|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
بين طي الآفاق ودفء الفراش عبدالله بن إبراهيم الحضريتي الخطبة الأولى الحمد لله الذي خلق الزمان والمكان، وطوى بقدرته الفيافي والأكوان، سبحانه لا تُقيِّده القوانين ولا تحكمه الأزمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الدَّيَّان، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صاحب الآيات الباهرة، والمعجزات الظاهرة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأطهار، ما تعاقب الليل والنهار، أما بعد:أيها المؤمنون الأحِبَّة، إنَّ في نواميس الكون التي أودعها الله فيه طردًا بين القوة والزمن، يعرفه العلماء بأبحاثهم، ويلمسه البسطاء في حياتهم؛ فكلما تعاظمت القوة وتسارعت، تقاصر الزمن وتضاءل. ومثال ذلك في واقعنا البشري: أنك لو طلبت من طفل صغير في بدء عمره، يكاد يتعثر في خطواته، أن يأتيك بشيء لا يبعد عنه إلا قليلًا، لاستغرق في ذلك دهرًا من دقائقه؛ لضعف بنيته وقلة حيلته. بينما لو ندبت للأمر نفسه رجلًا جلدًا مقدامًا، لوثب وثبةً لا يرتد معها طرفك حتى تكون حاجتك بين يديك؛ فبفضل القوة الفارقة انطوى الزمن. ونحن نشهد هذا التدرج- يا رعاكم الله- في رحلة المرء من حاضرة "الليث" إلى بيت الله الحرام في "مكة"؛ فمن يسير على قدميه حاملًا عناءه، يقطع الفيافي في يوم أو يومين، ثم يقل ذلك العناء ويقصر المدى لو ركب دابةً، ثم يتلوه تداني المسير جدًّا متى استقلته سيارةٌ أو طائرةٌ، حتى صارت الصواريخ النفَّاثة ومركبات الفضاء اليوم تطوي القارات وتختصر المسافات الشاسعة في دقائق معدودات. فإذا كان الإنسان، على ضعفه ومحدودية مَلَكاتِه، قد صنع بالقوة التي أودَعَها الله فيه هذا الاختصار الزمني، فما ظنُّكم بقدرة ربِّ العالمين، وجلال خالق السماوات والأرضين؟! عند الملك الحق تتلاشى المقاييس البشرية، ويسقط حكم الزمن تمامًا؛ فالزمن مخلوق من مخلوقاته، والخالق سبحانه لا تحكمه قوانين صنعته. ومن هنا نتفهم لماذا استفتح الله جل وعلا كتابه بتنزيه نفسه وتقديس ذاته في مطلع معجزة الإسراء، فقال: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ﴾ [الإسراء: 1]. وقد صاغ الشاعر هذه المعاني فقال: سَرَى شَوْقًا لِأَطْرافِ البِلادِ ![]() وَأَشْواقُ النَّبِيِّ لَها مَدادُ ![]() سُبْحانَ مَنْ أَسْرَى بِهِ فِي لَيْلَةٍ ![]() طُوِيَتْ لَهُ الآفاقُ وَالأَبْعادُ ![]() دَعَاهُ اللَّهُ لِلْعَلْياءِ حَتَّى ![]() تَدَانَى النَّجْمُ وَانْقادَ الوِهادُ ![]() بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلامًا على عبده المصطفى، وعلى آله وصحبه أهل الصدق والوفا، أما بعد:أيها المشتاقون لأنوار النبوَّة، لقد تعامَى المشركون بغباوتهم عن حقيقة اللفظ القرآني في الإسراء؛ فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم لم يقل لهم: "إني سريت بنفسي"، فلو كان الفعل منه لجاز لهم بمقاييس البشر أن يُكذِّبوه؛ لأنه لا يملك البشر قوةً تقطع رحلة شهرين في جزء من الليل، ولكنه صلى الله عليه وسلم قال: "أُسْري بي"، فالمسري هو الله، وإذا نسب الفعل إلى المولى العظيم فلا تسل عن الزمن كيف كان، ولا عن المدى كيف انطوى! ولم تكن الرحلة إلى بيت المقدس فحسب، بل عرج به صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلا، فجاز سماءً تِلْوَ سماء، حتى بلغ سِدْرةَ المنتهى وعندها جنة المأوى، وكلَّمه ربُّه بما أوحى، ثم عاد إلى بيت المقدس، ومنه راجعًا إلى مكة، والمسافات الشاسعة تطوى طيًّا بقُدرة الله، وفراشه الشريف لم يكد يبرد بعد! ونحن نعلم بالعادة أن نوم الإنسان يكسب مضجعَه دفئًا من حرارة جسده، فإذا قام استغرق الفراش وقتًا ليبرد، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم رحل وعاد ومكانه لا يزال دافئًا؛ مما يعني أن تلك الرحلة الكونية الكبرى لم تستغرق بمعايير أهل الأرض إلا زمنًا يسيرًا جدًّا. وفي هذا المشهد العجيب، يقول أمير الشعراء أحمد شوقي في نهج البردة: أَسْرَى بِكَ اللَّهُ لَيْلًا إِذْ مَلَائِكُهُ ![]() وَالرُّسْلُ فِي مَسْجِدِ الأَقْصَى عَلَى قَدَمِ ![]() لَمَّا خَطَرْتَ بِهِ لَفُّوا بِسَيِّدِهِمْ ![]() كَالشُّهْبِ بِالبَدْرِ أَوْ كَالجُنْدِ بِالعَلَمِ ![]() جُزْتَ السَّمَاوَاتِ أَوْ مَا فَوْقَهُنَّ بِهِمْ ![]() عَلَى مُنَوَّرَةٍ سُبْحَانَ مُقْتَسِمِ ![]() وما أجمل ما نَظَمَه شاعرٌ آخر في جلال القدرة الإلهية: وَعادَ وَما يَزالُ الدِّفْءُ فِيهِ ![]() فِراشٌ لَمْ يُغادِرْهُ الطَّهارُ ![]() أَتُطْوَى الأَرْضُ وَالأَفْلاكُ طَيًّا ![]() بِأَمْرِ اللَّهِ لَيْسَ لَها خِيارُ ![]() نَعَمْ وَاللَّهِ.. قُدْرَةُ مَنْ إِذَا مَـ ![]() ـا أَرَادَ الأَمْرَ شَعَّ لَهُ النَّهارُ ![]() إنَّه التسليم المطلق لقدرة من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؛ فإذا أراد سبحانه أمرًا فليس ثمت عائق، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82]. أيها المسلمون الأكارم، إن رحلة الإسراء والمعراج لم تكن مجرد معجزة تاريخية نندهش لأجلها، بل هي رسالة حية تطرق باب قلب كل واحد منا؛ رسالة تخبرك بأن القيود التي تُكبِّلك في حياتك، والظروف التي تظنها مستحيلةً، والزمن الذي تشعر أنه يسبقك.. كلها تتلاشى أمام عتبة اليقين بحول الله وقوته. إذا كان الله قد طوى لرسوله صلى الله عليه وسلم مسافات الكون في لمحة بصر، أفلا يطوي عنك همومَك؟ أفلا يقرب لك طموحاتك؟ التفت إلى نفسك يا عبد الله؛ ما هي "الآفاق" التي تطمح إلى قطعها في مسيرتك؟ ما هي الصعاب التي تظنُّها سدًّا منيعًا أمام نجاحك، أو توبتك، أو رفعة أمتك؟ إن من كان ربُّه هو رب الإسراء، لا يعرف قلبه العجز، ولا ترضى نفسه بالدون. ارفعوا سقف طموحاتكم، وجددوا عزائمكم، ولا تستصعبوا أمرًا ما دام التوفيق بيد من يقول للشيء كن فيكون. أخرجوا من هذه الجُمُعة بقلوب لا تلتفت للمثبطات، وبهمم تعانق السماء، واعلموا أن المستحيل كلمة في قواميس البشر، أما في ميزان القدرة الإلهية، فالأمر كلمحة بصر أو هو أقرب. اللهم يا قادر يا عظيم، اجعل قلوبنا مليئةً باليقين والتسليم لقدرتك، والتصديق بآياتك. اللهم احشرنا في زمرة نبيِّك المرسل، واسقنا من حوضه الشريف شربةً هنيئةً لا نظمأ بعدها أبدًا. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحفظ بلادنا وبلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. عباد الله، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90]، فاذكروا الله العظيم يذكركم، وأقم الصلاة.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |