|
|||||||
| ملتقى الأخت المسلمة كل ما يختص بالاخت المسلمة من امور الحياة والدين |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
جويرية بنت الحارث.. وبصمات لا تُمحى د. رولا الحيت
امرأة ذات عقل رصين، وحكمة بالغة، ولدت في بيت زعامة وشرف ونشات في رغد من العيش، كان لها مكانة رفيعة ووجاهة بين قومها، بل كانت المرأة الأعظم بركة على قومها، هكذا وصفتها السيدة عائشة رضي الله عنها. إنها أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها، التي كانت لها بصمات خالدة غيرت مجرى التاريخ، وكانت أشبه بالمنارات التي تلهم الأجيال الصاعدة كيفية صناعة الأثر الإيجابي في المجتمع. ولدت السيدة جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار في بيت زعامة وشرف؛ فوالدها كان سيد بني المصطلق وقائد قومه. أما سيرتها مع النبي صلى الله عليه وسلم فإن حياتها لم تكن مجرد قصة زواج مبارك فقط، بل كانت رحلة تحول إستراتيجية وإنسانية عميقة. من الأسْر إلى أرفع مقام ابتداء، كان انتقالها من قمة العز في قومها إلى محنة الأسر، لكن سرعان ما انتقلت إلى أرفع مقام تشرف به امرأة، مقام «أم المؤمنين»، ففي السنة الخامسة للهجرة قاد أبوها حشداً لقتال المسلمين، فوقعت غزوة «بني المصطلق» (المريسيع)، التي انتهت بهزيمة قومها ووقوعها في السبي. أصبحت ابنة الوجاهة والسيادة ملكاً للصحابي ثابت بن قيس بن شماس، لكنها لم تستسلم لواقعها الجديد، بل طلبت «المكاتبة»؛ وهي اتفاق مالي لشراء حريتها، والمكاتبة شرعاً هي عقد بين السيد وعبده يعتق بموجبه العبد مقابل مال يؤديه للسيد في أوقات معلومة (على أقساط)، وقد سُميت «مكاتبة» لأن السيد والعبد يكتبان بينهما كتاباً يشترطان فيه المبلغ والآجل، وذهبت السيدة جويرية رضي الله عنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم تطلب عونه في سداد كتابتها. يروي المؤرخون أنها كانت امرأة ذات عقل رصين وحكمة بالغة، فعرض عليها النبي صلى الله عليه وسلم ما هو خير من ذلك، عرض عليها أن يقضي كتابتها ويتزوجها، فوافقت واعتنقت الإسلام بصدق ويقين. كان زواج النبي صلى الله عليه وسلم من جويرية رضي الله عنها حدثاً اجتماعياً وسياسياً بامتياز، فعندما علم الصحابة بهذا الزواج، تسارعوا إلى إطلاق سراح من بأيديهم من أسرى بني المصطلق، قائلين: «أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وكانت النتيجة عتق مائة أهل بيت من قومها. تقول السيدة عائشة رضي الله عنها في هذا الحدث: «فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها». إسلام بني المصطلق هذا الحدث لم يحرر الأجساد فحسب، بل حرر العقول، فقد أسلم بنو المصطلق عن بكرة أبيهم، وتحولوا من أعداء محاربين إلى جنود مخلصين في صفوف الدولة الإسلامية الناشئة. بعد زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم غيَّر اسمها من «برة» إلى «جويرية»؛ كراهة لتزكية النفس، وأن يُقال: «خرج من عند برّة»، لما في اسم «برّة» (البارة أو الصالحة) من تزكية ومدح للنفس. مواقف وسيرة وعطرة وأما عن سيرتها العطرة بعد زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم فقد كانت رضي الله عنها ذات صبر وعبادة، كثيرة الذكر لله، ولعلنا نستطيع أن نلمس ذلك من خلال الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على جويرية بنت الحارث وهي في مسجد، ثم مر بها قريباً من نصف النهار، فقال لها: «ما زلت على حالك!»، فقالت: نعم، قال: «ألا أعلمك كلمات تقولينها؛ سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته، سبحان الله مداد كلماته، سبحان الله مداد كلماته» (رواه الترمذي). تتضمن سيرة السيدة جويرية ومضات تربوية وتوجيهية يحتاجها جيل الشباب اليوم لمواجهة تحديات العصر الرقمي والتحولات المتسارعة: أولاً: المرونة النفسية والنهوض بعد الانكسار يواجه الشباب اليوم صدمات وفشلاً في الدراسة أو العمل قد يدفعهم لليأس، تُعلمنا السيدة جويرية كيف أن خسارة المركز الاجتماعي والوقوع في الأسر لم يكسر روحها، بل تحركت بإيجابية وعقلانية لتغيير واقعها وتأمين حريتها. ثانياً: المسؤولية الاجتماعية وصناعة الأثر لم تفكر السيدة جويرية في خلاصها الفردي فقط؛ بل كان وجودها سبباً في نجاة مجتمع كامل؛ وذلك بحث الجيل الجديد على ألا يكون أنانياً، بل يبحث عن التخصصات والمشاريع التي تخدم وطنه ومجتمعه. ثالثاً: قيمة العقل والحكمة قبل الجمال تميزت رضي الله عنها برصانة العقل والقدرة على التفاوض وعرض قضيتها بوضوح أمام صاحب القرار (النبي صلى الله عليه وسلم)؛ هذا يوجه الفتيات إلى الاستثمار في الوعي، والثقافة، وبناء الشخصية الفكرية، بدلاً من الانجرار خلف قشور المظاهر التي تروج لها منصات التواصل. رابعاً: الإنتاجية المعرفية والروحية لم تكتفِ بكونها زوجة قائد الأمة، بل أصبحت وعاءً للعلم والحديث الشريف، ومثالاً في الانضباط الروحي، هذا يذكر الشباب بأهمية الموازنة بين النجاح الدنيوي وتغذية الروح بالقيم السامية والعبادة. لقد عاشت السيدة جويرية رضي الله عنها بقية حياتها في المدينة المنورة، تنشر العلم وتضرب أروع الأمثلة في العطاء، حتى وافتها المنية في ربيع الأول 56هـ على الراجح، ودُفنت في البقيع بعد حياة حافلة بالبركة والخير. إن إحياء سيرتها اليوم ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو استدعاء لنموذج القيادة النسائية الحكيمة والمؤثرة التي نحتاجها لبناء جيل واعٍ ومستقر.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |