المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5375 - عددالزوار : 2770350 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4983 - عددالزوار : 2105130 )           »          التفسير بمكتشفات العلم التجريبي بين المؤيدين والمعارضين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          الشرط الجزائي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 37 )           »          مسألة ميراث المطلقة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 47 )           »          روعة الضحى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 45 )           »          «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 520 - عددالزوار : 249776 )           »          مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 72 - عددالزوار : 43534 )           »          الزواج الثاني.. واللف والدوران! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 85 )           »          القرآن.. مهري للزواج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 70 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13-12-2025, 02:30 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,162
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثامن

صـــ 172 الى صـــ 181
(177)






وإن حلف لا يدخل في الدار ، فقام على السطح يحنث ; لأن السطح من الدار ، ألا ترى أن من نام على سطح الدار يستخير من نفسه أن يقول : بت الليلة في داري ، ولو قام في طلق باب الدار ، والباب بينه وبين الدار لم يحنث ; لأن الباب لإحراز الدار وما فيها ، فكل موضع إذا رد الباب بقي خارجا ، فليس ذلك من الدار فلا يحنث ; لأنه لم يدخلها ، وإن كان بحيث لو رد الباب بقي داخلا ، فهذا قد دخلها فيحنث .
ولو كان داخلا فيها فحلف أن لا يخرج فقام في مقام يكون الباب بينه وبين الدار إذا أغلقت حنث ; لأن الخروج انفصال من الداخل إلى الخارج ، وقد وجد ذلك حين وصل إلى هذا الموضع ، وإن أخرج إحدى رجليه لم يحنث ، وكذلك إن حلف أن لا يدخلها فأدخل إحدى رجليه لم يحنث ; لأن قيامه بالرجلين فلا يكون بأحدهما خارجا ولا داخلا ، ألا ترى { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وعد أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أن يعلمه سورة ليس في التوراة ولا في الإنجيل مثلها قبل أن يخرج من المسجد ، فعلمه بعد ما أخرج إحدى رجليه } ، ولم يكن مخالفا لوعده . من أصحابنا من يقول : هذا إذا كان الداخل والخارج مستويان ، فإن كان الداخل أسفل من الخارج فبإدخال إحدى الرجلين يصير داخلا ; لأن عامة بدنه تمايل إلى الداخل ، وإن كان الخارج أسفل من الداخل فبإخراج إحدى الرجلين يصير خارجا لهذا المعنى ، والأول أصح ; لأنه لم يوجد شرط الحنث حقيقة ، فلا يحنث ، واعتبار إحدى الرجلين يوجب أن يكون حانثا ، والرجل الأخرى تمنع من ذلك فلا يحنث بالشك ، وإن دخل من حائط لها حتى قام على سطح من سطوحها ، فقد دخلها ; لما بينا أن السطح مما أدير عليه الحائط فالداخل إليه يكون داخلا فيها ، ولو دخل بيتا من تلك الدار قد شرع السكة حنث ; لأنه مما أدير عليه الحائط ، وهذا إذا كان لذلك البيت باب في الدار وباب في السكة ، وإن دخل في علوها على الطريق الأعظم ، أو دخل [ ص: 173 ] كنيفا منها شارعا إلى الطريق حنث ، وهذا إذا كانت مفتحة في الدار ; لأنه من حجر الدار ومرافقه ، فالداخل إليه لا يكون خارجا من الدار ، وإذا لم يكن خارجا كان داخلا في الدار . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب .
باب الخروج ( قال ) رضي الله عنه : وإذا حلف على امرأته بالطلاق أن لا تخرج حتى يأذن لها فأذن لها مرة سقطت اليمين ; لأن حتى للغاية . قال الله تعالى { حتى مطلع الفجر . } واليمين يتوقف بالتوقيت ، ومن حكم الغاية أن يكون ما بعدها بخلاف ما قبلها ، فإذا انتهت اليمين بالإذن مرة لم يحنث بعد ذلك ، وإن خرجت بغير إذنه إلا أن ينوي الإذن في كل مرة ، فحينئذ يكون مشددا الأمر على نفسه بلفظ يحتمله ، ولو قال : إلا بإذني فلا بد من الإذن لكل مرة حتى إذا خرجت مرة بغير إذنه حنث ; لأنه استثنى خروجا بصفة ، وهو أن يكون بإذنه فإن الباء للإلصاق فكل خروج لا يكون بتلك الصفة كان شرط الحنث ، ومعنى كلامه إلا مستأذنة قال الله تعالى { : وما نتنزل إلا بأمر ربك } أي مأمورين بذلك ، ونظيره إن خرجت إلا بقناع أو إلا بملاءة ، فإذا خرجت مرة بغير قناع أو بغير ملاءة حنث ، فأما إذا قال : إلا أن آذن لها . فهذا بمنزلته حتى إذا وجد الإذن مرة لا يبقى اليمين فيه ; لأن إلا أن بمعنى حتى فيما يتوقف . قال الله تعالى { : إلا أن يحاط بكم } أي أن يحاط بكم ، ألا ترى أنه لا يستقيم إظهار المصدر هنا بخلاف قوله : إلا بإذني فإنه يستقيم أن يقول : إلا خروجا بإذني فعرفنا أنه صفة للمستثني ، وهنا لو قال إلا خروجا إن آذن لك كان كلاما مختلا ، فعرفنا أنه بمعنى التوقيت ، وفيه طعن الفراء ، وقد بيناه .
وإن حلف عليها أن لا تخرج من بيته ، فخرجت إلى الدار حنث ; لأنه جعل شرط الحنث الخروج من البيت نصا ، والبيت غير الدار فبالوصول إلى صحن الدار صارت خارجة من البيت ، بخلاف ما لو حلف أن لا تخرج ; لأن مقصوده هنا الخروج إلى السكة ، والوصول إلى موضع يراها الناس فيه ، ولا يوجد ذلك بخروجها إلى صحن الدار ، وإن حلف لا يدخل فلان بيته ، فدخل داره لم يحنث ; لما بينا أنه سمى البيت نصا ، والدار غير البيت ، فالداخل في الدار لا يكون داخلا في البيت ، ألا ترى أن الإنسان قد يأذن لغيره في دخول داره ولا يأذن في دخول بيته .
ولو حلف على امرأته أن لا تخرج من باب هذه الدار ، فخرجت من غير الباب لم يحنث ; لأنه حلف بتسمية الباب . [ ص: 174 ] فإن قيل ) : مقصوده منعها من الخروج لكي لا يراها الأجانب ، وذلك لا يختلف بالباب وغير الباب . ( قلنا ) : اعتبار مقصوده يكون مع مراعاة لفظه ، ولا يجوز إلغاء اللفظ لاعتبار المقصود ، ثم قد يمنعها من الخروج إلى الباب ; لكي لا يراها الجار المحاذي ، وربما يتهمها بإنسان إذا خرجت من الباب رآها ، وإن خرجت من غير الباب لم يرها ، وربما يكون على الباب كلب عقور ، فكان تقييد الباب مفيدا فيجب اعتباره ، وكذلك لو حلف على باب بعينه ، فخرجت من باب آخر لم يحنث مراعاة للفظه ، ألا ترى أن يعقوب عليه السلام قال لأولاده عليهم السلام { : لا تدخلوا من باب واحد ، وادخلوا من أبواب متفرقة . } وكان ذلك منه أمرا بما هو مفيد .
وإن حلف أن لا تخرج إلا بإذنه ، فأذن لها من حيث لا تسمع ، لم يكن إذنا في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى : هو إذن ; لأن الإذن فعل الأذان يتم به كالرضا ، ولو حلف أن لا تخرج إلا برضاه فرضي بذلك ، ولم تسمع فخرجت لم يحنث ، فهذا مثله وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قالا : الإذن إما أن يكون مشتقا من الوقوع في الإذن ، وذلك لا يحصل إلا بالسماع ، أو يكون مشتقا من الأذان وهو الإعلام . قال الله تعالى { : وأذان من الله ورسوله } . وذلك لا يحصل إلا بالسماع ، بخلاف الرضا فإنه بالقلب ، يكون توضيحه : أن مقصوده من هذا أن لا تتجاسر بالخروج قبل أن تستأذنه ، وهذا المقصود لا يحصل إذا لم تسمع بإذنه ، فكان وجوده كعدمه .
ولو حلف عليها لا تخرج من المنزل إلا في كذا فخرجت لذلك مرة ، ثم خرجت في غيره حنث لوجود الخروج لا على الوجه المستثنى ، فإن كان عنى لا تخرج هذه المرة إلا في كذا ، فخرجت فيه ، ثم خرجت في غيره لم يحنث ; لأنه خص اللفظ العام بنيته ، وإن خرجت لذلك ثم بدا لها فانطلقت في حاجة أخرى ، ولم تنطلق في ذلك الشيء لم يحنث ; لأن خروجها بالصفة المستثني ، ثم بعد ذلك وجد منها الذهاب في حاجة أخرى لا الخروج ، وشرط حنثه الخروج .
وإن حلف عليها أن لا تخرج مع فلان من المنزل ، فخرجت مع غيره ، أو خرجت وحدها ، ثم لحقها فلان لم يحنث ; لأن الخروج الانفصال من الداخل إلى الخارج ، ولم تكن مع فلان ، وذلك شرط حنثه ، فلهذا لا يحنث ، وإن لحقها فلان بعد ذلك ، وكذلك لو حلف لا يدخل فلان عليها بيتا فدخل فلان أولا ، ثم دخلت هي فاجتمعا فيه لم يحنث ; لأنها دخلت على فلان ، وشرط حنثه دخول فلان عليها ، وإن حلف عليها أن لا تخرج من الدار فدخلت بيتا أو كنيفا في علوها شارعا إلى الطريق الأعظم ، لم يكن خروجها إلى هذا [ ص: 175 ] الموضع خروجا من الدار على ما بينا أن الوصل إلى هذا الموضع يكون داخلا في الدار ، فلا تصير خارجة من الدار بالوصول إليه . والله أعلم بالصواب .
باب الأكل ( قال ) : وإذا حلف لا يأكل طعاما ، أو لا يشرب شرابا ، فذاق شرابا من ذلك لم يدخله حلقه لم يحنث ; لأنه عقد يمينه على فعل الأكل والشرب ، والذوق ليس بأكل ولا شرب ، فإن الأكل إيصال الشيء إلى جوفه بفيه مهشوما ، أو غير مهشوم ، ممضوغا أو غير ممضوغ ، مما يتأتى فيه الهشم والمضغ ، والشرب أيضا إيصال الشيء إلى جوفه بفيه مما لا يتأتى فيه الهشم والمضغ في حال اتصاله ، والذوق معرفة طعم الشيء بفيه من غير إدخال عينه في حلقه ، ألا ترى أن الصائم إذا ذاق شيئا لم يفطره ، والأكل والشرب مفطر له ، ومتى عقد يمينه على فعل ، فأتى بما هو دونه لم يحنث ، وإن أتى بما هو فوقه حنث ; لأنه أتى بالمحلوف عليه وزيادة ، وإن كان قال : لا أذوق حنث لوجود الذوق حقيقة ، وإن لم يدخله حلقه ، إلا إذا تمضمض بماء ، فحينئذ لا يحنث ; لأن قصده التطهير لا معرفة طعم الماء ، فلم يكن ذلك ذوقا ، وإن عني بالذوق الأكل في المأكول والشرب في المشروب لم يحنث ، ما لم يدخله في حلقه ; لأن المنوي من محتملات لفظه .

وفيه عرف ظاهر فإن الرجل يقول : ما ذقت اليوم شيئا ، أي ما أكلت ، وجاء في الحديث أنهم كانوا لا يتفرقون إلا عن ذوق ، فإن نوى ذلك عملت نيته ، وإن لم تكن له نية فيمينه على حقيقة ذلك ; لأن ذلك متعارف أيضا ، إلا أنه روى هشام عن محمد رحمه الله تعالى أنه إذا تقدم ما يدل على أن مراده الأكل ، لا يحنث ما لم يأكل بأن قال : تغد معي فحلف أن لا يذوق طعامه ، فيمينه على الأكل ; لأن ما تقدم دليل عليه ، وذلك فوق نيته ، وإن قال : لا أذوق طعاما ولا شرابا فذاق أحدهما حنث ; لأنه كرر حرف النفي ، فتبين أن مراده نفي كل واحد منهما على الانفراد كما قال تعالى { : لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } ، وكذلك لو قال : لا آكل كذا ولا كذا ، أو لا أكلم فلانا ولا فلانا ، وكذلك إن أدخل حرف أو بينهما ; لأن في موضع النفي حرف أو بمعنى ولا قال الله تعالى { : ولا تطع منهم آثما أو كفورا } يعني ولا كفورا ، فصار كل واحد منهما كأنه عقد عليه اليمين بانفراده ، بخلاف ما إذا ذكر حرف الواو بينهما ، ولم يعد حرف النفي ; لأن الواو للعطف فيصير في المعنى جامعا بينهما ، ولا يتم الحنث إلا بوجودهما .

وإن حلف لا يأكل لحما ، فأكل سمكا [ ص: 176 ] طريا أو مالحا لم يحنث إلا على قول مالك رحمه الله تعالى ، فإنه يحمل الأيمان على ألفاظ القرآن ، وقد قال الله تعالى { : لتأكلوا منه لحما طريا } ، وقد بينا بعد هذا ، والدليل عليه أنه من حلف لا يركب دابة فركب كافرا لا يحنث ، وقد قال { إن شر الدواب عند الله الذين كفروا } ، ثم معنى اللحمية ناقص في السمك ; لأن اللحم ما يتولد من الدم وليس في السمك دم ، ومطلق الاسم يتناول الكامل ، وكذلك من حيث العرف لا يستعمل السمك استعمال اللحم في اتخاذ الباحات منه ، وبائع السمك لا يسمى لحاما ، والعرف في اليمين معتبر ، إلا أن يكون نوى السمك ، فحينئذ تعمل نيته ; لأنه لحم من وجه ، وفيه تشديد عليه ، وهو نظير قوله : كل امرأة له طالق لا تدخل المختلعة فيه إلا بالنية : وكل مملوك لا يدخل فيه المكاتب .

قال : ألا ترى أنه إن أكل رئة أو كبدا لم يحنث ، وفي رواية أبي حفص رحمه الله تعالى أو طحالا ، وإن أكل لحم غنم أو طير مشوي أو مطبوخ أو قديد حنث ; لأن المأكول لحم مطلق ، ألا ترى أن معنى الغذاء تام فيه ، ويستوي في ذلك الحلال والحرام حتى لو أكل لحم خنزير أو إنسان حنث ; لأنه لا نقصان في معنى اللحمية فيه ، فإن كمال معنى اللحمية بتولده من الدم ، وما يحل وما يحرم من الحيوانات والطيور فيها دم . ( قال ) : وكذلك لو أكل شيئا من الرءوس فإنما على الرأس لحم لا يقصد بأكله سوى أكل اللحم ، بخلاف ما لو حلف لا يشتري لحما فاشترى رأسا لم يحنث ; لأن فعل الشراء لا يتم به بدون البائع ، وبائع الرأس يسمى رآسا لا لحاما ، فكذلك هو لا يسمى مشتريا للحم بشراء الرأس ، فأما الأكل يتم به وحده ، فيعتبر فيه حقيقة المأكول ، وكذلك إن أكل شيئا من البطون كالكراش والكبد والطحال قيل : هذا بناء على عادة أهل الكوفة ، فإنهم يبيعون ذلك مع اللحم فأما في البلاد التي لا يباع مع اللحم عادة ، لا يحنث بكل حال ، وقيل : بل يحنث بكل حال ; لأنه يستعمل استعمال اللحم لاتخاذ المرقة ، واللحم ما يتولد من الدم والكبد ، والطحال عينه دم فمعنى اللحمية فيها أظهر وكذلك إن أكل شحم الظهر فإنه لحم ، إلا أنه سمين ألا ترى أنه يباع مع اللحم ، وأنه يسمى سمين اللحم ، ولا يحنث في شحم البطن والألية ; لأنه ينفي عنه اسم اللحم ، ويقال : إنه شحم ، وليس بلحم ، ولا يستعمل استعمال اللحم في اتخاذ الباحات والألية كذلك ، فإنه ليس بلحم ولا شحم بل له اسم خاص ، وفيه مقصود لا يحصل بغيره ، إلا أن ينوي ذلك فحينئذ تعمل فيه نيته ; لأنه من محتملات لفظه وفيه تشديد عليه .

ولو حلف لا يأكل إداما ولا نية له ، فالإدام الخل والزيت واللبن والزبد وأشباه ذلك مما يصطبغ الخبز به ، ويختلط [ ص: 177 ] به فأما الجبن والسمك والبيض واللحم ، فإنه ليس بإدام في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وهو الظاهر في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى ، وعلى قول محمد رحمه الله تعالى وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله تعالى في الأمالي ، وروى هشام عنه أن الجوز اليابس إدام كالجبن . وجه قول محمد رحمه الله تعالى أن الإدام ما يؤكل مع الخبز غالبا فإنه مشتق من المؤادمة ، وهو الموافقة { قال صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة : لو نظرت إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما } ، أي يوفق فيما يؤكل مع الخبز غالبا ، فهو موافق له فيكون إداما ، وقال صلى الله عليه وسلم { سيد إدام أهل الجنة اللحم ، وأخذ لقمة بيمينه وتمرة بشماله ، وقال : هذه إدام هذه } ، فعرفنا أن ما يوافق الخبز في الأكل ، فهو إدام ، إلا أنا خصصنا ما يؤكل غالبا وحده كالبطيخ والتمر والعنب ; لأن الإدام تبع فما يؤكل وحده غالبا لا يكون تبعا ، فأما الجبن والبيض واللحم لا يؤكل وحده غالبا فكان إداما ، ولكن أبو حنيفة رحمه الله تعالى قال : الإدام تبع ولكن حقيقة التبعية فيما يختلط بالخبز ، ولا يحتاج إلى أن يحمل معه كالخل ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : نعم الإدام الخل } ، فما يصطبغ به فهو بهذه الصفة ، فأما اللحم والجبن والبيض يحمل مع الخبز فلا يكون إداما ، وإن كان قد يؤكل معه كالعنب ، توضيحه : أن الإدام ما لا يتأتى أكله وحده كالملح ، فإنه إدام ، والخل واللبن لا يتأتى فيه الأكل وحده ; لأن ذلك يكون شرابا لا أكلا فعرفنا أنه إدام ، فأما اللحم والجبن والبيض يتأتى الأكل فيها وحدها ، فلم تكن إداما إلا أن ينوي ذلك فتعمل نيته لما فيه من التشديد عليه .
ولو حلف لا يأكل طعاما ، ينوي طعاما بعينه ، أو حلف لا يأكل لحما ، ينوي لحما بعينه ، فأكل غير ذلك لم يحنث ، إلا أنه إذا كانت يمينه بالطلاق يدين فيما بينه وبين الله تعالى ولا يدين في القضاء ; لأنه نوى التخصيص في اللفظ العام ; لأنه ذكر الطعام منكرا في موضع النفي ، والنكرة في موضع النفي تعم ، وإن قال : لا آكل وعني طعاما دون طعام ، لم يدن في القضاء ، ولا فيما بينه وبين الله تعالى عندنا ، وعند الشافعي رحمه الله تعالى هذا والأول سواء ; لأن الأكل يقتضي مأكولا ، فكأنه صرح بذكر الطعام ، وهو بناء على أصله أن الثابت بمقتضى اللفظ كالملفوظ ، فأما عندنا لا عموم للمقتضى ، ونية التخصيص إنما تصح فيما له عموم دون ما لا عموم له ، فالأصل عندنا أنه متى ذكر الفعل ، ونوى التخصيص في المفعول ، أو الحال أو الصفة كانت نيته لغوا ; لأنه تخصيص ما لا لفظ له ، أما نية التخصيص في المفعول كما بينا ، ونية التخصيص في الحال بأن يقول : لا أكلم هذا الرجل ، وهو قائم بين يديه ، ونوى [ ص: 178 ] حال قيامه فنيته لغو ، بخلاف ما لو قال : هذا الرجل القائم ، وهو ينوي حال قيامه ، فإن نيته تعمل فيما بينه وبين الله تعالى وتخصيص الصفة أن يقول : لا أتزوج امرأة ، وهو ينوي كوفية أو بصرية ، فإن نيته لغو ، ولو نوى عربية أو حبشية عملت نيته فيما بينه وبين الله تعالى ; لأنه نوى التخصيص في الجنس ، وذلك في لفظه .

ولو حلف لا يأكل شواء ، ولا نية له ، فهو على اللحم خاصة ما لم ينو غيره ; لأن الناس يطلقون هذه اللفظة على اللحم عادة دون الفجل والجزر المشوي ، ألا ترى أن الشواء اسم لمن يبيع اللحم المشوي ، فمطلق لفظه ينصرف إليه للعرف ، إلا أن ينوي كل ما يشوى من بيض أو غيره ، فتعمل نيته لما فيه من التشديد عليه ، ولو حلف لا يأكل رأسا . قال : فهذا على رءوس البقر والغنم ، وهذا لأنا نعلم أنه لم يرد رأس كل شيء ، وأن رأس الجراد والعصفور لا يدخل في هذا ، وهو رأس حقيقة فإذا علمنا أنه لم يرد الحقيقة ، وجب اعتبار العرف ، وهو الرأس الذي يشوى في التنانير ، ويباع مشويا ، فكان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول أولا : يدخل فيه رأس الإبل والبقر والغنم ; لأنه رأى عادة أهل الكوفة ، فإنهم يفعلون ذلك في هذه الرءوس الثلاثة ، ثم تركوا هذه العادة ، فرجع وقال : يحنث في رأس البقر والغنم خاصة ، ثم إن أبا يوسف ومحمدا رحمهما الله تعالى شاهدا عادة أهل بغداد وسائر البلدان ، أنهم لا يفعلون ذلك إلا في رأس الغنم خاصة ، فقالا : لا يحنث إلا في رءوس الغنم ، فعلم أن الاختلاف اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حكم وبيان ، والعرف الظاهر أصل في مسائل الأيمان .
وإن حلف لا يأكل بيضا ، فهو على بيض الطير من الدجاج والإوز وغيرهما ، ولا يدخل بيض السمك ونحوه فيه ، إلا أن ينويه ; لأنا نعلم أنه لا يراد بهذا بيض كل شيء ، فإن بيض الدود لا يدخل فيه ، فإنما يحمل على ما يطلق عليه اسم البيض ، ويؤكل عادة ، وهو كل بيض له قشر كبيض الدجاجة ونحوها .
وإن حلف لا يأكل طبيخا ، فهو على اللحم خاصة ما لم ينو غيره استحسانا ، وفي القياس يحنث في اللحم وغيره مما هو مطبوخ ، ولكن الأخذ بالقياس يفحش ، فإن المسهل من الدواء مطبوخ ، ونحن نعلم أنه لم يرد ذلك ، فحملناه على أخص الخصوص وهو اللحم ; لأنه هو الذي يطبخ في العادات الظاهرة ، فإن الطبيخ في العادة ما يتخذ من الألوان والمباحات ، وهو الذي يسمى متخذ ذلك طباخا ، فأما من يطبخ الآجر لا يسمى طباخا . قالوا : وإنما يحنث إذا أكل اللحم المطبوخ ، فأما المقلية اليابسة فلا ، وما طبخ بالماء ، إذا أكل المرقة مع الخبز يحنث ، وإن لم يأكل عين اللحم ; لأن أجزاء اللحم فيه ; ولأن تلك المرقة تسمى طبيخا .
وإذا حلف لا يأكل [ ص: 179 ] فاكهة ، فأكل عنبا أو رطبا أو رمانا لم يحنث في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، ويحنث في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ; لأن الفاكهة ما يؤكل على سبيل التفكه ، وهو التنعم ، وهذه الأشياء أكمل ما يكون من ذلك ، ومطلق الاسم يتناول الكامل ، وكذلك الفاكهة ما يقدم بين يدي الضيفان للتفكه به لا للشبع ، والرمان والرطب من أنفس ذلك كالتين وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : هذه الأشياء غير الفاكهة . قال الله تعالى { فيهما فاكهة ونخل ورمان . } وقال الله تعالى { وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا } ، فتارة عطف الفاكهة على هذه الأشياء ، وتارة عطف هذه الأشياء على الفاكهة ، والشيء لا يعطف على نفسه مع أنه مذكور في موضع المنة ، ولا يليق بالحكمة ذكر الشيء الواحد في موضع المنة بلفظين ، ثم الاسم مشتق من التفكه ، وهو التنعم . قال الله تعالى { انقلبوا فكهين } أي متنعمين ، وذلك معنى زائد على ما به القوام والبقاء ، والعنب والرطب يتعلق بهما القوام ، وقد يجتزى بهما في بعض المواضع ، والرمان كذلك في الأدوية ، فلا يتناولها مطلق اسم الفاكهة ، ألا ترى أن يابس هذه الأشياء ليس من الفواكه ، فإن الزبيب والتمر قوت ، وحب الرمان من التوابل دون الفواكه ، وما يكون رطبه من الفواكه فيابسه من الفواكه أيضا كالتين والمشمش والخوخ ، وما لا يكون يابسه من الفواكه ، فرطبه لا يكون من الفواكه كالبطيخ ، فإنه يقدم مع الفواكه بين يدي الضيفان ، ولا يتناوله اسم الفاكهة ، وأما القثاء والفول والجزر ، ليس من الفواكه ، إنما هي من البقول والتوابل ، بعضها يوضع على المائدة مع البقل ، وبعضها يجعل في القدر مع التوابل . قال : ويدخل في الفاكهة اليابسة اللوز والجوز وأشباه ذلك ، وقد بينا أن أبا يوسف رحمه الله تعالى يجعل الجوز اليابس من الإدام دون الفاكهة ; لأنه لا يتفكه به عادة ، إنما يؤكل مع الخبز كالجبن ، أو يجعل مع التوابل في القدر ، ولكن في ظاهر الرواية يقول : رطب الجوز من الفواكه ، فكذلك يابسه للأصل الذي بينا .
وإن حلف لا يأكل طعاما ، فأكل خبزا أو فاكهة أو غير ذلك حنث ، ومراده أو غير ذلك مما يسمى طعاما عادة ، دون ما له طعم حقيقة ، فإن كل أحد يعلم أنه لا يريد السقمونيا بهذا اللفظ ، وله طعم عرفنا أن مراده ما يسمى في العادة طعاما ، ويؤكل على سبيل التطعم ، ولو حلف ليأكلن هذا الطعام اليوم ، فأكله غيره في اليوم لم يحنث في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى : يحنث إذا غابت الشمس ، والأصل فيه أن اليمين إذا كانت مؤقتة بوقت ، فانعقادها موجبا للبر في آخر [ ص: 180 ] ذلك اليوم ، إلا عند أبي يوسف رحمه الله تعالى ، وجود ما حلف عليه ليس بشرط لانعقاد اليمين ، حتى إذا قال : لأشربن الماء الذي في الكوز ، ولا ماء فيه ، تنعقد اليمين ، فكذلك هنا انعدام الطعام في آخر اليوم عنده ، لا يمنع انعقاد اليمين ، فإذا انعقدت ، وتحقق فوت شرط البر حنث فيها ، وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى انعدام ما حلف عليه يمنع انعقاد اليمين ، كما في مسألة الشرب ، فلا ينعقد اليمين هنا لما انعدم الطعام في آخر الوقت ; وهذا لأن شرط حنثه ترك أكل الطعام في آخر جزء من أجزاء اليوم ، ولا يتصور ذلك إذا لم يبق الطعام ، وقد بينا أن بدون توهم البر لا ينعقد اليمين ، وإن لم يكن وقت فيه وقتا حنث ; لأن اليمين انعقدت في الحال لتوهم البر فيها لكون الطعام قائما في الحال ، ثم فات شرط البر بأكل الغير إياه ، فيحنث ( قال ) : وكذلك إن مات الحالف قبل أن يأكله ، والطعام قائم بعينه ; لأن شرط البر قد فات بموته ، وكذلك إن مضت المدة ، وهو حي ، والطعام قائم ; لأن شرط البر فعل الأكل في الوقت ، وقد تحقق فوته بمضي الوقت ، فحنث في يمينه ، وعلى هذا لو حلف ليقضين حق فلان غدا ، فقضاه اليوم لم يحنث في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ويحنث عند أبي يوسف رحمه الله تعالى ، كما جاء الغد ; لأن عنده كما جاء الغد انعقدت اليمين ، فإن عدم المحلوف عليه ، لا يمنع انعقاد اليمين عنده .
وإن حلف لا يأكل من طعام اشتراه فلان ، فأكل من طعام اشتراه فلان مع آخر حنث ; لأن ما اشتراه فلان من ذلك طعام ، وقد أكله ، فإن كل جزء من الطعام يسمى طعاما ، بخلاف ما لو حلف لا يسكن دارا اشتراها فلان ، فسكن دارا اشتراها فلان وآخر معه ; لأن نصف الدار لا يسمى دارا ، إلا أن يكون نوى في الطعام أن يشتري هو وحده ، فتعمل نيته ; لأنه نوى التخصيص في اللفظ العام ، فإن شراء الطعام قد يكون وحده ، وقد يكون مع غيره ، وكذلك لو حلف لا يأكل من طعام يملكه فلان ، بخلاف ما لو حلف لا يلبس ثوبا لفلان ، أو ثوبا اشتراه فلان ; لأن اسم الثوب للكل ، وبعض الثوب ليس بثوب ، ألا ترى أنه لو قال : هذا الثوب لفلان ، وهو بينه وبين آخر ، كان كذبا ، ولو قال : هذا الطعام لفلان وهو يعني نصفه كان صدقا .
ولو حلف لا يأكل من هذا الدقيق شيئا ، فأكل خبزه حنث ; لأن عين الدقيق لا يؤكل عادة ، فتنصرف يمينه إلى ما يتخذ منه ، كما لو حلف لا يأكل من هذه النخلة ، واختلف مشايخنا فيما لو أكل عين الدقيق ، فمنهم من يقول : يحنث ; لأنه أكل الدقيق حقيقة ، والعرف وإن اعتبر ، فالحقيقة لا تسقط به ; وهذا لأن عين الدقيق مأكول ، والأصح أنه [ ص: 181 ] لا يحنث ; لأن هذه حقيقة مهجورة ، ولما انصرفت اليمين إلى ما يتخذ منه للعرف ، يسقط اعتبار الحقيقة كمن قال للأجنبية : إن نكحتك فعبدي حر ، فزنى بها لم يحنث ; لأنه لما انصرف إلى العقد لم يتناول حقيقة الوطء ، وإن كان عني أكل الدقيق بعينه ، لم يحنث بأكل الخبز ; لأنه نوى حقيقة كلامه ، ولو حلف لا يأكل من هذه الحنطة شيئا ، فإن نوى يأكلها حبا ، كما هو فأكل من خبزها أو سويقها لم يحنث ; لأن المنوي حقيقة كلامه ، فهو كالملفوظ ، وإن لم يكن له نية ، فأكل من خبزها لم يحنث في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، ويحنث في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى قال في الكتاب : يمينه على ما يصنع منها ، وهذا إشارة إلى أن عندهما لو أكل من عينها لم يحنث ، ولكن ذكر في الجامع الصغير : وإن أكل من خبزها يحنث عندهما أيضا ، فهذا يدل على أنه يحنث بتناول عين الحنطة عندهما ، وهو الصحيح .

وجه قولهما : إن أكل الحنطة في العادة هكذا يكون ، فإنك تقول : أكلنا أجود حنطة في الأرض ، تريد الخبز ، ويقال : أهل بلدة كذا يأكلون الحنطة ، وأهل بلدة كذا يأكلون الشعير ، والمراد الخبز ، إلا أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى يقول : عين الحنطة مأكول عادة ، فإنها تقلى فتؤكل ، وتغلى فتؤكل ، ويتخذ منها الهريسة ، ومن انعقدت يمينه على أكل عين مأكولة ، ينصرف يمينه إلى أكل عينه دون ما يتخذ منه كالعنب والرطب ; وهذا لأن لكلامه حقيقة مستعملة ومجازا متعارفا ، ولا يراد باللفظ الواحد الحقيقة والمجاز ; لأن المجاز مستعار ، والثوب الواحد في حالة واحدة لا يتصور أن يكون ملكا وعارية ، فإذا كانت الحقيقة مرادة هنا يتنحى المجاز ، وهما لا ينكران هذا الأصل ، ولكنهما يقولان : إذا أكل الحنطة إنما يحنث باعتبار عموم المجاز لا باعتبار الحقيقة ، وقد بينا نظائره في وضع القدم وغيره . ( قال ) : وإذا أكل من سويقها لم يحنث في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وكذلك قول محمد أيضا ; لأن الموجود في الحنطة لبها ، وهو ما يصير بالطحن دقيقا ، ومن أصل أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى أن السويق جنس آخر غير الدقيق ، ولهذا جوزا بيع السويق بالدقيق متفاضلا ، فما تناول ليس من جنس ما كان موجودا في الحنطة التي عينها فلا يحنث ، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يمينه تناولت الحقيقة ، فلا يحنث بأكل السويق ، وإن حلف لا يأكل من هذا الطلع شيئا ، فأكل منه بعد ما صار بسرا لم يحنث ; لأن الطلع عينه مأكول ، ومتى عقد يمينه على أكل ما تؤكل عينه ، لا ينصرف يمينه إلى ما يكون منه ، ثم البسر ليس من جنس الطلع .

ألا ترى أن بيع البسر [ ص: 182 ] بالطلع يجوز كيف ما كان ، وكذلك لو حلف لا يأكل من هذا البسر فأكل منه بعد ما صار رطبا ; لأن البسر عينه مأكول ، ولأن الرطب وإن كان من جنس البسر ، إلا أن الإنسان قد يمتنع من تناول البسر ، ولا يمتنع من تناول الرطب ، والأصل أنه متى عقد يمينه على عين بوصف ، يدعو ذلك الوصف إلى اليمين ، يتقيد اليمين ببقاء ذلك الوصف ، وينزل منزلة الاسم ، ولهذا لو حلف لا يأكل من هذا الرطب ، فأكله بعد ما صار تمرا لم يحنث ; لأن صفة الرطوبة داعية إلى اليمين ، فقد يمتنع الإنسان من تناول الرطب دون التمر ، وهذا بخلاف ما لو حلف لا يكلم هذا الشاب ، فكلمه بعد ما شاخ يحنث ; لأن صفة الشاب ليست بداعية إلى اليمين ، وكذلك لو حلف لا يأكل من هذا الحمل ، فأكله بعد ما كبر يحنث ; لأن الصفة المذكورة ليست بداعية إلى اليمين ، ولو حلف لا يأكل من هذا السويق ، فشربه لم يحنث ; لأن الشرب غير الأكل فإن الله تعالى قال { : كلوا واشربوا } ، والشيء لا يعطف على نفسه ، وقد بينا حد كل واحد من الفعلين ، وكذلك لو حلف لا يأكل من هذا اللبن فشربه ، أو حلف لا يشربه ، فأكله لم يحنث ، وأكل اللبن بأن يثرد فيه الخبز ، وشربه أن يشربه كما هو ، ولو تناول شيئا مما يصنع منه كالجبن والأقط لم يحنث ; لأن عينه مأكول ، وقد عقد اليمين عليه ، ألا ترى أنه لو حلف لا يذوق من هذا الخمر ، فذاقه بعد ما صار خلا لم يحنث .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 140.27 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 138.60 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (1.19%)]