|
|||||||
| الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (الرسالة التدمرية) تحقيق الإثبات للأسماء والصفات، وبيان حقيقة الجمع بين الشرع والقدر سائد بن جمال دياربكرلي قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ابن تيمية الحرَّاني رضي الله عنه وأرضاه: الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: فقد سألني من تعيَّنت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس من الكلام في التوحيد والصفات، وفي الشرع والقدر؛ لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين، وكثرة الاضطراب فيهما، فإنهما مع حاجة كل أحد إليهما، ومع أن أهل النظر والعلم والإرادة والعباد لا بد أن يخطر لهم في ذلك من الخواطر والأقوال ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال، لا سيَّما مع كثرة من خاض في ذلك بالحق تارةً وبالباطل تاراتٍ، وما يعتري القلوب في ذلك من الشُّبَه التي توقعها في أنواع الضلالات، فالكلام في باب التوحيد والصفات هو من باب الخبر، الدائر بين النفي والإثبات، والكلام في الشرع والقدر هو من باب الطلب والإرادة، الدائر بين الإرادة والمحبة، وبين الكراهة والبغض نفيًا وإثباتًا[1]. ما يجب على العبد في باب الصفات والقدر: فلا بدَّ للعبد أن يثبت لله ما يجب إثباته له من صفات الكمال، وينفي عنه ما يجب نفيه عنه مما يضادُّ هذه الحال، ولا بد له في أحكامه من أن يثبت خلقه وأمره، فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته، وعموم مشيئته، ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويؤمن بشرعه وقدره إيمانًا خاليًا من الزلل، وهذا يتضمن التوحيد في عبادته وحده لا شريك له؛ وهو التوحيد في القصد والإرادة والعمل، والأول يتضمن التوحيد في العلم والقول، كما دل على ذلك سورة: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾، ودلَّ على الآخر سورة: ﴿ قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾، وهما سورتا الإخلاص والكافرون، وبهما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بعد الفاتحة في ركعتي الفجر وركعتي الطواف، وغير ذلك. فأما الأول: (وهو التوحيد في الصفات)؛ فالأصل في هذا الباب أن يُوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رُسُله نَفْيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه[2]. التوحيد في الصفات ومذهب السلف فيها: وقد عُلِم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحادٍ لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذمَّ الذين يُلحدون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 180]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾ [فصلت: 40] الآية؛ فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، ففي قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ردٌّ للتشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ ردٌّ للإلحاد والتعطيل[3]. طريقة الرسل في إثبات الصفات: الإثبات المفصَّل، فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته، كقوله: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ [البقرة: 255] الآية بكمالها، وقوله: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1]، ﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ [الإخلاص: 2] السورة، وقوله: ﴿ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم ﴾ [التحريم: 2]، ﴿ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾ [الروم: 54]، ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [إبراهيم: 4]، ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [يونس: 107]، وقوله: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ [الحشر: 22]، ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الحشر: 23]، ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الحشر: 24]، إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أسماء الرب تعالى وصفاته، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل، ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل، فهذه طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين[4]. طريقة المعَطِّلة في إثبات الصفات: وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين، والذين أوتوا الكتاب، ومن دخل في هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة والجهمية والقرامطة والباطنية ونحوهم؛ فإنهم على ضد ذلك، يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يثبتون إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل؛ وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان، فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل، فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات، ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلًا يستلزم نفي الذات. فغلاتهم يسلبون عنه النقيضين، فيقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل؛ لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبَّهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبَّهوه بالمعدومات، فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول، وحرَّفوا ما أنزل الله من الكتاب، وما جاء به الرسول، فوقعوا في شر مما فرُّوا منه، فإنهم شبَّهوه بالممتنعات؛ إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات، وقد عُلم بالاضطرار أن الوجود لا بد له من موجد واجب بذاته غني عما سواه، قديم أزلي لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم، فوصفوه بما يمتنع وجوده فضلًا عن الوجوب أو الوجود أو القِدم. وقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم؛ فوصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد عُلِم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن لا فيما خرج عنه من الموجودات، وجعلوا الصفة هي الموصوف؛ فجعلوا العلم عين العالم مكابرة للقضايا البديهات، وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى؛ فلم يميزوا بين العلم والقدرة والمشيئة جحدًا للعلوم الضروريات. وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام من المعتزلة ومن اتَّبعهم؛ فأثبتوا لله الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات؛ فمنهم من جعل العليم والقدير، والسميع والبصير كالأعلام المحضة المترادفات، ومنهم من قال: عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بصير بلا سمع ولا بصر، فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات[5]. الاتفاق في الأسماء والصفات بين الله وبعض خلقه لا يقتضي التماثل: وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مُسَمَّى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا؛ بل وجود هذا يخصُّه، ووجود هذا يخصُّه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد، ولا في غيره، فلا يقول عاقل إذا قيل: "إن العرش شيء موجود، وإن البعوض شيء موجود"، إن هذا مثل هذا؛ لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود؛ لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه؛ بل الذهن يأخذ معنًى مشتركًا كليًّا؛ هو مسمى الاسم المطلق، وإذا قيل: هذا موجود وهذا موجود؛ فوجود كلٍّ منهما يخصه لا يشركه فيه غيره، مع أن الاسم حقيقة في كل منهما؛ ولهذا سمى الله نفسه بأسماء، وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتِّحادهما عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص فضلًا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص. فقد سمى الله نفسه حيًّا فقال: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ [البقرة: 255]، وسمى بعض عباده حيًّا فقال: ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ﴾ [الروم: 19]، وليس هذا الحي مثل هذا الحي؛ لأن قوله: ﴿ الْحَيُّ ﴾؛ اسم لله مختص به، وقوله: ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ﴾؛ اسم للحي المخلوق مختص به؛ وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص؛ ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج؛ ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق، ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يُفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى. وكذلك سمى الله نفسه عليمًا حليمًا، وسمى بعض عباده عليمًا فقال: ﴿ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ﴾ [الذاريات: 28]؛ يعني: إسحاق، وسمى آخر حليمًا فقال: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾ [الصافات: 101]؛ يعني: إسماعيل، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم، وسمى نفسه سميعًا بصيرًا فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [النساء: 58]، وسمى بعض عباده سميعًا بصيرًا فقال: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [الإنسان: 2]، وليس السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير[6]. في بيان الأصلين في الرد على نفي الصفات أو بعضها الأصل الأول: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر فإن كان المخاطب ممن يقول: بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه، وغضبه وكراهته، فيجعل ذلك مجازًا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات، فيقال له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته؛ بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه وهذا هو التمثيل، وإن قلت: إن له إرادة تليق به كما أن للمخلوق إرادة تليق به قيل لك: وكذلك له محبة تليق به وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به وللمخلوق رضا وغضب يليق به، وإن قلت: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام فيقال له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، فإن قلت: هذه إرادة المخلوق قيل لك: وهذا غضب المخلوق. وكذلك يلزم القول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته، إن نُفي عنه الغضب والمحبة والرضا ونحو ذلك مما هو من خصائص المخلوقين، فهذا مُنْتَفٍ عن السمع والبصر والكلام وجميع الصفات، وإن قال: إنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين فيجب نفيه عنه، قيل له: وهكذا السمع والبصر والكلام والعلم والقدرة، فهذا المفرق بين بعض الصفات وبعض يقال له فيما نفاه كما يقوله هو لمنازعه فيما أثبته، فإذا قال المعتزلي: ليس له إرادة ولا كلام قائم به؛ لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بالمخلوقات، فإنه يبين للمعتزلي أن هذه الصفات يتصف بها القديم، ولا تكون كصفات المحدثات، فهكذا يقول له المثبتون لسائر الصفات من المحبة والرضا ونحو ذلك[7]. الأصل الثاني: القول في الصفات كالقول في الذات فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. فإذا كان له ذاتٌ حقيقةٌ لا تماثل الذوات، فالذات متصفةٌ بصفاتٍ حقيقةٍ لا تماثل سائر الصفات، فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟ قيل له كما قال ربيعة ومالك وغيرهما رضي الله عنهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة؛ لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه، وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: لا أعلم كيفيته، قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله؛ إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه، واستوائه ونزوله، وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟! وإذا كنت تقرُّ بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره وكلامه ونزوله واستواؤه ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين، وبصرهم وكلامهم ونزولهم واستواؤهم، وهذا الكلام لازم لهم في العقليات وفي تأويل السمعيات، فإن من أثبت شيئًا ونفى شيئًا بالعقل؛ إذًا أُلزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته، ولو طُولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا لم يجد بينهما فرقًا؛ ولهذا لا يوجد لنُفاة بعض الصفات دون بعض - الذين يوجبون فيما نفوه: إما التفويض، وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ - قانون مستقيم. فإذا قيل لهم: لم تأوَّلتم هذا وأقررتم هذا والسؤال فيهما واحد؟ لم يكن لهم جواب صحيح، فهذا تناقضهم في النفي وكذا تناقضهم في الإثبات، فإن من تأوَّل النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر، لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه، فإذا قال قائل: تأويل محبته ورضاه وغضبه وسخطه هو إرادته للثواب والعقاب، كان ما يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في الحب والمقت والرضا والسخط، ولو فسر ذلك بمفعولاته وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب، فإنه يلزمه في ذلك نظير ما فرَّ منه، فإن الفعل لا بد أن يقوم أولًا بالفاعل، والثواب والعقاب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه ويرضاه، ويسخطه ويبغضه المثيب المعاقب، فهم إن أثبتوا الفعل على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثَّلوا وإن أثبتوه على خلاف ذلك، فكذلك الصفات[8]. في المثلين المضروبين في الرد على من نفى الصفات أو بعضها هروبًا من التشبيه والتمثيل: وأما المثلان المضروبان: فإن الله - سبحانه وتعالى - أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات من أصناف المطاعم والملابس والمناكح والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبنًا وعسلًا وخمرًا وماءً ولحمًا وحريرًا وذهبًا وفضةً وفاكهةً وحورًا وقصورًا، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء. وإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق - سبحانه وتعالى - أعظم مباينة للمخلوقات منه مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا؛ إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق، وهذا بَيِّنٌ واضح؛ ولهذا افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق: فالسلف والأئمة وأتباعهم آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وأن مباينة الله لخلقه أعظم. والفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب والعقاب، ونفوا كثيرًا مما أخبر به من الصفات، مثل طوائفَ من أهل الكلام. والفريق الثالث: نفوا هذا وهذا؛ كالقرامطة والباطنية والفلاسفة أتباع المشائين ونحوهم من الملاحدة، الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، ثم إن كثيرًا منهم يجعلون الأمر والنهي من هذا الباب، فيجعلون الشرائع المأمور بها والمحظورات المنهي عنها لها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، كما يتأوَّلون من الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت، فيقولون إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، وإن صيام رمضان كتمان أسرارهم، وإن حج البيت السفر إلى شيوخهم، ونحو ذلك من التأويلات التي يعلم بالاضطرار أنها كذب وافتراء على الرسل - صلوات الله عليهم - وتحريف لكلام الله ورسوله عن مواضعه وإلحاد في آيات الله، وقد يقولون الشرائع تلزم العامة دون الخاصة فإذا صار الرجل من عارفيهم ومحققيهم وموحديهم رفعوا عنه الواجبات وأباحوا له المحظورات، وقد يدخل في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب. وهكذا القول في المثل الثاني، وهو أن الروح التي فينا فإنها قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية، وقد أخبرت النصوص أنها تعرج وتصعد من سماء إلى سماء، وأنها تقبض من البدن وتسل منه كما تسل الشعرة من العجينة، والناس مضطربون فيها، فمنهم طوائف من أهل الكلام يجعلونها جزءًا من البدن أو صفةً من صفاته؛ كقول بعضهم أنها النفس أو الريح التي تردد في البدن، وقول بعضهم: إنها الحياة أو المزاج أو نفس البدن، ومنهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتَّصف بها إلا ممتنع الوجود، فيقولون لا هي داخلة في البدن ولا خارجة ولا مباينة له، ولا مداخلة له ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عرض، وقد يقولون: إنها لا تدرك الأمور المعينة والحقائق الموجودة في الخارج؛ وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة، وقد يقولون: إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة، وربما قالوا: ليست داخلة في أجسام العالم ولا خارجة عنها، مع تفسيرهم للجسم بما لا يقبل الإشارة الحسية، فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة إليها ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تلحقها بالمعدوم والممتنع. وإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل، قالوا: بل هذا ممكن؛ بدليل أن الكليات ممكنة موجودة، وهي غير مشار إليها، وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في العيان، فيعتمدون فيما يقولونه في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال الذي لا يخفى فساده على غالب الجهال[9]. فصل: في الخاتمة الجامعة وفيها قواعد: القاعدة الأولى: أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي إن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي، فالإثبات كإخباره بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وإنه سميع بصير ونحو ذلك، والنفي كقوله: ﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾ [البقرة: 255]. وينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء فهو كما قيل: ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال. فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًّا لإثبات مدح؛ كقوله: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾ [البقرة: 255] إلى قوله: ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾ [البقرة: 255]، فنفي السِّنَة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبين لكمال أنه الحي القيوم، وكذلك قوله: ﴿ ولا يئوده حفظهما ﴾؛ أي: لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها، بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته، وعيب في قوته[10]. القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به، عرفنا معناه أو لم نعرف، وما تُنُوزِع فيه نفيًا وإثباتًا يُتَوقف فيه حتى يُعرف مراد من أثبت أو نفى إن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به - سواء عرفنا معناه أو لم نعرف - لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمنٍ الإيمان به وإن لم يفهم معناه، وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصًا في الكتاب والسنة، متفق عليه بين سلف الأمة، وما تنازع فيه المتأخرون نفيًا وإثباتًا فليس على أحد - بل ولا له - أن يوافق أحدًا على إثبات لفظه أو نفيه حتى يعرف مراده، فإن أراد حقًّا قَبِل وإن أراد باطلًا رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يُقبل مطلقًا ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى، كما تنازع الناس في الجهة والتحيُّز وغير ذلك، فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله، فيكون مخلوقًا كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السموات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم، ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه، كما فيه إثبات العلو والاستواء والفوقية والعروج إليه ونحو ذلك، وقد عُلم أن ما ثَمَّ موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق - سبحانه وتعالى - ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلًا في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات. وكذلك يقال لمن قال الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟ أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل. وكذلك لفظ التحيز: إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيُّه السموات والأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ [الزمر: 67]، وقد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟"، وفي حديث آخر: "وإنه ليدحوها كما يدحو الصبيان بالكرة"، وفي حديث ابن عباس: "ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم"، وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات - أي مباينٌ لها منفصلٌ عنها ليس حالًّا فيها - فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سمواته على عرشه بائنٌ من خلقه[11]. القاعدة الثالثة: في بيان قول القائل: ظاهر النصوص مراد أو ليس بمراد إذا قال القائل: ظاهر النصوص مراد أو ظاهرها ليس بمراد فإنه يُقال: لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين أو ما هو من خصائصهم فلا ريب أن هذا غير مراد، ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمُّون هذا ظاهرها، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلًا، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال، والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين: تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ حتى يجعلوه محتاجًا إلى تأويل يخالف الظاهر ولا يكون كذلك، وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل، فالأول كما قالوا في قوله: "عبدي جعت فلم تطعمني"؛ الحديث، وفي الأثر الآخر: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه أو قَبَّله فكأنما صافح الله وقَبَّل يمينه" وقوله: "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن"، فقالوا: قد عُلِم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق، فيقال لهم: لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لم تدل إلا على حق، أما الواحد فقوله: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافَحَ الله وقَبَّل يمينه" صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله، ولا هو نفس يمينه؛ لأنه قال: "يمين الله في الأرض" وقال: "فمن قَبَّله وصافحه فكأنما صافح الله وقَبَّل يمينه"، ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به، ففي نفس الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحًا لله، وأنه ليس هو نفس يمينه، فكيف يجعل ظاهره كفرًا؛ لأنه محتاج إلى التأويل، مع أن هذا الحديث إنما يُعرَف عن ابن عباس. وأما الحديث الآخر فهو في الصحيح مفسرًا: "يقول الله: عبدي جعت فلم تطعمني، فيقول: رب، كيف أطعمك وأنت ربُّ العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا جاعَ، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي، عبدي مَرِضْتُ فلم تَعُدْني فيقول: رب، كيف أعُودك وأنت ربُّ العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مَرِضَ، فلو عُدْتَه لوجدتني عنده"، وهذا صريح في أن الله سبحانه لم يمرض ولم يَجُع، ولكن مرض عبدُه وجاع عبدُه فجعل جوعَه جوعَه، ومَرَضَه مَرَضَه، مفسرًا ذلك بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عُدْتَه لوجدتني عنده، فلم يبقَ في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل. وأما قوله: "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن"، فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه، ولا في قول القائل: هذا بين يدي ما يقتضي مباشرته ليديه، وإذا قيل: السحاب المسخر بين السماء والأرض لم يقتضِ أن يكونَ مماسًّا للسماء والأرض، ونظائر هذا كثيرة[12]. القاعدة الرابعة: في بيان المحاذير التي يقع فيها من يتوهم في بعض الصفات أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين ثم يريد أن ينفي ما فهمه وهو أن كثيرًا من الناس يتوهَّم في بعض الصفات أو كثير منها أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير: أحدها: كونه مثَّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل. يتبع
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |