كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5375 - عددالزوار : 2770195 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4983 - عددالزوار : 2105000 )           »          التفسير بمكتشفات العلم التجريبي بين المؤيدين والمعارضين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          الشرط الجزائي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 18 )           »          مسألة ميراث المطلقة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          روعة الضحى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 520 - عددالزوار : 249739 )           »          مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 72 - عددالزوار : 43500 )           »          الزواج الثاني.. واللف والدوران! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 66 )           »          القرآن.. مهري للزواج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 52 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > ملتقى اخبار الشفاء والحدث والموضوعات المميزة > رمضانيات
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

رمضانيات ملف خاص بشهر رمضان المبارك / كيف نستعد / احكام / مسابقات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11-05-2026, 11:57 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,162
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)



كتاب الصيام والحج من الدر المختار
وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)
فقه حنفى
من صـــ 593 الى صـــ 599

(61)





[رد المحتار] المضمرات قهستاني. قال صاحب اللباب بعد نقله عنه: وهو قيد حسن يزيل بعض الإشكالات.
قال القاري: قلت: من جملتها المضي في الأفعال، لكن في عدم الإبطال أيضا نوع إشكال وهو القضاء إلا أنه يمكن دفعه بأنه ليؤدى على وجه الكمال. اهـ.
أقول: حاصله أنه ليس المراد بالفساد هنا البطلان بمعنى عدم وجود حقيقة الفعل الشرعية كالصلاة بلا طهارة بل المراد به الخلل الفاحش الموجب لعدم الاعتداء بفعله ولوجوب القضاء ليخرج عن العهدة، فالحقيقة الشرعية موجودة ناقصة نقصانا أخرجها عن الإجزاء، ولهذا صرح في الفتح عن المبسوط بأنه بإفساد الإحرام لم يصر خارجا عنه قبل الإعمال اهـ ولو كان باطلا من كل وجه لكان خارجا عنه، ولما كان يلزمه موجب ما يرتكبه بعد ذلك من المحظورات.
وذكر في اللباب وغيره أنه لو أهل بحجة أخرى ينوي قبل أدائها فهي هي، ونيته لغو لا تصح ما لم يفرغ من الفاسدة، وبهذا ظهر أن قول بعض معاصري صاحب البحر أن الحج إذا فسد لم يفسد الإحرام معناه لم يبطل بالمعنى الذي ذكرنا، فلا يرد ما أورده عليه من تصريحهم بفساده. ثم إن هذا يفيد الفرق بين الفساد والبطلان في الحج بخلاف سائر العبادات فهو مستثنى من قولهم لا فرق بينهما في العبادات بخلاف المعاملات، ويؤيده أنه صرح في اللباب في فصل محرمات الإحرام بأن مفسده الجماع قبل الوقوف ومبطله الردة، والله تعالى أعلم.


(قوله وكذا لو استدخلت ذكر حمار) والفرق بينه وبين ما إذا وطئ بهيمة حيث لا يفسد حجه أن داعي الشهوة في النساء أتم فلم تكن في جانبهن قاصرة، بخلاف الرجل إذا جامع بهيمة ط (قوله أو ذكرا مقطوعا) ولو لغير آدمي ط (قوله ويمضي إلخ) لأن التحلل من الإحرام لا يكون إلا بأداء الأفعال أو الإحصار ولا وجود لأحدهما، وإنما وجب المضي فيه مع فساده لما أنه مشروع بأصله دون وصفه، ولم يسقط الواجب به لنقصانه نهر (قوله كجائزه) أي فيفعل جميع ما فعله في الحج الصحيح ويجتنب ما يجتنب فيه، وإن ارتكب محظورا فعليه ما على الصحيح لباب (قوله ويذبح) ويقول سبع البدنة مقام الشاة كما صرح به في غاية البيان بحر. قلت: وهذا صريح، بخلاف ما ذكره قبل هذا كما قدمناه أول الباب (قوله ويقضي) أي على الفور كما نقله بعض المحشين عن البحر العميق. وقال الخير الرملي: ويقضي أي من قابل لوجوب المضي، فلا يقضي إلا من قابل، وسيأتي في مجاوزة الوقت بغير إحرام أنه لو عاد ثم أحرم بعمرة أو حجة ثم أفسد تلك العمرة أو الحجة وقضى الحج في عامه يسقط عنه الدم فهو صريح في جواز القضاء من عامه لتدارك ما فاته فليتأمل. اهـ.
(قوله ولو نفلا) لوجوبه بالشروع (قوله هل يجب قضاؤه) أي قضاء القضاء الذي أفسده حتى يقضي حجتين للأولى والثانية (قوله لم أره إلخ) البحث لصاحب النهر حيث قال فيه لما سئل عن ذلك، لم أر المسألة وقياس كونه إنما شرع فيه مسقطا لا ملزما أن المراد بالقضاء معناه اللغوي، والمراد الإعادة كما هو الظاهر اهـ ويوافقه قول القهستاني الأولى أن يقول وأعاد لأن جميع العمر وقته. اهـ.
ولذا قال ابن الهمام في التحرير إن تسميته قضاء مجاز قال شارحه لأنه في وقته وهو العمر فهو أداء على قول مشايخنا اهـ أي وحيث كان الثاني أداء لم يكن حجا آخر أفسده لأنه لم يشرع فيه ملزما نفسه حجا آخر، بل شرع فيه مسقطا لما عليه في نفس الأمر، وليس هو ظانا حتى يرد أن الظان يلزمه القضاء كما مر أول فصل الإحرام

(ولم يتفرقا) وجوبا بل ندبا إن خاف الوقاع
(و) وطؤه (بعد وقوفه لم يفسد حجه، وتجب بدنة، وبعد الحلق) قبل الطواف (شاة) لخفة الجناية (و) وطؤه (في عمرته قبل طوافه أربعة مفسد لها فمضى وذبح وقضى) وجوبا (و) وطؤه (بعد أربعة ذبح ولم يفسد) خلافا للشافعي
(فإن قتل محرم صيدا)
[رد المحتار] كما لا يخفى، وحينئذ فلا يلزمه قضاء حج آخر وإنما يلزمه أداؤه ثالثا لأن الواجب عليه حج كامل حتى يسقط به الواجب، فكلما أفسده لا يلزمه سوى الواجب عليه أولا كما لو شرع في صلاة فرض فأفسدها. وقد وجد العلامة الشيخ إسماعيل النابلسي هذه المسألة منقولة فقال: ولفظ المبتغى لو فاته الحج ثم حج من قابل يريد قضاء تلك الحجة فأفسد حجه لم يكن عليه إلا قضاء حجة واحدة كما لو أفسد قضاء صوم رمضان اهـ.

[تنبيه]
تقدم في كتاب الصلاة أن الإعادة فعل مثل الواجب في وقته لخلل غير الفساد وهنا الخلل هو الفساد فلا يكون إعادة، لكن مرادهم هناك بالفساد البطلان بناء على عدم الفرق بينهما في العبادات، وقد علمت آنفا الفرق بينهما في الحج فصدق عليه التعريف المذكور على أنا قدمنا هناك عن الميزان تعريفها بالإتيان بمثل الفعل الأول على صفة الكمال فافهم (قوله ولم يتفرقا) أي الرجل والمرأة في القضاء بعدما أفسدا حجهما بالجماع أي بأن يأخذ كل منهما طريقا غير طريق الآخر بحيث لا يرى أحدهما صاحبه نهر (قوله بل ندبا إن خاف الوقاع) كذا في البحر عن المحيط وغيره، ومثله في اللباب، وكذا في القهستاني عن الاختيار، وقد راجعت الاختيار فرأيته كذلك فافهم. قال في شرح اللباب: وأما ما في الجامع الصغير وليست الفرقة بشيء أي بأمر ضروري. وقال قاضي خان: يعني ليس بواجب. وقال زفر ومالك والشافعي: يجب افتراقهما. وأما وقت الافتراق. فعندنا وزفر إذا أحرما وعند مالك إذا خرجا من البيت. وعند الشافعي إذا انتهيا إلى مكان الجماع.


(قوله بعد وقوفه) أي قبل الحلق والطواف (قوله وتجب بدنة) شمل ما إذا جامع مرة أو مرارا إن اتحد المجلس، فإن اختلف فبدنة للأول وشاة للثاني بحر، وشمل العامد والناسي كما صرح به في المتون واللباب خلافا لما في السراج من أن الناسي عليه شاة. قال في شرح اللباب: وهو خلاف ما في المشاهير من الروايات من عدم الفرق بينهما في سائر الجنايات. وصرح بخصوص المسألة في الخانية (قوله قبل الطواف) أي طواف الزيارة كله أو أكثره كما في النهر (قوله لخفة الجناية) أي لوجود الحل الأول بالحلق في حق غير النساء، وما ذكره من التفصيل هو ما عليه المتون، ومشي في المبسوط والبدائع والإسبيجابي على وجوب البدنة قبل الحلق وبعده. وفي الفتح أنه الأوجه لإطلاق ظاهر الرواية وجوبها بعد الوقوف بلا تفصيل، وناقشه في البحر والنهر.
وأما لو جامع بعد طواف الزيارة كله أو أكثره قبل الحلق فعليه شاة لباب. قال شارحه القاري: كذا في البحر الزاخر وغيره، ولعل وجهه أن تعظيم الجناية إنما كان لمراعاة هذا الركن، وكان مقتضاه أن يستمر هذا الحكم ولو بعد الحلق قبل الطواف إلا أنه سومح فيه لصورة التحلل ولو كان متوقفا على أداء الطواف بالنسبة إلى الجماع اهـ وظاهره أن وجوب الشاة في هذه المسألة لا نزاع فيه لأحد خلافا لما في شرح النقاية للقاري حيث جعلها محل الخلاف المذكور قبله، نعم استشكلها في الفتح بأن الطواف قبل الحلق لم يحل به من شيء فكان ينبغي وجوب البدنة. ويعلم جوابه من التوجيه المذكور عن شرح اللباب.
هذا، ولم يذكر حكم جماع القارن. قال في النهر: فإن جامع قبل الوقوف وطواف العمرة فسد حجه وعمرته ولزمه دمان وسقط عنه دم القران، وإن بعدهما قبل الحلق لزمه بدنة للحج وشاة للعمرة. واختلف فيما بعده اهـ وتوضيحه في البحر (قوله ووطؤه في عمرته) شمل عمرة المتعة ط (قوله وذبح) أي شاة بحر (قوله ووطؤه بعد أربعة ذبح ولم يفسد) المناسب أن يقول لم يفسد وذبح ليصح الإخبار عن المبتدأ بلا تكلف إلى تقدير العائد.

أي حيوانا بريا متوحشا بأصل خلقته (أو دل عليه قاتله) مصدقا له
[رد المحتار] قال في البحر: وشمل كلامه ما إذا طاف الباقي وسعى أولا لكن بشرط كونه قبل الحلق، وتركه للعلم به لأنه بالحلق يخرج عن إحرامها بالكلية؛ بخلاف إحرام الحج. ولما بين المصنف حكم المفرد بالحج والمفرد بالعمرة علم منه حكم القارن والمتمتع اهـ.
(قوله أي حيوانا بريا إلخ) زاد غيره في التعريف ممتنعا بجناحه أو قوائمه، احترازا عن الحية والعقرب وسائر الهوام. والبري ما يكون توالده في البر، ولا عبرة بالمثوى، أي المكان. واحترز به عن البحري، وهو ما يكون توالده في الماء ولو كان مثواه في البر لأن التوالد أصل والكينونة بعده عارض، فكلب الماء والضفدع المائي كما قيده في الفتح قال ومثله السرطان والتمساح والسلحفاة البحري يحل اصطياده للمحرم بنص الآية وعمومها متناول لغير المأكول منه وهو الصحيح. خلافا لما في مناسك الكرماني من تخصيصه بالسمك خاصة. أما البري فحرام مطلقا ولو غير مأكول كالخنزير كما في البحر عن المحيط إلا ما يستثنيه بعد من الذئب والغراب والحدأة والسبع الصائل، وأما باقي الفواسق فليست بصيد.
قال في اللباب: وأما طيور البحر فلا يحل اصطيادها لأن توالدها في البر، وعزاه شارحه إلى البدائع والمحيط فما قاله في البحر من أن توالدها في الماء سبق قلم وإلا نافى ما مر من اعتبار التوالد فافهم، ودخل في المتوحش بأصل خلقته نحو الظبي المستأنس وإن كانت ذكاته بالذبح، وخرج البعير والشاة إذا استوحشا وإن كانت ذكاتهما بالبقر لأن المنظور إليه في الصيدية أصل الخلقة، وفي الذكاة الإمكان وعدمه بحر، وخرج الكلب ولو وحشيا لأنه أهلي في الأصل، وكذا السنور الأهلي، أما البري ففيه روايتان عن الإمام فتح وجزم في البحر بأنه كالكلب. [تنبيه]
قال في شرح اللباب: والظاهر أن ماء البحر لو وجد في أرض الحرم يحل صيده أيضا لعموم الآية وحديث "هو الطهور ماؤه والحل ميتته" وقد صرح به الشافعية حيث قالوا لا فرق بين أن يكون البحر في الحل أو الحرم. اهـ.


وفيه: وقد يوجد من الحيوانات ما تكون في بعض البلاد وحشية الخلقة، وفي بعضها مستأنسة كالجاموس، فإنه في بلاد السودان مستوحش ولا يعرف منه مستأنس عندهم اهـ ولم يبين حكمه. وظاهره أن المحرم منهم في بلاده يحرم عليه صيده ما دام فيها، والله تعالى أعلم (قوله أو دل عليه قاتله) أراد بالدلالة الإعانة على قتله سواء كانت دلالة حقيقية بالإعلام بمكانه وهو غائب أو لا بحر، فدخل فيها الإشارة كما يشير إليه كلام الشارح وهي ما يكون بالحضرة، وفسرها في الفتح بأنها تحصيل الدلالة بغير اللسان اهـ ومقتضاه أن الدلالة أعم لحصولها باللسان وغيره.
وذكر الشيخ إسماعيل عن البرجندي ما نصه: ولا يخفى أن ذكر الدلالة يغني عن الإشارة، وقد تخص الإشارة بالحضرة والدلالة بالغيبة اهـ فكان ينبغي أن يزيد المصنف أو أعانه عليه أو أمره بقتله لحديث أبي قتادة في الصحيحين «هل منكم أحد أمره أو أشار إليه» وفي رواية مسلم «هل أشرتم أو أعنتم؟ قالوا لا. قال: فكلوا» وقول البحر إن المراد بالدلالة الإعانة لا يشمل الأمر، إذ لا إعانة فيه ما لم تكن معه دلالة على ما يأتي قريبا، نعم يشمل ما لو دخل الصيد مكانا فدله على طريقه أو على بابه، وما لو دله على آلة يرميه بها، وكذا لو أعارها له على المعتمد إلا إذا كان مع القاتل سلاح غيرها على ما عليه أكثر المشايخ. [تنبيه]
قيد الدال بالمحرم بإرجاع الضمير إليه، وأطلق في القاتل لأن الدال الحلال لا شيء عليه إلا الإثم على ما في المشاهير من الكتب، وقيل عليه نصف القيمة شرح اللباب، ولا يشترط كون المدلول محرما فلو دل محرم حلالا في الحل فقتله فعلى الدال الجزاء دون المدلول لباب (قوله مصدقا له) هذه الشروط لوجوب الجزاء على

غير عالم واتصل القتل بالدلالة أو الإشارة والدال والمشير باق على إحرامه وأخذه قبل أن ينفلت عن مكانه (بدءا أو عودا سهوا أو عمدا) مباحا أو مملوكا (فعليه جزاؤه ولو سبعا غير صائل) أو مستأنسا (أو حماما) ولو (مسرولا) بفتح الواو: ما في رجليه ريش كالسراويل (أو هو مضطر إلى أكله) كما يلزمه القصاص لو قتل إنسانا وأكل لحمه، ويقدم الميتة على الصيد
[رد المحتار] الدال المحرم؛ أما الإثم فمتحقق مطلقا كما في البحر. زاد في النهر: وليس معنى التصديق أن يقول له صدقت؛ بل أن لا يكذبه؛ حتى لو أخبر محرم بصيد فلم يره حتى أخبره محرم آخر فلم يصدق الأول ولم يكذبه ثم طلب الصيد فقتله كان على كل واحد منهما الجزاء؛ ولو كذب الأول لم يكن عليه (قوله غير عالم) حتى لو دله والمدلول يعلم به: أي برؤية أو غيرها لا شيء على الدال لكون دلالته تحصيل الحاصل فكانت كلا دلالة لباب وشرحه.
وعليه فيشكل ما في المحيط عن المنتقى: لو قال خذ أحد هذين وهو يراهما فقتلهما فعلى الدال جزاء واحد وإلا فجزاءان: وأجاب في البحر بأن الأمر بالأخذ ليس من قبيل الدلالة فيوجب الجزاء مطلقا. قال: ويدل عليه ما في الفتح وغيره: لو أمر المحرم غيره بأخذ صيد فأمر المأمور آخر فالجزاء على الآمر الثاني لأنه لم يمتثل أمر الأول لأنه لم يأتمر بالأمر، بخلاف ما لو دل الأول على الصيد وأمره فأمر الثاني ثالثا بالقتل حيث يجب الجزاء على الثلاثة فقد فرقوا بين الأمر المجرد والأمر مع الدلالة. اهـ.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 13-05-2026, 11:30 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,162
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)


كتاب الصيام والحج من الدر المختار
وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)
فقه حنفى
من صـــ 600 الى صـــ 606

(63)






[رد المحتار] قوله كما مر في المصرف) أي في باب مصرف الزكاة وغيرها حيث قال ولا إلى من بينهما أولاد أو زوجية إلخ فذكر ذلك في ذلك الباب صريح في أنه الحكم في كل صدقة واجبة فافهم.
(قوله ووجب بجرحه) أفاد بذكره بعد ذكر القتل أنه لم يمت منه، فلو غاب ولم يعلم موته ولا حياته فالاستحسان أن يلزمه جميع القيمة احتياطا، كمن أخذ صيدا من الحرم ثم أرسله ولا يدري أدخل الحرم أم لا محيط؛ ولو برئ من الجرح ولم يبق له أثر لا يسقط الجزاء بدائع. وفي المحيط خلافه واستظهر في البحر الأول، ومشى في اللباب على الثاني، وقواه في النهر (قوله ما نقص) فيقوم صحيحا ثم ناقصا، فيشتري بما بين القيمتين هدايا أو يصوم ط عن القهستاني. قال: وهذا لو لم يخرجه الجرح ونحوه عن حيز الامتناع وإلا ضمن كل القيمة اهـ ولو لم يكفر حتى قتله ضمن قيمته فقط وسقط نقصان الجراحة كما حققه في الفتح تبعا للبدائع على خلاف ما في البحر عن المحيط، وتمامه فيما علقته عليه (قوله حتى خرج عن حيز الامتناع) عبر تبعا للدرر بحرف الغاية دون التعليل لأن المراد بالريش والقوائم جنسهما الصادق بالقليل منهما، إذ لا شك أنه لا يشترط في لزوم كل القيمة نتف كل الريش وقطع كل القوائم، بل المراد ما يخرجه عن حيز الامتناع: أي عن أن يبقى ممتنعا بنفسه فافهم.


والحيز كما في الصحاح: بمعنى الناحية، فهو هنا مقحم كما في القهستاني، فهو كظهر في قولهم ظهر الغيب، ولا وجه للقول بأنه من إضافة المشبه به للمشبه فافهم (قوله غير المذر) بكسر الذال بمعنى الفاسد، قيد به لأنه لو كسر بيضة مذرة لا شيء عليه لأن ضمانها ليس لذاتها بل لعرضية أن تصير صيدا وهو مفقود في الفاسدة ولو كان لقشرها قيمة كبيض النعام خلافا لما قاله الكرماني لأن المحرم غير منهي عن التعرض للقشر كما في الفتح بحر ملخصا (قوله وخروج فرخ ميت به) معطوف على قوله بنتف. قال في اللباب: وإن خرج منها: أي من البيضة فرخ ميت فعليه قيمة الفرخ حيا ولا شيء في البيضة اهـ وقوله به متعلق بميت. قال في البحر: وقيد بقوله به لأنه لو علم موته بغير الكسر فلا ضمان عليه للفرخ لانعدام الإماتة ولا للبيض لعدم العرضية اهـ ولو لم يعلم أن موته بسبب الكسر أو لا فالقياس أن لا يغرم غير البيضة لأن حياة الفرخ غير معلومة. وفي الاستحسان: عليه قيمة الفرخ حيا عناية.
(قوله وذبح حلال صيد الحرم) سيعيد المصنف هذه المسألة، ونتكلم عليها هناك (قوله وحلبه لبنه) لأن اللبن من أجزاء الصيد فتجب قيمته كما صرح به في النقاية والملتقى، وكذا لو كسر بيضه أو جرحه يضمن كما في البحر. ثم إن ذكر الشارح المفعول وهو لبنه يفيد أن الحلب مصدر مضاف إلى ضمير الفاعل وهو الحلال مع أنه غير قيد فلو ترك ذكر لبنه وجعل المصدر مضافا إلى ضمير المفعول وهو الصيد لكان أولى لأنه يشمل حينئذ ما إذا كان الحالب محرما لكنه لا يختص بصيد الحرم تأمل (قوله وقطع حشيشه وشجره) ذكر النووي عن أهل اللغة أن العشب والخلا بالقصر اسم للرطب والحشيش لليابس، وأن الفقهاء يطلقون الحشيش على الرطب أيضا مجازا باعتبار ما يئول إليه. اهـ. وفي الفتح: والشجر اسم للقائم الذي بحيث ينمو فإذا جف فهو حطب. اهـ. وأطلق في القاطع فشمل الحلال والمحرم، وقيد بالقطع لأنه ليس في المقلوع ضمان، وأشار بضمان قيمته إلى أنه لا مدخل للصوم هنا، وإلى أنه يملكه بأداء الضمان كما في حقوق العباد. ويكره الانتفاع به بيعا وغيره، ولا يكره للمشتري،

حال كونه (غير مملوك) يعني النابت بنفسه سواء كان مملوكا أو لا؛ حتى قالوا لو نبت في ملكه أم غيلان فقطعها إنسان فعليه قيمة لمالكها وأخرى لحق الشرع بناء على قولهما المفتى به من تملك أرض الحرم (ولا منبت) أي ليس من جنس ما ينبته الناس فلو من جنسه فلا شيء عليه كمقلوع وورق لم يضر بالشجر، ولذا حل قطع الشجر المثمر لأن إثماره أقيم مقام الإنبات (قيمته) في كل ما ذكر (إلا ما جف) أو انكسر لعدم النماء، أو ذهب بحفر كانون أو ضرب فسطاط لعدم إمكان الاحتراز عنه لأنه تبع (والعبرة للأصل لا لغصنه وبعضه) أي الأصل (كهو) ترجيحا للحرمة
[رد المحتار] وتمامه في البحر (قوله غير مملوك ولا منبت) اعلم أن النابت في الحرم إما جاف أو منكسر أو إذخر أو غيرها، والثلاثة الأول مستثناة من الضمان كما يأتي. وغيرها إما أن يكون أنبته الناس أو لا، والأول لا شيء فيه، سواء كان من جنس ما ينبته الناس كالزرع أو لا كأم غيلان.
والثاني إن كان من جنس ما ينبتونه فكذلك وإلا ففيه الجزاء، فما فيه الجزاء هو النابت بنفسه وليس مما يستنبت، ومنكسرا ولا جافا ولا إذخرا كما قرره في البحر. وذكر أن المراد من قول الكنز غير مملوك هو النبات بنفسه مملوكا أو لا، لئلا يرد عليه ما لو نبت في ملك رجل ما لا يستنبت كأم غيلان فإنه مضمون أيضا كما نص عليه في المحيط. وما أجاب به في النهر لم يظهر لي وجه صحته، فلذا خالف الشارح عادته ولم يتابعه بل تابع البحر ويأتي قريبا في الشرح (قوله فقطعها إنسان) لم يذكر ما إذا قطعها المالك.


ونقل في غاية الإتقان عن محمد أنه قال في أم غيلان تنبت في الحرم في أرض رجل ليس لصاحبه قطعه، ولو قطعه فعليه لعنة الله، ومقتضاه أن لا يجب عليه جزاء، لكنه مخالف لما مر من أن كل ما ينبت بنفسه ولم يكن من جنس ما ينبته الناس ففيه القيمة، سواء كان مملوكا أو لا فينبغي أن تلزمه قيمة واحدة لحق الشرع، أفاده نوح أفندي، وصرح في شرح اللباب بضمانه جازما به (قوله بناء على قولهما إلخ) أما على قول الإمام إن أرض الحرم سوائب: أي أوقاف في حكم السوائب، فلا يتصور قولهم لو نبت في ملكه بحر، وعليه فالواجب قيمة واحدة لحق الشرع فقط (قوله فلو من جنسه إلخ) لأن الذي ينبته الناس غير مستحق للأمن بالإجماع، وما لا ينبتونه عادة إذا أنبتوه التحق بما ينبتونه عادة، فكان مثله بجامع انقطاع كمال النسبة إلى الحرم عند النسبة إلى غيره بالإنبات كما في الهداية والعناية شرنبلالية (قوله كمقلوع) أي إذا انقلعت شجرة إن كان عروقها لا تسقيها فلا شيء بقطعها لباب (قوله ولذا) أي لكون الشجر أو الحشيش الذي هو من جنس ما ينبته الناس لا شيء فيه من جزاء لحق الشرع ولا من حرمة ط (قوله حل قطع الشجر المثمر) أي وإن لم يكن من جنس ما ينبته الناس، لكن إن كان له مالك توقف على إجازته وإلا وجبت قيمته له كما لا يخفى ط (قوله لأن إثماره إلخ) بدل من قوله ولذا إلخ لأن ما كان من جنس ما ينبته الناس إذا نبت بنفسه إنما لا يجب فيه شيء لأنه بمنزلة ما أنبتوه تأمل.
(قوله قيمته) فاعل وجب، وقوله في كل ما ذكر: أي قيمة ما أتلفه في كل ما ذكر من المسائل الثمانية، ففي الأوليين والخامسة قيمة الصيد، وفي الثالثة البيض، وفي الرابعة الفرخ، وفي السادسة اللبن، وفي السابعة الحشيش، وفي الثامنة الشجر (قوله إلا ما جف أو انكسر) أي فلا يضمنه القاطع إلا إذا كان مملوكا فيضمن قيمته لمالكه كما في شرح اللباب، والجاف بالجيم: اليابس، وقد مر أنه يسمى حطبا (قوله أو ضرب فسطاط) أي خيمة، ومثله ما لو ذهب بمشيه أو مشي دوابه كما في اللباب (قوله لعدم إمكان الاحتراز عنه لأنه تبع) كذا في بعض النسخ، والصواب ذكر قوله لأنه تبع بعد قوله لا لغصنه كما في بعض النسخ (قوله والعبرة للأصل إلخ) في البحر عن الأجناس الأغصان تابعة لأصلها وذلك على ثلاثة أقسام:
(والعبرة لمكان الطائر، فإن كان) على غصن بحيث (لو وقع) الصيد (وقع في الحرم فهو صيد الحرم وإلا لا، ولو كان قوائم الصيد) القائم (في الحرم ورأسه في الحل فالعبرة لقوائمه) وبعضها ككلها (لا لرأسه) وهذا في القائم، ولو كان نائما فالعبرة لرأسه لسقوط اعتبار قوائمه حينئذ، فاجتمع المبيح والمحرم، والعبرة لحالة الرمي إلا إذا رماه من الحل ومر السهم في الحرم يجب الجزاء استحسانا بدائع
(ولو شوى بيضا أو جرادا) أو حلب لبن صيد (فضمنه لم يحرم أكله)
[رد المحتار] أحدها أن يكون أصلها في الحرم والأغصان في الحل، فعلى قاطع الأغصان القيمة.
الثاني عكسه، فلا شيء عليه فيهما.


الثالث بعض الأصل في الحل وبعضه في الحرم ضمن سواء كان الغصن من جانب الحل أو الحرم اهـ (قوله والعبرة لمكان الطائر) أي لمكانه من الشجرة لا لأصلها لأن الصيد ليس تابعا لها ط (قوله بحيث لو وقع الصيد) فسر الضمير به مع أن مرجعه الطائر قصدا للتعميم فإن هذا الحكم لا يخص الطير. اهـ. ح (قوله وإلا لا) أي لو وقع في الحل فهو من صيد الحل، ولو أخذ الغصن شيئا من الحل والحرم فالعبرة للحرم ترجيحا للحاظر كما يعلم من نظائره ط (قوله القائم) محترزه ما يذكره من النائم؛ ولو قال والعبرة لقوائم الطير لكان أخصر وأعم لأنه يفيد حكم ما إذا كانت في الحل ط (قوله وبعضها ككلها) أي لو كان بعض قوائمه في الحرم فهو ككلها فيجب الجزاء. قال في شرح اللباب: أي من غير نظر إلى الأقل والأكثر من القوائم في الحل أو الحرم، وهذا في القائم لا حاجة إليه مع قوله سابقا القائم ط (قوله ولو كان نائما فالعبرة لرأسه) مقتضاه أنه لو كان رأسه في الحل فقط فهو من صيد الحل، وبه صرح في السراج، لكن مقتضى قوله فاجتمع المبيح والمحرم أنه من صيد الحرم. لأن القاعدة ترجيح المحرم. وعبارة البحر كالصريحة فيما قلنا، وكذا قوله في اللباب لو كان مضطجعا في الحل وجزء منه في الحرم فهو من صيد الحرم ورئي قال شارحه القاضي: أي جزء كان. وقال الكرماني: لو مضطجعا في الحل ورأسه في الحرم يضمن لأن العبرة لرأسه وهو موهم أن الجزء المعتبر هو الرأس لا غير وليس كذلك، بل إذا لم يكن مستقرا على قوائمه يكون بمنزلة شيء ملقى، وقد اجتمع فيه الحل والحرمة فيرجح جانب الحرمة احتياطا.

ففي البدائع: إنما تعتبر القوائم في الصيد إذا كان قائما عليها وجميعه إذا كان مضطجعا اهـ وهو بظاهره كما قال في الغاية يقتضي أن الحل لا يثبت إلا إذا كان جميعه في الحل حالة الاضطجاع وليس كذلك. ففي المبسوط: إذا كان جزء منه في الحرم حالة النوم فهو من صيد الحرم، والله أعلم اهـ فافهم (قوله والعبرة لحالة الرمي) أي المعتبر في الرامي حالة الرمي لا حالة الوصول عند الإمام؛ حتى لو رمى مجوسي إلى صيد فأسلم ثم وصل السهم إليه لا يؤكل؛ ولو رمى مسلم فارتد ثم وصل السهم يؤكل ح عن البحر (قوله إلا إذا رماه إلخ) أقول: قال في اللباب: ولو رمى صيدا في الحل فهرب فأصابه السهم في الحرم ضمن، ولو رماه في الحل وأصابه في الحل فدخل الحرم فمات فيه لم يكن عليه الجزاء ولكن لا يحل أكله، ولو كان الرمي في الحل والصيد في الحل إلا أن بينهما قطعة من الحرم فمر فيها السهم لا شيء عليه اهـ.
ولا يخفى أن ما ذكره الشارح هو المسألة الأخيرة كما هو المتبادر مع أنه قد جزم في البحر أيضا بأنه لا شيء فيها من غير حكاية استحسان أو قياس، وإنما حكى ذلك في المسألة الأولى حيث نقل أولا عن الخانية وجوب

وجاز بيعه ويكره، ويجعل ثمنه في الفداء إن شاء لعدم الذكاة، بخلاف ذبح المحرم أو صيد الحرم، فإنه ميتة
(ولا يرعى حشيشه) بدابة (ولا يقطع) بمنجل (إلا الإذخر، ولا بأس بأخذ كماءته) لأنها كالجاف (وبقتل قملة) من بدنه أو إلقائها أو إلقاء ثوبه في الشمس لتموت (تصدق بما شاء كجرادة، ويجب الجزاء فيها) أي القملة (بالدلالة كما في الصيد، و) يجب (في الكثير منه نصف صاع، و) الكثير (هو الزائد على ثلاثة)
[رد المحتار] الجزاء وأنه اختلف كلام المبسوط، ففي موضع لا يجب، وفي موضع يجب، وأن هذه المسألة مستثناة من أصل أبي حنيفة فإن عنده المعتبر حالة الرمي إلا في هذه المسألة خاصة. ثم نقل عن البدائع أن الوجوب استحسان وعدمه قياس، ووفق به بين كلامي المبسوط، وكذا صرح القاري عن الكرماني بأنها مستثناة احتياطا في وجوب الضمان وبه ظهر أن الشارح اشتبه عليه إحدى المسألتين بالأخرى، وسبقه إلى ذلك صاحب النهر، ولا يصح حمل كلامه على ما إذا مر السهم في الحرم وأصاب الصيد في الحرم لأنه إن كان الصيد وقت الرمي في الحرم لم تكن المسألة مستثناة من اعتبار حالة الرمي ويكون وجوب الجزاء لا شك فيه قياسا واستحسانا، وما نقله ح عن البحر لم أره فيه وإن كان الصيد وقت الرمي في الحل والإصابة في الحرم يصير قوله ومر السهم في الحرم لا فائدة فيه فافهم.

يتبع

__________________

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 14-05-2026, 11:44 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,162
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)


كتاب الصيام والحج من الدر المختار
وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)
فقه حنفى
من صـــ 607 الى صـــ 613

(65)




[رد المحتار] ثم اعلم أن الذي يظهر من كلامهم أن هذين القولين في المسألة الثانية فقط وهي من أحرم في الحل وفي يده صيد، أما الأولى وهي لو دخل الحرم وفي يده صيد فالواجب عليه الإرسال بمعنى الإطارة لقوله في الهداية عليه أن يرسل فيه: أي في الحرم، وتعليله له بأنه لما حصل في الحرم وجب ترك التعرض لحرمة الحرم وصار من صيد الحرم، وكذا ما قدمناه عن اللباب من أن الصيد يصير آمنا بثلاثة أشياء إلخ؛ وكذا قول اللباب: ولو أدخل محرم أو حلال صيد الحل الحرم صار حكمه حكم صيد الحرم، وكذا قول المصنف الآتي فلو كان جارحا إلخ فإنه لو كان له إيداع الجارح بعدما أدخله الحرم لم يجز له إرساله مع العلم بأن عادة الجارح قتل الصيد، وكذا قول اللباب لو أخذ صيد الحرم فأرسله في الحل لا يبرأ من الضمان حتى يعلم وصوله إلى الحرم آمنا فكيف إذا أودعه فتأمل (قوله على وجه غير مضيع له) يفسره ما قبله، فكان الأولى تأخيره عنه كما فعل في شرحه على الملتقى حيث قال كأن يودعه أو يرسله في قفص (قوله وفي كراهة جامع الفتاوى) إلى قوله لا يجب ساقط من بعض النسخ.
وحاصله أن إعتاق الصيد أي إطلاقه من يده جائز إن أباحه لمن يأخذه وهو تقييد لقوله لأن تسييب الدابة حرام، وقيل لا: أي لا يجوز إعتاقه مطلقا كما هو ظاهر إطلاق حرمة التسييب لأنه وإن أباحه فالأغلب أنه لا يقع في يد أحد فيبقى سائبة، وفيه تضييع للمال، وقوله ولا تخرج عن ملكه بإعتاقه يحتمل معنيين:
الأول: أنه لا يخرج عن ملكه قبل أن يأخذه أحد فإن أخذه أحد بعد الإباحة ملكه كما تفيده عبارة مختارات النوازل.


الثاني: أنه لا يخرج مطلقا لأن التمليك لمجهول لا يصح مطلقا أو لا لقوم معلومين لما في لقطة البحر عن الهداية إن كانت اللقطة شيئا يعلم أن صاحبها لا يطلبها كالنواة وقشر الرمان يكون إلقاؤه إباحة حتى جاز الانتفاع به من غير تعريف، ولكن يبقى على ملك مالكه لأن التمليك من المجهول لا يصح. قال: وفي البزازية للمالك أخذها منه إلا إذا قال عند الرمي من أخذه فهو له لقوم معلومين، ولم يذكر السرخسي هذا التفسير اهـ فينبغي أن يكون إعتاق الصيد كذلك وتكون فائدة الإباحة حل الانتفاع به مع بقائه على ملك المالك، لكن في لفظة التتارخانية: ترك دابة لا قيمة لها من الهزال ولم يبحها وقت الترك فأخذها رجل وأصلحها فالقياس أن تكون للآخذ كقشور الرمان المطروحة. وفي الاستحسان: تكون لصاحبها. قال محمد: لأنا لو جوزنا ذلك في الحيوان لجوزنا في الجارية ترمى في الأرض مريضة لا قيمة لها فيأخذها رجل وينفق عليها فيطؤها من غير شراء ولا هبة ولا إرث ولا صدقة أو يعتقها من غير أن يملكها وهذا أمر قبيح اهـ ملخصا. ومقتضاه أن غير الحيوان كالقشور يكون طرحه إباحة بدون تصريح وأنه يملكه الآخذ بخلاف الحيوان فلا يملكه إلا بالتصريح بالإباحة كما هو مفهوم قوله ولم يبحها، وهذا خلاف ما ذكرناه عن البحر.
وعلى هذا يتخرج ما في مختارات النوازل؛ ويأتي قريبا قول ثالث، وهو أن غير المحرم لو أرسله يكون إباحة لأنه أرسله باختياره فيكون كقشور الرمان (قوله وحينئذ) أي حين إذا كان إعتاق الصيد لا يجوز إلا إذا أباحه لمن يأخذه تقييد الإطارة: أي التي فسر بها الإرسال بالإباحة، ويؤيده قول المعراج ولو كان في يده فعليه إرساله على وجه لا يضيع، فإن إرسال الصيد ليس بمندوب كتسييب الدابة؛ بل هو حرام إلا أن يرسله للعلف أو يبيح للناس أخذه كذا في الفوائد الظهيرية اهـ وقال بعده على وجه لا يضيع بأن يخليه
تأمل اهـ
وفي كراهة مختارات النوازل: سيب دابته فأخذها آخر وأصلحها فلا سبيل للمالك عليها إن قال في تسييبها هي لمن أخذها وإن قال لا حاجة لي بها فله أخذها، والقول له بيمينه. اهـ. (لا) يجب (إن كان) الصيد (في بيته) لجريان العادة الفاشية بذلك، وهي من إحدى الحجج (أو قفصه) ولو القفص في يده بدليل أخذ المحدث المصحف بغلافه.


(ولا يخرج) الصيد (عن ملكه بهذا الإرسال فله إمساكه في الحل و) له (أخذه من إنسان أخذه منه) لأنه لم يخرج عن ملكه لأنه ملكه وهو حلال، بخلاف ما لو أخذه وهو محرم لما يأتي لأنه لم يرسله عن اختيار
[رد المحتار] في بيته أو يودعه عند حلال اهـ لكن ظاهر ما قدمناه عن القهستاني من حكاية القولين في تفسير الإرسال أن من فسره بالإطارة لم يقيد بالإباحة لأنه يقول إن الإرسال واجب فلم يكن في معنى التسييب المحظور، ومن فسر الإرسال الوديعة فكأنه يقول حيث أمكنه دفع التعرض للصيد بها فلا حاجة إلى الإطارة المضيعة للملك لاندفاع الضرورة بدونها، ولذا قال قاضي خان في شرح الجامع لو أحرم والصيد في يده عليه أن يرسله، لكن على وجه لا يضيع لأن الواجب ترك التعرض بإزالة اليد الحقيقية لا بإبطال الملك. اهـ.
وكون الإباحة تنفي التضييع ممنوع. لأن الغالب على الصيد أنه إذا أرسل لا يصاد ثانيا فيبقى ملكه ضائعا، والتسييب لا يجوز، وإنما يجب الإرسال مطلقا فيما صاده وهو محرم كما مر لأنه لم يملكه فليس فيه تضييع ملك، هذا ما ظهر لي وقد علمت مما قدمناه أن هذا كله فيما لو أخذ صيدا ثم أحرم؛ أما لو دخل به الحرم فإنه يلزمه إرساله بمعنى إطارته، وأنه ليس له إيداعه لأنه صار من صيد الحرم (قوله فتأمل) كذا في بعض النسخ وفي بعضها قبل. وقال ح، هو ظرف مبني على الضم أي قبل الإطارة العامل فيه الإباحة (قوله وأصلحها) ليس بقيد فيما يظهر لأن المدار في التمليك على الإباحة.


وقد يقال إنما قيد به لمنع الأخذ لأن قوله من أخذها فهي له ينزل هبة والإصلاح زيادة تمنع من الرجوع منها وبدونه له الرجوع إذ لا مانع ويحرر ط (قوله والقول له) أي للمالك أنه لم يبحها لأحد لأنه ينكر إباحة التمليك وإن برهن الآخذ أو نكل عن اليمين سلمت للآخذ ط عن لقطة البحر (قوله لا إن كان في بيته أو قفصه) أي ولم يكن اصطاده في الإحرام أما لو اصطاده في الإحرام يلزمه إرساله بالإجماع معراج (قوله لجريان العادة) أي من لدن الصحابة إلى الآن، وهم التابعون ومن بعدهم يحرمون وفي بيوتهم حمام في أبراج وعندهم دواجن وطيور لا يطلقونها وهي إحدى الحجج، فدلت على أن استبقاءها في الملك محفوظة بغير اليد ليس هو التعرض الممتنع فتح. والدواجن: جمع داجن، وهو الذي ألف المكان من صيود وحشيات ومستأنسة (قوله ولو القفص في يده) أي مع خادمه أو في رحله معراج.
وقيل إن كان القفص في يده يلزمه إرساله لكن على وجه لا يضيع هداية وهو ضعيف كما في النهر. قال ح: والظاهر أن مثله ما إذا كان الحبل المشدود في رقبة الصيد في يده (قوله بدليل إلخ) فإنه يأخذ الغلاف بيده لم يجعل المصحف بيده فكذا بأخذ القفص لا يكون الطير في يده (قوله أخذه منه) صفة لإنسان، والضمير في منه للحل، ومثله ما لو أخذه من الحرم بالأولى لأنه لو كان غير مملوك لا يملكه الآخذ فالمملوك أولى فافهم (قوله لأنه لم يخرج عن ملكه) الأولى حذفه والاقتصار على التعليل الثاني لأنه عين قول المصنف ولا يخرج عن ملكه ط (قوله لأنه ملكه وهو حلال) علة لعدم خروج الصيد عن ملكه، ومفهومه أنه لو ملكه وهو محرم يخرج عن ملكه مع أن المحرم لا يملك الصيد، فلو قال لأنه أخذه وهو حلال لكان أحسن ح (قوله لما يأتي) أي في قول المصنف والصيد لا يملكه المحرم إلخ (قوله لأنه لم يرسله عن اختيار) كذا في بعض النسخ أي لأن الشرع ألزمه بإرساله فكان مضطرا شرعا إليه، والمناسب عطفه بالواو لأنه علة ثانية لقوله وله أخذه إلخ.
وقد علل به التمرتاشي كما عزاه إليه في الفتح وقال إنه يدل على أنه لو أرسله من غير إحرام يكون إباحة اهـ أي فليس له أخذه ممن أخذه وإن لم يصرح بالإباحة وقت

(فلو) كان (جارحا) كباز (فقتل حمام الحرم فلا شيء عليه) لفعله ما وجب عليه (فلو باعه رد المبيع إن بقي وإلا فعليه الجزاء) لأن حرمة الحرم والإحرام تمنع بيع الصيد
(ولو أخذ حلال صيدا فأحرم ضمن مرسله) من يده الحكمية اتفاقا، ومن الحقيقية عنده خلافا لهما، وقولهما استحسان كما في البرهان
[رد المحتار] إرساله لأنه غير مضطر إليه فكان مجرد إرساله إباحة كإلقاء قشر الرمان كما قدمناه.
(قوله فلو كان جارحا) تفريع على قوله وجب إرساله.
والجارح: من الصيد ما له ناب أي مخلب يصيد به (قوله لفعله ما وجب عليه) وهو إرساله لا على قصد الاصطياد، والمسألة مفروضة فيما إذا دخل به الحرم، وهذا مؤيد لما قلنا من أن من دخل الحرم بصيد وجب عليه إرساله بمعنى إطارته لأنه صار من صيد الحرم، وليس له إيداعه وإلا لكان الواجب الإيداع في الجوارح دون الإرسال لأن الجوارح عادتها قتل الصيد فيكون متعديا بإرساله في الحرم (قوله فلو باعه) مفرع أيضا على قوله وجب إرساله والضمير فيه للصيد الذي أخذه حلال ثم أحرم أو دخل به الحرم لأن في قوله رد المبيع إلخ إشارة إلى أن البيع فاسد لا باطل كما نص عليه في الشرنبلالية عن الكافي والزيلعي، بخلاف ما لو أخذ الصيد وهو محرم وباعه فإن بيعه باطل كما سيذكره، وأطلق في البيع فشمل ما إذا باعه في الحرم أو بعدما أخرجه إلى الحل لأنه صار بالإدخال من صيد الحرم فلا يحل إخراجه بعد ذلك، كذا عزاه في البحر إلى الشارحين؛ ثم نقل عن المحيط خلافه من جواز البيع والأكل بعد الإخراج مع الكراهة، لكن ذكر في النهر أنه ضعيف.
قلت: لكن هذا إذا لم يؤد جزاءه بعد الإخراج، أما لو أداه فإنه يملكه ويخرج عن كونه صيد الحرم كما يأتي في مسألة الظبية.


ثم إن هذا أيضا مؤيد لما قلناه من أنه إذا دخل الحرم بصيد ليس له أن يرسله إلى الحل وديعة لما علمت من أنه لا يحل إخراجه بل عليه إرساله في الحرم، وأما ما مر من أنه لا يخرج عن ملكه بهذا الإرسال فله أخذه في الحل وله أخذه ممن أخذه؛ ومقتضاه أن له بيعه وأكله أيضا، فلا ينافي ما هنا لأن ذاك فيما لو أرسله وخرج الصيد بنفسه بخلاف ما إذا أخرجه. قال في اللباب: ولو خرج الصيد من الحرم بنفسه حل أخذه وإن أخرجه أحد لم يحل فافهم (قوله وإلا) أي وإن لم يبق المبيع في يد المشتري، بأن أتلفه أو تلف أو غاب المشتري ولا يمكن إدراكه ط عن أبي السعود (قوله فعليه الجزاء) تقدم قريبا بيانه وأن الصوم في صيد الحرم لا يجوز للحلال ويجوز للمحرم (قوله لأن حرمة الحرم) أي فيما لو أدخل الصيد الحرم ثم باعه فيه أو بعدما أخرجه لكونه صار صيد الحرم فيمتنع بيعه مطلقا كما مر فافهم، وقوله والإحرام: أي فيما لو أخذه ثم أحرم (قوله ولو أخذ حلال) أي في الحل لباب، وقوله ضمن مرسله لأن الآخذ ملك الصيد ملكا محترما فلا يبطل احترامه بإحرامه وقد أتلفه المرسل فيضمنه، بخلاف ما أخذه في حالة الإحرام لأنه لا يملكه والواجب عليه ترك التعرض، ويمكنه ذلك بأن يخليه في بيته، فإذا قطع يده عنه كان متعديا هداية، ومقتضى هذا مع ما قدمناه أنه لو دخل به الحرم فأرسله أحد لا يضمن المرسل لأن الآخذ يلزمه إرساله وإن كان ملكه، ولا يمكنه تخليته في بيته فلم يكن المرسل متعديا تأمل (قوله وقولهما استحسان) وجهه أن المرسل آمر بالمعروف ناه عن المنكر وما على المحسنين من سبيل -. مطلب لا يجب الضمان بكسر آلات اللهو
قال في الهداية: ونظيره الاختلاف في كسر المعازف أي آلات اللهو كالطنبور. وقال في البحر: وهو يقتضي أن يفتى بقولهما هنا لأن الفتوى على قولهما في عدم الضمان بكسر المعازف. اهـ. قال ط: وأشار الشارح إلى ذلك

(ولو أخذه محرم لا) يضمن مرسله اتفاقا لأن المحرم لم يملكه، وحينئذ فلا يأخذه ممن أخذه (والصيد لا يملكه المحرم بسبب اختياري) كشراء وهبة (بل) بسبب (جبري) والسبب الجبري في إحدى عشر مسألة مبسوطة في الأشباه فلذا قال تبعا للبحر عن المحيط (كالإرث) وجعله في الأشباه بالاتفاق، لكن في النهر عن السراج أنه لا يملكه بالميراث وهو الظاهر
(فإن قتله محرم آخر) بالغ مسلم (ضمنا) جزاءين الآخذ بالأخذ والقاتل بالقتل (ورجع آخذه على قاتله) لأنه قرر عليه ما كان بمعرض السقوط وهذا (إن كفر بمال وإن) كفر (بصوم فلا) على ما اختاره الكمال لأنه لم يغرم شيئا
(ولو كان القاتل) بهيمة لم يرجع على ربها ولو (صبيا أو نصرانيا
[رد المحتار] لأن الفتوى على الاستحسان إلا فيما استثني من مسائل قليلة (قوله لم يملكه) لأن الصيد لم يبق محلا للتملك في حق المحرم، فصار كما إذا اشترى الخمر هداية (قوله بل بسبب جبري) هو ما يحصل به الملك بلا اختيار وقبول (قوله والسبب الجبري) أتى به ظاهرا. ولم يقل وهو ليفيد أن المراد مطلق السبب لا بقيد كونه في الصيد أفاده ط (قوله في إحدى عشر) حق العبارة إحدى عشرة لأنه تجب المطابقة فيه بتأنيث الجزأين لتأنيث المعدود (قوله مبسوطة في الأشباه) لا حاجة إلى ذكرها هنا، وقد ذكرها المحشي (قوله فلذا قال إلخ) الأولى أن يقول ومثل للجبري تبعا للبحر بقوله إلخ ط.

يتبع






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 15-05-2026, 10:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,162
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)


كتاب الصيام والحج من الدر المختار
وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)
فقه حنفى
من صـــ 607 الى صـــ 613

(66)




(قوله وجعله في الأشباه بالاتفاق) حيث قال: لا يدخل في ملك أحد شيء بغير اختياره إلا الإرث اتفاقا إلخ (قوله لكن في النهر إلخ) هذا الاستدراك ليس في محله لأن كلام الأشباه كما رأيت مطلق لا يتقيد بهذه الصورة، ولا شك في الاتفاق على كون الإرث مطلقا سببا جبريا، وإنما لم يكن سببا في صورة المحرم إذا مات مورثه عن صيد على كلام السراج لقيام المانع، وهو الإحرام كقيام الموانع الأربعة: أي الرق، والكفر، والقتل، واختلاف الملك؛ فكما لا يقدح قيام تلك الموانع في سببية الإرث لا يقدح هذا فيها. اهـ. ح وإن جعل استدراكا على المتن كان في محله ط (قوله: وهو الظاهر) هذا من كلام النهر حيث قال وهو الظاهر لما سيأتي: أي من كون الصيد محرم العين على المحرم، ولم يظهر لي وجه ظهوره، إذ بعد تحقق سبب الإرث وهو موت المورث لا بد من قيام نص يدل على كون الإحرام مانعا من إرث الصيد كقيامه على الموانع الأربعة وكون الصيد محرم العين على المحرم بقوله تعالى - {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] - ولذا لو منع من سائر التصرفات لا يدل على منع إرثه. فإن الجمرة محرمة العين أيضا وتورث.
(قوله فإن قتله) أي الصيد الذي أخذه المحرم (قوله محرم آخر إلخ) احترز به عن البهيمة. وبالبالغ المسلم عن الصبي والكافر كما يأتي، وكان ينبغي زيادة عاقل للاحتراز عن المجنون فإنه في حكم الصبي كما في ط عن الحموي. وخرج أيضا ما لو قتله حلال فإنه إن كان في الحرم لزمه الجزاء وإلا فلا، لكن يرجع عليه الآخذ بما ضمن، فالرجوع فيه لا فرق فيه بين المحرم والحلال بحر (قوله لأنه قرر عليه ما كان بمعرض السقوط) فإنه كان محتمل الإرسال قبل قتله؛ وللتقرير حكم الابتداء في حق التضمين كشهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا كما في الهداية (قوله على ما اختاره الكمال) وجزم به الزيلعي، وصرح به في المحيط عن المبتغى. وظاهر ما في النهاية أن يرجع الآخذ بالقيمة مطلقا ح عن البحر.
(قوله لم يرجع على ربها) عبارة اللباب: ولو قتله بهيمة في يده فعليه الجزاء ولا يرجع على أحد. قال شارحه: أي من صاحب البهيمة أو راكبها وسائقها وقائدها، والمسألة مصرحة في البحر الزاخر. اهـ.
أقول: وهذا في الرجوع على الراكب ونحوه، أما ضمان الراكب ونحوه الجزاء فلا شك فيه. قال في معراج الدراية: وكذا لو كان راكبا أو سائقا أو قائدا فأتلفت الدابة بيدها أو رجلها أو فمها صيدا فعليه الجزاء فافهم (قوله ولو صبيا أو نصرانيا) محترز قوله بالغ مسلم.

فلا جزاء عليه) لله تعالى (و) لكن (رجع الآخذ عليه بالقيمة) لأنه يلزمه حقوق العباد دون حقوق الله تعالى (وكل ما على المفرد به دم بسبب جنايته على إحرامه) يعني بفعل شيء من محظوراته لا مطلقا، إذ لو ترك واجبا من واجبات الحج أو قطع نبات الحرم لم يتعدد الجزاء لأنه ليس جناية على الإحرام (فعلى القارن) ومثله متمتع ساق الهدي (دمان، وكذا الحكم في الصدقة) فتثنى أيضا لجنايته على إحراميه (إلا بمجاوزة الميقات غير محرم) استثناء منقطع (فعليه دم واحد) لأنه حينئذ ليس بقارن
[رد المحتار] وعبارة المعراج: لا يجب على الصبي والمجنون والكافر، فزاد المجنون لأنه كالصبي كما مر، وعبر بالكافر لأن النصراني غير قيد وإخراجه عن قوله محرم باعتبار الصورة، وإلا فالكافر ليس أهلا للنية التي هي شرط الإحرام (قوله فلا جزاء عليه) بل على الآخذ وحده (قوله لأنه يلزمه حقوق العباد) وهنا لما قرر على الآخذ ما كان بمعرض السقوط لزمه.
(قوله وكل ما على المفرد به دم) لو قال كفارة لشمل الصدقة واستغنى عن قوله وكذا الحكم في الصدقة، ثم المراد بالكفارة ما يشمل كفارة الضرورة، فإن القارن إذا لبس أو غطى رأسه للضرورة تعددت الكفارة كما في البحر (قوله يعني بفعل شيء من محظوراته إلخ) أي محظورات الإحرام: أي ما حرم عليه فعله بسبب نفس الإحرام لا من حيث كونه حجا أو عمرة، ولا ما حرم بسبب غير الإحرام وذلك كاللبس والتطيب وإزالة شعر أو ظفر، فخرج ما لو ترك واجبا؛ كما لو ترك السعي أو الرمي أو أفاض قبل الإمام أو طاف جنبا أو محدثا للحج أو العمرة فإن عليه الكفارة، ولا تتعدد على القارن لأن ذلك ليس جناية على نفس الإحرام بل هو ترك واجب من واجبات الحج أو العمرة، وكذا لو طاف جنبا وهو غير محرم لزمه دم كما نص عليه في البحر، بخلاف نحو اللبس فإنه جناية على الإحرام مع قطع النظر عن كونه حجا أو عمرة، ولذا حرم عليه ذلك قبل الشروع في أفعالهما، فيتعدد الجزاء على القارن لتلبسه بإحرامين. وخرج أيضا ما لو قطع نبات الحرم فلا يتعدد الجزاء به أيضا على القارن. قال في البحر لأنه من باب الغرامات لا تعلق للإحرام به، بخلاف صيد الحرم إذا قتله القارن فإنه يلزمه قيمتان لأنها جناية على الإحرام وهو متعدد، ولا ينظر إلى كونه جناية على الحرم لأن أقوى الحرمتين تستتبع أدناهما والإحرام أقوى فكان وجوب القيمة بسبب الإحرام فقط لا بسبب الحرم، وإنما ينظر إلى الحرم إذا كان القاتل حلالا. اهـ.


هذا ما ظهر لي تقريره هنا. وظاهر تقرير السراج أن المراد بقوله وما على المفرد به دم ما كان فعلا احترازا عما كان تركا كترك السعي وحد الوقوف والطهارة، وبه يشعر كلام الشارح، لكن يرد عليه قطع النبات فإنه فعل تأمل (قوله ومثله متمتع ساق الهدي) أولى منه قول اللباب: وما ذكرناه من لزوم الجزاءين على القارن هو حكم كل من جمع بين إحرامين كالمتمتع الذي ساق الهدي أو لم يسقه، لكن لم يحل من العمرة حتى أحرم بالحج، وكذا من جمع بين الحجتين أو العمرتين، وعلى هذا لو أحرم بمائة حجة أو عمرة ثم جنى قبل رفضها فعليه مائة جزاء. اهـ. فافهم. (قوله لجنايته على إحراميه) أي إحرام الحج وإحرام العمرة، وهو علة لتعدد الدم والصدقة، وما ذكره الشارح قبيل قول المصنف أو أفاض من عرفة قبل الإمام من أنه لا مدخل للصدقة في العمرة يقتضي عدم تعدد الصدقة على القارن، لكن قدمنا جوابه هناك فتدبر.
(قوله فعليه دم واحد) لتأخير الإحرام عن الميقات، ولو عاد إلى الميقات وأحرم سقط الدم ط.
وذكر في النهاية صورة يلزم القارن فيها دمان للمجاوزة، وهي ما لو جاوز فأحرم بحج ثم دخل مكة فأحرم بعمرة ولم يعد إلى الحل محرما، وهي غير واردة لأن الدم الأول للمجاوزة، والثاني لتركه ميقات العمرة لأنه لما دخل مكة التحق بأهلها بحر (قوله لأنه حينئذ) أي حين المجاوزة ليس بقارن، وهذا تعليل لوجوب الدم الواحد

(ولو قتل محرمان صيدا تعدد الجزاء) لتعدد الفعل (ولو حلالان) صيد الحرم (لا) لاتحاد المحل
(وبطل بيع محرم صيدا) وكذا كل تصرف (وشراؤه) إن اصطاده وهو محرم وإلا فالبيع فاسد (فلو قبض) المشترى (فعطب في يده فعليه وعلى البائع الجزاء) وفي الفاسد يضمن قيمته أيضا كما مر (ولدت ظبية) بعدما (أخرجت من الحرم وماتا غرمهما وإن أدى جزاءها) أي الأم
[رد المحتار] ويكون الاستثناء منقطعا، وذلك لأن الدم يلزمه، سواء أحرم بعد ذلك بحج أو عمرة أو بهما، أو لم يحرم أصلا، فلا دخل لكونه قارنا في وجوب ذلك الدم ط.
(قوله لتعدد الفعل) أي الجناية لأن كل واحد منهما بالشركة يصير جانيا جناية تفوق الدلالة فيتعدد الجزاء بتعدد الجناية هداية فافهم (قوله لاتحاد المحل) فإن الضمان في حق المحرم جزاء الفعل، وهو متعدد، وفي حق صيد الحرم جزاء المحل، وهو ليس بمتعدد كرجلين قتلا رجلا خطأ يجب عليهما دية واحدة لأنها بدل المحل، وعلى كل منهما كفارة لأنها جزاء الفعل بحر. وينبغي أن يقسم على عدد الرءوس إذا قتله جماعة، ولو قتله حلال ومحرم فعلى المحرم جميع القيمة وعلى الحلال نصفها، ولو قتله حلال ومفرد وقارن فعلى الحلال ثلث الجزاء وعلى المفرد جزاء وعلى القارن جزاءان قهستاني، وتمامه في البحر.
(قوله وبطل بيع المحرم صيدا إلخ) أطلقه فشمل ما إذا كان العاقدان محرمين أو أحدهما، فأفاد أن بيع المحرم باطل ولو كان المشتري حلالا وأن شراءه باطل وإن كان البائع حلالا. وأما الجزاء فإنما يكون على المحرم، حتى لو كان البائع حلالا والمشتري محرما لزم المشتري فقط، وعلى هذا كل تصرف بحر (قوله وكذا كل تصرف) أي من هبة ووصية وجعله مهرا وبدل خلع لأن العين خرجت عن كونها محلا لسائر التصرفات ط. ثم الأولى تأخيره عن قوله وشراؤه ليكون تعميما بعد تخصيص (قوله إن اصطاده وهو محرم) أي لأنه لم يملكه كما مر. وأفاد بهذا الشرط أن البطلان إذا صاده وهو محرم وباعه كذلك، أما لو صاده وهو محرم وباعه وهو حلال فالبيع جائز كما في السراج؛ ولو صاده وهو حلال وباعه وهو محرم فالبيع فاسد كما صرح به تبعا للسراج أيضا: أي إذا كان المشتري حلالا، أما لو كان محرما فالبيع باطل ولو كان البائع حلالا كما مر آنفا. ثم إن ما ذكره من الشرط إنما هو في بيع المحرم كما مر في النهر قال ح إذ لا معنى لقولك وبطل شراء المحرم إن اصطاده وهو محرم فكان عليه أن يذكر الشرط بعد الأول. اهـ. (قوله وفي الفاسد يضمن قيمته) أي يضمن المشتري قيمة الصيد للبائع لأنه ملكه. اهـ. ح.
(قوله أيضا) أي مع ضمانه: أي المشتري الجزاء المذكور في قوله وعليه وعلى البائع الجزاء فافهم، ولا يخفى أن ضمانه الجزاء إنما هو إذا كان محرما وإلا فليس عليه سوى ضمان القيمة (قوله كما مر) الكاف فيه للتنظير: أي نظير ما مر من ضمان المرسل القيمة في قوله أخذ حلال صيدا ضمن مرسله.


[تنبيه]
ذكر في البحر عن المحيط قبيل قول الكنز وحل له لحم ما صاده حلال لو وهب محرم لمحرم صيدا فأكله. قال أبو حنيفة: على الآكل ثلاثة أجزأة: قيمة للذبح، وقيمة للأكل المحظور. وقيمة للواهب لأن الهبة كانت فاسدة وعلى الواهب قيمة. وقال محمد: على الآكل قيمتان قيمة للواهب وقيمة للذبح، ولا شيء للأكل عنده. اهـ. والظاهر أن وجوب قيمة للواهب خاص فيما إذا اصطاده وهو حلال ليكون ملكه وإلا لم يملكه فلا يجب له قيمة، ولذا كانت الهبة فاسدة لا باطلة قيل: وهذا بناء على القول بأن الهبة الفاسدة لا تفيد الملك بالقبض، أما عن مقابله فلا شيء عليه للواهب.
قلت: وهذا غير صحيح لأنها مضمونة على كل من القولين كالبيع الفاسد يملك بالقبض ويضمن بمثله أو قيمته كما سيذكره في كتاب الهبة إن شاء الله تعالى (قوله بعدما أخرجت) أي أخرجها محرم أو حلال معراج (قوله وماتا) علم حكم ذبحهما وإتلافهما بأي وجه كان بالأولى ط (قوله غرمهما) لأن الصيد بعد الإخراج من الحرم بقي

(ثم ولدت لم يجزه) أي الولد لعدم سراية الأمن حينئذ وهل يجب ردها بعد أداء الجزاء الظاهر: نعم
(آفاقي) مسلم بالغ (يريد الحج) ولو نفلا (أو العمرة) فلو لم يرد واحدا منهما لا يجب عليه دم بمجاوزة الميقات، وإن وجب حج أو عمرة إن أراد دخول مكة أو الحرم على ما سيأتي في المتن قريبا (وجاوز وقته) ظاهر ما في النهر عن البدائع
[رد المحتار] مستحق الأمن شرعا ولهذا وجب رده إلى مأمنه وهذه صفة شرعية فتسري إلى الولد. اهـ. ح (قوله لم يجزه) بفتح الياء من جزاه به وهو ثلاثي معتل الآخر كما في القاموس وضميره المستتر للمخرج والبارز للولد ح. وكل زيادة في الصيد كالسمن والشعر فضمانها على هذا التفصيل نهر: أي إن لم يؤد جزاءها قبل موتها ضمن الزيادة وإن أداه فلا بحر، وبه علم أنها لو حبلت بعد إخراجها، فهو كذلك كما أفاده ط (قوله لعدم سراية الأمن) أي إلى الولد لأنه لما أدى ضمان الأصل ملكها فخرجت من أن تكون صيد الحرم وبطل استحقاق الأمن قاضي خان. قال في النهر: حتى لو ذبح الأم والأولاد يحل، لكن مع الكراهة كما في الغاية (قوله والظاهر نعم) نقله في النهر عن البحر بقوله فإذا أدى الجزاء ملكها ملكا خبيثا، ولذا قالوا بكراهة أكلها وهي عند الإطلاق تنصرف إلى التحريم، فدل على أنه يجب ردها بعد أداء الجزاء. اهـ.
(قوله آفاقي إلخ) ترجمه في الكنز بباب مجاوزة الميقات بغير إحرام، ووصله المصنف بما سبق لأنه جناية أيضا، لكن ما سبق جناية بعد الإحرام وهذا قبله قال ح: لو عبر بمن جاوز الميقات كما عبر به في الكنز لشمل قوله كمكي يريد الحج إلخ ولشمل حرميا أحرم لعمرته من الحرم وبستانيا أحرم لحجته أو لعمرته من الحرم. فإن كل من لم يحرم من ميقاته المعين له لزمه دم ما لم يعد إليه سواء كان حرميا أم بستانيا أم آفاقيا، غاية الأمر أنه يشترط للزوم الإحرام في البستاني والحرمي قصد النسك، ويكفي الآفاقي قصد دخول الحرم قصد مع ذلك نسكا أم لا. اهـ. وأراد بالبستاني الحلي أي من كان في الحل داخل المواقيت.
والحاصل أن المحرم ثلاثة أصناف آفاقي وحلي وحرمي، ولكل ميقات مخصوص تقدم بيانه في المواقيت، فمن أراد نسكا وجاوز وقته لزمه العود إليه (قوله مسلم بالغ) فلو جاوزه كافر أو صبي فأسلم وبلغ لا شيء عليهما، ولم يقيد بالحر ليشمل الرقيق. فإنه لو جاوزه بلا إحرام ثم أذن له مولاه فأحرم من مكة فعليه دم يؤخذ به بعد العتق فتح (قوله يريد الحج أو العمرة) كذا قاله صدر الشريعة، وتبعه صاحب الدرر وابن كمال باشا، وليس بصحيح لما نذكر. ومنشأ ذلك قول الهداية: وهذا الذي ذكرنا أي من لزوم الدم بالمجاوزة إن كان يريد الحج أو العمرة، فإن كان دخل البستان لحاجة فله أن يدخل مكة بغير إحرام. اهـ.


قال في الفتح: يوهم ظاهره أن ما ذكرنا من أنه إذا جاوز غير محرم وجب الدم إلا أن يتلافاه، محله ما إذا قصد النسك، فإن قصد التجارة أو السياحة لا شيء عليه بعد الإحرام وليس كذلك لأن جميع الكتب ناطقة بلزوم الإحرام على من قصد مكة سواء قصد النسك أم لا. وقد صرح به المصنف أي صاحب الهداية في فعل المواقيت، فيجب أن يحمل على أن الغالب فيمن قصد مكة من الآفاقيين قصد النسك، فالمراد بقوله إذا أراد الحج أو العمرة إذا أراد مكة. اهـ.
ملخصا من ح عن الشرنبلالية، وليس المراد بمكة خصوصها، بل قصد الحرم مطلقا موجب للإحرام كما مر قبيل فصل الإحرام، وصرح به في الفتح وغيره (قوله فلو لم يرد إلخ) قد علمت ما فيه ح (قوله على ما مر) أي أول الكتاب في بحث المواقيت في قوله وحرم تأخير الإحرام عنها لمن قصد دخول مكة ولو لحاجة. وفي بعض النسخ على ما سيأتي في المتن قريبا: أي في قوله وعلى من دخل مكة بلا إحرام حجة أو عمرة (قوله وجاوز وقته) أي ميقاته، والمراد آخر المواقيت التي يمر
اعتبار الإرادة عند المجاوزة (ثم أحرم لزمه دم؛ كما إذا لم يحرم، فإن عاد) إلى ميقات ما (ثم أحرم أو) عاد إليه حال كونه (محرما لم يشرع في نسك) صفة: محرما كطواف ولو شوطا، وإنما قال (ولبى) لأن الشرط عند الإمام تجديد التلبية عند الميقات بعد العود إليه خلافا لهما (سقط دمه) والأفضل عوده إلا إذا خاف فوت الحج





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 17-05-2026, 12:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,162
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)


كتاب الصيام والحج من الدر المختار
وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)
فقه حنفى
من صـــ 614 الى صـــ 620

(67)





[رد المحتار] عليها، إذ لا يجب عليه الإحرام من أولها كما مر أول الكتاب (قوله اعتبار الإرادة عند المجاوزة) أي أن الآفاقي الذي جاوز وقته تعتبر إرادته عند المجاوزة، فإن كان عند قصد المجاوزة أراد دخول مكة لحج أو غيره لزمه الإحرام من الميقات، وإلا بأن أراد دخول مكان في الحل لحاجة فلا شيء عليه. واستظهر في البحر اعتبار الإرادة عند الخروج من بيته، لكن ذكر ذلك في مسألة البستان الآتية، وأشار الشارح إلى أنه لا فرق بين الموضعين حيث ذكر ذلك فيهما، وسنذكر عبارة البحر والنهر فافهم (قوله إلى ميقات ما) في بعض النسخ بدون لفظة ما، وعلى كل فالمراد أي ميقات كان، سواء كان ميقاته الذي جاوزه غير محرم أو غيره أقرب أو أبعد لأنها كلها في حق المحرم سواء. والأولى أن يحرم من وقته بحر عن المحيط (قوله ثم أحرم) أي بحج ولو نفلا أو بعمرة، وهذا ناظر إلى قول الشارح كما إذا لم يحرم، وقوله أو عاد إلخ ناظر إلى قوله جاوز وقته ثم أحرم. وعبارة المتن بمجردها فيها حزازة فتأمل (قوله صفة محرما) أي صفة معنوية، وإلا فجملة لم يشرع حال من فاعله المستتر أو من فاعل عاد، فهي حال بعد حال متداخلة أو مترادفة (قوله كطواف) وكذا لو وقف بعرفة قبل أن يطوف للقدوم فتح (قوله ولو شوطا) أخذه من البحر، ومقتضاه أنه لا بد في لزوم الدم وعدم إمكان سقوطه من الشوط الكامل.
وعبارة الهداية: ولو عاد بعد ما ابتدأ الطواف واستلم الحجر لا يسقط عنه الدم بالاتفاق فقال: واستلم الحجر بالواو، وفي بعض نسخها بالفاء. قال ابن الكمال في شرحها: إنما ذكره تنبيها على أن المعتبر في ذلك الشوط التام، فإن المسنون الفصل بين الشوطين بالاستلام، وإلا فهو ليس بشرط. اهـ.
ومثله في العناية.


وعليه فالمراد بالاستلام ما يكون بين الشوطين لا ما يكون في أول الطواف، ويؤيده قول البدائع بعد ما طاف شوطا أو شوطين: وبه ظهر أن ما في الدرر من عطفه بأو غير ظاهر لاقتضائه الاكتفاء ببعض الشوط فافهم (قوله لأن الشرط إلخ) أي في سقوط الدم، وليس المراد أنه شرط في صحة النسك لأن تعيين الإحرام من الميقات واجب حتى يجبر بالدم، ولو كان شرطا لكان فرضا، وبتركه يفسد الحج أفاده الحموي ط (قوله عند الميقات) احتراز عن داخل الميقات لا خارجه، حتى لو عاد محرما ولم يلب فيه لكن لبى بعد ما جاوزه ثم رجع ومر به ساكتا فإنه يسقط عنه بالأولى لأنه فوق الواجب عليه في تعظيم البيت كما في البحر ح (قوله خلافا لهما) حيث قالا يسقط الدم وإن لم يلب كما لو مر محرما ساكتا؛ وله أن العزيمة في الإحرام من دويرة أهله، فإذا ترخص بالتأخير إلى الميقات وجب عليه قضاء حقه بإنشاء التلبية، فكان التلافي بعوده ملبيا هداية. وفي شرحها لابن الكمال: اعلم أن الناظرين في هذا المقام من شراح الكتاب وغيرهم اتفقوا على أن العزيمة للآفاقي ما ذكر، ولا يخلو عن إشكال، إذ لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من أصحابه أنه أحرم من دويرة أهله فكيف يصح اتفاق الكل على ترك العزيمة وما هو الأفضل. اهـ.
قلت: وهو ممنوع فإن المراد بالإحرام من دويرة أهله أي مما قرب من أهل الحرم من الأماكن البعيدة عن الميقات، وقد ورد فعل ذلك عن جماعة من الصحابة وورد طلبه في الحديث كما قدمناه عن الفتح عند بحث المواقيت. وفسر الصحابة الإتمام في - وأتموا الحج - بذلك، وهذا في حق من قدر عليه كما مر هنا فافهم (قوله والأفضل عوده) ظاهر ما في البحر عن المحيط وجوب العود، وبه صرح في شرح اللباب (قوله إلا إذا خاف فوت الحج) أي فإنه

(وإلا) أي وإن لم يعد أو عاد بعد شروعه (لا) يسقط الدم (كمكي يريد الحج ومتمتع فرغ من عمرته) وصار مكيا (وخرجا من الحرم وأحرما بالحج) من الحل، فإن عليها دما لمجاوزة ميقات المكي بلا إحرام، وكذا لو أحرما بعمرة من الحرم وبالعود كما مر يسقط الدم
(دخل كوفي) أي آفاقي (البستان) أي مكانا من الحل داخل الميقات (لحاجة) قصدها
[رد المحتار] لا يعود ويمضي في إحرامه، وعلله في البحر عن المحيط بقوله لأن الحج فرض والإحرام من الميقات واجب وترك الواجب أهون من ترك الفرض. اهـ.
ومقتضاه أنه لو لم يخف الفوت يجب العود كما قلنا لعدم المزاحم، وأنه إذا خافه يجب عدم العود، وبه يعلم ما في قول النهر ومتى خاف فوت الحج لو عاد فالأفضل عدمه وإلا فالأفضل عوده كما في المحيط. اهـ.
هذا وفي البحر: واستفيد منه: أي مما ذكره عن المحيط أنه لا تفصيل في العمرة وأنه يعود لأنها لا تفوت أصلا. اهـ.
ولا يخفى أن هذا بالنظر إلى الفوات وإلا فقد يحصل مانع من العود غير الفوات لخوفه على نفسه أو ماله فيسقط وجوب العود في العمرة أيضا (قوله أو عاد بعد شروعه) بقي عليه أن يقول أو قبل شروعه ولم يلب عند الميقات ح (قوله كمكي يريد الحج إلخ) أما لو خرج إلى الحل لحاجة فأحرم منه ووقف بعرفة فلا شيء عليه؛ كالآفاقي إذا جاوز الميقات قاصدا البستان ثم أحرم منه، ولم أر تقييد مسألة المتمتع بما إذا خرج على قصد الحج، وينبغي أن تقيد به؛ وأنه لو خرج لحاجة إلى الحل ثم أحرم بالحج منه لا يجب عليه شيء كالمكي فتح (قوله وصار مكيا) لأن من وصل إلى مكان على وجه مشروع صار حكمه حكم أهله، وهنا لما وصل إلى مكة محرما بالعمرة وفرغ منها صار في حكم المكي سواء ساق الهدي أم لا، فإذا أراد الإحرام بالحج فميقاته الحرم أو العمرة فالحل، ومثل ذلك يقال في الحلي، وهو من كان داخل المواقيت فإن ميقاته للحج أو العمرة الحل، فإذا أحرم من الحرم فعليه دم إلا أن يعود كما مر عن ح وصرح به هناك في النهر واللباب (قوله وكذا لو أحرما) أي المكي والمتمتع الذي في حكمه، فإن ميقات المكي للعمرة الحل (قوله وبالعود) أراد به مطلق الذهاب إلى الميقات الواجب ليشمل قوله وكذا لو أحرما بعمرة من الحرم فإن الواجب خروجهما إلى الحل ليسقط الدم؛ وليس فيه عود إليه بعد الكينونة فيه (قوله كما مر) أي عودا مماثلا لما مر في الآفاقي بأن يعود إلى الميقات ثم يحرم إن لم يكن أحرم، وإن كان أحرم ولم يشرع في نسك يعود إليه ويلبي.
(قوله أي آفاقي) أفاد أن المراد بالكوفي كل من كان خارج المواقيت (قوله البستان) أي بستان بني عامر: وهو موضع قريب من مكة داخل الميقات خارج الحرم، وهي التي تسمى الآن نخلة محمود بن كمال. زاد غيره أن منه إلى مكة أربعة وعشرين ميلا. قال بعض المحشين: قال النووي: قال بعض أصحابنا: هذه القرية على يسار مستقبل الكعبة إذا وقف بأرض عرفات. وفي غاية السروجي: بالقرب من جبل عرفات على طريق العراق والكوفة إلى مكة (قوله أي مكانا من الحل) أشار إلى أن البستان غير قيد؛ وأن المراد مكان داخل المواقيت من الحل.


والظاهر أنه لا يشرط أن يقصد مكانا معينا لأن الشرط عدم قصد دخول الحرم عند المجاوزة؛ فأي مكان قصده من داخل المواقيت حصل المراد كما سيتضح فافهم (قوله لحاجة) كذا في البدائع والهداية والكنز وغيرها، وهو احتراز عما إذا أراد دخول مكان من الحل لمجرد المرور إلى مكة فإنه لا يحل له إلا محرما فلا بد من هذا القيد، وإلا فكل آفاقي أراد دخول مكة لا بد له من دخول مكان في الحل.
على أنه في البحر جعل الشرط قصده الحل من حين خروجه من بيته: أي ليكون سفره لأجله لا لدخول الحرم كما يأتي، ولذا قال ابن الشلبي في شرحه ومنلا مسكين لحاجة له بالبستان لا لدخول مكة، ويأتي توضيحه فافهم

ولو عند المجاوزة على ما مر، ونية مدة الإقامة ليست بشرط على المذهب (له دخول مكة غير محرم ووقته البستان ولا شيء عليه) لأنه التحق بأهله كما مر، وهذه حيلة لآفاقي يريد دخول مكة بلا إحرام
[رد المحتار] قوله ولو عند المجاوزة) الظرف متعلق بقصدها أي ولو كان قصد الحاجة التي هي علة إرادته دخول البستان عند مجاوزة الميقات، أما بعد المجاوزة فلا يعتبر قصد الحاجة لكونه عند المجاوزة كان قاصدا مكة فلا يسقط الدم ما لم يرجع. وأفاد أنه لو قصد دخول البستان لحاجة قبل المجاوزة فهو كذلك بالأولى وإن قصده لذلك من حين خروجه من بيته غير شرط، خلافا لما في البحر حيث قال عقب ذكره إن ذلك حيلة لآفاقي أراد دخول مكة بلا إحرام، ولم أر أن هذا القصد لا بد منه حين خروجه من بيته أولا. والذي يظهر هو الأول، فإنه لا شك أن الآفاقي يريد دخول الحل الذي بين الميقات والحرم وليس ذلك كافيا فلا بد من وجود قصد مكان مخصوص من الحل الداخل الميقات حين يخرج من بيته. اهـ.
وحاصله أن الشرط أن يكون سفره لأجل دخول الحل وإلا فلا تحل له المجاوزة بلا إحرام. قال في النهر: الظاهر أن وجود ذلك القصد عند المجاوزة كاف، ويدل على ذلك ما في البدائع بعد ما ذكر حكم المجاوزة بغير إحرام قال: هذا إذا جاوز أحد هذه المواقيت الخمسة يريد الحج أو العمرة أو دخول مكة أو الحرم بغير إحرام، فأما إذا لم يرد ذلك وإنما أراد أن يأتي بستان بني عامر أو غيره لحاجة فلا شيء عليه اهـ فاعتبر الإرادة عند المجاوزة كما ترى اهـ أي إرادة الحج ونحوه وإرادة دخول البستان، فالإرادة عند المجاوزة معتبرة فيهما. ولذا ذكر الشارح ذلك في الموضعين كما قدمناه فافهم. وقول البحر فلا بد من وجود قصد مكان مخصوص من الحل غير ظاهر، بل الشرط قصد الحل فقط تأمل (قوله على ما مر) أي قريبا في قوله ظاهر ما في النهر عن البدائع إلخ (قوله على المذهب) مقابله ما قاله أبو يوسف إنه إن نوى إقامة خمسة عشر يوما في البستان فله دخول مكة بلا إحرام وإلا فلا ح عن البحر (قوله له دخول مكة غير محرم) أي إذا أراد دخول البستان لحاجة لا لدخول مكة ثم بدا له دخول مكة لحاجة له دخولها غير محرم كما في شرح ابن الشلبي ومنلا مسكين. قال في الكافي لأن وجوب الإحرام عند الميقات على من يريد دخول مكة وهو لا يريد دخولها، وإنما يريد البستان وهو غير مستحق التعظيم فلا يلزمه الإحرام بقصد دخوله. اهـ.


قلت: وهذا إذا أراد دخول مكة لحاجة غير النسك وإلا فلا يجاوز ميقاته إلا بإحرام، ولذا قال قبيل فصل الإحرام عند ذكر المواقيت: وحل لأهل داخلها دخول مكة غير محرم ما لم يرد نسكا (قوله ووقته البستان) أي لو أراد النسك فميقاته للحج أو العمرة البستان، يعني جميع الحل الذي بين المواقيت والحرم كما مر في بحث المواقيت فلو أحرم من الحرم لزمه دم ما لم يعد كما قدمناه قريبا عن النهر واللباب، إلا إذا دخل الحرم لحاجة ثم أراد النسك فإنه يحرم من الحرم لأنه صار مكيا كما مر (قوله ولا شيء عليه) مرتبط بقوله له دخول مكة غير محرم، فكان الأولى ذكره قبل قوله ووقته البستان (قوله كما مر) أي قبيل فصل الإحرام حيث قال: أما لو قصد موضعا من الحل كخليص وحدة حل له مجاوزته بلا إحرام، فإذا حل به التحق بأهله. فله دخول مكة بلا إحرام (قوله هذه حيلة لآفاقي إلخ) أي إذا لم يكن مأمورا بالحج عن غيره كما قدمه الشارح هناك وقدمنا الكلام عليه. ثم إن هذه الحيلة مشكلة لما علمت من أنه لا يجوز له مجاوزة الميقات بلا إحرام ما لم يكن أراد دخول مكان في الحل لحاجة، وإلا فكل آفاقي يريد دخول مكة لا بد أن يريد دخول الحل وقدمنا أن التقييد بالحاجة احتراز عما لو كان عند المجاوزة يريد دخول مكة وإنه إنما يجوز له دخولها بلا إحرام إذا بدا له بعد ذلك دخولها كما قدمناه عن شرح ابن الشلبي ومنلا مسكين.

(و) يجب (على من دخل مكة بلا إحرام) لكل مرة (حجة أو عمرة) فلو عاد فأحرم بنسك أجزأه عن آخر دخوله، وتمامه في الفتح (وصح منه) أي أجزأه عما لزمه بالدخول (لو أحرم عما عليه) من حجة الإسلام أو نذر أو عمرة منذورة لكن (في عامه ذلك) لتداركه المتروك في وقته (لا بعده)
[رد المحتار] فعلم أن الشرط لسقوط الإحرام أن يقصد دخول الحل فقط، ويدل عليه أيضا ما نقلناه عن الكافي من قوله وهو لا يريد دخولها أي مكة، وإنما يريد البستان، وكذا ما نقلناه عن البدائع من قوله فأما إذا لم يرد ذلك وإنما أراد أن يأتي بستان بني عامر، وكذا قوله في اللباب: ومن جاوز وقته يقصد مكانا من الحل ثم بدا له أن يدخل مكة فله أن يدخلها بغير إحرام فقوله ثم بدا له أي ظهر وحدث له يقتضي أنه لو أراد دخول مكة عند المجاوزة يلزمه الإحرام وإن أراد دخول البستان لأن دخول مكة لم يبد له بل هو مقصوده الأصلي، وقد أشار في البحر إلى هذا الإشكال وأشار إلى جوابه بما تقدم عنه من أنه لا بد أن يكون قصد البستان من حين خروجه من بيته: أي بأن يكون سفره المقصود لأجل البستان لا لأجل دخوله مكة كما قدمناه. وأجاب أيضا في شرح اللباب بقوله والوجه في الجملة أن يقصد البستان قصدا أوليا، ولا يضره دخول الحرم بعده قصدا ضمنيا أو عارضيا، كما إذا قصد هندي جدة لبيع وشراء أولا ويكون في خاطره أنه إذا فرغ منه أن يدخل مكة ثانيا، بخلاف من جاء من الهند بقصد الحج أولا ويقصد دخول جدة تبعا ولو قصد بيعا وشراء. اهـ.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 18-05-2026, 09:55 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,162
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)


كتاب الصيام والحج من الدر المختار
وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)
فقه حنفى
من صـــ 614 الى صـــ 620

(68)






وهو قريب من جواب البحر لأن حاصله أن يكون المقصود من سفره البيع والشراء في الحل ويكون دخول مكة تبعا، لكن ينافيه قولهم ثم بدا له دخول مكة فإنه يفيد أنه لا بد أن يكون دخولها عارضا غير مقصود لا أصالة ولا تبعا، بل يكون المقصود دخول الحل فقط كما هو ظاهر جواب البحر وكلام الكافي والبدائع واللباب وغيرها، وهذا مناف لقولهم إنه الحيلة لآفاقي يريد دخول مكة بلا إحرام لأنه إذا كان قصده دخول الحل فقط لم يحتج إلى حيلة إذا بدا له دخول مكة، على أن هذا أيضا فيمن أراد دخول مكة لحاجة غير النسك؛ أما لو أراد النسك فلا يحل له دخولها بلا إحرام لأنه إذا صار من أهل الحل فميقاته ميقاتهم وهو الحل كما مر مرارا، فكيف من خرج من بيته لأجل الحج فافهم.
(قوله ويجب على من دخل مكة) أي والحرم سواء قصد التجارة أو النسك أم غيرهما كما تفيده عبارة البدائع السابقة وتقدم التصريح به شرحا ومتنا قبيل فصل الإحرام، وصرح به في اللباب أيضا (قوله فلو عاد) أي إلى الميقات كما قيد به في الهداية، لكن في البدائع أنه إذا أقام بمكة حتى تحولت السنة يجزئه ميقات أهل مكة وهو الحرم للحج والحل للعمرة لأنه لما أقام بمكة صار في حكم أهلها. اهـ. والتعليل يفيد أن تحول السنة غير قيد كذا في الفتح، ثم التقييد بالخروج إلى الميقات لأجل سقوط الدم لا للإجزاء لأن الواجب عليه بدخول مكة بلا إحرام أمران: الدم والنسك وبه يحصل التوفيق كما أفاده في الشرنبلالية (قوله عن آخر دخوله) أي وعليه قضاء ما بقي لباب (قوله وتمامه في الفتح) حيث علل ذلك بأن الواجب قبل الأخير صار دينا في ذمته فلا يسقط إلا بالتعيين بالنية. اهـ. ح (قوله وصح منه إلخ) أي إذا دخل مكة بلا إحرام ولزمه بذلك حجة أو عمرة فخرج إلى الميقات وأحرم بحجة أو عمرة واجبة عليه بسبب آخر فإنه يجزئه ذلك عما لزمه بالدخول وإن لم ينوه إذا كان ذلك في عام الدخول لا بعده (قوله من حجة الإسلام إلخ) احترز به عما لو أحرم عما عليه بسبب الدخول، فإنه قدمه في قوله فإن عاد إلخ.
والظاهر أنه لو عاد إلى الميقات ونوى نسكا نفلا يقع واجبا عما عليه بالدخول، ولا يكون نفلا لأنه بعد تقرر الوجوب عليه، بخلاف ما إذا نواه نفلا قبل مجاوزة الميقات فإنه يقع نفلا لعدم وجوب شيء عليه بعد لحصول المقصود من تعظيم البقعة بالإحرام كما حققناه أول الحج فافهم (قوله في عامه ذلك إلخ) أي عام الدخول قال في الهداية لأنه تلافى


لصيرورته دينا بتحويل السنة (جاوز الميقات) بلا إحرام (فأحرم بعمرة ثم أفسدها مضى وقضى ولا دم عليه) لترك الوقت لجبره بالإحرام منه في القضاء
(مكي) ومن بحكمه (طاف لعمرته ولو شوطا) أي أقل أشواطها
[رد المحتار] المتروك في وقته لأن الواجب عليه تعظيم هذه البقعة بالإحرام إذا أتاه: أي الميقات محرما بحجة الإسلام في الابتداء، بخلاف ما إذا تحولت السنة لأنه صار دينا في ذمته فلا يتأدى إلا بإحرام مقصود كما في الاعتكاف المنذور، فإنه يتأدى بصوم رمضان في هذه السنة دون العام الثاني. اهـ.
قال في الفتح: ولقائل أن يقول: لا فرق بين سنة المجاوزة وسنة أخرى، ففي أي وقت فعل ذلك يقع أداء إذ الدليل لم يوجب ذلك في سنة معينة ليصير بفواتها دينا يقضى، فمهما أحرم من الميقات بنسك عليه تأدى هذا الواجب في ضمنه، وعلى هذا إذا تكرر الدخول بلا إحرام منه ينبغي أن لا يحتاج إلى التعيين كمن عليه يومان من رمضان فنوى مجرد قضاء ما عليه ولم يعين، وكذا لو كانا من رمضانين على الأصح، وكذا نقول إذا رجع مرارا فأحرم كل مرة بنسك حتى أتى على عدد دخلاته خرج عن عهدة ما عليه. اهـ.
وأقره في البحر (قوله لصيرورته) أي المتروك دينا، وعلمت ما فيه من بحث الفتح. وأورد عليه أيضا أنه ينبغي أن تسقط العمرة الواجبة بدخول مكة غير محرم بالعمرة المنذورة في السنة الثانية كالمنذورة في الأولى لأن العمرة لا تصير دينا لعدم توقتها بوقت معين، بخلاف الحج. وأجاب في غاية البيان بأن تأخير العمرة إلى أيام النحر والتشريق مكروه، فإذا أخرها إليها صار كالمفوت لها فصارت دينا اهـ وأقره في البحر. ولا يخفى ما فيه، فإن المكروه فعلها في تلك الأيام لا بعدها تأمل (قوله فأحرم بعمرة) يعلم منه ما إذا أحرم بحجة بالأولى نهر فافهم (قوله لترك الوقت) مصدر مضاف إلى مكانه أي لترك إحرامه في الميقات (قوله لجبره بالإحرام منه في القضاء) علة لقوله ولا دم عليه إلخ وضمير منه للوقت أشار به إلى أنه لا بد في سقوط الدم من إحرامه في القضاء من الميقات كما صرح به في البحر، فلو أحرم من الميقات المكي لم يسقط الدم وهو مستفاد أيضا مما قدمناه عن الشرنبلالية.


(قوله مكي طاف لعمرته إلخ) شروع في الجمع بين إحرامين، وهو في حق المكي ومن بمعناه جناية دون الآفاقي إلا في إضافة إحرام العمرة إلى الحج فبالاعتبار الأول ذكره في الجنايات، وبالاعتبار الثاني جعل له في الكنز بابا على حدة.
ثم اعلم أن أقسامه أربعة: إدخال إحرام الحج على العمرة، والحج على مثله، والعمرة على مثلها، والعمرة على الحج؛ قدم الأول لكونه أدخل في الجناية، ولذا لم يسقط به الدم بحال، ثم ذكر الثاني مقدما له على غيره لقوة حاله لاشتماله على ما هو فرض، ثم الثالث على الرابع لما فيه من الاتفاق في الكيفية والكمية نهر (قوله ومن بحكمه) أشار إلى ما في النهر من أن المراد بالمكي غير الآفاقي، فشمل كل من كان داخل المواقيت من الحلي والحرمي فافهم، فالاحتراز بالمكي عن الآفاقي لأنه لا يرفض واحدا منهما غير أنه إن أضاف بعد فعل الأقل كان قارنا وإلا فهو متمتع إن كان ذلك في أشهر الحج كما مر نهر (قوله أي أقل أشواطها) يفيد أن الشوط ليس بقيد، وأطلقه فشمل ما إذا كان في أشهر الحج أو لا كما في البحر عن المبسوط. وفي النهر عن الفتح: ولو طاف الأكثر في غير أيام الحج، ففي المبسوط أن عليه الدم أيضا لأنه أحرم بالحج قبل الفراغ من العمرة، وليس للمكي أن يجمع بينهما، فإذا صار جامعا من وجه كان عليه الدم. اهـ. وفيه أيضا قيد بالعمرة لأنه لو أهل بالحج وطاف له ثم بالعمرة رفضها اتفاقا، وبكونه طاف لأنه لو لم يطف رفضها أيضا اتفاقا، وبالأقل لأنه لو أتى بالأكثر رفضه أي الحج اتفاقا. وفي المبسوط أنه لا يرفض واحدا منهما،

(فأحرم بالحج رفضه) وجوبا بالحلق لنهي المكي عن الجمع بينهما (وعليه دم) لأجل (الرفض وحج وعمرة) لأنه كفائت الحج، حتى لو حج في سنته سقطت العمرة، ولو رفضها قضاها فقط (فلو أتمها صح) وأساء (وذبح) وهو دم جبر، وفي الآفاقي دم شكر
[رد المحتار] وجعله الإسبيجابي ظاهر الرواية (قوله رفضه) أي تركه من باب طلب وضرب كما في المغرب، وهذا: أي رفض الحج أولى عند الإمام. وعندهما الأولى رفض العمرة لأنها أدنى حالا. وله أن إحرامها تأكد بأداء شيء من أعمالها، ورفض غير المتأكد أيسر ولأن في رفضها إبطال العمل وفي رفضه امتناعا عنه أفاده في البحر (قوله وجوبا) مخالف لما في البحر حيث قال بعد ما مر، وقد ظهر أن رفض الحج مستحب لا واجب اهـ أي وإنما الواجب رفض أحدهما لا بعينه (قوله بالحلق) أي مثلا. قال في البحر: ولم يذكر بماذا يكون رافضا، وينبغي أن يكون الرفض بالفعل بأن يحلق مثلا بعد الفراغ من أفعال العمرة ولا يكفي بالقول أو بالنية لأنه جعله في الهداية تحللا وهو لا يكون إلا بفعل شيء من محظورات الإحرام. اهـ.
قلت: وفي اللباب: كل من عليه الرفض يحتاج إلى نية الرفض إلا من جمع بين حجتين قبل فوات الوقوف أو بين العمرتين قبل السعي للأولى، ففي هاتين الصورتين ترتفض إحداهما من غير نية رفض، لكن إما بالسير إلى مكة أو الشروع في أعمال أحدهما اهـ.


فعلم من مجموع ما في البحر واللباب أنه لا يحصل إلا بفعل شيء من محظورات الإحرام مع نية الرفض به، وما قدمناه أوائل الجنايات عند قوله وبترك أكثره بقي محرما من أن المحرم إذا نوى رفض الإحرام فصنع ما يصنعه الحلال من لبس وحلق ونحوهما لا يخرج به من الإحرام وأن نية الرفض باطلة، فهو محمول على ما إذا لم يكن مأمورا بالرفض كما نبهنا عليه هناك، وقيد بكون الحلق بعد الفراغ من العمرة لئلا يكون جناية على إحرامها (قوله لأنه كفائت الحج) وحكمه أن يتحلل بعمرة ثم يأتي بالحج من قابل ط (قوله حتى لو حج) غاية للتعليل المفيد أنه قضاه في غير عامه ط (قوله سقطت العمرة) لأنه حينئذ ليس في معنى فائت الحج بل كالمحصر إذا تحلل ثم حج من تلك السنة، فإنه حينئذ لا تجب عليه عمرة، بخلاف ما إذا تحولت السنة ط وبحر (قوله ولو رفضها) أي العمرة التي طاف لها وأدخل عليها الحج (قوله قضاها) أي ولو في ذلك العام لأن تكرار العمرة في سنة واحدة جائز بخلاف الحج، أفاده صاحب الهندية ط (قوله فقط) أي ليس عليه عمرة أخرى كما في الحج، وليس مراده نفي الدم. لقول الهداية: وعليه دم بالرفض أيهما رفض. اهـ. ح (قوله صح) لأنه أدى أفعالهما كما التزم نهر (قوله وأساء) أي مع الإثم، لما صرحوا به من أن المكي منهي عن الجمع بينهما وأنه يأثم به، وقدمنا الاختلاف في أن الإساءة دون الكراهة وفوقها والتوفيق بينهما فافهم (قوله وذبح) أي لتمكن النقصان من نسكه بارتكاب المنهي عنه لأنه قارن، ولو أضاف بعد فعل الأكثر في أشهر الحج فمتمتع، ولا تمتع ولا قران لمكي كما مر، وهذا يؤيد قول من قال إن نفي التمتع والقران لمكي معناه نفي الحل كما مر نهر: أي لا نفي الصحة.
قلت: وقد مر ذلك في باب التمتع، وقدمنا هناك تحقيق قول ثالث، وهو أن تمتع المكي باطل وقرانه صحيح غير جائز فتذكره بالمراجعة. (قوله وهو دم جبر) لأن كل دم يجب بسبب الجمع أو الرفض، فهو دم جبر وكفارة فلا يقوم الصوم مقامه وإن كان معسرا، ولا يجوز له أن يأكل منه ولا أن يطعمه غنيا، بخلاف دم الشكر،
(ومن أحرم بحج) وحج (ثم أحرم يوم النحر بآخر، فإن) كان قد (حلق للأول) لزمه الآخر في العام القابل (بلا دم) لانتهاء الأول (وإلا) يحلق للأول (فمع دم قصر) عبر به ليعم المرأة (أو لا) لجنايته على إحرامه بالتقصير أو التأخير


[رد المحتار] شرح اللباب.
(قوله ومن أحرم بحج إلخ) شروع في القسم الثاني والثالث أعني إدخال الحج على مثله والعمرة على مثلها. واعلم أن الإحرام بحجتين فصاعدا، إما أن يكون على التراخي، أو معا، أو على التعاقب؛
فالأول ما ذكره في المتن ولذا أتى بثم. وأما الأخيران، ففي النهر يلزمه الحجتان عند الإمام.
والثاني: لكن يرتفض أحدهما إذا توجه سائرا في ظاهر الرواية. وقال الثاني: عقب صيرورته محرما بلا مهلة، وأثر الخلاف يظهر فيما إذا جنى قبل الشروع. وقال محمد: يلزمه في المعية أحدهما وفي التعاقب الأول فقط، والعمرتان كالحجتين. اهـ.
قلت: وأثر الخلاف لزوم دمين بالجناية عندهما، ودم واحد عند محمد كما في البدائع. واستشكله في شرح اللباب بأنه عند الثاني يرتفض أحدهما عقب الإحرام بلا مكث أي فلم تكن الجناية عنده على إحرامين بل على واحد، فيلزمه بالجناية دم واحد كقول محمد (قوله ثم أحرم يوم النحر بآخر) قيد بكونه يوم النحر؛ لأنه لو أحرم بعرفات ليلا أو نهارا رفض الثانية وعليه دم الرفض وحجة وعمرة، ثم عند الثاني يرتفض كما مر، وعند الأول بوقوفه كما في المحيط. وينبغي أنه لو أحرم ليلة النحر بعد الوقوف نهارا أن يرتفض بالوقوف بالمزدلفة لا بعرفة لأنه سابق بحر، لكن قياس ظاهر الرواية المتقدم أن تبطل بالمسير إليها نهر (قوله فإن كان قد حلق للأول) أي لحجه الأول قبل إحرامه بالثاني (قوله لزمه الآخر) أي فيبقى محرما إلى أن يؤديه في العام القابل لباب (قوله لانتهاء الأول) لأن الباقي بعد الحلق الرمي، وبذلك لا يصير جانيا بالإحرام ثانيا نهر. ومقتضاه أن الإحرام الثاني وقع بعد الحلق وبعد طواف الزيارة أيضا، وأنه لو أحرم بعد الحلق قبل الطواف لزمه دم الجمع لأن الإحرام الأول بقي في حق حرمة النساء، وبه صرح الكرماني؛ لكن المتبادر من المتن وغيره كالهداية وشروحها والكافي خلافه، لإطلاقهم نفي الدم بعد الحلق من غير تقييد بما بعد الطواف أيضا، لكن قال في شرح اللباب إن إطلاقهم لا ينافي تقييد الكرماني اهـ أي فيحمل المطلق على المقيد.


قلت: لكن ما في الكرماني مبني على وجوب دم للجمع بين إحرامي الحج كإحرامي العمرة ويأتي الكلام فيه قريبا (قوله فمع دم) الفاء داخلة على مقدر أي فيلزمه الآخر مع دم (قوله قصر أو لا) أي إذا لم يحلق للأول ثم أحرم بالثاني لزمه دم، سواء حلق عقب الإحرام الثاني أو لا بل أخره حتى حج في العام القابل، وهذا عنده، وهما يخصان الوجوب بما إذا حلق لأنهما لا يوجبان بالتأخير شيئا كما في البحر (قوله عبر به إلخ) أشار إلى أن التقصير غير قيد، وإنما عبر به ليشمل المرأة، لكن فيه أنه عبر قبله بالحلق.
وقد يقال إنه من قبيل الاحتباك، وهو أن يصرح في كل موضع بما سكت عنه في الآخر ليفيد إرادة كل مع الاختصار. وما في النهر من أن المراد هنا بالتقصير الحلق إذ التقصير لا دم فيه إنما فيه الصدقة فقد قدمنا أول الجنايات أن الصواب خلافه فافهم (قوله لجنايته على إحرامه) أي إحرام الحجة الثانية، أما إحرام الحجة الأولى فقد انتهى بهذا التقصير فلا جناية عليه، وقوله أو التأخير عطف على مدخول اللام لا على التقصير لأن تأخير الحلق عن أيام النحر ترك واجب جناية على الإحرام؛ ولو أسقط قوله على إحرامه لكان أولى، وأشار بجعل العلة لوجوب الدم أحد هذين إلى أنه لا يلزمه دم للجمع بين إحرامي الحجين لأنه ليس جناية كما يأتي.
أفاده
(ومن أتى بعمرة إلا الحلق فأحرم بأخرى ذبح) الأصل أن الجمع بين إحرامين لعمرتين مكروه تحريما فيلزم الدم لا لحجتين في ظاهر الرواية فلا يلزم
(آفاقي أحرم بحج ثم) أحرم (بعمرة لزماه)



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 21-05-2026, 06:20 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,162
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)



كتاب الصيام والحج من الدر المختار
وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)
فقه حنفى
من صـــ 614 الى صـــ 620

(70)





[باب الإحصار]
لما كان التحلل بالإحصار نوع جناية بدليل أن ما يلزمه ليس له أن يأكل منه ذكره عقب الجنايات، وأخره لأن مبناه على الاضطرار وتلك على الاختيار نهر (قوله لغة المنع) أي بخوف أو مرض أو عجز أما لو منعه عدو بحبس في سجن أو مدينة فهو حصر كما في الكشاف وغيره. وفي المغرب أن هذا هو المشهور، وتمامه في شرح ابن كمال (قوله وشرعا منع عن ركنين) هما الوقوف والطواف في الحج، لكن سيأتي أن العمرة يتحقق فيها الإحصار، ولها ركن واحد وهو الوقوف. وفي بعض النسخ عن ركن بالإفراد، والمراد به الماهية: أي عما هو ركن النسك متعددا أو متحدا تأمل (قوله بعدو) أي آدمي أو سبع (قوله أو مرض) أي يزداد بالذهاب (قوله أو موت محرم) أراد به من لا تحرم خلوته بالمرأة فيشمل زوجها، وكموتهما عدمهما ابتداء؛ فلو أحرمت وليس لها محرم ولا زوج فهي محصرة كما في اللباب والبحر، ثم هذا إذا كان بينها وبين مكة مسيرة سفر وبلدها أقل منه أو أكثر، لكن يمكنها المقام في موضعها وإلا فلا إحصار فيما يظهر (قوله أو هلاك نفقة) فإن سرقت نفقته، إن قدر على المشي فليس بمحصر وإلا فمحصر، وإن قدر عليه للحال إلا أنه يخاف العجز في بعض الطريق جاز له التحلل لباب، وظاهر كلامهم هذا أن المراد بالنفقة ما يشمل الراحلة تأمل.
[تتمة] زاد في اللباب: مما يكون به محصرا أمور أخر. منها العدة، فلو أهلت بالحج فطلقها زوجها ولزمتها العدة صارت محصرة ولو مقيمة أو مسافرة معها محرم. ومنها لو ضل عن الطريق لكن إن وجد من يبعث الهدي معه فذلك الرجل يهديه إلى الطريق وإلا فلا يمكنه التحلل لعجزه عن تبليغ الهدي محله. قال في الفتح: فهو كالمحصر الذي لم يقدر على الهدي.

حل له التحلل فحينئذ (بعث المفرد دما) أو قيمته فإن لم يجد بقي محرما حين يجد أو يتحلل بطواف وعن الثاني أنه يقوم الدم بالطعام ويتصدق به فإن لم يجد صام عن كل نصف صاع يوما (والقارن دمين) فلو بعث واحدا لم يتحلل عنه (وعين يوم الذبح) ليعلم متى يتحلل ويذبحه (في الحرم ولو قبل يوم النحر) خلافا لهما (ولو لم يفعل ورجع إلى أهله بغير تحلل وصبر) محرما
[رد المحتار] ومنها منع الزوج زوجته إذا أحرمت بنفل بلا إذنه، أو المولى مملوكه عبدا كان أو أمة، فلو بإذنه أو أحرمت بفرض فغير محصرة لو لها محرم، أو خرج الزوج معها، وليس له منعها وتحليلها، وهذا لو إحرامها بالفرض في أشهر الحج أو قبلها في وقت خروج أهل بلدها أو قبله بأيام يسيرة، وإلا فله منعها. وأما المملوك فيكره لمولاه منعه بعد الإحرام بإذنه وهو محصر، وليس لزوج الأمة منعها بعد إذن المولى. واعلم أن كل من منع عن المضي في موجب الإحرام لحق العبد فإنه يتحلل بغير الهدي، فإذا أحرمت المرأة أو العبد بلا إذن الزوج أو المولى فلهما أن يحللاهما في الحال كما سيأتي بيانه آخر الحج، ولا يتوقف على ذبح، وعلى المرأة أن تبعث الهدي أو ثمنه إلى الحرم، وعليها إن كان إحرامها بحج حج وعمرة، وإن بعمرة فعمرة؛ بخلاف ما لو مات زوجها أو محرمها في الطريق فلا تتحلل إلا بالهدي، ولعل الفرق أن إحصارها حقيقي والأولى حكمي؛ وعلى العبد هدي الإحصار بعد العتق وحجة وعمرة. اهـ.


ملخصا من اللباب وشرحه (قوله حل له التحلل) أفاد أنه رخصة في حقه حتى لا يمتد إحرامه فيشق عليه وأن له أن يبقى محرما كما يأتي (قوله بعث المفرد) أي بالحج أو العمرة إلى الحرم قهستاني (قوله دما) سيأتي بيانه في باب الهدي، فلو بعث دمين تحلل بأولهما لأن الثاني تطوع كما في الينابيع قهستاني (قوله أو قيمته) أي يشترى بها شاة هناك وتذبح عنه هداية، وفيه إيماء إلى أنه لا يجوز التصدق بتلك القيمة شرح اللباب (قوله فإن لم يجد بقي محرما) فلا يتحلل عندنا إلا بالدم نهاية، ولا يقوم الصوم والإطعام مقامه بحر، ولا يفيد اشتراط الإحلال عند الإحرام شيئا لباب. قال شارحه: هذا هو المسطور في كتب المذهب ونقل الكرماني والسروجي عن محمد أنه إن اشترط الإحلال عند الإحرام إذا أحصر جاز له التحلل بغير هدي (قوله أو يتحلل بطواف) أي ويسعى ويحلق بحر عن الخانية، وهذا إن قدر على الوصول إلى مكة، فإن عجز عنه وعن الهدي يبقى محرما أبدا قال في الفتح: هذا هو المذهب المعروف.
(قوله وعن الثاني) رده في الفتح بأنه مخالف للنص (قوله والقارن دمين) فيه إشارة إلى أنه لا يتحلل إلا بذبح الثاني وأنه لا يشترط تعيين أحدهما للحج والآخر للعمرة قهستاني وكالقارن من جمع بين حجتين أو عمرتين فأحصر قبل السير إلى مكة، فلو بعده يلزمه دم واحد لباب لأنه يصير رافضا لأحدهما بحر (قوله فلو بعث واحدا إلخ) عبارة الهداية: فإن بعث بهدي واحد ليتحلل عن الحج ويبقى في إحرام العمرة لم يتحلل عن واحد منهما لأن التحلل منهما شرع في حالة واحدة. اهـ.
زاد في اللباب: ولو بعث ثمن هديين فلم يوجد بذلك القدر بمكة إلا هدي واحد فذبح لم يتحلل عن الإحرامين ولا عن أحدهما (قوله وعين يوم الذبح) لا بد أيضا من تعيين وقته من ذلك اليوم إذا أراد التحلل فيه لئلا يقع قبل الذبح، فإذا عين وقت الزوال مثلا يتحلل بعده، وإلا احتمل أن يكون الذبح وقت العصر والتحلل قبله (قوله خلافا لهما) حيث قالا إنه لا يجوز الذبح للمحصر بالحج إلا في يوم النحر، ويجوز للمحصر بالعمرة متى شاء هداية فعلى قولهما لا حاجة إلى المواعدة في الحج لتعين يوم النحر وقتا له إلا إذا كان بعد أيام النحر فيحتاج إليها عند الكل كما في المحصر بالعمرة أفاده في شرح اللباب. قال في البحر: وفيه نظر لأنه مؤقت عندهما بأيام النحر لا باليوم الأول فيحتاج إلى المواعدة لتعيين اليوم الأول أو الثاني أو الثالث. وقد يقال: يمكنه الصبر إلى مضي الثلاثة فلا يحتاج إليها. اهـ.

(حتى زال الخوف جاز فإن أدرك الحج فبها) ونعمت (وإلا تحلل بالعمرة) لأن التحلل بالذبح إنما هو للضرورة حتى لا يمتد إحرامه فيشق عليه زيلعي (وبذبحه يحل) ولو (بلا حلق وتقصير) هذا فائدة التعيين، فلو ظن ذبحه ففعل كالحلال فظهر أنه لم يذبح أو ذبح في حل لزمه جزاء ما جنى (و) يجب (عليه إن حل من حجه) ولو نفلا (حجة) بالشروع (وعمرة) للتحلل إن لم يحج من عامه
[رد المحتار] قوله الخوف) المراد به المانع خوفا أو غيره (قوله وإلا) بأن فاته الحج بفوت الوقوف ط وهذا لو محصرا بالحج، فلو بالعمرة زال إحصاره بقدرته عليها (قوله لأن التحلل) علة لقوله جاز (قوله فيشق) بالنصب في جواب النفي ط وهو من باب نصر فالشين مضمومة (قوله وبذبحه يحل) في اللباب: ولا يخرج من الإحرام بمجرد الذبح حتى يتحلل بفعل. اهـ.
أي من محظورات الإحرام ولو بغير حلق قاري. قلت: وهذا مخالف لكلام المصنف وغيره مع أنه لا تظهر له ثمرة تأمل. وأفاد أنه لو سرق بعد ذبحه لا شيء عليه، وإن لم يسرق تصدق به ويضمن الوكيل قيمة ما أكل منه لو غنيا ويتصدق بها على الفقراء كما في اللباب (قوله ولو بلا حلق وتقصير) لكن لو فعله كان حسنا وهذا عندهما. وعن الثاني روايتان: في رواية يجب أحدهما، وإن لم يفعل فعليه دم. وفي رواية ينبغي أن يفعل وإلا فلا شيء عليه وهو ظاهر الرواية، كذا في الحقائق عن مبسوط خواهر زاده وجامع المحبوبي. فلا خلاف على ظاهر الرواية. وفي السراج: وهذا الخلاف إذا أحصر في الحل، أما في الحرم فالحلق واجب. اهـ. قال في الشرنبلالية. كذا جزم به في الجوهرة والكافي، وحكاه البرجندي عن المصفى بقيل فقال: وقيل إنما لا يجب الحلق على قولهما إذا كان الإحصار في غير الحرم، أما فيه فعليه الحلق (قوله هذا) أي ما أفاده قوله وبذبحه يحل من أنه لا يحل قبل الذبح (قوله ففعل كالحلال) أي كما يفعل الحلال من حلق وطيب ونحو ذلك (قوله أو ذبح في حل) محترز قول المصنف في الحرم ط (قوله لزمه جزاء ما جنى) ويتعدد بتعدد الجنايات ط.


قلت: ولم أر من صرح بذلك. نعم هو ظاهر كلامهم. ولينظر الفرق بينه وبين ما مر من أن المحرم لو نوى الرفض ففعل كالحلال على ظن خروجه من الإحرام بذلك لزمه دم واحد لجميع ما ارتكب لاستناد الكل إلى قضاء واحد وعللوا ذلك بأن التأويل الفاسد معتبر في دفع الضمانات الدنيوية كالباغي إذا أتلف مال العادل أو قتله ولا يخفى استناد الكل هنا إلى قصد واحد أيضا. ولذا قال بعض محشي الزيلعي: ينبغي عدم التعدد هنا أيضا (قوله ويجب) أي يلزم، فيشمل الفرض القطعي. كما لو أحصر عن حجة الفرض. والواجب الاصطلاحي كما لو أحصر عن النفل أفاده ط (قوله ولو نفلا) أفاد شمول وجوب القضاء للفرض والنفل والمظنون والمفسد والحج عن الغير والحر والعبد، إلا أن وجوب أداء القضاء على العبد يتأخر إلى ما بعد العتق لباب. والمظنون: هو ما لو أحرم على ظن أن عليه الحج ثم ظهر عدمه فأحصر وصرح البزدوي وصاحب الكشف أنه لا قضاء عليه، لكن صرح السروجي في الغاية بأن الأصح وجوبه كما لو أفسده بلا إحصار أفاده القاري (قوله بالشروع) أي بسبب شروعه فيها.
وفيه أن هذا إنما يظهر في النفل. أما الفرض فهو واجب القضاء بالأمر لا بالمشروع تأمل (قوله للتحلل) لأنه في معنى فائت الحج يتحلل بأفعال العمرة. فإذا لم يأت بها قضاها نهر. والحاصل أن المحرم بالحج يلزمه الحج ابتداء، وعند العجز تلزمه العمرة، فإذا لم يأت بهما يلزمه قضاؤهما كما لو أحرم بهما كما في جامع قاضي خان (قوله إن لم يحج من عامه) أما لو حج منه لم يجب معها عمرة لأنه لا يكون

(وعلى المعتمر عمرة، و) على (القارن حجة وعمرتان) إحداهما للتحلل
(فإن بعث ثم زال الإحصار وقدر على) إدراك (الهدي والحج) مما (توجه) وجوبا (وإلا) يقدر عليهما (لا يلزمه) التوجه وهي رباعية
(ولا إحصار بعد ما وقف بعرفة)
[رد المحتار] كفائت الحج فتح. وأيضا إنما تجب عمرة مع الحج إذا حل بالذبح. أما إذا حل بأفعال العمرة فلا عمرة عليه في القضاء شرح اللباب. [تنبيه] إذا قضى الحج والعمرة إن شاء قضاهما بقران أو إفراد. واعلم أن نية القضاء إنما تلزم إذا تحولت السنة اتفاقا لو إحصاره بحج نفل، فلو بحجة الإسلام فلا لأنها قد بقيت عليه حين لم يؤدها فينويها من قابل فتح (قوله وعلى المعتمر عمرة) أي على المعتمر إذا أحصر قضاء عمرة، وهذا فرع تحقق الإحصار عنها. ومن فروع المسألة ما لو أهل بنسك مبهم، فإن أحصر قبل التعيين كان عليه أن يبعث بهدي واحد ويقضي عمرة استحسانا، وفي القياس حجة وعمرة وتمامه في النهر (قوله وعلى القارن حجة وعمرتان) ويتخير في القضاء بين الإفراد والقران كما صرحوا به، وحققه في البحر، فيفرد كلا من الثلاثة أو يجمع بين حجة وعمرة ثم يأتي بعمرة كما في شرح اللباب.
(قوله إحداهما للتحلل) يشير إلى أن لزوم العمرتين فيما إذا لم يحج من عام الإحصار، إذ لو حج من عامه بأن زال الإحصار بعد الذبح وقدر على تجديد الإحرام والأداء ففعل كان عليه عمرة القران فقط كما في الفتح لأنه لا يكون كفائت الحج، فلا تلزمه عمرة التحلل كما مر في المفرد. قلت: ومثله لو حل بأفعال العمرة كما يفهم مما مر
(قوله توجه وجوبا) أي ليؤدي الحج لقدرته على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل نهر. ويفعل بهديه ما شاء: أي من بيع أو هبة أو صدقة ونحو ذلك شرح اللباب (قوله وإلا يقدر عليهما) أي على مجموعهما، بأن لم يقدر على واحد منهما أو قدر على الهدي فقط أو الحج فقط (قوله لا يلزمه التوجه) أما إذا لم يقدر عليهما أو قدر على الهدي فقط فظاهر، لكنه لو توجه ليتحلل بأفعال العمرة جاز لأنه هو الأصل في التحلل، وفيه سقوط العمرة عنه. وأما إذا قدر على الحج دون الهدي، فجواز التحلل قول الإمام، وهو الاستحسان لأنه لو لم يتحلل لضاع ماله مجانا، وحرمة المال كحرمة النفس، إلا أن الأفضل أن يتوجه، وتمامه في النهر. [تنبيه] لا يتصور في حق المعتمر فقط عدم إدراك العمرة لأن وقتها جميع العمر فلها من الأربع صورتان فقط: أن يدرك الهدي والعمرة، أو يدرك العمرة فقط وقد علم حكمهما، أفاده الرحمتي، ونحوه في اللباب. [فرع] لو بعث الهدي ثم زال إحصاره وحدث إحصار آخر، فإن علم أنه يدرك الهدي ونوى به إحصاره الثاني جاز وحل به، وإن لم ينو لم يجز، ولو بعث هديا لجزاء صيد ثم أحصر ونوى أن يكون لإحصاره جاز، وعليه إقامة غيره مقامه لباب


قوله ولا إحصار بعد ما وقف بعرفة) فلو وقف بعرفة ثم عرض له مانع لا يتحلل بالهدي بل يبقى محرما في حق كل شيء إن لم يحلق: أي بعد دخول وقته، وإن حلق فهو محرم في حق النساء لا غير إلى أن يطوف للزيارة، فإن منع حتى مضت أيام النحر فعليه أربعة دماء: لترك الوقوف بمزدلفة والرمي، وتأخير الطواف، وتأخير الحلق كما في اللباب والزيلعي وغيرهما. مطلب كافي الحاكم هو جمع كلام محمد في كتبه الستة كتب ظاهر الرواية. ونقله في البحر عن كافي الحاكم الذي هو جمع كلام محمد في كتبه الستة التي هي ظاهر الرواية. ثم استشكله في البحر بأن واجب الحج إذا ترك لعذر لا شيء فيه، حتى لو ترك الوقوف بمزدلفة خوف الزحام لا شيء عليه
للأمن (من الفوات) والممنوع لو (بمكة عن الركنين محصر) على الأصح (والقادر على أحدهما لا) أما على الوقوف فلتمام حجه به، وأما على الطواف فلتحلله به كما مر.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 21-05-2026, 11:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,162
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)



كتاب الصيام والحج من الدر المختار
وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)
فقه حنفى
من صـــ 621 الى صـــ 627

(71)





باب الحج عن الغير
[رد المحتار] كالحائض تترك طواف الصدر. ولا شك أن الإحصار عذر. ثم أجاب بحمل ما هنا على الإحصار بالعدو لا مطلقا فإنه إذا كان بالمرض فهو سماوي يكون عذرا في ترك الواجبات، بخلاف ما كان من قبل العبد فإنه لا يسقط حق الله تعالى كما في التيمم اهـ ونقله في النهر، وبه جزم المقدسي في شرح نظم الكنز، وذكر مثله في جنايات شرح اللباب.
قلت: ولا ترد مسألة ترك الوقوف لخوف الزحام لما مر في التيمم أن الخوف إن لم ينشأ بسبب وعيد العبد فهو سماوي (قوله للأمن من الفوات) فيه أن المعتمر كذلك لأن العمرة لا تتوقف مع تحقق الإحصار فيها. وأجيب بأن المعتمر يلزمه ضرر بامتداد الإحرام فوق ما التزمه، ولا يمكنه أن يتحلل بالحلق في يوم النحر فله الفسخ. أما الحاج فيمكنه ذلك فلا حاجة إلى التحلل بالهدي من غير عذر، أفاده الزيلعي، لكن قيل ليس له أن يحلق في مكانه في الحل بل يؤخره إلى ما بعد طواف الزيارة، وقيل له ذلك. وفي غاية البيان عن العتابي أنه الأظهر (قوله على الأصح) مقابله ما روي عن الإمام من أنه لا إحصار في مكة اليوم لأنها دار إسلام (قوله والقادر على أحدهما إلخ) تصريح بمفهوم قوله والممنوع بمكة عن الركنين محصر، وذكره بعد قوله ولا إحصار بعد ما وقف بعرفة من قبيل ذكر الأعم بعد الأخص فليس بتكرار محض (قوله فلتمام حجه به) قالوا المأمور بالحج إذا مات بعد الوقوف بعرفة قبل طواف الزيارة يكون مجزئا بحر وقدمنا الكلام فيه أول كتاب الحج (قوله وأما على الطواف) سماه أحد ركني الحج باعتبار الصورة، وإلا فالطواف الركن هو ما يقع بعد الوقوف ولا وقوف هنا أفاده ط (قوله فلتحلله به) لأن فائت الحج يتحلل به والدم بدل عنه في التحلل، فلا حاجة إلى الهدي زيلعي.


وفي شرح اللباب أنه يكون في معنى فائت الحج فيتحلل عن إحرامه بعد فوت الوقوف بأفعال العمرة، ولا دم عليه ولا عمرة في القضاء اهـ فالاقتصار على ذكر الطواف لأنه ركن العمرة وإلا فلا يحصل التحلل بمجرد الطواف بل لا بد معه من السعي والحلق، وإليه أشار بقوله كما مر أي في قول المصنف وإلا تحلل بالعمرة، وكذا مر قبل باب القران في قوله ومن لم يقف فيها فات حجه فطاف وسعى وتحلل وقضى من قابل، وتقدم الكلام عليه هناك.
[تنبيه] أسقط المصنف من هنا باب الفوات المذكور في الكنز وغيره اكتفاء بما ذكره قبل باب القران، وقد علم أن الأسباب الموجبة لقضاء الحج أربعة: الفوات. والإحصار عن الوقوف، والفرق بينهما في كيفية التحلل. والثالث الإفساد بالجماع وإن لزمه المضي في فاسده. والرابع الرفض، وفروعه مذكورة في الباب السابق والله تعالى أعلم.
[باب الحج عن الغير]
اعترض في الفتح بأن إدخال أل على الغير غير واقع على وجه الصحة بل هو ملزوم الإضافة اهـ لكن قال بعض أئمة النحاة: منع قوم دخول الألف واللام على غير وكل وبعض، وقالوا هذه كما لا تتعرف بالإضافة لا تتعرف بالألف واللام.

الأصل أن كل من أتى بعبادة ما،
[رد المحتار] مطلب في دخول أل على غير. وعندي أنها تدخل عليها، فيقال فعل الغير كذا، والكل خير من البعض، وهذا لأن الألف واللام هنا ليست للتعريف ولكنها المعاقبة للإضافة، لأنه قد نص أن غيرا تتعرف بالإضافة في بعض المواضع. ثم إن الغير قد يحمل على الضد والكل على الجملة والبعض على الجزء، فيصلح دخول الألف واللام عليه أيضا من هذا الوجه، يعني أنها تتعرف على طريقة حمل النظير على النظير، فإن الغير نظير الضد والكل نظير الجملة، والبعض نظير الجزء، وحمل النظير على النظير سائغ شائع في لسان العرب كحمل الضد على الضد، كما لا يخفى على من تتبع كلامهم، وقد نص العلامة الزمخشري على وقوع هذين الحملين وشيوعهما في لسانهم في الكشاف أفاده ابن كمال. مطلب في إهداء ثواب الأعمال للغير (قوله بعبادة ما) أي سواء كانت صلاة أو صوما أو صدقة أو قراءة أو ذكرا أو طوافا أو حجا أو عمرة، أو غير ذلك من زيارة قبور الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - والشهداء والأولياء والصالحين، وتكفين الموتى، وجميع أنواع البر كما في الهندية ط وقدمنا في الزكاة عن التتارخانية عن المحيط الأفضل لمن يتصدق نفلا أن ينوي لجميع المؤمنين والمؤمنات لأنها تصل إليهم ولا ينقص من أجره شيء. اهـ.


وفي البحر بحث أن إطلاقهم شامل للفريضة لكن لا يعود الفرض في ذمته لأن عدم الثواب لا يستلزم عدم السقوط عن ذمته اهـ. على أن الثواب لا ينعدم كما علمت، وسنذكر فيما لو أهل بحج عن أبويه أنه قيل إنه يجزيه عن حج الفرض، وهذا يؤيد ما بحثه في البحر، ويؤيده أيضا قوله في جامع الفتاوى، وقيل لا يجوز في الفرائض. وبحث أيضا أن الظاهر أنه لا فرق بين أن ينوي به عند الفعل للغير أو يفعله لنفسه ثم يجعل ثوابه لغيره لإطلاق كلامهم. اهـ. قلت: وإذا قلنا بشموله للفريضة أفاد ذلك لأن الفرض ينويه عن نفسه، فإذا صح جعل ثوابه لغيره دل على أنه لا يلزم في وصول الثواب أن ينوي الغير عند الفعل، وقدمنا في آخر الجنائز قبيل باب الشهيد عن ابن القيم الحنبلي أنه اختلف عندهم في أنه هل يشترط نية الغير عند الفعل؟ فقيل لا لكون الثواب له فله التبرع به لمن أراد، وقيل نعم وهو الأولى لأنه إذا وقع له لم يقبل انتقاله عنه، وقدمنا عنه أيضا أنه لا يشترط في الوصول أن يهديه بلفظه كما لو أعطى فقيرا بنية الزكاة لأن السنة لم تشترط ذلك في حديث الحج عن الغير ونحوه، نعم لو فعله لنفسه ثم نوى جعل ثوابه لغيره لم يكف كما لو نوى أن يهب أو يعتق أو يتصدق، وأنه يصح إهداء نصف الثواب أو ربعه. ويوضحه أنه لو أهدى الكل إلى أربعة يحصل لكل ربعه، وتمامه هناك. مطلب فيمن أخذ في عبادته شيئا من الدنيا.
[تنبيه] قال في البحر: ولم أر حكم من أخذ شيئا من الدنيا ليجعل شيئا من عبادته للمعطي، وينبغي أن لا يصح ذلك اهـ أي لأنه إن كان أخذه على عبادة سابقة يكون ذلك بيعا لها، وذلك باطل قطعا، وإن كان أخذه ليعمل يكون إجارة على الطاعة وهي باطلة أيضا كما نص عليه في المتون والشروح والفتاوى، إلا فيما استثناه المتأخرون من جواز

له جعل ثوابها لغيره وإن نواها عند الفعل لنفسه لظاهر الأدلة. وأما قوله تعالى - {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39] - أي إلا إذا وهبه له كما حققه الكمال،
[رد المحتار] الاستئجار على التعليم والأذان والإمامة وعللوه بالضرورة وخوف ضياع الدين في زماننا لانقطاع ما كان يعطى من بيت المال. وبه علم أنه لا يجوز الاستئجار على الحج عن الميت لعدم الضرورة كما يأتي بيانه في هذا الباب، ولا على التلاوة والذكر لعدم الضرورة أيضا، وتمام الكلام على ذلك في رسالتنا [شفاء العليل وبل الغليل، في بطلان الوصية بالختمات والتهاليل] فافهم (قوله له جعل ثوابها لغيره) أي خلافا للمعتزلة في كل العبادات ولمالك والشافعي في العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة فلا يقولان بوصولها بخلاف غيرها كالصدقة والحج، وليس الخلاف في أن له ذلك أو لا كما هو ظاهر اللفظ، بل في أنه ينجعل بالجعل أو لا بل يلغو جعله، أفاده في الفتح: أي الخلاف في وصول الثواب وعدمه (قوله لغيره) أي من الأحياء والأموات بحر عن البدائع. قلت: وشمل إطلاق الغير النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم أر من صرح بذلك من أئمتنا، وفيه نزاع طويل لغيرهم.
والذي رجحه الإمام السبكي وعامة المتأخرين منهم الجواز كما بسطناه آخر الجنائز فراجعه (قوله وإن نواها إلخ) قدمنا الكلام عليه قريبا (قوله لظاهر الأدلة) علة لقوله له جعل ثوابها لغيره وهو من إضافة الصفة للموصوف: أي للأدلة الظاهرة أي الواضحة الجلية، فالظهور بالمعنى اللغوي لا الأصولي، لأن الأدلة فيه متواترة قطعية الدلالة على المراد لا تحتمل التأويل كما تعرفه (قوله أي إلا إذا وهبه) جواب قوله وأما، وأسقط الفاء من جوابها وهو لا يسقط إلا في ضرورة الشعر كقوله
فأما القتال لاقتال لديكم


كما في المغني. وأجاب عن قوله تعالى {فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم} [آل عمران: 106] بأن الأصل فيقال لهم أكفرتم، فحذف القول استغناء عنه بالمقول فتبعته الفاء في الحذف. قال: ورب شيء يصح تبعا ولا يصح استقلالا كالحاج عن غيره يصلي عنه ركعتي الطواف، ولو صلى أحد عن غيره ابتداء لا يصح على الصحيح اهـ وكذلك الجواب هنا محذوف مع الفاء استغناء عنه بأي المفسرة له. والتقدير: وأما قوله تعالى فمؤول أي إلا إذا وهبه، على أن الدماميني اختار جواز حذف الفاء في سعة الكلام واستشهد له بالأحاديث والآثار (قوله كما حققه الكمال) حيث قال ما حاصله: أن الآية وإن كانت ظاهرة فيما قاله المعتزلة، لكن يحتمل أنها منسوخة أو مقيدة؛ وقد ثبت ما يوجب المصير إلى ذلك وهو ما صح عنه - صلى الله عليه وسلم - «أنه ضحى بكبشين أملحين أحدهما عنه والآخر عن أمته» فقد روي هذا عن عدة من الصحابة وانتشر مخرجوه؛ فلا يبعد أن يكون مشهورا يجوز تقييد الكتاب به بما لم يجعله صاحبه لغيره.
وروى الدارقطني «أن رجلا سأله - عليه الصلاة والسلام - فقال: كان لي أبوان أبرهما حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما؛ فقال - صلى الله عليه وسلم: إن من البر بعد الموت أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صومك» "وروي أيضا عن علي عنه - صلى الله عليه وسلم - قال «من مر على المقابر وقرأ {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] إحدى عشرة مرة ثم وهب أجرها للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات» وعن «أنس قال يا رسول الله إنا نتصدق عن موتانا ونحج عنهم وندعو لهم، فهل يصل ذلك لهم؟ قال نعم، إنه ليصل إليهم، وإنهم ليفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدي إليه» رواه أبو حفص العكبري. وعنه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال «اقرءوا على موتاكم يس» رواه أبو داود، فهذا كله ونحوه مما تركناه خوف الإطالة يبلغ القدر المشترك بينه وهو النفع بعمل الغير مبلغ التواتر، وكذا ما في الكتاب العزيز من الأمر بالدعاء للوالدين، ومن الإخبار باستغفار الملائكة للمؤمنين"

أو اللام بمعنى على كما في - {ولهم اللعنة} [غافر: 52] - ولقد أفصح الزاهدي عن اعتزاله هنا والله الموفق.
(العبادة المالية) كزكاة وكفارة (تقبل النيابة) عن المكلف (مطلقا) عند القدرة والعجز ولو النائب ذميا،
[رد المحتار] قطعي في حصول النفع، فيخالف ظاهر الآية التي استدلوا بها إذ ظاهرها أن لا ينفع استغفار أحد لأحد بوجه من الوجوه لأنه ليس من سعيه، فقطعنا بانتفاء إرادة ظاهرها فقيدناها بما لم يهبه العامل، وهذا أولى من النسخ لأنه أسهل إذ لم يبطل بعد الإرادة، ولأنها من قبيل الإخبار ولا نسخ في الخبر. اهـ. (قوله أو اللام بمعنى على) جواب آخر ورده الكمال بأنه بعيد من ظاهر الآية ومن سياقها فإنها وعظ للذي تولى وأعطى قليلا وأكدى. اهـ. وأيضا فإنها تتكرر مع قوله تعالى {ألا تزر وازرة وزر أخرى} [النجم: 38] وأجيب بأجوبة أخرى ذكرها الزيلعي وغيره. منها: النسخ بآية {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان} [الطور: 21] وعلمت ما فيه. ومنها: أنها خاصة بقوم موسى وإبراهيم - عليهما السلام - لأنها حكاية عما في صحفهما. ومنها: أن المراد بالإنسان الكافر. ومنها: أنه ليس من طريق العدل وله من طريق الفضل. ومنها: أنه ليس له إلا سعيه، لكن قد يكون سعيه بمباشرة أسبابه بتكثير الإخوان وتحصيل الإيمان.
وأما قوله - عليه الصلاة والسلام - «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» فلا يدل على انقطاع عمل غيره، والكلام فيه. زيلعي. وأما قوله - عليه الصلاة والسلام - «لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد» فهو في حق الخروج عن العهدة لا في حق الثواب كما في البحر (قوله ولقد أفصح الزاهدي إلخ) حيث قال في المجتبى بعد ذكره عبارة الهداية. قلت: ومذهب أهل العدل والتوحيد أنه ليس له ذلك إلخ فعدل عن الهداية وسمى أهل عقيدته بأهل العدل والتوحيد، لقولهم بوجوب الأصلح على الله تعالى، وأنه لو لم يفعل ذلك لكان جورا منه تعالى ولقولهم بنفي الصفات، وأنه لو كان له صفات قديمة لتعدد القدماء والقديم واحد، وبيان إبطال عقيدتهم الزائغة في كتب الكلام، وقد نقل كلامه في معراج الدراية وتكفل برده؛ وكذلك الشيخ مصطفى الرحمتي في حاشيته فقد أطال وأطاب، وأوضح الخطأ من الصواب (قوله والله الموفق) لا يخفى على ذوي الأفهام ما فيه من حسن الإيهام.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 25-05-2026, 10:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,162
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)



كتاب الصيام والحج من الدر المختار
وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)
فقه حنفى
من صـــ 628 الى صـــ 633

(73)





[رد المحتار] الخامس عشر: أن يحرم بحجة واحدة، فلو أهل بحجة عن الآمر ثم بأخرى عن نفسه لم يجز إلا إن رفض الثانية.
السادس عشر: أن يفرد الإهلال لواحد لو أمره رجلان بالحج، فلو أهل عنهما ضمن وسيأتي تمام الكلام عليه. السابع عشر والثامن عشر: إسلام الآمر والمأمور وعقلهما كما سيأتي، فلا يصح من المسلم للكافر ولا من المجنون لغيره ولا عكسه، لكن لو وجب الحج على المجنون قبل طرو جنونه صح الإحجاج عنه. التاسع عشر: تمييز المأمور، فلا يصح إحجاج صبي غير مميز ويصح إحجاج المراهق كما سيأتي. العشرون: عدم الفوات وسيأتي الكلام عليه. قال في اللباب: وهذه الشرائط كلها في الحج الفرض، وأما النفل فلا يشترط فيه شيء منها: إلا الإسلام والعقل والتمييز، وكذا الاستئجار، ولم نجده صريحا في النفل وجزم به شارحه، لكن هذا مبني على أن الحج لا يقع عن الميت، وفيه ما نذكره بعيده. مطلب في الاستئجار على الحج (قوله لم يجز حجه عنه) كذا في اللباب، لكن قال شارحه: وفي الكفاية: يقع الحج عن المحجوج عنه في رواية الأصل عن أبي حنيفة اهـ وبه كان يقول شمس الأئمة السرخسي وهو المذهب. اهـ. وصرح في الخانية بأن ظاهر الرواية الجواز، لكنه قال أيضا: وللأجير أجر مثله. واستشكله في [فتح القدير] بما قالوا من أن ما ينفقه المأمور إنما هو على حكم ملك الميت لأنه لو كان ملكه لكان بالاستئجار، ولا يجوز الاستئجار على الطاعات، فالعبارة المحررة ما في كافي الحاكم: وله نفقة مثله.


وزاد إيضاحها في المبسوط فقال: هذه النفقة ليس يستحقها بطريق العوض بل بطريق الكفاية لأنه فرغ نفسه لعمل ينتفع به المستأجر. هذا، وإنما جاز الحج عنه لأنه لما بطلت الإجارة بقي الأمر بالحج فتكون له نفقة مثله. اهـ. قلت: وعبارة كافي الحاكم. على ما نقله الرحمتي: رجل استأجر رجلا ليحج عنه قال: لا تجوز الإجارة، وله نفقة مثله. وتجوز حجة الإسلام عن المسجون إذا مات فيه قبل أن يخرج. اهـ. ومثله ما في البحر عن الإسبيجابي: لا يجوز الاستئجار على الحج، فلو دفع إليه الأجر فحج يجوز عن الميت وله من الأجر مقدار نفقة الطريق ويرد الفضل على الورثة إلا إذا تبرع به الورثة أو أوصى الميت بأن الفضل للحاج اهـ ملخصا.
والحاصل أن قول الشارح لم يجز حجه عنه خلاف ظاهر الرواية، وأن قول الخانية له أجر مثله يشعر بأن الإجارة فاسدة مع أنها باطلة كالاستئجار على بقية الطاعات.
وأجاب بعضهم بأن المراد من أجر المثل نفقة المثل كما عبر في الكافي، وإنما سماها أجرا مجازا، وهذا أحسن مما قيل إنه مبني على مذهب المتأخرين القائلين بجواز الاستئجار على الطاعات، لما علمته مما قدمناه أول الباب من أن المتأخرين لم يطلقوا ذلك، بل أفتوا بجواز الاستئجار على التعليم والأذان والإمامة للضرورة لا على جميع الطاعات كما أوضحه المصنف في منحه في كتاب الإجارات، وإلا لزم الجواز على الصوم والصلاة ولا يقول به أحد، ولا ضرورة للاستئجار على الحج لإمكان دفع المال إليه لينفق على نفسه على حكم ملك الميت بطريق النيابة كما علمت التصريح به عن المبسوط، والمتون المصرح فيها

ولو أنفق من مال نفسه أو خلط النفقة بماله وحج وأنفق كله أو أكثره جاز وبرئ من الضمان (وشرط العجز) المذكور (للحج الفرض لا النفل) لاتساع بابه.
(ويقع الحج) المفروض (عن الآمر على الظاهر) من المذهب، وقيل عن المأمور نفلا، وللآمر ثواب
[رد المحتار] بجواز الاستئجار على التعليم ونحوه لم يذكر فيها جوازه على الحج، بل المصرح به في عامة متون المذهب أنه لا يجوز الاستئجار على الحج كالكنز والوقاية والمجمع والمختار ومواهب الرحمن وغيرها، بل قال العلامة الشرنبلالي في رسالته [بلوغ الإرب] إنه لم يذكر أحد من مشايخنا جواز الاستئجار على الحج. اهـ. قلت: ولو قيل بجوازه لزم عليه هدم فروع كثيرة: منها ما مر من أن المأمور ينفق على حكم ملك الميت وأنه يجب عليه رد الفضل، واشتراط الإنفاق بقدر مال الآمر أو أكثره، وأن الوصي لو دفع المال لوارث ليحج به لا يجوز إلا بإجازة الورثة وهم كبار لأنه كالتبرع بالمال، فلا يجوز للوارث بلا إجازة الباقين كما في الفتح، ولو كان بطريق الاستئجار لم يصح شيء من هذه الفروع كما أوضحناه في رسالتنا [شفاء العليل] فافهم.
(قوله ولو أنفق من مال نفسه إلخ) قال في الفتح: فإن أنفق الأكثر أو الكل من مال نفسه وفي المال المدفوع إليه وفاء بحجه رجع به فيه، إذ قد يبتلى بالإنفاق من مال نفسه لبغتة الحاجة ولا يكون المال حاضرا فجوز ذلك كالوصي والوكيل يشتري لليتيم والموكل، ويعطي الثمن من مال نفسه ويرجع به في مال اليتيم والموكل اهـ.
قال في البحر: وبهذا علم أن اشتراطهم أن تكون النفقة من مال الآمر للاحتراز عن التبرع لا مطلقا. اهـ. وقال في الخانية: إذا خلط المأمور بالحج النفقة بمال نفسه قال في الكتاب يضمن، فإن حج وأنفق جاز وبرئ عن الضمان. اهـ.
إذا عرفت هذا فقوله وأنفق كله أو أكثره الضميران لمال الآمر، وفيه مضاف مقدر أي مقدار كله أو مقدار أكثره، وهذا يرجع إلى المسألتين. والمعنى ولو أنفق المأمور بالحج من مال نفسه وحج وأنفق مقدار كل مال الآمر المدفوع إليه أو مقدار أكثره جاز، وكذا إذا خلط النفقة بماله وحج وأنفق إلخ أفاده ح وقوله وبرئ من الضمان أي الحاصل بسبب الخلط على ما علمته، وهذا لو بلا إذن الآمر بل نقل السائحاني عن الذخيرة له الخلط بدراهم الرفقة أمر به أو لا للعرف.

[تنبيه]

سنذكر أنه لو أوصى أن يحج عنه بألف من ماله فأحج الوصي من مال نفسه ليرجع ليس له ذلك لأن الوصية باللفظ فيعتبر لفظ الموصي وهو أضاف المال إلى نفسه فلا يبدل اهـ بحر. قلت: وعلى هذا إذا أضاف المال إلى نفسه فليس للمأمور أن يبدله بماله كالوصي إلا أن يفرق بينهما بأن المأمور قد يضطر إلى ذلك على ما مر فليتأمل (قوله وشرط العجز إلخ) قد علمت مما قدمناه عن اللباب أن الشروط كلها شروط للحج الفرض دون النفل، فلا يشترط في النفل شيء منها إلا الإسلام والعقل والتمييز، وكذا عدم الاستئجار على ما مر بيانه (قوله لاتساع بابه) أي أنه يتسامح في النفل ما لا يتسامح في الفرض. قال في الفتح: أما الحج النفل فلا يشترط فيه العجز لأنه لم يجب عليه واحدة من المشقتين أي مشقة البدن ومشقة المال، فإذا كان له تركهما كان له أن يتحمل إحداهما تقربا إلى ربه عز وجل، فله الاستنابة فيه صحيحا. اهـ.
(قوله على الظاهر من المذهب) كذا في المبسوط، وهو الصحيح كما في كثير من الكتب بحر، ويشهد بذلك الآثار من السنة وبعض الفروع من المذهب فتح (قوله وقيل عن المأمور نفلا إلخ) ذهب إليه عامة المتأخرين كما في الكشف، قالوا: وهو رواية عن محمد، وهو اختلاف لا ثمرة له لأنهم اتفقوا أن الفرض يسقط عن الآمر لا عن المأمور، وأنه لا بد أن ينويه عن الآمر، وتمامه في البحر.

النفقة كالنفل (لكنه يشترط) لصحة النيابة (أهلية المأمور لصحة الأفعال) ثم فرع عليه بقوله (فجاز حج الصرورة) بمهملة: من لم يحج (والمرأة) ولو أمة (والعبد وغيره) كالمراهق وغيرهم أولى لعدم الخلاف (ولو أمر ذميا) أو مجنونا
[رد المحتار] قلت: وعلى القول بوقوعه عن الآمر لا يخلو المأمور من الثواب، بل ذكر العلامة نوح عن مناسك القاضي حج الإنسان عن غيره أفضل من حجه عن نفسه بعد أن أدى فرض الحج لأن نفعه متعد، وهو أفضل من القاصر اهـ تأمل (قوله كالنفل) مقتضاه أن النفل يقع عن المأمور اتفاقا، وللآمر ثواب النفقة، وبه صرح بعض الشراح ومشى عليه في اللباب. ورده الأتقاني في غاية البيان بأنه خلاف الرواية لما قاله الحاكم الشهيد في الكافي: الحج التطوع عن الصحيح جائز، ثم قال: وفي الأصل يكون الحج عن المحج اهـ.
(قوله لكنه يشترط إلخ) استدراك على قوله يقع عن الآمر، فإن مقتضاه صحته ولو من غير الأهل ط أي كما تصح إنابة ذمي في دفع الزكاة (قوله لصحة الأفعال) عبر بالصحة دون الوجوب ليعم المراهق فإنه أهل للصحة دون الوجوب ط (قوله ثم فرع عليه) أي على أن الشرط هو الأهلية دون اشتراط أن يكون المأمور قد حج عن نفسه ودون اشتراط الذكورة والحرية والبلوغ (قوله بمهملة) أي بصاد مهملة وبتخفيف الراء. مطلب في حج الصرورة (قوله من لم يحج) كذا في القاموس. وفي الفتح: والصرورة يراد به الذي لم يحج عن نفسه. اهـ. أي حجة الإسلام، لأن هذا الذي فيه خلاف الشافعي، فهو أعم من المعنى اللغوي، فكان ينبغي للشارح ذكره لأنه يشمل من لم يحج أصلا ومن حج عن غيره أو عن نفسه نفلا أو نذرا أو فرضا فاسدا أو صحيحا ثم ارتد ثم أسلم بعده كما أفاده ح (قوله وغيرهم أولى لعدم الخلاف) أي خلاف الشافعي فإنه لا يجوز حجهم كما في الزيلعي ح.


ولا يخفى أن التعليل يفيد أن الكراهة تنزيهية لأن مراعاة الخلاف مستحبة فافهم. وعلل في الفتح الكراهة في المرأة بما في المبسوط من أن حجها أنقص؛ إذ لا رمل عليها، ولا سعي في بطن الوادي، ولا رفع صوت بالتلبية، ولا حلق. وفي العبد بما في البدائع من أنه ليس أهلا لأداء الفرض عن نفسه؛ وأطلق في صحة إحجاج العبد، فشمل ما إذا كان بإذن مولاه أو بغير إذنه كما صرح به في المعراج فافهم.
وقال في الفتح أيضا والأفضل أن يكون قد حج عن نفسه حجة الإسلام خروجا عن الخلاف، ثم قال: والأفضل إحجاج الحر العالم بالمناسك الذي حج عن نفسه وذكر في البدائع كراهة إحجاج الصرورة لأنه تارك فرض الحج. ثم قال في الفتح بعد ما أطال في الاستدلال: والذي يقتضيه النظر أن حج الصرورة عن غيره إن كان بعد تحقق الوجوب عليه بملك الزاد والراحلة والصحة فهو مكروه كراهة تحريم لأنه يتضيق عليه في أول سني الإمكان فيأثم بتركه، وكذا لو تنفل لنفسه ومع ذلك يصح لأن النهي ليس لعين الحج المفعول بل لغيره وهو الفوات، إذ الموت في سنة غير نادر. اهـ. قال في البحر: والحق أنها تنزيهية على الآمر لقولهم والأفضل إلخ تحريمية على الصرورة المأمور الذي اجتمعت فيه شروط الحج ولم يحج عن نفسه لأنه أثم بالتأخير اهـ. قلت: وهذا لا ينافي كلام الفتح لأنه في المأمور، ويحمل كلام الشارح على الآمر، فيوافق ما في البحر من أن الكراهة في حقه تنزيهية وإن كانت في حق المأمور تحريمية.
[تنبيه] قال في نهج النجاة لابن حمزة النقيب بعد ما ذكر كلام البحر المار: أقول: وظاهره يفيد أن الصرورة

(لا) يصح
(وإذا مرض المأمور) بالحج (في الطريق ليس له دفع المال إلى غيره ليحج) ذلك الغير (عن الميت إلا إذا) أذن له بذلك، بأن (قيل له وقت الدفع اصنع ما شئت فيجوز له) ذلك (مرض أو لا) لأنه صار وكيلا مطلقا
(خرج) المكلف (إلى الحج ومات في الطريق وأوصى بالحج عنه) إنما تجب الوصية به إذا أخره بعد وجوبه، أما لو حج من عامه فلا (فإن فسر المال) أو المكان.
[رد المحتار] الفقير لا يجب عليه الحج بدخول مكة، وظاهر كلام البدائع بإطلاقه الكراهة أي في قوله: يكره إحجاج الصرورة لأنه تارك فرض الحج يفيد أنه يصير بدخول مكة قادرا على الحج عن نفسه وإن كان وقته مشغولا بالحج عن الآمر وهي واقعة الفتوى فليتأمل اهـ. قلت: وقد أفتى بالوجوب مفتي دار السلطنة العلامة أبو السعود، وتبعه في سكب الأنهر، وكذا أفتى السيد أحمد بادشاه، وألف فيه رسالة. وأفتى سيدي عبد الغني النابلسي بخلافه وألف فيه رسالة لأنه في هذا العام لا يمكنه الحج عن نفسه لأن سفره بمال الآمر فيحرم عن الآمر ويحج عنه، وفي تكليفه بالإقامة بمكة إلى قابل ليحج عن نفسه ويترك عياله ببلده حرج عظيم، وكذا في تكليفه بالعود وهو فقير حرج عظيم أيضا.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 30-05-2026, 03:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,162
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)


كتاب الصيام والحج من الدر المختار
وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)
فقه حنفى
من صـــ 641 الى صـــ 647

(76)





أما الأول فلأنه وجب شكرا على الجمع بين النسكين وحقيقة الفعل منه وإن كان الحج يقع عن الآمر لأنه وقوع شرعي لا حقيقي. وأما الثاني فباعتبار أنه تعلق بجنايته، أفاده في البحر (قوله فيصير مخالفا) هذا قول أبي حنيفة. ووجهه أنه لم يأت بالمأمور به لأنه أمره بسفر يصرفه إلى الحج لا غير، فقد خالف أمر الآمر فضمن بدائع. زاد في المحيط لأن العمرة لا تقع عن الآمر لأنه ما أمره بها فصار كأنه حج عنه واعتمر لنفسه فيصير مخالفا؟ ولو أمره بالحج فاعتمر ثم حج من مكة فهو مخالف لأنه مأمور بحج ميقاتي، ولو أمره بالعمرة فاعتمر ثم حج عن نفسه لم يكن مخالفا، بخلاف ما إذا حج أولا ثم اعتمر اهـ وانظر ما قدمناه قبل باب الإحرام (قوله وضمن النفقة إلخ) أما الدم فهو على المأمور على كل حال بحر (قوله فيعيد بمال نفسه) لأنه إذا أفسده لم يقع مأمورا به فكان واقعا عن المأمور فيضمن ما أنفق في حجه من مال غيره، ثم إذا قضى الحج في السنة القابلة على وجه الصحة لا يسقط الحج عن الميت لأنه لما خالف في السنة الماضية بالإفساد صار الإحرام واقعا عنه فكذا الحج المؤدى به صار واقعا عنه ابن كمال وعليه حجة أخرى للآمر كما قدمناه آنفا عن التتارخانية عن التهذيب أي سوى حج القضاء، وهو الأصح كما في المعراج، وبه اندفع ما في البحر من قوله وإذا فسد حجه لزمه الحج من قابل بمال نفسه، وفيه ما تقدم من التردد في وقوعه عن الآمر. اهـ.
(قوله وإن مات إلخ) الأنسب ذكر هذه المسألة عند قوله المار خرج المكلف إلخ (قوله قبل وقوفه) قيد به لأنه لو مات بعده قبل الطواف جاز عن الآمر لأنه أدى الركن الأعظم خانية وفتح، وقدمنا نحوه عن التجنيس، فما بحثه في البحر من أن أعظميته للأمن من الإفساد بعده لا لأنه يكفي فيجب على الآمر الإحجاج اهـ مخالف للمنقول؛ وأما لو بقي حيا وأتم الحج إلا طواف الزيارة فرجع ولم يطفه فقال في الفتح: لا يضمن النفقة غير أنه حرام على النساء ويعود بنفقة نفسه ليقضي ما بقي عليه لأنه جان في هذه الصورة اهـ (قوله من منزل آمره) أي إن لم يعين منزلا وإلا اتبع كما مر (قوله فإن مات) أي المأمور الثاني (قوله من ثلث الباقي بعدها) أي بعد النفقة أي ثلث الباقي بعد هلاكها وهو المراد بقولهم بثلث ما بقي من المال فافهم، وهذا عند الإمام، وعند أبي يوسف بالباقي من الثلث وعند محمد بما بقي مع المأمور.

قلت: وظاهره أنه لا رجوع في تركة المأمور، فليراجع (لا من حيث مات) خلافا لهما، وقولهما استحسان. [فروع] يصير مخالفا بالقران أو التمتع كما مر لا بالتأخير عن السنة الأولى وإن عينت لأنه للاستعجال لا للتقييد والأفضل أن يعود إليه وعليه رد ما فضل من النفقة،
[رد المحتار] مثاله: أوصى بأن يحج عنه ومات عن أربعة آلاف فدفع الوصي للمأمور ألفا فسرقت، فعند الإمام يؤخذ ما يكفي من ثلث ما بقي من التركة وهو ألف، فإن سرقت يؤخذ من ثلث الألفين الباقيين، وهكذا إلى أن لا يبقى ما ثلثه يكفي الحج.
وعند أبي يوسف إذا سرق الألف الأول لم يبق من ثلث التركة إلا ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث فتدفع له إن كفت، ولا تؤخذ مرة أخرى. وعند محمد إن فضل من الألف الأولى ما يبلغ الحج حج به وإلا فلا، هكذا ذكر الخلاف عامة المشايخ. وبعضهم قالوا: هذا إن أوصى بأن يحج عنه من الثلث أو بأن يحج عنه ولم يزد، أما لو أوصى بأن يحج عنه بثلث ماله فقول محمد كقول أبي يوسف، وتمامه في جامع قاضي خان والفتح، وهذا الاختلاف إذا هلك في يد المأمور، فلو في يد الوصي بعدما قاسم الورثة يحج عنه بثلث ما بقي اتفاقا كما في التتارخانية.
(قوله وظاهره أنه لا رجوع في تركة المأمور) إن كان المراد أنه لا رجوع لورثة الآمر في تركة المأمور بما بقي معه فهذا بعيد جدا لأن ما بقي مع المأمور لا يملكه، بل لو أتم الحج يجب عليه رد الفاضل كما يأتي، فيصدق على هذا الباقي أنه من مال الآمر فيحسب من الثلث، وقد صرح به القهستاني حيث قال بثلث الباقي مما في أيدي الورثة، والمأمور وإن كان المراد أنه لا رجوع لهم بما أنفقه قبل موته أو بما سرق منه فهو لا شبهة فيه حيث لم يخالف كما مر فيما لو فاته الحج بغير صنعه وإن كان المراد أنه لا رجوع في تركته بما يدفع للمأمور الثاني، فهذا هو المتبادر من قولهم بثلث ما بقي من ماله أي مال الآمر والظاهر أن هذا مراد الشارح نبه به على أنه لو فاته الحج بلا صنعه ولزمه القضاء يكون عن نفسه اتفاقا خلافا لما قدمناه من أن هذا ظاهر على قول محمد وأنه على قول غيره يكون القضاء عن الآمر وتلزم المأمور نفقته، فإن مقتضاه أن المأمور إذا مات في الطريق ترجع ورثة الآمر على تركته بنفقة الذي يأمرونه بالحج عن مورثهم، وهذا خلاف ما قرره الفقهاء هنا في المسألة الخلافية، حيث جعلوا الإحجاج ثانيا بثلث ما بقي من جميع مال الآمر أو الباقي من الثلث أو بالباقي مع المأمور، ولم يقل أحد إنه يكون من مال المأمور، فينافي ما تقدم بحثا عن البدائع والسراج والنهر، فلله در هذا الشارح ما أبعد مرماه فافهم (قوله خلافا لهما) أي في الموضعين فيما يدفع ثانيا، وفي المحل الذي يجب الإحجاج منه ثانيا فتح (قوله وقولهما استحسان) يعني قولهما في المحل، أما فيما يدفع ثانيا فلم يذكروا فيه الاستحسان.


وفي الفتح: قول الإمام في الأول: أي فيما يدفع ثانيا أوجه وقولهما هنا أوجه، وقدمنا ما يفيد ترجيحه أيضا عن العناية والمعراج، لكن قدمنا أيضا أن المتون على قول الإمام ونقل تصحيحه العلامة قاسم (قوله كما مر) أي في قوله وإلا فيصير مخالفا فيضمن ح (قوله لا للتقييد) لأن الحج لا يختلف باختلاف السنين، ففي أي سنة حصل فيها وقع عنه، ولا يخفى أن الأولى إيقاعه في السنة المعينة خوفا من ذهاب النفقة أو تعطل الحج ط (قوله والأفضل أن يعود إليه) أي إلى منزل الآمر المذكور في المتن. قال في البحر: ولو أحج رجلا فحج ثم أقام بمكة جاز لأن الفرض صار مؤدى والأفضل أن يحج ثم يعود إلى أهله اهـ فافهم (قوله وعليه رد ما فضل من النفقة) قال في البحر: فالحاصل أن المأمور لا يكون مالكا لما أخذه من النفقة، بل يتصرف فيه على ملك الآمر حيا كان أو ميتا معينا كان القدر أو لا، ولا يحل له الفضل إلا بالشرط الآتي سواء كان الفضل كثيرا أو يسيرا كيسير من الزاد كما صرح به في الظهيرية اهـ.

وإن شرطه له فالشرط باطل إلا أن يوكله بهبة الفضل من نفسه أو يوصي الميت به لمعين، ولوارثه أن يسترد المال من المأمور ما لم يحرم وكذا إن أحرم وقد دفع إليه ليحج عنه وصيه فأحرم ثم مات الآمر. وللوصي أن يحج بنفسه إلا أن يأمره بالدفع أو يكون وارثا ولم تجز البقية. ولو قال: منعت وكذبوه لم يصدق إلا أن يكون أمرا ظاهرا؛ ولو قال حججت وكذبوه صدق بيمينه إلا إذا كان مديون الميت وقد أمر بالإنفاق؛ ولا تقبل بينتهم أنه كان يوم النحر بالبلد إلا إذا برهنا على إقراره أنه لم يحج.
[رد المحتار] قلت: وهذا مما يدل على أن الاستئجار على الحج لا يصح عند المتأخرين كما قدمنا الكلام عليه فافهم (قوله إلا أن يوكله إلخ) قال في الفتح: وإذا أراد أن يكون ما فضل للمأمور يقول له وكلتك أن تهب الفضل من نفسك وتقبضه لنفسك، فإن كان على موت قال والباقي مني لك وصية. اهـ.
زاد في اللباب: وإن لم يعين الآمر رجلا يقول للوصي أعط ما بقي من النفقة من شئت، وإن أطلق فقال وما يبقى من النفقة فهو للمأمور فالوصية باطلة. اهـ.


أي لأنها لمجهول (قوله ولوارثه إلخ) هذه المسألة تقدمت عند قوله إن وفى به ثلثه، لكن ذكرت في كل من الموضعين مع زيادة، لم توجد في الآخر ففي الأول زاد الوصي، والتفصيل في نفقة الرجوع وفي هذا زاد قوله كذا إن أحرم إلخ وكان عليه أن ينظمهما في سلك واحد ح (قوله وكذا إن أحرم وقد دفع إليه ليحج عنه وصيه إلخ) هذا التركيب فاسد المعنى. ووجد في نسخة ليحج عنه بلا وصية وهي الصواب لأن المراد أن المحجوج عنه إذا لم يوص بالحج ولكنه دفع إلى رجل ليحج عنه ثم مات الدافع فللورثة استرداد المال الباقي من الرجل، وإن أحرم بالحج. قال في النهر: وقيدنا بكون الآمر أوصى بالحج عنه لما في المحيط: لو دفع إلى رجل مالا ليحج به عنه فأهل بحجة ثم مات الآمر فلورثته أن يأخذوا ما بقي من المال معه ويضمنونه ما أنفق بعد موته لأن نفقة الحج كنفقة ذوي الأرحام تبطل بالموت اهـ (قوله وللوصي أن يحج إلخ) قال في فتح القدير: ولا يجوز الاستئجار على الطاعات، وعن هذا قلنا لو أوصى أن يحج عنه ولم يزد على ذلك كان للوصي أن يحج عنه بنفسه إلا أن يكون وارثا، أو دفعه لوارث ليحج فإنه لا يجوز إلا أن تجيز الورثة وهم كبار، لأن هذا كالتبرع بالمال فلا يصح للوارث إلا بإجازة الباقين؛ ولو قال الميت للوصي ادفع المال لمن يحج عني لم يجز له أن يحج بنفسه مطلقا. اهـ.
(قوله ولو قال منعت) أي عن الحج وكذبوه أي الورثة لم يصدق ويضمن ما أنفقه من مال الميت إلا أن يكون أمرا ظاهرا يشهد على صدقه. لأن سبب الضمان قد ظهر فلا يصدق في دفعه إلا بظاهر يدل على صدقه فتح (قوله صدق بيمينه) لأنه يدعي الخروج عن عهدة ما هو أمانة في يده فتح (قوله إلا إلخ) أي فإنه لا يصدق إلا ببينة لأنه يدعي قضاء الدين هكذا في كثير من الكتب وعليه المعول خلافا لما في خزانة الأكمل بحر (قوله وقد أمر بالإنفاق) أي مما عليه من الدين ط (قوله ولا تقبل إلخ) لأنها شهادة على النفي بحر: أي لأن مقصودهم نفي حجه وإن كانت صورة شهادتهم إثباتا ح (قوله إلا إذا برهنا إلخ) لأن إقراره وهو تلفظه بهذه الجملة إثبات ح، وفي بعض النسخ برهنوا بصيغة الجمع: أي الورثة، وهي أولى. [تتمة] في المحيط عن المنتقي: أوصى لرجل بألف وللمساكين بألف ولحجة الإسلام بألف والثلث ألفان يقسم الثلث بينهم أثلاثا ثم تضاف حصة المساكين إلى الحجة، فما فضل عن الحجة فللمساكين لأن البداءة بالفرض أهم؛ ولو عليه حجة وزكاة وأوصى لإنسان يتحاصون في الثلث ثم ينظر إلى الزكاة والحج فيبدأ بما بدأ به الموصي؛ ولو فريضة ونذر بدئ بالفريضة، ولو تطوع ونذر بدئ بالنذر، ولو كلها تطوعات أو فرائض أو واجبات بدئ بما بدأ به الميت. اهـ.

باب الهدي (هو) في اللغة والشرع (ما يهدى إلى الحرم) من النعم (ليتقرب به) فيه (أدناه شاة، وهو إبل) ابن خمس سنين (وبقر) ابن سنتين (وغنم) ابن سنة (ولا يجب تعريفه) بل يندب في دم الشكر (ولا يجوز في الهدايا إلا ما جاز في الضحايا) كما سيجيء،
[رد المحتار] وتوضيح هذه المسألة سيأتي في الوصايا فاحفظها فإنها مهمة كثيرة الوقوع، وبقي فروع كثيرة من هذا الباب تعلم من الفتح واللباب، والله أعلم بالصواب.
[باب الهدي]
لما دار ذكر الهدي فيما تقدم من المسائل نسكا وجزاء احتيج إلى بيانه وما يتعلق به ابن كمال، ويقال فيه هدي بالتشديد على فعيل الواحد هدية كمطية ومطي ومطايا مغرب (قوله ما يهدى) مأخوذ من الهدية التي هي أعم من الهدى لا من الهدي، وإلا لزم ذكر المعرف في التعريف، فيلزم تعريف الشيء بنفسه ح. قلت: لو أخذ من الهدي يكون تعريفا لفظيا وهو سائغ ط. واحترز بقوله إلى الحرم عما يهدى إلى غيره نعما كان أو غيره، وبقوله من النعم عما يهدى إلى الحرم من غير النعم، فإطلاق الفقهاء في باب الأيمان والنذور والهدي على غيره مجاز بحر، وبقوله ليتقرب به أي بإراقة دمه فيه: أي في الحرم عما يهدى من النعم إلى الحرم هدية لرجل. وأفاد به أنه لا بد من النية أي ولو دلالة. ففي البحر عن المحيط: الواحد من النعم يكون هديا بجعله صريحا أو دلالة، وهي إما بالنية أو بسوق بدنة إلى مكة وإن لم ينو استحسانا لأن نية الهدي ثابتة عرفا لأن سوق البدنة إلى مكة في العرف يكون للهدي لا للركوب والتجارة، قال: وأراد السوق بعد التقليد لا مجرد السوق (قوله أدناه شاة) أي وأعلاه بدنة من الإبل والبقر، وفي حكم الأدنى سبع بدنة شرح اللباب.


وأفاد ببيان الأدنى أنه لو قال لله علي أن أهدي ولا نية له فإنه يلزمه شاة لأنها الأقل، وإن عين شيئا لزمه؛ ولو أهدى قيمتها جاز في رواية، وفي أخرى لا وهي الأرجح، ولا كلام فيما لو كان مما لا يراق دمه من المنقولات، فلو عقارا تصدق بقيمته في الحرم أو غيره لأنه مجاز عن التصدق أفاده في البحر واللباب (قوله ابن خمس سنين إلخ) بيان لأدنى السن الجائز في الهدي وهو الثني، وهو من الإبل ما له خمس سنين وطعن في السادسة، ومن البقر ما طعن في الثالثة، ومن الغنم ما طعن في الثانية لكنه يوهم أن الجذع من الغنم لا يجوز. قال في اللباب: ولا يجوزون الثني إلا الجذع من الضأن وهو ما أتى عليه أكثر السنة، وإنما يجوز إذا كان عظيما وتفسيره أنه لو خلط بالثنايا اشتبه على الناظر أنه منها اهـ (قوله ولا يجب تعريفه) أي الذهاب به إلى عرفات أو تشهيره بالتقليد ح عن البحر (قوله بل يندب) أي التعريف بمعنييه ح، لكن الشاة لا يندب تقليدها. وفي اللباب: ويسن تقليد بدن الشكر دون بدن الجبر، وحسن الذهاب بهدي الشكر إلى عرفة. اهـ. فعبر في الأول بالبدن ليخرج الشاة، وفي الثاني بالهدي ليدخلها فيه.
وأفاد أيضا أن الأول سنة والثاني مندوب، ففي كلام الشارح إجمال (قوله في دم الشكر) أي القران والتمتع، وكذا يقلد هدي التطوع والنذر؛ ولو قلد دم الإحصار والجناية جاز ولا بأس به كما سيأتي (قوله ولا يجوز في الهدايا إلا ما جاز في الضحايا) كذا عبر في الهداية، وعلله بأنه قربة تعلقت بإراقة الدم كالأضحية فيختصان بمحل واحد. اهـ. فأشار إلى أنه مطرد منعكس فيجوز هنا ما يجوز ثمة ولا يجوز هنا ما لا يجوز ثمة.
فصح اشتراك ستة في بدنة شريت لقربة، وإن اختلفت أجناسها.
(وتجوز الشاة) في الحج في كل شيء (إلا في طواف الركن جنبا) أو حائضا (ووطء بعد الوقوف) قبل الحلق كما مر
(ويجوز أكله) بل يندب كالأضحية (من هدي التطوع) إذا بلغ الحرم (والمتعة والقران فقط)





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 255.01 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 249.16 كيلو بايت... تم توفير 5.86 كيلو بايت...بمعدل (2.30%)]