمعايشة هو الأقرب، دون الإخلال بالحرص على بر الوالدين طاعة وقربى لله. إن طبيعة العلاقات الزوجية بما تتضمنه من عاطفة وحميمية تجعل من هذا الرباط الذي سماه المولى عز وجل "ميثاقا غليظا" قدسية وخصوصية في القرب بين الزوجين. ____________________________ (*) استشاري علاقات زوجية وتربوية.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
مفاهيم زوجية.. علاقة الزوج بأهل زوجه د. يحيى عثمان تناولنا في الحلقات السابقة:
تعتبر علاقة الزوج بأهل زوجه من أهم المؤثرات الخارجية على علاقة الزوجين معاً، ومن واقع ما يرد إلينا من استشارات فهي بصفة عامة علاقات غير إيجابية التأثير؛ وذلك لعدة اعتبارات لعل من أهمها الإعلام الفاسد بما يبثه من نماذج سلبية عن مشاعر أم الزوج نحو زوجة ابنها ومن الزوجة نحو أم زوجها، وفي المقابل أيضا مشاعر الزوج نحو أم زوجته وأم الزوجة نحو زوج ابنتها؛ ما يؤدي للأسف إلى أن كل طرف يبدأ علاقته بالطرف الآخر وهو مشحون سلبيا تجاهه، حتى أصبحت هذه العلاقة محل تندر وسخرية لاذعة خاصة تجاه الأمهات (العمات / الحموات). ولكن رغم سلبية هذا الإعلام فإن المفهوم الخاطئ لهذه العلاقة –في رأيي- قد يكون هو الأكثر تأثيرا خاصة لدى الزوج وأهله مقابل الزوجة. ولكن قبل الاسترسال دعوني بداية حتى لا يساء فهم مضمون ما أرنو إليه توضيح معنى مهم جداً وهو يعتمد على التفريق بين الفرض الذي أكون آثما إن لم أفعله، والفضل الذي ندبنا الشارع الحكيم إلى فعله لزيادة الأجر ولا نأثم إن لم نفعله.
يقول المولى عز وجل {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} (الإسراء: 23، 24). ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم "رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ، قيلَ: مَنْ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: مَن أدْرَكَ أبَوَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ، أحَدَهُما، أوْ كِلَيْهِما فَلَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ" صحيح مسلم 2551". هذا الأمر من الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم بفرض البر على الأولاد، وليس فرضا على زوجاتهم، وأن هذا المفهوم الخاطئ لدى بعض الأزواج يسبب العديد من المشكلات. وهنا تأتي مشكلة وهي: مرض أو تقدم العمر بالوالدين بحيث يحتاجان إلى من يرعاهما رعاية شاملة، والسؤال المهم هو عن كيفية القيام بهذا الفرض وهو بر الوالدين؟ مع حق الزوجة في سكنها الخاص، والشارع الحكيم لم يلزمها برعاية الوالدين! هناك بدائل عدة لكن سأفترض أن الوالدين ليس لديهما غير ولد وحيد وطاقته المادية لا تسمح له بإحضار من يرعاهم بسكنهم؛ فما الحل؟ فعلى الزوج في هذا الحالة استثارة النوازع الإيمانية لدى زوجته وتوضيح أن هذا فضل منها، وليس فرضا عليها رعاية والديه، ويذّكرها بأجرها العظيم بفضل الله، ويحاول أن يعوضها معنويا وعاطفيا، ويبالغ في الإحسان إلى والديها، ويتعاون معها ويحث أولاده على مساعدة والدهم على ذلك وهو فرض عليهم، وإن أمكن توفير خادمة فعليه ذلك. المهم أن يعلم أن هذا فضل من زوجته، وليس فرضا عليها، وينطلق من هذا المفهوم والأخذ بكافة الأسباب لتقليل العبء على زوجته.
الأصل في الإسلام المساوة، يقول صلى الله عليه وسلم: "لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأبيضَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أبيضَ، إلَّا بالتَّقوَى، النَّاسُ من آدمُ، وآدمُ من ترابٍ" صححه الألباني؛ فلا معنى ولا قيمة للاهتمام بعائلة الزوج دون الزوجة، ولكن يجب الاهتمام من كلا الزوجين بكلتا العائلتين، ولتكن الأولوية للأكثر احتياجا طبقا لحالته وليس لصلة قرابته للزوج أو للزوجة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لم يرحمْ صغيرَنا، ويُوَقِّرْ كبيرَنا" (صحيح الجامع)؛ فالأكبر سنا هو الأولى، وكذلك المريض والمحتاج وهكذا في سائر الالتزامات العائلية سواء أكان من أهل الزوج أم الزوجة؛ لذا يجب على كلا الزوجين معاملة الأهل بكل التقدير والرعاية. ---- (*) استشاري علاقات زوجية وتربوية.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
مفاهيم زوجية.. ماهية الزواج د. يحيى عثمان تناولنا في الحلقات السابقة:
يُعرف الزواج لغة بأنّه الارتباط والاقتران، حيث يحدث بين شيئين يرتبطان معاً، كما يعرف أيضا بأنه الضم. ويُعرف الزواج شرعاً بأنّه ميثاق غليظ عن تراضٍ وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام، واستمتاع كلّ من الزوج والزوجة ببعضهما وغايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرّة برعاية الزوجين. لذا فالزواج اقتران بين مسلم ومسلمة، وزواجهما، بمعنى صار كلاهما زوجا للآخر، فصارا زوجين بعد أن كان كل منهما فردا واحدا؛ فقبل الزواج كان هناك رجل يدعى زيد وأنثى تدعى سمية -مثلا، كل منهما له الحرية في حدود ما أباح له الشارع الحكيم في تصريف حياته، وبعد الزواج أصبح هناك زوج سمية وزوجة زيد، وأصبح لهما رؤى وحياة مشتركة يتعاونان ويتكاملان في بناء كينونة خاصة بهما؛ فهناك مقاصد عدة للزواج وفقاً للشريعة الإسلاميّة منها حفظ النوع الإنساني وتكاثره لعمارة الأرض وعبادة الله. وأود التفريق بين الدافع للزواج وأهداف الزواج، فالدافع الرئيس والطبيعي للزواج هو استمتاع الزوجين ببعضهما الذي من خلاله تتم المقاصد الشرعية للزواج. ولعل وصية أمامة بنت الحارث الشيباني لابنتها أم إياس عند زفافها إلى عمرو بن حجر أمير كندة التي قالت فيها: "أي بنية إن الوصية لو تركت لفضل أدب تركت لذلك منك، ولكنها تذكرة للغافل ومعونة للعاقل، ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها كنت أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال". والتعبير المهذب من الأم لابنتها "النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال" يتضمن الدافع للزواج وهو الاستمتاع، ولا يتحقق ذلك إلا بحياة الزوجين معا في بيت واحد خاص بهما حتى وإن كان هناك ما يستدعي معيشتهما مع الأهل –وهذا استثناء– فيجب أن تكون لهما حياتهما الخاصة حتى يتمكنا من الاستمتاع ببعضهما. إن الاستمتاع ليس فقط العلاقة الحميمية بل هو منظومة شاملة ومتكاملة من التواصل العاطفي من خلال نظرة امتنان وشوق ولمسة حانية وكلمة حب رقيقة، والتواصل الوجداني من تقدير واحترام وعفو وتجاوز، ومن خلال إعداد الزوجة لوجبة طعام يشتهيها زوجها بكل حب وإتقان ولقمة هنية يطعمها الزوج زوجته، ومن خلال كلمات إطراء وإشادة الزواج بجمال تسريحة زوجته، وبقيمة كل زوج في حياة زوجه ولهفة الزوج على زوجه إذا ما ألم به مكروه، وغير ذلك كثير من وسائل الاستمتاع المعنوي والمادي بين الزوجين. لماذا هذه المقدمة؟ حتى أوضح معنى الزواج، وأن العقد يعطي فقط الإطار الشرعي للعلاقة، لكن لا يلبى دوافع الزواج وهو الاستمتاع، ولا تتحقق مقاصده إلا من خلال الحياة المشتركة؛ لذا فآثم شرعا من يترك زوجه دون ضرورة شرعية كالجهاد أو العمل لسداد ديونه أو ديون والديه مثلا. أما بُعد الزوج عن زوجه بدون ضرورة شرعية كتحسين مستوى معيشتهم فيجب أن يتوافق الزوجان على ذلك. وأؤكد أنه لا يحق لأحد الزوجين البعد عن زوجه من غير ضرورة شرعية دون موافقة زوجه. ومن واقع الاستشارات التي تعرض علينا، أحذر من المصائب التي تترتب على بُعد الزوجين عن بعضهما، بفرض توافقهما على ذلك بحجة تحسين مستوى المعيشة! وصية الفاروق عمر رأى بعض الفقهاء أن "أقصى مدة يغيبها الزوج عن زوجته هي أربعة أشهر فقط"، حسب ما أوصى به الفاروق عمر رضي الله عنه لقادة الجيوش ألا يغيب الجند عن أهلهم أكثر من أربعة أشهر. فقد جاء في المأثور أن عمر رضي الله عنه سمع – وهو يتفقد أحوال رعيته ليلا- زوجة تنشد شعرا تشكو فيه بُعْدَ زوجها عنها لغيابه مع المجاهدين، وتضمن شعرها تمسكها بدينها وبوفائها لزوجها، ولولا ذلك لهان عليها بعده، وذلك بآخر يؤنسها في غيبة الزوج. ومن المؤكد أن الجهاد أقدس ضرورة لغياب الزوج عن زوجه. ولا مجال لمقارنة البيئة النفسية للزوج الذي يجاهد في سبيل الله وزوجه التي تعيش في البادية وتقدر أسباب بعد زوجها عنها، وفي المقابل الزوج الذي سافر لتحسين مستوى معيشة أهله، وترك أهله يعيشون بعيدا عنه في مدينتهم، وكلنا نعلم للأسف مدى حالة التراجع القيمي بالإضافة إلى آثار الإعلام ودوره في الإثارة ناهيك عن التطبيقات التي تثير الغرائز وتسهل التواصل بين الجنسين. فكلا الزوجين يعيش في عالم مليء بالفتن؛ لذا فلا مجال للمقارنة بين البيئة التي طبق فيها قرار الفاروق عمر بالبيئة التي نعيشها الآن. وقد جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: "ذهب الفقهاء إلى أن للزوج أن يطالب زوجته بالوطء متى شاء إلا عند اعتراض أسباب شرعية مانعة منه كالحيض، والنفاس، والظهار والإحرام ونحو ذلك، فإن طالبها به وانتفت الموانع الشرعية، وجبت عليها الاستجابة". وهناك أحاديث صحيحة في تأثيم من تمتنع عن زوجها دون عذر شرعي. يقول المولى عز وجل: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ..} البقرة 228. إن الاستمتاع بالحياة الزوجية من تبادل عاطفي وجنسي ورعاية واهتمام وتقدير وامتنان وأمان واطمئنان هو حق لكلا الزوجين؛ فكيف يتحقق بالتباعد بين الزوجين؟ ومن المفارقات التي تعرض علينا في الاستشارات أن الزوجة تعبر لزوجها صراحة بعدم موافقتها على سفره ويعلل ذلك هو بتحسين معيشتها والأولاد، ويتركها تكابد نار الوحدة ويعرضها للفتن، ناهيك عن تحملها مسؤولية الأسرة؛ فأنا أرى والله العليم أنه آثم لأنه حرم نفسه من زوجته وحرمها منه وعرّضها وإياه للفتن. وقد يتبجح أحدهم فيصدم زوجته بزواجه، ويبرر ذلك: أليس هذا حقي الشرعي؟ وهنا نسأله: وأين حقها هي؟ ألم تسمع وصية النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "ألا إنَّ لكم على نسائكم حقًّا، ولنسائكم عليكم حقًّا"؟ وقوله صلى الله عليه وسلم "ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عوانٌ عندكم.." (سنن الترمزي 1163)، فأعطها حقها كاملا ثم قل هذا حقي. يقول المولى عز وجل: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء: )19، وكيف يتحقق المعروف والزوجان لا يعيشان معا؟ فالعشرة تعني المعايشة وتتضمن الملازمة والمصاحبة، لذا فالزواج معناه أن يعيش الزوجان معا، ولا يفترق زوج عن زوجه بالشهور ليلتقيا أسابيع ثم يفترقا وتستمر حياتهما ويسمى هذه زواج! يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعليه بالصَّوْمِ؛ فإنَّه له وِجَاءٌ" صحيح مسلم 5056، من رزقه الله بما يمكنه من الزواج فعليه الزواج، ومن لم يستطع فعليه الاستعانة بالله والصيام والصبر حتى يرزقه الله؛ لذا لا يقبل أن أتزوج وأترك زوجتي بحثا عن الرزق والله تعالى هو القائل: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} (الذاريات: 22، 23).
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
مفاهيم زوجية.. لمن البيت؟ د. يحيى عثمان تناولنا في الحلقات السابقة:
بيت الزوجية.. بيت من؟ قد يظن بعض الأزواج أنه بصفته مكلفا شرعا بتوفير بيت الزوجية وتأثيثه والإنفاق على زوجه أن البيت بيته! ولكن الله جل شأنه يقول: "وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا" (الأحزاب: 33، 34). فرغم أن الزوج هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وشرف لأمهات المؤمنين أن تنسب البيوت لزوجهن وهو الذي مدحه الله عز وجل {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم: 4)، إلا أن الشارع الحكيم نسب البيوت لزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم والزوجات المسلمات من بعدهن. هذا ليس فقط في حالة المعاشرة بالمعروف، ولكن إذا ما وقع الطلاق؛ فمن حق المعتدة البقاء في بيتها {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (الطلاق: 1)، أيضا نسب الله البيت للمعتدة، ومن يخرجها فقد تعدى حدود الله وظلم نفسه. كما أن الله نسب البيت لامرأة عزيز مصر {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} (يوسف: 23). الحالة الوحيدة التي لم ينسب فيها البيت للزوجة هي عند وقوعها في الفاحشة حيث قال تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} (النساء: 15). من واقع ما يعرض علينا من استشارات، نستطيع أن نؤكد أن الفهم الخاطئ "البيت بيتي" عند بعض الأزواج، يترتب عليه مشاكل زوجية عدة، منها على سبيل المثال:
أهل الزوج في بلد آخر، يعمل الزوج تأشيرة لوالدته -جزاه الله خيرا فهذا من بره بأمه- دون علم زوجته، وتفاجأ الزوجة أن الخادمة تعيد ترتيب البيت لتخصيص حجرة لأم زوجها بناء على طلب الزوج –ونؤكد جزاه الله خيرا هذا على بره بأمه– وعندما تستفسر الزوجة يكون رده: "البيت بيتي! وهل أستأذنك في بر أمي؟" وبناء على هذا المفهوم الخاطئ تدير الأم البيت؛ فالزوج مشتاق أن يأكل من يد أمه. نعم من حق الزوج دعوة أمه، وهذا من صور البر بها، المفرض عليه شرعاً:
(*) استشاري علاقات زوجية وتربوية.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |