المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         لكل الأزواج.. خطة كسب القلوب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 678 )           »          4 خطوات تجهض الخلافات الزوجية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 681 )           »          من فضل العدل في القضاء... العادلون على منابر من نور (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 796 )           »          تحريم سب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 823 )           »          ميزان يحتاجه الجميع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 811 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5383 - عددالزوار : 2784907 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4992 - عددالزوار : 2117318 )           »          «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 521 - عددالزوار : 257595 )           »          حكم لعب الأطفال (مجسَّمة وغير مجسَّمة) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 6142 )           »          الإسلام المستعصي على الغرب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 6517 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 13-12-2025, 02:21 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,367
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثامن

صـــ 162 الى صـــ 171
(176)




وإن حلف لا يساكنه في بيت فدخل عليه فيه زائرا أو ضيفا ، وأقام فيه يوما أو يومين لم يحنث ; لأن هذا ليس بمساكنة إنما المساكنة بالاستقرار والدوام ، وذلك بمتاعه وثقله ، ألا ترى أن الإنسان يدخل في المسجد كل يوم مرارا ، ولا يسمى ساكنا فيه ، ويدخل على الأمير ، ويكون في داره يوما ، ولا يسمى مساكنا له في داره ، فكذلك هذا الذي دخل على فلان زائرا أو ضيفا لا يكون ساكنا معه فيه ، فلا يحنث إلا أن ينويه ، فحينئذ في نيته تشديد عليه ، فيكون عاملا ، ألا ترى أن الرجل قد يمر بالقرية فيبيت فيها ، ويقول : ما ساكنتها قط فيكون صادقا في ذلك ، ولو كان ساكنا في دار فحلف أن لا يسكنها ، ولا نية له ، ثم أقام فيها يوما أو أكثر لزمه الحنث ; لأن السكنى فعل مستدام حتى يضرب له المدة ، ويقال : سكن يوما أو شهرا ، والاستدامة على ما يستدام كالإنشاء . قال الله تعالى { : وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى } . أي لا تمكث قاعدا ، فيجعل استدامة السكنى بعد يمينه كإنشائه ، وكذلك اللبس والركوب ; لأنه يستدام كالسكنى ، فأما إذا أخذ في النقلة من ساعته ، أو في نزع الثوب أو في النزول عن الدابة لم يحنث عندنا استحسانا ، وفي القياس يحنث ، وهو قول زفر رحمه الله تعالى لوجود جزء من الفعل المحلوف عليه بعد يمينه إلى أن يفرغ عنه ، ووجه الاستحسان أن هذا القدر لا يستطاع الامتناع عنه ، فيصير مستثنى لما عرف من مقصود الحالف ، وهو البر دون الحنث ، ولا يتأتى البر إلا بهذا ; ولأن السكنى هو الاستقرار والدوام في المكان ، والخروج ضده ، فالموجود منه بعد اليمين ما هو ضد السكنى حين أخذ في النقلة في الحال ، ولو خرج منها بنفسه ، ولم يشتغل بنقل الأمتعة يحنث عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى : لا يحنث ; لأنه عقد يمينه على سكناه ، وحقيقة ذلك بنفسه فينعدم بخروجه عقيب اليمين ، وحكي عنه في التعليل هذه المسألة ، قال : خرجت من مكة ، وخلفت فيها دفيترات أفأكون ساكنا بمكة ؟

( وحجتنا ) في ذلك أنه ساكن فيها بثقله وعياله ، فما لم ينقلهم فهو ساكن فيها لما بينا أن السكنى فعل على سبيل الاستقرار والدوام ، وذلك لا يتأتى إلا بالثقل والمتاع ، والعرف شاهد لذلك فإنك تسأل السوقي ، أين تسكن ؟ فيقول : في محلة كذا وهو في تجارته يكون [ ص: 163 ] في السوق ، ثم يشير إلى موضع ثقله وعياله ومتاعه ، فعرفنا أن السكنى بذلك بخلاف الدفيترات ، فإن السكنى لا تتأتى بها ، مع أن من مشايخنا من يقول : إذا كان يمينه على أن لا يسكن بلدة كذا فخرج منها بنفسه لم يحنث ، وإن خلف ثقله بها ، وقد روي بعض ذلك عن محمد رحمه الله تعالى بخلاف السكنى في الدار ، فإن من يكون في المصر في السوق يسمى ساكنا في الدار التي فيها ثقله ومتاعه وعياله ، فأما المقيم بأوزجند لا يسمى ساكنا ببخارى ، وإن كان بها عياله وثقله ، وقال رضي الله عنه : وهذه المسألة تنبني على أصل في مسائل الأيمان بيننا وبين الشافعي رحمه الله تعالى أن عنده العبرة بحقيقة اللفظ ، والعادة بخلافها فلا تعتبر ; لأن المجاز لا يعارض الحقيقة وعندنا العادة الظاهرة اصطلاح طارئ على حقيقة اللغة ، والحالف يريد ذلك ظاهرا فيحمل كلامه عليه ، ألا ترى أن المديون يقول لصاحب الدين : والله لأجرينك على الشوك فيحمل على شدة المطل دون حقيقة اللفظ ، وكان مالك يقول : ألفاظ اليمين محمولة على ألفاظ القرآن ، وهذا بعيد أيضا فإن من حلف لا يستضيء بالسراج فاستضاء بالشمس لا يحنث ، والله تعالى سمى الشمس سراجا .

ومن حلف لا يجلس على البساط فجلس على الأرض لم يحنث ، والله تعالى سمى الأرض بساطا ، ولو حلف لا يمس وتدا ، فمس جبلا لا يحنث ، وقد سمى الله تعالى الجبال أوتادا ، فعرفنا أن الصحيح ما قلنا ، فإن نقل بعض الأمتعة فالمروي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، أنه يحنث إذا ترك بعض أمتعة فيها ; لأنه كان ساكنا فيها بجميع الأمتعة ، فيبقى ذلك ببقاء بعض الأمتعة فيها ، وهو أصل لأبي حنيفة حتى جعل بقاء صفة السكون في العصير مانعا من أن يكون خمرا ، وبقاء مسلم واحد منا في بلدة ارتد أهلها مانعا من أن تصير دار حرب ، إلا أن مشايخنا رحمهم الله قالوا : هذا إذا كان الباقي يتأتى بها السكنى ، أما ببقاء مكنسة أو وتد أو قطعة حصير فيها ، فيبقى ساكنا فيها فلا يحنث ، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى قريب من هذا قال : إن بقي فيها ما يتأتى لمثله السكنى به يحنث وإلا فلا ، وعن محمد رحمه الله تعالى قال : إن نقل إلى المسكن الثاني ما يتأتى له السكنى به لم يحنث ; لأن بهذا صار ساكنا في المسكن الثاني فلا يبقى ساكنا في المسكن الأول ، ولو كان في طلب مسكن آخر ، فبقي في ذلك يوما أو أكثر لم يحنث في الصحيح من الجواب ; لأنه لا يمكنه طرح الأمتعة في السكة ، فيصير ذلك القدر مستثنى لما عرف من مقصوده إذا لم يفرط في الطلب ، وكذلك إن بقي في نقل الأمتعة أياما لكثرة أمتعته ولبعد المسافة ، ولم يستأجر لذلك جمالا بل جعل [ ص: 164 ] ينقل بنفسه شيئا فشيئا لم يحنث ، وإن بقي في ذلك شهرا إذا لم يفرط ; لأن نقل الأمتعة ضد الاستقرار في ذلك المكان ، فاشتغاله به يمنعه من أن يكون ساكنا فيه فلا يحنث لهذا .

ولو حلف لا يساكن فلانا في دار قد سماها بعينها ، واقتسما وضربا بينهما حائطا ، وفتح كل واحد منهما بابا لنفسه ، ثم سكن الحالف طائفة ، والآخر طائفة لزمه الحنث ; لأنه قد ساكنه فيها بعينها ، والمعنى فيه أن شرط حنثه حين عقد اليمين أن يجمعهما فعل السكنى في الموضع الذي عينه ، وقد وجد ذلك في القسمة وضرب الحائط كما قبله ، وهذا بخلاف ما لو كانت يمينه على أن لا يساكنه في منزل ، ولم يسم دارا بعينها ، ولم ينوها ; لأن هناك بالقسمة وضرب الحائط صار كل جانب منزلا على حدة ; ولأن في غير العين يعتبر الوصف ، وفي العين يعتبر العين دون الوصف ، كما لو حلف أن لا يكلم شابا فكلم شيخا ، كان شابا وقت يمينه لم يحنث ، بخلاف ما لو حلف أن لا يكلم هذا الشاب فكلمه بعد ما شاخ يحنث ; وهذا لأنه في الدار المعينة أظهر بيمينه التبرم منها لا من فلان ، وفي غير المعين إنما أظهر التبرم من مساكنة فلان ، ولا يكون مساكنا له إذا لم يجمعهما منزل واحد .

ولو حلف أن لا يساكنه ، وهو ينوي في بيت واحد فساكنه في منزل ، كل واحد منهما في بيت لم يحنث ; لأنه نوى أكمل ما يكون من المساكنة فتصح نيته ، ويصير المنوي كالملفوظ به ، وإن حلف أن لا يسكن دارا بعينها ، فهدمت وبنيت بناء آخر فسكنها يحنث ; لأنها تلك الدار بعينها ، ومعنى هذا أن البناء وصف ، ورفع البناء الأول ، وإحداث بناء آخر يغير الوصف ، وفي العين لا معتبر بالوصف ، واسم الدار يبقى بعد هدم البناء حتى لو سكنها ، كذلك صار حانثا ; وهذا لأن الدار اسم لما أدير عليه الحائط ، فلا يزول ذلك برفع البناء أما ترى أن العرب تطلق اسم الدار على الخرابات التي لم يبق منها إلا الآثار ، قال القائل :
عفت الديار محلها فمقامها
وقال آخر :
يا دار مية بالعلياء فالسند
وهذا بخلاف ما لو حلف لا يسكن بيتا عينه ، فهدم حتى ترك صحراء ، ثم بني بيت آخر في ذلك الموضع فسكنه لم يحنث ; لأن اسم البيت يزول بهدم البناء ، ألا ترى أنه لو سكنه حين كان صحراء لم يحنث ; وهذا لأن البيت اسم لما يكون صالحا للبيتوتة فيه ، والصحراء غير صالح لذلك . واليمين المعقودة باسم لا يبقى بعد زوال الاسم ، ثم إنما حدث اسم البيت لذلك الموضع بالبناء الذي أحدث ، فكان هذا اسما غير ما عقد به اليمين ، ووزانه من الدار أن لو جعلها بستانا أو حماما ، ثم بنى دارا فسكنها لم يحنث ; لأن الاسم زال . جعلها بستانا أو حماما ثم حدث اسم الدار [ ص: 165 ] بصفة حادثة ، فلم يكن ذلك الاسم الذي انعقد به اليمين .
وإذا حلف لا يسكن دار فلان هذه ، فباعها فسكن الحالف ، ولم يكن له نية لم يحنث في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد وزفر رحمهما الله تعالى : يحنث ، وكذلك العبد والثوب ، وكل ما يضاف إلى إنسان بالملك . وجه قول محمد وزفر رحمهما الله تعالى أنه جمع في كلامه بين الإشارة والإضافة ، فيتعلق الحكم بالإشارة ; لأنها أبلغ في التعريف من الإضافة ، فإنها تقطع الشركة ، والإضافة لا تقطع الشركة ، فكان هذا بمنزلة قوله : لا أسكن هذه الدار والدليل عليه ما لو قال : والله لا أكلم زوجة فلان هذه صديق فلان هذا ، فكلم بعدما عاداه ، وفارقها يحنث لما قلنا .

وكذلك لو قال : لا أكلم صاحب هذا الطيلسان ، فكلم بعد ما باع الطيلسان يحنث وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : عقد يمينه على ملك يضاف إلى مالك ، فلا يبقى بعد زوال الملك ، كما لو كان أطلق دار فلان ، وتحقيقه من وجهين : ( أحدهما ) أن الدار لا يقصد هجرها لعينها ، بل لأذى حصل من مالكها ، واليمين تتقيد بمقصود الحالف فصار بمعرفة مقصوده كأنه قال : مادام لفلان بخلاف الزوجة والصديق ، فإنه يقصد هجرانهما لعينها ، وكذلك قوله لصاحب الطيلسان ; لأنه يقصد هجرانه لعينه لا لطيلسانه ، فكان ذكر هذه الأشياء للتعريف لا لتقييد اليمين . ( فإن قيل ) في العبد : هو آدمي ، فيقصد هجرانه لعينه ، ومع ذلك قلتم : إذا حلف لا يكلم عبد فلان هذا ، فكلمه بعد ما باعه لا يحنث . ( قلنا ) : ذكر ابن سماعة في نوادره أن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يحنث بهذا في العبد .

ووجه ظاهر الرواية أن العبد مملوك ساقط المنزلة عند الأحرار ، فالظاهر أنه إذا كان الأذى منه لا يقصد هجرانه باليمين ، فلا يجعل له هذه المنزلة ، ولكن إنما يحلف إذا كان الأذى من ملكه ; ولأن إضافة المملوك إلى المالك حقيقة كالاسم ، ثم لو جمع في يمينه بين ذكر الاسم والعين ، وزال الاسم لم يبق اليمين ، كما لو حلف لا يدخل هذه الدار بعينها ، فجعلت بستانا فدخل لم يحنث لزوال الاسم ، فكذلك إذا جمع بين الإضافة والتعيين فزالت الإضافة لا يبقى اليمين ، بخلاف الزوجة والصديق ، فالإضافة هناك ليست بحقيقة ، ولكنه تعريف كالنسبة ، وكما أنه يتعلق اليمين بالعين دون النسبة ، فكذلك هنا يتعلق بالعين دون الإضافة ، فإن نوى أن لا يسكنها وإن زالت الإضافة فله ما نوى ; لأنه شدد الأمر على نفسه بنيته ، وكذلك عند محمد رحمه الله تعالى لو نوى أن لا يسكنها ما دامت لفلان فله ما نوى ; لأن المنوي من محتملات لفظه .
وإذا حلف أن لا يسكن دار فلان أو دارا لفلان ، ولم يسم دارا بعينها ، ولم ينوها فسكن دارا له قد باعها بعد [ ص: 166 ] يمينه لم يحنث ; لأنه جعل شرط الحنث وجود السكنى في دار مضافة إلى فلان ، ولم يوجد بخلاف قوله : زوجة فلان أو صديق فلان ; لأن هناك إنما يقصد هجرانهما لعينهما ، فيتعين ما كان موجودا وقت يمينه بناء على مقصوده ، كما لو عينه وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى التسوية بينهما ، ووجه أنه عقد اليمين بالإضافة ، وحقيقة ذلك فيما لو كان موجودا وقت يمينه ، ولكن على هذه الرواية لا بد أن يقال : إذا جمع بين الإضافة والتعيين يبقى اليمين بعد زوال الإضافة عند أبي يوسف رحمه الله تعالى ، كما هو قول محمد رحمه الله تعالى ، وأما إذا سكن دارا كانت مملوكة لفلان من وقت اليمين إلى وقت السكنى ، فهو حانث بالاتفاق ، وإن سكن دارا اشتراها فلان بعد يمينه حنث في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ولم يحنث في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى .

وكذلك العبد والدابة والثوب ، ولو حلف لا يأكل طعام فلان ، أو لا يشرب شراب فلان ، فتناول شيئا مما استحدثه فلان لنفسه ، فهو حانث بالاتفاق ، وقد أشار ابن سماعة إلى التسوية بين الكل عند أبي يوسف رحمه الله تعالى لما بينا أنه عقد اليمين على الإضافة ، فما لم يوجد حقيقة وقت اليمين لا يتناوله اليمين ، فأما وجه قوله في الفرق على ظاهر الرواية : أن الطعام والشراب يستحدث الملك فيهما في كل وقت ، فعرفنا أن مقصود الحالف وجود الإضافة إلى فلان وقت التناول ، فأما الدار والعبد والدابة فلا يستحدث الملك فيها في كل وقت ، فعرفنا أن مقصوده ما كان موجودا في الحال دون ما يستحدث فيه ، فكان هذا بمنزلة الزوجة والصديق . وجه قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى أنه عقد يمينه على ملك مضاف إلى المالك ، فإذا وجدت الإضافة إلى وقت الفعل كان حانثا كما في الطعام والشراب ، وتحقيقه أن شرط حنثه وجود السكنى في دار مضافة إلى فلان بالملك ، وإنما حمله على اليمين أذى دخله من فلان ، وفي هذا لا فرق بين الموجود في ملكه وقت اليمين ، وما استحدث الملك فيه ، بخلاف الزوجة والصديق ، وقد روى محمد عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى في قوله : دارا لفلان أنه لا يحنث إذا سكن دارا اشتراها فلان بعد يمينه ، بخلاف قوله : دار فلان ; لأن اللام دليل على الملك ، فصار تقدير كلامه كأنه قال : لا أسكن دارا هي مملوكة لفلان ، فيتعين الموجود في ملكه دون ما يستحدثه ، ولا يوجد ذلك في قوله : دار فلان .

وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله على عكس هذا قال : إذا قال : دار فلان لا يتناول ما يستحدث الملك فيه ، بخلاف قوله : دارا لفلان ; لأن في قوله : دار فلان تمام الكلام بذكر الإضافة ، ألا ترى أنه لو لم يذكر فلانا كان كلاما [ ص: 167 ] مختلا ، فلا بد من قيام الملك لفلان وقت اليمين ليتناوله اليمين ، وفي قوله : دارا لفلان . الكلام تام بدون ذكر فلان ، فإنه لو قال : لا أسكن دارا كان مستقيما ، فذكر فلان لتقييد اليمين بما يكون مضافا إلى فلان وقت السكنى ، وإن حلف لا يسكن دارا لفلان ، فسكن دارا بينه وبين آخر لم يحنث ، قل نصيب الآخر أو كثر ; لأنه جعل شرط الحنث وجود السكنى في دار يملكها فلان ، والمملوك لفلان بعض هذه الدار ، وبعض الدار لا يسمى دارا .
وإن حلف لا يسكن دارا اشتراها فلان ، فسكن دارا اشتراها لغيره حنث ; لأن المشتري لغيره كالمشتري لنفسه فيما ينبني على الشراء ، ألا ترى أن حقوق العقد تتعلق به ، وأنه يستغني عن إضافة العقد إلى غيره ، وإنما رتب الحالف يمينه على الشراء دون الملك ، فإن قال : أردت ما اشتراه لنفسه ، دين فيما بينه وبين الله تعالى ولا يدين في القضاء إذا كان يمينه بالطلاق ; لأنه نوى التخصيص في اللفظ العام .
وإن حلف لا يسكن بيتا ، ولا نية له فسكن بيتا من شعر أو فسطاطا أو خيمة ، لم يحنث إذا كان من أهل الأمصار ، وحنث إذا كان من أهل البادية ; لأن البيت اسم لموضع يبات فيه ، واليمين يتقيد بما عرف من مقصود الحالف ، فأهل الأمصار إنما يسكنون البيوت المبنية عادة ، وأهل البادية يسكنون البيوت المتخذة من الشعر ، فإذا كان الحالف بدويا فقد علمنا أن هذا مقصوده بيمينه ، فيحنث بخلاف ما إذا كان من أهل الأمصار ، واسم البيت للمبني حقيقة ، فلا يختلف فيه حكم أهل الأمصار وأهل البادية ; لأن أهل البادية يسمون البيت للمبني حقيقة ، والأصل في هذا أن سائلا سأل ابن مسعود رضي الله عنه فقال : إن صاحبا لنا أوجب بدنة . أفتجزي البقر ؟ فقال : ممن صاحبكم ؟ فقال : من بني رياح . قال : ومتى اقتنت بنو رياح البقر ؟ إنما وهم صاحبكم الإبل . فدل أن عند إطلاق الكلام يعتبر عرف المتكلم فيما يتقيد به كلامه .

وإذا حلف لا يسكن بيتا لفلان ، فسكن صفة له حنث ; لأن الصفة بيت ، إلا أن يكون نوى البيوت دون الصفاف ، فيدين فيما بينه وبين الله ، ولا يدين في القضاء ; لأنه نوى تخصيص اللفظ العام . من أصحابنا من يقول : هذا الجواب بناء على عرف أهل الكوفة ; لأن الصفة عندهم اسم لبيت يسكنونه يسمى صفا ، ومثله في ديارنا يسمى كشأنه ، فأما الصفة في عرف ديارنا غير البيت فلا يطلق عليه اسم البيت ، بل ينفى عنه ، فيقال : هذا صفة وليس ببيت فلا يحنث . قال : والأصح عندي أن مراده حقيقة ما نسميه الصفة ، ووجهه أن البيت اسم لمبنى مسقف مدخله من جانب واحد ، وهو مبني للبيتوتة فيه ، وهذا موجود في الصفة ، إلا أن مدخله أوسع من مدخل البيوت المعروفة [ ص: 168 ] فكان اسم البيت متناولا له ، فيحنث بسكناه ، إلا أن يكون نوى البيوت دون الصفاف ، فحينئذ يصدق فيما بينه وبين الله تعالى ; لأنه خص العام بنيته .
ولو حلف لا يسكن دار فلان هذه ، فسكن منزلا منها حنث ; لأن السكنى في الدار هكذا تكون ، فإن الإنسان يقول أنا ساكن في دار فلان ، وإنما يسكن في بعضها فإنه لا يسكن تحت السور ، وعلى الغرف والحجر إلا أن يكون نوى أن يسكنها كلها ، فلا يحنث حينئذ حتى يسكنها كلها ; لأنه نوى حقيقة كلامه ، ومطلق الكلام وإن كان محمولا على المتعارف فنية الحقيقة تصح فيه ، كما لو قال : يوم يقدم فلان فامرأته طالق حمل على الوقت للعرف ، فإن نوى حقيقة بياض النهار عملت نيته في ذلك ، فهذا مثله حتى لو كان حلف بعتق أو طلاق يدين في القضاء ; لأن هذه حقيقة غير مهجورة ، ولو حلف لا يسكن دارا لفلان ، وهو ينوي بأجر أو عارية ، وسكنها على غير ما عني ، ولم يجر قبل ذلك كلام ، فإنه يحنث ، وما نوي لا يغني عنه شيئا ; لأنه نوى التخصيص فيما ليس من لفظه ، فإن في لفظه فعل السكنى ، وهو نوى التخصيص في السبب الذي يتمكن به من السكنى ، إلا أن يكون قبل هذا كلام يدل عليه بأن استعاره فأبى فحلف ، وهو ينوي العارية ، ثم سكن بأجر فحينئذ لا يحنث ; لأن مطلق الكلام يتقيد بدلالة الحال ويصير ذلك كالمنصوص عليه . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .
باب الدخول ( قال ) رضي الله عنه : وإذا حلف لا يدخل بيتا لفلان ، ولم يسم بيتا بعينه ، ولم يكن له نية فدخل بيتا هو فيه ساكن بأجر أو عارية ، فهو حانث عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى : لا يحنث ; لأن الإضافة إلى فلان بالملك حقيقة وبالسكنى مجاز ، فلا تجتمع الحقيقة والمجاز في لفظ واحد ، والحقيقة مرادة بالاتفاق ، فيتنحى المجاز ، واللام في قوله لفلان دليل الملك أيضا . ( وحجتنا ) في ذلك أنه عقد يمينه على الإضافة إلى فلان ، وما يسكنه فلان عارية أو إجارة مضاف إليه بمنزلة ما يسكنه بالملك ، ألا ترى أنك تقول : بيت فلان ومنزل فلان ، وإن كان نازلا فيه بأجر أو عارية ، فكذلك مع حرف اللام { ، فإن النبي عليه الصلاة والسلام حين قال لرافع بن خديج : لمن هذا الحائط ؟ فقال : لي استأجرته } ، لم ينكر عليه إضافته إلى نفسه بحرف اللام ، ولا يقول : إنه إذا دخل بيتا هو ملك فلان أنه يحنث بحقيقة الإضافة بالملك لوجود الإضافة بالسكنى [ ص: 169 ] وحاصل هذا الكلام أنه يحنث باعتبار عموم المجاز ، وفي ذلك الملك والمستعار سواء ، كمن حلف لا يضع قدمه في دار فلان فدخلها حافيا أو متنعلا أو راكبا ، يحنث باعتبار عموم المجاز ، وهو الدخول دون حقيقة وضع القدم ، ( فإن قيل ) : كيف يكون للمجاز عموم ، والمصير إليه بطريق الضرورة ؟ ( قلنا ) : العموم للحقيقة ليس باعتبار أنه حقيقة ، بل بدليل ذلك الدليل بعينه موجود في المجاز ; وهذا لأن المجاز كالمستعار ، ويحصل بلبس الثوب المستعار دفع الحر والبرد ، كما يحصل بلبس الثوب المملوك ، ولا يقال : بأن المجاز يصار إليه للضرورة بل هو أحد قسمي الكلام ، ألا ترى أن في كتاب الله تعالى مجازا وحقيقة ، والله تعالى يتعالى أن تلحقه الضرورة ، فعرفنا أن العموم يعتبر في المجاز ، كما في الحقيقة ، وعلى هذا روي عن محمد رحمه الله تعالى أنه إذا حلف لا يدخل بيتا لفلان ، فدخل بيتا أجره فلان من غيره ، لم يحنث ; لأنه مضاف إلى المستأجر بالسكنى دون الآجر .

ولو حلف لا يسكن حانوتا لفلان ، فسكن حانوتا أجره ، فإن كان فلان ممن لا يسكن حانوتا ، لا يحنث بهذا أيضا ، وإن كان يسكن حانوتا ، فحينئذ يحنث لما عرف من مقصود الحالف ، فإن من حلف لا يسكن حانوت الأمير يعلم كل أحد أن مراده حانوت يملكه الأمير ، وإذا حلف لا يدخل على فلان ، ولم يسم شيئا ، ولم يكن له نية فدخل عليه بيته ، أو في بيت غيره أو في صفة حنث ; لأنه وجد الدخول على فلان . فإن الدخول عليه في موضع يبيت هو فيه ، أو يجلس لدخول الزائرين عليه ، وذلك يكون في بيته تارة وفي بيت غيره أخرى ، والصفة في هذه كالبيت ، فيحنث لهذا ، وإن دخل عليه في مسجد لم يحنث ; لأنه معد للعبادة فيه لا للبيتوتة والجلوس لدخول الزائرين عليه ، وكذلك إن دخل عليه في ظلة أو سقيفة ، أو دهليز باب دار لم يحنث ; لأن العرف الظاهر أن جلوسه لدخول الزائرين عليه ، لا يكون في مثل هذه المواضع عادة ، وإنما يكون نادرا عند الضرورة ، فأما الجلوس عادة يكون في الصفة أو البيت ، فهو وإن أتاه في هذه المواضع لا يكون داخلا عليه ، ولا يحنث ، وكذلك لو دخل عليه في فسطاط أو خيمة ، أو بيت شعر ، لم يحنث ، إلا أن يكون الحالف من أهل البادية ، والحاصل أنه جعل قوله : لا أدخل على فلان ، وقوله : لا أدخل عليه بيتا سواء لاعتبار العرف كما بينا .
وإذا حلف لا يدخل عليه بيتا فدخل عليه في المسجد ، أو في الكعبة لم يحنث ; لأنه مصلى ، والبيت اسم للموضع المعد للبيتوتة فيه . ( فإن قيل ) : أليس أن الله تعالى سمى الكعبة بيتا بقوله { : إن أول بيت وضع للناس } ، وسمى المساجد بيوتا في قوله { : في بيوت أذن الله } ؟ ( قلنا ) : قد بينا أن [ ص: 170 ] الأيمان لا تنبني على لفظ القرآن ، وقد سمي بيت العنكبوت بيتا ، فقال { : وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت } . ثم هذا لا يدل على أن مطلق اسم البيت في اليمين يتناوله . ( قال ) : وكل شيء من المساكن يقع عليه اسم بيت حنث فيه ، وإن دخل ، ومراده ما يطلق عليه الاسم عادة في الاستعمال ، وإن دخل بيتا هو فيه ، ولم ينو الدخول عليه لم يحنث ; لأن شرط حنثه الدخول عليه ، وذلك بأن يقصد زيارته ، أو الاستخفاف به بأن يقصد ضربه ، وهذا لم يوجد إذا لم ينو الدخول عليه ، أو لم يعلم أنه فيه ، ألا ترى أن السقاء يدخل دار الأمير في كل يوم ، ولا يقال : دخل على الأمير ، وقد روي عن محمد رحمه الله تعالى أنه يحنث ، وإن لم يعلم كونه فيه ، ولم ينو الدخول عليه بأن دخل على قوم هو فيهم ، والحالف لا يعلم بمكانه ; لأن حقيقة الدخول عليه قد وجد ، ولا يسقط حكمه باعتبار جهله ، وإذا حلف لا يدخل على فلان ، ولم يسم بيتا ، ولم ينوه فدخل دارا هو فيها لم يحنث ، ألا ترى أنه لو كان في بيت منها لا يراه الداخل ، فإنه لا يكون داخلا عليه ، أرأيت أنه لو كانت الدار عظيمة فيها منازل ، فدخل منزلا منها ، وفلان في منزل آخر كان يحنث ، إنما يقع اليمين في هذا إذا دخل عليه بيتا أو صفة ; لأنه حينئذ يكون داخلا عليه حقيقة ، إلا أن يكون حلف أن لا يدخل عليه دارا ، فحينئذ يحنث إذا دخل داره ; لأن اعتبار العرف عند عدم التصريح بخلافه ، وكذلك إن نوى دارا ; لأنه يشدد الأمر على نفسه بهذه النية .
ولو حلف لا يدخل بيتا وهو فيه داخل فمكث فيه أياما لم يحنث ; لأن الدخول هو الانفصال من الخارج إلى الداخل ، ولم يوجد ذلك بعد يمينه . إنما وجد المكث فيه ، وذلك غير الدخول ، وهذا بخلاف السكنى ; لأنه فعل مستدام يضرب له مدة فتكون للاستدامة فيه حكم الإنشاء ، فأما الدخول فليس بمستدام ، ألا ترى أنه لا يضرب له المدة ، فإنه لا يقال : دخل يوما أو شهرا ، إنما يقال : دخل ومكث فيه يوما ولو قال : والله لأدخلنه غدا ، فأقام فيه حتى مضى الغد حنث ; لأن شرط بره وجود فعل الدخول في غد ، ولم يوجد ، إنما وجد المكث فيه فإذا نوى بالدخول الإقامة لم يحنث ; لأن المنوي من محتملات لفظه ، فإن الدخول لمقصود الإقامة وكأنه جعل ذكر الدخول كناية عما هو المقصود ، فلهذا لم يحنث .
وإن قال : والله لا أدخلها إلا عابر سبيل فدخلها ليقعد فيها ، أو يعود مريضا ، أو يطعم حنث ; لأنه عقد يمينه على الدخول ، واستثنى دخولا بصفة ، وهو أن يكون عابر سبيل أي مجتازا ومار طريق . قال الله تعالى { : ولا جنبا إلا عابري سبيل } . وقد وجد الدخول لا على الوجه المستثنى فيحنث ، وإن [ ص: 171 ] دخلها مجتازا ، ثم بدا له أن يقعد فيها لم يحنث ; لأن دخوله على الوجه المستثنى فلم يحنث به ، وبقي ما وراء ذلك مكث في الدار ، وذلك غير الدخول ، فلا يحنث به أيضا ، وإن نوى بكلامه أن لا يدخلها لا يريد النزول فيها صحت نيته ; لأنه عابر سبيل يكون مجتازا في موضع ، ولا يكون نازلا فيه ، فجعل هذا مستثنى دليل على أن مراده منع نفسه مما هو ضده ، وهو الدخول للنزول فإذا صحت نيته صار المنوي كالملفوظ ، وإذا دخلها يريد أن يطعم أو يقعد لحاجة ، ولا يريد المقام فيها لم يحنث ; لأن شرط حنثه دخول بصفة ، وهو أن يكون للسكنى والقرار ، ولم يوجد وإذا حلف لا يدخل دار فلان فجعلها بستانا أو مسجدا ، ودخلها لم يحنث قال : لأنها قد تغيرت عن حالها ، ولم يرد تغير الوصف ; لأن ذلك لا يرفع اليمين إذا لم يكن وصفا داعيا إلى اليمين ، وإنما أراد تغيير الاسم ; لأنه عقد اليمين باسم الدار ، والبستان والمسجد والحمام غير الدار فإذا لم يبق ذلك الاسم لا يبقى اليمين ، وكذلك لو كانت دارا صغيرة فجعلها بيتا واحدا ، وأشرع بابه إلى الطريق ، أو إلى دار فدخله لم يحنث ; لأنها قد تغيرت ، وصارت بيتا ، وهذا إشارة إلى ما قلنا : أن اسم البيت غير اسم الدار ، فمن ضرورة حدوث اسم البيت لهذه البقعة زوال اسم الدار
وإن حلف لا يدخل بيتا بعينه فهدم سقفه ، وبقيت حيطانه فدخله يحنث ; لأنه بيت ، وإن انهدم سقفه ، قال الله تعالى { : فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا } أي ساقطة سقفها ; ولأن البيت اسم لما هو صالح للبيتوتة فيه ، وما بقيت الحيطان فهو صالح لذلك ، وإن لم يكن مسقفا بخلاف ما لو انهدمت الحيطان ; لأنه صار صحراء غير صالح للبيتوتة ، فلا يتناوله اسم البيت .
وإن حلف لا يدخل دار فلان ، فاحتمله إنسان فأدخله وهو كاره لم يحنث ; لأنه مدخل لا داخل ، ألا ترى أن الميت قد يدخل الدار ، وفعل الدخول منه لا يتحقق ، وإن أدخله بأمره حنث ; لأن فعل الغير بأمره كفعله بنفسه ، فأما إذا لم يأمره ، ولكنه غير ممتنع راض بقلبه حتى أدخله ، فقد قال بعض مشايخنا يحنث ; لأنه لما كان متمكنا من الامتناع ، فلم يفعل صار كالآمر به ، وإدخاله مكرها إنما يكون مستثنى ; لأنه لا يستطيع الامتناع عنه ، والأصح أنه لا يحنث ; لأنه عقد يمينه على فعل نفسه ، وقد انعدم فعله حقيقة وحكما ; لأن فعل الغير يغيره أمره ، واستعماله إياه لا يصير مضافا إليه حكما إلا بأمره ، ولم يوجد ، أما بترك المنع والرضا بالقلب فلا ، وإن دخلها على دابة حنث ; لأن سير الدابة يضاف إلى راكبها ، ألا ترى أن الراكب ضامن لما تطأ دابته ، وأنه يتمكن من إيقافه متى شاء ، فكان هذا والدخول ماشيا سواء .
وإن حلف لا يضع قدمه فيها فدخلها [ ص: 172 ] راكبا أو ماشيا عليه حذاء ، أو لم يكن حنث ; لأن وضع القدم عبارة عن الدخول عرفا ، فإذا نوى حين حلف أن لا يضع قدمه ماشيا فدخلها راكبا لم يحنث ; لأنه نوى حقيقة كلامه ، وهذه حقيقة مستعملة غير مهجورة ، وإن حلف لا يدخلها فقام على حائط من حيطانها حنث ; لأنه قد دخلها ، فإن القائم على حائط من حيطانها ليس بخارج منها ، فعرفنا أنه داخل فيها ، ألا ترى أن السارق لو أخذ في ذلك الموضع ، ومعه المال لم يقطع ، كما لو أخذ في صحن الدار . توضيحه : أن الدار اسم لما أدير عليه الحائط ، فيكون الحائط داخلا فيه ، ألا ترى أنه يدخل في بيع الدار من غير ذكر .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,571.50 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,569.82 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (0.11%)]