|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
|||
|
|||
|
اقتباس:
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
الدرس الحادي عشر.. الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله ، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .. أما بعد فهذا لقاء يتجدد مع قاعدة قرآنية عظيمة القدر ، لعظيم أثرها في حياة العبد ، وهي قاعدة لها صلة بالنفوس و القلوب و تزكية القلب و تزكية النفس ، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى : {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ} ،، فاطر : 18 الله تبارك و تعالى يُوضح لنا في هذه القاعدة القرآنية أن التزكية إنما المُستفيد منها هو ذلك العبد المُكلف ؛ رجلا كان أو إمرأة ،، فما هي التزكية ؟ التزكية في اللغة مصدر زكى الشيء يزكيه ، وهي تُطلق ويُراد بها معنيان : المعنى الأول : الطهارة و السلامة من العيوب ، و الأخلاق الرديئة و السيئة ، ومنه قوله تعالى عن يحيى عليه السلام : (وزكاة وكان تقياً) ، فإن الله زكاه وطهر قلبه وفؤاده ، وهذا تطهير معنوي ، ويُطلق على التطهير الحسي ، يُقال : زكيت الثوب إذا طهرته . والمعنى الثاني : هو الزيادة و النمو ، يقال زكى المال يزكوا إذا نمى . و منه تسمية الزكاة زكاة ؛ لأن أثرها الحقيقي هو نمو في المال .. و ايضا زكاة النفس ( طهارتها من أدرانها ) هو في الحقيقة نمو في أخلاقها الطيبة و أفعالها الحميدة الحسنة .. و المعنى الشرعي للتزكية يدور على هذين الأمرين ، يدل على خُلو النفس من الأخلاق الرديئة ، كما يدل على زيادة في أخلاقها الطيبة و الصالحة ،،، و هذان المعنيان كلاهما مُراد شرعا ؛ بل آيات التزكية في القرآن كلها يُقصد منها أن يُحقق الإنسان هذين الأمرين : سلامة من الأخلاق الرديئة ، و تخلق بالأخلاق الحسنة ، و لهذا يقول بعض المُعبرين عن ذلك إن الزكاة للنفس ـ باختصار ـ تدور على مرحلتين : مرحلة التخلية ، ثُم بعد ذلك التحلية . والمقصود بالتخلية : أي تطهير القلب من ردئ الأخلاق ، والمقصود بالتحلية : أي تحلية النفس بمكارم الأخلاق ، وطيب الشمائل.. وهما عمليتان تسيران جنباً إلى جنب ، فالمؤمن مُطالب "بالتنقِّي من العيوب ، كالرياء والكِبر ، والكذب والغش ، والمكر والخداع والنفاق ، ونحو ذلك من الأخلاق الرذيلة ، ومُطالب بالتحلَّى بالأخلاق الجميلة ، من الصدق ، والإخلاص ، والتواضع ، ولين الجانب ، والنُصح للعباد ، وسلامة الصدر من الحقد والحسد وغيرهما من مساوئ الأخلاق ، فإن تزكيته يعود نفعها إليه ، ويصل مقصودها إليه ، ليس يضيع من عمله شيء" ،، تفسير السعدي : (687) وعلى هذا المعنى جاءت الآيات القرآنية بالأمر بتزكية النفس وتهذيبها بطرق شتى ، فمن ذلك مثلا أن الله سبحانه و تعالى جعل من مقاصد بعثة النبي صلى الله عليه و سلم هو هذا الأمر ؛ تزكية النفوس ،، تأمل قول الله عز و جل : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ،، [آل عمران : 164] ، وقال تعالى :{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِين} الجمعة : 2 لاحظ أنه عز و جل جاء بالتزكية قبل العلم و الحكمة لأن القلب إذا زُكى صار تلقيه لشرع الله سبحانه و تعالى أقوى و أسرع ، و لذلك اجتهد النبي صلى الله عليه و سلم في المرحلة المكية على هذا الأصل العظيم وهو تزكية النفوس و تهيئتها ، فلما واجه المشركين في غزوة بدر على غير ميعاد ظهرت البطولات ، و ظهرت التضحيات ، و ظهرت آثار هذه التزكية القرآنية الإيمانية النبوية .. و من ذلك أيضا ما ذُكره الله عز و جل عن نبيه ابراهيم عليه السلام لما بنى البيت ، دعا بدعوات عظيمة كان منها ذلك الدعاء : { ربنا و ابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك و يعلمهم الكتاب و الحكمة و يُزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم }, البقرة : 129 و ثالث المواضع التي تدل على عناية الشرع بأمر التزكية هو سورة الشمس ، ومن تأمل سورة الشمس ، أدرك عظيم هذه الغاية ، وخطورة هذه العبادة الجليلة ، فإن الله تعالى أقسم أحد عشر قسماً مُتتابعاً على أن فلاح النفس لا يكون إلا بتزكيتها ! ولا يُوجد في القرآن نظير لهذا ـ أعني تتابع أحد عشر قسماً على مُقْسَمٍ واحد ( قد أفلح من زكاها )ـ وهو ـ بلا ريب ـ دليل واضح ، وبرهان ساطع على خطورة هذا الموضوع .،، أطول قسم في القرآن يأتي من أجل هذه القضية ، و هى قضية تزكية النفس ؛ ذلك أن القلب إذا لم يزكو فكيف يتلقى الشرائع ، و كيف يمتثلها ، و كيف يضحي من أجل دينه ؟؟؟؟؟ و حتى يتبين لك هذا المعنى جيدا انظر إلى الذين ( عياذا بالله ) فُرغت قلوبهم من هذا المعنى الشرعي العظيم : كيف هى حالهم ؟ و كلما كان الإنسان أكثر كفرا و عنادا و جحودا كان أعظم بُعدا عن هذا المعنى الشرعي ؛ و لذلك كان سادات الذين تزكت نفوسهم هم الرسل و الأنبياء عليهم الصلاة و السلام .. إذا اتضح لنا هذا المعنى تبين لنا سر من أسرار اهتمام أهل العلم رحمهم الله تعالى بهذا الجانب ،، و من قرأ مثلا كتاب الإمام ابن القيم ( رحمه الله تعالى) " مدارج السالكين " وجده يدور حول تحقيق مدارج العبودية التي تزكو بها النفس ،،، و لابن تيميه ( رحمه الله تعالى ) رسائل مستقلة كالتحفة العراقية و غيرها من الرسائل و الكتب ، هذا - فضلا عن كلامه المنشور في فتاواه - يجد عناية بالغة جدا بهذ الأمر ؛ أعني تزكية النفوس .. و من قرأ تراجم السلف رحمهم الله تعالى و كلماتهم و خصوصا في كتاب " حلية الأولياء " ، و أنصح بقراءة مُختصراته لأن الأصل لا يُناسب إلا أهل العلم ،،،، أقول من قرأ في مًُختصراته وجد العناية الفائقة من قِبل أئمة السلف من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم و من التابعين و أتباعهم بهذا الامر العظيم ،،، فما أكثر حديثهم عن التقوى ،، و ما اكثر حديثهم عن الإخلاص ،، و ما أكثر حديثهم عن الخشية ,,,عن المُراقبة ،، عن التوكل ،،، عن الصدق ،، عن اليقين ،، في سلسلة عظيمة من الأخلاق التي هي قواعد يقوم عليها بناء النفس و تزكيتها .. إن منطوق هذه القاعدة القرآنية : {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ} يدل بوضوح أن أعظم أثر لهذه التزكية هو أثرها على نفسي المُتزكي ، ومفهومها يتضمن تهديداً : أنك إن لم تتزكَ يا عبد الله ، فإن أعظم مُتضرر بإهمال التزكية هو أنت . ولئن كانت هذه القاعدة تعني كل مسلم يسمعها ، فإن حظ الداعيةِ وطالبِ العلم منها أعظم وأوفر ، لأن الأنظار إليه أسرع ، والخطأ منه أوقع ، والنقد عليه أشد ، ودعوته يجب أن تكون بحاله قبل مقاله . ولعظيم منزلة تزكية النفس في الدين ، كان الأئمة والعلماء المصنفون في العقائد يؤكدون على هذا الأمر بعبارات مختلفة ، ذكر شيخ الإسلام ابنُ تيميه رحمه الله جملةً من الصفات السلوكية والأخلاقية لأهل السنّةِ ومن ذلك قولُه : "يأمرون بالصبر عند البلاء ، والشكرِ عند الرخاء ، ويدعون إلى مكارمِ الأخلاق ومحاسن الأعمالِ ، ويعتقدون معنى قولِه صلى الله عليه وسلم : "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنُهُم خلقاُ" ،، ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفاسفها" انتهى . وإنما نص أئمة الدين على ذلك ؛ لأن هناك تلازماً وثيقاً بين السلوك والاعتقاد : فالسلوك الظاهرُ مرتبطٌ بالاعتقادِ الباطن ، فأيُّ انحرافٍِ في الأخلاقِ إنما هو من نقص الإيمان الباطن ، قال ابنُ تيميه رحمه الله : (إذا نقصت الأعمالُ الظاهرةُ الواجبةُ ، كانَ ذلك لنقص ما في القلب من الإيمان ، فلاُ يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب ، أن تُعدم الأعمالُ الظاهرةُ الواجبةُ" ،، ينظر : مجموع الفتاوى 7/582، 616،621. ويقول الشاطبيُّ رحمه الله : "الأعمالُ الظاهرةُ في الشرع دليلٌ على ما في الباطن ؛ فإذا كان الظاهرُ منخرماً أو مستقيماً حُكم على الباطن بذلك" ،، الموافقات 1/233. فالسلوكُ والاعتقادُ مُتلازمان ، كذلك فإن من الأخلاقِ والسلوك ما هو من شُعَبِ الإيمان . هناك سؤال يتبادر إلى الذهن ونحن نتحدث عن هذه القاعدة القرآنية : {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ} كيف نزكي نفوسنا ؟ والجواب عن هذا يطول جداً ، لكنني أشير باختصار إلى أهم وسائل تزكية النفس ، فمن ذلك : 1-أعظم ما تُزكى به النفوس هو توحيد الله تعالى ، وقوة التعلق به . 2- مُلازمة قراءة القرآن ، وتدبره . 3- كثرة الذكر عموماً . 4- المُحافظة على الصلاة المفروضة ، وقيام الليل ولو قليلاً . 5- لزوم مُحاسبة النفس بين الفينة والأخرى . 6- حضور الآخرة في قلب العبد . 7- تذكر الموت ، وزيارة القبور . 8- قراءة سير الصالحين . وفي مقابل هذا... فإن العاقل من يتنبه لسد المنافذ التي قد تفسد عليه أثر تلك الوسائل ( وسائل تزكية النفس ) ؛ لأن القلب الذي يتلقى الوسائل والعوائق موضع واحد لا يمكن انفصاله . إذن لا يكفي أن يأتي الإنسان بالوسائل بل لا بد من الانتباه إلى العوائق ، مثل : النظر إلى المُحرمات ، أو سماع المُحرمات ، اطلاق اللسان فيما لا يعني فضلاً عما حرم الله تعالى . اسأل الله عز وجل أن يرحمنا و إياكم برحمته الواسعة ، و أن يرزقنا و إياكم زكاة قلوبنا و نفوسنا .. و الحمد لله رب العالمين ، و صلى الله و سلم على نبينا محمد و على آله و صحبه ,,
__________________
الحمد لله الذي أمـر بالجهاد دفاعـاً عن الدين، وحرمة المسلمين، وجعله ذروة السنام، وأعظـم الإسلام، ورفعـةً لأمّـة خيـرِ الأنـام. والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد ، وعلى آلـه ، وصحبه أجمعيـن ، لاسيما أمّهـات المؤمنين ، والخلفاء الراشدين،الصديق الأعظم والفاروق الأفخم وذي النورين وأبو السبطين...رضي الله عنهم أجمعين. ![]() ![]() |
|
#3
|
||||
|
||||
|
اقتباس:
جزاكم الله خيرا مراقبنا الفاضل ابو الشيماء سبحان الله نرى بعض الناس يقترف بعض المنكرات وعند تنبيهه لفعله يقول لك لا تسيء الظن بي فإن قلبي سليم ومن هنا اقول لهم تمعنوا بقراءة العبارة التالية: ويقول الشاطبيُّ رحمه الله : "الأعمالُ الظاهرةُ في الشرع دليلٌ على ما في الباطن ؛ فإذا كان الظاهرُ منخرماً أو مستقيماً حُكم على الباطن بذلك" وفق الله الجميع للسير على الطريق الحق ...
__________________
![]() ![]() بصمتك في المنتدى ستبقى حتى بعد رحيلك, فلتكن دوما في الخير وجدد النيّة لله تعالى عند كل تواجد, تكن من السعداء
![]() |
|
#4
|
||||
|
||||
|
الدرس الثاني عشر. الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله ، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد : فهذا لقاء يتجدد مع قاعدة قرآنية عظيمة الصلة بواقع الناس ، وازدادت الحاجة إلى التنويه بها في هذا العصر الذي اتسعت فيه وسائل نقل الأخبار ، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى : (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)، الحجرات : 6 وهذه القاعدة القرآنية المُحكمة جاءت ضمن سياق الآداب العظيمة التي أدب الله بها عز و جل عباده في سورة الحجرات ، قال تعالى( : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) الحجرات : 6 ولهذه الآية الكريمة سبب نزول توارد المفسرون على ذكره ، وخلاصته.. أن الحارث بن ضرار الخزاعي رضي الله عنه ـ سيد بني المصطلق ـ لما أسلم اتفق مع النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث له ـ في وقت اتفقا عليه ـ جابياً يأخذ منه زكاة بني المصطلق ، فخرج رسولُ رسولِ صلى الله عليه وسلم في ذلك الزمان الذي اتفق عليه ؛ لكنه خاف فرجع في منتصف الطريق ، فاستغرب الحارث بن ضرار تأخر رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الوقت ذاته لما رجع الرسول إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله ! إن الحارث منعني الزكاة ، وأراد قتلي ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث إلى الحارث ، فالتقى البعث الذين بعثهم الرسول صلى الله عليه وسلم مع الحارث بن ضرار في الطريق ، فقال لهم : إلى من بُعثتم ؟ قالوا : إليك ! قال : ولِمَ ؟ قالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد بعث إليك الوليد بن عقبة ، فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله ! قال : لا والذي بعث محمداً بالحق ، ما رأيته بتة ولا أتاني ، فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قال : منعت الزكاة وأردت قتل رسولي ؟! قال : لا والذي بعثك بالحق ، ما رأيته ولا أتاني ، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسولُك ، خشيت أن تكون كانت سخطة من الله عز وجل ورسوله ، قال فنزلت آية سورة الحجرات : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)، انتهى الحديث مختصراً ، وقد رواه الإمام أحمد بسند لا بأس به ، ويعضده الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر على أنه هذه الآية نزلت في هذه القصة . وجاء في قراءة سبعيّة مُتواترة(إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتثبتوا)وهذه القراءة تزيد الأمر وضوحاً ، فهي تأمر عموم المؤمنين حين يسمعون خبراً أن يتحققوا بأمرين : الأول : التثبت من صحة الخبر .الثاني:التبيّن من حقيقته . فإن قلتَ : فهل بينهما فرقٌ ؟ فالجواب : نعم ، لأنه قد يثبت الخبر للإنسان ، ولكنه لا يُدْرى ما وجهه ! ولعلنا نُوضح ذلك بقصة وقعت فصولها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مسجده في العشر الأواخر ليُوصل زوجته صفية رضي الله عنها إلى بيتها ، فرآه رجلان ، فأسرعا في المسير فقال : على رسلكما إنها صفية . فلو نقل ناقل أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يمشي مع امرأة في سواد الليل لكان صادقاً ، لكنه لم يتبين حقيقة الأمر ، وهذا هو التبين الذي دلت عليه القراءة الأخرى . وهذا مثال قد يُواجهنا يومياً : فقد يرى أحدنا شخصاً دخل بيته والناس مُتجهون إلى المساجد لأداء صلاتهم جماعة مع المسلمين .فلو قال قائلإني رأيت فلاناً قد دخل بيته و قد أُقيمت الصلاة ، لكان ذلك القائل مُصيبا في قوله ، لكن هل تبين سبب ذلك ؟ وما يدريه ؟! فقد يكون الرجل لتوه قدم من سفر ، وقد جمَعَ جمْع تقديم فلم تجب عليه الصلاة أصلاً ، و قد يكون عنده مريض في البيت ، أو لغير ذلك من الأعذارإذن هذا هو مقام التنين بعد ان تحقق مقام التثبت. وهذا مثال آخر قد يُواجهنا في شهر رمضان مثلاً : قد يرى أحدنا شخصاً يشرب في نهار رمضان ماءً أو عصيراً ، أو يأكل طعاماً في النهار ، فلو نقل ناقل أنه رأى فلاناً من الناس يأكل أو يشرب لكان صادقاً ، ولكن هل تبين حقيقة الأمر ؟ قد يكون الرجل مُسافراً وأفطر أول النهار فاستمر في فطره على قول طائفة من أهل العلم في إباحة ذلك ، وقد يكون مريضاً ، وقد يكون ناسياً ،... الخ تلك الأعذار . وإن هذه القاعدة القرآنية التي تأمرنا ان نتبين و نتثبت في مقام الاخبار لها دلالات أخرى ، منها : 1)أن خبر العدل مقبول غير مردود ، اللهم إلا إن لاحت قرائن تدل على وهمه وعدم ضبطه فإنه يُرد قوله ؛ و على ذلك جرى أئمة الحديث في نقدهم للمرويات التي تُروى ,, 2) أنه سبحانه لم يأمر بردِّ خبر الفاسق وتكذيبه ورد شهادته جملةً ، وإنما أمر بالتبين ، فإن قامت قرائن وأدلة من الخارج تدل على صدقه عُمل بدليل الصدق ، ولو أخبر به من أخبر" ، مدارج السالكين (1 / 360) 3) ومنها : أنها تضمنت ذم التسرع في إذاعة الأخبار التي يُخشى من إذاعتها ، ولقد عاب ربنا تبارك وتعالى هذا الصنف من الناس ، كما في قوله عز وجل) :وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ(، النساء : 83 ، وقال تعالى : (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ)، يونس : 39 ، ينظر : القواعد الحسان في تفسير القرآن (98). 4)أن في تعليل هذا الأدب بقوله : (أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)ما يُوحي بخطورة التعجل في تلقي الأخبار عن كل أحدٍ و في بثها ، خصوصاً إذا ترتب على تصديق الخبر طعنٌ في أحد ، أو بُهتٌ له . إذا تبين هذا المعنى ، فإن من المُؤسف أن يجد المسلم خرقاً واضحاً من قبل كثير من المسلمين لهذه القاعدة القرآنية المحكمة : ( فَتَبَيَّنُوا) ، ( فتثبتوا )، وازداد الأمر واتسع مع وسائل الاتصال المُعاصرة كأجهزة الجوال والإنترنت وغيرها من الوسائل ! وأعظم من يُكذب عليه من الناس في هذه الوسائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فكم نُسبت إليه أحاديث ، وقصص لا تصح عنه ، بل بعضها كذب عليه ، لا يصح أن يُنسب لآحاد الناس فضلاً عن شخصه الشريف صلى الله عليه وسلم . ويلي هذا الأمر في الخطورة التسرع في النقل عن العلماء ، خصوصاً العلماء الذين ينتظر الناس كلمتهم ، ويتتبعون أقوالهم ، وكلُّ هذا محرم لا يجوز ، وإذا كُنا أُمرنا في هذه القاعدة القرآنية : (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)أن نتحرى ونتثبت من الأخبار عموماً ، فإنها في حق النبي صلى الله عليه وسلم و في حق ورثته من العلماء أشد وأشد . ومثل ذلك يُقال : في النقل عما يصدر عن ولاة أمور المسلمين ، أو عن خواص المسلمين ممن يكون لنقل الكلام عنهم له أثره ، فالواجب التثبت والتبين ، قبل أن يندم الإنسان ولات ساعة مندم . ولا يقتصر تطبيق هذه القاعدة القرآنية : (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)على ما سبق ذكره فحسب ، بل هي قاعدة تمتد لتصل إلى حياتنا الخاصة و العامة ؛ إنها قاعدة يحتاجها الزوجان ، و يحتاجها الآباء مع أبنائهم ، والأبناء مع آبائهم .ولله كم من بيت تقوضت أركانه بسبب الإخلال بتطبيق هذه القاعدة القرآنية ! هذه رسالة قد تصل إلى جوال أحد الزوجين ، فإن كانت من نصيب جوال الزوجة ، واطلع الزوج عليها ، سارع إلى الطلاق قبل أن يتثبت من حقيقة هذه الرسالة التي قد تكون رسالة طائشة جادة أو هازلة جاءت من مُغرض أو على سبيل الخطأ ! و قل مثل ذلك في حق رسالة طائشة جادة أو هازلة تصل إلى جوال الزوج ، فتكتشفها الزوجة ، فتتهم زوجها بخيانة أو غيرها ، فتُبادر إلى طلب الطلاق قبل أن تتثبت من حقيقة الحال !ولو أن الزوجين أعملا هذه القاعدة القرآنية : ( فَتَبَيَّنُوا) ، ( فتثبتوا ) لما حصل هذا كلّهبإذن الله . وإذا انتقلتَ إلى ميدان الصحافة أو غيرها من المنابر الإعلامية ، وجدت عجباً من خرق سياج هذا الأدب عند عدد غير قليل من الكُتاب و الصحفيين .. فكم من تحقيقات صحفية بُنيت على خبر إما أصله كذب ، أو ضُخّم وفُخّم حتى صُور للقراء على أن الأمر بتلك الضخامة والهول ، وليس الأمر كما قيل ! والواجب على كل مؤمن مُعظم لكلام ربه أن يتقي ربه ، وأن يتمثل هذا الأدب القرآني الذي أرشدت إليه هذه القاعدة القرآنية الكريمة : (فَتَبَيَّنُوا ) ،(فتثبتوا ) ,, جعلنا الله وإياكم من المُتأدبين بأدب القرآن العاملين به ، وإلى لقاء جديد أستودعكم الله ، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
__________________
الحمد لله الذي أمـر بالجهاد دفاعـاً عن الدين، وحرمة المسلمين، وجعله ذروة السنام، وأعظـم الإسلام، ورفعـةً لأمّـة خيـرِ الأنـام. والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد ، وعلى آلـه ، وصحبه أجمعيـن ، لاسيما أمّهـات المؤمنين ، والخلفاء الراشدين،الصديق الأعظم والفاروق الأفخم وذي النورين وأبو السبطين...رضي الله عنهم أجمعين. ![]() ![]() |
|
#5
|
||||
|
||||
|
اقتباس:
يسر الله امرك اخونا الفاضل راحلين لاعليك , تابع مع الاخت راغبة في رضا الله في حملتها المخصصة للحفظ والمراجعة وان شاء الله تسعد هناك .. ولا تنسى متابعة دروس شيخنا الفاضل ابو الشيماء على صفحتنا هذه وفقكم الله لكل خير وتقبل منا ومنكم صالح الاعمال في حفظ الله
__________________
![]() ![]() بصمتك في المنتدى ستبقى حتى بعد رحيلك, فلتكن دوما في الخير وجدد النيّة لله تعالى عند كل تواجد, تكن من السعداء
![]() |
![]() |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| مع القرآن |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |